الفصل 13 | من 37 فصل

رواية سطور عانقها القلب الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
46
كلمة
4,596
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 35%
حجم الخط: 18

ابتلعت إهانته التي ألقاها عليها. أرادت أن ترد له الأمر وليحدث ما يحدث، فلم تعيش حياتها إلا عزيزة النفس. ولولا ما مرت به لما جاءت إلا هنا ولا عملت لدي هذا الفظ وتلك الزوجة التي لا تراها إلا امرأة اعتادت على نيل كل ما أرادته. والشكوى التي أبلغتها الزوجة لزوجها لم تكن إلا ما لم تتوقعه. "مش معني إن ناهد هانم اتعلقت بيكي بسرعة وبتحبك، تستغلي ده وتظهريها ديما في صورة وحشة قدامه."

تلاشى امتقاع وجهها وتحولت ملامحها إلى ابتسامة واسعة ساخرة. جعلته يُحدق بها، وكل يوم لا يستوعب كيف تقف أمامه هكذا. وللأسف هو لا يتخذ قرار طردها. "حاضر. أعرف حدودي كويس، بس يا ريت تفهم زوجة حضرتك إنها بدل ما بتشتكي بعدم تقبل ناهد هانم ليها، تسمح من وقتها وتقعد معاها شوية." هتفت عبارتها الأخيرة ساخرة، فامتقع وجه "عامر" من حديثها واقترب منها بخطوات جامدة. "مش ملاحظة إنك بتكلمي وكأنك صاحبة المكان؟

طالعته "صفا" في صمت بعد عبارته، فامتعضت ملامحه ورمقها بجمود. "اتفضلي على شغلك." أومأت له برأسها وعلى وجهها ابتسامة سمجة. والشكر كان للسيد "فتحي" الذي علمها لها. فليس كل وقت عليها أن تتحدث، وما دامت تثير غيظه، فبالتأكيد تستفزه بحديثها. ولكنها لا تريد الطرد من أجل زوج عمتها ومصاريف علاجه. طالعها بحنق، يقسم داخله إنها أكثر النساء برودة وسماجة. ومن نظرته إليها، كانت تضحك داخلها بسعادة.

التفت بجسدها مغادرة بعدما أشار إليها بأن تنصرف من أمامه. وقبل أن تتقدم بخطوات أخرى، عادت تلتف بجسدها متجاهلة صفاقته وأسلوبه. "ناهد هانم بتسأل ديما عليك، يا ريت توفر من وقتك القيم دقايق وتعالى شوفها، مش هتخسر حاجة." "تعرفي إنك بتثيري غضبي يا صفا." خرجت عبارته من بين شفتيه بعدما أثارت غضبه من حديثها وكأنها تحادث صديقًا لها وليس رب عملها الذي يدفع لها المال من أجل وظيفتها لديه.

تجاهلت عبارته، والتمعت عيناها بالدموع بطريقة أدهشته. فبعدما كانت تقف تتحداه وتثير مقته، أصبحت أمامه فتاة بائسة. "هيجي يوم وتتمني وجودها، هتتمني تسمع بس صوتها، تسمع دعوة حلوة منها... مبنحسش بقيمة الحاجات الغالية على قلوبنا غير لما تروح، وبيكون الأوان فات." تعلقت عيناه بها وقد خلت منها المشاعر. فحركت رأسها ساخرة، فقد تناست إنها تحادث "عامر السيوفي" ذو القلب المتحجر.

تعالى رنين الهاتف، ولم تكن إلا مكالمة طارئة من سكرتيرة مكتبه. تمالك مشاعره التي استطاع إخفاءها، ولكنه بالفعل قد تأثر بها. اتجه نحو سطح مكتبه والتقط هاتفه وقد ضاقت عيناه وهو يضع الهاتف فوق أذنه يستمع لسكرتيرته بترقب. "يعني إيه لسا ملقتيش حد بيتقن اللغة الألمانية ياهالة؟ الاجتماع بكرة يا هانم... بكرة ألاقي المترجم موجود قدامي، مفهوم؟

والطرف الآخر كان يستمع دون أن يعرف كيف يحل هذا الأمر في بضعة ساعات. استمعت "صفا" لحديثه، وابتسمت داخلها بسعادة. فهل ستجني بضعة أموال أخرى تستطيع شراء ثياب أنيقة لها ولـ "جنه" وتشتري ما تريده وترفه عن نفسها؟ "أنا بعرف أتكلم ألماني كويس." انتبه على حديثها بعدما أنهى مكالمته مع سكرتيرته، وبنظرة فاحصة كان يطالعها. "أنا متفوقة في اللغة، رغم إني مش متفوقة في اللغة الإنجليزية."

