وقفت أمامه حانقة من جره لها أمام العائلة، وذلك الحديث الذي ألقاه على عمته. لقد أخجلها أمامهم جميعاً. تجمعت ملامحها بالحنق وهي تراه لا يعبأ بشيء وكأنه لم يضعها في موقف محرج. "إنت إيه اللي قولته قدام عمتي؟ أحرجتني قدامهم وكأن بينا حاجة فعلاً." بوجه محتقن، أخذت ترمقه بتحدٍ. "ومهما عملت، وحاولت تكون لطيف قدامهم.. أنا برضه مصممة نتطلق يا جاسم."
تجمدت عيناه الخاويتين نحوها، فتكأ بنصف جسده فوق الفراش متسائلاً، وهو يتجاهل جزءً من حديثها الذي لم يعجبه. "إيه اللي قولته قدام عمتي؟ هتف بعبارته، وهو يتفرس ملامحها. ليُحرك يده فوق شاربه وكأنه للتو قد تذكر حديثه. "كل ده عشان قولت مراتي وحشاني، هو عيب لما الواحد فينا يقول مراته وحشاه." طالعها بمكر، وهو يرى احتقان ملامحها، وقد أعجبه الأمر. "هتطلقني إمتى يا ابن حسن المنشاوي؟
وما كان منه إلا أنه انفجر ضاحكاً، وكأنه استمع لمزحة وليس كلمة طلاق. "ابن حسن المنشاوي، سبحان الله اللي يشوفك من كام شهر وإنتِ بتترعبي مني.. ميشوفكيش قدامي وإنتِ واقفة تتكلمي معايا دلوقتي.. في كلام ماسخ يسد النفس." ولم يُمهلها لحظة، لتستوعب حديثه. فاعتدل بكامل جسده فوق الفراش، يرمقها فاحصاً لملامحها وجسدها. "لما يجيلي مزاج أطلق، هطلق يا بنت عمي."
أرادت صفعه بعد عبارته الأخيرة، وقبل أن تتمتم بعباراتها الغاضبة.. نهض من الفراش مقترباً منها بتلاعب. "لكن بلاش تحلمي أوي، لأني غيرت رأيي." وبوقاحة، أخذ يُتمم عبارته. "أصلك بقيتي عجباني أوي." لم تتحمل سماع المزيد من عباراته الوقحة، الباردة.. فاندفعت صوبه صارخة، ترفع سبابتها نحوه. "هتطلقني يا ابن حسن، بدل ما أفضحك.. ولا أقولك هرفع عليك قضية خلع."
ورغم الجمود الذي ارتسم فوق ملامحه، إلا إنه تركها تهذي بما تريده، يعطيها كل الحق في ثورتها عليه. انحنى قليلاً حتى يزيل حذائه عن قدميه. "خلع وتفضحيني.. مش بقول أظاهر إني قصرت الأيام اللي فاتت في معاملتك." ضغط فوق كفيها بقوة، فحديثه لا يزيده إلا غضباً. تلاقت عيناها المتحدية بعينيه الناعستين، وقد ارتفعت وتيرة أنفاسها من شدة غضبها. "بكرهك، بكرهك.. ومش قادرة أعيش معاك في مكان واحد."
وبغضب هذه المرة كان يصرخ بها، وهو يلتقط ذراعها يقبض فوقه ويهزها بقوة. "متختبريش صبري يا جنه، أنا سايبك تتكلمي وتصرخي قدامي.. وأقول لنفسي حقها.. ما أنا عملت فيها حاجات كتير، يمكن لسه زعلانه من حوار الشركة.. مع إني عاقبت نيرة عشانك ونقلتها من عندي.. وإنتِ ماشاء الله مش على لسانك غير طلقني." وبحركة لم تتوقعها، كان يدفعها نحو الفراش، يميل عليها يُكبل كفيها. "طلاق مش هطلق يا بنت صابر، وهتتعلمي إزاي تتعاملي كويس مع جوزك."
"إنت مش جوزي." بأنفاس لاهثة تمتمت عبارتها، وهي تحاول جاهدة التخلص من أسر ذراعيه. "والهانم بقى عايزة تتأكد إني جوزها فعلياً.. معنديش مشكلة أعرفك النهاردة إني جوزك فعلاً." ارتجفت أوصالها وهي تستمع لعبارته، ولم تغفل عن مضمونها الواضح. "إنت وقح." "بلاش أعرفك يعني إيه وقاحة يا جنه." ببرود يُتقنه، كان يُخبرها بنفاذ صبره، وسرعان ما تحول ضجره لمشاعر أخرى. "إزاي مكنتش شايف الجمال ده كله، مش معقول كنت أعمى."
