الفصل 27 | من 37 فصل

رواية سطور عانقها القلب الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
43
كلمة
4,855
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 73%
حجم الخط: 18

وقفت أمامه تشعر بأن هناك حديث يُريد إخبارها به. تلاقت عيناهم في نظرة طويلة. ولأول مرة تري في نظراته لها نظرة لم تفهمها، ولكنها كانت أبعد عن تلك النظرة التي أعتاد النظر بها إليها. لم تري البرودة والقسوة، بل رأت رجلاً آخر، رجلاً يُريد الهرب من مشاعره. حلت، انتظرت، وداخلها كان ينبض بالترقب. ولكن كل شيء تحول داخلها وهي تستمع لأخر ما توقعته. "أنا آسف يا جنه." وأسفة لم يكن ما يُريد إخبارها به وحده هذه الليلة.

أشاح عيناه عنها بعدما رأي نظرتها المتلهفة لحديثه. وبدون رحمة كان يُسقطها من سحابتها. "إحنا لازم نتطلق يا جنه! سقطت العبارة علي أوتار قلبها كالصاعقة، فأخذ صداها يتردد علي مسمعها. فالتمعت عيناها بالدموع غير مصدقة. إنه يُخبرها بضرورة طلاقهم بعدما شعرت ببصيص من الأمل في نجاح علاقتهما. أبتلعت غصتها اللعينة، تلوم حالها علي حبها لهذا الرجل. فكيف سمحت لقلبها بأن يُحبه وهي تعلم بفشل حكايتهم.

انسابت دموعها وقد وقف يرمقها بنظرات احتلها الخواء. أرادت الصراخ به، أرادت صفعه وضربه بكل قوتها، لعلها تُخرج فيه قهرها. ولكن رنين هاتفه جعلها تفيق من أفكارها. تنتبه علي الحالة التي أصبح عليها وهو يسأل شقيقه صارخاً. "أيوه يافاخر، بتقول إيه؟ ارتجفت يده فوق الهاتف وهو يسمع ما يُخبره به شقيقه. فاقتربت منه وقد احتلي الذعر ملامحها. "إيه اللي حصل؟ هرول من أمامها دون جواب.

فركضت خلفه تصرخ باسمه بعدما شعرت بالخوف من حدوث شيء لعائلتها. لتجلس فوق الدرج بأنفاس مسلوبة تنظر نحو الفراغ أمامها، تهمس اسمه هذه المرة بخفوت. *** ابتسمت صفا بسعادة وهي تضغط على آخر زر سيجعلها تثبت عضويتها في إحدى المنتديات العربية. تنهدت براحة، مع أول خطوة للتسلية بمفردها بعيداً عنه. لتضحك بقوة وهي مسطحة على بطنها وتتلاعب بساقيها، فتتخيل مشاهد تلك الرواية التي تقرأها ضاحكة. فقد كانت عبارة عن يوميات زوج وزوجة.

تعالت صوت ضحكاتها بقوة وهي تكمل قراءة الرواية. ومع طرقه الخافتة وعدم استجابتها، سمح لنفسه بالدلوف. فتقع عيناه عليها وهي بذلك الوضع الذي أشعل توقه إليها. أقترب منها مبتسماً بأنفاس مسلوبة، يريد معرفة ما يضحكها ويسليها. "ما تضحكيني معاك." باغتها بسؤاله، فانتفضت مفزوعة من فوق الفراش، تلتقط أنفاسها الهادرة، تنظر إليه وهي تضع بيدها فوق قلبها. "خضتني يا أحمد، انت دخلت هنا امتى؟

اتسعت ابتسامته شيئاً فشئ، وهو يستمع لاسمه بتلك النبرة التي زادته رغبة وتوقاً. وجلس جانبها يطالع ما كانت تقرأه ويضحكها. "مقولتليش برضوه بتضحكي على إيه يا صفا." التقطت أنفاسها ببطء، وعدلت من وضعية جلستها. تشيح بالهاتف بعيداً عنه. "عادي بتصفح على النت، وبضحك على مواقف لمتجوزين." حدقها "أحمد" بنظرات لعوبة، وهو يراها تبتعد بالهاتف عنه. وبعبث أخذ يتساءل.