أرادت أن تثبت له صدقها، فهذه النظرة لا تدل إلا على شيء واحد، إنه لا يصدق إنها تمتلك مهارات عدة. "أنتِ طلعتي متعددة المواهب يا أستاذة صفا." تمتم بها ساخراً، وهو يتقدم منها. ووقف بهيمنته قربها، يضع يديه في جيب سرواله. "الإنسان الناجح لازم يكون عنده مواهب كتير، يا عامر بيه." وبقصد كانت تضغط بأسنانها فوق عبارتها الأخيرة، امتقع وجهه من ردها. وبحدة كان يهتف. "صبري له حدود يا أستاذة صفا."

التف بجسده عنها، وعاد لمكتبه يلتقط أحد الملفات. واتجه إليها مجدداً تحت نظراتها المترقبة. "ده الملف اللي هنتناقش فيه بكرة، يا ريت تدرسيه كويس." وبسعادة كانت تلتقط منه الملف، تنظر لصفحاته القليلة هاتفه بحماس. "حاضر." ابتسم رغماً عنه، فهذه الفتاة مزيج غريب لم يلتق به من قبل. "للأسف مضطر أثق فيكي يا أستاذة صفا." وبنبرة حازمة كان يردف، وقد تلاشى حماسها وتحول لعبوس. "وأنا مبديش ثقتي في الناس غير مرة واحدة."

انتابها القلق من حديثه، ولكنها عادت لثباتها فهتفت على الفور. "هحتاجك بكرة في الشركة." استمعت لعبارته الأخيرة وهي تدلف للغرفة، فتسألت وهي تتجاوز "صفا" بعدما رمقتها بنظرة أصبحت تفهمها. "هتحتاجها الشركة ليه؟ مش هي مرافقة برضوه ولا أنا بيتهيألي؟ "اتفضلي أنتِ يا أستاذة صفا." تجاهل سؤال فريدة، فقد أصبح يضجر من تداخلها في الكثير من الأشياء. اقتربت منه فتنهد وقد عاد لمطالعة أوراقه.

"أكيد شغل يا فريدة، وممكن تتفضلي عشان ورايا شغل." اتسعت عيناها من عبارته، تنظر إليه متعجبة من تغيره معها. انسحبت من أمامه، تتساءل داخلها لماذا تغير عامر معها هكذا؟ رفع عينيه عن الأوراق يحدق بطيفها، يخبر حاله.. إن ما يفعله هو الأصح. فإذا أرادت أن يكون لها بصمة في منزله، ستكون زوجة فعلية. ولكن زيجتهم تمت لإنقاذ الموقف. كانت "صفا" سعيدة وهي تخبر "جنه" عما حصلت عليه اليوم.

"أول ما هاخد مرتبي، هبعتهولك علطول يا جنه. متخليش عمتي ولا عمي صابر يحتاجوا حاجة." وجنه كانت لا تقوى على الحديث، ولا تريد إفساد فرحتها. "لا وكمان ناوية أنزل أشتري ليا ولكي طقمين حلوين." وبأمر كانت تخبرها، حتى ترى سعادتها بتخرجها. "واحضري حفلة التخرج، هبعتلك فلوسهم والفستان كمان."

دمعت عينين "جنه" وهي تستمع إليها، فصفا تريد إسعادهم بكافة الطرق. "صفا"، ابنة خالها الفتاة المدللة التي لم تتحمل عبأ أي شيء في حياة والديها، أصبحت الآن تسعى من أجل أن توفر لهم حاجتهم. "جنه، انتِ مبترديش عليا ليه، سيباني أكلم نفسي." وبدعابة كانت تمازحها، ولكن توقفت عن دعابتها عندما بدأ الشك يراودها. "جنه، هو في حاجة حصلت لعمي صابر أو عمتي؟ لم تتحمل "جنه" الصمود أكثر، وإخفاء عنها الأمر، وانفجرت في بكاء مرير.

