الفصل 25 | من 37 فصل

رواية سطور عانقها القلب الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
44
كلمة
4,133
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 68%
حجم الخط: 18

أصبحت شغلتها كل يوم أن تراقب ذلك اللص الصغير، الذي يتسلل برشاقة وجسمه الضئيل ويعبر داخل حديقة منزلهم، ليسرق من شجرة المانجه ما يحب. ضحكت وهي تراه قادمًا بعباءته الصغيرة وقفطانه المتسخ من الطين. اقترب من شجرته المفضلة ووقف يطالع ثمارها الناضجة قبل أن يحسم قراره ويتسلقها بخفة، ثم يبدأ بالتهام الثمار حتى يشبع أولًا، وبعدها يأخذ ما يكفيه ويغادر قبل أن يلتقطه حارس هذا المنزل.

هبطت "جنه" الدرج راكضة، تلمع في عينيها الشقاوة كأنها طفلة صغيرة. تعلقّت عيناها به وهو يصعد الشجر بسرعة قصوى بعد أن ألقى بنظرة خاطفة حوله. تقدمت من الشجرة المقصودة بخفة، تتحرك بخطوات لعوبة نحو هدفه، وهي تنوي أن اليوم سيصبح الأرنب الذي ستصطاده. ضحكت على أفكارها الطفولية وقد أصبحت أخيرًا أسفل الشجرة. شهقت بفزع، تكتم صوت شهقتها بعدما سلطت عيناها للأمام. "عش دبابير!

وصلت شهقتها للصغير، وعندما التقطت أذنه ما هتفت به، لم يتحكم في توتره وسقط على الفور من فوق جذع الشجرة، وثمرة المانجه بين أسنانه يقضمها، وقد وضعها للتو داخل فمه. تعالت ضحكتها رغماً عنها من المشهد، ولم تكن تقصد سقوطه. فزحف الصغير بجسده المنبطح أرضًا وهو يشعر بالألم، يُحدق بها بفزع: "مش هعمل كده تاني والله، بس ما تقوليش للراجل أبو شنب كبير يضربني." ضحكت جنه أكثر وهي تعلم بمن يقصد، فلا يقصد سوى بغفير بيتها.

قطبت ما بين جبينها، تحك أنفها تفكر في طلبه، وقد انتظر سماع جوابها وهو يحاول الوقوف حتى يهرب من أمامها. "مش أنت سرقت لازم تتعاقب." صدم الصغير من عبارتها، وهتف برجاء: "آخر مرة والله.. مش هعمل كده تاني ومش هسرق حاجة بعد كده." نظرت إليها جنه بدعابة أكثر: "أنت لص ولازم تتعاقب." احتدمت ملامح الصغير وهو يسمع عبارتها: "أنا مش لص، وانتوا عندكم شجر كتير ومانجه كتيرة، حرام تاكلوها لوحدكم."

ارتفع حاجبا "جنه" ذهولًا، فقد جعل لحاله الحق في السرقة. "وكمان لمض الله الله." كشر الصغير، وقد اعتدل من سقوطه وأخذ ينفض ثيابه، ثم قذف إليها ما التقطه متمتمًا: "خدي مانجتكم أهي، مالكيش حاجة عندي خلاص." سار بخطوات عرجاء من أمامها، وبشجاعة أدهشتها. فهو لم يخف منها بل جعلها هي المخطئة. ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة واسعة تسأله وهي تسير خلفه: "طب والمانجه اللي سرقتها قبل كده فين؟

التفت الصغير نحوها، قبل أن يسرع في خطواته حتى يتخلص من ثرثرتها التي تعطلّه عن هربه، فيكفيها إنها أضاعت ثمارها وجعلته يسقط أرضًا: "أكلتها، افتحلك بطني يعني عشان تاخديها." استمعت لعبارته قبل ركضه، فاتسعت حدقتاها ذهولًا. وسرعان ما كانت تفيق من دهشتها تهتف بصوت عالٍ وقد صدحت ضحكاتها: "تعالى خد اللي انت عايزه، بس متسرقش تاني لأن دي سرقة والسرقة حرام."