"وإيه هي مواقف المتجوزين اللي بتضحك، أنا أعرف إن في مواقف تانية أحلى." خفق قلبها لعبارته، ولكن سرعان ما كانت تتحكم في مشاعرها. "مواقف للمتجوزين مش للصحاب، فأكيد مش مضطر تعرفها." تجهمنت ملامحه، وهو يستمع لعبارتها التي تصده بها. ورغم ضيقه إلا إنه تجاوز الأمر وعاد يبتسم إليها، يخبرها عن سبب قدومه لغرفتها. "معزومين النهارده على العشاء." هو يثبت لها براعته في تجاوز كل شيء. *** تنهد براحة وهو يتأمل وجه والده المبتسم برضا.

"كده تخضّينا عليك يا حاج." أغمض حسن عيناه بتعب. "احنا اللي غصبنا على بنت عمك كمان يا جاسم في الجوازة دي، اوعاك تفتكر إن انت الوحيد اللي ضحية، هي كمان اتنازلت يابني عن حقوقها في إنها تقول لاء ليا ولعمتك ولعمك. أنا وعمتك حطينا مقابل قرب عمك مننا تاني 'بنته' ومكنش عنده حاجة غير إنه يديهالنا، متظلمهاش يابني متخدهاش بذنب حد."

أظلمت عيناه من سماع حديث والده، وقبل أن يهتف بشيء ويخبره إنه سيطلقها حتى يحررها من عالمه المظلم ويمنحها حياة تستحقها، كانت عمته تدلف الغرفة بملامحها البشوشة. "أخبارك إيه دلوقتي يا حسن، كده يا خوي تقلقني عليك." "أنا قولت لجاسم كل حاجة يا منيرة، لازم يعرف إنها كمان اتظلمت وسطنا." طالع عمته، بنظرات خالية. فتساءلت منيرة بشك. "مراتك عايزة تمشي ليه يا جاسم، عمك صابر تحت وهي مصممة إنها تمشي معاه."

تصلبت ملامحه، وهو يستمع لعبارات عمته. فحتى لو أخبرها بطلاقهم، فهو من يقرر متى رحيلها وليست هي. اندفع لخارج الغرفة، تحت نظرات والده وعمته. فابتسمت منيرة وهي تطالع شقيقها. "لسه جوايا أمل إنهم يحبوا بعض يا حسن." *** تأملها "عامر" بنظرات طويلة، دون أن تحيد عيناه عنها. تذكر أمس وهي بين ذراعيه يسألها عما تريده. وقد ظن إنها ستطلب شيئاً من رفاهيات الحياة. ولكنها كل يوم تثبت إليه إنها بالفعل نموذج آخر من النساء.

تصلبت ملامحه وهو يرى قلبه إلى أين يأخذه. فاقترب منها بخطوات جامدة، بعدما ضجر من انتظارها وعلى ما يبدو إنها تناست إنه أخبرها أن وجودهم هنا لساعة واحدة كما اتفقوا. ثم يعيدها للمنزل ويعود لأعماله وقد أعطاها حقها في تلبية حاجتها، كما أصبحت تعطيه حقوقه الزوجية. تقدم منها، وقبل أن يخبرها بوجوب رحيلهم، تلاقت عيناها به بسعادة وهي تتجه إليه. "عجبهم الهدايا أوي، ربنا يوسع من رزقك وتفضل ديما ترسم الفرحة على وشوش الناس."

ألجمته عبارتها، بل جعلت جموده يتلاشى. وهو يعانق عينيها بنظرة طويلة، يتساءل داخله. هل هي بالفعل مختلفة عنهن جميعاً، عن والدته وفريدة بل وأيضاً أميرة؟ فاق من شروده، وهو يراها تحاول جذبه نحو الأطفال. "مش كفاية كده يا حياة، عندي اجتماع مهم." "اقعد بس معاهم خمس دقايق ونمشي، أرجوك." وبرجاء كانت تهتف عبارتها، وقد علقت عيناها بعينيه. خفق قلبه بشعور لا يعرف مهيته، واقترب من الأطفال يتأملهم بنظرات حانية بعيداً عن قسوته وجموده.

