ظن ما سمعه من شقيقه مجرد مزحة سخيفة. صحيح هو يعلم أن تلك الخطوة كانت من أهداف شقيقه وكان يخبره في الماضي أنه يحلم للانضمام لتلك المؤسسة. وهو كان يأخذ الأمر ضاحكاً. "مش شايف، فرحة في عينك يا عامر" ابتسم وهو يمازحه بعدما اقترب منه. "تقريبًا أنت زعلان على المشروع اللي هسيبك في نصه.. وهتكمله أنت يا باشا" "مقه" عامر بنظرة غاضبة، ورفع يده محذرًا له من مزاحه الذي لا يروقه اليوم.
"تمام يا باشا هسكت خالص، بس أنا فعلًا محتاج أسمعك وأنت بتُباركلي وتاخدني في حضنك" "ممكن تسكت شوية يا أحمد؟ أخيرًا قد نهض عن مقعده، وأخذ يدور حول حاله، يفرك جبينه بإرهاق.. تحت نظرات أحمد. فهو يعلم مدى صعوبة الأمر على شقيقه.
أطرق عامر رأسه، متأملًا سجادة مكتبه الفاخرة وكأنه يرتب أفكاره من تحديقه بها. فأفكاره كانت مشتتة، وقلبه لا يحتمل ترك شقيقه له.. ليكون كل منهما في دولة أخرى.. وتطول الأيام والسنين ويزداد بعدهما، ويصبح كل منهما ذكرى للآخر. اعتصرت قبضة الفراق قلبه، فهو ليس لديه قدرة على بعده.. لقد سعى لتزويجه من فريدة حتى يربطه به أكثر، ربطه بكثرة الأعمال حتى لا يدعه يفكر في البعد، بل من الهروب من حياته.
"عامر، أنا مش هكون فرحان لو أنت رفضت.. عامر، أنا محتاج أبعد عن هنا" رفع عامر عينيه، ينظر إليه بعدما استمع لعبارته.. فلم يجد إلا الرجاء بهما. حاول الثبات في وقفته، بعدما هدأت وتيرة أنفاسه المتهدجة، وأصبحت المسافة بينهم منعدمة، وبصوت رخيم هتف: "أنا محتاجك جانبي يا أحمد، محتاج أخويا اللي مليش غيره، عايز تبعد عني وتسافر؟ وتلك المرة كان يهتف هو برجاء متسائلاً:
"طيب أنا زعلتك في حاجة.. لو موضوع تدخلي في حياتك مضايقك.. أوعدك هبطل أفرض قراراتي عليك.. مع إني بعمل كده حب صدقني" قاوم أحمد دموعه، بعدما تأثر بحديث شقيقه، وهو يرى مدى الحب في عينيه. "أنت ابني مش أخويا يا أحمد" أخفى أحمد عيناه عنه وأطرق رأسه أرضًا، وقد لمعت الدموع في عينيه، فلم يحب يومًا تلك اللحظات، والأكثر أن تكون مع من يحبهم. "مش هنكر وأقولك إني مش عايز أبعد، بس أنا محتاج أبعد.. يمكن أنسى الماضي"
"هتنسى الماضي، وتنساني معاه يا أحمد؟ صرخ بها بقهر، وقد بدأت المخاوف تقتحم فؤاده. "أنت بتقول إيه يا عامر، أنساك.. لو قولت متسافرش هنسى حلمي وهقعد يا عامر، ولا في يوم تفكر إني ممكن أنساك" جذبه عامر إليه وقد دمعت عيناه هو الآخر، يضمه بين ذراعيه بقوة. "صدقني يا عامر، ده كان حلم حياتي إني أنضم لمؤسسة زي دي، أنت عارف إنها أكبر مؤسسة للمهندسين المعماريين في أمريكا" "عارف يا أحمد، عارف وفخور بيك"
تمتم بها بقلة حيلة، فقد بدأ قلبه يرفق بحال شقيقه، ولن يحرمه من حلمه وقراره. "وصدقني مش هطول هناك، هعمل اسمي وأثبت وجودي وأرجعلك" "كام سنة يا أحمد؟ هتف بها عامر بعدما ابتعد عنه، يطالعه بمشاكسة.. ينتظر أن يسمع رقمًا حتى يعاقبها بعدها إذا لم يعود إليه. صدحت ضحكات أحمد بعد تلك اللحظات المؤثرة. "بتحط العقده في المنشار" عاد يجذبه عامر إليه، بعدما ضحك هو الآخر.
