الفصل 28 | من 37 فصل

رواية سطور عانقها القلب الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
47
كلمة
4,259
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 76%
حجم الخط: 18

"ماما، فاكراني؟ تجاهلت "حياة" عبارتها، ودخلت المنزل، وضعت ما تحمله من يدها، وخلفها السائق. "ليه بتقولي كده يا سناء؟ هو فين رجب والولاد؟ رمقتها "سناء" بنظرة حاقدة، تفحص بعينيها ما تريد من ثياب ومجوهرات. "رجب في الشغل يا حببتي، والولاد في مدارسهم. قومي قومي يلا اعملي بقعدتك، أنا تعبانة ومش طايقة نفسي. عقبال عندك حامل يا أخت جوزك."

تفت بها "سناء" وهي تتجه نحو غرفتها، ولم تجد إلا حديثها المسموم الذي ستنال به حقها وتثأر لحالها. "حامل! صدمت "حياة"، فشقيقها لم يعد يتحمل الإنفاق على صغاره الخمس. حدقتها "سناء" بملامح ممتعضة وهي تقف أمام غرفتها. "هدخل أنام، عايزة لما أصحى ألاقي كل حاجة نضيفة، والأكل معمول. أنتي مش غريبة يا حياة، وولاد أخوكي زمانهم جايين من المدرسة."

حدقتها "حياة" بنظرات صامتة. وقفت "سناء" مكانها والحقد يتوغل داخلها، بل يحرق فؤادها، وعادت تلتفت إليها ثانية. "هو صحيح جوزك زهقش لسا منك؟ أصل اتفاقه مع رجب إنه شهرين ويطلقك لو ما حصلش حمل. هو أنتِ مش حامل يا حياة؟ ألحقي يا حببتي أحملي قبل ما يرميكي ويشوف واحدة غيرك تجبله عيل." حدقتها تلك المرة "حياة" بملامح شاحبة، لا تستوعب ما تسمعه. وقد وصلت سناء لهدفها، وهي ترى السعادة اختفت من فوق ملامحها. ***

صُدم، وقد تصلب جسده، وهو ينهض بصعوبة من فوق مقعده، لا يقوى على الحركة. أشار إليها بأن تعيد حديثها مجدداً. فاقتربت منه تخبره ما جاءت لأجله. "كنت حامل منك." ابتلع ريقه وهو يرمقها، يحاول استيعاب ما يسمعه، متمتماً أخيراً. "كنتي حامل مني إزاي! ألقى عبارته، وهو يهوي بجسده مجدداً فوق مقعده، بعدما لم يعد يتحمل وقوفه. ارتجفت شفتيه، يعيد عبارة الواقفة على مسمعه، وقد انفصل عن العالم. "حامل!

علقت عينين الواقفة به، وهي لا تصدق صدمته التي لا تعرف تفسيراً له. حتى إنها باتت تشعر وكأنه يقف أمام رجل آخر غير "جاسر المنشاوي" الذي عاشت معه لشهرين يذيقها عنفوانه المحبب لقلبها، ثم طلاقهما كما اتفق.

توقف عقله عن العمل، يصارع عواصف الماضي الذي قد أخذ منه عمراً كاملاً. فماضي قد حوله من شخص يعشق لشخص يمقت، ماضي قد جعل شبابه يتحول إلى شيخوخة. ضاقت أنفاسه ورفع كفيه يدلك بهما جانبي رأسه، وقد عادت المشاهد التي حفرها الزمن تعصف داخل ذاكرته بقوة. فلاش باك. "للأسف يا جاسر، نتيجة فحوصاتنا طلعت." صمتت قليلاً قبل أن ترفع بوجهها لتصفعه بدون رحمة قائلة: "العيب فيك، ونسبة علاجك ضعيفة جداً."