"بابا تعب تاني يا صفا." انتفضت "صفا" من فوق فراشها مذعورة، تتساءل بقلق. "جنه، براحة كده وفهميني إيه اللي حصل تاني." وبدأت تقص عليها ما حدث صباح أمس، من تعب والدها مجدداً، وإخبار الطبيب لهم أنه لابد أن يتم إجراء عملية فالقلب أصبح لا يتحمل الجهد. "الدكتور قالي، هيحط اسمه في قائمة الناس المنتظرة على نفقة الدولة." وحاولت أن ترى الموضوع بأمل. "قالي دوره ممكن بعد شهر، والحالة تقدر تستنى.. بس أنا خايفة أوي يا صفا."

لم يكن حال "صفا" يختلف عنها، فاغمضت عيناها بأسى وقلة حيلة. "العملية هتكلف كام يا جنه؟ استمعت لرقم المبلغ، فعادت تهوي فوق فراشها. "مش قدامنا حاجة غير إننا نستنى الدور.. يمكن يطلعوا صادقين." تمتمت بها "جنه" وهي تعلم أن الأمر لن يحدث، فهناك حالات أخرى تنتظر مثل والدها، ومن يحالفه الحظ سيكون دوره. "أنا بفكر أروح لاعمامي يا صفا، مش حرام ده يحصل لينا وهم عايشين في عز، ده مهما كان أخوهم."

"أوعي يا جنه، عمي صابر هيزعل منك.. دول مقاطعينكم من زمان ولا عمرهم سألوا عليكم." فهتفت بقلة حيلة. "يمكن الدم ميبقاش ميه يا صفا، وقلبهم يحن." ارتسم الحزن فوق ملامح "صفا" وهي تستمع لنبرة ابنة عمتها، وقد أصبحت تحمل الهموم كحالها. "اصبري شوية يا جنه، ولما ملقيناش حل.. يبقى مقدمناش غير إنك تروحي ليهم."

ارتجفت قدماها وهي تخطو بأول خطوة داخل هذا الصرح الضخم، فلمعت عيناها من رؤية ضخامة وفخامة البناء الذي يدل على مكانته العالية في عالم المال والمعمار. وتعلقت عيناها بالفناء الواسع، تتأمل كل من حولها من موظفين يعملون كخلية نحل. وقفت أمامها موظف الأمن يسألها عن وجهتها. "أفندم يا آنسة؟ فتحت صفا بحرج وقد تمالكت انبهارها اللعين. "أنا عندي ميعاد مع عامر." وتذكرت رغبته الديكتاتورية في وضع الألقاب على حسب ما يهوى. "فاردفت

بجدية: عامر بيه." هتف موظف الأمن بها، نحو إحدى موظفات يسألها إذا كان لديها علم. ابتسمت وهي ترى الموظفة تخبرها إنه ينتظرها بل وبعجلة فالاجتماع سيبدأ بعد خمسة عشر دقيقة. رافقها موظف الأمن نحو المصعد، متمنياً لها يوماً جيداً. وبنظرة خاطفة قبل أن يصعد المصعد كانت تلقي بنظرة أخرى نحو المكان.

"بقيتي تتعاملي باحترام يا صفا، لا وبيتقالي بنتمنالك يوم سعيد.. شكل عامر بيه قايم بدور عظيم في شركته.. عقبال يا يقوم به في القصر ويرحمنا من عجرفة مراته.. الليدي فريدة." *** حدق بآخر ورقة من أوراق الملف القابع بين يديه، وقد درسه مجدداً بنظرات سريعة متقنة. أغلقه أخيراً بهدوء تام، وأسترخى بجسده بارتياح، ينظر نحو القابع أمامه.

ابتسم له صديقه، وقد عاد أخيراً من رحلة غربته في ألمانيا، ومعه تلك الصفقة التي ستجمع بين شركته وشركة ألمانية في مجال محركات السيارات، وهذا بعيداً عن نمط شركات السيوفي. "إكرم: ها ياعامر.. فاضل ربع ساعة على الاجتماع مع الناس، وانت لسا بتفكر؟

مال "عامر" نحو سطح مكتبه، وبثبات كان يستند بساعده فوقه، يرفع أحد الأقلام، وقد بدأ بالطرق به على سطح مكتبه. تلاشى حديثه عن الصفقة التي بالفعل قرر السير بها، وتساءل وهو يرى تغير صديقه. "بس الغربة غيرتك يا أكرم، بقيت بيزنس مان شاطر." طالعه "إكرم" بسعادة، وقد استنتج من حديثه موافقته، فكهذا هو دوماً "عامر السيوفي". "وأنت لسا زي ما أنت يا ابن السيوفي.. بتعرف تراوغ اللي قدامك صح."