توقفت بعيداً عنه، وقد اقتربت منها السيدة "فاتن" سعيدة بما تراه. "حافظي عليه يا حياة، الفرصة مبتجيش في حياة الإنسان غير مرة واحدة." وها هي تنفذ المطلوب، تنفذ ما تنصحها به "ناهد" وقد أصبحت قريبة منها. تطبق ما كانت تسمعه من الحكايات، فالرجال لا يحبون زوجاتهم إلا بعدما تجمعهم العشرة والمواقف. ورغم تضارب قلبها وعقلها مع بداية زواجهم وإرغامها على هذه الزيجة، إلا إنها وجدت معه الخلاص من حياتها بجانب زوجة أخيها.

انتبهت على سماع باب الغرفة يفتح، ودلوفه بأرهاق وقد قطب جبينه وهو يراها مستيقظة لهذه الساعة. أسرعت إليه تسأله بلهفة صادقة. "اتأخرت ليه يا عامر؟ أراد أن يخبرها، أن لا حق لها بأن تسأله عن شيء. ولكن توقف الحديث على طرفي شفتيه وهو يجدها تقف خلفه وتزيل عنه سترته. "قلقت عليك، وفضلت مستنية نتعشى سوا. وعلي فكرة أنا جعانة خالص." "اتعشيت بره، وبعد كده تقدري تاكلي من غيري لما أتأخر."

تعجبت من نبرته الجامدة، فالفترة الماضية كان يعاملها برفق. شعرت بالتوتر وهي تراه يبتعد عنه ويتجه نحو المرحاض. نفضت عقلها من أفكارها ومخاوفها، واتجهت نحو المرآة تنظر لهيئتها. أزالت مئزرها برفق، فتخضبت وجنتيها من شدة الخجل. أعادت المئزر فوق جسدها ولكن سرعان ما كانت تتذكر حديث "ناهد". فرجل كزوجها بمكانته يرى الكثير من النساء. أزالت المئزر مجدداً ووقفت تمشط خصلاتها الطويلة.

وقبل أن تتجه نحو الفراش وتستر جسدها بالغطاء، كان يخرج من المرحاض يجفف عنقه وخصلاته. انتبه على سماع شيء يسقط، فابعد المنشفة عن وجهه. ليراها تقف مرتبكة تنظر إليه وهي تلتقط قرورة العطر التي سقطت منها. اقترب منها ببطء وهو يرى تراجعها عنه. ورغم إنه قد قرر عدم الاقتراب منها هذه الليلة إلا إنه كان يتحرك صوبها بأنفاس لاهثة. "انتِ جميلة كده ليه يا حياة." تمتم عبارته، وهو لا يدرك كيف خرجت الكلمات من شفتيه.

جذبها إليه فارتطمت بصدره الصلب، تسأله وهي تشيح عيناها بعيداً عنه. "أنا بجد جميلة يا عامر." والجواب الذي كان يستنكر إنه منحه لها، كان يعيده ثانية عليها، بل أخذ يعيده لمرات عديدة وهي بين ذراعيه يسحبها معه نحو السحاب. *** وقفت باكية، تتأمل رحيل والدها بعدما جاء ليطمئن على أخيه أولاً ثم عليها. طالعها في صمت، وقد وقف قريباً منها حتى تلاقت عيناهما. فحدقته بأعين قاتمة.

"مرضتش تمشيني معاه ليه، مش كنت عايز تطلقني ولا جاسم باشا لسا بيدرس قراره، بس أنا بقي مش عايزة أعيش معاك خلاص." ألقت عبارتها بصراخ، جعل عيناه تحتد، فمنذ متى وأصبح صوتها هكذا أمامه. "مليون مرة أقولك صوتك ميعلاش، كلامي ليه مبيتسمعش." هتفت بها، وهو يقبض فوق ذراعها بقوة. فنفضت ذراعها عنه. "مش عايزة أعيش معاك تاني، كفاية ذل وإهانة لحد كده، طلقني." حدقها بنظرات مظلمة، وهو يستمع لعبارتها.