يهوي بعدها فوق فراشهما، وقد تجمدت عيناه نحو الفحوصات التي وقفت تحملها بين يديها. فهو من ضغط عليها كي يسارعون في أمر الإنجاب. امتدت يداه بارتجاف يلتقط من الفحوصات، ينظر نحو النتائج بأعين زائغة وأنفاس مثقلة، وهي تعيد على مسمعه ما أخبرها به الطبيب. اقتربت منه وهي تتأمل تقسيمات وجهه المكفهرة من الصدمة، وانحنت بجسدها قليلاً، تجثو فوق ركبتيها أمامه، وراحت تمسك وجهه بين راحتي كفيها.

"أنا هفضل جنبك يا حبيبي ومش هسيبك أبداً. أنا مش عايزة أطفال غير منك أنت. وما دام ولادي مش هيكونوا منك يا جاسر، خلاص أنا مش عايزة." وأردفت بعدما رأت عيناه تتعلق بها، ولم تكن نظراته إلا خاوية. "أنا اكتفيت بيك يا جاسر." وقف شريط التضحية، وقد ارتسمت السخرية فوق شفتيه. حتى إن الواقفة أصبحت لا تفهم شيئاً من تبدل ملامحه وصمته. عاد لشروده وهي يتذكر.

بعد مرور عام على تلك التضحية العظيمة، وتقبل فيه قضاء ربه بقلب راضٍ. فكم كان لديه رغبة قوية في أن يتبنى طفلاً يراعيه ويتخذه ولداً له، ويغدق عليه حنانه. لتحترك المشاهد مجدداً أمام عينيه، وكأنها كانت بالأمس.

جاءت إليه إحدى الأسطوانات المدمجة كإهداء له، وصاحب الرسالة المجهولة التي كانت مرفقة مع الأسطوانة، يخبره أن لا يتجاهلها. أخذه الفضول ليرى ما بها، وقد كان يتوقع كل شيء إلا خيانة زوجته، بل ومع شريكه الجديد. يتبادلون القبلات بجوع، يعبث بجسدها، وهي تتأوه. فتزداد يداه جراءة، إلى أن مال بها فوق الفراش. لم يتحمل رؤية المزيد من المقطع المسجل، فقذف بحاسوبه عرض الحائط وهو يصارع هيجان عقله من الجنون، ويخرج سريعاً من مقر شركته التي يتابعها في فرنسا.

وبسرعة قصوى، كانت ستضيع فيها حياته، وصل فيها إلى منزله، وخرج من سيارته، يتحرك بخطوات يدلف المنزل. كان يتحرك نحو الأعلى، ولكنه توقف مكانه يستمع لصوت ضحكاتهم، وعلى ما يبدو إنهم كانوا على وشك الصعود لأعلى. احتدت عيناه ولم يشعر بحاله إلا وهو يهجم عليه بقوة، حتى تمكن الآخر من دفعه صارخاً وهو يزيل الدماء عن أنفه. "طلقها يا ابن المنشاوي، والشركة أتنازل عنها...

بدل ما أنت عارف ممكن أعمل إيه باللي بعتهولك، وتخيل لما أهل البلد عندك في الصعيد يشوفوك وأنت طرطور، ولا الحاج لما يلاقي آخرة تربيته في كبير العيلة راجل خرونج. بص، أنا مش هقولك أنا ممكن أشوه صورتك إزاي، بس أنت عارف." يكاد أن يعوض لسحقه. يستعد لإخراج سلاحه وقتلهم معاً. "كان لازم أخونك، إزاي أعيش مع راجل عقيم مبيخلفش؟ أنت عقيم يا جاسر، وأنا عايزة طفل حتى لو هنسبه ليك وهو مش منك. طلقني، كفاية لحد كده عليك."