"متخافش يا عامر، الغربة مش هتاخدني وأنسالك.. هحقق حلمي وأجي أحط إيدي في إيدك من تاني" "طب الكتابة وشهرتك هنا هتسيبها؟ أراد أن يضع له حلمه الآخر الذي سعى في تحقيقه.. منذ خمس سنوات.. وبالفعل كما قال له.. إنه يضع له العقده بالمنشار. ضحك أحمد ساخرًا وهو ينظر لشقيقه، وقد وقف يرمقه بترقب منتظرًا جوابه، ولكن جوابه صدمه. "أنا اعتزلت يا عامر، ومن مدة بفكر في الحكاية دي" ثم اردف متذكرًا خاله:
"الكاتب المشهور مراد زين.. هو خالك الله يرحمه، يعني أحمد السيوفي لا وجود له" طالعه عامر متجهماً بعدما خسر ورقته الأخيرة. "أنا كنت معترض على العالم ده، عالم خلاك ديما منفصل عن الواقع ومقدرتش حتى تنسي الماضي معاه وتكون شخص جديد" واردف متهكمًا بعدما طالعه أحمد بابتسامة واسعة:
"لأنت بقيت عارف تكون أحمد السيوفي ولا بقيت عارف تكون مراد زين.. بقيت عامل زي بياع الورد، بيبيع للناس الورد عشان يفرحهم مع إنه أكتر واحد بيتأذى من شوكه" وتابع حديثه: "طيب اتجوز فريدة وخدها معاك، فريدة مهندسة شاطرة وذكية وفي نفس مجالك، وأكون اطمنت عليك" وها هي عقده جديدة يضعها شقيقه أمامه، ويعلم أنه لن يفعلها.. فقد حرم النساء عليه وانتهى الأمر.
"فريدة بنت هايلة يا عامر، لكن أنا منفعلهاش.. وبلاش تحط العقده من تاني يا عامر" رمقها عامر ماقتاً من عقله الصلد، الذي للأسف يشبه عقله. "نفسي تسعى ليك، وتتجوز أنت يا عامر" "لسه برضه منستش الماضي، منستش مها" هتف بها حتى يهرب من عبارة شقيقه. "شايف آه أنت بتهرب من حصاري ليك يا عامر، أظاهر إننا هنفضل مضربين عن الجواز لنهاية العمر" ألقى عبارته الأخيرة مازحًا، فانفرجت شفتي عامر بابتسامة واسعة. وفتح له ذراعيه مجددًا.
"مدام فاضل شهر على سفرك، حاول تشوف فريدة بصورة تانية يا أحمد.. يمكن تلاقيها شريكة حياتك المناسبة ليك.. مدام مش هتختار بقلبك.. مش عايزك تكون زي أسير الماضي" ابتعد عنه أحمد، وقد أصبح بالفعل يشفق على حال شقيقه.. وهو يدفن عمره، ويرى النساء في صورة والدته. "أنا صعب أنسى يا عامر، لكن أنت تقدر تسامح وتنسى.. عاقبة ماما كتير وكفاية عليها كده وعليك"
وعندما وجد الجمود يرتسم فوق ملامح شقيقه ثانية، تمتم بمزاح حتى يُخرجه من تلك الحالة قبل أن يتقمصها. "شعرك بدأ يشيب يا بوس!! ربت أحمد فوق كتف صديقه، يمد له بآخر عمل قد كتبه، وانتهت معه رحلة أعماله الأدبية. طالع رامي الأوراق المدون بها العمل، ينظر للاسم يحاول أن يفهم اختيار صديقه. "المواجهة! هتف أحمد، بعدما رأى نظرات الاستفهام من عينين صديقه.
