انكبّت فوق الدفاتر التي لا تنتهي من مراجعتها، والسيد فتحي لا يفعل شيئًا سوى أن يراقبها ويسألها عن بعض حسابات المحاصيل التي تم بيعها في الأشهر الماضية. وهي ما كان عليها إلا أن تثبت له كفاءتها بالرد السريع دون إخفاق. استطاعت في الأسبوع الذي مضى على وجودها معه أن تنال إعجابه بذكائها، ولكن ذكاءها لم يكن في المرتبة الأولى بالتأكيد، فإعجاب السيد فتحي لم يكن إلا لمدحها الدائم له عن قدرته على السيطرة وحل الأمور.
"كل ده بتخلصي مراجعة الشهر اللي فات يا صفا؟ والتقطت كأس الشاي الموضوع أمامها، ثم تلك السندوتشات التي تصر عمتها على أخذها. "حسابات الشهر اللي فات فيها لخبطة كتير، يا أستاذ فتحي." طالعها السيد فتحي بعدما أخذ يلوك الطعام بفمه، ثم ارتشف كأس الشاي خاصتها تحت نظراتها المصدومة، فهو طعامها من بضعة سندوتشات يلتهمها. "عايز الملف يخلص النهاردة، بدل ما يكون فيه خصم آخر الشهر."
امتقعت ملامحها وهي تسمعه، فرغم كل ما تفعله لهذا الرجل، وإطراءها له بكلمات كاذبة، لا يكف عن تهديداتها بالخصم من راتبها الذي تنتظره بفارغ الصبر. "هو مافيش جهاز كمبيوتر نسجل عليه الحسابات؟ فيه برامج سهلة وسريعة نقدر ندون فيها الحسابات من غير الدفاتر دي كلها." طالعها فتحي وهو لا يفهم شيئًا مما تقوله، ولكنه تمتم بعدما أنهى آخر رشفة من كأس الشاي.
"كان فيه جهاز كمبيوتر وباظ، بقولك إيه يا صفا متوجعيش دماغي بكلام المتعلمين ده، شوفي شغلك." أماءت له برأسها مع ابتسامة سمجة أصبحت تُجيدها من أجله، وفور أن غادر المكان، تجهمت ملامحها تقبض فوق كفيها بقوة. "فتحي أبو معدة تشيل ألف وجبة." *** غادر الشركة بخطوات متعجلة، وهو حانق من إجبار عامر له للذهاب للمزرعة.
أعطاه الحارس مفتاح سيارته بعدما أخرجها من جراج الشركة، ثم أزال رابطة عنقه، وقد بدأ يشعر بالاختناق والغضب من كل شيء. "أحمد." استمع لصوتها وهي تتقدم منه بخطوات سريعة، تحمل بعض الملفات وعلى وجهها نظرات متسائلة. "أحمد أنت رايح فين؟ وعندما رأت نظراته القوية وكأنه غاضب من شيء ما، هتفت. "أنا كنت جاية عشان نراجع شوية حاجات خاصة بالمشروع زي ما اتفقنا." طالعها أحمد بهدوء، بعدما تدارك أمره، معتذرًا بلباقة قبل أن يصعد سيارته.
"آسف يا فريدة، نسيت أبلغك قبل ما توصلي إني رايح المزرعة عندنا في البلد." وبحماس اندلع من عينيها، أخذت تهتف راجية. "أرجوك خليني أروح معاك." كانت كالطفلة، مُلحة في رجائها. "فريدة، أنا مش رايح فسحة، فيه مشاكل رايح أحلاها بدل عامر." واردف بعدما أدار مفتاح سيارته، وقد أشاح عيناه بعيدًا عنها. "عامر بيروح المزرعة كتير."