هتفت بها "إكرم"، فصدحت ضحكات "عامر" وهو يستمع لرأي صديقه. "أنا موافق على الصفقة يا إكرم." وفضول كان يقتحم "عامر"، كان يتساءل عن حياة صديقه. ومن ملامحه ونجاحه يبدو إنها استقرت حياته وقد تلاشى أمر زواجه الأول. "سمعت إنك اتجوزت! فنهض "إكرم" عن مقعده، واشعل سيجارته ثم دسها بين شفتيه متمتماً، بعدما زفر أنفاسه المعبئة برائحتها. "لقيت الشغل والغربة هيسرقوا من عمري فقولت الحق اتجوز وأخلف...

اومال كل النجاح ده هسيبه لمين.. وبصراحة حبيتها." ضحك "عامر" على عبارته الأخيرة، فكذا هم يراوغون في مشاعر الحب ولا يعترفون به. "عايز تفهمني إن بنات الطبقات العالية والأصول العريقة.. يهمها تخلف وتربي... وتابع بنفس لهجته الساخرة وقد تذكر "فريدة" التي هي بعيدة تماماً عن صورة النساء اللاتي يراهم تصلح لهذه المهمة. "ده أهم حاجة عندهم الموضة والحفلات والسفر وتجمعات النوادي الهيفه." "شكلك بتعاني يا صديقي."

تجهمت ملامح "عامر" عندما قذف له "إكرم" الكرة، ولكنه كان يعلم نهاية زيجته من فريدة ولم يخطط لاستمرارها ولن يفعل هذا بنفسه. لاحظ "إكرم" نظرته، فتفادى الحديث عن حياة صديقه وتلك الزيجة السريعة التي سمعه عنها من الصحافة، ف"عامر" لا يحب الحديث عن حياته الخاصة. وبخطوات معدودة، كان يتحرك "إكرم" نحو بعض الصور المعلقة على الجدار، يخبره عن شريكة حياته التي اختارها. "أنا اتجوزت موظفة عندي.. عجبتني فاتجوزتها...

من عيلة مصرية مستواها المادي متوسط بتشتغل هي وأخوها في ألمانيا.. يعني ولا وسط أرستقراطي ولا من طبقتي الاجتماعية، ولا من اختيار العائلة زي الزيجة الأولى اللي فشلت.. بصراحة أبهرني تفكيرها وتدينها وحسيت إن هي ديه الزوجة اللي هكون مطمن وأنا بديها اسمي.. وتكون أم ولاد." ويضحك متهكماً على حال الإنسان. "شوفت أكرم حمدان، اللي كان بيكره مظاهر التدين في الستات، بقي بيشجع لأي راجل إنه يظفر فعلاً بذات الدين."

أقتضب "عامر" حاجبيه، وقد أذهله حديث صديقه، الذي كان أكثر الناس معرفة بخصاله. "عالم الفلوس والشغل بيسرقوا من عمرك، ياعامر." فاقترب عامر هو الآخر من تلك الصورة المعلقة ولم تكن إلا لوالده، يهتف بمشاعر مضطربة. "جوازى من فريدة كان لإنقاذ الموقف، كنت فاكر ممكن تحصل مشاعر بينا وأقدر أتجاوز فكرة إني كنت مرشحها لأحمد وإنها كانت بتحبه.. حتى زمان فشلت مع أميرة، مقدرتش تستحملني.. ومنكرش إني ظلمتها بجوازنا السري."

تفهم "إكرم" زيجة صديقه. "الجواز، أكتر خطوة بتحسسنا بمشاعرنا.. يمكن عشان بنتعرى قدام بعض في كل حاجة." ساد الصمت بينهم، وقد شعر بمشاعر صديقه. "أنا بقي عندي أيهم دلوقتي يا عامر وقريب هيجيلي فرد جديد." أراد أن يبتعد بحديثه قليلاً عما يورق صديقه، فابتسم "عامر" بسعادة.