"الكتاب ده متتنشرش دلوقتي غير لما أبعتلك، وهو ده اللي هتكتب فيه قرار اعتزالي للأبد" اندهش رامي مما يسمعه، فلم يؤجل صديقه نشره، ولما يعطيه له اليوم قبل موعد رحيله بعد غد. "حاولت أنهيه قبل ما أسافر، ومكنتش مقرر أنشره غير وقت اعتزالي من عالم الأدب أو بالأصح عالم رفضي الواقع.. بس كل حاجة اتغيرت حسابتها بعد ما جات فرصة سفري لأمريكا"
رمقها رامي متفهمًا، فهو كان يعلم بنية صديقه عن الاعتزال ولكنه كان يتمنى أن يتغاضى عنها يومًا، ولكن صديقه اتخذ الأمر بجدية بعد جاءه عقد الانضمام. وسؤال واحد كان يطرق عقل رامي بإلحاح، فلما اختار صديقه هذا الاسم؟ "مواجهة إيه بالظبط، اللي أنت عايز توصلها لقرائك؟ أحمد بابتسامة واسعة: "مواجهة الألم! وها هو يواجه ألمًا آخر لم يكن يحسب له، وهو يهاتف فريدة يرغب في لقائها بعد انصراف صديقه.
طالعته في سكون تام، وقد تلاشت سعادتها رويدًا.. ظنت إنها أصبحت قريبة منه وقد بدأ يشعر بها وبحبها.. ولكنه اكتشفت اليوم ما كانت إلا تركض وراء سراب حذرتها منه عمتها وللعجب والدها أيضًا بعدما لم يجد أي ردة فعل تتخذ. رمقها بعدما أنهى حديثه متسائلاً، بعدما رأى الشحوب يعتلي ملامحها. "فريدة، أنتِ كويسة؟ ابتلعت غصتها، وقد أطرق عينيها نحو فنجان القهوة الذي أخذت تديره بحركات دائرية. "كويسة؟
همست بها بصوت خافت، ولكنه كان يسمعه.. شعر بالضيق وهو يرى ما وصل إليه معها.. ولكنه حذرها من حبه.. أخبرها مرارًا أن ما بينهم ليس سوى عمل.. وأن نظرته نحوها ما هي إلا نظرة تقدير وإعجاب.. ولكن حب.. كان أبعد عن مشاعره، فلن يحتل أحدًا قلبه مجددًا. "فريدة، تحبي نقوم طيب؟ "ببساطة كده، طيب ليه؟ هتفت بها، دون أن يفهم مقصدها.. ولكنها اتبعت عبارتها وقد جلا في صوتها الألم. "وحبي ليك، محسيتش ابداً بقلبي"
لم يتفوه بشيء، فبما سيخبرها وهي التي كانت تركض خلفه.. تدفع نفسها نحو حب ستكون هي الخاسرة فيه. "رد عليا يا بشمهندس" "أنتِ اللي جريتي ورا سراب يا فريدة، أنا عمري محسستك بحاجة تقول إن بحبك، كل مشاعري كانت تقدير ليكي وإعجاب" عادت الغصة تقف بحلقها، فتجرعت مرارة كلماته.. تخفي دموعها. "وأنا اللي حسيته ده كان سراب، دعوتك للعشا ليا، اهتمامتنا بحاجات لقينا نفسنا مشتركين في حبها، ابتسامتك اللي بقت تظهر وأنت معايا، رحلة المزرعة"
ولم تعد تتحمل ثقل دموعها، فانسابت فوق خديها. "كلامك معايا عن أحلامي... وعن حلمنا إن المشروع يخلص" "فريدة، كفايه" "لأ مش كفاية يا بشمهندس" تعالى صوتها، فالتف البعض يرمق تلك الباكية. "فريدة خلينا نقوم" التقط ذراعها بعدما نهض عن مقعده، فدفعت قبضته عنها حانقة. "أنت بتهرب مني ومن هنا عشان لسه عايش مع الذكريات.. ذكريات مع واحدة ماتت"