وجد رجال الشرطة يقتحمون المنزل. ينظر إلى ما حوله مصدوماً، يُقيدونه بتهمة أخرى وهي تجارة السلاح. فاق من شروده على صوت زينة التي كانت أول من عشقه ورفض هو حبها من أجل تلك الساقطة. "زينة: أنت عارف إن جوازنا كان صفقة، وكل واحد أخد مصلحته... أنا مش جايه أخدعك، أنا جايه أقولك إزاي مرام قدرت توهمك سنين طويلة إنك مبتخلفش يا جاسر، إزاي صدقته." يهوي هو على أقرب مقعد متأملاً إياها بقوة قائلاً:

"زينة، أنتِ عارفة إنك غير أي ست اتجوزته." تجلس هي أمامه بهدوء قائلة بأسف: "كان نفسي ابنك يعيش يا جاسر، بس للأسف، اتولد ميت. أنا معرفتش بحملي فيه غير لما سافرت لأهلي في المغرب تاني، هناك عرفت إني حامل. حاولت أجي على نفسي وأرجعلك تاني، بس أنت رميتني وطلقتني يا جاسر أول ما صفقة جوازنا انتهت، أنت بعت حبي ليك كتير." رفع بعينيه إليها ليتأمل عشقها الذي ما زالت تحمله له، حتى تمتم بغضب:

"آه لو كنتوا عايشين لحد دلوقتي، كنت قدرت أنتقم منكم." *** ابتعد عنها بملامح جامدة، وهو يراها كقطعة الجليد بين ذراعيه. نهض عنها ضجراً. فما الذي يجعلها باردة هكذا؟ وهو اليوم بعثها لأهلها، بل وأصبح يعاملها برفق، يمنحها بعضاً من الامتيازات. هل ستتمرد عليه أم ستظن نفسها شيئاً هاماً في حياته؟ هي ليست إلا خانة فارغة في حياته. "والهانم مالها مزاجها النهاردة؟ مش عايزة؟ قولي.. ستات صحيح تسد النفس."

صفعها بعباراته، فارتعشت شفتيها، لتنفجر باكية، تكتم صوت شهقاتها المرتفعة بيدها. طالعها فزعاً، وهو يرى هيئتها، وقد تأكد أن هناك شيئاً أوصلها لهذه الحالة. "مالك يا حياة؟ هتف بها قلقاً، وقد تبدلت كل مشاعره الحانقة. وقعت عيناه على جرح كفها الذي لم يلاحظه. فكل ما أراده حينما دلف غرفته، هي وحدها. "إيه اللي جرح إيدك؟ هتفضلي تعيطي كده كتير؟ "حياة: صبري بدأ ينفذ."

تمتم عبارته الأخيرة، وهو يتحرك داخل الغرفة ينتظر سماعها، وقد تعالت وتيرة غضبه. "ليه.. ليه عايز تعمل فيا كده؟ ليه اخترتني أنا؟ ليه بعد ما خليتني أحس معاك بحاجات حلوة.. أفيق على كذبة كبيرة.. ليه اتجوزتني؟ تجمدت عيناه عليه، يربط حديثه ببعضه. فمن أعاد إليه أفكارها المضطربة في أمر زواجهم، بعدما أخضعها لسلطانه وجعلها كما أراد.

انسابت دموعها بغزارة، وهي ترى الحقيقة في عينيه. غايته منها كانت كبيرة. هي لا تروق له، إنما اختاره لينال ما يشعره برجولته وسطوته. نفض كل ما سمعه، واقترب منها يأسرها بين ذراعيه، ينهال عليها بقبلات عطشه. "قولتلك كل ما كنتي زوجة مطيعة، كل ما كسبتيني يا حياة." صفعتها عبارته الباردة، ولا تعلم كيف أتتها القوة، لتدفعه عنها هاتفة بأنفاس متقطعة.

"متلمسنيش، أنا بكرهك، بكرهك.. أنا صدقتك بغبائي، افتكرت فعلاً إننا بنحاول نقرب من بعض.. حتى لو مكنتش علاقتنا غير في... ابتعلت كلماتها الأخيرة، التي تشعرها بدنو وجودها في حياته، زوجة لإرضاء غريزته لا أكثر، زوجة لتنجب له طفلاً.. زوجة لا تعلم أي غرض آخر جعله يختارها من أجله. حدقها بنظرات جامدة، بعدما التقط علبة سجائره، يلتقط منها سيجارة يدسها بين شفتيه. "عايزة تعرفي سبب اختياري ليكي يا حاجة؟