توقف الصغير مكتنًا، والتف نحوها ببطء، ينظر في عينيها لعله يجد الصدق بهما. عاد الصغير إليها مهرولًا، حتى ينال كل ما يريده من حديقة هذا المنزل بعدما سمحت له. وبأنفاس لاهثة أخذ الصغير يخبرها عن سبب سرقته: "محمود صاحبي قالي إن دي مش سرقة، عشان إنتوا ناس أغنيا ومش هتفرق معاكم المانجه اللي هاخدها." أشفقت على حاله، وقد علقت عيناها للتو برثة ثيابه. جثّت فوق ركبتيها أمامه، تمسك يديه بحنو وعطف:

"طب هو اللي مش بيسرق، بيدخل من على السور خايف ولا بيدخل لأصحاب البيت من الباب؟ حرك الصغير رأسه بتفهم، يتمتم بنبرة جعلتها تحتضنه بقوة: "ما أنا لو مسرقتش المانجه مش هاكلها خالص، وأنا بحب المانجه." اتلمعت عينا "جنه" بالدموع، وقد ذكرها بطفولته. فرغم ثراء أهل والدها إلا أنها لم تكن تحيا إلا حياة البسطاء كحال الكثير من الناس، يجلبون الضروريات وينسون شيئًا يُسمى الرفاهيات. نهضت من أمامه بعدما مسحت فوق خديه برفق:

"تعالى كل يوم هديك المانجه اللي أنت عايزها، فرحان بقي يا سيدي." لتُهلل أسارير الطفل، متسائلًا بعدما انحنى نحو ثمار المانجة التي سقطت منه أثناء سقوطه يلتقطها ويمسحها بثوبه: "ينفع أجيب محمود صاحبي معايا؟ أومأت له برأسها، لتتسع عينا الصغير بسعادة، وركض من أمامها بعدما حصل على ما أراده. *** أخذ لقاءها به يقتحم عقلها دون هوادة، تتذكر حديثه ونظراته. ولم تكن غبية في أن تظن أن هذا الرجل.. أرادها زوجة دون أي نوايا أخرى.

دفعه لشقيقها المال ووضع المساومة، فإما تركه ليتم سجنه أو مساعدته من أجل خلاصه. زفرت أنفاسها بثقل، تُغمض عينيها بإرهاق. فلو كانت تعلم أنه حينما سجدت داعية الله أن يخلصها من حياتها التي أنهكتها، كان دعاؤها مسموعًا وسيستجيب الله دعاءها. خرجت من زيجة لتدخل مرغمة زيجة أخرى. وليست زيجتها بالرجل آخر كحال زيجتها من مسعد. إنه "عامر السيوفي" ذلك الرجل الذي لا تُناسبه بتاتًا لا هي ولا عائلتها.

اقتحمت المخاوف عقلها، بالتأكيد هي نزوة ليست إلا، وسينالها ثم يُطلقها وتحمل لقب مطلقة. اشتد الألم داخل رأسها، تستمع لصوت زوجة أخيها السعيد بتلك الزيجة التي بالتأكيد ستعود عليها وعلى أولادها بالنفع. تعالت زغروطتها وقد تم كل شيء وأصبحت زوجة لهذا الرجل في ظرف يومين. وكما أخبرتها إنه لا يترك شيئًا يريد. "مبروك يا حياة، ولا وبضتلك في القفص واتجوزتي واحد مالي مركزه ومعاه فلوس متتعدش." ألقت "سناء" عبارتها ببعض الحقد.