نهضت عن مقعدها، بعدما ألقت عبارتها وقد تجمدت عيناه وملامحه.. تركته في صدمته وأسرعت بخطواتها نحو الخارج. فاق على حاله، وقد علقت عيناه بها وهي تغادر من باب المطعم.. فاسرع نحوها يلتقط ذراعها. "عرفتي منين عن، مها؟ "هو ده كل اللي يفرق معاك، إني عرفت"
دفعته عنها، وأسرعت تعبر الطريق وقد أغرقت الدموع خديها.. صدح صوت بوق سيارة قادمة بسرعة فائقة.. فسكنت مكانها مرحبة بقدومها لعلها ترتاح من ألم الحب الذي اقتحم حصونها وجعلها ذليلة لأحد هكذا. "فريدة! صرخ بها وهو يجذبها، لا يصدق إنها كانت ستفقد حياتها بسببه ويعيش بذنب آخر ثانية. "مستحقتش تعملي في نفسك كده يا فريدة، ولا حد يستحق ده يا فريدة"
كان يضمها نحو صدره حتى تلتقط أنفاسها، وتستوعب ما كان سيحدث لها، دفنت رأسها بصدره تشم رائحته.. فربما كانت هذه اللحظة الأخيرة التي ستجمعهما. ابتعدت عنه وقد انتبهت للتو على عبارته. "عندك حق، محدش يستاهل إن أخسر عمري عشانك" وتراجعت بضعة خطوات، تصفق له بكفيها. "أنا اتعلمت الدرس كويس يا بشمهندس" وبقوة واهية كانت تمسح دموعها، تفجر له ما عرفته. "ابقى اسأل عامر، إيه السر اللي مخبيه عنك"
وابتسمت بهون وقد التفت بجسدها راحلة.. فقد انتهى لقاء الوداع الذي دعاها من أجله ولحماقتها قد ظنت إنه سيخبرها اليوم بحبه لها. "مبروك على إنجازك الكبير يا بشمهندس" تركته في سكونه يتساءل داخله، عما تقصده من حديثها الأخير وما الذي يخفيه عامر عنه؟ اندفعت لغرفة عمتها، ترمي بين ذراعيها.. فضمتها السيدة كريمة إليها وقد انتابها القلق.. فمنذ ساعات كانت تطير من السعادة بعدما طلب لقاءها وقد ظنت صغيرتها إنه سيخبرها بحبه.
"هيسافر يا عمتو، كان عايز يودعني مش يقولي إنه حبني ونفسه يكمل عمره معايا" ارتسم الألم فوق ملامح السيدة كريمة، فما الذي فعله هذا الأحمق بصغيرتها. "حب يودعني قبل ما يمشي بكرة يا عمتو" "النهاردة مسافرة؟ هتفت بها السيدة كريمة بدهشة، فبالتأكيد لم تأتِ رحلة سفره بهذه السرعة، منحتها فريدة الإجابة التي كانت تبحث عنها متمتمة بقهر. "كان عارف من شهر، وبيرتب لرحلته، ليه خلاني عايشة في وهم حبه مدام مقرر إنه هيمشي"
تركتها كريمة تُخرج كل ما تشعر به، ضمتها بقوة إليها وقد بدأت الصورة تتضح إليها. "مش معقول يكون غبي لدرجة دي يا فريدة وبيهرب من الحب" ابتعدت عنها فريدة تنظر إليها، وقبل أن يعود الأمل داخلها. "أو فعلًا محبكيش يا فريدة، وهدفه الوحيد إنه يحقق أحلامه، لكن الحب بقى برة حساباته" وبقسوة لمن تكن تقصدها كريمة تمتمت وهي تعيدها لأحضانها مجددًا.