وقبل أن يُخبرها إنه سيخبر عامر ليصطحبها معه المرة القادمة، كانت تندفع صاعدة نحو المقعد المجاور له، تزيل نظارتها عن رأسها متمتمة. "أرجوك، أنا عمري ما شفت الريف وهتكون رحلة جميلة بالنسبالي." اعترض، بل ووضع الحجج التي تمنع قدومها معه، ولكنها لم تكن تسمعه، تنهد ضجرًا وهو يرمقها قبل أن يتحرك بسيارته نحو الطريق لمدينة المنصورة. فارتسمت السعادة فوق ملامحها غير مصدقة أنه اصطحبها معه، رغم رفضه الشديد.
رمقها خلسة حانقًا، فنفرجت شفتيها في ضحكة جميلة لا تُصدق أنه حانق هكذا. "مش هتتخلص مني، غير لو فتحت العربية ورمتني منها." مازحته وهي تضحك، وما كان عليه إلا أن يشاركها الضحك بل والمزاح. وفي تلك اللحظة لم تكن تُصدق بأن الذي يُثرثر ويضحك معها هو أحمد السيوفي. ***
رفعت عينيها عن الدفاتر بإرهاق، بعدما وجدت السيد فتحي قد دلف للتو أخيرًا، فنهضت عن مقعدها وأسرعت إليه تحمل له أحد الدفاتر حتى تسأله عن شيء ما، ولكن فتحي كان في عجالة من أمره هاتفًا. "أنا رايح البيت عندي، أي حاجة تحصل رن عليا." "بس أنا محتاجة أفهم حاجة منك يا أستاذ فتحي، الحسابات هنا فيها شوية لخبطة." رمقها فتحي بضجر، وأسرع مغادرًا. "بقولك إيه يا صفا، أنا وافقت على شغلك هنا، عشان تعملي كل المطلوب."
وانصرف قبل أن يسمع عباراتها، التي لو كان سمعها لطردها على الفور. "ده أنا بقيت شغالة بدالك في كل حاجة." وأردفت متهكمة، بعدما أصبح لديها معلومة بأنه زوج لاثنتين. "ما أنت لازم متكونش فاضي، مش متجوز اتنين." *** توقف أحمد بسيارته جانب الطريق، يلتقط أنفاسه بصعوبة بعدما لم يعد لديه قدرة على المواصلة. طالعته فريدة بقلق تتسائل وقد أنتابها الذعر. "أحمد مالك؟ "مخنوق يا فريدة، حاسس إن روحي بتنسحب."
"طيب تعالا مكاني، واسوق بدالك." استجاب لها بعدما طالع الطريق أمامه، فهو لن يتحمل المرور منه، فالذكرى مازالت محفورة داخلها. احتلت مقعده، ثم طالعتها بعدما طالعت الطريق الزراعي الطويل متسائلة. "أفضل ماشية على طول الطريق؟ أماء لها بعدما أغمض عينيه، واسترخى برأسه فوق زجاج السيارة، غارقًا مع ذكرياته وتفاصيل الحادث قد عادت إليه رغم مرور خمس سنوات، ولكن كل شيء ظل محفورًا بداخله.
تحركت بالسيارة ببطء بسبب وعورة الطريق، ومن حينا لآخر كانت تنظر إلى تشنجات وجهه وتلك الحالة العجيبة التي أصبح عليها فجأة. ترقبته بنظرات طويلة بعدما توقفت أمام البوابة الضخمة الخاصة بالمزرعة، فرأته يعتدل في مكانه، يفرك جبينه بقوة وكأنه يطرد شيئًا يقتحم عقله. "خلينا نروح مستشفى هنا، شكلك بيقول إنك مش كويسة." هتفت بها فريدة وقد عاد القلق يرتسم فوق ملامحها.
طالعها بنظرة ضائعة، وهو يحاول الثبات للعودة ونفض ذلك اليوم الذي اقتحمه بشدة عندما أصبح في البلدة. "أنا كويس يا فريدة." "هو إيه اللي حصلك يا أحمد فجأة؟ رمقها قبل أن يلتقط زجاجة الماء من أسفل قدميه، وترجل من السيارة، يزفر أنفاسه، ثم مسح وجهه بالماء بعدما ارتشف منه القليل، فغادرت السيارة هي الأخرى واتجهت نحوه. "فريدة لو سمحتي مش عايزك تسألني عن السبب."
