تحميل رواية سطور عانقها القلب بقلم سهام صادق pdf
بقلم سهام صادق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
العرق يتصبب فوق جبينه وأنفاسه تتعالى وكأنه في سباق. إنها هنا أمامه، يمد لها يديه، يُطالبها ألا ترحل. ولكن، إنه حلم يسرق منه راحته ويعيد الذكريات إليه. فتح عينيه ينظر حوله في ظلام الغرفة، ثم أخذ يلتقط أنفاسه بصعوبة، يهتف باسمها مردداً بشوق وحرقة تعتصر فؤاده منذ رحيلها. "مها." وهكذا كان يتكرر حلمه بها. لم ينساها يومًا، بل أصبحت أسيرة أحلامه. نهض من فوق فراشه بعدما مسح حبات العرق من فوق جبهته، واتجه نحو الشرفة المفتوحة ليقف داخلها يزفر أنفاسه ببطء وعيناه تتعلق نحو السماء وقد لمعت النجوم بها. وذكرى...
رواية سطور عانقها القلب الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سهام صادق
انتفض جسدها فزعاً، وهي تراه يتقدم منها بملامح جامدة بعدما صفع باب الغرفة خلفه بقوة. انتظرت سماع كلماته اللاذعة ككل ليلة، ولكنه أخذ يقترب منها في صمت، فجعلها تزدرد لعابها بذعر. تراجعت للخلف بخطوات مرتجفة حتى التصق جسدها بالجدار.
"بتشتكيني لعمتي يا جنة؟ بتظهري ليها إنك ضحية؟"
نفت برأسها خائفة من ثورته، فلم تزده حركتها إلا تحجراً وهو يراها ليست إلا مراوغة. قبض فوق ذراعها بقوة، وأخذ يُحركها بين ذراعيه صارخاً.
"بتقوليلها مفيش أي حاجة حصلت بينا وإني مبديكيش حقوقك؟"
وبصراخ أكبر، أصم أذنيها هتف:
"عايزة حقوقك يا هانم؟"
أنصدمت من سماع عبارته، فما الذي يتحدث عنه؟ أنسابت دموعها فوق خديها وهي تري عيناه تزداد قتامة.
"أنا مقولتش حاجة، إزاي تفكر إن ممكن أقول كده؟"
تفرسها بنظرات جامدة، وببطء كان يميل فوق أذنيها يهمس برغبة قد أوقدتها داخله.
"لو عايزة قولي."
ارتجف جسدها من عبارته الوقحة، وهي تري نظراته تفحصها وكأنه يُعريها من ثيابها. عاد يدنو منها، يهمس في أذنيها بكلمات جمدتها في وقفتها.
"انت حيوان، حيوان!"
تجهمت ملامحه، وارتفع كفه لأعلى، فسقط كفه فوق خدها بصفعة قوية، انفجرت على أثرها دماء شفتيها. رفعت وجهها نحوه وهي تتحامل على نفسها من قوة صفعته وجرح كبريائها.
"ومريض ومعقد وظالم ومعندكش رحمة، أنا بكرهك بكرهك.. روح طلع عقدك على اللي خانتك مش عليا أنا."
ألقت عباراتها بحرقة، فتجمدت ملامحه وأخذت تتردد عبارتها الأخيرة في أذنيه وقد أعادت له سنوات مضت. أقترب منها يرمقها بغضب وقد تطاير الشر من عينيه.
وبقسوة كان يجذبها من حجابها، فسقط عن رأسها، وانسدل شعرها الغزير. توقف لبرهة يُحدق بها، ولكن سرعان ما كان يعود لقسوته، يقبض فوق خصلاتها بقوة.
"عرفتي منين؟ انطق."
كلماتها أصابته في مقتل، أصابت رجولته التي طالما سعى أن يُداريها خلف قناع قسوته. فتحت نيران لم تخمد وذكريات لم ينساها عقله يوماً. قبض فوق عنقها وقد عاد يتسأل بأنفاس متقطعة، من أين عرفت بخيانة زوجته.
"انطق، بدل ما أد''فنك مكانك."
هزت رأسها نافية وهي تُشعر بالأختناق من قبضته، فهي لا تعرف شيئاً عما تفوهت به، إنها أرادت وجعه بأي طريقة، حتى لو نطقت بجهالة عن شئ لا تعرفه.
"معرفش حاجة، أبعد عني."
تفت برجاء، فلم تعد تتحمل قبضته وقد بدأت جفونها تثقل من شدة الإعياء. ازدادت قبضته فوق خصلاتها، فانسابت دموعها بغزارة وخرج صوت نحيبها وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة.
"أنت قاسي، ووحش."
وبضعف كان يخرج صوتها مهزوزاً قبل أن تسكن بين ذراعيه.
"أنا دلوقتي عرفت حقيقة قسوتك."
***
كانت تجلس وسط أطفال الدار تلاعبهم بحنو وتبتسم بسعادة على سعادتهم وركضهم حولها. ركض أحد الصغار نحوها، فانحنت تضمه إليها، تمسح فوق خصلاته والصغير يتمتم ببكاء.
"أتعورت يا أبلة حياة."
وضعته أرضاً، وجثت فوق ركبتيها، تري جرحه الصغير، فابتسمت وهي تدنو نحو جرحه وتلثمه له بقبلة حانية.
"وكده بتوجعك؟"
ابتسم الصغير وهو يومئ لها برأسه، فقد طاب جرحه وانتهى ألمه من قبلتها. دار الصغير حول نفسه يُخبرها إنه أصبح بخير، فضحكت وهي تراه يركض ويقفز بين رفقاءه، ولو كانت تمتلك يوماً آخر إجازة لها، لقضته بينهم.
ورغماً عنها كانت دموعها تنساب، وهي تتذكر ذكري بعيدة.
فلاش باك
"وأختك تخرج معانا ليه يا رجب؟ مش كفاية صابرة وساكتة إنها قاعدة معايا في البيت، ومش عارفة آخد راحتي."
"وطي صوتك يا سناء، بدل ما أحلف إن مافيش خروج."
"هي دي خروجة؟ ده إحنا بنروح نقعد في جنينة الحيوانات."
تنفست عبارتها ممتعضة، وأخذت تلوي شفتيها استنكاراً.
"احمدي ربنا إني بخرجك إنتي والعيال، وكفاية رغي كتير وألبسي يلا خلينا نلحق قبل الزحمة."
"مش عايزة أروح خلاص يا أخويا، ما هو أصل لا أنا لا أختك."
وكالعادة كان ينتهي الشجار، بترك زوجة شقيقها للمنزل.
مسحت دموعها، فقد أراحت زوجة شقيقها من خروجها هذا اليوم معهم. تأتي لهنا لتجلس مع الأطفال وتقضي يوم عطلتها بينهم.
انتبهت على صوت مديرة الدار وقد أقتربت منها السيدة "فاتن".
"ربنا يباركلك يا حياة يا بنتي، إنتي متعرفيش الأطفال بيستنوا وجودك أد إيه كل أسبوع.. اليوم بيكون كله فرح وسعادة ليهم."
ابتسمت حياة، واطرقَت عيناها خجلاً من كلمات السيدة "فاتن"، وألقت بنظرة سريعة نحو الأطفال وركضهم بحديقة الميتم بسعادة.
"كان نفسي أقدم ليهم أكتر من كده."
هتفت بها بقلة حيلة، فلو كانت تملك المال لجلبت لهم كل ما أرادوا من ألعاب وثياب. انتبهت على الدعوات التي تحملها السيدة فاتن، وقد تذكرت للتو الحفلة التي ستقام عن قريب في الدار.
"هي دي الدعوات اللي هنبعتها لرجال الأعمال؟"
أومأت لها السيدة "فاتن"، ومدت لها يديها بالدعوات، تستبشر الخير بذهابها هي وإعطاء الدعوة لأصحابها.
"أنا عارفة إن طلبي صعب عليكي يا بنتي، بس أنا مستبشرة خير.. روحي وزعي إنتي الدعوات دي يا حياة، مافيش حاجة بتكوني فيها إلا وبيجي خير من بعدها."
علقت الدموع بعينيها، من كلمات السيدة "فاتن" والتقطت منها الدعوات تبتسم لها.
"إن شاء الله هيقبلوا الدعوات، عشان يفوزوا بالجنة."
وعادت عيناها تُحدق بالدعوات، تدعو داخلها أن يقبلوا الدعوة ويأتوا للدار، يُلبون دعوتهم.
***
جلست تطالعه بإرتباك بعدما دعاها كي تحتسي معه مشروبه الساخن. شعرت بالضجر من جلوسها في صمت، وقد أنشغل هو قليلاً بحاسوبه الشخصي، وأخذ يرتشف من فنجان مشروبه الدافئ.
تعملقت عيناها به، تتسأل داخلها.. لما قد دعاها وهو مشغول؟ تعالت صوت أنفاسها الحانقة، وقد انتبه للتو إنه اندمج في عمله ونسي أمرها وهو الذي دعاها لتجلس برفقته بدلاً من مكوثها الدائم في غرفتها.
"أعذريني يا صفا، انشغلت عنك."
حاولت تلاشي حنقها، وابتسمت بعدما وضعت كأس المشروب الفارغ فوق الطاولة.
"مافيش مشكلة، أنا هروح أوضتي مدام مشغول.. تتعوض مرة تانية."
ألقت عبارتها وهي تنهض، ولكن يده كانت أسرع وهو يجذبها لتجلس، معتذراً مرة أخرى بلطف.
"هخلي مدام صوفيا، تعملنا حاجة تانية نشربها.. ونقعد ندردش سوا."
طالعته وهو ينهض، بعدما منحها ابتسامة سلبت قلبها. أغمضت عيناها وهي تضع كفها فوق ملمس يده فوق كفها الآخر الذي لمسه. إنه لطيف جداً معها اليوم، وهي لن تتحمل كل هذا اللطف، فقد أصبحت تُقاوم حبها له.
عاد بعد دقائق، وما زالت ابتسامته مرتسمة فوق شفتيه. جلس جوارها وقد التف بجسده نصف التفافة يسألها.
"احكيلي عن حياتك يا صفا."
ضاقت عيناها، وقد تفاجأت من سؤاله. طال صمتها فهي لا تعلم بما ستقوله له، ولكن سرعان ما دمعت عيناها وقد عادت جراحها تندمل.
"مافيش حاجة أحكيها."
اقترب منها "أحمد" وقد تلاصقت ساقيهم وشعرت بانفاسه تلفح صفحات وجهها.
"ليه الدموع في عينك يا صفا؟"
هتف بلطف، كان صعب عليها أن تتحمله. أسرعت في مسح دموعها تتسأل هذه المرة هي.
"هو انت ليه بتصحي من نومك على كوابيس؟"
كان فضولها يأخذها لمعرفة السبب، ولكنه راوغها في جوابه، وبفتور كان ينهض من جوارها.
"الماضي بيفضل مستوطن عقولنا يا صفا."
لم يستوعب عقلها ما يتفوه به من كلمات مبهمة كحال صاحبها. وبانفاس مثقلة بآلام الماضي كان يردف.
"الذكريات بتحفر جوانا يا صفا."
كانت خير من يعلم جوابه، فقد أصبحت تعيش على الذكريات.
وبصعوبة كانت تتمالك دموعها، تنظر نحو ساقه وهو يعرج عليها قليلاً، رغم إنها من قبل لم تراه هكذا.
"هو ليه رجلك بتوجعك؟ أنت كنت كويس من يومها."
ابتسم وهو يلتف نحوها، يحدقها بنظرات قوية. ارتبكت على ملاحظتها الدقيقة لكل شيء يخصه، فاقترب منها يمنحها الجواب هذه المرة دون مراوغة.
"دي إصابة حصلت لي زمان في رجلي، وفي كل شهر من السنة لازم الألم يرجع لي.. مش عارف ليه الموضوع ده مستمر.. بس ممكن تكون حالة نفسية."
تعمقت عيناها به وهي تسمعه، تتسأل داخلها.. ما الحادث الذي حدث له؟ ولكن "أحمد" كان يمنحها ما يريدها أن تعرفه.
"بكرة في حفلة تبع الشركة، ووجودك مهم معايا، زي ما اتفقنا في بنود العقد.. أي دعوة لازم تكوني معايا فيها."
ليته لم ينطق عبارته الأخيرة، وذكرها ببنود عقده. عاد الألم ينهش فؤادها، وبصعوبة كانت تتمالك حالها، تبتسم إليه، تمنحه ما ينتظره. فهو المالك وهي المملوك الذي عليه الطاعة.
"حاضر."
تعجب من نطقها باقتضاب لكلمتها، ولكن سرعان ما تلاشى تعجبه وهتفت بمرح أعجبه.
"أخيراً هخرج وأشوف الشوارع هنا."
ورغم عنه كان يضحك، وهو يراها تضم كفوفها نحو صدرها ممتنة لدعوته.
"شكلك مرحة أوي يا صفا."
ابتسمت بصعوبة، فلم يكن مرحها إلا لتُداري خلفه حسرتها. اقترب منها، فاسبلت أهدابها، لتشعر بملمس كفه فوق خدها.
"إنتِ مسلية ولطيفة يا صفا."
***
لم تكن صفعته لها ليلة أمس سوى غباراً قد سقط فوق قلبها أدماه أكثر. تحسست شفتيها المتورمة من صفعته، ورغم محاولتها لتُداريها عن عيونهم المتربصة، كان الفضول يدفعهم ليعرفوا لماذا هيئتها اليوم هكذا. كانت تري في نظرات البعض الشماتة، والقلق والحزن في نظرات عمتها وعمها حسن.
وبنبرة حانية، أخذ يسألها عمها.
"مال وشك يا جنة، في حاجة حصلتلك يا بنتي؟"
وكادت أن ترسم ابتسامة هادئة فوق ملامحها، تناولته كأس الماء وحبوب علاجه.
"لا يا عمي مافيش حاجة، أنا بس وقعت امبارح."
تناول منها عمها كأس الماء، يرتشف منه، وقد تلاقت عيناه بعينين شقيقته "منيرة" التي اتخذت دور الصمت وقلبها يحرقها على حال ابنة شقيقها. تلوم حالها، لأنها السبب على إتمام هذه الزيجة، ولم تستمر منيرة في صمتها، وبنظرة حانية أخذت ترمقها، وتمد لها كفها، لتقترب منها.
"مكنتشي جيتي النهارده مدام تعبانة، كنتي خليتك في بيتك يا بنتي، مش لازم كل يوم تيجي بيت العيلة."
اندفعت "جنة" صوبها بعدما دعتها لحضنهم، فقد أصبح حضن العم منيرة ملاذ غربتها وقسوة ما تعيشه.
"أنا جيت أودعك إنتي وعمي قبل ما تسافروا العمرة، وكمان أستأذنكم آخد أروى معايا البيت عشان متحسش بغيابكم."
اندهشت منيرة من عرضها، كحال حسن. فأروى كالأخرين تُعملها بكبر، تُهينها بنظراتها وتجاهلها كالباقية.
"بس مرات فاخر هنا في البيت وغير الخدم، إنتي لسه عروسة يا بنتي، غير إن أروى طبعها صعب."
سقطت كلمة عروسة على مسمعها كالجمر الملتهب. فتمتمت تُداري خيبتها.
"عروسة مين بقى يا عمتي.. هو أنا هدلع أكتر من كده، وكمان جاسر طول عمره في الشركة أو في مصر أو مش فاضي، وأنا وأروى هنعرف نسلي بعض وفرصة نقرب من بعض أكتر."
تفهمت "منيرة" طلبها، فأماء لها "حسن" أن تنفذ الأمر. لعلا ابنته تتقرب تلك الفترة من ابنة عمها وتعرف معدنها الطيب كما عرفه هو. أخذت موافقتهم، واسرعت في خطاها تُغادر الغرفة تهتف بسعادة.
"هروح أشوف فين أروى وأقولها."
شيعتها منيرة بنظرات حانية، وعادت تُطالع شقيقها الراقد فوق فراشه بوهن، تُخبره بندم.
"تفتكر إني غلطت لما أصرت أجوزها لجاسر يا حسن؟ أنا بقيت أحس بالذنب يا حسن."
وهذه المرة كان يُطمئنها قبل أن يغمض عيناه ويغفو قليلاً.
"بكرة يعرف معدنها الطيب يا منيرة، ويعشقها."
***
وقف يتأملها طويلاً وهي تهبط درجات الدرج بخفة. طالعها بتمعن يدرس كل تفاصيل جسدها في فستانها الذي قد أهداه لها صباحاً. اتسعت ابتسامته أكثر، وقد لمعت عينيه من شدة جمالها.
رأت الأنبهار في عينيه، فتوردت وجنتاها وهي تخفض رأسها أرضاً. اقترب منها يلتقط كفها مبتسماً بلطف.
"مكنتش أعرف إن ذوقي حلو كده يا صفا."
توترت من سماع عبارته، وقربه المهلك لمشاعرها. وما فاجأها حقاً إنه لثم كفها بشفتيه.
ابتعدت عنه، وكأن شيئاً قد لدغها، فطالعها بنظرات متسائلة عما حدث. ولكن أسرعت في وضع يدها فوق كفها تسأله بتوتر.
"طب لفة الحجاب كده كويسة، ومناسبة للحفلة ولا أروح أجرب لفة حجاب تانية؟"
تعالت ضحكات "أحمد" وهو يراها لا تلتقط أنفاسها وهي تُحادثه من شدة ربكتها أمامه، وسرعان ما كان ينتبه على امتعاض ملامحها، وزمها لشفتيها كالأطفال.
التقط أنفاسه بعدما توقف أخيراً عن الضحك، وأشاح عيناه عنها غير مصدقاً إنه بات يضحك هكذا.
"كلك على بعض حلو يا صفا، ويلا عشان هنتأخر."
تلاشت حنقها، واتبعته وهي تحمل طرفي فستانها، ولكن وقفت تشهق بفزع بعدما التوى كاحلها أسفلها. حاوط خصرها بقلق وضمها لصدره، فاغمضت عيناها وهي تتنفس رائحته التي سلبت أنفاسها لقربها منه.
"شكلنا كده مش هنروح الحفلة، وهنروح على المستشفى يا صفا."
ابتعدت عنه بعدما تداركت أمرها، وقد تخضبت وجنتاها بحمرة الخجل، اعتدلت في وقفتها، تُهندم من نفسها، فابتسم بخفة وتقدم أمامها نحو الخارج.
"يلا عشان اتأخرنا على الحفلة."
تبعته بحزن، فقد تمنت أن يحدث مشهد آخر، تمنت لو أمسك يدها، وتبطأت ذراعه، تسير جواره وكأنهم زوجان حقاً، وليست مجرد زوجة بعقد مشروط.
***
ظلت تعبث بحقيبتها إلى أن تهللت أساريرها أخيراً وقد وجدت ضالتها. تنفست براحة بعدما كانت تظن بأنها قد فقدته. فأخذت تحرك المفتاح في باب الشقة، ودلفت للداخل، وسارت بخطوات متعبة فأنتبهت على صوت زوجة أخيها في المطبخ وهي تحادث ابنتها.
"محدش يقول قدام اللي ما تتسمي إننا طبخنا النهارده، وبالذات آدم نبهي عليه.. الواد ده أنا مش عارفة مين هي أمه أنا ولا هي."
تنفست ابنتها، تشعر بالشفقة نحو عمتها، فوالدتهم تعملها بقسوة رغم تحذير والدهم الدائم وشجارهم الذي لا ينقطع بسبب قسوة معاملتها لها.
"ياما دي عمتو طيبة أوي، شوفتي اشترت لآدم اللعبة اللي كان نفسه فيها، وبتحاول تجبلنا كل حاجة عايزينها."
وبحزن كانت تردف الصغيرة، تسأل والدتها.
"إنتي ليه مبتردش تأكليها من الأكل الحلو اللي بابا ساعات بيجيبه.. وبتأكليها بتنجان وفول كل يوم وتقوليلها إن ده أكل النهارده مع إننا ساعات بناكل حاجات تانية حلوة."
تجهمت ملامح سناء، واقتربت منها متوعدة، وقبل أن تقبض فوق ذراعها وتدفعها من أمامها، لوقوفها أمامها بهذه الطريقة من أجل عمتها، ولكن وقفت مكانها تُحدق بحياة التي دلفت للمطبخ وتنظر إليها مبتسمة تخفي خلفها قهرها.
"ممكن يا أم رانيا تجهزيلي أكل كل يوم.. ده لو مش هتعبك يعني وياسلام لو جبتيلي الفول بتاع امبارح كان طعمه حلو أوي."
وسارت من أمامها تحبس دموعها، فحدقت سناء بابنتها صارخة بعدما افتضحت أمر الطعام الذي يتناولوه دونها.
"إمشي غوري من وشي."
***
كانت المرة الأولى التي تجمعهم مائدة طعام واحدة، تخلو من باقية أفراد العائلة، بل وتكون في منزلها عزيزة النفس. تنفست براحة وهي تمضغ طعامها، فأخيراً ستأكل وتمتلئ معدتها دون الشعور بأن أحداً يرمقها بنظرات ساخرة.
استمع لتنهيداتها، فرفع عيناه صوبها يتأملها وهي تمضغ طعامها ببطء وقد ارتسمت الراحة فوق ملامحها. طالت نظراته نحوها، ولكن سرعان ما أشاح عيناه عنها، وهو يستمع لصوت شقيقتها، وقد فهم مقصدها من سؤالها.
"هو إنتوا ليه مروحتوش تقضوا شهر عسل يا جاسر؟، اشمعنى مرام أخدتها شهر لفتوا فيه أوروبا."
امتقعت ملامحه، وقد احتلت الظلمة عيناه، بعدما استمع لعبارتها الأخرى، صفع طاولة الطعام بقوة وهو يصرخ بها، بعدما أشعلت النيران داخل قلبه.
"لو خلصتي أكلك، تقدري تقومي."
ألجمها حديثه، فنهضت على الفور تخفي دموعها عنه، بعدما أحرجها بهذه الطريقة أمام زوجته. أسرعت "جنة" في التقاط ذراعها تنظر إليها برجاء.
"كملي أكلك يا أروى إنتي مأكلتيش حاجة."
ولكن أروى كان غضبها الأكبر منها، دفعت ذراعها عنه، ترمقها بحنق.
"شبعت خلاص، هخرج الجنينة أشم هوا وبكرة الصبح هروح."
ألقت عبارتها وانصرفت بخطوات سريعة نحو الخارج، فتعلقت عيناها به، فوجدته ينهض عن مقعده، وعلامات الوجوم تظهر فوق صفحات وجهه. امتعضت من انسحابه بهذه السهولة دون أن يعبأ بمغادرة شقيقته وصراخه عليها.
"ابقي صالحيها لو سامحت، مكنش ليه لزوم تزعق فيها هي مكنش قصدها، دي دردشة عادية."
سكن في وقفته، وهو يسمعها، والتف نحوها ببطء يرمقها بنظرات قاتمة، وسرعان ما كانت تحتله الصدمة، وهو يجدها تطالعه بكبرياء، وقوة لأول مرة يراها في عينيها منذ أن تزوجها. ثم انصرفت، تغادر المكان هي الأخرى دون أن ترتجف من نظراته كما اعتاد.
***
وقفت "جنة" تتأملها من بعيد وهي تتمنى قربها كصديقة وأخت كما كانت هي وابنة خالها، ولكن أين هي الآن فقد رحلت بعيداً ولم تهاتفها منذ أن سافرت. تنهدت بحزن، اتخذت قرارها في الاقتراب منها. وسارت نحوها.
"الوقت اتأخر يا أروى مش هتنامي؟"
التفتت أروى نحوها، ولكن سرعان ما أشاحت وجهها بعيداً عنها، وصمتت.
فتبتسمت جنة وجلست جانبها.
"طب ممكن أقعد جنبك ونتكلم شوية؟"
لتنهض أروى تهتف بتأفف.
"لأ أنا هسيبلك المكان كله تقعدي براحتك فيه."
ولكن سرعان ما أمسكت جنة ذراعها راجية.
"أروى إحنا في سن بعض ليه منقربش من بعض."
فترمقها أروى باستخفاف، تهتف بكبر.
"أنا مبقربش غير من الناس اللي نفس مستوايا."
قبلت "جنة" حديثها، وتجاهلته.
"طب انزلي بمستواكي معلش واقعدي معايا، أنا نفسي أتكلم مع حد أوي وأضحك وأهزر معاه، وياستي مش هقلل من مستواكي ومش هتخطي حدودي معاكي."
فرفعت أروى أحد حاجبيها مدهوشة من تقبلها لإهانتها، و بغرورها هتفت.
"اتكلمي."
"إنتي في كلية صيدلة صح، أنا لسه متخرجة جديد منها."
أرادت أن تخلق معها أي حديث، فلم تجد إلا الحديث عن دراستهما.
فطالعتها أروى بذهول، فلأول مرة تعرف أن ابنة عمها خريجة جامعة.
"إنتِ كنتي في صيدلة؟"
فابتسمت "جنة" وهي تومئ برأسها، فقد رسموا نحوها صورة الفتاة الجاهلة الفقيرة.
"بس تصدقي أيام الكلية وحشتني مع إنها كانت أيام رخمة برضوه بس صحابي وحشوني."
فبدأت أروى في الحديث معها عن مغامراتها هي الأخرى بعدما شعرت بلطافتها.
"ده انتي مصيبة يا أروى.. عملتي في الدكتور كده؟"
"أنا مالي هو قال عايز يشوف نتيجة التجربة وحظه إنها فرقعت في وشه، ولولا إن في معرفة بينه وبين جاسر كان زماني مفصولة."
فتعلقت عينين جنة بها، وهتفت بأمل أن تكون تقبلتها.
"هو إحنا ليه منبقاش صحاب وأخوات؟"
أروى بتردد.
"لأ إنتي هتاخدي جاسر في يوم مني وهيبقى ليكي إنتي لوحدك.. زي ما مرام أخدته زمان ليها."
شعرت بالصدمة من حديثها، ولكنها أسرعت في احتوائها بحب وصدق.
"عمري ما هعمل كده."
وداعبتها ضاحكة.
"ياختي خدي أخوكي كله، ده عليه شخطه تخض."
تابعت بحديثها تهتف بمزاح.
"قربي كده هقولك حاجة."
فاقتربت منها أروى، تنظر إليها بترقب.
"بخاف منه عامل زي الغوريلا، أوعي تقولي له."
فرجت شفتي أروى في ضحكة قوية، تُشاركها "جنة" في الضحك، وسرعان ما كانت تضع أروى بيدها فوق فمها تكتم ضحكتها، خوفاً من شقيقها، ولكنه بالفعل كان قد خرج يصرخ بهم.
"جنة."
ورغم إنها لم تكن وحدها من ضحكت، إلا إنه أصبح كالعادة لا يخرج حنقه إلا بها.
***
أخذ يقلب في الملفات الموضوعة أمامه بضيق، فصرخ حانقاً بتلك التي تقف أمامه، وتنظر إليه بقلق.
"فين ورق الصفقة الجديدة يا هالة؟"
لتُبتلع ريقها بصعوبة خوفاً من بطشه.
"صدقني يا عامر بيه أنا أدهتهولك امبارح."
جلس عامر على مقعده بضيق، وقد بدأ يتذكر إنها بالفعل قد أعطته له أمس، فرك عنقه بضيق من حاله، فالورق بمنزله وقد أخذه معه حتى يُراجعه بتركيز. وبتنهد وهو يزيل عنه رابطة عنقه.
"خلي عم نصر السواق يروح يجبهولي من القصر."
فهربت سريعاً من أمامه وهي حامدة الله بأنه قد تذكر أين قد وضعه.
ورغم عنه كان حديث أكرم يقتحم عقله.
"إنت اللي بتخسر يا عامر، محدش غيرك عمره بيضيع غيرك إنت."
حاول طرد عبارة صديقه عن عقله، وقد لفت نظره أحد الأظرف الموضوعة فوق سطح مكتبه، التقطها فضولاً حتى يراها، وقعت عيناه على اسم الجمعية، فعاد يُلقيها مجدداً أمامه، يُذكر حاله إنه سيبعث إليهم مبلغاً من المال، لكن ليس لديه وقت ليُلبي الدعوة.
ولكن تلك المرة قد علقت عيناه بالعبارة المكتوبة.
"دي دعوة من ربنا ليك، حاول تفوز بيها."
رواية سطور عانقها القلب الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سهام صادق
ابتسمت بسعادة وهي تطالع تفاصيل الحفل من حولها. رغم أنها قضت معظم وقتها تغمض عينيها خجلاً مما تراه من تحرر في المظاهر والتعامل. فالخمر تقدم للمدعوين. وجميع نساء لا يشبهونها.
علقت عيناها بالبعض، وما زادها صدمة أن هناك عرب يحتسون الخمر بل ويتباسطون في تعاملاتهم كالغرب. كانت شاردة في التفاصيل لعلها تسلي حالها، فقد تركها بعدما عرفها على البعض. فاقت من شرودها بعدما ضجرت من حملقتها في المدعوين. فقد فحصت وحللت كل شيء حولها. خرجت أنفاسها بسأم وأخذت تبحث عنه بعينيها، متجهة بنظراتها نحو المكان الذي اتجه إليه.
تقدمت منها إحدى النادلات وهي تحمل مشروباتهم الكحولية المثلجة. حدقت "صفا" بالمشروب حانقة، تتساءل داخلها: "هل أنا عمياء أم ماذا؟ فمظهرها وحجابها واضحان فلا تحتاج أن تخبرها بشيء."
وقفت النادلة تخبرها إنه ليس كحولاً، وإنه مشروب من نوع خاص. ولكن "صفا" لم تفهمها بسبب ركاكتها في اللغة الإنجليزية. ابتعدت عنها النادلة بعدما ضجرت من توضيح الأمر لها. فاتسعت عينا "صفا" وهي تراها تبتعد دون أن تتركها تكمل حديثها غير المرتب.
اقترب منها "أحمد" وقد لاحظ الأمر، وعندما رأى علامات الاستياء فوق ملامحها، فهم ما حدث.
صفا: أنا عايزة أمشي من الحفلة.
وقبل أن يهتف بشيء ويسألها عن سبب ضيقها من الحفل، رغم إنها كانت منذ دقائق تطالع الحفل باستمتاع، كما كان يرى من بعيد كلما وقع بنظراته نحوها.
"أحمـ..."
هتفت بها إحدى النساء واقتربت منه تعانقه. وما أدهشها إنه سمح لها باحتضانه.
تجهمت ملامح "صفا" وهي تراها ملتصقة به. وما زادها حنقاً إنها تحدثه بالإنجليزية رغم أنها عربية، كما يبدو لها من ملامحها ونطقها لاسمه.
خرجت زفراتها بصوت مسموع، فانتبه عليها وقد أشاحت عيناها عنهما.
صفا: "بوس وأحضان، وأنا واقفة.. ده أنا حتى زي مراتك."
استمع لهمسها، فابتسم رغماً عنه. وكاد أن ينفجر ضاحكاً بسبب عبارتها الأخيرة، ولكنه تمالك نفسه وأنهى حواره مع الواقفة معتذراً منها بعدما أخبرها برغبة زوجته بالرحيل.
شيعتها المرأة بنظرات مستاءة، ورحلت تحت نظرات "صفا" المتعجبة من نظرتها إليها.
صفا: "هي بتبصلي كده ليه؟"
وبابتسامة جاهد على إخفائها، تمتم وهو يشيح عينيه عنها:
أحمد: "أصلها عرفت إنك مراتي."
صفا: "هي مراتك كلمة عيب، ولا شكلي ضيعت فرصتها."
انفرجت شفتيه في ضحكة عالية، وسرعان ما تمالك حاله وهو يلتقط ذراعها.
أحمد: "أنا بقول كفاية عليكي كده، ويلا يا مجنونة."
تلمعت عيناها وهي تراه يسحبها خلفه، حتى توقف بها أمام السيارة. التقت عيناهما، وقد أحاط خصرها بذراعيه. ارتفعت أنفاسها وهي ترى نظراته إليها. ولكن سرعان ما كان يفيق من شروده وهو يذكر حاله. إن التي أمامه ليست "مها"، إنها أخرى تشبهها في شخصيتها.
***
كانت السعادة تملأ قلبها، وهي تتأمل ثيابها البسيطة وتختار من بينهم ما يناسبها من أجل حفل الدار التي ستقام غداً. وبابتسامة واسعة كانت تتجه نحو المرآة الصغيرة في الغرفة، تنظر نحو الثوب الذي سعت جاهدة في تنسيقه على أمل أن يكون جميلاً عليها ويظهرها بشكل أصغر. فقد أصبحت تشعر بالحزن كلما نداها أحد بالسيدة ولم يسبق لها الزواج.
حدقت بالثوب بأعين لامعة، فالثوب جميل ومبهج وينير ملامحها.
تأملتها "سناء" بعدما دلفت للغرفة بملامح حانقة. وعندما علقت عيناها بهيئتها لم يزيدها الأمر إلا حقداً.
سناء: "يعني طردتي ولادي من الأوضة عشان حضرتك تعمليلي حفلة عرض أزياء بالهلاهيل بتاعتك ديه يا ست حياة."
التفت نحوها وقد تلاشت سعادتها، ولكنها كانت تعلم إذا تحدثت بشيء، فلن تنتهي الحكاية إلا بشجار.
حياة: "معلش يا سناء استحمليني، الحفلة بكرة وعايزة يكون شكلي حلو."
تلمعت عينا "سناء" بخبث. فها هي الفرصة قد أتتها حتى تلقي عليها عباراتها وتشعرها بنقصها. رمقت ما ترتديه بنظرات متهمكة رغم جمال الثوب وبساطته.
سناء: "مهما حاولتِ تلبسي مش هتكوني زي بنات اليومين، أنتِ خلاص يا حياة القطر فاتك ومحدش هيبصلك."
وبحقد كان يتقطر من كلماتها، كانت تردف:
سناء: "ده أنتِ، لا مال ولا جمال."
ومدت يدها تلتقط بضعة أثواب ملقاه فوق الفراش.
سناء: "أنتِ فاكرة شوية الهلاهيل ديه تعجب حد."
واستطردت متهكمة وقد شعت عيناها سعادة، وهي تراها تقاوم ذرف دموعها:
سناء: "هدوم موضتها انتهت من الثمانينات.. لولا بس إن أخويا عينيه حلوة مكنش بصلك وطلب إيدك وقال إيه بتدلعي وتقولي لأ."
انسابت دموعها فوق خديها، بعدما فقدت قدرتها على مقاومتها. لقد هزمتها "سناء" كعادتها، وجعلتها تفقد كل ذرة أمل داخلها بأن تجد من يحبها ويرضي مهما.
حياة: "أخوكي يستاهل واحدة أحسن مني يا سناء، مش واحدة فاتها قطر الجواز."
رمقتها "سناء" بزهو وسعادة ملئت قلبها الحاقد، وهي تراها تغادر الغرفة بعدما مسحت دموعها.
سناء: "لازم أفضل أحسسك طول الوقت إن مفيش حد هيبصلك، ما أنتِ ميبقاش فيكي كل الصفات الحلوة وأنا لأ يا ست حياة."