سقطت دموع "حياة" وهي تقبض فوق فستانها الأبيض واقتربت من الشرفة، تنظر نحو مدخل حارتها. فقد زين لها شقيقها الشارع بالأنوار حتى يشعرها بكونها عروسًا. "جوزك مستنيكي يا حياة." تمتم بها "رجب" الذي دخل للتو، يطرق عيناه أرضًا، يقتحمه شعور الذنب لأنه أجبرها على هذا الزواج حتى تخلصه من السجن. التفتت نحوهم ببطء، بعدما جففت دموعها. فلم يعد لبكائها داعٍ، فقد أصبحت زوجته وانتهى الأمر.

تحركت نحو باب الغرفة ترفع فستانها بيديها، تسير بملامح باهتة وأعين يحتلها الخواء. تلاقت عيناها بعيني شقيقها، فعاد يطرق "رجب" رأسه يهتف بأسف وندم. مما جعل "سناء" ترمقهم بنظرات ممتعضة على تلك الدراما التي تراها. فلو كانت مكانها لطارت من السعادة لزواجها من رجل كهذا. "سامحيني يا حياة." *** دَلفت من باب المنزل بتوتر، وهي تطالع نظرات الخدم الذين وقفوا مترقبين رؤية العروس الجديدة الثانية لسيدهم.

الكل كان متعجبًا من زيجته الأخرى السريعة. ولكن لا أحد يستطيع التحدث بشيء. بل الجميع ابتلع تساؤلاته وانتظروا العروس الجديدة. ارتجف جسدها تنظر نحو كفه بعدما قبض فوق ذراعها يحركها برفق جواره. طالع ارتجافها يرمقها بحدة. فابتلعت لعابها وأخذت أنفاسها تعلو وهي تشعر بالخوف مما هو قادم. اتجه بها نحو سيدة تجلس باستقراطية فوق مقعدها، ومن هيئتها علمت إنها والدته. "ناهد هانم، والدتي يا حياة."

نهضت "ناهد" عن مقعدها، بعدما ساعدتها مرافقتها، فمدت كفيها تتحسس وجهها بيديها. ورغم صعوبة ما يحدث لها إلا أنها تقبلت فعلتها برحابة صدر، تنتظر تقييم السيدة الكبيرة لها. "مبروك! هتفت بها "ناهد" بجفاء بعدما فرغت من ملامسة كل أنحائها بيديها، ثم أشاحت عيناها عنها. كأنها تخبرها أن وجودها لا تُحبذه في بيتها ولم تنل استحسانها. ابتلعت غصتها بألم. والدته لا تطيقها. بالتأكيد لأنها ليست من مستواهم ولا تليق بهم.

هذه كانت الأفكار التي عادت تقتحم عقلها. التفتت نحو الواقف خلفها بهيئته الجامدة يطالعهما حتى قال هو أخيرًا، بنبرة جامدة بعدما رأى عدم ترحيب والدته بها: "حليمة، خدي ناهد هانم على أوضتها عشان ترتاح." أسرعت المرافقة، في تلبية أمره. فاتجهت "ناهد" بعينيها صوبه. ليرى في والدته نظرة كان يعلمها. شيعها بعينيها وهي تسير جوار مرافقته يقسم داخله إنه سيروض الزوجة الجديدة على طباعها. سيجعل من حاله قصة جديدة.

"للسيد والزوجة التي لا تهتف إلا بكلمة نعم." أخفضت "حياة" تلك المسكينة عيناها، بعدما عد ذلك الثقل يجثم فوق روحها المنهكة. اقترب منها الواقف أخيرًا، بعدما أسرع الخدم أيضًا بالانصراف والعودة إلى أعمالهم: "الهانم كبيرة طباعها صعبة شوية، ومش بتتقبل الناس بسهولة." وبصوت خالٍ من المشاعر وقف يأمرها، بعدما رفع وجهها نحوه، وقد أصبح يشعر بالضيق من حركتها هذه حينًا يُحادثها:

"أتمنى ما أسمعش شكوى من حد فيكم، ونعيش بسلام في البيت.. لآني حياتي مش فاضية لسماع المشاكل." وقف يخبره عن نظام حياته، وما يُحبه ولا يحبه. وهي تستمع لكلماته، فركت كفيها بقوة، تشعر برغبة قوية في البكاء. ولكنها تمالكت بؤسها ووقفت تسمعه: "ما أسمعش كلمة حاضر أو مفهوم.. ولا كلامي مش واضح." وبجمود حاول إظهاره في صوته تسأل، وقد أخذت عيناه تتفرس ملامحها الشاحبة: "حاضر."