وببساطة كان يخبره عن غرض واحد، اختارها لسببه. "عايزك أمينة يا حياة، وعايز أكون أنا سي السيد." ألجمته عبارته، تنظر إليه في صدمة. "انتوا كلكم شبه بعض، صنف نمرود وخاين للعشرة." وها هي صفعة أخرى يصفعها بها. لا تعلم كيف أتتها القوة لتخبره عما سمعته من ثرثرة الخدم. "وأنا مش شبه مراتك، يا عامر باشا. لو كان عندك عقدة بسببها.. متجيش تطلع عقدك على ولاد الناس."

ألقى سيجارته أرضاً، ثم داسها بقدمه غضباً. واقترب منها بعدما هتفت بعبارتها. تلاقت عيناهما، فطالعته في خوف، وقبل أن يرفع كفه ليصفعها، أحاطت وجهها بكفيها وأغمضت عينيها. شعرت بالصدمة وهي تراه ينسحب من الغرفة، وصفع بعدها باب الغرفة بقوة، جعل جدران القصر تهتز. ارتجف كامل جسدها، وكادت أن تتحرك نحو خزانة ملابسها، إلا إنها وجدت نفسها تسرع نحو غرفة "ناهد" وقد كانت مستيقظة وكأنها تنتظرها.

ارتمت بين ذراعيها، فضمتها ناهد نحوها تخفف عنها. "هتتعبي مع ابني يا حياة، بس اللي استحملت قسوة أقرب الناس ليها.. هتقدر تصبر وتتحمل تاني." وهل أصبح لديها قدرة للتحمل والخضوع؟ *** وقف يسمع صوت بكائها وهي جالسة في ظلام حجرتها تقرأ في كتاب الله. حدق في ساعة يده فوجد أن وقت بزوغ الشمس قد اقترب، وأن ليلته قد قضاها خارجاً ينفث عن غضبه وذكرياته.

تحرك من قربها، وقد تركها في خلوتها، واتجه نحو فراشه يرمي بثقله عليه، يُحدق بها من حيناً لآخر، يتذكر حديث فاخر معه عنها عندما جاءت إلى الشركة وخرجت من غرفة مكتبه باكية، اتصالات أروى التي انهالت فوق رأسه وقد كان في ذروة غضبه، فاغلق هاتفه عن الجميع. تنهد بعمق وهو يعتدل من رقدته، بعدما وجدها تطوي سجادة الصلاة. "ليه مادخلتيش ليا لما كنتي في الشركة؟ حد هناك زعلك بكلمة؟

سألها بلطف، تعجبه. فهل وصل به البرود بأن يتحدث معها هكذا، وكأنه ليس هو من تسبب في بكائها. تلاقت عيناه، فنهض من فوق الفراش وهو يرى شحوب ملامحها شدة البكاء. "مشيتي ليه من الشركة معيطة، ومدخلتيش ليا ليه؟ مش هحاسبك على خروجك من غير إذني دلوقتي، لكن لازم أفهم سبب عياطك." عادت دموعها تُغرق خديها، كلما تذكرت ما فعله بها وإهانته له. "أنت بتكذب عليا ولا على نفسك؟ "جنه! صرخ بها، وقد عاد الحنق يرتسم فوق ملامحه.

"افهمي كلامك قبل ما تنطقيه." "أنا مش هقدر أستحمل حياتي معاك أكتر من كده، أنا حاولت أرضى بنصيبي بس لحد كده وخلاص.. وجودي هنا وجنبك بيموتني بالبطيء." كانت في عالم آخر وهي تهذي بحديثها، الذي لم يعد يفهمه. اقترب منها يقبض فوق كفيها، يسألها بهدوء لعله يفهم سبب بكائها. "أظن من آخر مرة اتفقنا فيها هنحترم بعض وأنا على قد ما بقدر بنفذ وعدي." لم تشعر بحالها، إلا وهي تضربه بقبضة يدها بقوة تصرخ به وتدفعه عنها.