***
نظر إلى ساعته بإرهاق، بعدما أغلق آخر ملف كان يطالعه، ليتذكر تلك الدعوة، التي كان قد قرر إرسال المال إليهم عن طريق أحد موظفينه. ولكن لا يعلم كيف غير قراره فجأة وقرر الذهاب بنفسه.
دلك عنقه لعله يسترخي للحظات قبل نهوضه والاستعداد للذهاب، فبضعة دقائق لن تضيع من وقته شيئاً.
نهض عن مقعده، واتجه لغرفته، يستبدل ملابسه بأخرى أكثر أناقة ورسمية. نثر الكثير من عطره، والتقط ساعته الباهظة، وخاتمه ذو الحجر العتيق وأرتداهما، ثم هندم سترته وقد ألقى بنظرة أخيرة على هيئته.
هبط الدرج بخطوات متعجلة، ولكنه توقف في منتصفه، بعدما صدح رنين هاتفه. طالع رقم صديقه متعجباً من اتصاله وقد كانوا معاً اليوم في الشركة.
صديقه: "من غير أعذار أنا عزمتك على العشا النهارده."
تعجب من أمر العزيمة التي يعرضها عليه صديقه. وقبل أن يعترض كان أكرم يصر عليه.
أكرم: "ما فيش اعتراض يا عامر، أنا وعدت المدام خلاص إني هخرجها.. ولا أنت عايز صاحبك يطرد من البيت."
أكمل خطواته وهو يضحك على عبارات صديقه، يرتب خصلاته بيده الأخرى متمتماً.
عامر: "وأنا ميرضنيش إنك تزعل المدام."
أكرم: "عقبال ما أقولك الكلمة ديه يا عامر."
هتف بها "أكرم"، فتصلبت ملامحه وهو يصعد سيارته. فلن يسمعها من أحد، لأنه لن يعطي أي امرأة مكانة بحياته. هو لو تزوج، ووجد المرأة التي يبحث عنها، ضعيفة، لا تتحدث، ترضى بأي شيء يقدمه لها.
عامر: "أنا مضطر أقفل يا أكرم، عندي مشوار مهم لازم أروحه وابقي ابعتلي مكان المطعم."
وبفضول كان يتساءل أكرم.
أكرم: "مشوار إيه المهم يا عامر، أوعى تقولي إنك لقيت العروسة."
تجهمت ملامح عامر من سخافة صديقه اليوم.
عامر: "مش ملاحظ إنك بقيت سخيف يا أكرم."
أكرم: "خلاص يا باشا، هقفل."
هتف بها أكرم مازحاً، قبل أن يغلق الخط، ويتجه نحو دار الأيتام. وقد عاد عقله يشرد في أمر العروس التي سينهي بها أمل "محسن الصواف" في العودة لابنته، وسينجب الوريث الذي سيخبر به الجميع إنه رجل بالفعل. سيوجع تلك التي رأى الندم في عينيها بعد فعلتها الشنيعة به.
***
وقفت حياة توزع بلالين على الأطفال، وقد لمعت السعادة في عينيهم. ربطت للبعض البلالين في أقدامهم كما طلبوا منها. ركضوا سعداء بالحفل. فبعد الحفل سيكون لديهم الكثير من الألعاب والثياب والحلوي.
اقتربت منها إحدى الصغيرات وقد كانت تحمل بيدها حذائها. انحنت نحوها تضحك على كرهها لارتداء الأحذية، تداعب وجنتيها الشهية، وتمازحها.
حياة: "أنا مش عارفة، إيه سبب عدم حبك للجزم يا ليلى."
والصغيرة تخبرها، إنها لا تحب الأحذية وتجرح أقدامها. ركضت الصغيرة من أمامها بعدما نداها أصدقاؤها واتجهت نحوهم لتأكل الحلوى.
طالعتهم "حياة" بابتسامة واسعة، تدعو الله أن يمنحهم حياة أجمل حين يكبرون.
تقدمت منها السيدة "فاتن" تهتف برضى وهي تتأمل حديقة الملجأ.
فاتن: "الجنينة بقى شكلها جميل قوي، ربنا يسعدك يا حياة يابنتي زي ما بتسعدي غيرك كده." وتابعت حديثها تردف بطيبة: "بس مكنش ليه لزوم تاخدي إجازة من شغلك النهاردة يا بنتي."
حياة: "عارفة يا ماما فاتن نفسي أقدر أساعد الدار بأكتر من كده، كنت أتمنى يبقى مرتبى كبير وأقدر أسعد الأطفال."
تلمعت عينا "فاتن" بحب، لطيبتها وحنانها وتقديمها لكل ما تستطيع للأطفال.
فاتن: "كفاية على الأطفال ابتسامتك وحنانك، الفلوس عمرها ما بتعادل الحنان يابنتي."
***
ضحكاتهم أصبحت تتعالى وقربهم بدأ يثمر بصداقة رائعة. وما نفعها من هذا التقارب هو انشغال تلك الأفعى "نيرة" في السفر للفرع الأكبر بالعاصمة.
ركضت "أروى" ضاحكة بعدما سكبت بعض الدقيق على وجهها.
أروى: "النهاردة حرب الدقيق، وبلاها الكيكة اللي كنا ناوين نعملها."
فاتبعتها "جنه" بكوب من الدقيق، راكضة خلفها نحو الحديقة الخلفية في المنزل، وأخذوا يتمازحون. وسرعان ما كانت تتعلق عينا "جنه" بشيء ما خلف أروى، فالتفتت أروى بجسدها، بعدما أخذها الفضول لترى ما تحدق به. صدحت صرخة أروى وهي ترى الدقيق ينسكب فوق خصلاتها، وجنه تركض من أمامها ضاحكة، تخبرها إنها نالت حقها.
تعالت صوت ضحكاتهم، وهم ينفضون ملابسهم، عائدين للداخل. ولكن تيبست أقدامهم فجأة وكلتاهما تطالع الأخرى بعدما استمعوا لصوته الجامد، وقد ودع للتو أحد رجاله، وكالعادة صرخ باسمها وحدها، وتقدم منها بملامح يتطاير منها الشر.
"جنه."
وسرعان ما كانت تفر أروى من أمامه، وقد تركتها تنال بطشه بمفردها. ازدردت لعابها وهي تراه يحدق بها ويقبض فوق كفيه بوعيد.
فتسارعت دقات قلبها خوفاً، والتفت حولها تبحث عن أروى لعلها تأتي وتخلصها من شقيقها، ولكن أروى كانت أجبن منها، بل وأكثر معرفة منها بطباع شقيقها.
"عملالي البيت مهزلة، ولا كأنكم في ملاهي."
تتدافقت عليها كلماته اللاذعة التي اعتادتها منه، ولم تعد تهتم بشيء يخبر به. التقط ذراعها وهو يرى صمتها هاتفاً بقسوة.
"أكلت القطة صوتك دلوقتي يا هانم واتخرستي."
ضاقت عيناها، وبحيلة ماكرة لا تعلم كيف أتت على عقلها سلطت عينيها على شيء ما خلفه. فليس أمامها شيء إلا الهرب من أمامه.
جنه: "غريبة يعني فاخر جاي لينا البيت."
ترك ذراعها، وقد التف خلفه، ولكن سرعان ما كان يكتشف كذبتها وتلاعبها به. ركضت من أمامه وقد تعالت ضحكتها تهتف بسعادة.
جنه: "الهروب في الحالات ديه نص الجدعنة."
تطاير الشر من عينيه وهي يسمعها.
"هزارك ماسخ، ومش مقبول."
عادت ضحكاتها تتعالى، غير عابئة بحديثه، مما زاده حنقاً وتوعداً. فقد بدأت هذه الفتاة تخرق قوانينه، تثير غضبه بل أصبحت لا تهابه. وشيئاً فشئ ستقف أمامه تناطحه.
رمقها وهي تصعد الدرج بخطوات راكضة. ولولا عدم رغبته في رؤية شقيقته معاملته لها لكان صعد خلفها وعاد إليها. تورم وجهها، وعلي ما يبدو إليه إنها قد اشتاقت للأمر.
***
اتسعت ابتسامة السيدة "فاتن"، وهي تحملق بالمبلغ الضخم الذي تبرع به الواقف أمامها. تلمعت السعادة في عينيها، غير مصدقة قيمة المبلغ الذي سيساعدها في تصليحات الدار وجلب كل ما ينقص الأطفال من احتياجات.
فاتن: "ربنا يبارك لك يا عامر بيه، وشكراً إنك قبلت دعوة الدار النهارده."
فحرك عامر رأسه بإيماءة بسيطة وهو يرى السعادة في عيني المرأة السمحة.
عامر: "أوعدك إن زيارتي مش هتكون الأخيرة."
حياة: "ماما فاتن أنا هبدأ بفقرة الأراجوز دلوقتي."
تصلبت حواسه وهو يستمع للصوت الذي أصبح يعرفه تماماً. التف ببطء نحو صاحبة الصوت، تتعالى الدهشة فوق ملامحه.
تعلق عينا "حياة" به وقد أصابها الذهول، تتساءل داخلها لما أتى هذا الرجل لهنا. لكن سرعان ما كانت تنتبه على حمقتها. فالرجل ميسور الحال وبالتأكيد من المدعوين للحفل للتبرع بالمال. تلاشت صدمتها عندما وجدت يشيح عينيه عنها.
فأشارت نحوها فاتن تدعوها للاقتراب.
فاتن: "أعرفك بحياة يا عامر بيه، من الزوار الدائمين على الدار.. والأطفال بيحبوها أوي.. ده غير الخدمات الكتيرة اللي بتقدمها للدار."
تعالت الدهشة فوق ملامح "عامر"، وقد عادت عيناه تتعلق بها. احتلت التوتر ملامحها، فمد يده ليصافحها وكأنه لأول مرة يراها. فطالعت يده الممدودة، وأبتسمت بحبور وهي تخرج من جيب تنورتها إحدى الحلوى.
حياة: "اتفضل."
فما كان منه غير أنه ابتسم، من مغزى هذه الهدية. فقد رفضت مصافحته ولكنه تقبل الأمر برحابة صدر متفهماً سبب رفضها.
عامر: "شكراً يا آنسة حياة."
هذه المرة أصبح يعلم إنها ليست متزوجة، من خلو يدها من محبس الزواج.
طالعتها فاتن بابتسامة محبة.
فاتن: "روحي ابدأي فقرة المهرج يا حياة، عشان أستاذ عامر يحضرها لأنه شكله مستعجل."
فانصرفت حياة على الفور من أمامهما، وقد خفق قلبها من رؤية هذا الرجل مجدداً. قاومت خفقان قلبها وعادت السعادة ترتسم فوق ملامحها وهي ترى الصغار يركضون نحوها بالهدايا التي حصلوا عليها.
وقف يحدق بها، ولم يعد منتبهاً على حديث السيدة فاتن، وقد أخذت تخبره عن الدار والمشرفات وما يسعون له من أجل توفير حياة كريمة للأطفال. علقت عيناه بها مرة أخرى وهي تبتسم. ولا يعلم لما اقتحمت صورة المرأة التي يرغب بها عقله.
***
حاولت جاهدة كتم صوت أنفاسها حتى يظنها غافية، ويبتعد عنها. شعرت بأنفاسه الساخنة فوق صفحات وجهها، فارتفعت وتيرة أنفاسها رغماً عنها. ابتسم بخبث وهو يكتشف تظاهرها بالنوم.
جاسر: "أنا عارف إنك صاحية يا جنه، متحاوليش تهربي مني بالنوم.. بدل ما أعمل حاجة أخليكي تندمي عليها."
احتلت الخوف قلبها، ولكنها حاولت التماسك وتظاهرها بالنوم، حتى يضجر منها ويتركها.
اقترب منها "جاسر" أكثر، وعلامات المكر مرتسمة فوق شفتيه. انتفضت فزعاً وهي تنهض من فوق الأريكة، تشهق بصدمة وهي تضع يدها فوق شفتيها، فقد حاول تقبيلها.
جنه: "انت قليل الأدب."
صدحت ضحكاته الساخرة، وهو يراها بتلك الهيئة، وقد عاد الذعر يحتل عينيها.
طالعها بخبث، ينتظر رؤية صدمتها الأخرى، وقد كان متوقع ما سيحدث، وها هو يرى ردة فعلها التي زادته عبثاً. أطبقت فوق جفنيها بقوة. لا تصدق إنه يقف أمامها عاري الصدر لا يرتدي سوى بنطال قطني.
جنه: "أستر نفسك."
عادت ضحكته تتعالى، لا يستوعب ما تفوهت به، ولكن سرعان ما عاد لتلاعبه بها.
جاسر: "عشان متحاوليش تلعبي معايا تاني سامعه."
واتجه نحو المنضدة التي تجاور فراشه، والتقط علبة سجائره. دس السيجارة بين شفتيه وعاد يرمقها بتمهل ونظرات جامدة.
جاسر: "أنتِ في بلد في الصعيد، والناس هنا ليها قواعد غير مكاني وسط الناس. بحذرك من أي تصرف يهز صورتي، لا وإلا هوريكي الجزء الوحش من جاسر المنشاوي.. واللي حصل النهاردة هعتبره غلطة."
أراد أن يرى الخوف في عينيها، ولكنها وجدها تستلقي فوق الأريكة تعبث في هاتفها القديم بطريقة عشوائية حتى تتجاهله. استشاط غضباً من فعلتها واقترب منها يلتقطها من ذراعها، فانتفضت صارخة.
جنه: "طب برود ببرود بقي يا جنه، قومي هاتي ميه سخنة واغسليلي رجلي.. ما أنا النهارده حابب ألعب معاكي لعبة القط والفار."
دفعها من أمامه، وقد ظنها سترفض أمرها، ولكنها تفاجأت بابتسامتها المصطنعة.
جنه: "عنيا ليك يا سي جاسر."
تطايرت حمم الغضب من عينيه، وهو يسمع عبارتها قبل أن تفر من أمامه. ضغط فوق شفتيه بقوة يحادث نفسه.
جاسر: "ماشي يا جنه."
وبعد وقت، كانت تجلس تحت قدميه تدلكهما له بتمهل.
جاسر: "قولتلك اللعب مع جاسر مينفعش."
فرفعت وجهها نحوه وبنبرة باردة، كما أصبحت تتعلمه منه.
جنه: "هو أنت فاكر إن أنا بعمل كده عشان خايفة منك، يبقى للأسف مفهمتنيش يا ابن حسن المنشاوي.. بس أنا بطيعك عشان طاعة الزوج."
وأردفت بخبث، تنتظر رؤية ردة فعله.
جنه: "غير لما أطلب منك وأنا تعبانة تغسلي رجلي تبقي تغسلها ليا."
ألجمته عبارتها ليرفع حاجبه الأيسر يرمقها بمقت، يهتف حانقاً.
جاسر: "نعم ياختي."
جنه: "آه وفيها إيه، هقدم السبت عشان ألاقي باقي الأسبوع.. غير إن اللي أنا أعرفه إن سيادة النائب راجل خدوم واللي بيقدم ليه خدمة بيقدمله عيونه ولا إيه."
فانتفض من مكانه يتوعد لها.
جاسر: "نجوم السما أقربلك، وشكلي اتهونت معاكي في حاجات كتير."
فنهضت قبلته ترفع شفتيها استنكاراً.
جنه: "هتضربني تاني، بس افتكر إن كل صفعة بتفقد فيها رجولتك."
ليصرخ بها بعدما لم يعد يستطيع تحمل ردودها.
جاسر: "اطلعي بره الأوضة مش عايز أشوف وشك السعدي، غوري نامي في أي مكان تاني."
لتترك له الغرفة، فأخذ يدور بها كالمجنون وقد فقد صوابه بسبب وقوفها أمامه غير عابئة.
ترتسم الزهو فوق شفتيها وهي تهبط الدرج. فتلاقت عيناها بعيني أروى، وعلى ما يبدو إنها استمعت لشجارهم. طالعتها أروى بأسف.
أروى: "أنا آسفة يا جنه."
***
أغمض عينيه بقوة وهو يطرد أحداث ذلك اليوم من عقله. فقد أصبح يكره التفكير في أي يوم يمر عليه، ولكن اليوم كان مختلفاً تماماً عن بقية الأيام. ليتذكر تفاصيل يومه في دار الأيتام ويتذكرها هي خصيصاً وكيف شيعها بنظرة طويلة قد ألقاها عليها قبل الرحيل. وكأنه عقله بدأ يتخذ القرار نحوها.
أتكى بجسده على جانبه الأيمن، وقد عاد لشروده في تفاصيل ملامحها. فلم تكن بارعة الجمال، ولكنه لن يختارها لجمالها. فهو لا يريد إلا زوجة يضعها في قصره كأثاثه الثمين، لا تسمع ولا ترى ولا تتكلم. يعرف تماماً إنه يفضل عليها بالزواج منها، وأنها لا قيمة لها بحياته. إنما هي زوجة تمتع متى يشاء، لا يسمع منها غير كلمة نعم.
اقتحمت هذه المرة صورة أخرى علقته. تلك التي شاركتهم طاولة العشاء برفقة عائلة صديقه. وقد دعتها زوجة صديقه، لعلها تجذبه بملامحها الجميلة الفاتنة وجسدها المتناسق الذي يشبه عارضات الأزياء، بجانب شهادتها الجامعية. فهي طبيبة أسنان، ذات أصل عريق، مثقفة. وقد ظن صديقه إنها نالت إعجابه لتحاوره معها في بعض الحديث، ورغبته في زيارة عيادتها. ولكنها كانت بعيدة عن الصورة التي يرغبها.
***
كان الملل يحتل كل جزء من عقلها فلا شيء يسليها في هذا المنفى. رغم أنه منفى جميل وبجانب من تمنته في أحلامها، إلا أن المكان كالجليد مثل صاحبه.
زفرت أنفاسها بضجر، وهي تفكر في شيء تفعله. إلى أن وقفت أمام خزانة ملابسها وقد ملأها لها بكل ما تحتاجه من ثياب عصرية.
التقطت تنورة قصيرة، لا تعرف لما جلبها لها، وهي محجبة وبالتأكيد لن ترتديها في المنزل. فهي ليست زوجة حقيقية تتزين لزوجها حتى تغريه بفتنتها وجمالها. نفضت هذه الأفكار من رأسها متهكمة على حالها، وأسرعت في التقاط بلوزة رائعة التصميم تناسقها في اللون.
أرتدتهم بسعادة وخاصة بعدما تأملت هيئتها بالمرآة ورأت جمالها فيهما.
أشعلت المسجل وقد أتتها رغبة بالرقص، وأخذت تدور بالتنورة على غنوة صاخبة بلحنها وشعرها يتطاير نحوها بخفة.
شردت في لحظات ليست بقديمة، فتذكرت رقصتها التي أصرت عليها "ناهد" بأن ترقصها وسط صباح وسعاد رفيقاتها بالقصر. اقتحمت صورة ناهد عقلها بحنين وشوق عصف بفؤادها. تتمنى مهاتفتها، ولكن أين هاتفها فقد تحطم منها قبل أن تأتي لهنا.
أطفأت المسجل، وجلست على فراشها بأسى تلتقط أنفاسها. وقد ضاع رغبتها في الرقص مع أحزانها.
ومع مشاعرها الحزينة المشتاقة، لم تسمع صوت الطرقات على باب حجرتها ثم دخوله الغرفة، يضع هاتفه على أذنيه يهتف بمن يحادثه.
"ثواني يا ماما هخليها تكلمك."
رفع بهاتفه نحوها: "صفا.. ماما عايزة تكلمك لأنها وحشاكِ."
وسرعان ما كانت أحزانها تتلاشى، تلتقط منه الهاتف وتُحادث ناهد، تحركت أمامه بخفة ودلال لما تقصده. فانتبه على ما ترتديه أخيراً. ولأول مرة يراها بهذا التحرر. أخذت عيناه تتفرسها بتفحص.
انتهت المكالمة لتناوله الهاتف بسعادة.
صفا: "كان نفسي أكلمها أوي، مكنتش عارفة إن ربنا هيحققلي أمنيتي بالسرعة ديه."
ولكن لا رد كانت تتلقاه منه، فقد كانت عيناه عالقة بجسدها الذي يظهر إليه بسخاء وبدعوة صريحة.
رواية سطور عانقها القلب الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سهام صادق
لا تعرف متى وكيف كان قريبًا منها للغاية. أنفاسه تلفح صفحات وجهها، يبتلع لعابه ببطء، ينظر إليها بنظرة كانت غريبة عليها، ولكنها جعلتها تشعر بالحرارة تحتل سائر جسدها. أغمضت عينيها، لا تقوى على قربه ولا النظر في عينيه.
وبصعوبة كان يهمس وهو يرفع كفه يمسح به فوق خدها ببطء:
- أنتِ جميلة قوي يا صفا.
سلبت كلماته أنفاسها، فتسارعت دقات قلبها. فتحت عينيها بتمهل، بعدما شعرت بأنها لا تقوى على لمساته. رآها تنظر إليه بنظرة كانت شبيهة بتلك النظرة التي كانت تخصه بها حبيبته الراحلة. انتفض عنها بعدما شعر بفقدانه لسيطرته على مشاعره.
خرج من الغرفة بخطوات سريعة، وكأنه يهرب من شيء ما. ولكن الحقيقة كانت واضحة بالنسبة إليها، بل مؤلمة. إنه يهرب منها وحدها.
***
جففت جبينها بإرهاق من شدة إعيائها، تنظر نحو الدلو وقد بدأ جسدها يؤلمها. ولكنها تحاملت على نفسها، وأكملت مهامها. أكملت تنظيف المنزل ومسحت الأرضيات.
عادت تجفف حبات عرقها، فاقتربت منها نساء. تنظر للمنزل بنظرات فاحصة، حتى ارتسم الرضا فوق ملامحها. ولكن سرعان ما احتلت الاستياء ملامحها.
- ما أنتِ زي القرده أه، أومال ليه كنت عاملالي فيها تعبانة.
وأردفت بتهكم، رغم أنها ترى المرض ظاهرًا على ملامحها:
- ما كانش دور برد ده اللي عايزة تقضي فيه في السرير، ولا أنا على كده جبل، شايلة عنك كتير.
- ربنا يديكي الصحة يا سناء.
هتفت بها "حياة" وهي تتجاهل كلماتها. امتقعت ملامح "سناء" وهي تستمع لعبارتها. فالماكرة تريد أن تكون بصورة الملاك، وتظل هي الشريرة.
- خديني بكلمتين يا أختي، يلا أنجزي وخلصي مش هنقضي طول اليوم تنضيف، ولا عايزة أخويا مسعد يجي يلاقي البيت يضرب يقلب، والأكل لسه مخلصش.
- معلش يا سناء هخلص أه، ما أنتِ عارفة غسيل الهدوم أخد اليوم كله.
نظرتها "سناء" بضيق، فهي لا تريدها صامتة هكذا. تريدها أن تفتعل شجارًا معها، لعلها تستطيع التخلص منها. وبحقد لمع في عينيها، ألقت عبارتها وهي تنتظر تلك المرة أن ترى ثورتها وغضبها. حين تعلم بالقرار الذي اتخذته هي وزوجها وسيأتي شقيقها اليوم من أجل هذا القرار.
- مسعد هيقرأ فتحتك النهارده مع رجب. هو رجب ملقيش.
سقط دلو الماء من يدها، فاغرقت المياه الأرضية. صرخت سناء بضيق غير عابئة بشحوب ملامحها، ولا نظراتها التي فاضت بالصدمة والألم. وبأنفاس أصبحت ثقيلة تساءلت:
- رجب وافق على مسعد!
و"سناء" تمنحها الجواب بنظرات شامتة، وهي سعيدة بقرب الخلاص منها.
***
ظل عقلها شاردًا، بأحداث الليلة الماضية، وكيف خرج من غرفتها سريعًا وكأنه يهرب منها. حتى إنه لم يرغب بتناول وجبة العشاء معها. رغم إنهم مؤخرًا اتفقوا على تناولها سويًا، ما دام إقامتهم مستمرة حتى ينتهي هذا العام. فلن يظل كل منهما يتعامل مع الآخر وكأنه غريب.
جلست فوق الأريكة في صمت، تستعجب دعوته لها في غرفة مكتبه، وقد تركها معتذرًا منها حتى ينهي مكالمته.
نهضت عن الأريكة، بعدما طالت عودته، وسمحت لنفسها بتأمل الكتب المرصة فوق الأرفف. تعجبت من كمية الكتب وأخذها الفضول لتلتقط البعض. تنظر داخلها.
ابتسم وهو يتجه نحوها، يراها تنظر ممتعضة لكتاب باللغة الإنجليزية، وقد أصبحت تسبب لها عقدة.
- مش عاجبك الكتاب يا صفا؟
سألها مازحًا وهو يري امتعاضها، ويلتقط منها الكتاب ليعلم السبب.
- مقلقتيش بتوتر، وهي تسمعه يقص لها عن الكتاب، ومن حديثه كان الكتب كنزًا ثمينًا يجب عليها قراءته.
- حقيقي أنا برشحه لكِ تقريه يا صفا.
أطرقت رأسها خجلًا وهي تمنحه الجواب، الذي تغافل عنه:
- بصراحة مش هعرف أقرأه، أنا كويسة في الألماني بس الإنجليزي لأ، بصراحة لغتي فيه ضعيفة شوية وممكن تقول شوية.
ابتسم على عبارتها، فقد أصبحت تجعله يبتسم من حديثها الذي لا تتصنعه. وضع الكتاب جانبًا، والتقط كتابًا آخر.
- تحبي تقرأي شعرك؟
كان الكتاب عبارة عن دواوين شعر. راقبها وهو ينتظر جوابها، فوجد السعادة تلمع في عينيها. تومئ له برأسها وتشاكسه بالحديث:
- بس ياريت يكون مترجم، ما أنا مش لسه هترجم سطر سطر.
صدحت ضحكته التي أصبحت تتعجبها منه في الآونة الأخيرة.
- لأ متخافيش يا ستي أنا هترجم لكِ وهقرأه لكِ كمان.
ويا للصدمة! حبيبها يقرأ شعرًا عن الرثاء. أغمضت عينيها وقد ضاعت آمالها، فقد ظنته ديوانًا عن الغزل. وبصوت خافت أخذت تحدث نفسها:
- رثاء، أحلامك كلها ضاعت يا صفا.
***
اليوم هو قدوم عمتها وعمها من العمرة. كانت السعادة تعم المنزل الكبير والكل يستعد لاستقبالهم. ورغم السعادة التي ملأت قلبها لعودتهم، إلا أن الألم من حين لآخر كان ينغز قلبها. فتلمع الدموع بعينيها وهي ترى حالها منبوذة بينهم. فالجميع ذهب بالسيارات لاستقبالهم ولم تبق إلا هي بالمنزل بين الخدم تساعدهم في الطهي والأمور العالقة، وكأنها غريبة عنهم ولا حق لها في أن تشاركهم شيئًا. علقت الدموع بعينيها. ورغمًا عنها كانت تنساب فوق خديها وسرعان ما كانت تتمالك حالها تمسح عنها دموعها. تنظر نحو إحدى السيدات العاملات في المنزل:
- عنك يا خالة هنية، هاتي أكمل عنك.
لطمت العمة "هنية" صدرها، وهي تراها تحاول أن تلتقط منها إناء الطهي. وللحقيقة هم لا يجعلونها تفعل شيئًا، لأنهم لا يرونها إلا سيدة في هذا المنزل وزوجات كبير العائلة ببلدتهم.
- لا يا ست جنة، متودينيش في داهية يا غالية أنا وصالحة هنخلص كل حاجة قبل الحاج والحاجة ما يوصلوا بالسلامة.
- وفيها إيه يا خالة هنية، هو أنا مش زي صالحة بنتك؟ خليني أساعدكم أنا قاعدة فاضية.
ألحت في طلبها، حتى قبلت العمة "هنية" عرضها بصعوبة. ابتسمت "جنة" وهي تحمل عنها الإناء وتضعه فوق الموقد. ولكن سكنت مكانها وهي تستمع لسؤال "صالحة" ابنة هنية عن سبب عدم ذهابها معهم:
- هو انتي مروحتيش ليه مع جاسر بيه جوزك يا ست جنة؟ فاخر بيه أخد معاه الست هدي وكمان اروى. اشمعنى انتي؟
زجرتها والدتها بعينيها، بعدما رأتها تتدخل فيما لا يخصهم:
- مالكيش صالح باللي بيحصل يا صالحة، اسكتي خالص وخليكي في شغلك وريني همتك.
- هو أنا قولت حاجة يا أما؟ أنا بس بسأل الست جنة.
تجاوزت "جنة" سؤالها، فبماذا ستخبرها؟ هل ستخبرها أن السيد جاسر لا يراها زوجة وأنها لا تقل شيئًا عنهم. اتجهت نحو السكين تلتقطه حتى تكمل تقطيع الخضار وعلى وجهها ابتسامة واسعة تخفي خلفها قهرها.
- ها هنعمل إيه تاني، قبل ما يجوا من...
كادت أن تكمل عبارتها، إلا أنها وجدت كل من يعمل بالبيت يركض بعدما استمعوا لطلقات النار وصوت السيارات يعلو خارجًا.
انتفضت مذعورة، وسارت نحو الخارج مثلهم، حتى تطالع ما يحدث.
وقفت تنتظر عمها وعمتها بفرحة وقد تقدمت عن الخدم، بعدما شعرت بالحرج بوقوفها بعيدًا منزوية بحالها. بهتت ملامحها، وقد ألجمها ما تراه. زوجها يسير برفقة ابنة خالته التي تسعى جاهدة لتتزوجها حتى لو ستكون زوجة. تركها تتباطأ ذراعه غير عابئ بها ولا بنظرات الخدم إليها.
ابتلعت غصتها، واشاحت عيناها بعيدًا عنه. فانتبهت على صوت عمها عبدالرحمن الذي تقدم منها، يمد لها يده حتى يصافحها، بعدما طردها أشر طردة عندما جاءت تطلب مساعدته.
- أهلاً ببنت أخويا الغالي ومرات ابن أخويا.
***
أخذت دموعها تنساب فوق خديها، تنظر نحو أخيها برجاء، وقد ثقل الألم فؤادها ولم يتبق إلا المرارة في حلقها وهي تسمعه.
- هتفضلي لحد امتى ترفضي اللي بيتقدمولك ياحياة؟ مسعد راجل مش هتلاقي زيه.
حاول شقيقها إقناعه، رغم إنه يعلم بكذبته. ولكن لم يعد بيده أي شيء يفعله.
- مش عايزة أتوز يارجب، وبالذات مسعد الله يخليك.
تألم قلبه، وهو يراها تجثو فوق ركبتيها تتوسله، تكاد تقبل قدميه. علقت الدموع بعينيه وانحنى يلتقطها من فوق الأرض يمسح دموعها التي أغرقت خديها وقد تعالت شهقاتها.
- انت زهقت مني يارجب؟ لو عايزني أطلع من البيت وأروح أعيش عند خالتي همشي يا أخويا.
لم يتحمل "رجب" رؤيتها هكذا، وأسرع في طرق رأسه حتى لا ترى دموع عجزه، يخبرها راجيًا موافقتها، حتى تخلصه بما ورط حاله به.
- لازم تتجوزي مسعد ياحياة، مسعد كاتب عليا شيك كبير أوي، لا كده أخوكي هيتحبس.
تجمدت عيناها نحوه، وقد صدمها ما تسمعه منه. أشاح عينيه عنها. فاقتربت منه ترفع وجهه إليها تسأل بتعلثم:
- عليك كام ليه يا رجب؟
شحبَت ملامحها، وهي تستمع للمبلغ المالي الضخم. فابتعد عنها وهو يعلم أن خلاصه بها وحدها. فهو لن يتحمل دلوف السجن وترك أولاده مشردين دونه.
- أنا أجلت كتب الكتاب لأسبوعين قدام نكون جهزنا حاجتك يا حياة.
***
الألم يزداد أكثر وأكثر في قلبها، فتجدهم جميعهم يجلسون يتمازحون إلا هي تجلس في زاوية بعيدة تتلاعب بتطريز عباءتها الوردية. تتذكر حديث والدتها، عندما حادثتها صباحًا.
- الست الشاطرة تكسب جوزها يابنتي، وجوازات كتير كانت كده ونجحت بالعشرة والمودة. ابن عمك راجل ميعيبهوش حاجة متضيعيهوش من إيدك.
لمعت عيناها بالدموع، فعن أي زوج تتحدث والدتها؟ إنها لا يراها من الأساس ولا يرغب بوجودها. يهينها ويُهمش وجودها بحياته. وما عليها إلا الصمت، فقد ارتضى والديها بتلك الزيجة وما عليها إلا دفع الثمن.
أصرت عيناها بعيدًا، ولكن سرعان ما كانت تفيق من شرودها وتعود بالنظر نحو عمها حسن، وهو يدعوها للاقتراب منه.
- تعالي يامرات والدي جنبي.
وتابع حديثه وهو ينظر نحو جاسر وقد ضجر من حديثه عن العمل:
- جوزك زهقني من كلامه اللي كله عن الشغل والأراضي.
نهضت عن مقعدها بصعوبة، وهي تنظر البعض تترصدها.
اقتربت من عمها تلبي رغبته في قربها. وقد أسعدها اهتمامه بها، وعادت السعادة تلمع بعينيها المنطفأه.
رمقها بنظرات جامدة تفرسها، يتخذ طرف الأريكة حتى يترك لها مكانًا جوار والده.
- ومينفعش أقعد أنا جنبك يا جوز خالتيه.
هتفت بها "نيرة" وكادت أن تنهض، ولكن نظرات حسن القوية جعلتها تتراجع وتعود لمقعدها.
وبهمس خافت كان يتمتم، وقد استمعت إليه "جنه" وقد اتسعت ابتسامتها:
- قبر يلم العفش.
أصبحت الجالسة هذه المرة محور الحديث عنهم، وعن رغبتهم في رؤية حفيدًا لهم. تخضبت وجنتاها وهي تستمع لحديث العم والعمة منيرة. فحدقها بنظرات جامدة، ونهض من فوق مقعده بعدما شعر بالاختناق ينظر نحو هاشم ابن عمه، وفاخر شقيقه الذي أخذ يلاعب طفله الرضيع.
- عايزك يا فاخر انت وهاشم في المكتبة.
هتفت عبارته بقوة، وهو يسرع بخطواته نحو غرفة المكتب، فهو يريد الهروب من تلك الجلسة، فلم يعد يتحمل حديثهم الذي يزيده حرقة وألمًا. فهو لا ينجب ولن يروا أولاده يومًا.
شحبت ملامحها، وهي تراه ينهض بتلك الطريقة. وقد اتجهت أعين الجميع عليهم. متعجبين الحالة التي أصبح عليها فجأة.
نهضت "نيرة" عن مقعدها، بعدما أتتها الفرصة واقتربت منها ونظرات الحقد تحتل ملامحها.
- أول ما قربتي منه، مطقش يقعد جنبك وقام.