طالعته في دهشة، فهي تشعر بالقلق عليه، وتريد معرفة السبب الذي جعله هكذا، وهو يخبرها بكل بساطة أن لا تسأل عن شيء، وقبل أن تهتف بحديث آخر كان يتجه نحو مقعده وينتظر صعودها السيارة وهو يدق بوق السيارة بقوة، لتنفتح البوابة على مصراعيها بعد لحظات. *** استرخت صفا في جلستها، متنهدة براحة بعدما جاء وقت استراحتها.
تمتمت حانقة وهي تنظر للمكتب الخالي، فبالتأكيد السيد فتحي الآن في منزله يتناول الطعام، لدى زوجته الثانية، ويأخذ قسطًا من الراحة ويتركها هي بين الدفاتر، ولا تهاتفه إلا إذا حدث أمر طارئ، وخاصة إذا جاء السيد عبدالرحيم اليوم، ذلك الموظف المسؤول عن عقود التجار وعقود صفقات البيع. مدت ذراعيها للأمام لعلها تخفف آلامها من شدة تصلبهم.
ثم شعرت بالجوع فاسرعت في اجتذاب حقيبتها ولكن توقفت عن التقاطها وهي تتذكر أن السيد فتحي ذو كرش متسع تناول طعامها. ألقتها حانقة فالخروج من المزرعة قبل موعد الانصراف غير مسموح سوى لفرد واحد بالتأكيد السيد فتحي الذي لديه صلة قرابة مع السيد الكبير. "أنا لازم بعد كده أعمل حسابه معايا في السندوتشات، مش كل يوم تفضل معدتي تتعصر من الجوع وهو ياكل أكلي." تمتمت بطفولة، وهي تمسح فوق معدتها الجائعة.
عادت تفرد بجسدها قليلاً وخاصة تلك المرة ساقيها، ولكن هناك شيء قد جلبته معها بل شيئين. اتسعت حدقتاها سعادة، إنها قد تذكرت، فحقا لم يعد لديها ذاكرة بعد تلك الحسابات والمراجعات التي لم يعد لعقلها أن يتسع لغيرهما. التقطت حقيبتها مرة أخرى، حتى تخرج كنزها الثمين الأول، كعكة قد ابتاعتها وهي آتية حتى تدلل معدتها مع كأس الشاي. وكنز آخر، ها هو يخرج ببطء، كتاب لكاتبها المتيمة به.
ورغم فقدانها لشغفها بعد ما مرت به إلا أن أمس أتت إليها جنة به حتى تسليها في عملها عندما تجد وقتًا. طالعت الكتاب بشغف، تسأله كأنها تسأل حالها. "تفتكر هقرأ كلامك زي ما كنت زمان؟ وخرجت تنهيدة حزينة منها وهي تفتحه، ولكن هذه المرة كانت تعيش داخل ما افتقدته منذ أشهر. استمعت لصوت في الخارج ولكنها لم تهتم، فاهتمامها كان منصب على كعكتها وكتابها. "نورت المزرعة يا أحمد بيه."
تجمدت عيناها نحو الأسطر، فالصوت أصبح قريبًا منها للغاية. "فين فتحي يا صفا؟ والصوت لم يصبح قريبًا فقط، بل هتف أحدهم باسمها. انتفضت عن مقعدها وقد اتسعت عيناها ذهولاً، وهي ترى الواقفين أمامها. السيد عبدالرحيم الذي رمقها حانقًا من ذهولها اللعين، وسيدة جميلة أنيقة تطالع المكان بعينيها بنظرة لا تعرف لها معنى، ورجل يقف بشموخ وقوة ورغم الإرهاق الظاهر فوق ملامحه إلا أنه كان وسيم بل وسيمًا جدًا كأبطال الروايات.