باغتها بعبارته التي لم تتوقعه، فتجمدت عيناها نحو كفه وهو يُحركه فوق ملامحها. "عيونك، شعرك.. ملامحك.. كل حاجة فيكي جميلة وناعمة يا جنه." ارتجف جسدها من تغزله، وهي تشعر بالصدمة من حديثه وتحوله. أزدادت يديه جراءة وبأنفاس أصبحت مسلوبة رغماً عنها، أخذت تتدفعه. "أبعد عني." شعرت بشفتيه تجول فوق وجهها، غير عابئ بحركتها ودفعها له. حررها أخيراً من أسر ذراعيه بعدما التقط ملوحة دموعها بين شفتيه، وانتفض مبتعداً عنها.
"أنا آسف إني حسستك بالنقص في يوم، آسف إني خليتك تحسي إنك أقل من أي ست.. آسف على كل لحظة قهرتك وبكيتك فيها يا جنه." وجدها ساكنة في مكانها، بعدما اعتدلت من فوق الفراش وضمت جسدها بذراعيها. استمع لصوت شهقاتها، لا يُصدق إنها أصبحت بالفعل لا تطيق وجوده. "لدرجة دي كرهتيني يا جنه؟ أعطته جوابها وهي تبكي بقهر، تدفن رأسها بين ساقيها. "آه كرهتك." ابتسم رغماً عنه، وهو يراها تخبره بكرهها له، وتهز رأسها نافية. "وبتعيطي ليه دلوقتي؟
"عشان مكرهتكش للأسف ومش عارفة أكرهك." خفق قلبه، وهو يسمع عبارتها التي أعادت لقلبه النبض. اتجه صوبها يضمها بين ذراعيه رغم رفضها، وضحكاته تتعالى، حتى إنه أخذ يُغرقها بقبلاته. "إنت غبي، ومتسلط، وقاسي ومعقد... صدحت صوت ضحكاته بصخب، وهو يُحاول التقاط كفيها، حتى تتوقف عن دفعه. "يا مجنونة، كفاية." حررها أخيراً من بين ذراعيه، حتى يتمكن من احتضان وجهها ومسح دموعها. "خلينا نمنح بعض فرصة يا جنه، أنا عارف قد إيه كنت قاسي معاكي."
ارتجفت شفتيها، وتعالت أنفاسها وهي ترى رجلاً آخر أمامها. "ليه اتغيرت فجأة كده؟ منحها جوابه، وهو يدفن رأسها بصدره، فلم يعد يحب تذكر الماضي. "هتعرفي كل حاجة في وقتها يا جنه." ابتعدت عنه، تنظر نحو عينيه، وقبل أن تهتف بشيء.. كان يعود لضمها وهو يتسطح بجسده فوق الفراش. "عايزك تنامي في حضني يا جنه! *** أخذ يتأمل تفاصيل وجهها بسعادة وهي تبتسم تارة وتحزن تارة، وتارة أخرى تصفق كالأطفال. حتى وجدها تهتف بسعادة وهي تقفز من مكانها.
"صفا: أيوه بقى هو ده! صدحت صوت ضحكاته رغماً عنه، رغم إنه حاول لمرات أن لا يشعرها إنه يُحدق بها كالمراهق، ولكن جنونه بات بالفعل يعيده لسنوات قد مضت. "يا مجنونة، مش معقول من حكاية لا تمثل الواقع.. تتفعلي معاها كده." هتف بعبارته بعقلانية، جعلتها تقترب منه تتفرس ملامحه.. حتى جعلته يعود للضحك.. وهو لا يصدق إنه تزوج من أكثر النساء طفولة.
"كتابنا العزيز هو اللي بيقول كده، عموما أنا هطلع أوضتي وأصفق وأهيص وأعيط براحتي، وخليك أنت مع برنامجكم الممل." قبل أن تندفع ناهضة من جواره.. كان يلتقط ذراعها يعيدها لمكانها. "تفتكري كنت مركز أصلاً مع البرنامج؟ همس بعبارته، فجعل قلبها يتراقص طرباً.. هذا الرجل لا يجعلها تشعر بالقوة أمامه للحظة. رآها وهي تزفر أنفاسها بقوة وكأنها تطرد معها مشاعرها. "لو عايزة نتفرج على فيلم ويكون من اختيارك معنديش مانع."