وبمكر كانت تردف بهمس:
- متحلميش إن الجوازة دي تستمر، وإنك هتفضلي مرات جاسر المنشاوي.
***
أسبوع طويل قد مر عليه وهو يقاوم رغبته في الذهاب إلى ذلك الملجأ. فقد اتخذ قراره وحسم الأمر. هي الزوجة المطلوبة. هي من وضع فيها شروطه.
انتابه شعور بالضيق من حاله قليلاً، فكيف يفكر بالزواج بتلك السرعة. وهو لم يفق من زيجته من فريدة. ولكن عاد وميض الحقد والانتقام يلمع في عينيه. سيرى هو والدها كيف لا يكون رجلًا.
نهض عن مقعده وهو يلغي إحدى اجتماعاته الهامة تحت نظرات سكرتيرته المتعجبة.
وقف بسيارته أمام الملجأ، ولدقائق ظل مكانه. يفكر للمرة الأخيرة. ترجل من سيارته بعدما فتح له سائقه الباب، وبخطى واثقة كان يتحرك نحو بوابة الدار.
تلألأت أسارير السيدة "فاتن"، وهي تراه سائقه خلفه يحمل بعض الهدايا.
اقتربت منه تهتف بسعادة وقد ركض الأطفال أمامها:
- عامر بيه نورت الدار، أنا قولت خلاص مش هنشوفك تاني.
صافحها "عامر" ينظر حوله، لعله يجدها اليوم. ولكن أمله قد خاب. ولكن سرعان ما لمعت عيناه، فالسيدة "فاتن" منحته الجواب قبل أن يسألها عن عنوانه. بل وسهلت عليه عرضه حين يتقدم لها، فكل شيء في قبضة يده، وستتم تلك الزيجة بصورة سريعة. فالمال وحده من سيكون المتحكم بالقرار.
- حياة هتتجوز ومش هتيجي الدار تاني خلاص.
***
وقف مصدومًا وهو يتأمل صديق عمره الواقف أمامه الآن، إلى أن سار بسعادة نحوه يحتضنه بشوق.
- مش معقول يارامي، انت هنا في أمريكا.
- قولت مش هتنساني ونستني يا ابن السيوفي، بس أنا مطلعتش قليل الأصل زيك.
تجلجلت ضحكات "أحمد"، وقد شعر رامي بالغرابة قليلاً. فصديقه قد بدأ يعود لعهده قديمًا. دعا داخله أن يستمر به الحال هكذا، وتنهد وهو يسأله مازحًا، بعدما ارتشق القليل من مشروبه:
- مفاجأة حلوة صح؟
- أكيد، بس ليه مقولتليش قبل ما تيجي؟
- يا سيدي جالي عرض عمل هنا، غير إن البنت اللي بحبها مقيمة في أمريكا.
عادت ابتسامة "أحمد" تتسع، وهو يغلق بضعة ملفات أمامه، يتذكر تلك العلاقة التي كان لا يحبذها.
- البنت اللي عرفتها عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي، مش معقول يا رامي.
تأفف "رامي" وهو يعلم ما سيلقيه عليه صديقه، من عبارات مستاءة.
- بلاش تفضل تديني مواعظك وحكمك والفشل والكلام ده. أنا بحبها بجد يا أحمد.
لم يرغب "أحمد" في الحديث عن الأمر، قد اتخذ فيه صديقه قراره.
- ربنا يسعدك يا رامي، وعلي فكرة أنا مبسوط إنها جابتك أمريكا.
تحدثوا بمواضيع عدة، وعن اسم الشركة التي سيعمل بها صديقه. عرض عليه "أحمد" أن يعمل معه، ولكن "رامي" فضل العمل في هذه الشركة، يخبره بمزاح.
- لا أنت بالذات يا ابن السيوفي، محبش إنك تكون مديري. أنت منضبط زي الساعة.
تعالت ضحكاتهم، وحل الصمت بينهم للحظات. فوضع "رامي" كوب مشروبه فوق الطاولة يتساءل بفضول:
- انت إزاي اتجوزت؟ أنا مش مصدق الخبر لحد دلوقتي.
أشاح "أحمد" عيناه عنه، فهو لا يحب الحديث عن هذا الأمر.
- حبيت اتجوز فاتجوزت. غير ظروف الشغل هنا خلتني أفكر فعلاً في وجود زوجة حتى لو فترة غربتي.
حدقه "رامي" في صدمة، مما يسمعه منه.
- بس مش شايف ده ظلم ليها، الطلاق مش سهل على أي ست يا أحمد، وافرض بقي في ولاد بينكم يا أحمد.
تجمدت ملامح أحمد، وهو يستمع لعبارات صديقه. فعن أي أطفال يتحدث صديقه، وزيجته بصفاء بعقد مشروط وهو لن يمسها حتى تنتهي مدة زواجهم ويستطيع التحرر من هذه الزيجة.
- أنا وصفا متفقين على كل حاجة، هعوضها لما ننزل مصر بشغل في أكبر الشركات، وهديها الفلوس اللي هي عايزاها.
فسر له الزيجة بعبارات بسيطة، وقد فهم "رامي" الأمر. وقد ازدادت صدمته.
- وهي راضية بكده؟
وبهـدوء كان يجيبه حتى ينهي هذا الحديث، وقد نهض عن مقعده. متجهاً إلى مطالعة الطريق بالخارج.
- جوازنا زي عقد العمل يا رامي.
***
كانت حرة طليقة تتمتع بحريتها وسط الأراضي المزروعة، تستنشق رائحة المحاصيل في موسمها، وتستمع بطراوة الهواء.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة محبة وهي تتأمل ملامح أطفال القرية وهم يركضون ناحية بركة صغيرة في الجانب الآخر. يسبحون بها.
ظلت ابتسامتها تتسع رويدًا، وهي تتذكر بأن اليوم هو بداية تمردها عليه. وقد أصبح وجعها يفوق قدرتها فيكفيها وجعًا وتحملًا من قوانينه.
خرجت متحججة من عمتها بأنها تريد العودة إلى بيتها. ورغم إصرار عمتها بأن تمكث معهم كما اعتادت حين يسافر للعاصمة، حتى يعود من رحلة سفره. ولكن كان الأفضل لها أن تنفرد بحالها بل وتتمرد على قيوده اللعينة. وكأن زواجهم حقيقيًا.
لقد أصبحت تستلقي فوق فراشه دون أن تخاف، بل وستخبره أن يكون لها فراشًا مريحًا مثله.
دغدغتها نسمات الهواء العليلة، وهي تشرد في رائحة عطره التي تعبئ وسادات فراشه فحتى في غيابه يترك لها أثره.
زفرت أنفاسها بخيبة فكلما خفق قلبها بحب صغير نحوه دمره هو بأفعاله الظالمة. فما ذنبها أن تتحمل ماضيه بقسوته.
فاقت من شرودها، وقد تعالت رنين هاتفها، فتخرجه سريعًا من جيب عباءتها.
- أيوه يا أروي.
- انتي لسه زعلانة من كلام هدي يا جنه؟ هي بس عايزة تفرك ياهبلة.
عاد حديث "أروي" لها ما حدث وحاولت تناسيه، عادت الدموع تلمع بعينيها وهي تجيبها بألم:
- أنا منسية من حياتكم كلكم يا أروي، متقلقيش عليا أنا كويسة. هتمشي شوية وراجعة.
تعثلمت أروي في حديثها متمتمة، قبل أن تنهي المكالمة وقد شعرت بحزنها.
- جاسر قرب يوصل، فاخر هيروح يجيبه من المطار.
وعادت تكمل سيرها تحادث نفسها، فهو في رحلة لسويسرا، ولم تعرف إلا من عمتها، فلم يكلف نفسه عناء أن يخبرها بشيء.
سقطت دمعة من عينيها وهي تتذكر كلام هدي عن اتصاله الدائم بوالده وعمته وأخاه للاطمئنان عليهم. ولكن أين هي من كل هذا؟
انتبهت على صرخات أحد الأطفال الذين لا يتجاوزون عمر الثانية عشر ويفلحون في الأرض، ويد أحدهم تصفعه.
ركضت ناحيته باشفاق، تنهض الطفل من الأرض، تمسح عنه الغبار تسأله برفق إذا كان بخير. أومأ لها الطفل برأسه وهو يتحاشى النظر نحو ذلك الذي وقف يرمقه بوعيد أخافه.
- ابعدي يا حرمة انتي من هنا، بدل ما أطخك. حرمة وشها مكشوف.
لم تتحمل "جنه" كلماته المهينة، واقتربت منه وقد احتدمت عيناها، تصرخ به:
- انت بتضربه كده ليه، انت راجل معندكش رحمة.
حدقها الواقف في صمت، وسرعان ما كانت تصدح ضحكته عالياً، وقد التف بعد المزارعين حوله يستنكرون وجودها هنا ويتساءلون عن هويتها، فهتف أحدهم:
- فيها حاجة يا حاج منصور؟
جذب منصور يد الصغير يدفعها بعيدًا، حتى يتفرغ لها.
- خد حسابك وامشي، وقول لامك معندناش شغل ليك. وانتِ بقي لازم اعرف أنتِ تبع مين يا حلوة، وواقفة تبجحي قدام الرجالة.
لم تعبأ بتهديده، وصاحت بصوت مرتفع وهي تجذب الصغير لها:
- هبلغ عنك البوليس، سامع يا عديم الضمير والرحمة.
***
جلس بإسترخاء يتأمل الشخص الواقف أمامه بعينين مفترسة، فمنذ أن وضعها داخل رأسه، فأصبح تفكيره بها محصورًا حول دائرتها وحياتها وحياة شقيقها.
أسبوعًا آخر، منذ ذهب للملجأ وعلم السيدة "فاتن" أمرها، ولولا سفره ذلك اليوم لأمر عاجل لكانت زيارته لتلك العائلة قد تمت.
ويا لحظة السعيد، كل شيء يسير لصالحه، فالشقيق لم يكن إلا عاملًا بأحد مصانعه.
دلف "رجب" بخطوات متعثرة مكتبه، يخشي طرده أو شيء أكبر من هذا القبيل. داخله كانت مخاوف كثيرة. فلم يحدث أمر هكذا من قبل وتم استدعاء السيد الكبير، لأحد من عماله. حتى إن مديره قد تعجب الأمر.
طالعه "رجب" وهو يبتلع لعابه، ينتظر سماعه. لمعت عينا "عامر" بفخر وهو يرى مكانته وسلطته في أعين الناس.
- تعالا يارجب.
حدق به "رجب"، وتقدم منه بخطوات مرتجفة، وعلي وجهه تساؤلات كثيرة لسبب وجوده اليوم هنا. أشار إليه بأن يجلس، حتى يرحمه من هذا الذعر.
ارتبك "رجب" وهو ينفذ أمره، ينظر إليه بقلق.
- هو أنا عملت حاجة ياعامر باشا؟ أنا موظف أمن غلبان عندك وفي حالي والله ياباشا.
أشعل عامر سيجارته، ومد له بعلبة سجائره، حتى يلتقط منها واحدة. فاسرع "رجب" في تناول واحدة. ارتسم الذهول فوق ملامح "رجب" وهو يراه ينهض عن مقعده ويتقدم منه ليشعلها له.
- مالك يا رجب خايف كده ليه؟
- العين متعلاش على الحاجب يا بيه.
انفرجت شفتيه في ضحكة عالية، وهو يستمع لعبارته.
- اقعد يا رجب، خلينا نتكلم.
عاد "رجب" لمكانه يتساءل حتى يطمئن قلبه.
- هو أنا عملت حاجة يا بيه؟
جلس "عامر" قبالته، يتفرس ملامحه الخائفة.
- وتفتكر لو كنت عامل حاجة يا رجب؟ كنت هتبقى موجود هنا في مكتبي.
زفر "رجب" أخيرًا أنفاسه، بعدما اطمئن قليلاً وانتظر سماعه.
- اومال حضرتك ليه طلبتني ياباشا مدام معملتش حاجة؟
- أنا عايز اتجوز اختك حياة.
انتفض "رجب" عن مقعده، ينظر إليه مدهوشًا مما سمعه. لا يستوعب ما نطق به رب عمله. وبتعلثم أخذ ينطق:
- تتجوز مين يا بيه؟ أختي حياة؟
حدقه "عامر"، وهو ينفث دخان سيجارته، مشيرًا إليه بالعودة لمقعده.
- أكيد طلبي مش مرفوض يا رجب.
ابتلع "رجب" لعابه:
- بس حياة كلها يومين وتتجوز.
لمع الجمود في عينين "عامر"، ولكن سرعان ما كان يميل نحوه يسأله:
- هترفض طلبي يارجب؟
- مقدرش يا عامر بيه، لكن مسعد كاتب عليا شيك ب مائة ألف جنيه.
تعالت قهقهات عامر، وهو يسمع الثمن. نهض من أمامه وعاد لمقعده ليجلس خلف سطح مكتبه بشموخ.
- مش مهم، الفلوس هدفع لك أضعافها يارجب.
والعرض كان سخيًا بشدة، على رجل مثل رجب.
رواية سطور عانقها القلب الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سهام صادق
- أمسك الحرمة اللي متربتش ديه يا ولد يا عنتر، أنا لازم أعرف من أنهي عيلة في البلدة.
تفوه الواقف، واردف وهو يتفرس ملامحها ويستمع لهجتها، وقد ظهر فوق ملامحه الوعيد لها، نحو ما ينتظرها.
كيف لامرأة في بلدتهم أن تقف هكذا أمام الرجال؟ إنه لعَارٌ لهم.
- شكلها مش من نواحينا، بناتنا وحريمنا متربيين وعارفين أصولنا.
احتدمت ملامح "جنه" وهي تستمع لعبارته وسط رجاله بتلك الروعة. فستنتظر ليعرف هويتها بنفسه، حتى يُخرس تماماً.
- واللي يدافع عن حق عيل صغير يبقى مش متربي، قصدك جبان ميعرفش يعني إيه رحمة؟
تعالت أصوات الواقفين، لا يُصدقون أنهم تُهينهم بهذا الشكل المُهين. بل وتقف أمام ناظرهم "السيد منصور" الذي توكله عائلة المنشاوي على جزء من أملاكهم.
تجمع الرجال حول "السيد منصور"، مما جعل كل من يتحرك سيراً على الأقدام في البلدة يقف ليُطالع المشهد. فالأول مرة تقف امرأة لديهم تتبجح أمام رجل.
لمع الوعيد في عينين "منصور" بحدة، يصرخ بأحد المزارعين:
- حد يشوفلي من أي بيت الحرمة ديه؟
تجهّمت ملامح "جنه" وهي تستمع لعبارته وتراه يناديها بهذا اللقب ثانية. ضمت الصغير إليها، تهتف بلامبالاة:
فتهديده لا يفرق معها بشيء.
- أعلى ما في خيلك أركبه، وأنا مستنية تجيب لي كبيرك، عشان يعرف إزاي يشغل راجل ظالم زيك.
احتقنت ملامح "منصور"، وازدادت عيناه قتامة، وقد انتهى وقت صبره. ترقب الجميع ما ينتظرونه، ولم يُخيب منصور ترقبهم. فرفع كفه لأعلى بعدما اندفع صوبها:
- يبقى لازم تتربي، الحرمة اللي زيك ناقصها راجل يشكمها.
***
- أخبار سفرتك إيه يا جاسر؟
تسأل "فاخر" ينظر نحو شقيقه بنظرة خاطفة، يقود به عائداً لبلدتهم.
اغمض "جاسر" عيناه متنهداً بإرهاق:
- هحكيلك كل حاجة، لما أفوق.
تَنَحْنَحَ "فاخر" حرجاً، فلم يعد يرى الوقت مناسباً لأخباره برغبته في الابتعاد عن هنا، والذهاب لفرعهم بمدينة الإسكندرية. رمقه "جاسر" بعدما شعر بأن شقيقه يريد إخباره بشيء، فخشي أن يكون شيئاً يخص أمور العائلة.
- قول اللي عايز تقوله لي يا فاخر.
تركزت عينين "فاخر" نحو الطريق، فتمتم مؤجلاً حديثه:
- لما ترتاح يا جاسر من سفرتك الأول نبقى نتكلم.
بنظرة كان يعلمها "فاخر"، بعدما رمقه "جاسر" منتظراً سماعه دون مماطلة:
- أنا عايز أمسك فرع شركتنا الجديدة في إسكندرية يا ابن أبوي.
***
الجميع كان يترقب، هبوط الصفعة فوق خدها. تراجعت للخلف وقد دب الرعب في عينيها. ولكنها قاومت ارتعاش جسدها ووقفت بصلابة تنظر إليه بتحدي. ولو كان "منصور" في البداية يُهددها وينتظر تراجعها وسماع أسفها، فبعدما وقفت أمامه هكذا وعماله ينتظرون رؤية ما تستحقه هذه المرأة حتى لو كان معها الحق في البداية.
- منصور!
صرخ بها "جاسر" الذي هبط من سيارة شقيقه، بعدما استوقفه المشهد وتجمع الناس وقد شعر بالقلق هو وشقيقه.
انتفض "منصور" فزعاً، يهتف بخوف وهو يراه يتقدم منه، وخلفه السيد "فاخر" شقيقه:
- جاسر بيه، فاخر بيه نورتوا الأرض.
تجاهله "جاسر" واتجه نحو الواقفة وسط الرجال، والتقط ذراعها بقوة وقد اشتعلت عيناه بوعيد لها. ولكن الغضب الأكبر كان لذلك الذي كان للتو سيصفعها، سيصفع زوجته. زوجة "جاسر المنشاوي" وابنة عمه.
- من امتى بنرفع إيدينا على ست يا منصور، ولا ظاهر نسينا النخوة والرجولة؟
امتقع وجهه منصور، فعن أي سيدة يتحدث رب عمله؟ إنها لا تمت بالنساء لشيء، إنها واقف تُناطحه أمام رجاله.
- دي حرمة قليلة الأدب يا جاسر بيه، ومعدومة التربية.
أومأ الرجال برؤوسهم. فالتف إليها يرمقها بملامح جامدة، وقد ازدادت عيناه قتامة ووعيد. ارتجف جسدها من نظرته، وخشيت مما ينتظرها. فلو ظنت أن "جاسر" سيأخذ حقها، ستكون أكبر مغفلة. فجاسر لا يراها إلا زوجة قد فُرضت عليه، ومن أجل الحفاظ على مال العائلة واقف على هذه الزيجة.
تشبثت قدماها أرضاً، وضمت الطفل أكثر إليها وكأنها تستمد منه قوتها، مما جعل عيناه تتوقف على ذراعيها وهي تحتضن الطفل. وبثبات كانت تهتف أمام الرجال، وقد استعادت قوتها:
- مش همشي من هنا، غير لما الراجل ده يسيب الولد في حاله، ده ممكن يضربه يا جاسر.
وما كان منه سوى أن جذبها بعنف أكبر دون أن يمهلها أن تكمل حديثها. التفت نحو الصغير وقد دفعها هو أمامه نحو السيارة، متجاهلاً نظرات الواقفين يُطالعون الأمر في صدمة:
- هجيلك تاني، ومحدش هيقدر يعمل لك حاجة.
دفعها جاسر داخل السيارة بعدما أشبع أذنيها بالسب، واتجه نحو منصور مجدداً. ابتلع "منصور" لعابه، بعدما علم بهويتها، هو والجميع. من فاخر الذي طالع خطوات شقيقه الغاضبة، يخبر منصور بعينيه، أن ينتظر تلقي ما يستحقه على فعلته.
ركض "منصور" إليه حتى يستسمحه في فعلته، فلم يكن يعرف إنها زوجته:
- والله ما كنت أعرف إنها مراتك يا جاسر بيه.
وانحنى، يُحاول التقاط كفه حتى يقبله، ولكن "جاسر" انتشل يده منه. فجعل منصور يترقب طرده أمام الجميع.
- أنا كنت ممكن أقطع رزقك يا منصور، بس مش هقطع رزق واحد غريب جه بلدنا يطلب العون.
ونظر نحو الصغير الواقف خوفاً، وعلامات الضرب ظاهرة على وجهه، فاردف بجمود:
- بوس راسه دلوقتي وقدامي يا منصور، مش كفاية بتشغل أطفال في الأرض.
هرول منصور يُنفذ أمره، وانحنى يُقبل رأس الصغير أمام الجمع الواقف، وقد فتح الجميع أفواههم مصدومين مما يحدث أمامهم.
وبلطف أشار "جاسر" نحو الصغير، فاسرع الصغير إليه وقد أطرق عيناه أرضاً:
- من هنا ورايح متشتغلش، وأنا هتكفل بمصاريفك.
هللّ الجميع بكرمه، يرفعون أيديهم داعين لهم. أما منصور وقف يعض فوق شفتيه.
اتجه نحو سيارته، وسار فاخر معه يخاف أن تخرج عاصفة جنونه بتلك التي جلست منكمشة على حالها بالسيارة.
***
صار مللها يزداد كل يوم. أصبحت لا تطيق غربتها التي وضعت نفسها فيها بجانب حلماً ظنته سيتحقق، ولكنها وجدت نفسها مجرد زوجة بعقد، ورفيقة ليس إلا حتى يُهون عليه وعليه. أيام مكوثهم معاً.
تنهدت بضجر، وأخذت تطالع جدران المنزل. وسرعان ما كانت تلمع فكرة داخل عقلها، فانتفضت من مكانها تنوي تنفيذها لعلها تُخلصها من ضجرها.
فالبيت رغم نظافته من اهتمام تلك الخادمة الأجنبية إلا أنها لا بد أن تضع لمساتها كأنثى عربية.
أخذت تدور في كل ركن من أركان المنزل. وبعدما أعدت أدوات تنظيفها تحت نظرات خادمتها المذهولة.
بدأت تتأمل هيئتها برضى وهي تقف بأحد الثياب الخفيفة المؤهلة للمسح والتنضيف. لملمت خصلات شعرها في كومة واحدة بمشبك مثبت. وبدأت مهمتها المهلكة وهي مطمئنة بأن وقت قدومه ما زال طويلاً، وستُسلي نفسه.
مر الوقت دون أن تشعر به، وقد أهلكتها فكرتها الحمقاء، وبدأ جسدها يؤلمها، فالبيت واسع ومكون من طابقين.
حملت أدوات التنظيف ثانية وهبطت نحو الأسفل، مقررة إكمال مهمتها في الطابق الأرضي. وأول حجرة فكرت بها في هذا الطابق، كانت حجرة مكتبه. وليتها لم تفكر، وليتها سمحت لخادمتها بتلك المهمة بعدما طلبت منها أن تساعدها.
كانت قد انتهت من تنظيف الغرفة ومسحها ولم يتبق لها سوى مرحلة تلميع الزجاج والأسطح.
تأملت تلك اللوحة الهندسية المرسومة بدقة وملونة أيضاً حسب مساحات الخُضرة، ومساحات المياه التي ستحيطها. مالت فوق الرسمة بفضول وأعين منبهرة، تُحدق بها بالطبق الذي وضعت داخله الماء والصابون ومنشفتها الموضوعة على أحد كتفيها.
وقد أخذ الطبق المملوء بالمسحوق يتمايل بخفة بين يديها، وهي ما زالت تُطالع اللوحة.
اللوحة الهندسية بفضول، وكيف سيتم تنفيذها على أرض الواقع. لم تكذب يوماً والدتها عندما كانت تخبرها بلقب المساطيل الحمقاء. وهي ترى اللقب يتجسد أمام عينيها. وقد اتسعت حدقتاها ذعراً، وهي ترى الطبق ينسكب محتواه فوق اللوحة. فاللوحة الجميلة قد تشوهت معالمها وأصبحت الخطوط جميعها داخل اللوحة متداخلة.
فشهقت بفزع وهي ترى تشوه اللوحة الجميلة:
- ماهو السبب في حد يحط شغله كده، هو اللي مهمله.
أسرعت في وضع يدها فوق شفتيها تهتف ببؤس على حالها:
- هعمل إيه أنا دلوقتي، أنا مهندسة كمبيوتر، وصحيح شاطرة في تقليد الرسومات، لكن مش بارعة والموضوع هواية.
احتل التفكير ملامحها، لعلها تجد حلاً يُخلصها من الأمر.
- هحاول أقلدها براحة.
وسرعان ما كانت عيناها تلتقط إحدى اللوحات الفارغة الملقى جانباً وبدأت تنفذ فكرتها الحمقاء، تدعو الله أن توفق في موهبتها.
مرت ساعة واثنان وثلاث، وما زالت المحاولة مستمرة حتى غفت على اللوحة بعدما أنهكها جسدها.
وكعادته كل يوم يأتي من عمله بالشركة، يدلف حجرة مكتبه أولاً. تجمدت عيناه نحوها، وهو يراها غافية على سطح الطاولة التي يضع عليها رسوماته وتجلس على المقعد خاصتها.
التقطت عيناه القلم القابع في يدها، واللوحة القديمة التي تشوهت، وتلك اللوحة التي تضع رأسها فوقها.
ورغماً عنه كان يبتسم، وهو يرمقها متفحصاً على شيء بها. انحنى برفق نحوها يتحسس وجهها وبصوت هامس أخذ يتمتم وعيناه غارقة في تفاصيلها الناعمة:
- صفا، اصحي نامي في أوضتك.
كرر هتافه بها ولكن كان النعاس يثقل جفنيها. ضحك وهو يحملها فوق ذراعيه. لتستقبله الخادمة راكضة نحوه، تشرح له كل ما فعلته سيدتها اليوم.
صعد الدرج وقد تجاهل حديث الخادمة، وبدأ يشعر برأسها تُدفن أكثر في تجويف عنقه. وقد تعالت وتيرة أنفاسها وأنفاسه أيضاً.
وضعها برفق فوق فراشها بعدما دلف غرفتها، وشيئاً فشئ كانت ابتسامته تتسع وهو يراها تتماطى فوق الفراش. تبحث عن وسادتها دون أن تفتح عيناها وتضمها لأحضانها.
بدأت الرؤية تتضح إليه، وقد علقت عيناه بردائها القصير الملتصق بجسدها إلى حد ما، وشعرها الذي تساقطت منه عدة خصلات متمرده.
عادت وتيرة أنفاسه ترتفع، يصحبها حرارة جسده، فجلس جانبها يتحسس ذراعيها العاريين بدافع بهمس بأنفاس راغبة لا يعرف كيف ومتى أصبحت تُشعلها داخله:
- صفا اصحي طيب غيري هدومك بدل ما تتعبي.
تلملمت في الفراش بنعاس، تُحاول فتح عينيها بصعوبة، تهتف بتذمر كالأطفال، بعدم رغبتها في الاستيقاظ. ولكن سرعان ما كانت تنتفض من غفوتها، بعدما تداركت أين هي:
- اللوحة راحت فين، أنا كنت قربت أخلصها.
ونهضت من فوق الفراش وما زالت غافية على روحها، تقص عليه أحداث اليوم بأكمله إلى أن زفرت أنفاسها تسأله:
- انت مش هتزعق لي صح، ولا هتضربني ولا هتطردني؟
تعالت ضحكاته، وهو يرى تسارع أنفاسها بعد الحديث الكثير الذي أخبرته به. اقترب يقبض فوق كتفيها برفق، يتأملها بأنفاس مسلوبة، وأعين تشتعل بهم الرغبة. ولكن تمالك نفسه وهو ينظر في عينيها الناعستين، ويربت على إحدى وجنتيها بخفة ورفق:
- في نسخة تانية من الرسمة في الشركة يا صفا، ديه النسخة اللي بعدل فيها مش أكتر.
ارتسم الارتياح فوق شفتيها، وزفرت أنفاسها براحة. ابتسم وهو يراها كيف لمعت عيناها:
- ومش هزعق، ولا أطرد ولا أشتم.
اتسعت ابتسامتها، رغم نعاسها وهي تستمع لعبارته، وبرغبة أصبحت تحرقه وهو لا يرى فيها إلا صورة تلك التي رحلت عن عالمه. كانت يقترب.
ارتجف جسدها وهي ترى انعدام المسافة بينهم. وقد أخذت أنفاسه تُداعب عنقها. تراجعت للخلف وهي تُشيح عيناها عنه، فعاد يتقدم منها ولكن تلك المرة كان يفيق من سحرها أخيراً. ومال نحو أحد خديها يُلثمه، رغم توقه لتذوق شفتيها. انتفض جسدها من فعلته، فاسرع في الابتعاد عنها يتمتم قبل أن يُغادر غرفتها هارباً:
- غيري هدومك عشان متبرديش.
أغلق باب الغرفة خلفه، لتهوي بجسدها فوق الفراش تضع بيدها فوق قلبها، تلهث أنفاسها غير مصدقة قربه منها وقبلته التي حطت فوق خدها.
***
نظرات قاتلة منه كان يرمقها بها، فقد ضجر وتعب منها ولم يعد يستطيع تحملها طيشها، ولم يعد راغباً بإذاقها المزيد من عنفوانه. جلس أخيراً فوق فراشه بإرهاق، يضع رأسه بين راحتي كفيه:
- واقفه قدام الرجالة، وكأنك راجل قدامهم.
وببطء كان يعود ويرفع عيناه بها، بعدما زفر أنفاسه متنهداً. ارتجف جسدها في خوف، تنتظر سماع المزيد منه.
- البلد كلها زمانها دلوقتي بتتكلم عن شجاعتك العظيمة.
أرادت الحديث، ولكنه نهض من فوق الفراش واقترب منها، بعدما فارت دماؤه، وهو يتذكر المشهد وكيف رفع أحد رجاله يده كي يصفعها أمام الجميع بعد تبجحها فيه كما وصله من الواقفين.
- ولا كلمة، مش عايز أسمع صوتك.
وتبعها كانت تهتف:
- أنا عملت كده، لما شفته بيضرب الولد الصغير.
- وأنتِ مالك؟
وببساطة كان يُعطيها جوابه مستطرداً:
- شايفة حاجة مش عاجباكي، احكي لفاخر أخويا أو احكي لي أنا.
- أحكيلك أنتَ.
انتهت عبارتها بمرارة، فعن أي شخص يُخبرها أن تتحدث معه؟ عن شخص يتجاهلها وكأن لا وجود لها.
حدق بها وهو يرى الدموع تتعلق بأهدابها، وتتمالك دموعها أمامه. فزفر أنفاسه بحنق فلم يعد يريد صداع الرأس الذي بدأ يشعر إنه سيناله من وراء أفعالها. وبهدوء كان غريباً عليه، كان يجعلها تقف مدهوشة الملامح تستمع لعباراته المُهينة:
- لولا إنك بنت عمي في الأول والآخر، كنت رميتك في الشارع من أول يوم اتجوزتك فيه. بس للأسف بنت عمي حتى لو متجوزك غصب.
فتتجمد عيناها من كلماته الجارحة، واحتقنت ملامحها هاتفه بقوة، دون أن تخشى غضبه:
- وأنا كمان مغصوبة عليك، هو أنت حد يقدر يستحمل يعيش معاك يوم؟
تصلبت ملامحه، وغلت الدماء بعروقه، يرمقها بمقت واقترب منها يقبض فوق ذراعيها بقوة:
- شكل عمي معرفش يربيكِ.
شعرت بقبضته تتحجر فوق ذراعيها، فاغمضت عينيها بألم تسمع سبابه ولعناته.
جنه: وأنتَ بقى اللي هتربيني؟
وسرعان ما كانت تنفض ذراعيها عنه وقد استعادت قوتها:
- اخلص مني وطلقني، آه أريحك مني خالص.
لم يرحمها منه سوى رنين هاتفه الذي أهدأ من غضبه قليلاً بل أكثر.
ليلتف إليها بعدما أنهى مكالمته، وعاد يحملق بها بضيق:
- طلاق ومش هطلق غير بمزاجي، واللي حصل النهارده عارفه لو اتكرر تاني، متلوميش غير نفسك يا جنه.
التفت بجسدها مبتعدة عنه غير عابئة بالشر الذي يتطاير من عينيه. وقفت مكانها وعادت تطالعه مرة أخرى ولكن بابتسامة هادئة.
جنه: كان شكلك حلو أوي وانت بتساعد الطفل، طلع في قلبك رحمة يا ابن المنشاوي.
وبتهكم كانت تردف قبل أن تفر هاربة من أمامه، وعلى وجهها ابتسامة واسعة:
- رغم الرحمة بتيجي عندي أنا، وتتحول لقسوة.
وبملامح محتقنة، كان يتحرك داخل غرفته، يزفر أنفاسه حانقاً منها ومن ردودها، بل ومن مشاعره التي بدأت تتغير نحوها.
***
ارتجفت قدماها وهي تخطو بأول خطوة داخل مكتبه بعدما سمحت لها سكرتيرته أخيراً بالدخول.
استجمعت شجاعتها وهي تعيد كل ما ستقوله له من رجاء بأن يتركها بحالها، فهي يكفيها ما عاشته وتعيشه. فرجل مثله لن يتزوجها إلا من أجل غرض في نفسه.
طالعت كل جزء من أركان مكتبه الفخم، تبحث عنه ولكن الحجرة كانت فارغة.
- أتأخرت عليكِ.
يهتف عبارته وهو يقف يُحدقها بنظراته، بعدما خرج من المرحاض القابع بابه في ركن من أركان غرفة مكتبه الواسعة.
انتفض جسدها على أثر صوته، والتفت إليه ببطء، تُحاول التقاط أنفاسها.
فاتسعت عيناها من هيئته، فاخذ يُجفف شعره ووجهه من الماء، واكمام قميصه مطوية لأعلى، وأزرار قميصه العلوية مفتوحة للمنتصف. هيئته كانت عابثة بجدارة مما جعلها تخفض عينيها تهتف بتعلثم:
- مش هينفع نتكلم وأنت كده.
وهنا كان تنفرج شفتي "عامر" بضحكة مستمتعة، فكل يوم يتأكد هي العروس المناسبة له ولمخططه.
تخلى عن منشفته الصغيرة، وأعاد فرد أكمام قميصه وغلق أزراره ببطء وتمهل وهو يرمقها بتقييم. ينظر نحو هيئتها المرتبكة، وعيناها تُسلطهما بعيداً عنه، حتى يفرغ من هندمة هيئته، وبجمود كان يتحرك نحو مكتبه يجلس عليه متمتماً بعدما عاد لعامر السيوفي:
- اتفضلي أقعدي، أنا سامعك.
استغربت من سرعة تحولها، فازدردت لعابها وهي تطالع نفس الرجل الذي التقط به من قبل، وقد شعرت بسطوته وهيمنته.
ودون أن تقبل دعوته، هتفت وهي تطالعه بقوة واهية:
- رجب أخويا قالي إن أنت اللي دفعت فلوس الشيكات لمسعد، أنا جيت أشكرك على اللي عملته معانا، واطلب منك إنك تكمل كرمك وتسبنا في حالنا.
تعالت قهقهته التي صدمتها، وقد عاد ينهض من مكان جلوسه مقترباً منها، يمنحها الجواب دون مراوغة:
- عامر السيوفي مبيسيبش حاجة عايزها يا حياة.