"مش معنى إننا خسرنا في الحب، يبقى اتهزمنا يا فريدة.. فوقي لنفسك.. فريدة الصواف عمرها ما جرت ورا راجل رافض حبه" تملكها الحقد رغماً عنها، فقد دعسها أسفل قدميه دون رحمة، لقد جعل فريدة الشامخة.. تهبط من عليائها وتترجاه أن يمنحها حبه. "إيه اللي خفيته عني من الماضي يا عامر؟ هتف بقوة، بعدما اقتحم غرفة مكتبه.. ينظر لملامح شقيقه المستفهمة عما يقصده.. اقترب منه أحمد بخطوات جامدة، ينتظر سماعه. "أنت تقصد إيه يا أحمد؟
"عامر يا سيوفي.. بلاش طريقتك اللي أنا عارفها" "أنت اتجننت؟ صرخ بها عامر وهو يقترب منه، فتنهض أحمد غاضبًا من حالها، فعامر شقيقه الأكبر، شقيقه الذي دوماً يرى داخل عينيه السعادة والفخر كلما نجح وحصل على شيء.. شقيقه الذي لا يبحث عن شيء غير سعادته حتى لو بعقليته المتحجرة، القاسية. "جاوبني يا عام" تنهد عامر بضجر وملامح جامدة، فهو لا يفهم مقصده. "مخبي عليا إيه في موت مها؟
من نظرة عامر الجامدة، ثم أشاحه للوجه بعيدًا عنه، كان أحمد يتأكد من صدق كلام فريدة، هناك شيء لا يعرفه عن حبيبته.. ولكن ما هو هذا الشيء؟ انتظره أحمد أن يجيب عليها، ولكن عامر ابتعد عنه.. وقد عاد لأوراقه. "بلاش يا أحمد، أنت متخطيتش ذكرياتك معاها.. عايز ليه تضيف سطر جديد في القديم" "أنت بتلعب بيا يا عامر، كفاية بقى.. مش كفاية أنت السبب في تعاسة فريدة، قربتها مني وأنت عارف إن قلبي اتقفل على مها" "متستحقش حبك"
عاد يصرخ به، بعدما نهض. "فاهم يعني إيه متستحقش حبك، ولا الذنب اللي حملت نفسك.. إنك السبب في موتها" "أنت بتقول إيه؟ اهتزت شفتيه وهو يتمتم باسم شقيقه راجيًا. "عامر" "معرفتش تتحكم في لجام الفرس، عشان كانت واخده نسبة مخدرة.. عارف يعني إيه... كانت مدمنة" اتسعت حدقتاه صدمة، فما الذي فعلوا بحبيبته. "مش هقدر أظلمها في موتها وأقول إنها كانت ضحية لعيلة قذرة، ممكن يخلوا بنتهم تدمن عشان تبقى تحت طوعهم"
تسارعت أنفاسه وهو يستمع لما يخبره به شقيقه. "كانوا بيستغلوها تشيل الممنوعات في المزرعة يا بشمهندس" وبنبرة جامدة، وقد سلط عيناه نحو المساحة الواسعة التي تتمتع بها شرفة مكتبه، هارباً من نظرات شقيقه المتألمة. "أظن أنت فاكر الليلة، اللي جت فيها الشرطة للمزرعة" وهل ينسى هو تلك الليلة. فتح عيناه مسترخيًا بانتشاء، يمد ذراعه جانبه، يبحث عنها. اعتدل في رقدته.. يلتقط هاتفه.. فقد أصبحوا في منتصف الليل.. ف أين هي؟
دُلفت الغرفة بتوتر.. وعندما وقعت عيناها عليه وقد استيقظ من غفوته تساءلت برتباك. "أنت صحيت يا أحمد؟ ابتسم وهو ينظر لهيئتها، مستغربًا من حالة ثيابها. "أنتِ كنتي في الأسطبل يا مها؟ أومأت له برأسها، وتقدمت منه تشعر بالخوف. "روحت أقعد مع شمس شوية" كان شمس أحد أسماء أحصنته، وقد أصبحت مرتبطة به بشدة.. مد له بذراعه متفهماً. "تعالي يا حبيبتي، أنا بس قلقت عليكي.. مالك مخضوضة كده ليه؟
اقتربت منه بتوتر، فاجلسها فوق ساقيه.. يمسح فوق خديها، يتفرس ملامحها المرةقة. "مها، أنتِ مبقتيش عجباني، حاسس إن فيكي حاجة، أو مخبية عني حاجة" بهتت ملامحها، ولكن سرعان ما كانت تعود لطبيعتها.. فماذا سيحدث لو علم أن حبيبة قلبه أصبحت مدمنة.. خاضعة بجسدها لذلك الرجل الذي يمنحها جرعة المخدرات بعدما كان والدها سببًا في إدمانها، بل لم يرحمها بعد كل ما فعله واجبروها أن تدس الممنوعات هنا في المزرعة.
