الفصل 26 | من 37 فصل

رواية سطور عانقها القلب الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
42
كلمة
4,248
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 70%
حجم الخط: 18

كان كالمغيب وهو يمزق ثيابها، يقبلها بشراسة. يفترسها بين ذراعيه وهو لا يرى إلا صورة واحدة أمام عينيه، صورة تلك الخائنة التي غدرت به يوماً. ملوحة دموعها كان يلتقفها كلما عاد يُقبلها، ولم يكن إلا صوت بكائها وحده يسمعه. حتى فاق أخيراً من ذلك الجرم الذي سيفعله بها، فهو ليس مغتصباً لينال زوجته كرهاً.

هدأت شعلة جنونه، وقد بدأ عقله يسبح معه في بحور ذكرياته. عاد صوت نحيبها وشهقاتها يخترق أذنيه بخفوت، حتى بدأ يتلاشى تدريجياً ولم يعد يسمع لها صوتاً. فلم تعد تمتلك قدرة لتحارب ضراوته، ولا ثقل جسده وقبضته القوية التي يأسر بها ذراعيها. ابتعد عنها أخيراً، يميل بجسده متسطحاً جوارها. فانكمشت على حالها باكية، لا تصدق أنه قد تركها.

عاد الماضي يخترق حصونه، حصون عتية وضعها حول قلبه وعقله. استمع لنحيبها الذي كان يصل إليه وكأنه يأتي من بعيداً، فالتف إليها ليراها تلملم ثوبها ودموعها تغرق خديها وعلاماته القاسية قد دمغت عنقها ونحرها. أغمض عينيه بقوة، وقد عاد أقسى ما سمعه يوماً يخترق فؤاده. عاد الشئ الذي جعله يصبح هكذا، رجلاً قاسياً، زير نساء، لا يتزوج النساء إلا ليجعلهن يدركن قيمة أنفسهن. "إنهم ليسوا إلا متعة للفراش."

"كان لازم أخونك، إزاي أعيش مع راجل عقيم مبيخلفش؟ انت عقيم يا جاسر، وأنا عايزة طفل حتى لو هنسيبه ليك وهو مش منك." قتلته الذكرى، كما قتلته من قبل. نغزة الألم قلبه، فلم يشعر إلا وهو يصرخ بها، حتى يخرسها عن نحيبها الذي لا يزيده إلا انغماساً في حقده وكرهه. "اطلعي بره، مش عايز أشوفك قدامي."

هتفها بصراخ، وهو يرمقها. فهرولت من أمامه بعدما لملمت ثوبها بأحكام وسارت راكضة نحو مكان تحتمي به منه. اندفعت نحو إحدى الغرف، وتهاوت أرضاً وما زالت تشعر بأنفاسه ولسعات قبلاته فوق جسدها. لم يكن حاله مختلفاً، فقد عاد ظلام الماضي يصحو بداخله، ظلام ظن أنه يطفئه كلما تزوج من امرأة جعلها تحبه ثم تركها بقايا امرأة محطمة.

نهض من فوق الفراش، وهو يشعر بثقل يحتل قلبه. واتجه نحو الشرفة الواسعة عاري الصدر، يطالع ظلام الليل وقد عاد الجمود يرتسم فوق ملامحه، يضغط فوق شفتيه بقوة، يهتف بداخله لو عاد به الزمن لكان قتلها بيديه دون رحمة. وها هي صورة أخرى تقتحمه، ومن سواها؟ تلك التي دلفت لحياته وظلامه، تزوجها مجبراً، لا هو يستطيع دمغها باسمه وكشف سره، ولا هو قادر أن يظل يكرهها بعيشتها معه. فقد فعل المستحيل لكي ترحل ولكنها اعتادت على قسوته.

وبهمس كان يخرج من شفتيه: "هتتحرقي بنار قسوتي يا جنه، لو مخرجتيش من حياتي! *** وقفت أمامها بأمل، ثم تعلقت عيناها بجمالها رغم مرور الزمن. تنهدت بعمق وهي ترى عبوس ملامحها، عندما علمت من مرافقتها بأنها موجودة الآن معهم. "إيه اللي جايبك أوضتي؟ قولت مش عايز أشوفك." سقطت دموع "حياة" قهراً، فيكفيها ما تعيشه مع قسوة ابنها. وبقلق اقتربت منها وجثّت فوق ركبتيها بجوار فراشها.