ألجمتها عبارته، فتجهمت ملامحها وقد أعجبه الأمر وشعر برغبة قوية في أن يجعلها زوجته اليوم. فهي المزيج الذي يريده بحياته. وسرعان ما كان يمدّ كفه نحوها بجراءة وكاد أن يلمس وجهها ولكنها انتفضت مبتعدة وفاقت من صدمتها:
- أنا مش أنتيقة تقدر تشتريها يا عامر بيه، واحب أبلغك إني مش موافقة.
أعاد ذراعه جواره، ينظر إليها وقد زاده الأمر لوعة ورغبة. فنوع حياة جديداً عليه وهناك شيء يُحركه نحوها أعمق من انتقامه من الأخرى ومن والدها، أو حتى إنجاب الوريث.
- ومين قال إني شايفة أنتيقة يا حياة، أنا عايزك زوجة فعلية، وزي ما قولتلك مش هتنازل عنك.
بهتت ملامحها، وقد علقت عيناها تهز رأسها برفض.
وبتملك وتجبر كان يردف وهو يُعطيها ظهره، وكأنه ينهي هذا الحديث:
- أنا اتفقت على كل حاجة مع رجب أخوكي، واختاري أنتِ بين سجن أخوكي وتشرد ولاده وبين جوازة هتكوني أنتِ فيها الكسبانة.
وبعينين جامدتين، عاد يُحدق بها يرى صدمتها وحيرتها، ورغبتها في الحديث. ولكن كل شيء أرادت الصراخ به كان يقف على طرفي شفتيها وهي تتذكر توسل شقيقها إليها، وقد ظنت أن هذا الرجل سيصرف أمر الزيجة بمجرد أن يعلم برفضها له.
التقط سماعة الهاتف من فوق سطح مكتبه، يُلقي بأمر لسكرتيرة مكتبه:
- خلي السواق يجهز العربية، عشان يوصل أنسة حياة. يا هالة.
***
أزداد جنونه وهو يتأملها وصوت ضحكاتها تتعالى هي وشقيقته. فحدق بهما بقوة قبل أن تقذف هي بإحدى الزجاجات على غريمتها أروى. ليتلقاها صدره فيرمقها بجمود، فشهقت بفزع وخلفها أروى ضاحكة وهي تتأمله واقف أمام غرفة مكتبه يستشيط غضباً.
تَنَحْنَحَتْ "أروى" حرجاً وهي تتمتم:
- أنا بقول الوقت اتأخر، ولازم أروح.
وما كان من "جنه" سوى أن جذبتها من معصمها:
- هتبعيني يا أروى؟
تأملت الأخرى عينين أخيها الجامدتين فتهتف ضاحكة:
- راجل ومراته أنا مالي بيهم، سلام بقى وهبقى أطمن عليكي.
وركضت تلك الجبانة كعادتها، وللمرة الثانية تفر هاربة وتتركها لبطش أخيها بمفردها.
اقترب منها جاسر، بعدما شيع شقيقته بنظرات قاتمة. ولكنه لن يُلقي بغضبه إلا على تلك الواقفة.
- هو أنا متجوز طفلة في البيت، ولا إيه يا هانم؟
فارتجفت هي من سماع صوته، ولكن سرعان ما رفعت عيناها بكبرياء قد استشاط هو منها بالفعل.
جنه: ألعب في الشارع يعني؟
ألقت عبارتها، وقد اشتعل الغضب داخلها. ضاقت عيناه وهو يرمقها متجاهلاً عبارتها الطفولية التي تمت للنساء بصلة:
- لأ وعلي إيه ألعب هنا، بدل ما تفضحيني.
واقترب منها، حتى انعدمت المسافة بينهم، يمدّ كفه نحوها، يربت على أحد وجنتيها ساخراً وهو يرى نظرات القلق في عينيها:
- أجلي اللعب يا شاطرة، لحد ما تبقي في البيت لوحدك، لاني مبحبش جو الهبل والعيال الصغيرة.
***
ليلة طويلة قد قضاها بجوارها يتحسس سخونة جبهتها، ليتنهد بارتياح بعدما وجد حرارتها بدأت تنخفض. ولكن نبضات قلبه وهو يعيد بذهنه شريط اعترافها بحبه ما زال يعصف داخله. فتنهد بألم لما فعله بها فقد أحبته حتى أصبح اسمه محفوراً بداخلها.
فتمتمت بتعب وما زالت آثار الحمى عليها:
- صفا، أنا بحبك، مش بحب مراد زين.
فتجمدت ملامحه وهو يستمع لبقية اعترافاتها. فهي تعلم بحقيقة مراد زين، فلا بد بأن عامر قد أخبرها بذلك.
وتابعت بحديثها الذي تطويه داخل قلبها قائلة بأنفاس تحمل معها السخونة:
- متسبنيش يا أحمد، بابا وماما سابوني، أوعى أنت كمان تسبني.
ويلها من كلمات قد جعلته ينتفض من جوارها، ينظر إليها وقد أصابت كلماتها الراجية. فهي تطلب منه أن يظل جوارها وألا يتركها كما تركها والديها.
عاد ينحني بجسده نحوها ثانية، بعدما تمالك مشاعره وتحكم في صراعه بين قلبه وعقله. أخذ يتحسس وجنتيها وجبتها مجدداً، وقد ارتسمت الراحة فوق ملامحه، يهمس لها بنبرة حانية لم يشعر بها سوى قلبه:
- صفا، صفا فوقي.
استمعت لصوته وكأنه يأتي من أميال عنها، وبصعوبة فتحت عينيها، تُقاوم ثقل جفنيها تتأمل ملامحه القريبة منها بابتسامة ظلت مرتسمة فوق ملامحها المنهكة. رغم عودتها لأغلاق عيناها مجدداً، تطلب منه بهمس خافت ما جعل ملامحه تتصلب وتتسارع دقات خافقة:
- صفا: احضنيني.
أسرع في ضمها إليه بعدما نفض أي شعور داخله، شعر باحتياجها القوي إليه، فمنحها ما أرادت مرحباً. برفق أخذ يمسد فوق ظهرها، لا يُصدق ما عاد يفعله معها. فهو يغمرها بذراعيه وقد كان يوماً واحداً فقط من تحتلهما. تنهد بوجع مشفقاً عليها، فقد أحبته "صفا". لقد وقعت في الشرك الذي حذرها منه. أحبت شخصاً أسير الذكريات. لا يرغب بمنح امرأة قلبه ثانية. سيكون أكبر كاذب إذا استمر في تعليقها به. سيمنحها جرعات من الحب ثم سيتخلى عنها. وعندما راودته تلك المشاعر، كان ينتفض عنها كالملسوع. ينظر إليها بعدما غفت ولم تعد تشعر به. متأملاً تعرقها وشحوب وجهها. فهو أكثر من يعرف مرارة الحب، فكيف يذيقها حبه ثم يتخلى عنها؟
- أنا قفلت على قلبي خلاص يا صفا، قلبي ملكته ست زمان، ومش مستعد أتجرع مرارته من تاني.
وبهمس كان يعود لوعده لتلك الحبيبة، التي سيظل يراها بصورة نقية مهما حدث:
- منستش وعدي ليكي يا مها، هدّفن نفسي في الذكريات، زي ما دفنتك في قبرك يا حبيبتي.
ولم تكن هي إلا غافية في أحلامها الجميلة، تظن نفسها بأنها ما زالت بين ذراعيه وتتوسد صدره.
رواية سطور عانقها القلب الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سهام صادق
أصبحت شغلتها كل يوم أن تراقب ذلك اللص الصغير، الذي يتسلل برشاقة وجسمه الضئيل ويعبر داخل حديقة منزلهم، ليسرق من شجرة المانجه ما يحب.
ضحكت وهي تراه قادمًا بعباءته الصغيرة وقفطانه المتسخ من الطين.
اقترب من شجرته المفضلة ووقف يطالع ثمارها الناضجة قبل أن يحسم قراره ويتسلقها بخفة، ثم يبدأ بالتهام الثمار حتى يشبع أولًا، وبعدها يأخذ ما يكفيه ويغادر قبل أن يلتقطه حارس هذا المنزل.
هبطت "جنه" الدرج راكضة، تلمع في عينيها الشقاوة كأنها طفلة صغيرة.
تعلقّت عيناها به وهو يصعد الشجر بسرعة قصوى بعد أن ألقى بنظرة خاطفة حوله.
تقدمت من الشجرة المقصودة بخفة، تتحرك بخطوات لعوبة نحو هدفه، وهي تنوي أن اليوم سيصبح الأرنب الذي ستصطاده.
ضحكت على أفكارها الطفولية وقد أصبحت أخيرًا أسفل الشجرة.
شهقت بفزع، تكتم صوت شهقتها بعدما سلطت عيناها للأمام.
"عش دبابير!"
وصلت شهقتها للصغير، وعندما التقطت أذنه ما هتفت به، لم يتحكم في توتره وسقط على الفور من فوق جذع الشجرة، وثمرة المانجه بين أسنانه يقضمها، وقد وضعها للتو داخل فمه.
تعالت ضحكتها رغماً عنها من المشهد، ولم تكن تقصد سقوطه.
فزحف الصغير بجسده المنبطح أرضًا وهو يشعر بالألم، يُحدق بها بفزع:
"مش هعمل كده تاني والله، بس ما تقوليش للراجل أبو شنب كبير يضربني."
ضحكت جنه أكثر وهي تعلم بمن يقصد، فلا يقصد سوى بغفير بيتها.
قطبت ما بين جبينها، تحك أنفها تفكر في طلبه، وقد انتظر سماع جوابها وهو يحاول الوقوف حتى يهرب من أمامها.
"مش أنت سرقت لازم تتعاقب."
صدم الصغير من عبارتها، وهتف برجاء:
"آخر مرة والله.. مش هعمل كده تاني ومش هسرق حاجة بعد كده."
نظرت إليها جنه بدعابة أكثر:
"أنت لص ولازم تتعاقب."
احتدمت ملامح الصغير وهو يسمع عبارتها:
"أنا مش لص، وانتوا عندكم شجر كتير ومانجه كتيرة، حرام تاكلوها لوحدكم."
ارتفع حاجبا "جنه" ذهولًا، فقد جعل لحاله الحق في السرقة.
"وكمان لمض الله الله."
كشر الصغير، وقد اعتدل من سقوطه وأخذ ينفض ثيابه، ثم قذف إليها ما التقطه متمتمًا:
"خدي مانجتكم أهي، مالكيش حاجة عندي خلاص."
سار بخطوات عرجاء من أمامها، وبشجاعة أدهشتها.
فهو لم يخف منها بل جعلها هي المخطئة.
ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة واسعة تسأله وهي تسير خلفه:
"طب والمانجه اللي سرقتها قبل كده فين؟"
التفت الصغير نحوها، قبل أن يسرع في خطواته حتى يتخلص من ثرثرتها التي تعطلّه عن هربه، فيكفيها إنها أضاعت ثمارها وجعلته يسقط أرضًا:
"أكلتها، افتحلك بطني يعني عشان تاخديها."
استمعت لعبارته قبل ركضه، فاتسعت حدقتاها ذهولًا.
وسرعان ما كانت تفيق من دهشتها تهتف بصوت عالٍ وقد صدحت ضحكاتها:
"تعالى خد اللي انت عايزه، بس متسرقش تاني لأن دي سرقة والسرقة حرام."
توقف الصغير مكتنًا، والتف نحوها ببطء، ينظر في عينيها لعله يجد الصدق بهما.
عاد الصغير إليها مهرولًا، حتى ينال كل ما يريده من حديقة هذا المنزل بعدما سمحت له.
وبأنفاس لاهثة أخذ الصغير يخبرها عن سبب سرقته:
"محمود صاحبي قالي إن دي مش سرقة، عشان إنتوا ناس أغنيا ومش هتفرق معاكم المانجه اللي هاخدها."
أشفقت على حاله، وقد علقت عيناها للتو برثة ثيابه.
جثّت فوق ركبتيها أمامه، تمسك يديه بحنو وعطف:
"طب هو اللي مش بيسرق، بيدخل من على السور خايف ولا بيدخل لأصحاب البيت من الباب؟"
حرك الصغير رأسه بتفهم، يتمتم بنبرة جعلتها تحتضنه بقوة:
"ما أنا لو مسرقتش المانجه مش هاكلها خالص، وأنا بحب المانجه."
اتلمعت عينا "جنه" بالدموع، وقد ذكرها بطفولته.
فرغم ثراء أهل والدها إلا أنها لم تكن تحيا إلا حياة البسطاء كحال الكثير من الناس، يجلبون الضروريات وينسون شيئًا يُسمى الرفاهيات.
نهضت من أمامه بعدما مسحت فوق خديه برفق:
"تعالى كل يوم هديك المانجه اللي أنت عايزها، فرحان بقي يا سيدي."
لتُهلل أسارير الطفل، متسائلًا بعدما انحنى نحو ثمار المانجة التي سقطت منه أثناء سقوطه يلتقطها ويمسحها بثوبه:
"ينفع أجيب محمود صاحبي معايا؟"
أومأت له برأسها، لتتسع عينا الصغير بسعادة، وركض من أمامها بعدما حصل على ما أراده.
***
أخذ لقاءها به يقتحم عقلها دون هوادة، تتذكر حديثه ونظراته.
ولم تكن غبية في أن تظن أن هذا الرجل.. أرادها زوجة دون أي نوايا أخرى.
دفعه لشقيقها المال ووضع المساومة، فإما تركه ليتم سجنه أو مساعدته من أجل خلاصه.
زفرت أنفاسها بثقل، تُغمض عينيها بإرهاق.
فلو كانت تعلم أنه حينما سجدت داعية الله أن يخلصها من حياتها التي أنهكتها، كان دعاؤها مسموعًا وسيستجيب الله دعاءها.
خرجت من زيجة لتدخل مرغمة زيجة أخرى.
وليست زيجتها بالرجل آخر كحال زيجتها من مسعد.
إنه "عامر السيوفي" ذلك الرجل الذي لا تُناسبه بتاتًا لا هي ولا عائلتها.
اقتحمت المخاوف عقلها، بالتأكيد هي نزوة ليست إلا، وسينالها ثم يُطلقها وتحمل لقب مطلقة.
اشتد الألم داخل رأسها، تستمع لصوت زوجة أخيها السعيد بتلك الزيجة التي بالتأكيد ستعود عليها وعلى أولادها بالنفع.
تعالت زغروطتها وقد تم كل شيء وأصبحت زوجة لهذا الرجل في ظرف يومين.
وكما أخبرتها إنه لا يترك شيئًا يريد.
"مبروك يا حياة، ولا وبضتلك في القفص واتجوزتي واحد مالي مركزه ومعاه فلوس متتعدش."
ألقت "سناء" عبارتها ببعض الحقد.
سقطت دموع "حياة" وهي تقبض فوق فستانها الأبيض واقتربت من الشرفة، تنظر نحو مدخل حارتها.
فقد زين لها شقيقها الشارع بالأنوار حتى يشعرها بكونها عروسًا.
"جوزك مستنيكي يا حياة."
تمتم بها "رجب" الذي دخل للتو، يطرق عيناه أرضًا، يقتحمه شعور الذنب لأنه أجبرها على هذا الزواج حتى تخلصه من السجن.
التفتت نحوهم ببطء، بعدما جففت دموعها.
فلم يعد لبكائها داعٍ، فقد أصبحت زوجته وانتهى الأمر.
تحركت نحو باب الغرفة ترفع فستانها بيديها، تسير بملامح باهتة وأعين يحتلها الخواء.
تلاقت عيناها بعيني شقيقها، فعاد يطرق "رجب" رأسه يهتف بأسف وندم.
مما جعل "سناء" ترمقهم بنظرات ممتعضة على تلك الدراما التي تراها.
فلو كانت مكانها لطارت من السعادة لزواجها من رجل كهذا.
"سامحيني يا حياة."
***
دَلفت من باب المنزل بتوتر، وهي تطالع نظرات الخدم الذين وقفوا مترقبين رؤية العروس الجديدة الثانية لسيدهم.
الكل كان متعجبًا من زيجته الأخرى السريعة.
ولكن لا أحد يستطيع التحدث بشيء.
بل الجميع ابتلع تساؤلاته وانتظروا العروس الجديدة.
ارتجف جسدها تنظر نحو كفه بعدما قبض فوق ذراعها يحركها برفق جواره.
طالع ارتجافها يرمقها بحدة.
فابتلعت لعابها وأخذت أنفاسها تعلو وهي تشعر بالخوف مما هو قادم.
اتجه بها نحو سيدة تجلس باستقراطية فوق مقعدها، ومن هيئتها علمت إنها والدته.
"ناهد هانم، والدتي يا حياة."
نهضت "ناهد" عن مقعدها، بعدما ساعدتها مرافقتها، فمدت كفيها تتحسس وجهها بيديها.
ورغم صعوبة ما يحدث لها إلا أنها تقبلت فعلتها برحابة صدر، تنتظر تقييم السيدة الكبيرة لها.
"مبروك!"
هتفت بها "ناهد" بجفاء بعدما فرغت من ملامسة كل أنحائها بيديها، ثم أشاحت عيناها عنها.
كأنها تخبرها أن وجودها لا تُحبذه في بيتها ولم تنل استحسانها.
ابتلعت غصتها بألم.
والدته لا تطيقها.
بالتأكيد لأنها ليست من مستواهم ولا تليق بهم.
هذه كانت الأفكار التي عادت تقتحم عقلها.
التفتت نحو الواقف خلفها بهيئته الجامدة يطالعهما حتى قال هو أخيرًا، بنبرة جامدة بعدما رأى عدم ترحيب والدته بها:
"حليمة، خدي ناهد هانم على أوضتها عشان ترتاح."
أسرعت المرافقة، في تلبية أمره.
فاتجهت "ناهد" بعينيها صوبه.
ليرى في والدته نظرة كان يعلمها.
شيعها بعينيها وهي تسير جوار مرافقته يقسم داخله إنه سيروض الزوجة الجديدة على طباعها.
سيجعل من حاله قصة جديدة.
"للسيد والزوجة التي لا تهتف إلا بكلمة نعم."
أخفضت "حياة" تلك المسكينة عيناها، بعدما عد ذلك الثقل يجثم فوق روحها المنهكة.
اقترب منها الواقف أخيرًا، بعدما أسرع الخدم أيضًا بالانصراف والعودة إلى أعمالهم:
"الهانم كبيرة طباعها صعبة شوية، ومش بتتقبل الناس بسهولة."
وبصوت خالٍ من المشاعر وقف يأمرها، بعدما رفع وجهها نحوه، وقد أصبح يشعر بالضيق من حركتها هذه حينًا يُحادثها:
"أتمنى ما أسمعش شكوى من حد فيكم، ونعيش بسلام في البيت.. لآني حياتي مش فاضية لسماع المشاكل."
وقف يخبره عن نظام حياته، وما يُحبه ولا يحبه.
وهي تستمع لكلماته، فركت كفيها بقوة، تشعر برغبة قوية في البكاء.
ولكنها تمالكت بؤسها ووقفت تسمعه:
"ما أسمعش كلمة حاضر أو مفهوم.. ولا كلامي مش واضح."
وبجمود حاول إظهاره في صوته تسأل، وقد أخذت عيناه تتفرس ملامحها الشاحبة:
"حاضر."
منحته الكلمة التي أرادها، فارتسمت ابتسامته وسرعان ما كان يمحيه من فوق ملامحه.
يشعر بالزهو والسلطة.
"طول ما أنتي مطيعة يا حياة، هلاقيني معاكي راجل تاني."
لكن قبل أن يكمل عبارته، هتفت بألم:
"متقلقش يا عامر بيه."
"عامر وبس يا حياة.. متنسيش إنك مراتي."
والتقط يدها يصعد بها نحو غرفتهما، بعدما طال وقوفهم بالأسفل.
توقفت خارج الغرفة تلهث بأنفاسها وقد شعرت بقرب اللحظة التي ستصبح فيها زوجته بالفعل.
وبخوف تسألت:
"هي دي أوضتنا؟"
اتلمعت عينا "عامر" بخبث يمنحها الجواب:
"تفتكري هتكون إيه يا حياة؟"
ابتلعت لعابها، وهي تراه يضع بيده فوق مقبض الباب.
ابتعد قليلًا يمنحها المرور أولًا.
طالعته وقد علقت عيناها به برجاء:
"ادخلي يا حياة."
وآخر شيء كان يظنه أن يسمعه هذه الليلة، هو كلمة لا منها عندما أراد الاقتراب منها والحصول على حقه.
"لا، متلمسنيش."
***
تأملت هطول الأمطار بألم، وهي تتذكر قسوته التي أزادت من قمم جليده معها.
فمنذ أن تعافت من وعكتها الصحية.. أصبح شخصًا آخر لا تعرفه، شخصًا أصبح ينفرها.
شردت برجفة احتلت سائر جسدها، وقد عادت كلماته اللاذعة تقتحم عقلها.
لقد أخبرها بكل قسوة، ألا تحلم بأن تكون حبيبته يومًا.
خرجت زفراتها مثقلة بالخيبة والكسرة، فقد أحبت رجلاً أسير الذكريات، رجلاً كلما شعرت إنها وصلت لقلبه.. لم تجد إلا السراب والخواء.
أغلقت نافذتها ورغبة ملحة تدفعها للركض، خارج المنزل حيث سقوط الأمطار لعلها تغسل أوجاعه.
لا تعلم كم استمرت من الوقت وهي تستمتع بسقوط المطر فوق جسدها، ولكنها بدأت تشعر بتخدر جسدها.
انتبهت على صراخه باسمه، ثم اندفعه صوبها.
"أحمد: انتي مجنونة؟"
سحبها خلفه، عائدًا بها نحو الداخل.
ولكن وجدها تنفض ذراعيها عنه بقوة، وتعود لوقفتها أسفل المطر.
عاد لجذبها ثانية، ينظر إلى ملامحها التي بدأت تشحب وقد ثقلت أنفاسها واحمرت وجنتيها.
"أيوه مجنونة، مجنونة عشان شايفاك حلم جميل نفسي أحققه."
هتفت عبارتها، فابتعد عنها مصدومًا.
صرخت بكل ما تحمله داخل فؤادها له، وهو وقف يسمعها ببهوت وصمت.
"أنا آسف يا صفا، مكنش قصدي أأذيكي بس مينفعش تحبيني، لازم تفوقي من أوهامك.. أنا كنت بعاملك كضيفة مش أكتر، مسيرنا في يوم هنفترق."
***
نظرت إلى بعض الأطفال حولها، وصغيرها اللص الذي أصبحت تعشقه.
رفعت بسبابتها محذرة له خصيصًا.
"جنه: محدش يحاول يغش من التاني."
ليلتف كل منهما نحو زميله الآخر، محاولين اللجوء للغش.
وكان أولهم في المحاولة صغيرها اللص، فتستخدم سلاحها في تحذيره.
"مافيش مانجه ولا عنب كمان."
وتنهدت بتعب بعدما أدركت أنهم ما زالوا لا يستوعبون شرحها، بل لا يرغبون إلا بالركض في حديقة المنزل.
***
كان يسير بشموخه وقامته المرتفعة وسط بعض ضيوفه، فانتبه أحدهم على شيئًا ووقف يتساءل متعجبًا مما يرى ويتمتم ضاحكًا وهو لا يصدق أن "جاسر المنشاوي" يستغل حديقة منزله مقرًا لأطفال البلدة.
"أنت فتحت حضانة هنا يا جاسر بيه ولا إيه؟"
امتقع وجه "جاسر" من حديثه الساخر، وهو يحدق بما وقف ضيوفه يسلطون أعينهم نحوه.
التقطت عيناه جسدها الضئيل وهي تجلس في المنتصف، ويلتف حولها أطفال لا يعرف من أين أتت بهم.
أغمض عينيه بضيق، يقبض فوق كفيه وهو يستمع لعبارات ضيوفه، سيطر على غضبه بصعوبة، وعاد يلتف إليهم يجذب نظراتهم نحوه، يرسم على محياه ابتسامة بسيطة مصطنعة وهو يقودهم لداخل المنزل.
"أصل مراتي بتحب أطفال البلد قوي، وعندها أهداف إنها تمحي الجهل من البلدة وتساعد الأطفال."
تمتم بها وهو يحاول أن يداري خلف حديثه مقته، من تصرفاتها الهوجاء دون الرجوع إليه بشيء.
أومأ كبار البلدة برؤوسهم وقد أعجبتهم الفكرة.
قادهم نحو الحجرة التي اعتادوا الجلوس فيها، ومناقشة مشاكل بلدتهم وحل الأمور العالقة.
أغلق باب الغرفة، وحاول التقاط أنفاسه وهو يتحرك بخطوات متوعدة.
يسرع باسم الخادمة التي بعثتها إليهم عمتها.
"أنتِ يازفتة ياروحية!"
هرولت الخادمة نحوه، وقد احتل الخوف ملامح وجهها.
"مش قولتلك تقولي للهانم، إني جاي ومعايا ضيوف مهمين، وتروح بيت العيلة."
أسرعت الخادمة في طرق رأسها أرضًا، تخبره إنها نفذت أوامره بالفعل.
"قولتلها والله يا جاسر بيه."
احتدمت ملامحه وقبض على كفيه بقوة وهو يلعن عنادها معه وإخراج غضبه باستمرار.
أسرع في خطاه خارج المنزل بنظرات متوعدة.
فوجدها تودع الأطفال ببشاشة، وتخبرهم إنها تنتظرهم الحصة القادمة.
اقترب منها بطوله الفارع وجسده القوي بحنق، يجذب ذراعها ويتجه به نحو المنزل.
"عايزة تحرجيني قدام ضيوفي يا جنة؟"
ازدردت لعابها، وهي ترى نظراته التي أرجفت أوصالها، وسرعان ما كانت حيلة من حيالها التي تعلمتها مؤخرًا تلمع في عينيها.
ترفع أناملها نحو وجهه المتصلب تمسح فوق خده وقد شبت فوق أطراف أصابعها حتى تستطيع الوصول إليه.
"جنه: نسيت إن النهارده جاي لينا ضيوف مهمين، المرة الجاية أوعدك مش هنسي يا حبيبي."
ألقت كلماتها، وتركته في ذهوله من كلمتها الأخيرة التي نطقتها.
علقت عيناه بها وقد التف نحوه وما زاده دهشة.
إنها تمنحه ابتسامة واسعة.
صحيح يرى داخل عينيها التلاعب، ولكن ليس إلا تلاعبًا قد بدأ يحرك فيه غريزته.
وبأعين قاتمة، كان يضغط فوق شفتيه متمتمًا:
"بتلعبي بالنار يا جنه!"
***
أغمض عينيه بتعب بعدما انتهى من اجتماعه الذي استمر طويلاً.
فظهرت صورتها أمامه، فارتسمت ابتسامة على محياه، سرعان ما أزالها.
فمهما منحته الطاعة وتوسم فيها الزوجة الصالحة، لن يراها إلا أداة لتحقيق ما يرغب.
ورغم إنه لم ينالها وما زال زواجهم حبرًا على ورق.
ولكنه أراد منحها فرصة.
رمقه أكرم بعدما التقط ابتسامته يهتف بمزاح حتى يضايقه قليلاً:
"وحشتك ولا إيه يا عريس؟"
تجهمت ملامح "عامر" يرمقه بضيق من مزاحه الفظ الذي لا يستهويه.
"ياراجل في حد يسيب عروسته بعد يومين جواز، انت بصراحة جبار يا عامر."
"أكرم!"
صرخ بها بحده، بعدما تجاوز "أكرم" حدوده معه.
فحرك أكرم يأسه بيأس منه.
"بلاش تضيع حياتك يا عامر، عشان أفكار عقيمة عايشة في دماغك.. مش كل الستات شبه بعضها."
تمتم بها "أكرم" قبل أن ينسحب من غرفته.
فتنهد "عامر" ضجرًا.
لقد أصبح يخرج حنقه فوق رؤوس ناس ليس لهم ذنب بما يعيش.
دلك عنقه، وزفر أنفاسه بإرهاق وهو ينهض عن مقعده.
يتذكر تلك الورقة التي دستها في سترته قبل ذهابه.
وقد تناسى أمرها ومعرفة ما بها.
التقط سترته ليخرج منها الورقة، ينظر إلى ما سطرته بيدها وقد تجمدت ملامحه وهو يقرأ دعوتها له، وتوصيتها في عدم تجاهله لفروضه، وأنها تنتظره ليتناولوا وجبتهم معًا.
وشيء واحد كان يقتحم عقله، يخبره أن هذه المرأة غريبة الأطوار.
***
وقفت أمامه ببرود أصبحت تجيده منذ تلك الليلة.
ثم رفعت وجهها نحوه، تطالعه وهو منهمك في غرفة مكتبه، منكب بين رسوماته الهندسية.
"صفا: ممكن تليفونك؟"
هتفت بها "صفا"، فانتبه على وجودها.
يستعجب طلبها.
رآها تلتف بجسدها بعدما استنبطت من نظراته إنه ليس راغبًا في إعطاء هاتفه.
"رايحة فين، مش هتاخدي التليفون؟"
التفت نصف التفاته نحوه، تبتلع غصتها وهي تجيبه:
"شكلك محتاجة، مفيش مشكلة خلاص."
رمقه بتدقيق، يستعجب حالتها الجديدة.
ولكن نفض ما يفكر به.
فهذا هو ما أراده منها.
تقدم منها، يمدّ لها بكفه متسائلاً بفضول:
"هتتصلي بمين؟"
التقطت منه الهاتف، وهي تحرك رأسها نافية، تجيبه عن سؤاله:
"مش هتصل بحد، هدخل على النت لأني زهقت من القعدة لوحدي وبقيت حافظة كل اللي بيتعرض على التليفزيون، حتى صوفيا زهقت مني."
منحته الجواب، الذي أراد معرفته.
فشعر بالضيق من حاله.
فهي بالفعل تعيش حياة خالية من كل شيء.
لا خروج إلا لو كان حفل دعا إليه أحدًا وقبل هو الدعوة.
غير ذلك لا يمنحها أي شيء.
لا هاتف ولا حاسوب.
حتى نسي أن يسألها يومًا أين هو هاتفه.
تركته في شروده ونظراته التي كان يرمقها بها، وكأنه يلوم حالها.
وجدها تلتقط حاسوبه تسأله وهي تنتظر قبوله أيضًا.
تشعر بأحقيتها في أشياءه ما دام لا يمنحها حبه ولا يريد منح قلبه لها.
"ممكن أستعير لابك شوية."
فاق من شروده، وقد اتسعت ابتسامته شيئًا فشئ، يسلط عيناه عليها وهي تضم حاسوبه إليها وكأنها تخبره إنها لن تنتظر موافقته.
وبمرح أخذ يهتف:
"هتستولي على حاجتي ولا إيه يا صفا!"
تقبلت مزاحه بملامح جامدة:
"شكرًا خلاص."
حدق بجسدها بعدما انصرفت بحاسوبه وهاتفه، وسرعان ما كان يفوق من ذهوله، يلتقط ذراعها يقربها إليه وقد ضجر من برودها وحالة الصمت التي أصبحت عليها.
"مش معقول هنكمل حياتنا كده يا صفا."
"حياتنا!"
تجاهل نطق كلمتها، غير عابئ بمحاولتها في التخلص من قبضته.
عانقت عيناه عينيها يسألها بإرادة مسلوبة:
"مش هتسهري معايا شوية يا صفا؟"
ابتسمت بتشفي وهي تراه لا يستطيع السيطرة على مشاعره، التي يحاول جاهداً في إخفائها.
فها هو يطلب قربها بعدما دفعها عنه ونبذ قربها وحبها.
"ماليش مزاج أسهر مع حد، أنا بحب أقعد لوحدي بعشق الوحدة وأوضتي."
أذهلته عبارتها، فهو يطلب قربها الذي انتظرته، ويقاوم مشاعره المضطربة.
تخلى عن جموده وصعوبة الكلمات وهي ينطقها، وقد أسرت عيناه عينيها:
"محتاجك قوي يا صفا."
وانحنى بجسده كي يقبلها، ولكن أسرعت في إشاحة وجهها عنه، فسقطت قبلته قرب ثغرها.
"صفا."
ابتعدت عنه، بعدما شعرت بعدم قدرتها على صده أكثر، فقد أحرقته أنفاسه، وازدادت دقات قلبها.
"ممكن تسيب دراعي."
تجاوز مقته، ورغبته في الهرب منه.
تجاوز كل شيء بتناقض عجيب عليه يُخبرها تلك المرة بمراوغة جديدة عليه.
"هسيبك بس بشرط يا صفا."
حدقته بتذمر، تمط شفتيها للأمام.
تنتظر سماع شرطه، فتمتم ضاحكًا وهو يرى عبوسها.
"تقعدي معايا هنا وأنا بشتغل."
***
ارتفع صراخه بها وهو يرمقها بنظراته القاسية، فانتفضت من نومتها فزعًا وهي تراه يطالعها بعينين لا توحي إلا بالهلاك.
ونهضت من فوق أريكتها مذعورة، تحدق بعينيه وقد أخذ الشر يتطاير من داخلهما.
"عايزة أطفال يا جنه، وبتشتكي لـ عمتي."
بهتت ملامحها من عبارته، تزدرد لعابها من شدة قربه منها وتخلصه من عباءته.
"أبدا أنا مقولتش حاجة، هي سألتني وأنا بلعب بابن فاخر بحب الأطفال ولا لأ.. وقولتلها هو في حد مبيحبهمش."
وتابعت حديثها بخوف، وهي ترى نظراته وقد اندلعت منها الرغبة.
"جنه: أنت بتقرب مني كده ليه؟"
وشهقت خرجت منها وهي تراه يلقفها بين ذراعيه يتجه بها صوب فراشه بإصرار عما يعزم عليه.
"هاخد حقوقي.. لتفتكري إني مش راجل يا هانم."
تعالت صرختها، وهي ترى ينقض عليها كالذئب الجائع.
تهتف راجية وهي تحاول الخلاص من ثقل جسده.
"لا لا يا جــــــــاســــــــــــر!!"
رواية سطور عانقها القلب الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم سهام صادق
كان كالمغيب وهو يمزق ثيابها، يقبلها بشراسة. يفترسها بين ذراعيه وهو لا يرى إلا صورة واحدة أمام عينيه، صورة تلك الخائنة التي غدرت به يوماً. ملوحة دموعها كان يلتقفها كلما عاد يُقبلها، ولم يكن إلا صوت بكائها وحده يسمعه.
حتى فاق أخيراً من ذلك الجرم الذي سيفعله بها، فهو ليس مغتصباً لينال زوجته كرهاً.
هدأت شعلة جنونه، وقد بدأ عقله يسبح معه في بحور ذكرياته. عاد صوت نحيبها وشهقاتها يخترق أذنيه بخفوت، حتى بدأ يتلاشى تدريجياً ولم يعد يسمع لها صوتاً. فلم تعد تمتلك قدرة لتحارب ضراوته، ولا ثقل جسده وقبضته القوية التي يأسر بها ذراعيها.