تعلق عينان أحمد بالكتاب الذي تمسكه وقد ظنت إنه يرمقها هي، وسرعان ما أشاح عينيه عنها، يهتف بغضب. "مش معقول يكون فيه إهمال كده يا أستاذ عبدالرحيم، فين أستاذ فتحي؟ توتر عبدالرحيم وهو ينظر نحو صفا التي وقفت متجمدة الملامح، تنظر إليهم. "قولتلك يا بشمهندس إن فتحي مستقوي بالقرابة اللي بينكم." تنهد مضجرًا، وقد عاد يطالع صفا بنبرة جامدة. "أنتي هتفضلي واقفة كده، فين أستاذ فتحي يا أستاذة؟
صدح صوته الصارخ، مما أفزع فريدة الواقفة جواره، انتفضت صفا من حالتها الغريبة، فما الذي حدث لها لتكون هكذا أمام هذا الرجل. تمالكت حالها وبنبرة حاولت أن تخرج ثابتة. "أستاذ فتحي راح يشوف مشكلة حصلت في الأرض." رمقها عبدالرحيم وهو يعلم بكذبتها، فاسرع بنداء العامل الذي يقف خارج الغرفة. "عبدالمجيد، روح الأرض ونادي فتحي، قوله البيه هنا." أسرع العامل مغادرًا، فبهتت ملامح صفا، وهي ترى نظرة السيد عبدالرحيم المتهكمة نحوها.
ولكن ما أفزعها تلك النظرة التي رمقها بها السيد الآخر صاحب الهالة القوية. "أحمد خلينا نروح الأرض إحنا، ونشوف الموظف المهمل ده هناك." تمتمت فريدة بنبرة رقيقة، وهي ترمق صفا التي انشغلت في البحث عن شيء ما فوق سطح المكتب. أعجب السيد عبدالرحيم بهذا الاقتراح الذي هتفت به السيدة الجميلة، لأنه يعلم بأن فتحي ليس هناك، وهكذا سيتخلص منه ومن عجرفتها التي يمقتها. "أنا شايف إن اقتراح الهانم صح يا أحمد بيه، واه حضرتك تشوف المحصول."
كاد أن يوافقهم أحمد على الاقتراح، رغم إنه لا يريد الدلوف لداخل المزرعة، فقد استطاع تجاوز شعوره هنا بصعوبة. طالعتهما صفا وقد نسوا وجودها، ولكن أخيرًا تنفست براحة وهي ترى السيد فتحي يجيب على مكالمتها وقد فتح الخط، وبالتأكيد قد استمع للحديث الدائر هن. رمقها أحمد بنظرة ممتقعة، فكيف لها أن تعمل هنا، وعلى ما يبدو إنها لا تفهم شيئًا.
"أستاذ عبدالرحيم، دفاتر محصول الشهر اللي فات، مش المفروض هتوريها للبيه، ده أستاذ فتحي قالي لازم حضرتك تطلع عليها." تمتمت بها وهي تتجه نحوه، دون أن تعير صاحب المكان أي نظرة، فقد انتهت لحظات هيامها بذلك المتعجرف من أصحاب المال. التقط السيد عبدالرحيم منها الدفتر، بعدما علم إنها فعلت ذلك لتؤخره عما يريد حدوثه، ولكن ما أذهلها وأذهله، أن أحمد هو من مد يده ليأخذه منه، بعدما رمقها بنظرة قاتمة لتجاهلها له.
ابتسمت صفا وهي ترى نظراته إليها وقد تبدلت، بعدما كان يظنها فتاة لا تعرف أن تتحدث. طالعتها فريدة ولم تخفي عنها ابتسامتها، بعدما استطاعت تلك العاملة أن تجذب انتباه، حتى لو بتلك الطريقة التي فهمتها. "أحمد مش هنروح الأرض؟ "لو عايزة تروحي أنتي يا فريدة، ممكن أستاذ عبدالرحيم ياخدك معاه، ويبعتلي بنفسه الموظف اللي المفروض كنت ألاقيه موجود في مكتبه."