"اشمعنى أنا، اشمعنا أنا اللي مش لاقية حد يهتم بيا هنا غير عمتي وعمي.. اشمعنى أنا اللي كل يوم بحس بالنقص.. ليه خلتني أوصل لمرحلة إني أحسد غيري على سعادته.. نظرة هاشم لأروى بتخليني أسأل نفسي مليون سؤال ليه حظي كان كده.. ليه بكمل حياتي مع واحد بيكرهني.. أنت وصلتني إني قربت أكون مريضة نفسية.. طلقني يا جاسر، طلقني ومتخافش.. هقول أنا اللي وحشة وبشعة ولو عايز تاخد حقك قبل ما تطلقني عشان رجولتك.. أنا موافقة.. بس طلقني."

ألجمته عبارتها، بل صدمته. هل لهذه الدرجة تريد التخلص من حياتها معه؟ "إيه اللي حصل لما جيتي الشركة مع أروى يا جنه؟ انتظر سماعها، فاشاحت عيناها عنه، تمسح عنها دموع قهرها. "مش مهم هي قالت إيه، المهم إني فهمت إن وجودي في حياتك مبقاش ينفع." احتدت ملامحه وهو يسمعها، اتجه صوابه ولكنه كان يعلم أن في قربه سيكون هلاكها. غادر الغرفة بخطوات غضبه بعدما هتف عبارته. "ما دام مش عايزة تقوليلي سبب ثورتك، هعرف أنا بنفسي يا هانم." ***

غياب خادمتهم بسبب عطلتها وذهابها إلى أهلها هو من جعل الحديث بينهم يعود مجدداً. تذوقت طعم الحساء الذي تطهوه بتلذذ. تتمتم لحالها مشجعة: "ياسلام عليكي يا صفا. آه لو صوفيا داقة طبخي لطلبت مني دروس خاصة في الأكل والنكهات، مش طبخهم اللي كله مسلوق ومفيهوش ملح." "بتكلمي نفسك يامجنونة؟ انتفضت مفزوعة على أثر صوته، ثم ضحكاته، لتلتف نحوه بغضب، تمسك بيدها معلقة الطعام، تؤرجحها نحوه. "ابقى اطبخ لنفسك بقى، أنا مش فاضية."

سارت من أمامه، بعدما ألقت كلماتها الحانقة، عن شيء بسيط تفوه به، ولكنه كان يعلم إنها تخرج غضبها منه بأي شيء. "رايحة فين؟ اقفي هنا." امتقعت ملامحها، فعاد يبتسم إليها وكأنه لم يجرحها بكلمات لن تنساها يوماً. "موافق إنك تكملي دراسة هنا يا صفا." حدقته مصدومة من موافقته، فقد كان أمس معترضاً بشدة، حتى إنها كادت تبكي أمامه. "بجد؟ موافق أعمل ماجستير؟

تأمل سعادتها التي أسعدته، فاقترب منها يأسر جسدها بذراعيه، يشبع عينيه من رؤية سعادتها. "مقدرش أحرمك من حياتك وأحلامك يا صفا، وما دام انتي حابة تكملي هنا.. وتطوري من نفسك ف مافيش مشكلة.. وجودنا في أمريكا شكله هيطول." طالعته بدهشة وهي تحاول أن تستوعب حديثه. "إحنا مش هننزل مصر آخر السنة.. عشان تطلقني وتشوف حياتك؟ حرك رأسه نافياً، وقد شعر بالضيق من كلماتها، فابتعد عنها يُشيح بعينيه بعيداً.

"لسه مش عارف أمتى شغلي هنا هينتهي، أما موضوع إننا نفترق فأنسي ياصفا.. قدرنا بقى خلاص مربوط ببعض." لم تُحركها كلماته، فهي تعلم بأنه يتحدث دون أن يشعر بما تفوه به، ثم بعدها يندم على حديثه. "حد يبقى عنده لعبة حلوة ومجنونة كده ويتخلى عنه؟ لم تؤثر بها كلماته المازحة، فتمتمت حتى تقطع الأمل عن قلبها. "بس أنا عايزة ننفصل يا أحمد." تجاهل حديثها وكأنه لم يسمعه، وأتجه ناحية الطعام متسائلاً: "ريحة الأكل تجنن."