ابتعد عنها أخيراً، يميل بجسده متسطحاً جوارها. فانكمشت على حالها باكية، لا تصدق أنه قد تركها.
عاد الماضي يخترق حصونه، حصون عتية وضعها حول قلبه وعقله. استمع لنحيبها الذي كان يصل إليه وكأنه يأتي من بعيداً، فالتف إليها ليراها تلملم ثوبها ودموعها تغرق خديها وعلاماته القاسية قد دمغت عنقها ونحرها.
أغمض عينيه بقوة، وقد عاد أقسى ما سمعه يوماً يخترق فؤاده. عاد الشئ الذي جعله يصبح هكذا، رجلاً قاسياً، زير نساء، لا يتزوج النساء إلا ليجعلهن يدركن قيمة أنفسهن.
"إنهم ليسوا إلا متعة للفراش."
"كان لازم أخونك، إزاي أعيش مع راجل عقيم مبيخلفش؟ انت عقيم يا جاسر، وأنا عايزة طفل حتى لو هنسيبه ليك وهو مش منك."
قتلته الذكرى، كما قتلته من قبل. نغزة الألم قلبه، فلم يشعر إلا وهو يصرخ بها، حتى يخرسها عن نحيبها الذي لا يزيده إلا انغماساً في حقده وكرهه.
"اطلعي بره، مش عايز أشوفك قدامي."
هتفها بصراخ، وهو يرمقها. فهرولت من أمامه بعدما لملمت ثوبها بأحكام وسارت راكضة نحو مكان تحتمي به منه. اندفعت نحو إحدى الغرف، وتهاوت أرضاً وما زالت تشعر بأنفاسه ولسعات قبلاته فوق جسدها.
لم يكن حاله مختلفاً، فقد عاد ظلام الماضي يصحو بداخله، ظلام ظن أنه يطفئه كلما تزوج من امرأة جعلها تحبه ثم تركها بقايا امرأة محطمة.
نهض من فوق الفراش، وهو يشعر بثقل يحتل قلبه. واتجه نحو الشرفة الواسعة عاري الصدر، يطالع ظلام الليل وقد عاد الجمود يرتسم فوق ملامحه، يضغط فوق شفتيه بقوة، يهتف بداخله لو عاد به الزمن لكان قتلها بيديه دون رحمة.
وها هي صورة أخرى تقتحمه، ومن سواها؟ تلك التي دلفت لحياته وظلامه، تزوجها مجبراً، لا هو يستطيع دمغها باسمه وكشف سره، ولا هو قادر أن يظل يكرهها بعيشتها معه. فقد فعل المستحيل لكي ترحل ولكنها اعتادت على قسوته.
وبهمس كان يخرج من شفتيه: "هتتحرقي بنار قسوتي يا جنه، لو مخرجتيش من حياتي!"
***
وقفت أمامها بأمل، ثم تعلقت عيناها بجمالها رغم مرور الزمن. تنهدت بعمق وهي ترى عبوس ملامحها، عندما علمت من مرافقتها بأنها موجودة الآن معهم.
"إيه اللي جايبك أوضتي؟ قولت مش عايز أشوفك."
سقطت دموع "حياة" قهراً، فيكفيها ما تعيشه مع قسوة ابنها. وبقلق اقتربت منها وجثّت فوق ركبتيها بجوار فراشها.
"ارجوكي متكرهنيش، صدقيني أنا مش وحشة.. متكونيش زيه قاسية."
تجمدت ملامح "ناهد" وهي تستمع لعبارتها الأخيرة. صحيح أنها أصبحت تعلم أن ولدها يغفو بغرفة منفصلة عنها، وقد أخبرتها الخادمة أنه تركها ليلة الزفاف وهو حانق بعدما سمع كل من بالقصر صراخه عليها. يُخبرها أن صبره لن يطول عليها وأنه دفع المال فيها، كما أنها ليست بالفتاة التي تليق بشخص كـ "عامر السيوفي".
صور كثيرة لهذا الزواج قد افترضتها "ناهد" بعدما أصبحت لا تفهم سبب وجود هذه الفتاة هنا، خاصة بعد طلاقه السريع والعودة لجموده وقسوته.
"عامر اتجوزك إزاي؟"
تساءلت بها "ناهد" بعدما أدركت أن الجواب ستعلمة منها. بهتت ملامح "حياة" وهي تستمع لسؤالها وهي تتذكر تهديده لها بعدم إخبار أحداً لطريقة زواجه منه وخاصة والدته.
"لو مش هتتكلمي، اطلعي من أوضتي عايزة أرتاح."
تعلقت عينين "حياة" بها، وبصعوبة كانت تتحرك، ولكن توقفت مكانها تطرق عيناها.
"هحكيلك، بس خلينا لوحدنا."
انتبهت "ناهد" على وجود مرافقتها، فهتفت بتلك الواقفة وقد كان لديها فضول لتعرف سبب زواج السيد الكبير بفتاة كهذه لا تليق بمستواه.
"سيبنا لوحدنا يا حليمة."
خرجت الخادمة مرغمة، فوقفت "حياة" مكانها، تفرك يديها بقوة حتى ضجرت ناهد من صمتها.
"هتحكي ولا خايفة منه؟"
ورغماً عنها كانت تخبرها بتفاصيل زواجها من ابنها، بداية من لقاءاتهم المتفرقة، ثم دفعه المال لشقيقها وعرضه عليه مقابل المال.
استمعت لها "ناهد" بإنصات، وشيء واحد كانت تشعر به، إن ولدها لم يختر هذه الفتاة إلا ليضع عليها جبروته وسطوته.
"عامر قرب منك؟"
ألجمتها سؤالها، فازدردت لعابها، لتهتف بها ناهد: "يبقي مقربش منك، لو عايزة تنجحي في جوازك من ابني.. اوعي تبقي ضعيفة وتستسلمي ليه.. لو استسلمتي ليه هتعيشي طول عمرك معاه على الرف."
حبت ملامحها وهي تستمع لحديثها، وسرعان ما كانت تزداد صدمتها.
"أو هيستنى تخلفي ليه طفل، وبعدين يخرجك برة حياته؟"
كان هذا أكبر مخاوفها، فلم تسمع عن الأثرياء إلا الغدر، فهم يندمون بعدما تضيع الزهوة ويكتشفوا سوء اختيارهم.
"أنا عارفة إن كلامي صعب عليكي، لكن ابني بيحسب كل حاجة بعقله."
وبحقد نحو تلك التي أعادت غضبه، وجعلته يعود لصورتها القديمة بعدما كانت تشعر بتحرك قلبه.
"عامر، لسه طلق مراته من شهرين."
ولو كان ما علمته منذ لحظات صدمها، لكن عبارة "ناهد" الأخيرة جعلتها تترنح في وقفتها وقد اتسعت حدقتاها. و"ناهد" تتمم عبارتها بملامح حزينة: "طلّقها بعد جوازه منها بشهرين."
والحقيقة الوحيدة التي بدأت تصل إليها، إنها ليست بالفعل إلا نزوة، أو غرضاً سينال منه شيئاً ثم سيلقيها خارج أسوار قصره.
"لو عرفتي تكسبى قلب عامر يا حياة، هتعيشي أسعد ست في الدنيا.. لكن لو خسرتيه زي اللي قبلك.. هتطلعي انتي الخسرانة."
طالعتها "حياة" بملامح مشوشة، تلتقط أنفاسها بصعوبة، فهي لم تكن تريد إلا زوجاً يخلصها من حقد زوجة أخيها، بيتاً دافئاً صغيراً وأطفال حولها. شعرت "ناهد" بالشفقة عليها، فهتفت برفق وسماحة:
"قربي يا حياة."
انتبهت على صوتها، وقد علقت عيناها بها وهي تعتدل فوق فراشها، تمد لها ذراعيها.
"هخليكي تعرفي توصلي قلب ابني يا حياة."
***
تنهدت بألم وهي ترى لمعان الحب في عيني "أروى" وهي تقص عليها حكاية حبها وعشقها لهاشم ابن عمها. فارتسمت ابتسامة شاردة فوق ملامحها، ولا تعلم لماذا شرودها أصبح بهذا الرجل رغم كل ما فعله بها، وخاصة تلك الليلة التي كاد يغتصبها فيها. وسرعان ما كانت ابتسامتها تتلاشى، فقد هجرها وسافر دون أن يهتم لأمرها، وكالعادة لا تعلم بخبر سفره إلا من العائلة. أرادت البكاء، ولكنها تمالكت حالها.
وعادت تنتبه على حديث "أروى".
"أنا مش مصدقة إنه بيبادلني مشاعر الحب يا جنه."
وبحالمية أردفت وهي تغمض عينيها: "ده أنا قولت هنقضيها نظرات لحد ما نعجز."
ورغماً عنها كانت تضحك على حديث ابنة عمها، ولكن اختفت ضحكتها وهي تستمع لسؤال "أروى".
"حبيتِ جاسر يا جنه؟"
سؤالاً كان جوابه صعباً عليها، فلو أحبته هي، هو لن يحبها. خرجت تنهيدة عميقة من أعماقها، وهي تتخيل لو كان جمعها الحب هي وجاسر لكانت تحيا حياة سعيدة، كتلك الحياة التي عاشتها زوجته الأولى معه.
"أخوكِ عمره ما هيحبني يا أروى، هيفضل طول عمره شايفني الزوجة اللي اتجوزها إجباراً من العيلة."
شعرت "أروى" بآلامها، ومدت كفها تمسح فوق كفها برفق، لعلها تخفف عنها.
"جاسر أخويا كان حنين أوي وكان الحب ده من أول الحاجات اللي بيؤمن بيها، واتحدى العيلة والدنيا كلها عشان يتجوز مرام. حتى نيره رغم إنهم ديما كانوا بيقولوا عليهم في العيلة إنهم لبعض بس مفرقش معاه، ومن سبع سنين بس كل حاجة اتقلبت. أخويا مبقاش هوه."
هتفت بها أروى وهي تشعر بالمرارة على حال شقيقها.
"هي مرام راحت فين يا أروى؟"
تساءلت بفضول، ولكن أروى انشغلت عنها في مطالعة هاتفها، بعدما صدح رنينه، تتمتم ضاحكة:
"ده نيره، آه لو عرفت إننا قاعدين سوا وبندردش دلوقتي."
طالعتها "جنه" بيأس، فلم تحصل على جواب منها يريحها ويريح قلبها. صرخت أروى بسعادة، مما جعلها تنتفض من فوق مقعدها فزعاً، لتقترب منها أروى وتضمها بقوة، والهاتف يحتل ملامحها، وهي لا تصدق ما أبلغتها به نيرة.
"جاسر وافق على هاشم، وهيرجع من سفره يوم الخطوبة يا جنه.. أنا مش مصدقة نفسي، أخيراً هلبس دبلة الإنسان اللي بحبه يا جنه."
ورغم سعادتها، لتلك الفرحة التي تراها تلمع في عيني أروى، إلا أنها ابتلعت غصتها بمرارة، وهي ترى نفسها لا شيء بحياته، فلو كانت زوجة حقيقية بحياته لكانت هي من زفت الخبر لأروى، وليست نيرة.
وبصعوبة تساءلت:
"هي نيرة بتشتغل مع جاسر؟"
وأروى منحتها الجواب بسهولة، لا تصدق أنها لا تعرف أن "نيرة" تعمل سكرتيرة لجاسر.
"نيرة سكرتيرة جاسر يا جنه، هو أنتِ متعرفيش؟"
***
تنهد بعمق وهو يرى سعادتها بالهاتف والحاسوب الجديد، فلمعت عيناه لشدة افتقاده لمرحها. ابتعادها عنه أصبح يزداد كل يوم لدرجة جعلته يشتاق إليها وهو لا يعلم كيف يشتاق لها هو من يطردها بعيداً عن حياته، رغم أنها صارحته بحبها.
انتبه على سؤالها، وقد أخرجته من شروده الذي أصبح يلازمه كلما أصبحت قربه.
"طيب أشغل التليفون ده إزاي؟ مش عارفة أفتحه."
ابتسم "أحمد" وهو يرى استياءها، فاقترب من فراشها وجلس عليه، يخبرها وهو يحدق بملامحها الجميلة وبرائتها التي باتت ترهقه.
"تعالي، أوريكي بيشتغل إزاي."
اقتربت منه بتوتر، لتجلس قربه تتساءل بارتباك وهي تتحاشى النظر إليه:
"لو مفهمتش فيه هاخد تليفونك."
دفعته عبارتها للضحك بقوة، لا يصدق إنها طامعة بهاتفها.
"احمد: ده انتي طلعتي، حاطة عينك على تليفوني بقي، طيب إيه رأيك إن تليفونك أحدث من تليفوني بمراحل."
نهضت متذمرة من جوارها، تضع بيديها فوق خصرها، ارتفع تنورتها القصيرة بعض الشيء، فما كان منه إلا أن علقت عيناه بساقيها وقد سلبت شقاوتها أنفاسه. جذبها إليه فسقطت فوق ساقيه، لتشحب ملامحها وهي ترى حالها قريبة منه لهذه الدرجة. وقبل أن تعترض كان يُخبرها صراحة:
"مش هشرحلك التليفون بيشتغل إزاي، إلا وأنتِ كده ومش عايز أسمع اعتراض."
"نعم."
وباعتراض كانت تهتف، فلمعت عيناه بخبث وهو يراها تحاول الخلاص من قبضته حول خصرها.
"ممكن تبعد عني."
وبأنفاس مسلوبة، كان يهتف دون شعور:
"مش قادر أبعد عنك يا صفا."
ارتفعت أنفاسها، وهي تسمع عبارته، وترى توقه إليها. ولكن سرعان ما انتبهت على حالها وهي تشعر بملمس يديه فوق ساقيها، لتدرك أن ما يدفعه نحوها ليس إلا رغبة.
"الأصدقاء في بينهم حدود، ولازم مانتجاوزش الحدود دي."
انتفضت عنه، بعدما هتفت بعبارتها التي ألجمته، ولم تكن عبارتها إلا حديثه الذي أخبرها به من قبل.
"صفا.. أنا..."
وقفت الكلمة على طرفي شفتيه، لو كان قالها لكانت منحته نفسها مرحبة. رأت الضياع والتردد في عينيه، فتأكدت أنها ليست إلا امرأة تحرك غريزته، وها هو يخذلها مرة أخرى.
وسرعان ما كانت تخرج من الغرفة راكضة، تخفي دموعها التي علقت بعينيها.
***
اتسعت ابتسامة عمتها وهي تراها بكل هذا الجمال، وبفستانها الذي قد أظهر كل شيء من أنوثتها، وقد زادها جمالاً فوق جمالها.
"آه لو كان جاسر هنا دلوقتي، وشاف قد إيه هو محظوظ بالجمال ده كله."
ألمها حديث عمتها، فاغمضت عينيها تمنع هبوط دموعها، فابتعدت عنها "منيرة" تضم وجهها بين كفيها.
"أنا عارفة إني بتدخل في حياتكم أوي يابنتي، بس صدقيني من حبي ليكم.. ومتأكدة إن في يوم هشوف الفرحة بتلمع في عينيكي، وهتشكروني انتوا الاتنين."
حاولت تمالك دموعها، فعن أي فرحة وأمل تتحدث عمتها؟ جاسر لا يحبها بل هي من تورطت وأحبته.
تعالت أصوات الزغاريط وطلقات النار، فتهللت أسارير منيرة:
"أكيد كتبوا كتب الكتاب، هروح أشوفهم وأشوف جاسر، وانتي ادخلي للبنات وفرحيهم يا بنتي."
مسحت "جنه" تلك الدمعة التي أنسابت فوق خديها، وأسرعت بالدلوف نحو الحجرة الواسعة التي تضم معظم نساء وبنات عائلتهم والعائلات الأخرى احتفالاً لهذه المناسبة السعيدة. واقتربت من أروى تحتضنها بقوة تُهنئها.
"مبروك يا مدام أروى.. قولاً بس وليس فعلاً."
تخضبت وجنتا أروى خجلاً وهي تستمع لعبارتها، فقرصتها جنه فوق ذراعها غامزة تُشاكسها.
اقتربت منهما نيرة، وهي تشعر بالحقد، خاصة وهي ترى جميع النساء يمدحن جمالها، وحظ كبيرهم في الزواج منها.
"عقبال لما تبقي انتي كمان مدام فعلاً مش بالاسم بس."
احتقنت ملامح "جنه" غضباً من وقاحتها، فحدقت بهما أروى بغرابة، وخاصة وهي ترى احتقان ملامح جنه. أسرعت في جذبها بعيداً عن نيرة، حتى تنهي تلك النيران التي تتطاير من نظراتهم نحو بعضهم.
"هناقص أنا وانتي صح، اوعي تنسي وعدك ليا."
فصدحت ضحكات نيرة وهي تستمع لحديث أروى.
"وإنتي إنها بتعرف ترقص، بلاش تخليها تكشفنا قدام الناس."
وتابعت حديثها وهي ترمقها بغيظ: "اقعدي بقي يا أروى وبلاش فضايح قدام الناس."
ابتلعت "جنه" عبارتها، وقد لمع التحدي في عينيها، تجذب ذراع أروى في وسط الغرفة.
"معندناش عروسة تقعد، وبما أننا بنات وسط بعض.. فهنعمل اللي يعجبنا."
لتحتقن ملامح نيرة، وهي تراها ترقص ببراعة وأعين الجميع حولها، يتهامسون بين بعضهم عنها، يتساءلون هل ترقص كل ليلة أمام كبيرهم.
***
وقف يتأملها وهي تلتهِم بقوة وجبة عشائها سراً في مطبخهم المظلم، لتتسع ابتسامته وهو يراها تتلذذ بطعم الطعام. بههمات متلهفة، فأقترب منها بحذر.
"احمد: عشان تحبسي نفسك في أوضتك تاني من غير أكل."
لتنتفض فزعاً، تتأمله وهو يقف أمامها حتى قال بتنهد: "صفا أنا مش عايزك تبعدي عني."
وجذب بيديها متمتماً برجاء: "عايز أوريكي تصميم المنتجع الجديد اللي أنا صممته وكان بسببه وجودي هنا."
فتحركت خلفه مسلوبة الإرادة، وصعدت معه نحو غرفته، أجلسها فوق فراشه، فأخذت تطالعه بارتجاف وضعف وكادت أن تنهض وتهرب من خفقان قلبها الذي أطفئته منذ أن جرحها ورفض حبها بوحشية. فجذب ذراعها وأجلسها ثانية وجلس جانبها فوق الفراش وفتح حاسوبه، قبل أن يمنحها فرصة للهرب.
"ها إيه رأيك؟"
لمعت عيناها بانبهار حقيقي، تُدقق في حاسوبه وقد تناست أي مشاعر أخرى.
"إنت اللي صممت ده؟"
تعالت ضحكاته، وهو يراها تشكك في قدراته.
"جوزك مهندس شاطر على فكرة يا مدام."
ألجمتها عبارته، فتعالت أنفاسها وقد أخذت كلمته تتردد داخل أذنيها، تنظر إليه:
"كنت أتمنى إني أصمم المشروع ده في مصر."
وتابع حديثه بفخر: "وجودي في أمريكا، كان بسبب براعة المشروع، بس عارفة يا صفا أجمل حاجة لما تقدري توصلي لأحلامك اللي بتحبيها مش اللي فرضها لنفسك."
حدقته، وهي تسمع لحديثه، وقد لمعت عيناه بعدما علم بأنه يثرثر كثيراً عن نفسه، فتساءل حتى يجذبها نحو حديث آخر.
"احمد: نفسك تحققي إيه يا صفا من أحلامك؟"
آه لو أخبرته عن حلمها الذي تتمناه، إنه هو من كان حلمها الذي تمنته. انتظر أن تمنحه جوابها، وعندما طال انتظاره، رفع كفه نحو خدها يمسح فوقه متمتماً:
"هتاخدنا علاقتنا لحد فين يا صفا؟"
***
ألتمعت عين أروى بشقاوة وهي تطالع مقطع الفيديو، بعدما انتهت حفلة عقد قرانها. حدقت بشقيقها الذي جلس بهيمنته يتحدث مع فاخر، ورغماً عنها كان يخرج صوتها عالياً، فجعلت الجميع ينتبه عليها.
"ده جنه طلعت أستاذة."
طالعها الجالسين، لا يفهمون مقصدها، فالتف بوجه نحو شقيقته، عندما استمع لاسمه من فم شقيقته وقد ترك فنجان قهوته، ولم يكن غير هدى هي من فهمت حديث أروى، فهتفت بضيق مستنكرة ما حدث.
"كسفتنا قدام حريم العيلة ياعمتي، فضلوا يسألوا مين دي.. وأول ما عرفوا إنها مرات كبير عيلة المنشاوي، معرفناش نخرس ألسنتهم."
تعالى صوت صراخ فاخر، بعدما انتبه على ملامح شقيقه.
"هدى."
فامتقعت ملامح "هدى"، غير عابئة بصراخه عليها.
"مالها نيرة أختي؟ عقله وراسه وبنت أصول."
قبض جاسر فوق كفيه وهو ينهض عن مقعده، وقبل حديثه بشيء.. كانت "منيرة" تهتف بحدة، وقد احتقنت ملامحها:
"وبنت أخوي بنت أصول برضوه ياهدي.. خد مراتك يافاخر وعلمها إزاي تعرف تحترم الكبار."
وصرخت بوجه أروى التي انكمشت على حالها، بعدما اكتشفت فداحة فعلتها.
"وإنتي امسحي المسخرة اللي على تليفونك دي."
"فين جنه ياعمتي؟"
صدح صوته، بعدما تمالك غضبه وطالع شقيقه الذي شعر بالحرج من عدم احترام زوجته لأفراد عائلته وعدم احترامها لتحذيره.
"إحتراماً ليك مش هتكلم على اللي قالته مراتك يافاخر."
تقدمت منهم غافلة عما حدث بغيابها، وتلك النيران التي تتطاير من عينيه، تهتف بسعادة بعدما أنهت حديثها عبر الهاتف مع والديها:
"بابا وماما بيسلموا عليكوا، وباركوا لعمي على خطوبة أروى."
ونظرت نحو عمتها هاتفة: "عمي حسن عايزك فوق ياعمتي عشان تكلمي بابا."
حدقتها عمتها بنظرات طويلة، ونهضت عن مقعدها تومئ لها برأسها. وقبل أن تتجه نحو الدرج شيعت نظراته نحو الواقف يقضم فوق شفتيه بقوة. تُطالعه بنظرات راجية.
"مالكم يا جماعة، ساكتين ليه؟"
وبقسوة كان يجذبها من ذراعها، يجرها خلفه.
"مش عايز أسمع ليكي صوت."
شعرت بالإهانة، من جره لها بتلك الطريقة. وبصعوبة حاولت التخلص من قبضته.
"براحة، إنت بتجرني كده ليه؟"
وبحدة كان يعود لالتقاط ذراعها مجدداً، يدفعها تلك المرة أمامه.
"قولت مش عايز أسمع صوتك."
***
نظرت اليه طويلاً وهي تحمل حقيبتها.
"أنا مش هقدر أكون الست اللي أنت عايزها."
يطالعها هو بجمود، بعدما فقد كل ذرة عقل داخله. فيكفيه إنه ما زال صابراً عليها، يمنحها العذر رغم ضيقه.
"هو لعب عيال، فوقي ياحياة مش معنى إني بدأت أعاملك كويس وصابر عليكي يبقى أنا ضعيف ياهانم.. بلاش أوريكي قسوتي اللي بجد."
حدقته ساخرة، وقد أنسابت دموعها فوق خديها.
"إنت مش عايزني غير ست ضعيفة، تفضل تحسسها إنك ولي نعمتها، وأنا مش هفضل طول عمري كده.. حرام عليكم."
لم يتحمل "عامر" حديثها، واقترب منها يلتقط ذراعها يضغط فوقه بقوة، مما زاد انهمار.
"لولا فلوسي أخوكي كان دخل السجن، أو كنتي اتجوزتي تاجر مخدرات.. شايفه إزاي أنا ولي نعمتك."
دفعها عنه بعدما أنهى حديثه، لتتعالى شهقاتها بعدما صدمتها عبارتها، فهي ليست نداً مع هذا الرجل. وبمرارة كانت تهتف:
"مش من حقي أدلع صح، ولا من حقي أحب ولا من حقي يسألوني تتجوزي مين ولا من حقي أختار حاجة خالص.. لازم أنا بس اللي أضحي وأسامح وأتحمل وأتهان وأسكت.. أنا مكنتش عايزة لا قصر ولا فلوس.. أنا كنت محتاجة راجل يحبني."
ألجمته عبارتها، فعن أي حب تنتظره منه، وهو أقسم ألا يسمح لامرأة تحرك قلبه. طالع دموعها وهي تخبره بأحلامها مع الرجل الذي تمنته. وبذكاء كان يقترب منها يضمها إليه رغم اعتراضها، يمنحها ما تريده كذباً.
"وليه متحاوليش معايا يا حياة؟"
توقفت دموعها، ورفعت عيناها إليه، لا تستوعب حديثه.
"أنا عارف إني بجرحك بكلامي، بس أنا من طبعي قاسي.. ومش بؤمن بالحب.. لكن ليه متحاوليش؟"
كان يعلم بأنها ليست بالمرأة الذكية اللعوب، فلو كانت ذكية لكانت طبقت حديث والدته الذي استمع إليه بالمصادفة، أو كانت استخدمت صلاحيتها كزوجة، وتنتهز الفرصة التي منحتها لها الحياة، وتعيش حياة الرفاهية.
"أحاول."
وبخفوت كانت تسأله، تتذكر نصائح ناهد إليه، نحو الشد والإرخاء حتى لا يضجر منها. شعرت بذراعيه تطاوق خصرها، يلمس جسدها بحنو غير تلك الطريقة التي اعتاد فرضها عليها حين يرغبها وينتهي الأمر ببكائها.
"إنت مبتحبنيش."
"ما أنتي كمان مبتحبنيش يا حياة."
بمراوغة كان يجيبها، حاولت التملص من أسر ذراعيه وسحر عيناه الناعسة.
"عشان كده بقولك نحاول."
وببطء كان يقترب منها، يلثم خدها ثم قرب فكها، يتجه بشفتيه نحو عنقها. ارتخي جسدها بين ذراعيه، فلمعت عيناه بشقاوة، فبمجرد كلمات هادئة ينال ما أراده. اتجه بها نحو الفراش، وقبل أن يطرحها فوقه، كانت تفيق على حالتها ولكن أسرع في التهام شفتيه متمتماً:
"هنحاول يا حياة، هنحاول نحب بعض."
هتف بالكلمة التي يعلم أنها ستعيدها لأغمائها القصيرة معه. وبتروي ورفق كان ينالها. وللعجب إنه ظن إنه سيكتفي معها بمرة واحدة، ولكن هيهات كان لا يستطيع الخروج من سحرها وخجلها الفطري، لقد أشعرته برجولته وبمشاعر لم يشعر بها من قبل ولكنه لن يفسرها.
رواية سطور عانقها القلب الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم سهام صادق
وقفت أمامه تشعر بأن هناك حديث يُريد إخبارها به.
تلاقت عيناهم في نظرة طويلة.
ولأول مرة تري في نظراته لها نظرة لم تفهمها، ولكنها كانت أبعد عن تلك النظرة التي أعتاد النظر بها إليها.
لم تري البرودة والقسوة، بل رأت رجلاً آخر، رجلاً يُريد الهرب من مشاعره.
حلت، انتظرت، وداخلها كان ينبض بالترقب.
ولكن كل شيء تحول داخلها وهي تستمع لأخر ما توقعته.
"أنا آسف يا جنه."
وأسفة لم يكن ما يُريد إخبارها به وحده هذه الليلة.
أشاح عيناه عنها بعدما رأي نظرتها المتلهفة لحديثه.
وبدون رحمة كان يُسقطها من سحابتها.
"إحنا لازم نتطلق يا جنه!"
سقطت العبارة علي أوتار قلبها كالصاعقة، فأخذ صداها يتردد علي مسمعها.
فالتمعت عيناها بالدموع غير مصدقة.
إنه يُخبرها بضرورة طلاقهم بعدما شعرت ببصيص من الأمل في نجاح علاقتهما.
أبتلعت غصتها اللعينة، تلوم حالها علي حبها لهذا الرجل.
فكيف سمحت لقلبها بأن يُحبه وهي تعلم بفشل حكايتهم.
انسابت دموعها وقد وقف يرمقها بنظرات احتلها الخواء.
أرادت الصراخ به، أرادت صفعه وضربه بكل قوتها، لعلها تُخرج فيه قهرها.
ولكن رنين هاتفه جعلها تفيق من أفكارها.
تنتبه علي الحالة التي أصبح عليها وهو يسأل شقيقه صارخاً.
"أيوه يافاخر، بتقول إيه؟"
ارتجفت يده فوق الهاتف وهو يسمع ما يُخبره به شقيقه.
فاقتربت منه وقد احتلي الذعر ملامحها.
"إيه اللي حصل؟"
هرول من أمامها دون جواب.
فركضت خلفه تصرخ باسمه بعدما شعرت بالخوف من حدوث شيء لعائلتها.
لتجلس فوق الدرج بأنفاس مسلوبة تنظر نحو الفراغ أمامها، تهمس اسمه هذه المرة بخفوت.
***
ابتسمت صفا بسعادة وهي تضغط على آخر زر سيجعلها تثبت عضويتها في إحدى المنتديات العربية.
تنهدت براحة، مع أول خطوة للتسلية بمفردها بعيداً عنه.
لتضحك بقوة وهي مسطحة على بطنها وتتلاعب بساقيها، فتتخيل مشاهد تلك الرواية التي تقرأها ضاحكة.
فقد كانت عبارة عن يوميات زوج وزوجة.
تعالت صوت ضحكاتها بقوة وهي تكمل قراءة الرواية.
ومع طرقه الخافتة وعدم استجابتها، سمح لنفسه بالدلوف.
فتقع عيناه عليها وهي بذلك الوضع الذي أشعل توقه إليها.
أقترب منها مبتسماً بأنفاس مسلوبة، يريد معرفة ما يضحكها ويسليها.
"ما تضحكيني معاك."
باغتها بسؤاله، فانتفضت مفزوعة من فوق الفراش، تلتقط أنفاسها الهادرة، تنظر إليه وهي تضع بيدها فوق قلبها.
"خضتني يا أحمد، انت دخلت هنا امتى؟"
اتسعت ابتسامته شيئاً فشئ، وهو يستمع لاسمه بتلك النبرة التي زادته رغبة وتوقاً.
وجلس جانبها يطالع ما كانت تقرأه ويضحكها.
"مقولتليش برضوه بتضحكي على إيه يا صفا."
التقطت أنفاسها ببطء، وعدلت من وضعية جلستها.
تشيح بالهاتف بعيداً عنه.
"عادي بتصفح على النت، وبضحك على مواقف لمتجوزين."
حدقها "أحمد" بنظرات لعوبة، وهو يراها تبتعد بالهاتف عنه.
وبعبث أخذ يتساءل.
"وإيه هي مواقف المتجوزين اللي بتضحك، أنا أعرف إن في مواقف تانية أحلى."
خفق قلبها لعبارته، ولكن سرعان ما كانت تتحكم في مشاعرها.
"مواقف للمتجوزين مش للصحاب، فأكيد مش مضطر تعرفها."
تجهمنت ملامحه، وهو يستمع لعبارتها التي تصده بها.
ورغم ضيقه إلا إنه تجاوز الأمر وعاد يبتسم إليها، يخبرها عن سبب قدومه لغرفتها.
"معزومين النهارده على العشاء."
هو يثبت لها براعته في تجاوز كل شيء.
***
تنهد براحة وهو يتأمل وجه والده المبتسم برضا.
"كده تخضّينا عليك يا حاج."
أغمض حسن عيناه بتعب.
"احنا اللي غصبنا على بنت عمك كمان يا جاسم في الجوازة دي، اوعاك تفتكر إن انت الوحيد اللي ضحية، هي كمان اتنازلت يابني عن حقوقها في إنها تقول لاء ليا ولعمتك ولعمك. أنا وعمتك حطينا مقابل قرب عمك مننا تاني 'بنته' ومكنش عنده حاجة غير إنه يديهالنا، متظلمهاش يابني متخدهاش بذنب حد."
أظلمت عيناه من سماع حديث والده، وقبل أن يهتف بشيء ويخبره إنه سيطلقها حتى يحررها من عالمه المظلم ويمنحها حياة تستحقها، كانت عمته تدلف الغرفة بملامحها البشوشة.
"أخبارك إيه دلوقتي يا حسن، كده يا خوي تقلقني عليك."
"أنا قولت لجاسم كل حاجة يا منيرة، لازم يعرف إنها كمان اتظلمت وسطنا."
طالع عمته، بنظرات خالية.
فتساءلت منيرة بشك.
"مراتك عايزة تمشي ليه يا جاسم، عمك صابر تحت وهي مصممة إنها تمشي معاه."
تصلبت ملامحه، وهو يستمع لعبارات عمته.
فحتى لو أخبرها بطلاقهم، فهو من يقرر متى رحيلها وليست هي.
اندفع لخارج الغرفة، تحت نظرات والده وعمته.
فابتسمت منيرة وهي تطالع شقيقها.
"لسه جوايا أمل إنهم يحبوا بعض يا حسن."
***
تأملها "عامر" بنظرات طويلة، دون أن تحيد عيناه عنها.
تذكر أمس وهي بين ذراعيه يسألها عما تريده.
وقد ظن إنها ستطلب شيئاً من رفاهيات الحياة.
ولكنها كل يوم تثبت إليه إنها بالفعل نموذج آخر من النساء.
تصلبت ملامحه وهو يرى قلبه إلى أين يأخذه.
فاقترب منها بخطوات جامدة، بعدما ضجر من انتظارها وعلى ما يبدو إنها تناست إنه أخبرها أن وجودهم هنا لساعة واحدة كما اتفقوا.
ثم يعيدها للمنزل ويعود لأعماله وقد أعطاها حقها في تلبية حاجتها، كما أصبحت تعطيه حقوقه الزوجية.
تقدم منها، وقبل أن يخبرها بوجوب رحيلهم، تلاقت عيناها به بسعادة وهي تتجه إليه.
"عجبهم الهدايا أوي، ربنا يوسع من رزقك وتفضل ديما ترسم الفرحة على وشوش الناس."
ألجمته عبارتها، بل جعلت جموده يتلاشى.
وهو يعانق عينيها بنظرة طويلة، يتساءل داخله.
هل هي بالفعل مختلفة عنهن جميعاً، عن والدته وفريدة بل وأيضاً أميرة؟
فاق من شروده، وهو يراها تحاول جذبه نحو الأطفال.
"مش كفاية كده يا حياة، عندي اجتماع مهم."
"اقعد بس معاهم خمس دقايق ونمشي، أرجوك."
وبرجاء كانت تهتف عبارتها، وقد علقت عيناها بعينيه.
خفق قلبه بشعور لا يعرف مهيته، واقترب من الأطفال يتأملهم بنظرات حانية بعيداً عن قسوته وجموده.