حاولت العودة لشخصيتها الأولى، وليست تلك الحمقاء التي تغرق معه من مجرد نظرة عابرة. التقطت جهاز التحكم بترفع.. بطريقة زادته ضحكاً، مما جعلها ترمقه بملامح ممتعضة. "بتضحك على إيه؟ حاول كتم ضحكاته، بعدما رأى حنقها. "هاتي الفيلم يا صفا، ويا ستي خلاص بطلت ضحك." اعتدلت في جلستها، ولكن سرعان ما وضعت جهاز التحكم بحجرها متسائلة بفضول. "ما تيجي ندردش شوية، أنا زهقت من كتر ما بتفرج على التلفزيون."
اعتدل في رقدته هو الآخر، حتى تلاقت عيناهما واقتربت أنفاسهما.. وقد ضاقت عيناه متسائلاً. "بقلق من دردشتك يا صفا، بس عموماً موافق على عرضك.. عشان تعرفي قد إيه إني زوج لطيف وكريم." التوت شفتيها عبوساً من عبارته، فرمقها ضاحكاً وهو يحذرها. "لكن سؤال واحد مفهوم." لم تمنحه فرصة، تنتظر سؤالها الذي جعله يشعر بالفضول والترقب. "إنت حبيت قبل كده يا أحمد؟ منحها الجواب وهو يشيح عيناه بعيداً عنه. "كنت بحبها بجنون."
ورغم علمها بأمر زواجه الأول من "عامر" وحبه الشديد لهذه المرأة.. إلا أن نيران الغيرة كانت تحرق فؤادها. كانت تتمنى أن تكون الأولى في كل شيء بحياته.. ولكنه صرحها بحبه الشديد لها. رأته ينهض من جوارها، يقص عليها إنها تشبهها في أشياء كثيرة.. ليست الملامح ولكن جمال الروح. ارتجفت شفتيها وهي تستمع لحكايتهم وكيف كان لقاؤهم وكيف أحبها، ولما تزوجوا سراً.
تفاصيل كثيرة كانت تسألها له، وهو يجيب، حتى أصبح لم يعد لديه قدرة على الحديث. "كفاية يا صفا، إنتِ قولتي سؤال واحد وأنا جاوبتك على أسئلة كتير." وبفضول نحو حالها هذه المرة تسألت. "طيب وأنا؟ طالعها وهو لا يفهم سؤالها. "وإنتِ إيه يا صفا؟ "مش مهم خلاص."
أرادت أن تسأله عن مشاعره نحوها، هل أصبح يحبها نصف ما أحب هذه المرأة.. أم أن الطريق بينهم ما زال طويلاً. ومن نظراتها الهاربة عنه.. بدأ يفهم سؤالها.. ولكنه لم يكن مستعداً لمنحها الإجابة.. فهو يخشى أن يكون أحبها تعوداً ليس أكثر. "تعالي في حضني يا صفا." قربها منه، يُحارب صارعه بين قلبه وعقله.. ورغم رفضها لتكون قريبة منه ورغبتها للهرب نحو غرفتها.. إلا أنها استكانت بين ذراعيه. "الحب مش بإيدينا يا صفا."
سقطت دموعها وقد شعر بحرارة ملمسها فوق قميصه القطني. أرادت الصراخ به.. حتى تعرف أين هي في حياته، ولما لم يحبها كما أحب هذه المرأة.. وتلك المرة كانت تمنحه السؤال كاملاً، تنتظر جوابه. "إمتى هتحبيني، وهكون زيها في قلبك؟ وتلك المرة كان يضمها بقوة إليه. "إنتِ قدري يا صفا.. مبقتش أقدر أعيش من غيرك.. سيبي الأيام توضح ليكي كل حاجة."