طرقت سكرتيرته الباب وعلى ما يبدو قد أتى وقت الاجتماع. دلفت مكتبه بخطى منضبطة وخلفها تلك المرتبكة قليلاً، صاحبة العيون الخضراء والحجاب البسيط المنمق، وفستانها الفضفاض ذو الحزام الفضي اللامع الذي يتوسط خصرها. فوقعت نظرات "عامر" عليها، قد طال تأمله لها رغماً عنها، تفرك كفيها بتوتر، وتطرق رأسها خجلاً. وكالعادة لا يفهم هذه الفتاة، هل هي جريئة الطبع أم خجولة، ولكنها كانت تكتسب احترامه يوماً عن يوم بطريقة يتعجبها من حاله.

وتحت نظرات "إكرم" المتسائلة عن هويتها، وانتظار السكرتيرة لأوامره، كان يهتف بجدية. "خدي آنسة صفا، وفهميها الاجتماع هيكون إزاي وديها العقود.. مافيش وقت ياهالة! أشار إليهم بالخروج بفظاظة اعتاد عليها منه، فتحركت خلف سكرتيرته، تهتف بحنق وملامح ممتعضة، وقد سمعها كعادته رغم همسها، وهكذا كان يتأكد أن التي كانت واقفة أمامه "صفا" وليست شبيهتها. "مافيش حتى كلمة أهلاً.. نورتي الشركة، شخص غريب الطبع."

وبعدما أصبحا الصديقين بمفردهما مجدداً، انفجر "إكرم" ضاحكاً، مقترباً منه. "جميلة أوي البنت دي، بس لسانها طويل شوية." *** جلست "فريدة" برفقة عمتها في حديقة القصر، بعدما أتت لرؤيتها. طالعت ابنة شقيقها وهي تتخذ دور السيدة أمام الخادمة تلقي عليها الأوامر بحدة. انصرفت الخادمة، تنفذ لها أوامرها، فابتسمت "كريمة" وهي تفحصها بنظراتها. "ما دام بقيتي متقمصة الدور في القصر، يبقى فعلي جوازك يا فريدة."

سعلت بقوة، بعدما وقفت بضعة قطرات من عصيرها في حلقها، رمقتها "السيدة كريمة" بترقب حتى مسحت قطرات العصير من حول شفتيها. "جواز إيه اللي أفعله يا عمتو، أنا وعامر متفقين على مدة جوازنا وهنفصل.. ما انتِ عارفة." أومأت لها "كريمة" برأسها، فهي تعرف بهذا القرار بل ورحبت به، لأنها لم تراها إلا زيجة فاشلة، مصيرها سيكون الانفصال. "عارفة يا فريدة، لكن محسن مش عارف ده.. ده بقى بيسألني بقيتي حامل ولا لأ."

عاد سعالها بقوة تلك المرة، لا تستوعب ما تخبرها به عمتها، فانفرجت شفتيها في ضحكة قوية وقد ألمتها معدتها. "يبقى محسن بيه هينتظر على الفاضي." "وليه ينتظر على الفاضي يا فريدة، ما ممكن يتحقق عادي." باغتها عمتها بعبارتها، فاتسعت حدقتاها لا تصدق ما تتحدث به عمتها معها بل وبتلك الجدية.

"أنا شايفه إن محسن اختار ليكي حياة تليق بيكي، وعامر السيوفي من كلامك عليه مش راجل صعب، يمكن جاد وصارم لكن مش صعب.. والنقطة دي ممكن تتغير لما يكون في علاقة بينكم." فهمت ما ترمي إليه عمتها، فضيقت عيناها. فما الذي جعل قرار عمتها يتغير وتصبح داعمة لاستمرار زيجتها من عامر. "في الفترة البسيطة دي عرفتي تشوفي طباع عامر يا عمتي؟ وبعقل كانت تخبرها "كريمة". "حكمت عليه من كلامك عنه يا فريدة." "بس هو مبيحبنيش."

تلمعت عينين "كريمة"، فعلى ما يبدو أن الأمر بدأ يتسرب إلى داخل عقل صغيرتها، وفريدة بدأت تقتنع. "وهتحبوا بعض إزاي وأنتم متفقين على الطلاق؟ وبضياع أصبح يلزمها، هتفت. "أنا لسا بحب أحمد يا عمتو." وكانت تشعر "كريمة" بضياعها بل تراه أيضاً في عينيها، ولكنها كانت تريد لها السعادة، التي أصبحت تراها لها في هذا البيت.