توقفت بعيداً عنه، وقد اقتربت منها السيدة "فاتن" سعيدة بما تراه.
"حافظي عليه يا حياة، الفرصة مبتجيش في حياة الإنسان غير مرة واحدة."
وها هي تنفذ المطلوب، تنفذ ما تنصحها به "ناهد" وقد أصبحت قريبة منها.
تطبق ما كانت تسمعه من الحكايات، فالرجال لا يحبون زوجاتهم إلا بعدما تجمعهم العشرة والمواقف.
ورغم تضارب قلبها وعقلها مع بداية زواجهم وإرغامها على هذه الزيجة، إلا إنها وجدت معه الخلاص من حياتها بجانب زوجة أخيها.
انتبهت على سماع باب الغرفة يفتح، ودلوفه بأرهاق وقد قطب جبينه وهو يراها مستيقظة لهذه الساعة.
أسرعت إليه تسأله بلهفة صادقة.
"اتأخرت ليه يا عامر؟"
أراد أن يخبرها، أن لا حق لها بأن تسأله عن شيء.
ولكن توقف الحديث على طرفي شفتيه وهو يجدها تقف خلفه وتزيل عنه سترته.
"قلقت عليك، وفضلت مستنية نتعشى سوا. وعلي فكرة أنا جعانة خالص."
"اتعشيت بره، وبعد كده تقدري تاكلي من غيري لما أتأخر."
تعجبت من نبرته الجامدة، فالفترة الماضية كان يعاملها برفق.
شعرت بالتوتر وهي تراه يبتعد عنه ويتجه نحو المرحاض.
نفضت عقلها من أفكارها ومخاوفها، واتجهت نحو المرآة تنظر لهيئتها.
أزالت مئزرها برفق، فتخضبت وجنتيها من شدة الخجل.
أعادت المئزر فوق جسدها ولكن سرعان ما كانت تتذكر حديث "ناهد".
فرجل كزوجها بمكانته يرى الكثير من النساء.
أزالت المئزر مجدداً ووقفت تمشط خصلاتها الطويلة.
وقبل أن تتجه نحو الفراش وتستر جسدها بالغطاء، كان يخرج من المرحاض يجفف عنقه وخصلاته.
انتبه على سماع شيء يسقط، فابعد المنشفة عن وجهه.
ليراها تقف مرتبكة تنظر إليه وهي تلتقط قرورة العطر التي سقطت منها.
اقترب منها ببطء وهو يرى تراجعها عنه.
ورغم إنه قد قرر عدم الاقتراب منها هذه الليلة إلا إنه كان يتحرك صوبها بأنفاس لاهثة.
"انتِ جميلة كده ليه يا حياة."
تمتم عبارته، وهو لا يدرك كيف خرجت الكلمات من شفتيه.
جذبها إليه فارتطمت بصدره الصلب، تسأله وهي تشيح عيناها بعيداً عنه.
"أنا بجد جميلة يا عامر."
والجواب الذي كان يستنكر إنه منحه لها، كان يعيده ثانية عليها، بل أخذ يعيده لمرات عديدة وهي بين ذراعيه يسحبها معه نحو السحاب.
***
وقفت باكية، تتأمل رحيل والدها بعدما جاء ليطمئن على أخيه أولاً ثم عليها.
طالعها في صمت، وقد وقف قريباً منها حتى تلاقت عيناهما.
فحدقته بأعين قاتمة.
"مرضتش تمشيني معاه ليه، مش كنت عايز تطلقني ولا جاسم باشا لسا بيدرس قراره، بس أنا بقي مش عايزة أعيش معاك خلاص."
ألقت عبارتها بصراخ، جعل عيناه تحتد، فمنذ متى وأصبح صوتها هكذا أمامه.
"مليون مرة أقولك صوتك ميعلاش، كلامي ليه مبيتسمعش."
هتفت بها، وهو يقبض فوق ذراعها بقوة.
فنفضت ذراعها عنه.
"مش عايزة أعيش معاك تاني، كفاية ذل وإهانة لحد كده، طلقني."
حدقها بنظرات مظلمة، وهو يستمع لعبارتها.
أقترب منها، فاخذت تتراجع عنه وهي تري نظراته.
"طيب يا جنه، أنسي بقي موضوع الطلاق."
"لأني مش ناوي أديكي حريتك دلوقتي."
وانحنى صوبها، فمالت برأسها بعيداً عنه، بعدما شعرت بأنفاسه تلفح صفحات وجهها.
"إلا لما آخد حقوقي يا جنه، وأتمتع بامتيازات الجوازة، مش معقول تخرجي من الجوازة لسا بنت، ده حتى عيبه في حقي."
ألقى عبارته بوقاحة، وابتعد عنها يتفرس ملامحها.
فصدحت ضحكته عالياً وهو لا يصدق إن بضعة كلمات ترغبها النساء منه، تجعلها مذعورة هكذا.
***
امتقع وجهها وهي تتأمل بعينيها تلك الفتاة التي يصطحبها صديقه.
فاقتربت منه.
"هي دي حبيبت صاحبك اللي ناوي يتجوزها."
ابتسم "أحمد" وقد انتبه على نظراتها نحوهم.
"مش عاجباكي."
وبهس خافت كانت تسأله.
"إزاي موافق تلبس كده."
وقبل أن تكمل باقية حديثها، اقترب منهم "رامي" هاتفاً باعتذار.
"أسفين على التأخير، اعرفكم بس سارة."
نهض "أحمد" عن مقعده مرحباً بها وعيناه نحو صفا، وقد ضمها إليه بعدما وقفت هي الأخرى مرحبة.
"صفا مراتي."
ارتجف قلبها من لمسته، وتعريفها لهم بأنها زوجته.
حاولت التخلص من ذراعها.
فابتسم وهو يحررها أخيراً، وعادوا لجلوسهم.
أتى النادل، ولدهشتها إنه قد اختار لها أنواع الطعام التي تحبها.
طالعته في صمت، كما أخذ "رامي" يحدق بهم.
لا يصدق أن هذا الزوج ليس إلا صورياً.
كانت عينين الجالسة أمامهم تراقبهم.
تنحنحت "سارة" بعدما شعرت بانتباه "صفا" عليها، وعلى تحديقها بهم.
"مكنتش فاكرة، إنك بالجمال ده يا مدام صفا."
تورّدت ملامح "صفا"، وقد علقت عيناها بالجالس جوارها.
فاقتربت منه حتى تخرجه من شروده وحرجها أمامهم من نظراته العالقة بها.
فماذا كان سيفعل إذا كان يحبها؟
أم هذا دوراً يجيده حتى يثبت إليهم إنهم زوج وزوجة بالفعل.
"بتبصلي كده ليه، ممكن تستعجل النادل لأني جعانة."
ضحك "أحمد" مرغماً، بعدما أشاح عيناه بعيداً عنها.
فرمقه "رامي" متعجباً.
"طيب ما تشاركونا معاكم الضحك يا جماعة، بصراحة يا مدام صفا انتي عملتي إنجاز في شخصية جوزك المصون ده، ده كان بارد ورخم بشكل بس دلوقتي حاسس إنه بقي لذيذ."
تعالت ضحكاتها رغماً عنه، فاسرعت بوضع يدها فوق شفتيها، بعدما حدقها بنظرات متوعدة.
فقد أعجبها حديث "رامي" عنه.
"شكلي النهارده هخليك تدفع عزومة العشاء عقاباً ليك."
تراجع "رامي" بمزاحاته، بعدما رمق المكان.
"وعلى إيه أنا بقول السكوت حلو."
حاولت كتم صوت ضحكاتها، فضغط بحذائه فوق قدمها، لتتأوه بخفوت من فعلته.
"نتلم شوية يا مدام مفهوم!"
***
وقف يتأمل نظرات عيناها الشغوفة، وهي تتابع سعادة أروى بالورد الذي قد بعثه إليها هاشم في لفتة رومانسية منه.
تجمدت ملامحه، وهو يرى الحسرة قد ارتسمت فوق ملامحها بعدما تلاقت عيناهما معاً.
انتبه على صوت شقيقه، بعدما دلف للشرفة الواسعة.
"امتى هترجع لنفسك تاني يابن أبوي، وتنسى الماضي."
التفت إليه جاسر بجمود، رغم مشاعره المضطربة، يتجاهل حديث شقيقه.
"الحاج نام."
فهم "فاخر" هروبه من سؤاله، فتنهد زافراً أنفاسه.
"طبعك ومش هتغيره يا جاسم، ديما مبتحبش قد تقول إنك غلط، متقلقش أبوك كويس، أخد علاجه ونام."
***
مع أول خطوة كانت تصعد فيها الدرج متجهاً إلى غرفتها، كانت ذراعيه تجذبها بقوة يصرخ بها، بعدما فقد كل ذرات تعقله.
"كانت قاعدة حلوة صح، اندمجتي أوي مع رامي."
طالعته بذهول، وهي تشعر بقسوة قبضته فوق ذراعيها، ولكن تجاهلت آلامها وهي ترسم ابتسامة واسعة فوق شفتيها.
"رامي، صاحبك بجد مفيش منه، شخصية جميلة أوي تخليك تنسى الدنيا وتضحك من قلبك."
تجمدت ملامحه، وهو يسمع عبارتها التي زادته تجهماً وقتامة بل جعلته لا يشعر بقسوة حديثه.
"متنسيش وجودك في حياتي كان ليه، ومدته قد إيه، متتعوديش أوي على العيشة."
وأردف ساخطاً.
"متنسيش إنك مجرد بنت كنتي بتشتغلي عندي."
دفعها من أمامه بعدما ألقى بحديثه، وانصرف وهو يلعن ذلك الشعور الذي أصبح يجتاحه بقوة.
وقفت مكانها مصدومة بأعين متحجرة وسرعان ما كانت تنساب دموعها فوق خديها.
وقد أخذ حديثه يتردد في أذنيها.
فهي بالفعل ليست هنا إلا لمدة معينة، ولكنه كاذب.
فلم تعد تعلم أين هي في حياته.
***
كان سؤال "ناهد" كفيل بأن يجعل قلبها يخفق بقوة.
إلى أن عادت ناهد بتسألها ثانية بمراوغة.
"بدأتي تحبي عامر يا حياة."
طالعته "حياة" بنظرات شاردة، لا تعرف بما تخبرها.
لأنها بالفعل لم تعد تعرف مشاعرها نحوه.
أغمضت عيناها وهي تضع بيدها على عنقها تتذكر عنفوانه معها في علاقتهما.
ولكن ذلك العنفوان سرعان ما يتحول لشغف.
إنها باتت لا تشعر بأنفاسها الهادرة وهي قربه، حتى قلبها بات يتقافز من موضعه حيناً يراه وكأنه يتوق لمساته.
عقلها وقلبها وجسدها، أصبحوا خائنين إليها وقد تركت نفسها لهذا الرجل بعد تلك الليلة.
"حياة."
هتفت "ناهد" اسمها، بعدما اختفى صوتها.
وطال جوابها.
"مش عارفة، لكن عامر بقي يعاملني كويس."
والمعاملة لم تكن إلا بالفراش.
ولكن ناهد ظنت أن الأمور بدأت تصلح بينهم من جميع الجوانب.
"أنا معرفش يعني إيه حب غير من القصص اللي بنسمع حكايتها."
"مجربتش إحساس إن حد يحبك من غير مقابل غير مع أمي وأبويا الله يرحمهم."
توقفت الكلمات على طرفي شفتيها، وهي تلتف خلفها على أثر صوته الجامد.
"أخبارك إيه النهارده، المرافقة معاكي كويسة ولا أبدلها ليكي."
ارتسمت السعادة فوق ملامح "ناهد" وهي تستمع لصوته وانتظرت قربه.
أقترب منها يجاورها فوق فراشها.
وقد علقت عيناه بتلك التي غادرت الغرفة، يتذكر حديثها الذي سمعه مع والدته.
"حياة مش شبهي يا عامر، حياة نضيفة من بره ومن جوه، اوعي تخسرها يا ابني، لأنك مش هتلاقي زيها تاني."
ألجمه حديث والدته، وتلك المرة كانت عيناه تتعلق بوالدته.
"مش بنفوز غير مرة واحدة في الحياة."
***
جلس على فراشه بتعب، يتأملها وهي تعدل من وضع وسادتها فوق الأريكة.
فنهض واقترب منها.
"تعالي نامي على السرير."
صدمتها عبارته، تتذكر أول ليلة لها معه.
بعدما دفع الوسادة نحو الأريكة، يخبرها إنه مكانها وقد رحمها من نومتها على الأرض لكرم أخلاقه.
وباستهزاء تمتمت.
"مش متعودة على كرم الأخلاق ده يا جاسم باشا، عموماً متشكره على عرضك السخي."
احتقنت ملامحه، من سماع عبارتها التي لم تعجبه.
"كلمة ومش هعيدها تاني، اسمعي الكلام مرة في حياتك يا جنه."
"طب وانت هتنام فين."
تسألت بعدما قررت، أتأخذ الهدنة معه في الحديث.
فظهرت ابتسامته لأول مرة.
"متخافيش هنام في أوضة تانية."
"ليه موجهتنيش لما ضغطوا عليكي عشان تتجوزيني."
باغتها بسؤاله الذي لم تتوقعه منه، فتلاقت عيناها بعينيه.
وقد انتظر سماع جوابها ولكن جوابها قد طال.
"جنه انتي قبل ما تكوني مراتي، فأنتي بنت عمي يعني من دمي ولحمي. اوعدك إني هراعييكي وهحاول مبقاش معقد ومتسلط زي ما انتي شايفاني. بس حاولي تحترمي وجودي وغيابي وبلاش تصرفاتك المجنونة."
اتسعت حدقتاها في صدمة وهي تستمع لحديثه، لا تصدق أن الذي يقف أمامها ويحادثها هو "جاسم" زوجها.
وبمرارة تمتمت بعدما ابتلعت غصتها.
"أنا بحترمك، انت اللي مبتحترمنيش."
كان يعلم بصدق حديثها، ولكنه أراد أن يمحو الحزن التي احتلت قسمات وجهها.
وبمزاح كان جديداً عليها تمتم.
"طيب وبخصوص مصايبك السودا اللي بتعمليها انتي وأروى."
ابتسمت مرغمة، فابتسم هو الآخر، يتذكر عندما شاهدها أحد رجاله صباحاً، تجلس مع بعض نساء بلدتهم وتتناول معهم بعض الأطعمة وتمازحهم.
واقترب منها بهدوء، يخبرها.
"مش هكون معاكي ديكتاتور تاني، بس اوعاكي تنسي وضعي هنا في البلد."
وسرعان ما كان يتحول هدوئه، لضحكات عالية.
وهو يراها تحدق به بغرابة، ترفع حاجبيها بطريقة مضحكة.
وبرغبة ملحة كانت تقتحم قلبه.
أجتذبها نحوه، يضمها إليه بقوة أفتقدتها صوابها، بل وجعلته يفقد حصونه للحظات.
"ولولا ابتعادها عنه، لكان حدث ما يخشاه، أن يجعلها امرأته."
***
برودة مشاعره أصبحت تعصف به بقوة، فانتفض من غفوته بعدما غاب سلطان النوم عنه ليتركه لسلطان جنونه.
نهض عن فراشه، وقد رحل النوم عنه.
وبخطوات هادئة كان يهبط الدرج متجهاً صوب غرفة مكتبه.
عاد إلى عالمه هروبه ثانية ولكن بمشاعر أخرى.
فمشاعره السابقة كانت للماضي الذي أفقده أجمل أحلامه، أما الآن فهو يصارع حاضره ومستقبله.
توق ونفور لمشاعر أراد دفنها.
وكل شيء داخله لم يعد يفهمه.
أغمض عينيه بشرود وهو يتذكر كلماته اللاذعة التي قد دمرها بها مرة أخرى.
خرج من مكتبه وقد اتخذ قراره بالذهاب لغرفتها، فلم يعد يطيق الشعور الذي يثقل فؤاده.
وبمشاعر مضطربة، كان يجول ببصره على ملامحها الهادئة في ظلام غرفتها.
أقترب من فراشها، وأنحنى بجسده، يتأمل كل تفاصيل ملامحها.
مدّ كفه نحوها بتردد، فتغلب عليه قلبه.
وأخذت أنامله تتحرك بخفة فوق خديها وعينيها.
"سامحيني يا صفا، سامحيني بس انتي السبب. انتي شبهها أوي بجنونها وبرائتها. بنسي معاكي العالم كله. نظرتك ليا فيها حاجة مش قادر أقومها. أنا ليه بظلمك كده وأنتي كل اللي بتقدميه ليا بدافع الحب، بس صدقيني بُعدك عني راحة، اوعاكي تفضلي تحبيني، لازم تكرهيني يا صفا."
***
دلفت بقدميها لأول مرة مقر شركته، فابتسمت أروى وهتفت بسعادة وهي تشتاق لرؤية هاشم ومفاجأتها له.
"جاسم أكيد هيبسط أوي لما يشوفك."
طالعتها "جنه" باضطراب وخوف، تخشى ردة فعله عندما يراها.
فهو لن يكون سعيداً برؤيتها.
خفق قلبها وهي تتمنى أن ترحل حتى لا يكسر قلبها كعادته.
فهي لن تتحمل كسرة أخرى أم إذلال منه وخاصة لو حدث ذلك أمام أروى.
"أنا بقول أرجع استناكي في العربية أحسن يا أروى، وانتِ روحي صالحي هاشم وتعالي."
لم تمهلها "أروى" لتسمع المزيد من الاعتراضات، وجذبتها إليها.
"يا عبيطة هفضل أعلم فيكي لحد إمتى، لازم تقربي من جاسم أكتر وتهتمي بيه، اشمعنى نصايحك دي بتقوليها ليا."
أطرقت رأسها بحزن، فهي تعطي لأروى النصائح حتى تعيش بسعادة مع رجل كهاشم، يحبها ويتمنى رضاها.
لكن هي وجاسم علاقتهما مختلفة.
جاسم لا يحبها ولا يراها ولا يرغبها.
صحيح تحسنت معاملته لها ولكنها لن تخدع حالها وتظن إنه سيحبها يوماً.
ومع خطوات لم تحسب سرعتها بسبب شرودها، وجدت "أروى" تضغط على زر صعود المصعد، تتسأل بلهفة.
"تفتكري الهدية هتعجب هاشم."
"هاشم بيحبك يا أروى، واللي بيحب حد بيسامحه طول."
تعالت السعادة فوق ملامح "أروى" وهي تستمع لعبارة زوجة أخيه وابنة عمها الحبيبة.
ضمتها "جنه" بحنان، وسرعان ما كان يتوقف المصعد في الدور المنشود.
خرجوا من المصعد، فتحركت "أروى" نحو الطرقة المؤدية لغرفة هاشم.
تهتف إليها دون أن تنتظر سماعها.
"مكتب جاسم على إيدك الشمال، ومتقلقيش مكتب رئيس مجلس الإدارة هتلاقي مختلف وهتعرفي علطول."
وتركته وذهبت بخطي سريعة.
ومن سوء حظها كانت "نيرة" تسير عبر الردهة التي وقفت فيها بتوتر، لا تعرف أن تقف مكانها تنتظر أروى أم تهبط للأسفل وتنتظر بالسيارة.
انتبهت على صوت "نيرة" التي فور أن رأتها، اقتربت منها بنظرات خبيثة، ماكرة ترسم فوق ملامحها ابتسامة مصطنعة.
"يا جنه مش معقول، أكيد جاية لجاسم، بس جيتي مع مين."
وصمتت نيرة للحظات وهي تعبث بخصلات شعرها مفكرة.
"أكيد مع أروى."
أومأت "جنه" برأسها، ورغبتها في الفرار تزداد.
"نورتي الشركة يا جنه، جاسم أكيد هيكون مبسوط."
تفت به "نيرة"، وهي تنظر لملامح "جنه"، التي لمعت عيناها وقد عاد الأمل داخلها.
بأن جاسم سيسعد لرؤيتها، حتى إنها بدأت تتخيل كيف سيستقبلها ويهتم لأمرها.
طالعتها "نيرة" بخبث، تهنئ نفسها على تلاعبها بها، وعلى تصديقها إنها شيء هام بحياة جاسم.
ويبدو عليها إنها أصبحت متيمة بابن خالته.
"هو دلوقتي فاضي، هدخل أقوله إنك بره."
تبعته "جنه"، حتى أصبحوا في غرفة فسيحة وقد اقتربت نيرة من سطح مكتبها، تلتقط من فوقه بضعة ملفات متمتمة.
"هوديله الملفات، وأبلغه بوجودك، أقعدي يا جنه مالك واقفه كده."
استعجبت لطفها العجيب، وجلست منتظرة.
تضم حقيبتها الصغيرة إليها.
خرجت نيرة بعد دقائق من غرفته وقد أغلقت الباب خلفها، فنهضت على الفور ولكن أملها قد خاب وهي تسمعها.
"5 دقايق بس يا جنه، لأن للأسف دخلت لقيته مشغول."
حدقتها بشماتة، وهي ترى نظرات الخذلان مرتسمة فوق ملامحها.
"ها تشربي إيه، ولا هتستني تشربي مع جاسم."
هتفت "نيرة" عبارتها بخبث، وهي تخفي نظراتها الشامته وسعادتها.
وهي تري شحوب ملامحها.
مرت الخمس دقائق كما أخبرتها، أتبعها عشر دقائق.
حتى طالعت ساعة يدها البسيطة، فوجدت إنه قد مر نصف ساعة وهي تنتظر سماحه لها بالدلوف لغرفته.
نهضت عن مقعدها، بعدما شعرت بالمهانة، وقد علقت الدموع بأهدابها.
"لو مش فاضي امشي خلاص."
حدقتها "نيرة" بصدمة مصطنعة، وهي تزيح حاسوبها الشخصي من أمامها، ثم نهضت معللة.
"ثواني يا جنه، تمشي إيه بس، أكيد جاسم انشغل شوية، مش عارفة أقولك إيه هو طول كده الشغل بينسي أي حاجة في حياته."
واتجهت "نيرة" بالدلوف لغرفته، ترسم فوق ملامحها ابتسامة واسعة، فقد أتتها الفرصة على طبق من ذهب لتقهرها.
عادت لجلوسها بأحباط، تفرك يديها بتوتر.
فانتبهت على رائحة عطر قوية.
ثم تقد إحدى النساء منها.
قبل أن تسأل عن وجود نيرة، كانت نيرة تخرج من غرفة جاسم.
وتستقبلها بترحيب.
"أهلاً مدام ناريمان نورتي، حالا هدي خبر لمستر جاسم بوجودك."
أتجهت نيرة عائدة لغرفة "جاسم" غير مهتمة هذه المرة بوجودها.
جلست المرأة فوق المقعد منتظرة، وسرعان ما كانت تخرج نيرة متمتمة.
"اتفضلي يا مدام ناريمان."
علقت عينين "جنه" بالمرأة التي سارت أمامها بخيلاء.
فاقبضت فوق حزام حقيبتها وقد ارتجفت شفتيها.
تمنع دموعها من الهبوط.
"أعذريني يا جنه، جاسم بيبلغك إنه مش فاضي، وخلي السواق يوصلك."
لم تنتظر سماع المزيد، واندفعت خارج الغرفة.
ودموعها تنساب فوق خديها.
لقد طعنها في الصميم.
لقد حرق قلبها وأذلها.
ارتطم جسدها بكتف "فاخر" الذي وقف يطالعها مصدوماً من هيئتها، حتى إنها تجاهلت نداءه.
رواية سطور عانقها القلب الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم سهام صادق
"ماما، فاكراني؟"
تجاهلت "حياة" عبارتها، ودخلت المنزل، وضعت ما تحمله من يدها، وخلفها السائق.
"ليه بتقولي كده يا سناء؟ هو فين رجب والولاد؟"
رمقتها "سناء" بنظرة حاقدة، تفحص بعينيها ما تريد من ثياب ومجوهرات.
"رجب في الشغل يا حببتي، والولاد في مدارسهم. قومي قومي يلا اعملي بقعدتك، أنا تعبانة ومش طايقة نفسي. عقبال عندك حامل يا أخت جوزك."
تفت بها "سناء" وهي تتجه نحو غرفتها، ولم تجد إلا حديثها المسموم الذي ستنال به حقها وتثأر لحالها.
"حامل!"
صدمت "حياة"، فشقيقها لم يعد يتحمل الإنفاق على صغاره الخمس.
حدقتها "سناء" بملامح ممتعضة وهي تقف أمام غرفتها.
"هدخل أنام، عايزة لما أصحى ألاقي كل حاجة نضيفة، والأكل معمول. أنتي مش غريبة يا حياة، وولاد أخوكي زمانهم جايين من المدرسة."
حدقتها "حياة" بنظرات صامتة. وقفت "سناء" مكانها والحقد يتوغل داخلها، بل يحرق فؤادها، وعادت تلتفت إليها ثانية.
"هو صحيح جوزك زهقش لسا منك؟ أصل اتفاقه مع رجب إنه شهرين ويطلقك لو ما حصلش حمل. هو أنتِ مش حامل يا حياة؟ ألحقي يا حببتي أحملي قبل ما يرميكي ويشوف واحدة غيرك تجبله عيل."
حدقتها تلك المرة "حياة" بملامح شاحبة، لا تستوعب ما تسمعه. وقد وصلت سناء لهدفها، وهي ترى السعادة اختفت من فوق ملامحها.
***
صُدم، وقد تصلب جسده، وهو ينهض بصعوبة من فوق مقعده، لا يقوى على الحركة.
أشار إليها بأن تعيد حديثها مجدداً. فاقتربت منه تخبره ما جاءت لأجله.
"كنت حامل منك."
ابتلع ريقه وهو يرمقها، يحاول استيعاب ما يسمعه، متمتماً أخيراً.
"كنتي حامل مني إزاي!"
ألقى عبارته، وهو يهوي بجسده مجدداً فوق مقعده، بعدما لم يعد يتحمل وقوفه. ارتجفت شفتيه، يعيد عبارة الواقفة على مسمعه، وقد انفصل عن العالم.
"حامل!"
علقت عينين الواقفة به، وهي لا تصدق صدمته التي لا تعرف تفسيراً له. حتى إنها باتت تشعر وكأنه يقف أمام رجل آخر غير "جاسر المنشاوي" الذي عاشت معه لشهرين يذيقها عنفوانه المحبب لقلبها، ثم طلاقهما كما اتفق.
توقف عقله عن العمل، يصارع عواصف الماضي الذي قد أخذ منه عمراً كاملاً. فماضي قد حوله من شخص يعشق لشخص يمقت، ماضي قد جعل شبابه يتحول إلى شيخوخة. ضاقت أنفاسه ورفع كفيه يدلك بهما جانبي رأسه، وقد عادت المشاهد التي حفرها الزمن تعصف داخل ذاكرته بقوة.
فلاش باك.
"للأسف يا جاسر، نتيجة فحوصاتنا طلعت."
صمتت قليلاً قبل أن ترفع بوجهها لتصفعه بدون رحمة قائلة:
"العيب فيك، ونسبة علاجك ضعيفة جداً."
يهوي بعدها فوق فراشهما، وقد تجمدت عيناه نحو الفحوصات التي وقفت تحملها بين يديها. فهو من ضغط عليها كي يسارعون في أمر الإنجاب. امتدت يداه بارتجاف يلتقط من الفحوصات، ينظر نحو النتائج بأعين زائغة وأنفاس مثقلة، وهي تعيد على مسمعه ما أخبرها به الطبيب.
اقتربت منه وهي تتأمل تقسيمات وجهه المكفهرة من الصدمة، وانحنت بجسدها قليلاً، تجثو فوق ركبتيها أمامه، وراحت تمسك وجهه بين راحتي كفيها.
"أنا هفضل جنبك يا حبيبي ومش هسيبك أبداً. أنا مش عايزة أطفال غير منك أنت. وما دام ولادي مش هيكونوا منك يا جاسر، خلاص أنا مش عايزة."
وأردفت بعدما رأت عيناه تتعلق بها، ولم تكن نظراته إلا خاوية.
"أنا اكتفيت بيك يا جاسر."
وقف شريط التضحية، وقد ارتسمت السخرية فوق شفتيه. حتى إن الواقفة أصبحت لا تفهم شيئاً من تبدل ملامحه وصمته. عاد لشروده وهي يتذكر.
بعد مرور عام على تلك التضحية العظيمة، وتقبل فيه قضاء ربه بقلب راضٍ. فكم كان لديه رغبة قوية في أن يتبنى طفلاً يراعيه ويتخذه ولداً له، ويغدق عليه حنانه.
لتحترك المشاهد مجدداً أمام عينيه، وكأنها كانت بالأمس.
جاءت إليه إحدى الأسطوانات المدمجة كإهداء له، وصاحب الرسالة المجهولة التي كانت مرفقة مع الأسطوانة، يخبره أن لا يتجاهلها. أخذه الفضول ليرى ما بها، وقد كان يتوقع كل شيء إلا خيانة زوجته، بل ومع شريكه الجديد. يتبادلون القبلات بجوع، يعبث بجسدها، وهي تتأوه. فتزداد يداه جراءة، إلى أن مال بها فوق الفراش. لم يتحمل رؤية المزيد من المقطع المسجل، فقذف بحاسوبه عرض الحائط وهو يصارع هيجان عقله من الجنون، ويخرج سريعاً من مقر شركته التي يتابعها في فرنسا.
وبسرعة قصوى، كانت ستضيع فيها حياته، وصل فيها إلى منزله، وخرج من سيارته، يتحرك بخطوات يدلف المنزل. كان يتحرك نحو الأعلى، ولكنه توقف مكانه يستمع لصوت ضحكاتهم، وعلى ما يبدو إنهم كانوا على وشك الصعود لأعلى.
احتدت عيناه ولم يشعر بحاله إلا وهو يهجم عليه بقوة، حتى تمكن الآخر من دفعه صارخاً وهو يزيل الدماء عن أنفه.
"طلقها يا ابن المنشاوي، والشركة أتنازل عنها... بدل ما أنت عارف ممكن أعمل إيه باللي بعتهولك، وتخيل لما أهل البلد عندك في الصعيد يشوفوك وأنت طرطور، ولا الحاج لما يلاقي آخرة تربيته في كبير العيلة راجل خرونج. بص، أنا مش هقولك أنا ممكن أشوه صورتك إزاي، بس أنت عارف."
يكاد أن يعوض لسحقه. يستعد لإخراج سلاحه وقتلهم معاً.
"كان لازم أخونك، إزاي أعيش مع راجل عقيم مبيخلفش؟ أنت عقيم يا جاسر، وأنا عايزة طفل حتى لو هنسبه ليك وهو مش منك. طلقني، كفاية لحد كده عليك."
وجد رجال الشرطة يقتحمون المنزل. ينظر إلى ما حوله مصدوماً، يُقيدونه بتهمة أخرى وهي تجارة السلاح.
فاق من شروده على صوت زينة التي كانت أول من عشقه ورفض هو حبها من أجل تلك الساقطة.
"زينة: أنت عارف إن جوازنا كان صفقة، وكل واحد أخد مصلحته... أنا مش جايه أخدعك، أنا جايه أقولك إزاي مرام قدرت توهمك سنين طويلة إنك مبتخلفش يا جاسر، إزاي صدقته."
يهوي هو على أقرب مقعد متأملاً إياها بقوة قائلاً:
"زينة، أنتِ عارفة إنك غير أي ست اتجوزته."
تجلس هي أمامه بهدوء قائلة بأسف:
"كان نفسي ابنك يعيش يا جاسر، بس للأسف، اتولد ميت. أنا معرفتش بحملي فيه غير لما سافرت لأهلي في المغرب تاني، هناك عرفت إني حامل. حاولت أجي على نفسي وأرجعلك تاني، بس أنت رميتني وطلقتني يا جاسر أول ما صفقة جوازنا انتهت، أنت بعت حبي ليك كتير."
رفع بعينيه إليها ليتأمل عشقها الذي ما زالت تحمله له، حتى تمتم بغضب:
"آه لو كنتوا عايشين لحد دلوقتي، كنت قدرت أنتقم منكم."
***
ابتعد عنها بملامح جامدة، وهو يراها كقطعة الجليد بين ذراعيه. نهض عنها ضجراً. فما الذي يجعلها باردة هكذا؟ وهو اليوم بعثها لأهلها، بل وأصبح يعاملها برفق، يمنحها بعضاً من الامتيازات. هل ستتمرد عليه أم ستظن نفسها شيئاً هاماً في حياته؟ هي ليست إلا خانة فارغة في حياته.
"والهانم مالها مزاجها النهاردة؟ مش عايزة؟ قولي.. ستات صحيح تسد النفس."
صفعها بعباراته، فارتعشت شفتيها، لتنفجر باكية، تكتم صوت شهقاتها المرتفعة بيدها.
طالعها فزعاً، وهو يرى هيئتها، وقد تأكد أن هناك شيئاً أوصلها لهذه الحالة.
"مالك يا حياة؟"
هتف بها قلقاً، وقد تبدلت كل مشاعره الحانقة. وقعت عيناه على جرح كفها الذي لم يلاحظه.
فكل ما أراده حينما دلف غرفته، هي وحدها.
"إيه اللي جرح إيدك؟ هتفضلي تعيطي كده كتير؟"
"حياة: صبري بدأ ينفذ."
تمتم عبارته الأخيرة، وهو يتحرك داخل الغرفة ينتظر سماعها، وقد تعالت وتيرة غضبه.
"ليه.. ليه عايز تعمل فيا كده؟ ليه اخترتني أنا؟ ليه بعد ما خليتني أحس معاك بحاجات حلوة.. أفيق على كذبة كبيرة.. ليه اتجوزتني؟"
تجمدت عيناه عليه، يربط حديثه ببعضه. فمن أعاد إليه أفكارها المضطربة في أمر زواجهم، بعدما أخضعها لسلطانه وجعلها كما أراد.
انسابت دموعها بغزارة، وهي ترى الحقيقة في عينيه. غايته منها كانت كبيرة. هي لا تروق له، إنما اختاره لينال ما يشعره برجولته وسطوته.
نفض كل ما سمعه، واقترب منها يأسرها بين ذراعيه، ينهال عليها بقبلات عطشه.
"قولتلك كل ما كنتي زوجة مطيعة، كل ما كسبتيني يا حياة."
صفعتها عبارته الباردة، ولا تعلم كيف أتتها القوة، لتدفعه عنها هاتفة بأنفاس متقطعة.
"متلمسنيش، أنا بكرهك، بكرهك.. أنا صدقتك بغبائي، افتكرت فعلاً إننا بنحاول نقرب من بعض.. حتى لو مكنتش علاقتنا غير في..."
ابتعلت كلماتها الأخيرة، التي تشعرها بدنو وجودها في حياته، زوجة لإرضاء غريزته لا أكثر، زوجة لتنجب له طفلاً.. زوجة لا تعلم أي غرض آخر جعله يختارها من أجله.
حدقها بنظرات جامدة، بعدما التقط علبة سجائره، يلتقط منها سيجارة يدسها بين شفتيه.