منحته الكلمة التي أرادها، فارتسمت ابتسامته وسرعان ما كان يمحيه من فوق ملامحه. يشعر بالزهو والسلطة. "طول ما أنتي مطيعة يا حياة، هلاقيني معاكي راجل تاني." لكن قبل أن يكمل عبارته، هتفت بألم: "متقلقش يا عامر بيه." "عامر وبس يا حياة.. متنسيش إنك مراتي." والتقط يدها يصعد بها نحو غرفتهما، بعدما طال وقوفهم بالأسفل. توقفت خارج الغرفة تلهث بأنفاسها وقد شعرت بقرب اللحظة التي ستصبح فيها زوجته بالفعل. وبخوف تسألت: "هي دي أوضتنا؟

اتلمعت عينا "عامر" بخبث يمنحها الجواب: "تفتكري هتكون إيه يا حياة؟ ابتلعت لعابها، وهي تراه يضع بيده فوق مقبض الباب. ابتعد قليلًا يمنحها المرور أولًا. طالعته وقد علقت عيناها به برجاء: "ادخلي يا حياة." وآخر شيء كان يظنه أن يسمعه هذه الليلة، هو كلمة لا منها عندما أراد الاقتراب منها والحصول على حقه. "لا، متلمسنيش." *** تأملت هطول الأمطار بألم، وهي تتذكر قسوته التي أزادت من قمم جليده معها.

فمنذ أن تعافت من وعكتها الصحية.. أصبح شخصًا آخر لا تعرفه، شخصًا أصبح ينفرها. شردت برجفة احتلت سائر جسدها، وقد عادت كلماته اللاذعة تقتحم عقلها. لقد أخبرها بكل قسوة، ألا تحلم بأن تكون حبيبته يومًا. خرجت زفراتها مثقلة بالخيبة والكسرة، فقد أحبت رجلاً أسير الذكريات، رجلاً كلما شعرت إنها وصلت لقلبه.. لم تجد إلا السراب والخواء. أغلقت نافذتها ورغبة ملحة تدفعها للركض، خارج المنزل حيث سقوط الأمطار لعلها تغسل أوجاعه.

لا تعلم كم استمرت من الوقت وهي تستمتع بسقوط المطر فوق جسدها، ولكنها بدأت تشعر بتخدر جسدها. انتبهت على صراخه باسمه، ثم اندفعه صوبها. "أحمد: انتي مجنونة؟ سحبها خلفه، عائدًا بها نحو الداخل. ولكن وجدها تنفض ذراعيها عنه بقوة، وتعود لوقفتها أسفل المطر. عاد لجذبها ثانية، ينظر إلى ملامحها التي بدأت تشحب وقد ثقلت أنفاسها واحمرت وجنتيها. "أيوه مجنونة، مجنونة عشان شايفاك حلم جميل نفسي أحققه." هتفت عبارتها، فابتعد عنها مصدومًا.

صرخت بكل ما تحمله داخل فؤادها له، وهو وقف يسمعها ببهوت وصمت. "أنا آسف يا صفا، مكنش قصدي أأذيكي بس مينفعش تحبيني، لازم تفوقي من أوهامك.. أنا كنت بعاملك كضيفة مش أكتر، مسيرنا في يوم هنفترق." *** نظرت إلى بعض الأطفال حولها، وصغيرها اللص الذي أصبحت تعشقه. رفعت بسبابتها محذرة له خصيصًا. "جنه: محدش يحاول يغش من التاني." ليلتف كل منهما نحو زميله الآخر، محاولين اللجوء للغش.