أقترب منها، فاخذت تتراجع عنه وهي تري نظراته. "طيب يا جنه، أنسي بقي موضوع الطلاق." "لأني مش ناوي أديكي حريتك دلوقتي." وانحنى صوبها، فمالت برأسها بعيداً عنه، بعدما شعرت بأنفاسه تلفح صفحات وجهها. "إلا لما آخد حقوقي يا جنه، وأتمتع بامتيازات الجوازة، مش معقول تخرجي من الجوازة لسا بنت، ده حتى عيبه في حقي." ألقى عبارته بوقاحة، وابتعد عنها يتفرس ملامحها.

فصدحت ضحكته عالياً وهو لا يصدق إن بضعة كلمات ترغبها النساء منه، تجعلها مذعورة هكذا. *** امتقع وجهها وهي تتأمل بعينيها تلك الفتاة التي يصطحبها صديقه. فاقتربت منه. "هي دي حبيبت صاحبك اللي ناوي يتجوزها." ابتسم "أحمد" وقد انتبه على نظراتها نحوهم. "مش عاجباكي." وبهس خافت كانت تسأله. "إزاي موافق تلبس كده." وقبل أن تكمل باقية حديثها، اقترب منهم "رامي" هاتفاً باعتذار. "أسفين على التأخير، اعرفكم بس سارة."

نهض "أحمد" عن مقعده مرحباً بها وعيناه نحو صفا، وقد ضمها إليه بعدما وقفت هي الأخرى مرحبة. "صفا مراتي." ارتجف قلبها من لمسته، وتعريفها لهم بأنها زوجته. حاولت التخلص من ذراعها. فابتسم وهو يحررها أخيراً، وعادوا لجلوسهم. أتى النادل، ولدهشتها إنه قد اختار لها أنواع الطعام التي تحبها. طالعته في صمت، كما أخذ "رامي" يحدق بهم. لا يصدق أن هذا الزوج ليس إلا صورياً. كانت عينين الجالسة أمامهم تراقبهم.

تنحنحت "سارة" بعدما شعرت بانتباه "صفا" عليها، وعلى تحديقها بهم. "مكنتش فاكرة، إنك بالجمال ده يا مدام صفا." تورّدت ملامح "صفا"، وقد علقت عيناها بالجالس جوارها. فاقتربت منه حتى تخرجه من شروده وحرجها أمامهم من نظراته العالقة بها. فماذا كان سيفعل إذا كان يحبها؟ أم هذا دوراً يجيده حتى يثبت إليهم إنهم زوج وزوجة بالفعل. "بتبصلي كده ليه، ممكن تستعجل النادل لأني جعانة." ضحك "أحمد" مرغماً، بعدما أشاح عيناه بعيداً عنها.

فرمقه "رامي" متعجباً. "طيب ما تشاركونا معاكم الضحك يا جماعة، بصراحة يا مدام صفا انتي عملتي إنجاز في شخصية جوزك المصون ده، ده كان بارد ورخم بشكل بس دلوقتي حاسس إنه بقي لذيذ." تعالت ضحكاتها رغماً عنه، فاسرعت بوضع يدها فوق شفتيها، بعدما حدقها بنظرات متوعدة. فقد أعجبها حديث "رامي" عنه. "شكلي النهارده هخليك تدفع عزومة العشاء عقاباً ليك." تراجع "رامي" بمزاحاته، بعدما رمق المكان. "وعلى إيه أنا بقول السكوت حلو."