تمتم بها أحمد الذي جلس على أحد المقاعد، يطالع الدفتر ويتمنى بداخله أن تكون هذه الفتاة مهملة، لتنال طرده فهي لم تروقه. تنهدت فريدة بضجر وحنق من معاملته، واقتربت من أحد المقاعد تمسحها بمنديل، فحدقت صفا بها ولم يعد لسانها يستطيع أن يكف عن الحديث. "المكتب نضيف يا فندم، متقلقيش." ولكن فريدة لم تهتم بحديثها. "هاتي دفتر موسم الصيف." تمتم بها أحمد ومازالت عيناه نحو الدفتر.
"صفا، لسه جديدة هنا، شغالة من أسبوع، متتوقعش هتعرف حاجة عن توزيع الدفاتر." رفع أحمد عينيه نحو الواقفة التي اتجهت على الفوز نحو أحد الأركان تبحث عن أحد الدفاتر، متمتمة بعدما التقطت الدفتر. "الدفتر، آه يا فندم." تجهمت ملامح عبدالرحيم وخرج من الغرفة حتى يهاتف التاجر الذي حدثت معه المشكلة الأخيرة بسبب المحصول الذي لم يحصل إلا على نصفه كما اتفق مع فتحي.
التقط منها أحمد الدفتر، وعيناه لأول مرة منذ زمن تدقق في تفاصيل ملامح امرأة بتلك الطريقة. ارتبكت صفا من نظرته، وقد أشاح عيناه نحو الدفتر، وعاد لجموده وقد انشغلت فريدة في تصفح هاتفها. أتى السيد فتحي أخيرًا وقد خلصها من متطلبات هذا الرجل وجموده. ولأول مرة تشعر بالسعادة وهي تستمع لتوبيخ أحدهم، ولكن توبيخ الجالس، لفتحي الذي وقف مطرق الرأس قد أطربها.
"يا أحمد بيه، مشكلة التاجر منه هو، هو اللي مرضاش ياخد النص التاني الطلبية لأنه شايفها مش بنفس الجودة." "وليه المحصول مبقاش بنفس الجودة؟ طرق أحمد كفه بقوة فوق سطح المكتب، فطالعه فتحي بتوتر. "مافيش مهندس زراعي كويس، اللي كان قبل ده، كان بيفهم في أمور الأرض لكن." والتف خلفه، يرمق عبدالرحيم. "أستاذ عبدالرحيم هو اللي معين، عشان ابن أخته."
وهنا قد بدأت حرب طاحنة، بين عبدالرحيم وفتحي بالألفاظ، حتى أتى اسمها بالحديث وكل منهما يخرج ما بجعبته. "عامر بيه، لازم يعرف كل اللي بيحصل هنا، وقريب هيكون له زيارة." ألقى الواقف عبارته، بعدما ظهرت معالم الغضب فوق وجهه، وقد نسي أي حديث قد تم قوله ولم يتذكر إلا أن تلك الواقفة ليست تمتلك شهادة خاصة بمجال المحاسبة. "وانتي يا أستاذة."
لم تنتبه صفا على حديثه، بل كانت تقف مبتسمة كالبلهاء وهي تستمع للتوبيخ الذي حدث لفتحي وعبدالرحيم وكيف وقفوا مطرقين الرأس في صمت. وبنبرة قوية كان يكمل حديثه متسائلاً بغلظة. "معاكي شهادة ولا مجرد دبلوم يا أستاذة؟ انتبهت صفا على حديثه، وقد توقفت عيناها نحوه، وقد رمقها بنظرة محتقرة بعدما فهم الوضع. "لا أنا مهندسة اتصالات يا فندم." ألقت عبارتها بثبات، حتى تزيل تلك النظرة التي تقلل من قدرها.
"وأظن يا فندم محدش بيشتغل بتخصصه، لكن الكفاءة بتحكم، وحضرتك شايف الدفاتر قدامك." تفاجأ أحمد بردها، فالفتاة التي يظنها بلهاء، تقف تجيبه دون أن تهتز. "بس الحسابات مش من تخصصك، وممكن تخسري المزرعة فلوس كتير." قالتها فريدة، وهي ترمق صفا بنظرة متهكمة. "مافيش مشكلة يا فندم، تقدر تفصلني عن الشغل." قالتها بثبات وقوة لذلك الواقف، والتفت بعينيها نحو فريدة التي رمقتها بحقد.