وكان أولهم في المحاولة صغيرها اللص، فتستخدم سلاحها في تحذيره. "مافيش مانجه ولا عنب كمان." وتنهدت بتعب بعدما أدركت أنهم ما زالوا لا يستوعبون شرحها، بل لا يرغبون إلا بالركض في حديقة المنزل. *** كان يسير بشموخه وقامته المرتفعة وسط بعض ضيوفه، فانتبه أحدهم على شيئًا ووقف يتساءل متعجبًا مما يرى ويتمتم ضاحكًا وهو لا يصدق أن "جاسر المنشاوي" يستغل حديقة منزله مقرًا لأطفال البلدة. "أنت فتحت حضانة هنا يا جاسر بيه ولا إيه؟

امتقع وجه "جاسر" من حديثه الساخر، وهو يحدق بما وقف ضيوفه يسلطون أعينهم نحوه. التقطت عيناه جسدها الضئيل وهي تجلس في المنتصف، ويلتف حولها أطفال لا يعرف من أين أتت بهم. أغمض عينيه بضيق، يقبض فوق كفيه وهو يستمع لعبارات ضيوفه، سيطر على غضبه بصعوبة، وعاد يلتف إليهم يجذب نظراتهم نحوه، يرسم على محياه ابتسامة بسيطة مصطنعة وهو يقودهم لداخل المنزل.

"أصل مراتي بتحب أطفال البلد قوي، وعندها أهداف إنها تمحي الجهل من البلدة وتساعد الأطفال." تمتم بها وهو يحاول أن يداري خلف حديثه مقته، من تصرفاتها الهوجاء دون الرجوع إليه بشيء. أومأ كبار البلدة برؤوسهم وقد أعجبتهم الفكرة. قادهم نحو الحجرة التي اعتادوا الجلوس فيها، ومناقشة مشاكل بلدتهم وحل الأمور العالقة. أغلق باب الغرفة، وحاول التقاط أنفاسه وهو يتحرك بخطوات متوعدة. يسرع باسم الخادمة التي بعثتها إليهم عمتها.

"أنتِ يازفتة ياروحية! هرولت الخادمة نحوه، وقد احتل الخوف ملامح وجهها. "مش قولتلك تقولي للهانم، إني جاي ومعايا ضيوف مهمين، وتروح بيت العيلة." أسرعت الخادمة في طرق رأسها أرضًا، تخبره إنها نفذت أوامره بالفعل. "قولتلها والله يا جاسر بيه." احتدمت ملامحه وقبض على كفيه بقوة وهو يلعن عنادها معه وإخراج غضبه باستمرار. أسرع في خطاه خارج المنزل بنظرات متوعدة. فوجدها تودع الأطفال ببشاشة، وتخبرهم إنها تنتظرهم الحصة القادمة.

اقترب منها بطوله الفارع وجسده القوي بحنق، يجذب ذراعها ويتجه به نحو المنزل. "عايزة تحرجيني قدام ضيوفي يا جنة؟ ازدردت لعابها، وهي ترى نظراته التي أرجفت أوصالها، وسرعان ما كانت حيلة من حيالها التي تعلمتها مؤخرًا تلمع في عينيها. ترفع أناملها نحو وجهه المتصلب تمسح فوق خده وقد شبت فوق أطراف أصابعها حتى تستطيع الوصول إليه. "جنه: نسيت إن النهارده جاي لينا ضيوف مهمين، المرة الجاية أوعدك مش هنسي يا حبيبي."