حاولت كتم صوت ضحكاتها، فضغط بحذائه فوق قدمها، لتتأوه بخفوت من فعلته. "نتلم شوية يا مدام مفهوم! *** وقف يتأمل نظرات عيناها الشغوفة، وهي تتابع سعادة أروى بالورد الذي قد بعثه إليها هاشم في لفتة رومانسية منه. تجمدت ملامحه، وهو يرى الحسرة قد ارتسمت فوق ملامحها بعدما تلاقت عيناهما معاً. انتبه على صوت شقيقه، بعدما دلف للشرفة الواسعة. "امتى هترجع لنفسك تاني يابن أبوي، وتنسى الماضي."

التفت إليه جاسر بجمود، رغم مشاعره المضطربة، يتجاهل حديث شقيقه. "الحاج نام." فهم "فاخر" هروبه من سؤاله، فتنهد زافراً أنفاسه. "طبعك ومش هتغيره يا جاسم، ديما مبتحبش قد تقول إنك غلط، متقلقش أبوك كويس، أخد علاجه ونام." *** مع أول خطوة كانت تصعد فيها الدرج متجهاً إلى غرفتها، كانت ذراعيه تجذبها بقوة يصرخ بها، بعدما فقد كل ذرات تعقله. "كانت قاعدة حلوة صح، اندمجتي أوي مع رامي."

طالعته بذهول، وهي تشعر بقسوة قبضته فوق ذراعيها، ولكن تجاهلت آلامها وهي ترسم ابتسامة واسعة فوق شفتيها. "رامي، صاحبك بجد مفيش منه، شخصية جميلة أوي تخليك تنسى الدنيا وتضحك من قلبك." تجمدت ملامحه، وهو يسمع عبارتها التي زادته تجهماً وقتامة بل جعلته لا يشعر بقسوة حديثه. "متنسيش وجودك في حياتي كان ليه، ومدته قد إيه، متتعوديش أوي على العيشة." وأردف ساخطاً. "متنسيش إنك مجرد بنت كنتي بتشتغلي عندي."

دفعها من أمامه بعدما ألقى بحديثه، وانصرف وهو يلعن ذلك الشعور الذي أصبح يجتاحه بقوة. وقفت مكانها مصدومة بأعين متحجرة وسرعان ما كانت تنساب دموعها فوق خديها. وقد أخذ حديثه يتردد في أذنيها. فهي بالفعل ليست هنا إلا لمدة معينة، ولكنه كاذب. فلم تعد تعلم أين هي في حياته. *** كان سؤال "ناهد" كفيل بأن يجعل قلبها يخفق بقوة. إلى أن عادت ناهد بتسألها ثانية بمراوغة. "بدأتي تحبي عامر يا حياة."

طالعته "حياة" بنظرات شاردة، لا تعرف بما تخبرها. لأنها بالفعل لم تعد تعرف مشاعرها نحوه. أغمضت عيناها وهي تضع بيدها على عنقها تتذكر عنفوانه معها في علاقتهما. ولكن ذلك العنفوان سرعان ما يتحول لشغف. إنها باتت لا تشعر بأنفاسها الهادرة وهي قربه، حتى قلبها بات يتقافز من موضعه حيناً يراه وكأنه يتوق لمساته. عقلها وقلبها وجسدها، أصبحوا خائنين إليها وقد تركت نفسها لهذا الرجل بعد تلك الليلة. "حياة."

هتفت "ناهد" اسمها، بعدما اختفى صوتها. وطال جوابها. "مش عارفة، لكن عامر بقي يعاملني كويس." والمعاملة لم تكن إلا بالفراش. ولكن ناهد ظنت أن الأمور بدأت تصلح بينهم من جميع الجوانب. "أنا معرفش يعني إيه حب غير من القصص اللي بنسمع حكايتها." "مجربتش إحساس إن حد يحبك من غير مقابل غير مع أمي وأبويا الله يرحمهم." توقفت الكلمات على طرفي شفتيها، وهي تلتف خلفها على أثر صوته الجامد.