طالعت فريدة أحمد تنتظر أن يؤكد على كلامها ولكن أحمد كان يحدق بالواقفة أمامه، إنها تذكره بها ليس في الملامح ولكن بشخصيتها، شخصية لا تعرف أهي بلهاء، أم ضعيفة، أم قوية، تفرض حضورها إذا لزم الأمر. *** انتبهت جنة بكل حواسها لما تقصه عليه صفا غير مصدقة ما حدث اليوم، ومناطحتها لهذا الرجل الذي وصفته بالبرود الذي لم تر مثيله بحياتها. قطبت جنة حاجبيها وقد عادت صفا لوصفه لها. "أنا شايف إنك كنتي مركزة مع عيونه أوي يا صفا."
هتفت بها جنة بمكر قد خفي عن عيني صفا التي انشغلت في طي الملابس ورصها في الخزانة الصغيرة. "ولا شعرة يا جنة، شعرة ناعم وأشقر، هو مش أشقر أوي، بس زي الأجانب كده." اتسعت عينا جنة ذهولاً، ولطمت صدرها تشهق بقوة. "نهار أسود، ده انتي فصصتي الراجل، فين صفا اللي بتخاف تبص على أي راجل، ده أنتي كان آخرك الروايات." طالعتها صفا بعدما شعرت بالصدمة من حالها، فكيف أخرجت ذلك الحديث من داخلها. "هو أنا حكيت حاجة أكتر من وصفه يا جنة؟
رمقتها جنة بتلاعب، وقد أدركت الوضع الأحمق الذي شردت به صفا برجل لن تصادفه مرة أخرى. "أنتي حتى لو مقولتيش، عينك فضحتك." طالعتها صفا حانقة، بعدما دفعت بالثوب الذي طوته للتو إليها، ثم ألقت بجسدها فوق الفراش. "أول مرة راجل يخطف قلبي كده يا جنة." لم تتحمل جنة، ذلك الهيام الذي تسمعه منها، فتعالت ضحكتها غير مصدقة حالتها اليوم.
"يا صفا يا حبيبتي انتي آخرك أبطال الحكايات اللي انتي بتتخيليهم في أحلامك، ومراد زين الكاتب العجوز اللي بتحبيه." ولم ينته تهكم جنة إلا عندما قذفتها صفا بالوسادة الثقيلة، وقد انبطحت بعدها، انفرجت شفتي صفا في ضحكة عالية. أتت عمتها عليها متسائلة وهي تنظر إليهم. "مالكم في إيه؟ وكاد أن يخرج من شفتي جنة الحديث، إلا أن صفا اندفعت نحوها ترفعها من فوق الأرض، وتكتم شفتيها بكفها تخبر عمتها.
"أصلها مش مصدقة إن فتحي اداني مكافأة النهاردة." *** عاد بعد يوم عصيب مرهق قد مر به، أنعش جسده بالماء البارد لعله يفيق قليلاً من تلك الحالة التي وصل إليها. فقد تجاوز اليوم أمرًا لم يظنه أنه سيتجاوزه يومًا، لقد ذهب للمزرعة، ذهب للمكان الذي فقد فيه حبيبته، للمكان الذي شهد بعضًا من لحظاتهم السعيدة. خرج من المرحاض يُجفف عنقه وشعره، واتجه نحو الفراش يهوي عليه دون أن يبدل مئزره، فلم يعد يتحمل الإرهاق الذي ينهش جسده.