"ارجوكي متكرهنيش، صدقيني أنا مش وحشة.. متكونيش زيه قاسية." تجمدت ملامح "ناهد" وهي تستمع لعبارتها الأخيرة. صحيح أنها أصبحت تعلم أن ولدها يغفو بغرفة منفصلة عنها، وقد أخبرتها الخادمة أنه تركها ليلة الزفاف وهو حانق بعدما سمع كل من بالقصر صراخه عليها. يُخبرها أن صبره لن يطول عليها وأنه دفع المال فيها، كما أنها ليست بالفتاة التي تليق بشخص كـ "عامر السيوفي".

صور كثيرة لهذا الزواج قد افترضتها "ناهد" بعدما أصبحت لا تفهم سبب وجود هذه الفتاة هنا، خاصة بعد طلاقه السريع والعودة لجموده وقسوته. "عامر اتجوزك إزاي؟ تساءلت بها "ناهد" بعدما أدركت أن الجواب ستعلمة منها. بهتت ملامح "حياة" وهي تستمع لسؤالها وهي تتذكر تهديده لها بعدم إخبار أحداً لطريقة زواجه منه وخاصة والدته. "لو مش هتتكلمي، اطلعي من أوضتي عايزة أرتاح."

تعلقت عينين "حياة" بها، وبصعوبة كانت تتحرك، ولكن توقفت مكانها تطرق عيناها. "هحكيلك، بس خلينا لوحدنا." انتبهت "ناهد" على وجود مرافقتها، فهتفت بتلك الواقفة وقد كان لديها فضول لتعرف سبب زواج السيد الكبير بفتاة كهذه لا تليق بمستواه. "سيبنا لوحدنا يا حليمة." خرجت الخادمة مرغمة، فوقفت "حياة" مكانها، تفرك يديها بقوة حتى ضجرت ناهد من صمتها. "هتحكي ولا خايفة منه؟

ورغماً عنها كانت تخبرها بتفاصيل زواجها من ابنها، بداية من لقاءاتهم المتفرقة، ثم دفعه المال لشقيقها وعرضه عليه مقابل المال. استمعت لها "ناهد" بإنصات، وشيء واحد كانت تشعر به، إن ولدها لم يختر هذه الفتاة إلا ليضع عليها جبروته وسطوته. "عامر قرب منك؟ ألجمتها سؤالها، فازدردت لعابها،

لتهتف بها ناهد: "يبقي مقربش منك، لو عايزة تنجحي في جوازك من ابني.. اوعي تبقي ضعيفة وتستسلمي ليه.. لو استسلمتي ليه هتعيشي طول عمرك معاه على الرف." حبت ملامحها وهي تستمع لحديثها، وسرعان ما كانت تزداد صدمتها. "أو هيستنى تخلفي ليه طفل، وبعدين يخرجك برة حياته؟ كان هذا أكبر مخاوفها، فلم تسمع عن الأثرياء إلا الغدر، فهم يندمون بعدما تضيع الزهوة ويكتشفوا سوء اختيارهم.

"أنا عارفة إن كلامي صعب عليكي، لكن ابني بيحسب كل حاجة بعقله." وبحقد نحو تلك التي أعادت غضبه، وجعلته يعود لصورتها القديمة بعدما كانت تشعر بتحرك قلبه. "عامر، لسه طلق مراته من شهرين." ولو كان ما علمته منذ لحظات صدمها، لكن عبارة "ناهد" الأخيرة جعلتها تترنح في وقفتها وقد اتسعت حدقتاها. و"ناهد" تتمم عبارتها بملامح حزينة: "طلّقها بعد جوازه منها بشهرين."