"أخبارك إيه النهارده، المرافقة معاكي كويسة ولا أبدلها ليكي." ارتسمت السعادة فوق ملامح "ناهد" وهي تستمع لصوته وانتظرت قربه. أقترب منها يجاورها فوق فراشها. وقد علقت عيناه بتلك التي غادرت الغرفة، يتذكر حديثها الذي سمعه مع والدته. "حياة مش شبهي يا عامر، حياة نضيفة من بره ومن جوه، اوعي تخسرها يا ابني، لأنك مش هتلاقي زيها تاني." ألجمه حديث والدته، وتلك المرة كانت عيناه تتعلق بوالدته. "مش بنفوز غير مرة واحدة في الحياة." ***

جلس على فراشه بتعب، يتأملها وهي تعدل من وضع وسادتها فوق الأريكة. فنهض واقترب منها. "تعالي نامي على السرير." صدمتها عبارته، تتذكر أول ليلة لها معه. بعدما دفع الوسادة نحو الأريكة، يخبرها إنه مكانها وقد رحمها من نومتها على الأرض لكرم أخلاقه. وباستهزاء تمتمت. "مش متعودة على كرم الأخلاق ده يا جاسم باشا، عموماً متشكره على عرضك السخي." احتقنت ملامحه، من سماع عبارتها التي لم تعجبه.

"كلمة ومش هعيدها تاني، اسمعي الكلام مرة في حياتك يا جنه." "طب وانت هتنام فين." تسألت بعدما قررت، أتأخذ الهدنة معه في الحديث. فظهرت ابتسامته لأول مرة. "متخافيش هنام في أوضة تانية." "ليه موجهتنيش لما ضغطوا عليكي عشان تتجوزيني." باغتها بسؤاله الذي لم تتوقعه منه، فتلاقت عيناها بعينيه. وقد انتظر سماع جوابها ولكن جوابها قد طال.

"جنه انتي قبل ما تكوني مراتي، فأنتي بنت عمي يعني من دمي ولحمي. اوعدك إني هراعييكي وهحاول مبقاش معقد ومتسلط زي ما انتي شايفاني. بس حاولي تحترمي وجودي وغيابي وبلاش تصرفاتك المجنونة." اتسعت حدقتاها في صدمة وهي تستمع لحديثه، لا تصدق أن الذي يقف أمامها ويحادثها هو "جاسم" زوجها. وبمرارة تمتمت بعدما ابتلعت غصتها. "أنا بحترمك، انت اللي مبتحترمنيش." كان يعلم بصدق حديثها، ولكنه أراد أن يمحو الحزن التي احتلت قسمات وجهها.

وبمزاح كان جديداً عليها تمتم. "طيب وبخصوص مصايبك السودا اللي بتعمليها انتي وأروى." ابتسمت مرغمة، فابتسم هو الآخر، يتذكر عندما شاهدها أحد رجاله صباحاً، تجلس مع بعض نساء بلدتهم وتتناول معهم بعض الأطعمة وتمازحهم. واقترب منها بهدوء، يخبرها. "مش هكون معاكي ديكتاتور تاني، بس اوعاكي تنسي وضعي هنا في البلد." وسرعان ما كان يتحول هدوئه، لضحكات عالية. وهو يراها تحدق به بغرابة، ترفع حاجبيها بطريقة مضحكة.

وبرغبة ملحة كانت تقتحم قلبه. أجتذبها نحوه، يضمها إليه بقوة أفتقدتها صوابها، بل وجعلته يفقد حصونه للحظات. "ولولا ابتعادها عنه، لكان حدث ما يخشاه، أن يجعلها امرأته." *** برودة مشاعره أصبحت تعصف به بقوة، فانتفض من غفوته بعدما غاب سلطان النوم عنه ليتركه لسلطان جنونه. نهض عن فراشه، وقد رحل النوم عنه. وبخطوات هادئة كان يهبط الدرج متجهاً صوب غرفة مكتبه. عاد إلى عالمه هروبه ثانية ولكن بمشاعر أخرى.