رمقته بملامح متعضة، وهي تراه يتهرب من حديثها عن أمر طلاقهم. "هننفصل امتى يا أحمد؟ تذوق الطعام دون أن يطالعها، أو يهتم بحديثها. "وطعمه تحفة، ويتاكل." والتف إليها، يرى معالم الحنق مرتسمة فوق ملامحها، وقد ظنته سيحادثها هذه المرة بجدية، بعدما طالت نظراته إليها. "إيه رأيك بعد ما نخلص أكل، نتصل بعامر ونطمن عليهم؟ وأردف بعدما تذكر عائلتها. "وكمان عمتك وبنتها."

جعلها تنسى كل شيء، وقد ارتسم الحماس في عينيها، وهي تتذكر أحبابها وتناست أمر طلاقهم. "فكرة جميلة، حضر بقى الأكل واعمل عصير.. ماهو دورك بقى مش إحنا متفقين نتعامل بتحضر." طالعها وهي تغادر المطبخ، بعدما ألقت بأوامرها عليه، ولو يمكن إلا سعيداً بل أكثر الرجال سعادة. ***

غاص في شروده الذي أصبح يرافقه، تذكر لحظة تطلعه على فحوصاته الجديدة، لتصبح الحقيقة أمام عينيه. لم تكذب "ناريمان" عليه في شيء، فهو بالفعل ليس بعقيم، ولكنه أصبح بالخاسر. فقد خسر سنين طويلة من عمره وهو بلا أمل وبلا روح. قد خسر نفسه القديمة وأصبح شخصاً معقداً.

تعالى أصوات الجالسين، فرفع عينيه عن طبقه الذي لم يمسه، فوقعت عيناه على الجميع، يتأمل نظرات السعادة التي تشع من عيونهم جميعاً إلا هي. تأكل بدون شعور، يرى الكسرة في عينيها. الكل يمزح ويضحك إلا هي. فقد أطفأ روحها بالفعل، دموعها وقتل براءتها، وقد صدقت عندما أخبرته إنه حولها لبقايا امرأة. زفر أنفاسه، بعدما شعر بثقل روحه من كم ما أصبح يعيشه مؤخراً. "ليا طلب عندك يا جاسر، بس لازم توافق يا ابن أخويا عشان خاطر عمتك."

تلتفت العمة "منيرة" راجية، فأماء لها برأسه أن تطلب ما تشاء، فهو لا يرفض لها طلباً. "عايزين نروح نصيف في الغردقة." واتجهت بعينيها نحو جنه الساكنة في مكانها ولا تتفاعل معهم وكأنها بعالم آخر. "وبما إني عارفة إنك مش هترضي تيجي معانا، فهناخد جنه." هتفوا جميعهم برغبتهم في إجازة صيفية، يرغبون بموافقته.

كانت بعيدة عن أحاديثهم، لا تستمع لشيء، بل جعلت نفسها داخل قوقعتها، تنظر نحو طبق طعامها بشرود. تنحنح وهو يرمقها ولكنها كانت بعيداً عنه تماماً. "أنا موافق يا عمتي، بس جنه لأ مش هتروح." امتقع وجه منيرة، فابتسم وهو يراها كيف فاقت من شرودها وانتبهت على حديثه، ورمقته بنظرة أصبح يفهمها. "جاسر: مش عايز مراتي تسيبني، في إيه يا جماعة، أنا وهي بعد فترة هنسافر تركيا."