والحقيقة الوحيدة التي بدأت تصل إليها، إنها ليست بالفعل إلا نزوة، أو غرضاً سينال منه شيئاً ثم سيلقيها خارج أسوار قصره. "لو عرفتي تكسبى قلب عامر يا حياة، هتعيشي أسعد ست في الدنيا.. لكن لو خسرتيه زي اللي قبلك.. هتطلعي انتي الخسرانة." طالعتها "حياة" بملامح مشوشة، تلتقط أنفاسها بصعوبة، فهي لم تكن تريد إلا زوجاً يخلصها من حقد زوجة أخيها، بيتاً دافئاً صغيراً وأطفال حولها. شعرت "ناهد" بالشفقة عليها، فهتفت برفق وسماحة:

"قربي يا حياة." انتبهت على صوتها، وقد علقت عيناها بها وهي تعتدل فوق فراشها، تمد لها ذراعيها. "هخليكي تعرفي توصلي قلب ابني يا حياة." ***

تنهدت بألم وهي ترى لمعان الحب في عيني "أروى" وهي تقص عليها حكاية حبها وعشقها لهاشم ابن عمها. فارتسمت ابتسامة شاردة فوق ملامحها، ولا تعلم لماذا شرودها أصبح بهذا الرجل رغم كل ما فعله بها، وخاصة تلك الليلة التي كاد يغتصبها فيها. وسرعان ما كانت ابتسامتها تتلاشى، فقد هجرها وسافر دون أن يهتم لأمرها، وكالعادة لا تعلم بخبر سفره إلا من العائلة. أرادت البكاء، ولكنها تمالكت حالها. وعادت تنتبه على حديث "أروى".

"أنا مش مصدقة إنه بيبادلني مشاعر الحب يا جنه." وبحالمية أردفت وهي تغمض عينيها: "ده أنا قولت هنقضيها نظرات لحد ما نعجز." ورغماً عنها كانت تضحك على حديث ابنة عمها، ولكن اختفت ضحكتها وهي تستمع لسؤال "أروى". "حبيتِ جاسر يا جنه؟ سؤالاً كان جوابه صعباً عليها، فلو أحبته هي، هو لن يحبها. خرجت تنهيدة عميقة من أعماقها، وهي تتخيل لو كان جمعها الحب هي وجاسر لكانت تحيا حياة سعيدة، كتلك الحياة التي عاشتها زوجته الأولى معه.

"أخوكِ عمره ما هيحبني يا أروى، هيفضل طول عمره شايفني الزوجة اللي اتجوزها إجباراً من العيلة." شعرت "أروى" بآلامها، ومدت كفها تمسح فوق كفها برفق، لعلها تخفف عنها. "جاسر أخويا كان حنين أوي وكان الحب ده من أول الحاجات اللي بيؤمن بيها، واتحدى العيلة والدنيا كلها عشان يتجوز مرام. حتى نيره رغم إنهم ديما كانوا بيقولوا عليهم في العيلة إنهم لبعض بس مفرقش معاه، ومن سبع سنين بس كل حاجة اتقلبت. أخويا مبقاش هوه."

هتفت بها أروى وهي تشعر بالمرارة على حال شقيقها. "هي مرام راحت فين يا أروى؟ تساءلت بفضول، ولكن أروى انشغلت عنها في مطالعة هاتفها، بعدما صدح رنينه، تتمتم ضاحكة: "ده نيره، آه لو عرفت إننا قاعدين سوا وبندردش دلوقتي." طالعتها "جنه" بيأس، فلم تحصل على جواب منها يريحها ويريح قلبها. صرخت أروى بسعادة، مما جعلها تنتفض من فوق مقعدها فزعاً، لتقترب منها أروى وتضمها بقوة، والهاتف يحتل ملامحها، وهي لا تصدق ما أبلغتها به نيرة.