تمدد فوق الفراش ثم أغمض عينيه، وصورة واحدة كانت تظهر أمامه، صورة تلك الفتاة التي تعمل بالمزرعة. نفض رأسه سريعًا وهو ينهض عن الفراش وكأن عقربًا قد لدغه، فكيف لعقله أن يُخزن بذاكرته أمرأة غير مها، ومن مجرد لقاء واحد قد جمعهم. اتجاه نحو مكتبه الخاص في غرفته الفسيحة، يفتح أحد أدرجه ويخرج إطار صورة، كانت من أجمل ذكرياتهم وهي تضحك، بضحكتها الجميلة التي سلبت فؤاده في أول لقاء بينهم كما سلبت قلبه بأكمله.
كانوا يُداعبون الفرس الذي كان هو ورقته الرابحة في سباقاته والمفضل لديه، وكان أيضًا سببًا في كرهه للفروسية، إنه السبب في موتها. ألقى الصورة داخل الدرج، بعدما لم يعد لديه قدرة كالعادة في مطالعة أي شيء كان يجمعهما، فالشوق والحنين يأخذه إليها. واللحظات الجميلة ها هي تتدافق على عقله، يتذكرها وكأنها كانت بالأمس بين ذراعيه. "أحمد كفاية بقي خلينا نمشي، أنت عندك شغلك وأنا كمان." داعب عنقها بشفتيه، وهو غارق في دفئها ولذتها.
"مش مهم أي حاجة، المهم تفضلي في حضني." أخذها في جولة أخرى في بحور عشقه، وبصعوبة كانت تتخلص من أسره ضاحكة بعدما رأت نيته. "لا ده أحنا كده هنفضل طول اليوم هنا، وأنا لازم أفتح المكتب النهارده." اصطدم فوق الفراش بثقله، بعدما لم يستطع جذبها. "مفكرتيش برضوه في كلامي؟ اقتربت منه، بعدما ضمت الغطاء فوق جسدها بإحكام، وتنهدت وهي تطالع نظرته إليها.
"وأنا نفسي يبقي ليا كيان يا أحمد، حتى لو في مجرد مكتب بسيط، كفايه إنك بتصرف على أهلي." وأردفت متحسرة على حالها. "ويمكن في يوم تسيبني، وهكون خسرت كل حاجة في حياتي." اجتذبها إليه، بعدما لم يعد يتحمل رؤيتها بهذا الضعف، وحديثها عن تركه لها يومًا. "أنا عمري ما هحب ست غيرك يا مها، ولا هقبل بست تاني إلا أنتي." لامس خدها بحنو، يمسح عنها دموعها، يهمس لها بعشق. "بحبك." فاق من ذكرياته وقد وقف أمام مرآته يطالع حاله.
"لازم تبعد عن فريدة يا أحمد، قلبك لمها ومافيش ست هتقدر تاخد مكانها." *** ورغم الفتور الذي استيقظ به هذا الصباح، إلا أن ما كان ينتظره منذ عام قد تحقق وهو يتلقى تلك المكالمة الهامة التي لم يصدقها. طالع بريده الإلكتروني وقد أتت عليه رسالة بريدية أمس، ولكنه لم يُجب عليها، ف اضطرت المؤسسة لمُهاتفاته حتى تخبره بالخبر السعيد وسعادتهم في الانضمام إليه.
نهض عن مقعده وقد أخذ يدور في أرجاء غرفة مكتبه بحماس، ثم عاد ينظر نحو الفاكس المُرسل، وجلس مرة أخرى على مقعده خلف مكتبه مسترخيًا بملامح سعيدة، منتصرًا لما حقق. "أحمد: يا أخيراً وصلت لحلمي، وانضميت للمؤسسة في أمريكا." وسرعان ما كان يعتدل بثبات، وقد دلفت سكرتيرته تُخبره بوجود رامي صديقه. "أحمد: دخليه بسرعة يا داليا."
غادرت الغرفة بعدما تلقت أمره، وقد اعتلى ملامحها الذهول، من تلك السعادة الغريبة التي ترتسم فوق ملامحه الجادة، فلم تعتاد على رؤيته هكذا طيلة الثلاث أعوام التي عملت فيها معه. طالع رامي بغرابة بعدما دلف ورآه على حالته العجيبة، فاتجه نحوه متسائلاً بشك. "ما تقولي سبب سعادتك ديه، وفرحني معاك يا ابن السيوفي."