فمشاعره السابقة كانت للماضي الذي أفقده أجمل أحلامه، أما الآن فهو يصارع حاضره ومستقبله. توق ونفور لمشاعر أراد دفنها. وكل شيء داخله لم يعد يفهمه. أغمض عينيه بشرود وهو يتذكر كلماته اللاذعة التي قد دمرها بها مرة أخرى. خرج من مكتبه وقد اتخذ قراره بالذهاب لغرفتها، فلم يعد يطيق الشعور الذي يثقل فؤاده. وبمشاعر مضطربة، كان يجول ببصره على ملامحها الهادئة في ظلام غرفتها. أقترب من فراشها، وأنحنى بجسده، يتأمل كل تفاصيل ملامحها.

مدّ كفه نحوها بتردد، فتغلب عليه قلبه. وأخذت أنامله تتحرك بخفة فوق خديها وعينيها. "سامحيني يا صفا، سامحيني بس انتي السبب. انتي شبهها أوي بجنونها وبرائتها. بنسي معاكي العالم كله. نظرتك ليا فيها حاجة مش قادر أقومها. أنا ليه بظلمك كده وأنتي كل اللي بتقدميه ليا بدافع الحب، بس صدقيني بُعدك عني راحة، اوعاكي تفضلي تحبيني، لازم تكرهيني يا صفا." ***

دلفت بقدميها لأول مرة مقر شركته، فابتسمت أروى وهتفت بسعادة وهي تشتاق لرؤية هاشم ومفاجأتها له. "جاسم أكيد هيبسط أوي لما يشوفك." طالعتها "جنه" باضطراب وخوف، تخشى ردة فعله عندما يراها. فهو لن يكون سعيداً برؤيتها. خفق قلبها وهي تتمنى أن ترحل حتى لا يكسر قلبها كعادته. فهي لن تتحمل كسرة أخرى أم إذلال منه وخاصة لو حدث ذلك أمام أروى. "أنا بقول أرجع استناكي في العربية أحسن يا أروى، وانتِ روحي صالحي هاشم وتعالي."

لم تمهلها "أروى" لتسمع المزيد من الاعتراضات، وجذبتها إليها. "يا عبيطة هفضل أعلم فيكي لحد إمتى، لازم تقربي من جاسم أكتر وتهتمي بيه، اشمعنى نصايحك دي بتقوليها ليا." أطرقت رأسها بحزن، فهي تعطي لأروى النصائح حتى تعيش بسعادة مع رجل كهاشم، يحبها ويتمنى رضاها. لكن هي وجاسم علاقتهما مختلفة. جاسم لا يحبها ولا يراها ولا يرغبها. صحيح تحسنت معاملته لها ولكنها لن تخدع حالها وتظن إنه سيحبها يوماً.

ومع خطوات لم تحسب سرعتها بسبب شرودها، وجدت "أروى" تضغط على زر صعود المصعد، تتسأل بلهفة. "تفتكري الهدية هتعجب هاشم." "هاشم بيحبك يا أروى، واللي بيحب حد بيسامحه طول." تعالت السعادة فوق ملامح "أروى" وهي تستمع لعبارة زوجة أخيه وابنة عمها الحبيبة. ضمتها "جنه" بحنان، وسرعان ما كان يتوقف المصعد في الدور المنشود. خرجوا من المصعد، فتحركت "أروى" نحو الطرقة المؤدية لغرفة هاشم. تهتف إليها دون أن تنتظر سماعها.

"مكتب جاسم على إيدك الشمال، ومتقلقيش مكتب رئيس مجلس الإدارة هتلاقي مختلف وهتعرفي علطول." وتركته وذهبت بخطي سريعة. ومن سوء حظها كانت "نيرة" تسير عبر الردهة التي وقفت فيها بتوتر، لا تعرف أن تقف مكانها تنتظر أروى أم تهبط للأسفل وتنتظر بالسيارة. انتبهت على صوت "نيرة" التي فور أن رأتها، اقتربت منها بنظرات خبيثة، ماكرة ترسم فوق ملامحها ابتسامة مصطنعة. "يا جنه مش معقول، أكيد جاية لجاسم، بس جيتي مع مين."