"جاسر وافق على هاشم، وهيرجع من سفره يوم الخطوبة يا جنه.. أنا مش مصدقة نفسي، أخيراً هلبس دبلة الإنسان اللي بحبه يا جنه." ورغم سعادتها، لتلك الفرحة التي تراها تلمع في عيني أروى، إلا أنها ابتلعت غصتها بمرارة، وهي ترى نفسها لا شيء بحياته، فلو كانت زوجة حقيقية بحياته لكانت هي من زفت الخبر لأروى، وليست نيرة. وبصعوبة تساءلت: "هي نيرة بتشتغل مع جاسر؟

وأروى منحتها الجواب بسهولة، لا تصدق أنها لا تعرف أن "نيرة" تعمل سكرتيرة لجاسر. "نيرة سكرتيرة جاسر يا جنه، هو أنتِ متعرفيش؟ *** تنهد بعمق وهو يرى سعادتها بالهاتف والحاسوب الجديد، فلمعت عيناه لشدة افتقاده لمرحها. ابتعادها عنه أصبح يزداد كل يوم لدرجة جعلته يشتاق إليها وهو لا يعلم كيف يشتاق لها هو من يطردها بعيداً عن حياته، رغم أنها صارحته بحبها. انتبه على سؤالها، وقد أخرجته من شروده الذي أصبح يلازمه كلما أصبحت قربه.

"طيب أشغل التليفون ده إزاي؟ مش عارفة أفتحه." ابتسم "أحمد" وهو يرى استياءها، فاقترب من فراشها وجلس عليه، يخبرها وهو يحدق بملامحها الجميلة وبرائتها التي باتت ترهقه. "تعالي، أوريكي بيشتغل إزاي." اقتربت منه بتوتر، لتجلس قربه تتساءل بارتباك وهي تتحاشى النظر إليه: "لو مفهمتش فيه هاخد تليفونك." دفعته عبارتها للضحك بقوة، لا يصدق إنها طامعة بهاتفها.

"احمد: ده انتي طلعتي، حاطة عينك على تليفوني بقي، طيب إيه رأيك إن تليفونك أحدث من تليفوني بمراحل." نهضت متذمرة من جوارها، تضع بيديها فوق خصرها، ارتفع تنورتها القصيرة بعض الشيء، فما كان منه إلا أن علقت عيناه بساقيها وقد سلبت شقاوتها أنفاسه. جذبها إليه فسقطت فوق ساقيه، لتشحب ملامحها وهي ترى حالها قريبة منه لهذه الدرجة. وقبل أن تعترض كان يُخبرها صراحة: "مش هشرحلك التليفون بيشتغل إزاي، إلا وأنتِ كده ومش عايز أسمع اعتراض."

"نعم." وباعتراض كانت تهتف، فلمعت عيناه بخبث وهو يراها تحاول الخلاص من قبضته حول خصرها. "ممكن تبعد عني." وبأنفاس مسلوبة، كان يهتف دون شعور: "مش قادر أبعد عنك يا صفا." ارتفعت أنفاسها، وهي تسمع عبارته، وترى توقه إليها. ولكن سرعان ما انتبهت على حالها وهي تشعر بملمس يديه فوق ساقيها، لتدرك أن ما يدفعه نحوها ليس إلا رغبة. "الأصدقاء في بينهم حدود، ولازم مانتجاوزش الحدود دي."

انتفضت عنه، بعدما هتفت بعبارتها التي ألجمته، ولم تكن عبارتها إلا حديثه الذي أخبرها به من قبل. "صفا.. أنا... وقفت الكلمة على طرفي شفتيه، لو كان قالها لكانت منحته نفسها مرحبة. رأت الضياع والتردد في عينيه، فتأكدت أنها ليست إلا امرأة تحرك غريزته، وها هو يخذلها مرة أخرى. وسرعان ما كانت تخرج من الغرفة راكضة، تخفي دموعها التي علقت بعينيها. ***

اتسعت ابتسامة عمتها وهي تراها بكل هذا الجمال، وبفستانها الذي قد أظهر كل شيء من أنوثتها، وقد زادها جمالاً فوق جمالها. "آه لو كان جاسر هنا دلوقتي، وشاف قد إيه هو محظوظ بالجمال ده كله." ألمها حديث عمتها، فاغمضت عينيها تمنع هبوط دموعها، فابتعدت عنها "منيرة" تضم وجهها بين كفيها. "أنا عارفة إني بتدخل في حياتكم أوي يابنتي، بس صدقيني من حبي ليكم.. ومتأكدة إن في يوم هشوف الفرحة بتلمع في عينيكي، وهتشكروني انتوا الاتنين."