وجلس بعدها ينتظر سماعه، فوق المقعد المقابل له، اتسعت ابتسامة أحمد وقد شعر رامي بالقلق من هيئته الغريبة، فلم ير صديقه هكذا منذ سنوات دراستهم بالجامعة. "أحمد: الشركة الأمريكية وافقت على المشروع السياحي اللي قدمته ليها، وموافقة إني أكون شريك معاهم بنسبة 30%." ندهش رامي مما سمعه متمتماً بعدما نهض عن مقعده هو الآخر وقد ألجمه الخبر. "رامي: أحمد انت بتهزر!
"أحمد: كان حلم حياتي أوصل للشركة دي وانضم ليها، انت عارف إنها بتضم أكبر مهندسين العالم في المعمار." حضنه رامي بسعادة غير مصدقًا ما وصل إليه صديقه. "رامي: مبروك يا أحمد، متعرفش أنا فرحان ليك قد إيه." ولكن سرعان ما تلاشت سعادته وطالت نظراته نحوه، بعدما تذكر أن صديقه سيرحل عن مصر، لتصبح حياته في بلد آخر. "رامي: طيب والكتابة وشركتك هنا في مصر؟
"أحمد: الشركات هنا في عامر وهو أجدر مني في كل حاجة، أما كتابة الروايات فأنا قررت أوقف كتابة خلاص، جيه الوقت اللي أوقف خداعي للناس أنا مش مراد زين، صحيح أنا الكاتب الأصلي بس مراد زين مات من 15 سنة." واردف وهو يشيح عيناه عن صديقه. "أحمد: أنا بخدع الناس بالمثالية والحب، الحب اللي بقيت عايش فيه مع الذكريات، أنا شخص مات من زمان يا صاحبي، مات مع أول صدمة كانت في حياتي." وارتفعت وتيرة أنفاسه وهو يتذكرها.
"أحمد: موت الإنسانة الوحيدة اللي حبيتها." واتبع حديثه بمرارة اقتحمت حلقه. "أحمد: مراد زين، الكاتب اللي كتاباته مغرقة السوق، سواء عن الحب أو الظلم أو العدالة أو الرضا، عالم بيحاول يبنيه لنفسه عشان يقدر يعيش والإنسان اللي جواه ميموتش." وابتسم وهو يتابع حديثه، وقد ترك حلمًا آخر خلفه. "أحمد: مراد زين اعتزل خلاص، زي ما اعتزل الفروسية زمان." ومد ذراعيه نحو رامي الذي أصبحت ملامحه حزينة لفراقه.
"أحمد: محدش يعرف حقيقة مراد زين غيرك انت وعامر، أنا واثق إن عامر هيفرح من خبر اعتزالي للكتابة، لأنه من زمان أوي كان معترض." واردف وهو متحسرًا على حال شقيقه. "أحمد: هو شايف إن العالم اللي لازم نعيشه هو عالم الفلوس والصفقات." "رامي: وأنا يا أحمد؟ تمتم بها رامي، فرمقه أحمد وقد تلاشت سعادته وهو يرى حزن صديقه. "أحمد: هنفضل ديما على تواصل يا رامي، ومين عالم يمكن تغير فكرتك وتيجي أمريكا معايا، لسا فاضل شهر على رحلتي."
احتضنه رامي بقوة، فرغم حزنه على فراقه، إلا أنه يتمنى له النجاح ولعل يجد حياة جديدة له هناك بعيدًا عن الذكريات. "رامي: أهم حاجة عندي يا ابن السيوفي إنك تنجح وتنجح، تنجح بقى في عالم الأدب، تنجح في عالم المال، تنجح في عالم الهندسة والعلم، المهم إنك تنجح لأنك تستاهل يا صاحبي." وابتسم بحزن وهو يطالعه. "رامي: هفتقدك أوي يا أحمد، أوعى رحلتك تطول في أمريكا وتعيش عمرك كله هناك."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!