ألقت كلماتها، وتركته في ذهوله من كلمتها الأخيرة التي نطقتها. علقت عيناه بها وقد التف نحوه وما زاده دهشة. إنها تمنحه ابتسامة واسعة. صحيح يرى داخل عينيها التلاعب، ولكن ليس إلا تلاعبًا قد بدأ يحرك فيه غريزته. وبأعين قاتمة، كان يضغط فوق شفتيه متمتمًا: "بتلعبي بالنار يا جنه! *** أغمض عينيه بتعب بعدما انتهى من اجتماعه الذي استمر طويلاً. فظهرت صورتها أمامه، فارتسمت ابتسامة على محياه، سرعان ما أزالها.

فمهما منحته الطاعة وتوسم فيها الزوجة الصالحة، لن يراها إلا أداة لتحقيق ما يرغب. ورغم إنه لم ينالها وما زال زواجهم حبرًا على ورق. ولكنه أراد منحها فرصة. رمقه أكرم بعدما التقط ابتسامته يهتف بمزاح حتى يضايقه قليلاً: "وحشتك ولا إيه يا عريس؟ تجهمت ملامح "عامر" يرمقه بضيق من مزاحه الفظ الذي لا يستهويه. "ياراجل في حد يسيب عروسته بعد يومين جواز، انت بصراحة جبار يا عامر." "أكرم! صرخ بها بحده، بعدما تجاوز "أكرم" حدوده معه.

فحرك أكرم يأسه بيأس منه. "بلاش تضيع حياتك يا عامر، عشان أفكار عقيمة عايشة في دماغك.. مش كل الستات شبه بعضها." تمتم بها "أكرم" قبل أن ينسحب من غرفته. فتنهد "عامر" ضجرًا. لقد أصبح يخرج حنقه فوق رؤوس ناس ليس لهم ذنب بما يعيش. دلك عنقه، وزفر أنفاسه بإرهاق وهو ينهض عن مقعده. يتذكر تلك الورقة التي دستها في سترته قبل ذهابه. وقد تناسى أمرها ومعرفة ما بها.

التقط سترته ليخرج منها الورقة، ينظر إلى ما سطرته بيدها وقد تجمدت ملامحه وهو يقرأ دعوتها له، وتوصيتها في عدم تجاهله لفروضه، وأنها تنتظره ليتناولوا وجبتهم معًا. وشيء واحد كان يقتحم عقله، يخبره أن هذه المرأة غريبة الأطوار. *** وقفت أمامه ببرود أصبحت تجيده منذ تلك الليلة. ثم رفعت وجهها نحوه، تطالعه وهو منهمك في غرفة مكتبه، منكب بين رسوماته الهندسية. "صفا: ممكن تليفونك؟ هتفت بها "صفا"، فانتبه على وجودها. يستعجب طلبها.

رآها تلتف بجسدها بعدما استنبطت من نظراته إنه ليس راغبًا في إعطاء هاتفه. "رايحة فين، مش هتاخدي التليفون؟ التفت نصف التفاته نحوه، تبتلع غصتها وهي تجيبه: "شكلك محتاجة، مفيش مشكلة خلاص." رمقه بتدقيق، يستعجب حالتها الجديدة. ولكن نفض ما يفكر به. فهذا هو ما أراده منها. تقدم منها، يمدّ لها بكفه متسائلاً بفضول: "هتتصلي بمين؟ التقطت منه الهاتف، وهي تحرك رأسها نافية، تجيبه عن سؤاله:

"مش هتصل بحد، هدخل على النت لأني زهقت من القعدة لوحدي وبقيت حافظة كل اللي بيتعرض على التليفزيون، حتى صوفيا زهقت مني." منحته الجواب، الذي أراد معرفته. فشعر بالضيق من حاله. فهي بالفعل تعيش حياة خالية من كل شيء. لا خروج إلا لو كان حفل دعا إليه أحدًا وقبل هو الدعوة. غير ذلك لا يمنحها أي شيء. لا هاتف ولا حاسوب. حتى نسي أن يسألها يومًا أين هو هاتفه. تركته في شروده ونظراته التي كان يرمقها بها، وكأنه يلوم حالها.