"إنتِ وأحمد علاقتكم بقت مستحيلة يا فريدة، ولو كان في أمل زمان.. دلوقتي الأمل ضاع بجوازك من عامر، خليكي ذكية ومتخرجيش خسرانة من كل معاركك." وكأنها بدأت للتو تستوعب حديث عمتها، صمتت عن الحديث وأخذت تحدق بمساحة القصر الواسعة. "مين البنت دي يا فريدة؟ انتبهت على نظرات عمتها المصوبة نحو "صفا" التي أخذت تسير في الحديقة تتحدث في هاتفها وكأنها في منزلها. انهضت على الفور من جلستها، تخبر عمتها بهويتها.

"دي مرافقة ناهد هانم، تقدري تقولي خدامة بس شايفة نفسها شوية." وأسرت في خطواتها، تحت نظرات عمتها وضحكتها. فعلى ما يبدو أن ابنة شقيقها لا تحب هذه الفتاة. "والهانم مش عارفة إن عندي ضيوف، ولا بقيتي فاكرة القصر بيتكلم؟ تجمدت ملامح "صفا" وهي ترفع هاتفها عن أذنها. التفت نحوها تطالعها، فاقتربت منها "فريدة". "مش معنى إن ناهد هانم بتحبك مقدرش أطردك."

تلمعت عينين "صفا" بكره، فمن هي لتحدثها هكذا، إنها أصبحت على دراية بعلاقتها بالسيد عامر، ومن حديث الخدم والسيدة ناهد عن تلك الزيجة، فأنها ليست إلا ضيفة هنا. "هي حديقة القصر من الممتلكات، اللي بيتمنع المشي فيها؟

احتدت ملامح "فريدة"، وقبل أن تهتف بشيء يزيد الأمر، كانت "صفا" ترحل من أمامها، غير عابئة بشيء. فقد أصبح لديها وظيفة أخرى في شركة "السيد عامر" من أجل ترجمة العقود الخاصة بالصفقة الجديدة للشركة، وعلى ما يبدو أن الصفقة مستمرة لأشهر. اقتربت منها عمتها، بعدما شاهدت الوضع من بعيد. "البنت حلوة يا فريدة." وكأنها كان ينقصها تلك العبارة التي تعلمها تماماً، وتجعلها تحقد عليها. "وكمان باين عليها ليها حضور."

وعمتها تزيد الأمر عليها، بكلماتها التي تعرف هدفها. ***

ضحك "عامر" بملء شدقيه وهو يستمع لشقيقه عن إحدى الطرائف التي حدثت معه. سارت نحو الدرج ولكنها انتبهت على صوت ضحكاته ولأول مرة تسمعه يضحك هكذا. اقتربت من غرفة مكتبه ولم يكن بابها موصداً، فاستطاعت الدلوف بهدوء ولم يشعر بها، ووقفت تنظر نحو ظهره المقابل لها. وحديث عمتها منذ تلك الليلة يقتحم عقلها. عامر يتمتع بالحضور والجسد الرجولي القوي، جسداً يجعلك تشعر بالرهبة من صاحبه، فالتمعت عيناها وهي تفحصه، وقد جاءت تلك الذكرى التي كانت سبب جمعهم.

"لو كنتِ بتنفرى منه يا فريدة، مكنتيش ليلتها قربتي منه، حتى لو كان عقلك مغيب ومش حاسة بحاجة." وحديث عمتها، ها هو يطرق رأسها، ولكن كل شيء ضاع في لحظة وهي تستمع لحديثه. "طبعاً عايز تنهي المكالمة عشان متتأخرش عليها.. مش هتقولي اسمها إيه؟ وعادت ضحكاته تعلو، عندما استمع لضجر شقيقه، فالرفيقة ليست إلا سيدة يجمعه بها الصداقة لا أكثر ولم تكن إلا أميرة. ولأنه في مزاج يسمح له بالدعابات فلم يهتم بتذمر شقيقه.