خاطبت حالها متحسرة فقد دُنس جسدها الذي أقسمت أن لا تهبه سوى للحبيب.. وها هو الحبيب يغرقها بين ذراعيه.. متناولًا شفتيها في قبلة حانية، يخبرها عن مدى عشقه لها. ضمها بقوة إليه، قبل أن يُدمغها مرة أخرى بنوبات جنونه.. ولكنه ابتعد عنها متسائلاً بنظراته، وهو يلتقط إحدى أوراق الشجر من بين خصلاتها، وهي ورقة لشجرة منفرده في بيت المزرعة.
فاق من شروده وهو يتذكر فزعها صباحًا عندما استمعت لسرينة الشرطة، عندما نهض على رنين هاتفه.. وصوت شقيقه يخبره أن الشرطة لديه بالمزرعة. "أنت عرفت كل ده إزاي يا عامر؟ تمتم بها مصدومًا، فمها لا تفعل به هذا. "خليت عامل عندي في المزرعة، يراقبها، لم تكونوا موجدين هناك" واردف بعدما أخذ يطالعها لبرهة، ثم أشاح عينيه عنه.
"تفتكر إني مكنتش عارف بلقائتكم في المزرعة يا أحمد، أنا كنت عارف وساكت.. سيبتك يا أحمد تعمل اللي عايزه.. قولت يمكن أطلع في النهاية غلطان" وبحقد كان يتغلل داخله من النساء. "كلهم زي بعض، مافيش ست مخلصة" "مها لاء يا عامر، أكيد كانت مجبورة على ده" تمتم بها، بعدما هوى بجسده فوق الأريكة، فلم يعد يتحمل ارتخاء ساقيه من هول ما سمعه.
"يمكن مكنتش وحشة، يمكن ظروفها أجبرتها على ده.. ويمكن حاجات كتير تكون اتفرضت عليها.. لكن أنت مش سبب موتها وهي مكنتش ست وافية لدرجة تعيش عمرك كله على ذكراها" "وليه محذرتنيش، ليه موجهتهاش.. فضلت تتفرج على الصورة من بعيد ليه؟ وبنبرة جامدة كان يصرخ به. "لو كانت واثقة فيك وفي حبك.. كانت جريت عليك وحكتلك.. لكنها كانت مستسلمة، ضعيفة.. رضيت تتجوزك في السر ورضيت تضيعك وتضيع نفسها"
أطرق رأسه أرضًا، يفرك عنقه.. بعدما استمع لكلامه.. فلو كانت تثق به.. لكانت أخبرته عن السبب الذي جعله تفعل ذلك. "وعشان مفضلش عمري كله، في الصورة الوحشة دي، أحمد أنا وأبوك.. كنا هنرضخ لرغبتك.." رفع رأسه، بعدما استمع لعبارة شقيقه الأخيرة، فقد مضى الوقت وفات الأوان ومن يتحدثون عنها قد رحلت. "كانت ماتت يا عامر، مش كده.. ماتت وابني اللي في بطنها مات وراح"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!