"عايزة تعرفي سبب اختياري ليكي يا حاجة؟"
وببساطة كان يخبره عن غرض واحد، اختارها لسببه.
"عايزك أمينة يا حياة، وعايز أكون أنا سي السيد."
ألجمته عبارته، تنظر إليه في صدمة.
"انتوا كلكم شبه بعض، صنف نمرود وخاين للعشرة."
وها هي صفعة أخرى يصفعها بها. لا تعلم كيف أتتها القوة لتخبره عما سمعته من ثرثرة الخدم.
"وأنا مش شبه مراتك، يا عامر باشا. لو كان عندك عقدة بسببها.. متجيش تطلع عقدك على ولاد الناس."
ألقى سيجارته أرضاً، ثم داسها بقدمه غضباً. واقترب منها بعدما هتفت بعبارتها. تلاقت عيناهما، فطالعته في خوف، وقبل أن يرفع كفه ليصفعها، أحاطت وجهها بكفيها وأغمضت عينيها.
شعرت بالصدمة وهي تراه ينسحب من الغرفة، وصفع بعدها باب الغرفة بقوة، جعل جدران القصر تهتز.
ارتجف كامل جسدها، وكادت أن تتحرك نحو خزانة ملابسها، إلا إنها وجدت نفسها تسرع نحو غرفة "ناهد" وقد كانت مستيقظة وكأنها تنتظرها.
ارتمت بين ذراعيها، فضمتها ناهد نحوها تخفف عنها.
"هتتعبي مع ابني يا حياة، بس اللي استحملت قسوة أقرب الناس ليها.. هتقدر تصبر وتتحمل تاني."
وهل أصبح لديها قدرة للتحمل والخضوع؟
***
وقف يسمع صوت بكائها وهي جالسة في ظلام حجرتها تقرأ في كتاب الله. حدق في ساعة يده فوجد أن وقت بزوغ الشمس قد اقترب، وأن ليلته قد قضاها خارجاً ينفث عن غضبه وذكرياته.
تحرك من قربها، وقد تركها في خلوتها، واتجه نحو فراشه يرمي بثقله عليه، يُحدق بها من حيناً لآخر، يتذكر حديث فاخر معه عنها عندما جاءت إلى الشركة وخرجت من غرفة مكتبه باكية، اتصالات أروى التي انهالت فوق رأسه وقد كان في ذروة غضبه، فاغلق هاتفه عن الجميع.
تنهد بعمق وهو يعتدل من رقدته، بعدما وجدها تطوي سجادة الصلاة.
"ليه مادخلتيش ليا لما كنتي في الشركة؟ حد هناك زعلك بكلمة؟"
سألها بلطف، تعجبه. فهل وصل به البرود بأن يتحدث معها هكذا، وكأنه ليس هو من تسبب في بكائها. تلاقت عيناه، فنهض من فوق الفراش وهو يرى شحوب ملامحها شدة البكاء.
"مشيتي ليه من الشركة معيطة، ومدخلتيش ليا ليه؟ مش هحاسبك على خروجك من غير إذني دلوقتي، لكن لازم أفهم سبب عياطك."
عادت دموعها تُغرق خديها، كلما تذكرت ما فعله بها وإهانته له.
"أنت بتكذب عليا ولا على نفسك؟"
"جنه!"
صرخ بها، وقد عاد الحنق يرتسم فوق ملامحه.
"افهمي كلامك قبل ما تنطقيه."
"أنا مش هقدر أستحمل حياتي معاك أكتر من كده، أنا حاولت أرضى بنصيبي بس لحد كده وخلاص.. وجودي هنا وجنبك بيموتني بالبطيء."
كانت في عالم آخر وهي تهذي بحديثها، الذي لم يعد يفهمه. اقترب منها يقبض فوق كفيها، يسألها بهدوء لعله يفهم سبب بكائها.
"أظن من آخر مرة اتفقنا فيها هنحترم بعض وأنا على قد ما بقدر بنفذ وعدي."
لم تشعر بحالها، إلا وهي تضربه بقبضة يدها بقوة تصرخ به وتدفعه عنها.
"اشمعنى أنا، اشمعنا أنا اللي مش لاقية حد يهتم بيا هنا غير عمتي وعمي.. اشمعنى أنا اللي كل يوم بحس بالنقص.. ليه خلتني أوصل لمرحلة إني أحسد غيري على سعادته.. نظرة هاشم لأروى بتخليني أسأل نفسي مليون سؤال ليه حظي كان كده.. ليه بكمل حياتي مع واحد بيكرهني.. أنت وصلتني إني قربت أكون مريضة نفسية.. طلقني يا جاسر، طلقني ومتخافش.. هقول أنا اللي وحشة وبشعة ولو عايز تاخد حقك قبل ما تطلقني عشان رجولتك.. أنا موافقة.. بس طلقني."
ألجمته عبارتها، بل صدمته. هل لهذه الدرجة تريد التخلص من حياتها معه؟
"إيه اللي حصل لما جيتي الشركة مع أروى يا جنه؟"
انتظر سماعها، فاشاحت عيناها عنه، تمسح عنها دموع قهرها.
"مش مهم هي قالت إيه، المهم إني فهمت إن وجودي في حياتك مبقاش ينفع."
احتدت ملامحه وهو يسمعها، اتجه صوابه ولكنه كان يعلم أن في قربه سيكون هلاكها. غادر الغرفة بخطوات غضبه بعدما هتف عبارته.
"ما دام مش عايزة تقوليلي سبب ثورتك، هعرف أنا بنفسي يا هانم."
***
غياب خادمتهم بسبب عطلتها وذهابها إلى أهلها هو من جعل الحديث بينهم يعود مجدداً. تذوقت طعم الحساء الذي تطهوه بتلذذ.
تتمتم لحالها مشجعة:
"ياسلام عليكي يا صفا. آه لو صوفيا داقة طبخي لطلبت مني دروس خاصة في الأكل والنكهات، مش طبخهم اللي كله مسلوق ومفيهوش ملح."
"بتكلمي نفسك يامجنونة؟"
انتفضت مفزوعة على أثر صوته، ثم ضحكاته، لتلتف نحوه بغضب، تمسك بيدها معلقة الطعام، تؤرجحها نحوه.
"ابقى اطبخ لنفسك بقى، أنا مش فاضية."
سارت من أمامه، بعدما ألقت كلماتها الحانقة، عن شيء بسيط تفوه به، ولكنه كان يعلم إنها تخرج غضبها منه بأي شيء.
"رايحة فين؟ اقفي هنا."
امتقعت ملامحها، فعاد يبتسم إليها وكأنه لم يجرحها بكلمات لن تنساها يوماً.
"موافق إنك تكملي دراسة هنا يا صفا."
حدقته مصدومة من موافقته، فقد كان أمس معترضاً بشدة، حتى إنها كادت تبكي أمامه.
"بجد؟ موافق أعمل ماجستير؟"
تأمل سعادتها التي أسعدته، فاقترب منها يأسر جسدها بذراعيه، يشبع عينيه من رؤية سعادتها.
"مقدرش أحرمك من حياتك وأحلامك يا صفا، وما دام انتي حابة تكملي هنا.. وتطوري من نفسك ف مافيش مشكلة.. وجودنا في أمريكا شكله هيطول."
طالعته بدهشة وهي تحاول أن تستوعب حديثه.
"إحنا مش هننزل مصر آخر السنة.. عشان تطلقني وتشوف حياتك؟"
حرك رأسه نافياً، وقد شعر بالضيق من كلماتها، فابتعد عنها يُشيح بعينيه بعيداً.
"لسه مش عارف أمتى شغلي هنا هينتهي، أما موضوع إننا نفترق فأنسي ياصفا.. قدرنا بقى خلاص مربوط ببعض."
لم تُحركها كلماته، فهي تعلم بأنه يتحدث دون أن يشعر بما تفوه به، ثم بعدها يندم على حديثه.
"حد يبقى عنده لعبة حلوة ومجنونة كده ويتخلى عنه؟"
لم تؤثر بها كلماته المازحة، فتمتمت حتى تقطع الأمل عن قلبها.
"بس أنا عايزة ننفصل يا أحمد."
تجاهل حديثها وكأنه لم يسمعه، وأتجه ناحية الطعام متسائلاً:
"ريحة الأكل تجنن."
رمقته بملامح متعضة، وهي تراه يتهرب من حديثها عن أمر طلاقهم.
"هننفصل امتى يا أحمد؟"
تذوق الطعام دون أن يطالعها، أو يهتم بحديثها.
"وطعمه تحفة، ويتاكل."
والتف إليها، يرى معالم الحنق مرتسمة فوق ملامحها، وقد ظنته سيحادثها هذه المرة بجدية، بعدما طالت نظراته إليها.
"إيه رأيك بعد ما نخلص أكل، نتصل بعامر ونطمن عليهم؟"
وأردف بعدما تذكر عائلتها.
"وكمان عمتك وبنتها."
جعلها تنسى كل شيء، وقد ارتسم الحماس في عينيها، وهي تتذكر أحبابها وتناست أمر طلاقهم.
"فكرة جميلة، حضر بقى الأكل واعمل عصير.. ماهو دورك بقى مش إحنا متفقين نتعامل بتحضر."
طالعها وهي تغادر المطبخ، بعدما ألقت بأوامرها عليه، ولو يمكن إلا سعيداً بل أكثر الرجال سعادة.
***
غاص في شروده الذي أصبح يرافقه، تذكر لحظة تطلعه على فحوصاته الجديدة، لتصبح الحقيقة أمام عينيه. لم تكذب "ناريمان" عليه في شيء، فهو بالفعل ليس بعقيم، ولكنه أصبح بالخاسر. فقد خسر سنين طويلة من عمره وهو بلا أمل وبلا روح. قد خسر نفسه القديمة وأصبح شخصاً معقداً.
تعالى أصوات الجالسين، فرفع عينيه عن طبقه الذي لم يمسه، فوقعت عيناه على الجميع، يتأمل نظرات السعادة التي تشع من عيونهم جميعاً إلا هي. تأكل بدون شعور، يرى الكسرة في عينيها. الكل يمزح ويضحك إلا هي. فقد أطفأ روحها بالفعل، دموعها وقتل براءتها، وقد صدقت عندما أخبرته إنه حولها لبقايا امرأة.
زفر أنفاسه، بعدما شعر بثقل روحه من كم ما أصبح يعيشه مؤخراً.
"ليا طلب عندك يا جاسر، بس لازم توافق يا ابن أخويا عشان خاطر عمتك."
تلتفت العمة "منيرة" راجية، فأماء لها برأسه أن تطلب ما تشاء، فهو لا يرفض لها طلباً.
"عايزين نروح نصيف في الغردقة."
واتجهت بعينيها نحو جنه الساكنة في مكانها ولا تتفاعل معهم وكأنها بعالم آخر.
"وبما إني عارفة إنك مش هترضي تيجي معانا، فهناخد جنه."
هتفوا جميعهم برغبتهم في إجازة صيفية، يرغبون بموافقته.
كانت بعيدة عن أحاديثهم، لا تستمع لشيء، بل جعلت نفسها داخل قوقعتها، تنظر نحو طبق طعامها بشرود. تنحنح وهو يرمقها ولكنها كانت بعيداً عنه تماماً.
"أنا موافق يا عمتي، بس جنه لأ مش هتروح."
امتقع وجه منيرة، فابتسم وهو يراها كيف فاقت من شرودها وانتبهت على حديثه، ورمقته بنظرة أصبح يفهمها.
"جاسر: مش عايز مراتي تسيبني، في إيه يا جماعة، أنا وهي بعد فترة هنسافر تركيا."
علقت عيناها به، فحدقها بنظرة مبتسمة، جعلته يُشيح عيناها بعيداً عنه.
تهللت أسارير "أروى" وهي تطالعهم بسعادة، غير مصدقة أنهم أخيراً قرروا الحصول على رحلة زواجهم.
"هنيالك يا ست جنه.. جاسر باشا هياخدك معاه تركيا."
واتجهت بعينيها نحو "هاشم" الذي انشغل في تناول طعامه، لتتمتم بضيق ولكن بصوت منخفض لعله يسمعه.
"عارف لو مخلتنيش أسافر فرنسا زي ما وعدتني، هنكد عليك يا هاشم."
انحشر الطعام في حلقه، فاسرع في التقاط كأس الماء يرتشف منه، يُطالعها بيأس.
"مجنونة وتعمليها، وأسكتي بقى عشان أخوكي مركز معانا وشوية كده وهيقوم يقتلني.. ده أنا ولا كأني مش جوزها يا ناس."
طالع فاخر زوجته التي قد امتقعت ملامحها غيظاً، بعدما أدركت بأن تلك التي تدعي البراءة، قد حصلت على ابن خالتها أخيراً وانتهت أحلام أختها للأبد.
مال فاخر عليها هامساً، حتى يُخرج من دائرة شقيقتها وأفكارها التي يعلمها.
"إيه رأيك يا هدى في شهر عسل جديد؟"
وشدد على كلماته الأخرى محذراً:
"وبلاش أختك نيرة تنط معانا في كل حاجة، أنا مش عارف هي طالعة حقودة كده لمين."
رمقته "هدى" بحزن على حال شقيقتها، وهي تتذكر كل ما تفعله أختها منذ زمن لكي تحصل على جاسر وعمرها قد ضاع في الركض خلفه، لتتمتم بخفوت لحالها.
"غبية يا نيرة، هتفضلي طول عمرك غبية."
انسحبت من الجلسة، تحت نظرات الجميع صاعدة لأعلى، لتتابعها نظرات "منيرة" بحزن، واتجهت بنظراتها نحو "جاسر" الذي جلس جامد الملامح، يقبض فوق كفه الموضوع فوق الطاولة بقوة. ربتت العمة على كفه، وكأنها تشعر بوجود خطب ما يعتلي صدره، فأبتسم لها بدوره، ونهض عن مقعده ليتجه هو الآخر إلى حجرة والده في الأعلى، حيث مكان ذهابها.
اقترب من غرفة والده، ووقف ساكناً في مكانه يستمع لصوت بكائها ورجائها له.
"ارجوك يا عمي خليني أمشي من هنا، لو أروى مكاني كنت هترضي ليها تعيش مع حد بيكرهها."
طالعها "حسن" بنظرات حزينة، وكاد أن يتحدث، ولكن انتبه على دخول "جاسر" الذي اقترب منهم، يرسم فوق ملامحه ابتسامة واسعة، يُداري خلفها خيبته وحسرته.
"ممكن آخد مراتي يا حاج؟"
يبتسم حسن برضى، ويشير إليهم بالانصراف بعدما علم بأن ابنه سيتكفل بأمر زوجته ولكن بطريقة مُرضية بعيدة عن طباعه القاسية.
أمسك بيدها فجأة، يجرها خلفه برفق، ويهبط دون أن يتوقف أو يعبأ بكلماتها المعترضة.
"امسحي دموعك."
فحاولت أن تنفض يده عنها ولكن قبضته القوية لم تسمح لها، فهتف معاتباً.
"عايزة تمشي وتسبيني يا جنه؟"
هبطت معه لأسفل مرغمة، وهي لا تعرف كيف ستتخلص من حياتها معه. فوقف في مكانه، وقد قربها يضمها نحو صدره يستمع لتساؤل عمته.
"رايحين فين يا ولاد؟"
وجاسر كان يمنحها الجواب بمشاكسة، جعلت قلب منيرة يتراقص سعادة.
"مروحين بيتنا يا عمتي، أصل مراتي وحشاني أوي."
تجمدت عيناها، وهي تحاول الابتعاد عنه. فهللت أسارير منيرة سعادة.
"تسع شهور يا جاسر وأخد حفيدي في حضني، سامع يا ابن أخوي."
وهو كان خير من رحب بحديث عمته الذي راقه.
رواية سطور عانقها القلب الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم سهام صادق
وقفت أمامه حانقة من جره لها أمام العائلة، وذلك الحديث الذي ألقاه على عمته. لقد أخجلها أمامهم جميعاً. تجمعت ملامحها بالحنق وهي تراه لا يعبأ بشيء وكأنه لم يضعها في موقف محرج.
"إنت إيه اللي قولته قدام عمتي؟ أحرجتني قدامهم وكأن بينا حاجة فعلاً."
بوجه محتقن، أخذت ترمقه بتحدٍ.
"ومهما عملت، وحاولت تكون لطيف قدامهم.. أنا برضه مصممة نتطلق يا جاسم."
تجمدت عيناه الخاويتين نحوها، فتكأ بنصف جسده فوق الفراش متسائلاً، وهو يتجاهل جزءً من حديثها الذي لم يعجبه.
"إيه اللي قولته قدام عمتي؟"
هتف بعبارته، وهو يتفرس ملامحها. ليُحرك يده فوق شاربه وكأنه للتو قد تذكر حديثه.
"كل ده عشان قولت مراتي وحشاني، هو عيب لما الواحد فينا يقول مراته وحشاه."
طالعها بمكر، وهو يرى احتقان ملامحها، وقد أعجبه الأمر.
"هتطلقني إمتى يا ابن حسن المنشاوي؟"
وما كان منه إلا أنه انفجر ضاحكاً، وكأنه استمع لمزحة وليس كلمة طلاق.
"ابن حسن المنشاوي، سبحان الله اللي يشوفك من كام شهر وإنتِ بتترعبي مني.. ميشوفكيش قدامي وإنتِ واقفة تتكلمي معايا دلوقتي.. في كلام ماسخ يسد النفس."
ولم يُمهلها لحظة، لتستوعب حديثه. فاعتدل بكامل جسده فوق الفراش، يرمقها فاحصاً لملامحها وجسدها.
"لما يجيلي مزاج أطلق، هطلق يا بنت عمي."
أرادت صفعه بعد عبارته الأخيرة، وقبل أن تتمتم بعباراتها الغاضبة.. نهض من الفراش مقترباً منها بتلاعب.
"لكن بلاش تحلمي أوي، لأني غيرت رأيي."
وبوقاحة، أخذ يُتمم عبارته.
"أصلك بقيتي عجباني أوي."
لم تتحمل سماع المزيد من عباراته الوقحة، الباردة.. فاندفعت صوبه صارخة، ترفع سبابتها نحوه.
"هتطلقني يا ابن حسن، بدل ما أفضحك.. ولا أقولك هرفع عليك قضية خلع."
ورغم الجمود الذي ارتسم فوق ملامحه، إلا إنه تركها تهذي بما تريده، يعطيها كل الحق في ثورتها عليه. انحنى قليلاً حتى يزيل حذائه عن قدميه.
"خلع وتفضحيني.. مش بقول أظاهر إني قصرت الأيام اللي فاتت في معاملتك."
ضغط فوق كفيها بقوة، فحديثه لا يزيده إلا غضباً. تلاقت عيناها المتحدية بعينيه الناعستين، وقد ارتفعت وتيرة أنفاسها من شدة غضبها.
"بكرهك، بكرهك.. ومش قادرة أعيش معاك في مكان واحد."
وبغضب هذه المرة كان يصرخ بها، وهو يلتقط ذراعها يقبض فوقه ويهزها بقوة.
"متختبريش صبري يا جنه، أنا سايبك تتكلمي وتصرخي قدامي.. وأقول لنفسي حقها.. ما أنا عملت فيها حاجات كتير، يمكن لسه زعلانه من حوار الشركة.. مع إني عاقبت نيرة عشانك ونقلتها من عندي.. وإنتِ ماشاء الله مش على لسانك غير طلقني."
وبحركة لم تتوقعها، كان يدفعها نحو الفراش، يميل عليها يُكبل كفيها.
"طلاق مش هطلق يا بنت صابر، وهتتعلمي إزاي تتعاملي كويس مع جوزك."
"إنت مش جوزي."
بأنفاس لاهثة تمتمت عبارتها، وهي تحاول جاهدة التخلص من أسر ذراعيه.
"والهانم بقى عايزة تتأكد إني جوزها فعلياً.. معنديش مشكلة أعرفك النهاردة إني جوزك فعلاً."
ارتجفت أوصالها وهي تستمع لعبارته، ولم تغفل عن مضمونها الواضح.
"إنت وقح."
"بلاش أعرفك يعني إيه وقاحة يا جنه."
ببرود يُتقنه، كان يُخبرها بنفاذ صبره، وسرعان ما تحول ضجره لمشاعر أخرى.
"إزاي مكنتش شايف الجمال ده كله، مش معقول كنت أعمى."
باغتها بعبارته التي لم تتوقعه، فتجمدت عيناها نحو كفه وهو يُحركه فوق ملامحها.
"عيونك، شعرك.. ملامحك.. كل حاجة فيكي جميلة وناعمة يا جنه."
ارتجف جسدها من تغزله، وهي تشعر بالصدمة من حديثه وتحوله. أزدادت يديه جراءة وبأنفاس أصبحت مسلوبة رغماً عنها، أخذت تتدفعه.
"أبعد عني."
شعرت بشفتيه تجول فوق وجهها، غير عابئ بحركتها ودفعها له. حررها أخيراً من أسر ذراعيه بعدما التقط ملوحة دموعها بين شفتيه، وانتفض مبتعداً عنها.
"أنا آسف إني حسستك بالنقص في يوم، آسف إني خليتك تحسي إنك أقل من أي ست.. آسف على كل لحظة قهرتك وبكيتك فيها يا جنه."
وجدها ساكنة في مكانها، بعدما اعتدلت من فوق الفراش وضمت جسدها بذراعيها. استمع لصوت شهقاتها، لا يُصدق إنها أصبحت بالفعل لا تطيق وجوده.
"لدرجة دي كرهتيني يا جنه؟"
أعطته جوابها وهي تبكي بقهر، تدفن رأسها بين ساقيها.
"آه كرهتك."
ابتسم رغماً عنه، وهو يراها تخبره بكرهها له، وتهز رأسها نافية.
"وبتعيطي ليه دلوقتي؟"
"عشان مكرهتكش للأسف ومش عارفة أكرهك."
خفق قلبه، وهو يسمع عبارتها التي أعادت لقلبه النبض. اتجه صوبها يضمها بين ذراعيه رغم رفضها، وضحكاته تتعالى، حتى إنه أخذ يُغرقها بقبلاته.
"إنت غبي، ومتسلط، وقاسي ومعقد..."
صدحت صوت ضحكاته بصخب، وهو يُحاول التقاط كفيها، حتى تتوقف عن دفعه.
"يا مجنونة، كفاية."
حررها أخيراً من بين ذراعيه، حتى يتمكن من احتضان وجهها ومسح دموعها.
"خلينا نمنح بعض فرصة يا جنه، أنا عارف قد إيه كنت قاسي معاكي."
ارتجفت شفتيها، وتعالت أنفاسها وهي ترى رجلاً آخر أمامها.
"ليه اتغيرت فجأة كده؟"
منحها جوابه، وهو يدفن رأسها بصدره، فلم يعد يحب تذكر الماضي.
"هتعرفي كل حاجة في وقتها يا جنه."
ابتعدت عنه، تنظر نحو عينيه، وقبل أن تهتف بشيء.. كان يعود لضمها وهو يتسطح بجسده فوق الفراش.
"عايزك تنامي في حضني يا جنه!"
***
أخذ يتأمل تفاصيل وجهها بسعادة وهي تبتسم تارة وتحزن تارة، وتارة أخرى تصفق كالأطفال. حتى وجدها تهتف بسعادة وهي تقفز من مكانها.
"صفا: أيوه بقى هو ده!"
صدحت صوت ضحكاته رغماً عنه، رغم إنه حاول لمرات أن لا يشعرها إنه يُحدق بها كالمراهق، ولكن جنونه بات بالفعل يعيده لسنوات قد مضت.
"يا مجنونة، مش معقول من حكاية لا تمثل الواقع.. تتفعلي معاها كده."
هتف بعبارته بعقلانية، جعلتها تقترب منه تتفرس ملامحه.. حتى جعلته يعود للضحك.. وهو لا يصدق إنه تزوج من أكثر النساء طفولة.
"كتابنا العزيز هو اللي بيقول كده، عموما أنا هطلع أوضتي وأصفق وأهيص وأعيط براحتي، وخليك أنت مع برنامجكم الممل."
قبل أن تندفع ناهضة من جواره.. كان يلتقط ذراعها يعيدها لمكانها.
"تفتكري كنت مركز أصلاً مع البرنامج؟"
همس بعبارته، فجعل قلبها يتراقص طرباً.. هذا الرجل لا يجعلها تشعر بالقوة أمامه للحظة. رآها وهي تزفر أنفاسها بقوة وكأنها تطرد معها مشاعرها.
"لو عايزة نتفرج على فيلم ويكون من اختيارك معنديش مانع."
حاولت العودة لشخصيتها الأولى، وليست تلك الحمقاء التي تغرق معه من مجرد نظرة عابرة. التقطت جهاز التحكم بترفع.. بطريقة زادته ضحكاً، مما جعلها ترمقه بملامح ممتعضة.
"بتضحك على إيه؟"
حاول كتم ضحكاته، بعدما رأى حنقها.
"هاتي الفيلم يا صفا، ويا ستي خلاص بطلت ضحك."
اعتدلت في جلستها، ولكن سرعان ما وضعت جهاز التحكم بحجرها متسائلة بفضول.
"ما تيجي ندردش شوية، أنا زهقت من كتر ما بتفرج على التلفزيون."
اعتدل في رقدته هو الآخر، حتى تلاقت عيناهما واقتربت أنفاسهما.. وقد ضاقت عيناه متسائلاً.
"بقلق من دردشتك يا صفا، بس عموماً موافق على عرضك.. عشان تعرفي قد إيه إني زوج لطيف وكريم."
التوت شفتيها عبوساً من عبارته، فرمقها ضاحكاً وهو يحذرها.
"لكن سؤال واحد مفهوم."
لم تمنحه فرصة، تنتظر سؤالها الذي جعله يشعر بالفضول والترقب.
"إنت حبيت قبل كده يا أحمد؟"
منحها الجواب وهو يشيح عيناه بعيداً عنه.
"كنت بحبها بجنون."
ورغم علمها بأمر زواجه الأول من "عامر" وحبه الشديد لهذه المرأة.. إلا أن نيران الغيرة كانت تحرق فؤادها. كانت تتمنى أن تكون الأولى في كل شيء بحياته.. ولكنه صرحها بحبه الشديد لها.
رأته ينهض من جوارها، يقص عليها إنها تشبهها في أشياء كثيرة.. ليست الملامح ولكن جمال الروح. ارتجفت شفتيها وهي تستمع لحكايتهم وكيف كان لقاؤهم وكيف أحبها، ولما تزوجوا سراً.
تفاصيل كثيرة كانت تسألها له، وهو يجيب، حتى أصبح لم يعد لديه قدرة على الحديث.
"كفاية يا صفا، إنتِ قولتي سؤال واحد وأنا جاوبتك على أسئلة كتير."
وبفضول نحو حالها هذه المرة تسألت.
"طيب وأنا؟"
طالعها وهو لا يفهم سؤالها.
"وإنتِ إيه يا صفا؟"
"مش مهم خلاص."
أرادت أن تسأله عن مشاعره نحوها، هل أصبح يحبها نصف ما أحب هذه المرأة.. أم أن الطريق بينهم ما زال طويلاً. ومن نظراتها الهاربة عنه.. بدأ يفهم سؤالها.. ولكنه لم يكن مستعداً لمنحها الإجابة.. فهو يخشى أن يكون أحبها تعوداً ليس أكثر.
"تعالي في حضني يا صفا."
قربها منه، يُحارب صارعه بين قلبه وعقله.. ورغم رفضها لتكون قريبة منه ورغبتها للهرب نحو غرفتها.. إلا أنها استكانت بين ذراعيه.
"الحب مش بإيدينا يا صفا."
سقطت دموعها وقد شعر بحرارة ملمسها فوق قميصه القطني. أرادت الصراخ به.. حتى تعرف أين هي في حياته، ولما لم يحبها كما أحب هذه المرأة.. وتلك المرة كانت تمنحه السؤال كاملاً، تنتظر جوابه.
"إمتى هتحبيني، وهكون زيها في قلبك؟"
وتلك المرة كان يضمها بقوة إليه.
"إنتِ قدري يا صفا.. مبقتش أقدر أعيش من غيرك.. سيبي الأيام توضح ليكي كل حاجة."
شعر بيديها، تُحاول فك حصاره حول جسدها. أبعدها عنه برفق ينظر لملامح وجهها الغارق بدموعها، يهتف بألم.
"أنا فضلت قافل على قلبي سنين طويلة، لكن رجع يدق معاكي من جديد، قلبي بدأ يتحرك بمشاعر مش عارف أفهمها."
وبألم فاق آلامه كانت تهتف.
"مش فاهم مشاعرك؟"
"الماضي كان صعب يا صفا، الفراق عذبني لسنين طويلة، مش هستحمل تاني، مش هقدر أقوم تاني..."
أراد جذبها نحوه ثانية، لعله يزيل مخاوفه عنه، لعله يمنح قلبه الأمان.. يُخبره إنه قد وجد وطنه أخيراً.
"هتفضل رافض مشاعرك ليا.. لحد إمتى؟"
"أنا بحبك في نضوجي يا صفا.. بحبك بالقلب والعقل."
"هو حتى للحب حسابات وسن؟"
تمتمت عبارتها، بعدما يأست من عناد الحب معها.. ووضعها في طريق رجل لا يعرف ماذا يريد؟
"خلينا نعيش مشاعرنا من غير قيود وماضي."
وهل يخبرها هي بهذا الحديث، ولكنه بالفعل كان يُخبر نفسه.. فلم يعد يرغب بالمزيد من الضياع.
***
دلف لغرفتهما وقد أصبح الإرهاق ظاهر فوق ملامحه، وقد وجدها كعادتها التي أصبحت عليها.. تتقدم منه في صمت أصبح يلعنه بداخله.. تزيل عنه سترته وكأنه عاجز عن إزالتها عنه.
"هتفضلي باردة كده لحد إمتى؟"
تقبلت عبارته، بابتسامة واسعة.. غير مهتمة بمضمونها.. إنها بدأت تتعلم التعامل مع هذا الرجل.. عامر لا يحتاج إلا التجاهل وليس المسايرة وإثبات له حقيقة معتقداتها.
يريدها عبده أو زوجة دون امتيازات.. فلن يجد بعد الآن.
يريدها متعة لفراشه، ينالها وقت ما يريد.. فلن يجد.
لن يجد شيئاً يريده.. بل سيجد ما تريد منحه له.
شعرت بذراعيه تقربها منه، وها هو يعود ليستغل النقطة الوحيدة التي يظن نفسه بارعاً فيها، ولن تكذب على حالها للأمر.. فجسدها يخونها أحياناً للتوق للمساته.
شعر بالإحباط يعود إليه بعدما شعر بتجاوبها معه، ولكنها تحولت لقطعة من الجليد.. تخلصت من أسر ذراعيه، فابتعد عنها ينظر نحو شفتيها، وقد أدماهما بقبلاته القاسية.
"بقتي ست مقرفة ونكدية."
وببساطة كانت تُجيبه.
"لو صلاحيتي انتهت من حياتك، تقدري تطلقني.. أظن أني مفرقتش معاك."
"حياة!"
صرخ بها عالياً، مما جعلها تتراجع وقد ارتسم الخوف ملامحها، ولكن سرعان ما عادت لثباتها.
"صبري لما بينفذ، مش هتقدري تعرفي ردة فعلي."
"عامر السيوفي، ردود أفعاله متوقعة."
ضاقت عيناه، وهو يستمع لعبارتها القوية.. ونظرتها المتحدية وتسأل بتلاعب وهو يتقدم منها.
"وردود أفعالي المتوقعة، إيه هي بقى يا حياة هانم؟"
"القسوة."
تجمدت عيناه، وهو يستمع لعبارتها التي لم تنطقها بخوف.. احتدت عيناه وهو يواصل تقدمه منها، فتراجعت للخلف تخشى صفعته.
"اتجرأتي عليا يا حياة؟"
وبقوة كان يقبض فوق العلبة التي كان يحملها هدية لها، ولكنها لا تستحق أي شيء منه. ترك الغرفة لها يجر أذيال الخيبة.. بعدما ظن إنه سينال ليلة رائعة.. بعد أن يمنحها هديته ويخبرها ببضعة كلمات كاذبة.
التقطت أنفاسها بصعوبة، بعدما غادر.. فها هي تُجيد دروس حماتها العزيزة، صاحبة الدهاء.
***
دلف لغرفة مكتبه، حانقاً من نفسه.. يُلقي هديته بإهمال فوق سطح مكتبه.. لا يصدق إنه لا يتخذ قراراً ويطلقها.. ويبحث عن أخرى ضعيفة لا تقوى على تحديه ولا إثبات له إنها قوية. شعر بقوة حارقة تحتل قلبه، فلماذا هو صابر عليها؟ فلماذا لا يعيدها لشقيقها وحياتها البائسة؟ بحث عن الجواب ولكنه لم يجد إجابة. هو لا يستطيع التخلص منها.
هو يريدها هي، وكأنه كان يبحث في النساء عنها.
ورغماً عنه كان يبتسم، رغم كل ما يفعله فيها.. إلا أنها تستيقظ قبله.. تحضر له أشياءه، تودعه بدعائها الذي يستغربه، تهاتفه لتطمئن عليه حتى لو كانت تجد الحجج في اتصالاتها.. تنتظره حتى يعود.. وتسأله عما يريده حتى علاقتهما تترك نفسها له ولكن لا تكون إلا قطعة جليد فيضطر إلى تركها بعدما تجعله يصل لأعلى نشوته.. يسمعها ألفاظاً لا يصدق إنه ينطق بها ولكن يكون حانقاً بالفعل منها حين يجدها باردة بين ذراعيه وكأنها لا تؤدي واجباً عليه.
أطرق رأسه فوق سطح المكتب، غير راغب في مطالعة أعماله.. كعادته حين يعود لمنزله. قرر النهوض أخيراً بعدما عاد لثباته والتقط الهدية مقرراً الهدنة والمراوغة معها قليلاً.. حتى يعيدها لخضوعها.
وجدها تجلس فوق الفراش، تُسبح وتقرأ أذكار النوم.. إنها مزيج عجيب عليه.
تقدم منها، يُقدم لها العلبة التي لم يأخذها الفضول عنها.. حينما دلف في المرة الأولى.
طالعت العلبة الأنيقة التي وضعها فوق حجرها، ولم تكن إلا علبة هاتف يحمل ماركة شهيرة، ماركة سمعت عنها ولم تحلم يوماً أن تقتني هاتفاً منها.
"الهدية دي ليا أنا؟"
تسألت وهي تنظر إليه، وقد ظنها سترفض.. إلا أنها التقطت العلبة مبتسمة.
"شكراً."
ابتسم وهو يراها متلهفة لرؤية الهاتف، الذي فور أن رآتها.. نهضت على الفور من فوق الفراش تُعانقه.
"شكراً أوي يا عامر."
ضمها إليه.. بضمة خالية من الرغبة.. كانت تعلم إذا رفضت الهدية ستزيده عناداً معها وستسمع كلاماً هي في غنى عنه.. فعامر إذا تعامل بالنفور أكثر.. يزداد قسوة.