"مش هتقولي اسمها إيه، يا أحمد؟ تجمدت عينين "فريدة" وهي تلتقط عباراته المازحة، فهل يرافق "أحمد" امرأة وتركها تعيش بؤس رحيله. هل صدق والدها عندما أخبرها، أن الحب إذا وضع في طريق المرء.. جعل صاحبه هو الخاسر. "مشاعر متضاربة كانت تخترق عقلها وقلبها.. وبهدوء كما دلفت الغرفة كانت تخرج منها.. ولكنها توقفت مكانها وهي تستمع لصوته بعدما أنهى مكالمته معه شقيقه." "كنتِ محتاجة حاجة يا فريدة؟

التفتت صوبه، ومن نظرة واحدة نحوها.. كان يعلم إنها استمعت لمكالمته مع شقيقه. أرادت أن تخبره عن "صفا" ولكن تراجعت في آخر لحظة. فما تفعله من شكوى أصبح يعود عليها. فصفا قد نالت تقديره وخاصة السيدة ناهد، وما عليها إلا الصبر حتى تستطيع طردها بسهولة. "ممكن نتفرج على فيلم سوا؟ ولم يكن عرضها، إلا إخفاء للموقف. ولم يكن هو إلا بارع في التقاط النقاط الصغيرة. "مافيش مشكلة يا فريدة، شوفي هتختاري فيلم إيه لأني مش من هواة الأفلام."

تلمعت عيناها في ابتسامة سريعة، حاولت رسمها. "أوك، هختار أنا." ألقت عبارتها، وغادرت تحت نظراته. إنه بات يفهمها للأسف. وبات يخشى عليها من نفسها. وشيء بداخله كان يهتف. "ليست هي المرأة المطلوبة في حياتك يا عامر." *** تفاجأ باختيارها لغرفته، وقد أعدت المكان بلمسات بسيطة. طالعها بذهول وهو يتساءل. "ليه في أوضتي يا فريدة؟ والجواب لم يكن يحتاج لتفكيرها. "شاشة التلفزيون هنا أكبر."

اقتنع بعض الشيء وتقدم منها يجلس على طرف الأريكة. "شغلي طيب الفيلم." ونظر نحو ساعته، فالوقت قد اقترب من العاشرة مساء. جلس باستقراطية، فرمقته مبتسمة. وقد راقته وضاعة جلوسه. ف عامر هو الأسد في هذا القصر وكل شيء في قبضة يده. بدأت خصال والدها التي ورثتها منه تسيطر عليها بالتملك خاصة كلما تذكرت المكالمة التي استمعت لها بين عامر وأحمد.

طرقات خفيفة كانت تدق فوق باب الغرفة، وبلطف وثقة كانت تدلف "صفا" الغرفة، تضع أمامهم مشروب تتقن صنعه بشدة، وقد أخبرتها الواقفة بنظراتها الماكرة، أنها أحبت هذا المشروب منها، والحقيقة كانت تفهمها "صفا" ففريدة لم تفعل ذلك إلا لتخبرها بمكانتها. "مدام فريدة قالتلي إن المشروب الخاص بيا، عجبها.. أتمنى المرادي يعجبها ويعجبك يا عامر بيه."

ابتسم "عامر" وهو يرمق الكوب، وقد اعتدل في جلوسه. مما جعل فريدة تزداد حنقاً منها، فلما تنال هذه الفتاة تقديره هكذا. "شكراً يا صفا." وبتكلف كانت تهتف فريدة هي الأخرى رغماً عنها. "شكراً يا صفا." غادرت "صفا" الغرفة وقد شقت ابتسامتها ملامحها، فلم تنتصر عليها "فريدة" كما أرادت ولم تشعرها بدنو مكانتها. تجاهل "عامر" الأمر، وانتظرها تتوقف عن زفر أنفاسها بحنق، رمقه وهو يلتقط الكوب ويرتشف رشفة منه. "فعلاً عندها مواهب كتير."

امتدحها، فتجهمت ملامح "فريدة" وضغطت على زر التحكم لتبدأ أول لقطات الفيلم. ولم يكن إلا فيلم رومانسي بارد المشاعر، ولكنه تجاوز الأمر وجلس يشاهده معها، يستمع إلى عباراتها الحماسية. علقت عيناها به، وقد ظهر عليه الضجر. وقد أشاح عينيه عن المشهد الجريء الذي يعرض. انتبهت "فريدة" عليه وابتسمت داخلها وهي تنهض من جلستها. وبقرار قد اتخذته وحسمته مع عقلها. كانت تطبق المشهد معه، وهو لم يكن إلا في صدمة لا يبادلها شيئاً.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...