شعر بيديها، تُحاول فك حصاره حول جسدها. أبعدها عنه برفق ينظر لملامح وجهها الغارق بدموعها، يهتف بألم. "أنا فضلت قافل على قلبي سنين طويلة، لكن رجع يدق معاكي من جديد، قلبي بدأ يتحرك بمشاعر مش عارف أفهمها." وبألم فاق آلامه كانت تهتف. "مش فاهم مشاعرك؟ "الماضي كان صعب يا صفا، الفراق عذبني لسنين طويلة، مش هستحمل تاني، مش هقدر أقوم تاني...
أراد جذبها نحوه ثانية، لعله يزيل مخاوفه عنه، لعله يمنح قلبه الأمان.. يُخبره إنه قد وجد وطنه أخيراً. "هتفضل رافض مشاعرك ليا.. لحد إمتى؟ "أنا بحبك في نضوجي يا صفا.. بحبك بالقلب والعقل." "هو حتى للحب حسابات وسن؟ تمتمت عبارتها، بعدما يأست من عناد الحب معها.. ووضعها في طريق رجل لا يعرف ماذا يريد؟ "خلينا نعيش مشاعرنا من غير قيود وماضي."
وهل يخبرها هي بهذا الحديث، ولكنه بالفعل كان يُخبر نفسه.. فلم يعد يرغب بالمزيد من الضياع. *** دلف لغرفتهما وقد أصبح الإرهاق ظاهر فوق ملامحه، وقد وجدها كعادتها التي أصبحت عليها.. تتقدم منه في صمت أصبح يلعنه بداخله.. تزيل عنه سترته وكأنه عاجز عن إزالتها عنه. "هتفضلي باردة كده لحد إمتى؟
تقبلت عبارته، بابتسامة واسعة.. غير مهتمة بمضمونها.. إنها بدأت تتعلم التعامل مع هذا الرجل.. عامر لا يحتاج إلا التجاهل وليس المسايرة وإثبات له حقيقة معتقداتها. يريدها عبده أو زوجة دون امتيازات.. فلن يجد بعد الآن. يريدها متعة لفراشه، ينالها وقت ما يريد.. فلن يجد. لن يجد شيئاً يريده.. بل سيجد ما تريد منحه له.
شعرت بذراعيه تقربها منه، وها هو يعود ليستغل النقطة الوحيدة التي يظن نفسه بارعاً فيها، ولن تكذب على حالها للأمر.. فجسدها يخونها أحياناً للتوق للمساته. شعر بالإحباط يعود إليه بعدما شعر بتجاوبها معه، ولكنها تحولت لقطعة من الجليد.. تخلصت من أسر ذراعيه، فابتعد عنها ينظر نحو شفتيها، وقد أدماهما بقبلاته القاسية. "بقتي ست مقرفة ونكدية." وببساطة كانت تُجيبه. "لو صلاحيتي انتهت من حياتك، تقدري تطلقني.. أظن أني مفرقتش معاك."
"حياة! صرخ بها عالياً، مما جعلها تتراجع وقد ارتسم الخوف ملامحها، ولكن سرعان ما عادت لثباتها. "صبري لما بينفذ، مش هتقدري تعرفي ردة فعلي." "عامر السيوفي، ردود أفعاله متوقعة." ضاقت عيناه، وهو يستمع لعبارتها القوية.. ونظرتها المتحدية وتسأل بتلاعب وهو يتقدم منها. "وردود أفعالي المتوقعة، إيه هي بقى يا حياة هانم؟ "القسوة."
تجمدت عيناه، وهو يستمع لعبارتها التي لم تنطقها بخوف.. احتدت عيناه وهو يواصل تقدمه منها، فتراجعت للخلف تخشى صفعته. "اتجرأتي عليا يا حياة؟ وبقوة كان يقبض فوق العلبة التي كان يحملها هدية لها، ولكنها لا تستحق أي شيء منه. ترك الغرفة لها يجر أذيال الخيبة.. بعدما ظن إنه سينال ليلة رائعة.. بعد أن يمنحها هديته ويخبرها ببضعة كلمات كاذبة. التقطت أنفاسها بصعوبة، بعدما غادر.. فها هي تُجيد دروس حماتها العزيزة، صاحبة الدهاء. ***
دلف لغرفة مكتبه، حانقاً من نفسه.. يُلقي هديته بإهمال فوق سطح مكتبه.. لا يصدق إنه لا يتخذ قراراً ويطلقها.. ويبحث عن أخرى ضعيفة لا تقوى على تحديه ولا إثبات له إنها قوية. شعر بقوة حارقة تحتل قلبه، فلماذا هو صابر عليها؟ فلماذا لا يعيدها لشقيقها وحياتها البائسة؟ بحث عن الجواب ولكنه لم يجد إجابة. هو لا يستطيع التخلص منها. هو يريدها هي، وكأنه كان يبحث في النساء عنها.