حاولت تمالك دموعها، فعن أي فرحة وأمل تتحدث عمتها؟ جاسر لا يحبها بل هي من تورطت وأحبته. تعالت أصوات الزغاريط وطلقات النار، فتهللت أسارير منيرة: "أكيد كتبوا كتب الكتاب، هروح أشوفهم وأشوف جاسر، وانتي ادخلي للبنات وفرحيهم يا بنتي."

مسحت "جنه" تلك الدمعة التي أنسابت فوق خديها، وأسرعت بالدلوف نحو الحجرة الواسعة التي تضم معظم نساء وبنات عائلتهم والعائلات الأخرى احتفالاً لهذه المناسبة السعيدة. واقتربت من أروى تحتضنها بقوة تُهنئها. "مبروك يا مدام أروى.. قولاً بس وليس فعلاً." تخضبت وجنتا أروى خجلاً وهي تستمع لعبارتها، فقرصتها جنه فوق ذراعها غامزة تُشاكسها.

اقتربت منهما نيرة، وهي تشعر بالحقد، خاصة وهي ترى جميع النساء يمدحن جمالها، وحظ كبيرهم في الزواج منها. "عقبال لما تبقي انتي كمان مدام فعلاً مش بالاسم بس." احتقنت ملامح "جنه" غضباً من وقاحتها، فحدقت بهما أروى بغرابة، وخاصة وهي ترى احتقان ملامح جنه. أسرعت في جذبها بعيداً عن نيرة، حتى تنهي تلك النيران التي تتطاير من نظراتهم نحو بعضهم. "هناقص أنا وانتي صح، اوعي تنسي وعدك ليا." فصدحت ضحكات نيرة وهي تستمع لحديث أروى.

"وإنتي إنها بتعرف ترقص، بلاش تخليها تكشفنا قدام الناس." وتابعت حديثها وهي ترمقها بغيظ: "اقعدي بقي يا أروى وبلاش فضايح قدام الناس." ابتلعت "جنه" عبارتها، وقد لمع التحدي في عينيها، تجذب ذراع أروى في وسط الغرفة. "معندناش عروسة تقعد، وبما أننا بنات وسط بعض.. فهنعمل اللي يعجبنا." لتحتقن ملامح نيرة، وهي تراها ترقص ببراعة وأعين الجميع حولها، يتهامسون بين بعضهم عنها، يتساءلون هل ترقص كل ليلة أمام كبيرهم. ***

وقف يتأملها وهي تلتهِم بقوة وجبة عشائها سراً في مطبخهم المظلم، لتتسع ابتسامته وهو يراها تتلذذ بطعم الطعام. بههمات متلهفة، فأقترب منها بحذر. "احمد: عشان تحبسي نفسك في أوضتك تاني من غير أكل." لتنتفض فزعاً، تتأمله وهو يقف أمامها حتى قال بتنهد: "صفا أنا مش عايزك تبعدي عني." وجذب بيديها متمتماً برجاء: "عايز أوريكي تصميم المنتجع الجديد اللي أنا صممته وكان بسببه وجودي هنا."

فتحركت خلفه مسلوبة الإرادة، وصعدت معه نحو غرفته، أجلسها فوق فراشه، فأخذت تطالعه بارتجاف وضعف وكادت أن تنهض وتهرب من خفقان قلبها الذي أطفئته منذ أن جرحها ورفض حبها بوحشية. فجذب ذراعها وأجلسها ثانية وجلس جانبها فوق الفراش وفتح حاسوبه، قبل أن يمنحها فرصة للهرب. "ها إيه رأيك؟ لمعت عيناها بانبهار حقيقي، تُدقق في حاسوبه وقد تناست أي مشاعر أخرى. "إنت اللي صممت ده؟ تعالت ضحكاته، وهو يراها تشكك في قدراته.