ابتعدت عنه، تمدّ إليه الهاتف تسأله.
"ممكن فهمني أتعامل معاه إزاي، أصلُه صعب عليا."
وهو كان خير من رحب، التقط منها الهاتف وجاورها فوق الفراش.. يُعلمها التعامل عليه.
"فهمتي؟"
أومأت برأسها مبتسمة، علقت عيناه بها.. يجذبها إليه وقد خرج صوته لأول مرة راجياً لامرأة.
"بلاش الليلة يا حياة، خليني أحس إنك عايزاني زي ما أنا عايزك."
منحته ما أراده، ولم يكن يُدرك إنه بدأ يغرق معه.. يُحطم في قربها أفكاره ومعتقداته.. يكتشف إنها الأولى في كل شيء رغم اختياره لها بعقله الذي خانه مع قلبه اللعين.
***
منذ أن أخبرها أن يتركوا مشاعرهم ويتحرروا من الماضي.. أصبحت بعيدة عنه أكثر، وكأنه لم يخبرها إنه يريد قربها. صفا تهرب منه، كما كان يهرب منها هو من قبل.
"أسبوع بتبعدي عني فيه ياصفا ليه؟"
طالعته بتوتر، وهي تحاول الهرب منه حتى لا تسمح لعينيها في تأمله، وصراعها الدائم بين قلبها وعقلها.
"محتاجة فرصة، أفكر فيها مع نفسي.. زي ما أنت كنت واخد فرصتك."
راقب ملامحها بنظرات جامدة "صفا"، تريد أن تجعله يعيش كما جعلها تعيش هي.. ولكنه لم يعد يطيق بعدها ولا هروبها.. ولو استطاعت تحمل مزاجه المتقلب هو لن يتحمل الأمر.. إنه بدأ يتوق إليه بشدة.. إنه كالأحمق كحال قلبه.. يظن إنه اعتاد عليها وهو أصبح غارق في حبها.
"مافيش فرص تانية ياصفا، متعمليش زي ما أنا عملت."
أشاحت عيناها بعيداً عنه، وقد زادته نبرة صوته اليائسة.. ولعاً به.
شعرت بذراعيه فوق كتفيها، يُقربها منه.
"أنا عارف إني زعلتك كتير، لكن خلاص يا صفا.. إنتِ بالنسبالي..."
وقبل أن يُكمل عبارته، كانت تتحرر من قبضتيه.
"إنت حبيبتني، عشان شوفتني فيها؟"
ألجمته عبارتها، بل صدمته.. هل تخلق في علاقتهم الحجج والأعذار، حتى تعذبه وتعذب حالها؟ لن يُنكر إنه بالفعل رآها في البداية نسخة من مها في شخصيتها.. ولكنه ليس بالأحمق.. ليستمر هذا الشعور داخله، فصفا ليست مها، صفا أكثر تمرداً، صفا شخصية لم يعد يفهمها ولكنه أصبح يفهم نفسه.. إنه غرق في حبها.
"إنتِ ليه عايزة تعذبي نفسك، قبل ما تعذبيني؟"
انسابت دموعها رغماً عنها، فهي بالفعل باتت تُعذب نفسها.
"لو مكنتش ماتت، كنت زمانكم سوا دلوقتي بتربوا ولادكم."
"مش معقول تكوني بتفكري كده!"
صرخ بها وهو يشعر بالصدمة، لما وصلت إليه بأفكارها.
"ليه عايزة تبعديني عنك، ليه لما قربت منك عايزة تهربي مني؟"
تلاقت عيناهما في صمت، فتألم قلبه وهو يراها بهذا الضياع. جذبها إليه يضمها غير سامحاً لها بالابتعاد عنه.
"خلينا ننسى كل حاجة ونبتدي صفحة جديدة."
أرادت الحديث، ولكنه لم يسمح لها بحديث آخر.. حطت شفتيه فوق شفتيها في قبلة طويلة، أطاحت بكيانها، فأبتعدت عنها أخيراً بأنفاس لاهثة.. ينظر نحوها وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة، أراد أن يعيد الأمر مراراً ولكنه تجمد في وقفته وهي تسمعه.
"عايزة بطاطس محمرة."
رمقها متجهماً، لا يصدق ما نطقت به، بعد ما عاشه للحظات.
"نعم؟ بطاطس؟"
شعرت بالتوتر من نظراته، وطلبها الأحمق مثلها، ولكنها لم تجد شيئاً تهتف به إلا بما كانت ترغب به معدتها، فقلبها الأخرق يريد أشياء أخرى.. وهي لن تسير إلا خلف معدتها.
انفجر ضاحكاً، بعدما أخذ يطالع ملامحها التي تتغير كل ثانية وكأنها تُحادث حالها.
"بطاطس يا صفا؟"
أومأت برأسها، وقد تخضبت وجنتاها بحمرة الخجل.
"كل الكسوف ده عشان..."
وقبل أن ينطق بالمزيد، أسرعت في رفع كفها.. تُكمم به فمه حتى يتوقف عن حديثه، عاد لضمها إليه بتوق، يُخبرها عن عشقه لجنونها.
تخلصت من أسر ذراعيه، وقد عادت رغبتها لتناول البطاطس يزداد.
"أنا هروح أعمل بطاطس، تحب أعملك معايا؟"
فرت من أمامه، ولكنها وقفت مكانها.. تشعر بالذهول وهي تستمع لعبارته.
"هما يومين يا صفا، وبعد كده مش هتعرفي تهربي تاني."
أسرعت بخطوات راكضة نحو المطبخ، تستند فوق إحدى الرخامات.. تلتقط أنفاسها بصعوبة، فعن أي يومين يمنحها. وعندما وصل الأمر لعقلها، وضعت بيدها فوق شفتيها.. لا تُصدق أن علاقتهما ستصل لهذه النقطة. شهقت باعتراض وهي تُحرك رأسها نافية.
"لا، لا يومين."
"خلاص هو يوم واحد."
اتسعت حدقتاها، وهي تلتف نحوه.. وقد اتبعه نحو المطبخ يغمز لها بوقاحة لم تعهدها منه من قبل.
"ولا أقولك مافيش مشكلة، نخليها الليلة."
وتلك المرة كان يقترب منها، بإصرار وكأنه حسم قراره.
رواية سطور عانقها القلب الفصل الثلاثون 30 - بقلم سهام صادق
تراجعت للخلف خائفة، مرتبكة. تنظر نحوه وهو يتقدم منها. خرج صوتها مرتجفاً وهي ترى المسافة قد انعدمت بينهم.
"إحنا محتاجين فرصة نقرب من بعض تاني."
لا تعرف متى أصبحت بين ذراعيه، وهو ينتظر سماع المزيد من أعذارها. تعالت أنفاسها.
فعلى ما يبدو أن هذا الرجل لن يمنحها الراحة اليوم. وسيكون قلبها أكثر من مرحباً بتلاعبه المحبب له. ولكنه تخشى الاحتراق من قربه.
التقطت عيناها طبق الفاكهة القريب منها، فمدت يدها برجفة تلتقط حبة تفاح وتضعها داخل فمه. قبل أن يفعل فعلته ويقبلها مجدداً.
تعالت ضحكاتها وهو يرى حبة التفاح محشورة في فمه. وقد تخلصت أخيراً من أسر ذراعيه.
"حلوة التفاحة مش كده؟"
طالعها بحنق، وهو يخرج التفاحة من فمه. لا يستوعب جنونها. ففي اللحظة التي شعر بخضوعها، تمكنت من الفرار منه.
"بايخة ومش حلوة يا صفاء."
تمتم ممتعضاً، فتعالت ضحكاتها رغماً عنه وهي تراه بهذا الحنق.
"مش عارف إيه لعب العيال اللي فيكي ده."
رمقته ممتقعة، وقد ضاقت عيناها عبوساً. اجتذبها إليه مجدداً يخبرها بهمس وهو يلفح عنقها بأنفاسه الهائجة.
"جنونك هو اللي رجعني لحياتي القديمة، رجعني لأحمد."
لم يمنحها فرصة لتستوعب كلماته وقربه. أغمضت عيناها من هول المشاعر التي تعيشها معه اليوم. وكأنه رجل مختلف.
غمرها بين ذراعيه، بعدما لم تعد تتحمل الوقوف.
هامساً بخفوت: "يومين وبس يا صفا، سامعة؟"
ولا تعلم لما انفجرت في بكاء مرير، وهي تتذكر والديها.
أبعدها عن ذراعيه، يطالعها في صدمة. لا يصدق إنه ضغط عليها اليوم بمشاعره التي لم يعد لديه قدرة على إخفائها.
"صفا، فيكي إيه مالك؟"
سألها بلهفة، بعدما أجلسها فوق أحد المقاعد بالمطبخ، يمسح عنها دموعها.
"لو كنت ضغطت عليكي النهاردة، فتأكدي إنه من حبي ليكي.. صفا أنا مبقتش أقدر أتحكم في مشاعري، بقيت واقف في النص لا أعرف أرجع لورا وأرجع أحمد القديم.. ولا عارف آخد خطوة جديدة في حياتي.. بس خلاص أنا اخترت أبدأ من جديد."
صارحها بكل اضطراباته ومخاوفه. رفعت عيناها إليه، وقد تلاقت عيناهما في صمت طويل. قطعته هي وقد عادت دموعها تنساب فوق خديها تخبره بمرارة:
"بابا وماما وحشوني أوي."
لم يتحمل بكاءها ولا تلك الكسرة التي يراها في عينيها. احتواها بقوة بين أحضانه.
"أوعدك إني هعوضك عن كل لحظة وحشة حسيتي بيها بعد فراقهم."
ابتعدت عنه تتأمله. وتلك المرة هي من كانت تعانق شفتيها بشفتيه، تخبره بحبها له الذي أصبح لا يتحمله قلبها من شدته.
***
تأملها بغضب، وهو يرمق الوسادة التي تضعها بينهم فوق الفراش حتى تفصل أجسادهم. ولو ظنت هذه الحمقاء إنها تستطيع منعه عن شيء يريده، فبالتأكيد هي أكثر النساء غباءً.
رمقها بخبث وهو يراها تشد فوق مئزرها. وتلك المرة كان يقطب جبينه وقد انتبه للتو إنها تضع غطاء رأسها.
"يعني مخدة وقولنا ماشي، رغم إني لو عايز حاجة هاخدها.. والمخدة مش هتمنعني يا جنة."
حدقته باستياء وهي تفهم مضمون كلماته الوقحة. فلو كانت ليلة أمس سمحت له باحتضانها والنوم بجواره، لن تمنحه هذا الأمر مجدداً. فهي ليست سهلة المنال لو ظن. ستعذبه كما عذبها ولن تمنحه رضاها بسهولة.
هكذا كانت تقنع نفسها، بعدما المكالمة الطويلة التي خاضتها من ابنة خالها. وللأسف حظهم كان متشابهاً.
"لكن كمان تلبسي روب فوق البيجامة، وحجاب وأنتِ نايمة."
أردف عبارته، حانقاً بملامح ممتقعة. طالتها يده، فاستطاع جذبها إليه نحو صدره الصلب، فشهقت مصدومة من فعلته التي باغتها بها في لحظات شرودها.
"أبعد إيدك عني، إحنا اتفقنا إننا هنتعرف على بعض الأول ونفهم طباع بعض.. أنت راجل متقلب المزاج يا جابر."
تجهمت ملامحه وهو يسمع عبارتها التي اخترقت أذنيه، يتساءل بعدما دفعها جوارها ومال عليها:
"أنا إيه يا هانم، سمعيني كلامك كده تاني."
ارتفعت وتيرة أنفاسها، وارتجف قلبها اضطراباً وهي ترى قربهم بهذا الوضع. رطبت شفتيها بلسانها وهي تحاول العودة لثباتها.
"راجل متقلب المزاج، سريع الغضب.. ملكاش أمان."
وتلك المرة كانت ترى نظراته القاتمة. لو لم يكن يريد إصلاح علاقتهما، لجعلها ترى غضبه ووحشيته. تمتم بكلمات حاولت تفسيرها ولكنها لم تتمكن من فهم شيء.
"أنت ليه مش ديمقراطي، وبتسمع الطرف التاني وتحترم رأيه؟"
أطبقت فوق شفتيها، تمنع حديثها المسترسل الذي سيؤدي بها للهلاك. ابتعد عنها بكامل جسده، بل ونهض من فوق الفراش يهتف بجمود:
"هسيبلك الأوضة كلها، عشان تعرفي قد إيه أنا راجل ديمقراطي."
ألجمتها حدته، وابتعاده. ظنته سيتقبل صراحتها ويمازح معها. ولكنها تأكدت من غباءها. لو كان زوج صفا يتحمل الأمر، فجاسر مختلف الطباع عنه. رجلاً بدماء صعيدية.
"جاسر، أنت زعلت؟"
التفت إليها، قبل أن يغادر الغرفة، يرمقها بملامح ممتعضة:
"وأزعل ليه، مش لازم أكون راجل ديمقراطي عشان أرضي سعادتك.. وأنا أه براضيكي وبسيبلك المكان.. لا مخدة تحطيها ولا تكتفي نفسك بكل الهدوم ديه.. عشان خايفة لسمح الله أغتصبك.. يا مدام."
"أنا مش مدام، أنا آنسة."
تركت جميع حديثه، ولم تتمسك إلا بتلك الكلمة التي جعلته يرفع أحد حاجبيه، يرمقها بترقب وقد عاد مقترباً منها. اتسعت حدقتاها ذهولاً، ووضعت كفها فوق شفتيها لا تصدق إنها نطقت تلك العبارة، ولكنها لم تكن تقصد ما وصل إليه. إنها بالمجمل تكره تلك الكلمة.
"جاسر، أنت فهمتني غلط."
وبهمس، وأنفاس لاهثة وعينين تدجان بالرغبة:
"أنا عايز أفهم غلط، ومحتاج أفهم غلط."
"جاسر."
همست اسمه راجية، بأن يبتعد عنها. فلو تركت نفسها لمشاعرها، لضاعت جميع مخططاتها.
"أنا بالي مش طويل يا جنة."
وبصعوبة كانت تمنحه الجواب الذي أصبحت تعرفه عنه.
"عارفة، بس أنا محتاجة وقت نتعود فيه على بعض.. ارجوك."
خرج حديثها متقطعاً، وهي تغمض عينيها من هول ما تشعر به قربه. شعرت بقلاته التي أخذت تتحرك فوق وجهها وسرعان ما وجدته يبتعد عنها، بعدما تمالك توقه ورغبته.
"هخرج شوية، تكوني نمتي.. لكن مش عايز أرجع وألاقي المخدة ديه في نص السرير، وأنتي لسا متكتفة بكل الهدوم ديه وكأننا في المكسيك."
ألقى عبارته وهو يبتعد عنها، ولم ينتظر سماع جوابها. بل غادر على الفور. فلو ظل معها للحظة أخرى لضرب بجميع قراراته في منحها وقتاً عرض الحائط. فما كان يمنعه عن إتمام زيجته منها هو خوفها من كشف الحقيقة التي عاشا في ظلامها. إنها رجل عقيم. توقف أعلى الدرج وهو ينظر نحو الردهة الخاصة بغرفتهم. لا يستوعب الحقيقة التي يخبره بها قلبه للتو. إنها يحبها وما ينقعه نفسه به إلا كذب.
ولم تكن هي بحال مختلف عنه، ولكنها اعترفت لقلبها منذ وقت إنه تورطت بحب هذا الرجل.
غفت بعدما نفذت ما طلبه منها. وعندما عاد كانت تشعر بثقله فوق الفراش ثم جذبه لها بين أحضانه، يعبئ رئتيه برائحتها متمتماً بخفوت:
"مش معقول أكون فعلاً حبيتك من أول يوم شوفتك فيه."
***
طالعت وجه أختها، وقد أخذت تترقب تغير ملامحها. تشعر بالشفقة نحو أختها الصغرى، وكيف وصلت لهذا الحقد.
"أنا جاسر يجيب سكرتيره بدالي ويخليني مجرد موظفة، كل ده عشان مين؟"
تنهدت "هدي" وقد عاد الضيق يرتسم فوق ملامحها من نفس الحديث الذي باتت تسمعه كثيراً مؤخراً. ومهما حاولت أن تصرفها عن جاسر وحياته، تزداد تشبثاً بأوهامها. إنها ستنالها يوماً.
"إنسي جاسر بقي يا نيرة، هو لا بيحبك ولا عمره هيحبك.. ولا حتى حاسس بيكي."
التقطت يدها، تجبرها على الوقوف، واتجهت بها نحو المرآة لتجعلها ترى هيئتها وملامحها التي بدأت تكبر.
"العمر بيجري، ويوم ورا يوم بتكبري.. عمرك بيضيع يا نيرة وأنتِ بتفكري في إنسان مش شايفك غير بنت خالته وبس، اتجوز مرام وسابك وبعدين اتجوز جنة.. بس أيام مرام كنتِ لسه صغيرة، الفرصة كانت قدامك، أما دلوقتي بقيتي ناضجة، عمرك بقي كام دلوقتي يا نيرة؟"
تجمدت ملامحها من حديث شقيقتها. وابتعدت عنها نافرة، بعدما أصاب الحديث نقطة ما داخلها.
"أنتِ بتعايريني يا هدي؟"
ألجمت "هدي" عبارتها، فهي لا تريد إلا رؤيتها سعيدة، وسعادتها بعيدة عن جاسر.
"أنا بعايرك يا نيرة، فهمتي خوفي عليكي معايرة."
حدقتها "نيرة" بضجر، من النصائح التي بدأت تسمعها منها ومن أروى. التي تخلت عنها، حتى العمة "منيرة" بدأت تلفت أنظارها. بأن جاسر اعتاد على جنة وتقبلها في حياته، وربما تسمع الخبر الذي تنتظره العائلة قريباً وهو قدوم طفل جاسر من جنة الغالية ابنة شقيقها.
"يظهر إن انتي وأروى بقيتوا خسارة عليا ومبيجيش من وراكم فايدة، خليكم في حياتكم وسبوني في حالي.. وحياتي وأنا اللي همشيها وبكرة جاسر يندم إنه متجوزنيش!"
***
نظر إليه رامي طويلاً وهو يتأمل نظراته العالقة بها، وكأنه لا يطيق ابتعادها عنه.
"صفا وسارة شكلهم مبسوطين مع بعض وهيبقوا صحاب، فكرة التزحلق على الجليد كانت فكرة مجنونة بعيد عن طباعك يا أحمد."
طالعت "أحمد"، بعدما أشاح عيناه بعيداً عنها، يمسح فوق خصلاته.
"بحاول أبسطها يا رامي، كفاية إني ظلمت مها بحب أناني وماتت بسببي."
"يعني شعورك بالذنب بموت مها مخليك تعامل صفا كده؟"
وبضياع كان يتمتم، بعدما عادت تتعلق عيناه بمجنونته.
"مش عارف يا رامي، ولا بقيت فاهم نفسي ولا مشاعري.. لكن أنا مبقتش عايز غير أشوف سعادتها."
حدقه رامي بنظرات لامعة، وهو لا يصدق أن صديقه مازال يجعل مشاعره.
"أنت لسه مش متأكد بحبك ليها، النهاردة أقدر أقولك.. إنك فعلاً حبيتها يا ابن السيوفي."
تلاقت عيناه بعيني رامي، الذي أخذ يومئ له برأسه مؤكداً.
تعالى صياحها باسمه، فالتف بعينيه إليه وهو يومئ له برأسه رافضاً.
"يا سيدي روح، بدل ما تنكد عليك في البيت."
أحتقنت ملامح "أحمد"، بعدما استمع لعبارة صديقه وقد ابتعد عنه، يخبره إنه سينضم إليهم.
ورغم عدم رغبته في مشاركتهم، إلا إنها بمجرد ما أتت إليه متذمرة كالطفلة الصغيرة، كان يلبي رغبتها دون اعتراض.
طالعه "رامي" يغمز إليه، حتى يشاكسه. يهمس بخفوت:
"وبدأت حاجات كتير تتغير فيك يا ابن السيوفي."
***
تأمل ابتسامتها المرحة مع والده، وقد أخذت طعمه بيديها.
"كفاية يابنت أخوي، أكلت كتير كأني عيل صغير."
ارتسمت ابتسامة "جاسر" باتساع فوق شفتيه، وهو يطالعها. فمسحت فم عمها وناولته دوائه، حتى أغمض عيناه، مشيراً إليهم بالانصراف ليستريح قليلاً.
غادروا الغرفة، ليتركوه ينعم بالراحة، ليتوقف هو وسط الردهة وقد أتته رغبة ملحة في أن تطعمه هو الآخر.
"عايزك تأكليني بإيدك."
طالعته بذهول من طلبه، بل يطلبه هنا في منزل العائلة.
"جاسر، إحنا مش في بيتنا."
"لما نروح طيب."
كأن كالطفل الصغير، وهو يطلب منها أطعامه. طالعته بملامح عابثة تتساءل بمشاكسة حتى تغضبه.
"أنت غيرت من الحاج حسن ولا إيه يا كبير العيلة؟"
"أيوة غيرت، ولو استمريتي كتير في الحكاية هخليكي تأكليني هنا قدامهم."
اتسعت عيناها ذهولاً، فهي إلى الآن لا تصدق طلبه وغيرته من والده. أرادت أن تتجاوز الحديث معه عن هذا الشيء، بعدما رأت نظرته اللعوب.
"رجعت بدري ليه النهاردة؟"
كانت تخشى ردوده الفظة، ولكن أقسمت داخلها إنها لن تسأله مجدداً إذا عاملها بفظاظة.
"كنت محتاج رأي الحاج، في قراري الأخير إني أترشح المرادي في مجلس الشعب."
وقبل أن تسأله عن شيئاً يأخذه إليه فضولها، كان يرمقها مبتسماً، مشاكساً لها هو هذه المرة.
"ميعاد الدرس بتاعك قرب خلاص ياحضرت الأستاذة.. فياريت تأجليه أو تجيبي تلامذتك هنا.. لأن في ضيوف مهمين جايلني."
أومأت برأسها متفهمة، دون اعتراض كعادتها المعترضة على قراراته. جذبها نحو غرفته القديمة وتلك المرة كانت تلتقطهم نظرات العمة "منيرة"، فابتسمت بسعادة وأكملت خطواتها نحو غرفته.
دفعها نحو الجدار بعدما أغلق باب الغرفة متمتماً، وهو يرى أنفاسها التي أخذت تتعالى ونظراتها المتوترة.
"محتاج أشحن نفسي في حضن بريء يا جنة."
والحضن البريء الذي أخبرها به، لم يكن بريئاً للغاية.
***
تعلقت عيناه بصور أفراد العائلة بتدقيق، يستمع لسرد أحد رجاله بعض التفاصيل عن أفراد العائلة. أصرف الرجل بإشارة من عينيه، فغادر الغرفة في صمت. وترك سيده في وقفته، يحدق بالصور وينفث دخان سيجارته الثالثة.
"ما أنا لازم أدخل لك من مكان يا ابن المنشاوي، ده في طار قديم بينا ولازم نتصافى فيه يا حسن يا منشاوي أنت وولادك."
عادت عيناه تدور بين الأشخاص. وسرعان ما كانت تتسع ابتسامته بمكر. وقد وقعت عيناه نحو الفرد الذي مازال حديث رجله منذ لحظات عنه يقتحم عقله ويتكرر داخل أذنيه. ابنة الخالة التي تسعى وراء جاسر المنشاوي وتعمل معه في شركته، بل وتتمتع بامتيازات كثيرة في أعمال العائلة.
"نيرة."
***
وقفت أمامه بسعادة، وهي تحدق به كالطفلة الصغيرة غير مصدقة، إنه سيصطحبها معه إلى إحدى المتاجر لشراء ثياب جديدة.
"هنشتري هدوم جديدة."
أومأ لها برأسه، للمرة التي كان لا يعرف عددها، يمنحها الجواب مجدداً مبتسماً.
"أنتِ ناسيه إن الدراسة كلها أسبوع وهتبدأ."
أطربتها عبارته، وقد استمعتها من قبل. ولكنها كانت تحب سماعها. رغم إنها ليست غزلاً. فماذا لو أخبرها إنه سيقضون أمسية سوياً؟ ابتسمت وهي تتخيل هذه الأمسية، حتى تنهداتها الحارة قد خرجت دون وعي منها.
"صفا، هو أنتِ نمتي مكانك؟"
طالعته وهي غائبة الذهن لا تستوعب حديثه المتهكم.
"ده أنا نمت وبحلم كمان."
تعالت ضحكته، فلم يعد يعرف معها إلا الضحك. مدت شفتيها في عبوس بعدما نفضت رأسها من أفكارها الحمقاء.
"خلاص أسفين يا صفا هانم، أسفين بدل ما تقلبي اليوم دراما."
"أنا بقلب اليوم دراما، طيب مش هخرج معاك."
ولم يزيده عنادها إلا مزيداً من الضحك. اقتربت منه تدفعه فوق صدره.
"مش أراجوز أنا قدامك."
"أجمل أراجوز شفته بحياتي."
التقط كفيها في قبضة واحدة، يغرقها بحديثه الذي يجيده.
"طبعاً كاتب، تقدر تضحك على العقول."
رمقها بعبوس مصطنع، يهتف متذمراً:
"ديما ظلماني."
شعرت بذراعيه فوق جسدها. حدقته وهي مسلوبة الإرادة كعادتها قربه. وقد كان خبيراً في جعلها تستكين بين ذراعيه.
"إيه رأيك نأجل مشوارنا بكرة؟"
أومأت برأسها دون شعور. فابتسم بمكر وهو يجذبها إليه أكثر. ولكن سرعان ما كانت تدرك فعلتها. دفعته عنها راكضة نحو الأعلى.
"لا.. أنا ميضحكش عليا يا باشمهندس، اشرب قهوتك براحة، لحد ما أجهز وأعمل حسابك هنتعشى برا."
سمعت لصوت ضحكاته، وهي تهرول لأعلى، تستمع لكلماته الوقحة بعض الشيء. بأنه سينال حقه منه أضعاف مضاعفة.
التقط أنفاسه أخيراً، ينظر في أثره ولا يصدق ذلك الإحساس الذي بدأ يشعر به. صفا تجاوزت جميع حصونه. فلم يعد يطيق بعدها. وها هي مخاوفه تعود لقلبه. يخشي هذه المرة فقد السعادة التي يعيشها.
***
ظل يطالع ابتسامتها وهي تضع الطعام له، بعدما استغنت عن تلك الخادمة التي قد بعثت بها إليهم عمتهم.
فيتذكر كلمات أحد كبار عائلته وهو يسأله متى سيصبح له ولداً وريثاً يورث اسمه.
تنهد بعمق وهو يحدق بها، وبسعادتها الظاهرة فوق ملامحها. ولكنه بدأ يضجر من صبره الذي طال، وقد أصبح يتوق بشدة لنيلها وإنجاب طفلاً بل أطفالاً منها.
أخذت عيناه تتحرك فوق جسدها وهي تضع له الطعام في طبقه، تسأله عما يريد المزيد.
"كفاية يا جنة، وأقعدي بقي.. لأني مش مستعد أقولك على العواقب اللي هتحصل لو بعدتي عني."
ألجمتها عبارته، وسرعان ما كانت تفهم مضمونها بوضوح وهو يغمز لها بوقاحة. لم تعد تصدق إنها به، "جاسر المنشاوي" يتسم بالوقاحة والعبارات الصريحة. كبير العائلة لا يتحكم في لسانه. تخضبت وجنتاها بحمرة الخجل. واتجهت نحو مقعدها ترفع نحو شفتيها كأس الماء ترتشف منه القليل، لعلا توترها يزول.
تذوق بضعة لقيمات من الطعام، بعدما قرر أخيراً تركها، حتى لا تختنق أمامه من شدة توترها وارتباكها.
"تسلم إيدك، طعم الأكل جميل."
ارتسمت ابتسامة متوترة فوق شفتيها، وهي تستمع لإطرائه المحبب لقلبها.
"بجد عجبك الأكل؟"
طالعها بنظرة طويلة، ثم ترك ملعقته، ليمنحها الجواب بقبلة فوق كفها. تعالت أنفاسها بشدة وهي لا تستوعب أفعاله.
"جاسر، هو أنت متأكد إنك مش خيال أو راجل تاني؟"
تجلجلت ضحكاته، وهو لا يصدق ما يسمعه منها.
"لا مش خيال ولا راجل تاني يا بنت عمي."
أسبلت أهدابها، تستمتع بتلك اللحظة التي سرقت منها أنفاسها، وتراقص قلبها مع دقاته.
"مش كفاية صبر أسبوعين يا جنة؟"
فاقت من نشوتها، وهي تشعر بمقعدها يقربها منه. تعانقت عيناهما معهم، وقبل أن تمنحها بالجواب، رفع ملعقته يطعمها به.
"مش عارف ليه حاسس، إني وحش وهيفترسك كل ما أجيب السيرة ديه."
وبرفق كان يطعمها.
"كلي يا حبيبتي ومتخافيش."
حشر الطعام بفمها في دفعات، حتى لم تعد تستطيع ابتلاع ما في حلقها.
"جاسر، أنا كده هتخنق."
انتبه على ما يفعله، فاسرع في جذب الماء إليها. ارتشف بضعة قطرات من الماء سريعاً، وطالعته حانقة.
"أنت عايز تخنقني مش كده، أنا برضه استغربت الرومانسية اللي كنت فيها يا جاسرتي."
يضحك في البداية على حنقها وتذمرها منه، ولكن سرعان ما تحولت ضحكاته للعبوس والمقت.
"جاسرتك، إيه الدلع الماسخ ده؟"
تلمعت عيناها بمشاغبة، بعدما وجدت أخيراً ما يضايقه.
"أنت يا شيخ العرب."
"وكمان شيخ العربه."
هتف عبارته ممتعضاً، وقد عاد لطعامه.
"ضيعتي لحظة الرومانسية اللي كنا عايشينها."
وجاسر الذي كانت تستعجب طباعه منذ دقائق، عاد للرجل الذي تعرفه تماماً. الرجل المتذمر الذي لا تطول لحظات هدوئه ورومانسيته.
"الأكل مليان شطة ليه، أنا مبحبش الشطة."
ضاقت عيناها وهي تسمع تذمره على الطعام، بعدما شكرها عليه من قبل.
"مش كنت من شوية بتقولي تسلم إيدك."
"مش معنى إن قلت كده، يبقى منقدش الأكل."
ذمت شفتيها حانقة، من عبارته.
"مش بقول متقلب المزاج."
لتصدح شهقتها عالياً وهي تراه يرفع من فوق مقعدها، يريها كيف يتقلب مزاجه بسهولة، ولكن تلك المرة كان مزاجه محبباً لقلبها، مزاجً جعلها مسلوبة الأنفاس وقد تراخت ساقيها ولم يكن إلا ذراعه الملتف حول خصرها يسندها نحوه.
***
جلست فوق الفراش، تقلب بهاتفها الذي أصبح يمنحها تسلية كبيرة. طالعت باب المرحاض المغلق، تستمع لصوت الماء.
فارتسمت فوق شفتيها مشاعر الخجل وهي تتذكر لحظاتهم منذ دقائق وتأخره على عمله لأول مرة منذ زواجهم. ارتفعت يدها نحو عنقها تدلكه قليلاً. وقد أخذها عقلها نحو لقطات تشعرها بالخجل، وكأنه ليس زوجها.
اتسعت ابتسامتها، رغم إنها مازالت تشعر بالمرارة لأنها تعلم أن ما يحدث بينهم إلا غريزة تدفعه نحوها. ولكن ما السبيل أمامها. هو لا يسمح لها بالابتعاد أو الرفض حتى لو أراها جانبه المظلم. وقد بدأت تفهم طباعه، وكما أخبرتها ناهد بخبرتها. إنها تستطيع ترويضه ولكن بالصبر.
فاقت من شرودها على رنين الهاتف. وللحظات ظنته هاتفها لتشابه نغماتهم. ولكن هاتفه هو ما كان يصدح رنينه. التقطته من موضعه واتجهت به نحو باب المرحاض تهتف به، تخبره أن أحد يهاتفه.
لم يسمعها، كما أن الهاتف توقف عن الرنين. عادت نحو الفراش ولكن رنين الهاتف تعاود مجدداً. طالعت الرقم بفضول فلم يكن إلا رقماً دولياً.
"مين كان بيرن؟"
التفت إليه مفزوعة وقد توقف رنين الهاتف مجدداً. فعلقت عيناها بهيئته، وهي تراه يلف المنشفة حول خصره. ويقترب منها. التقط منها الهاتف وألقاه فوق الفراش ليجذبها إليه مستمتعاً بحالة توترها وارتباكها كلما طالعته وهو هكذا.
"محتاجين قد إيه من المراحل، عشان تبطلي خجلك ده."
وبدلال لا تعرف متى اكتسبته وكيف، حركت رأسها.
"مش عارفه، بس وأنت وشطارتك."
اتسعت حدقتاه ذهولاً، فمن التي تتحدث به هكذا. هل هي حياة التي تخرج الكلمات من شفتيها بصعوبة، وإذا خرج الحديث كان حديثاً بائساً.
عانق خصرها بذراعه، متمتماً وهو يقربها منه.
"أظاهر دروس ناهد هانم، بتجيب نتيجة حلوة."
ألجمتها معرفته بما تفعله معه والدته. ابتلعت لعابه وهي تراه يبتعد عنها. تخشى تقلبه الذي لم تعد تعرف كيف توزانه أو هل ستظل تتحمله. ولكنه فجأة وهو يلتف إليها.
"إيه رأيك نخرج نفطر بره، ونروح النادي نقضي اليوم هناك."
تهللت أساريرها سعادة، واسرعت إليه تعانقه غير مصدقة.
"ونأخد ماما ناهد معانا."
أهل تطلب في خروجتهم التي تعد الثانية، ذهاب والدته معاً. طالعها في صمت وهو لا يستوعب أي هي من النساء. لقد وسمها بالعديد من الكلمات ولم يعد يستطيع وسمها بالمزيد.
"يعني مش عايزة نكون لوحدنا، أي ست في الدنيا ما بتصدق تكون مع جوزها لوحدها."
أسرعت في تحريك رأسها نافية، تخبره عن مدى حبها لوالدته. خفق قلبه وهو يستمع لما تعده لها من محاسن والدته ولطفها معها. فهل يسمها بلقب آخر وهو الوفاء الذي تفتقره النساء اللاتي مررن بحياته.
تعالى رنين هاتفه مجدداً، وكان للتو سوف يخرج من المزيد من اللحظات معها. حتى إنه كان سيضرب بعرضه عرض الحائط. ولن يتركها إلا حين يشعر بذلك الشعور الذي لا يغادره.
ابتعد عنها، والتقط هاتفه. متعجباً من الرقم وسرعان ما كان يفتح الخط. يستمع للطرف الآخر ولم تكن إلا هي تهتف اسمه بلوعة وشوق.