ورغماً عنه كان يبتسم، رغم كل ما يفعله فيها.. إلا أنها تستيقظ قبله.. تحضر له أشياءه، تودعه بدعائها الذي يستغربه، تهاتفه لتطمئن عليه حتى لو كانت تجد الحجج في اتصالاتها.. تنتظره حتى يعود.. وتسأله عما يريده حتى علاقتهما تترك نفسها له ولكن لا تكون إلا قطعة جليد فيضطر إلى تركها بعدما تجعله يصل لأعلى نشوته.. يسمعها ألفاظاً لا يصدق إنه ينطق بها ولكن يكون حانقاً بالفعل منها حين يجدها باردة بين ذراعيه وكأنها لا تؤدي واجباً عليه.
أطرق رأسه فوق سطح المكتب، غير راغب في مطالعة أعماله.. كعادته حين يعود لمنزله. قرر النهوض أخيراً بعدما عاد لثباته والتقط الهدية مقرراً الهدنة والمراوغة معها قليلاً.. حتى يعيدها لخضوعها. وجدها تجلس فوق الفراش، تُسبح وتقرأ أذكار النوم.. إنها مزيج عجيب عليه. تقدم منها، يُقدم لها العلبة التي لم يأخذها الفضول عنها.. حينما دلف في المرة الأولى.
طالعت العلبة الأنيقة التي وضعها فوق حجرها، ولم تكن إلا علبة هاتف يحمل ماركة شهيرة، ماركة سمعت عنها ولم تحلم يوماً أن تقتني هاتفاً منها. "الهدية دي ليا أنا؟ تسألت وهي تنظر إليه، وقد ظنها سترفض.. إلا أنها التقطت العلبة مبتسمة. "شكراً." ابتسم وهو يراها متلهفة لرؤية الهاتف، الذي فور أن رآتها.. نهضت على الفور من فوق الفراش تُعانقه. "شكراً أوي يا عامر."
ضمها إليه.. بضمة خالية من الرغبة.. كانت تعلم إذا رفضت الهدية ستزيده عناداً معها وستسمع كلاماً هي في غنى عنه.. فعامر إذا تعامل بالنفور أكثر.. يزداد قسوة. ابتعدت عنه، تمدّ إليه الهاتف تسأله. "ممكن فهمني أتعامل معاه إزاي، أصلُه صعب عليا." وهو كان خير من رحب، التقط منها الهاتف وجاورها فوق الفراش.. يُعلمها التعامل عليه. "فهمتي؟ أومأت برأسها مبتسمة، علقت عيناه بها.. يجذبها إليه وقد خرج صوته لأول مرة راجياً لامرأة.
"بلاش الليلة يا حياة، خليني أحس إنك عايزاني زي ما أنا عايزك." منحته ما أراده، ولم يكن يُدرك إنه بدأ يغرق معه.. يُحطم في قربها أفكاره ومعتقداته.. يكتشف إنها الأولى في كل شيء رغم اختياره لها بعقله الذي خانه مع قلبه اللعين. *** منذ أن أخبرها أن يتركوا مشاعرهم ويتحرروا من الماضي.. أصبحت بعيدة عنه أكثر، وكأنه لم يخبرها إنه يريد قربها. صفا تهرب منه، كما كان يهرب منها هو من قبل. "أسبوع بتبعدي عني فيه ياصفا ليه؟
طالعته بتوتر، وهي تحاول الهرب منه حتى لا تسمح لعينيها في تأمله، وصراعها الدائم بين قلبها وعقلها. "محتاجة فرصة، أفكر فيها مع نفسي.. زي ما أنت كنت واخد فرصتك." راقب ملامحها بنظرات جامدة "صفا"، تريد أن تجعله يعيش كما جعلها تعيش هي.. ولكنه لم يعد يطيق بعدها ولا هروبها.. ولو استطاعت تحمل مزاجه المتقلب هو لن يتحمل الأمر.. إنه بدأ يتوق إليه بشدة.. إنه كالأحمق كحال قلبه.. يظن إنه اعتاد عليها وهو أصبح غارق في حبها.