"جوزك مهندس شاطر على فكرة يا مدام." ألجمتها عبارته، فتعالت أنفاسها وقد أخذت كلمته تتردد داخل أذنيها، تنظر إليه: "كنت أتمنى إني أصمم المشروع ده في مصر." وتابع حديثه بفخر: "وجودي في أمريكا، كان بسبب براعة المشروع، بس عارفة يا صفا أجمل حاجة لما تقدري توصلي لأحلامك اللي بتحبيها مش اللي فرضها لنفسك." حدقته، وهي تسمع لحديثه، وقد لمعت عيناه بعدما علم بأنه يثرثر كثيراً عن نفسه، فتساءل حتى يجذبها نحو حديث آخر.

"احمد: نفسك تحققي إيه يا صفا من أحلامك؟ آه لو أخبرته عن حلمها الذي تتمناه، إنه هو من كان حلمها الذي تمنته. انتظر أن تمنحه جوابها، وعندما طال انتظاره، رفع كفه نحو خدها يمسح فوقه متمتماً: "هتاخدنا علاقتنا لحد فين يا صفا؟ *** ألتمعت عين أروى بشقاوة وهي تطالع مقطع الفيديو، بعدما انتهت حفلة عقد قرانها. حدقت بشقيقها الذي جلس بهيمنته يتحدث مع فاخر، ورغماً عنها كان يخرج صوتها عالياً، فجعلت الجميع ينتبه عليها.

"ده جنه طلعت أستاذة." طالعها الجالسين، لا يفهمون مقصدها، فالتف بوجه نحو شقيقته، عندما استمع لاسمه من فم شقيقته وقد ترك فنجان قهوته، ولم يكن غير هدى هي من فهمت حديث أروى، فهتفت بضيق مستنكرة ما حدث. "كسفتنا قدام حريم العيلة ياعمتي، فضلوا يسألوا مين دي.. وأول ما عرفوا إنها مرات كبير عيلة المنشاوي، معرفناش نخرس ألسنتهم." تعالى صوت صراخ فاخر، بعدما انتبه على ملامح شقيقه. "هدى." فامتقعت ملامح "هدى"، غير عابئة بصراخه عليها.

"مالها نيرة أختي؟ عقله وراسه وبنت أصول." قبض جاسر فوق كفيه وهو ينهض عن مقعده، وقبل حديثه بشيء.. كانت "منيرة" تهتف بحدة، وقد احتقنت ملامحها: "وبنت أخوي بنت أصول برضوه ياهدي.. خد مراتك يافاخر وعلمها إزاي تعرف تحترم الكبار." وصرخت بوجه أروى التي انكمشت على حالها، بعدما اكتشفت فداحة فعلتها. "وإنتي امسحي المسخرة اللي على تليفونك دي." "فين جنه ياعمتي؟

صدح صوته، بعدما تمالك غضبه وطالع شقيقه الذي شعر بالحرج من عدم احترام زوجته لأفراد عائلته وعدم احترامها لتحذيره. "إحتراماً ليك مش هتكلم على اللي قالته مراتك يافاخر." تقدمت منهم غافلة عما حدث بغيابها، وتلك النيران التي تتطاير من عينيه، تهتف بسعادة بعدما أنهت حديثها عبر الهاتف مع والديها: "بابا وماما بيسلموا عليكوا، وباركوا لعمي على خطوبة أروى." ونظرت نحو عمتها هاتفة: "عمي حسن عايزك فوق ياعمتي عشان تكلمي بابا."

حدقتها عمتها بنظرات طويلة، ونهضت عن مقعدها تومئ لها برأسها. وقبل أن تتجه نحو الدرج شيعت نظراته نحو الواقف يقضم فوق شفتيه بقوة. تُطالعه بنظرات راجية. "مالكم يا جماعة، ساكتين ليه؟ وبقسوة كان يجذبها من ذراعها، يجرها خلفه. "مش عايز أسمع ليكي صوت." شعرت بالإهانة، من جره لها بتلك الطريقة. وبصعوبة حاولت التخلص من قبضته. "براحة، إنت بتجرني كده ليه؟ وبحدة كان يعود لالتقاط ذراعها مجدداً، يدفعها تلك المرة أمامه.