علقت عيناها به، فحدقها بنظرة مبتسمة، جعلته يُشيح عيناها بعيداً عنه. تهللت أسارير "أروى" وهي تطالعهم بسعادة، غير مصدقة أنهم أخيراً قرروا الحصول على رحلة زواجهم. "هنيالك يا ست جنه.. جاسر باشا هياخدك معاه تركيا." واتجهت بعينيها نحو "هاشم" الذي انشغل في تناول طعامه، لتتمتم بضيق ولكن بصوت منخفض لعله يسمعه. "عارف لو مخلتنيش أسافر فرنسا زي ما وعدتني، هنكد عليك يا هاشم."

انحشر الطعام في حلقه، فاسرع في التقاط كأس الماء يرتشف منه، يُطالعها بيأس. "مجنونة وتعمليها، وأسكتي بقى عشان أخوكي مركز معانا وشوية كده وهيقوم يقتلني.. ده أنا ولا كأني مش جوزها يا ناس." طالع فاخر زوجته التي قد امتقعت ملامحها غيظاً، بعدما أدركت بأن تلك التي تدعي البراءة، قد حصلت على ابن خالتها أخيراً وانتهت أحلام أختها للأبد. مال فاخر عليها هامساً، حتى يُخرج من دائرة شقيقتها وأفكارها التي يعلمها.

"إيه رأيك يا هدى في شهر عسل جديد؟ وشدد على كلماته الأخرى محذراً: "وبلاش أختك نيرة تنط معانا في كل حاجة، أنا مش عارف هي طالعة حقودة كده لمين." رمقته "هدى" بحزن على حال شقيقتها، وهي تتذكر كل ما تفعله أختها منذ زمن لكي تحصل على جاسر وعمرها قد ضاع في الركض خلفه، لتتمتم بخفوت لحالها. "غبية يا نيرة، هتفضلي طول عمرك غبية."

انسحبت من الجلسة، تحت نظرات الجميع صاعدة لأعلى، لتتابعها نظرات "منيرة" بحزن، واتجهت بنظراتها نحو "جاسر" الذي جلس جامد الملامح، يقبض فوق كفه الموضوع فوق الطاولة بقوة. ربتت العمة على كفه، وكأنها تشعر بوجود خطب ما يعتلي صدره، فأبتسم لها بدوره، ونهض عن مقعده ليتجه هو الآخر إلى حجرة والده في الأعلى، حيث مكان ذهابها. اقترب من غرفة والده، ووقف ساكناً في مكانه يستمع لصوت بكائها ورجائها له.

"ارجوك يا عمي خليني أمشي من هنا، لو أروى مكاني كنت هترضي ليها تعيش مع حد بيكرهها." طالعها "حسن" بنظرات حزينة، وكاد أن يتحدث، ولكن انتبه على دخول "جاسر" الذي اقترب منهم، يرسم فوق ملامحه ابتسامة واسعة، يُداري خلفها خيبته وحسرته. "ممكن آخد مراتي يا حاج؟ يبتسم حسن برضى، ويشير إليهم بالانصراف بعدما علم بأن ابنه سيتكفل بأمر زوجته ولكن بطريقة مُرضية بعيدة عن طباعه القاسية.

أمسك بيدها فجأة، يجرها خلفه برفق، ويهبط دون أن يتوقف أو يعبأ بكلماتها المعترضة. "امسحي دموعك." فحاولت أن تنفض يده عنها ولكن قبضته القوية لم تسمح لها، فهتف معاتباً. "عايزة تمشي وتسبيني يا جنه؟ هبطت معه لأسفل مرغمة، وهي لا تعرف كيف ستتخلص من حياتها معه. فوقف في مكانه، وقد قربها يضمها نحو صدره يستمع لتساؤل عمته. "رايحين فين يا ولاد؟ وجاسر كان يمنحها الجواب بمشاكسة، جعلت قلب منيرة يتراقص سعادة.

"مروحين بيتنا يا عمتي، أصل مراتي وحشاني أوي." تجمدت عيناها، وهي تحاول الابتعاد عنه. فهللت أسارير منيرة سعادة. "تسع شهور يا جاسر وأخد حفيدي في حضني، سامع يا ابن أخوي." وهو كان خير من رحب بحديث عمته الذي راقه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...