"مافيش فرص تانية ياصفا، متعمليش زي ما أنا عملت." أشاحت عيناها بعيداً عنه، وقد زادته نبرة صوته اليائسة.. ولعاً به. شعرت بذراعيه فوق كتفيها، يُقربها منه. "أنا عارف إني زعلتك كتير، لكن خلاص يا صفا.. إنتِ بالنسبالي... وقبل أن يُكمل عبارته، كانت تتحرر من قبضتيه. "إنت حبيبتني، عشان شوفتني فيها؟ ألجمته عبارتها، بل صدمته.. هل تخلق في علاقتهم الحجج والأعذار، حتى تعذبه وتعذب حالها؟
لن يُنكر إنه بالفعل رآها في البداية نسخة من مها في شخصيتها.. ولكنه ليس بالأحمق.. ليستمر هذا الشعور داخله، فصفا ليست مها، صفا أكثر تمرداً، صفا شخصية لم يعد يفهمها ولكنه أصبح يفهم نفسه.. إنه غرق في حبها. "إنتِ ليه عايزة تعذبي نفسك، قبل ما تعذبيني؟ انسابت دموعها رغماً عنها، فهي بالفعل باتت تُعذب نفسها. "لو مكنتش ماتت، كنت زمانكم سوا دلوقتي بتربوا ولادكم." "مش معقول تكوني بتفكري كده!
صرخ بها وهو يشعر بالصدمة، لما وصلت إليه بأفكارها. "ليه عايزة تبعديني عنك، ليه لما قربت منك عايزة تهربي مني؟ تلاقت عيناهما في صمت، فتألم قلبه وهو يراها بهذا الضياع. جذبها إليه يضمها غير سامحاً لها بالابتعاد عنه. "خلينا ننسى كل حاجة ونبتدي صفحة جديدة."
أرادت الحديث، ولكنه لم يسمح لها بحديث آخر.. حطت شفتيه فوق شفتيها في قبلة طويلة، أطاحت بكيانها، فأبتعدت عنها أخيراً بأنفاس لاهثة.. ينظر نحوها وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة، أراد أن يعيد الأمر مراراً ولكنه تجمد في وقفته وهي تسمعه. "عايزة بطاطس محمرة." رمقها متجهماً، لا يصدق ما نطقت به، بعد ما عاشه للحظات. "نعم؟ بطاطس؟
شعرت بالتوتر من نظراته، وطلبها الأحمق مثلها، ولكنها لم تجد شيئاً تهتف به إلا بما كانت ترغب به معدتها، فقلبها الأخرق يريد أشياء أخرى.. وهي لن تسير إلا خلف معدتها. انفجر ضاحكاً، بعدما أخذ يطالع ملامحها التي تتغير كل ثانية وكأنها تُحادث حالها. "بطاطس يا صفا؟ أومأت برأسها، وقد تخضبت وجنتاها بحمرة الخجل. "كل الكسوف ده عشان...
وقبل أن ينطق بالمزيد، أسرعت في رفع كفها.. تُكمم به فمه حتى يتوقف عن حديثه، عاد لضمها إليه بتوق، يُخبرها عن عشقه لجنونها. تخلصت من أسر ذراعيه، وقد عادت رغبتها لتناول البطاطس يزداد. "أنا هروح أعمل بطاطس، تحب أعملك معايا؟ فرت من أمامه، ولكنها وقفت مكانها.. تشعر بالذهول وهي تستمع لعبارته. "هما يومين يا صفا، وبعد كده مش هتعرفي تهربي تاني."
أسرعت بخطوات راكضة نحو المطبخ، تستند فوق إحدى الرخامات.. تلتقط أنفاسها بصعوبة، فعن أي يومين يمنحها. وعندما وصل الأمر لعقلها، وضعت بيدها فوق شفتيها.. لا تُصدق أن علاقتهما ستصل لهذه النقطة. شهقت باعتراض وهي تُحرك رأسها نافية. "لا، لا يومين." "خلاص هو يوم واحد." اتسعت حدقتاها، وهي تلتف نحوه.. وقد اتبعه نحو المطبخ يغمز لها بوقاحة لم تعهدها منه من قبل. "ولا أقولك مافيش مشكلة، نخليها الليلة."
وتلك المرة كان يقترب منها، بإصرار وكأنه حسم قراره.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!