"قولت مش عايز أسمع صوتك." *** نظرت اليه طويلاً وهي تحمل حقيبتها. "أنا مش هقدر أكون الست اللي أنت عايزها." يطالعها هو بجمود، بعدما فقد كل ذرة عقل داخله. فيكفيه إنه ما زال صابراً عليها، يمنحها العذر رغم ضيقه. "هو لعب عيال، فوقي ياحياة مش معنى إني بدأت أعاملك كويس وصابر عليكي يبقى أنا ضعيف ياهانم.. بلاش أوريكي قسوتي اللي بجد." حدقته ساخرة، وقد أنسابت دموعها فوق خديها.

"إنت مش عايزني غير ست ضعيفة، تفضل تحسسها إنك ولي نعمتها، وأنا مش هفضل طول عمري كده.. حرام عليكم." لم يتحمل "عامر" حديثها، واقترب منها يلتقط ذراعها يضغط فوقه بقوة، مما زاد انهمار. "لولا فلوسي أخوكي كان دخل السجن، أو كنتي اتجوزتي تاجر مخدرات.. شايفه إزاي أنا ولي نعمتك." دفعها عنه بعدما أنهى حديثه، لتتعالى شهقاتها بعدما صدمتها عبارتها، فهي ليست نداً مع هذا الرجل. وبمرارة كانت تهتف:

"مش من حقي أدلع صح، ولا من حقي أحب ولا من حقي يسألوني تتجوزي مين ولا من حقي أختار حاجة خالص.. لازم أنا بس اللي أضحي وأسامح وأتحمل وأتهان وأسكت.. أنا مكنتش عايزة لا قصر ولا فلوس.. أنا كنت محتاجة راجل يحبني." ألجمته عبارتها، فعن أي حب تنتظره منه، وهو أقسم ألا يسمح لامرأة تحرك قلبه. طالع دموعها وهي تخبره بأحلامها مع الرجل الذي تمنته. وبذكاء كان يقترب منها يضمها إليه رغم اعتراضها، يمنحها ما تريده كذباً.

"وليه متحاوليش معايا يا حياة؟ توقفت دموعها، ورفعت عيناها إليه، لا تستوعب حديثه. "أنا عارف إني بجرحك بكلامي، بس أنا من طبعي قاسي.. ومش بؤمن بالحب.. لكن ليه متحاوليش؟ كان يعلم بأنها ليست بالمرأة الذكية اللعوب، فلو كانت ذكية لكانت طبقت حديث والدته الذي استمع إليه بالمصادفة، أو كانت استخدمت صلاحيتها كزوجة، وتنتهز الفرصة التي منحتها لها الحياة، وتعيش حياة الرفاهية. "أحاول."

وبخفوت كانت تسأله، تتذكر نصائح ناهد إليه، نحو الشد والإرخاء حتى لا يضجر منها. شعرت بذراعيه تطاوق خصرها، يلمس جسدها بحنو غير تلك الطريقة التي اعتاد فرضها عليها حين يرغبها وينتهي الأمر ببكائها. "إنت مبتحبنيش." "ما أنتي كمان مبتحبنيش يا حياة." بمراوغة كان يجيبها، حاولت التملص من أسر ذراعيه وسحر عيناه الناعسة. "عشان كده بقولك نحاول."

وببطء كان يقترب منها، يلثم خدها ثم قرب فكها، يتجه بشفتيه نحو عنقها. ارتخي جسدها بين ذراعيه، فلمعت عيناه بشقاوة، فبمجرد كلمات هادئة ينال ما أراده. اتجه بها نحو الفراش، وقبل أن يطرحها فوقه، كانت تفيق على حالتها ولكن أسرع في التهام شفتيه متمتماً: "هنحاول يا حياة، هنحاول نحب بعض."

هتف بالكلمة التي يعلم أنها ستعيدها لأغمائها القصيرة معه. وبتروي ورفق كان ينالها. وللعجب إنه ظن إنه سيكتفي معها بمرة واحدة، ولكن هيهات كان لا يستطيع الخروج من سحرها وخجلها الفطري، لقد أشعرته برجولته وبمشاعر لم يشعر بها من قبل ولكنه لن يفسرها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...