وجدها تلتقط حاسوبه تسأله وهي تنتظر قبوله أيضًا. تشعر بأحقيتها في أشياءه ما دام لا يمنحها حبه ولا يريد منح قلبه لها. "ممكن أستعير لابك شوية." فاق من شروده، وقد اتسعت ابتسامته شيئًا فشئ، يسلط عيناه عليها وهي تضم حاسوبه إليها وكأنها تخبره إنها لن تنتظر موافقته. وبمرح أخذ يهتف: "هتستولي على حاجتي ولا إيه يا صفا! تقبلت مزاحه بملامح جامدة: "شكرًا خلاص."

حدق بجسدها بعدما انصرفت بحاسوبه وهاتفه، وسرعان ما كان يفوق من ذهوله، يلتقط ذراعها يقربها إليه وقد ضجر من برودها وحالة الصمت التي أصبحت عليها. "مش معقول هنكمل حياتنا كده يا صفا." "حياتنا! تجاهل نطق كلمتها، غير عابئ بمحاولتها في التخلص من قبضته. عانقت عيناه عينيها يسألها بإرادة مسلوبة: "مش هتسهري معايا شوية يا صفا؟ ابتسمت بتشفي وهي تراه لا يستطيع السيطرة على مشاعره، التي يحاول جاهداً في إخفائها.

فها هو يطلب قربها بعدما دفعها عنه ونبذ قربها وحبها. "ماليش مزاج أسهر مع حد، أنا بحب أقعد لوحدي بعشق الوحدة وأوضتي." أذهلته عبارتها، فهو يطلب قربها الذي انتظرته، ويقاوم مشاعره المضطربة. تخلى عن جموده وصعوبة الكلمات وهي ينطقها، وقد أسرت عيناه عينيها: "محتاجك قوي يا صفا." وانحنى بجسده كي يقبلها، ولكن أسرعت في إشاحة وجهها عنه، فسقطت قبلته قرب ثغرها. "صفا."

ابتعدت عنه، بعدما شعرت بعدم قدرتها على صده أكثر، فقد أحرقته أنفاسه، وازدادت دقات قلبها. "ممكن تسيب دراعي." تجاوز مقته، ورغبته في الهرب منه. تجاوز كل شيء بتناقض عجيب عليه يُخبرها تلك المرة بمراوغة جديدة عليه. "هسيبك بس بشرط يا صفا." حدقته بتذمر، تمط شفتيها للأمام. تنتظر سماع شرطه، فتمتم ضاحكًا وهو يرى عبوسها. "تقعدي معايا هنا وأنا بشتغل." ***

ارتفع صراخه بها وهو يرمقها بنظراته القاسية، فانتفضت من نومتها فزعًا وهي تراه يطالعها بعينين لا توحي إلا بالهلاك. ونهضت من فوق أريكتها مذعورة، تحدق بعينيه وقد أخذ الشر يتطاير من داخلهما. "عايزة أطفال يا جنه، وبتشتكي لـ عمتي." بهتت ملامحها من عبارته، تزدرد لعابها من شدة قربه منها وتخلصه من عباءته. "أبدا أنا مقولتش حاجة، هي سألتني وأنا بلعب بابن فاخر بحب الأطفال ولا لأ.. وقولتلها هو في حد مبيحبهمش."

وتابعت حديثها بخوف، وهي ترى نظراته وقد اندلعت منها الرغبة. "جنه: أنت بتقرب مني كده ليه؟ وشهقت خرجت منها وهي تراه يلقفها بين ذراعيه يتجه بها صوب فراشه بإصرار عما يعزم عليه. "هاخد حقوقي.. لتفتكري إني مش راجل يا هانم." تعالت صرختها، وهي ترى ينقض عليها كالذئب الجائع. تهتف راجية وهي تحاول الخلاص من ثقل جسده. "لا لا يا جــــــــاســــــــــــر!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...