وصمتت نيرة للحظات وهي تعبث بخصلات شعرها مفكرة. "أكيد مع أروى." أومأت "جنه" برأسها، ورغبتها في الفرار تزداد. "نورتي الشركة يا جنه، جاسم أكيد هيكون مبسوط." تفت به "نيرة"، وهي تنظر لملامح "جنه"، التي لمعت عيناها وقد عاد الأمل داخلها. بأن جاسم سيسعد لرؤيتها، حتى إنها بدأت تتخيل كيف سيستقبلها ويهتم لأمرها. طالعتها "نيرة" بخبث، تهنئ نفسها على تلاعبها بها، وعلى تصديقها إنها شيء هام بحياة جاسم.

ويبدو عليها إنها أصبحت متيمة بابن خالته. "هو دلوقتي فاضي، هدخل أقوله إنك بره." تبعته "جنه"، حتى أصبحوا في غرفة فسيحة وقد اقتربت نيرة من سطح مكتبها، تلتقط من فوقه بضعة ملفات متمتمة. "هوديله الملفات، وأبلغه بوجودك، أقعدي يا جنه مالك واقفه كده." استعجبت لطفها العجيب، وجلست منتظرة. تضم حقيبتها الصغيرة إليها. خرجت نيرة بعد دقائق من غرفته وقد أغلقت الباب خلفها، فنهضت على الفور ولكن أملها قد خاب وهي تسمعها.

"5 دقايق بس يا جنه، لأن للأسف دخلت لقيته مشغول." حدقتها بشماتة، وهي ترى نظرات الخذلان مرتسمة فوق ملامحها. "ها تشربي إيه، ولا هتستني تشربي مع جاسم." هتفت "نيرة" عبارتها بخبث، وهي تخفي نظراتها الشامته وسعادتها. وهي تري شحوب ملامحها. مرت الخمس دقائق كما أخبرتها، أتبعها عشر دقائق. حتى طالعت ساعة يدها البسيطة، فوجدت إنه قد مر نصف ساعة وهي تنتظر سماحه لها بالدلوف لغرفته.

نهضت عن مقعدها، بعدما شعرت بالمهانة، وقد علقت الدموع بأهدابها. "لو مش فاضي امشي خلاص." حدقتها "نيرة" بصدمة مصطنعة، وهي تزيح حاسوبها الشخصي من أمامها، ثم نهضت معللة. "ثواني يا جنه، تمشي إيه بس، أكيد جاسم انشغل شوية، مش عارفة أقولك إيه هو طول كده الشغل بينسي أي حاجة في حياته." واتجهت "نيرة" بالدلوف لغرفته، ترسم فوق ملامحها ابتسامة واسعة، فقد أتتها الفرصة على طبق من ذهب لتقهرها. عادت لجلوسها بأحباط، تفرك يديها بتوتر.

فانتبهت على رائحة عطر قوية. ثم تقد إحدى النساء منها. قبل أن تسأل عن وجود نيرة، كانت نيرة تخرج من غرفة جاسم. وتستقبلها بترحيب. "أهلاً مدام ناريمان نورتي، حالا هدي خبر لمستر جاسم بوجودك." أتجهت نيرة عائدة لغرفة "جاسم" غير مهتمة هذه المرة بوجودها. جلست المرأة فوق المقعد منتظرة، وسرعان ما كانت تخرج نيرة متمتمة. "اتفضلي يا مدام ناريمان." علقت عينين "جنه" بالمرأة التي سارت أمامها بخيلاء.

فاقبضت فوق حزام حقيبتها وقد ارتجفت شفتيها. تمنع دموعها من الهبوط. "أعذريني يا جنه، جاسم بيبلغك إنه مش فاضي، وخلي السواق يوصلك." لم تنتظر سماع المزيد، واندفعت خارج الغرفة. ودموعها تنساب فوق خديها. لقد طعنها في الصميم. لقد حرق قلبها وأذلها. ارتطم جسدها بكتف "فاخر" الذي وقف يطالعها مصدوماً من هيئتها، حتى إنها تجاهلت نداءه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...