تحميل رواية سطور عانقها القلب بقلم سهام صادق pdf
بقلم سهام صادق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
العرق يتصبب فوق جبينه وأنفاسه تتعالى وكأنه في سباق. إنها هنا أمامه، يمد لها يديه، يُطالبها ألا ترحل. ولكن، إنه حلم يسرق منه راحته ويعيد الذكريات إليه. فتح عينيه ينظر حوله في ظلام الغرفة، ثم أخذ يلتقط أنفاسه بصعوبة، يهتف باسمها مردداً بشوق وحرقة تعتصر فؤاده منذ رحيلها. "مها." وهكذا كان يتكرر حلمه بها. لم ينساها يومًا، بل أصبحت أسيرة أحلامه. نهض من فوق فراشه بعدما مسح حبات العرق من فوق جبهته، واتجه نحو الشرفة المفتوحة ليقف داخلها يزفر أنفاسه ببطء وعيناه تتعلق نحو السماء وقد لمعت النجوم بها. وذكرى...
رواية سطور عانقها القلب الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم سهام صادق
أنسابت دموعها العالقة، وهي تُحدق في الهاتف بصدمه.
لقد أغلق الهاتف بوجهها حين استمع لصوتها.
ثقلت أنفاسها بالألم وهي تتساءل داخلها: هل لهذه الدرجة لم يعد يرغب حتى بسماع صوتها؟
هي تعلم بفداحة جرمها وما فعلته في لحظة جنون لم تحسب لها.
أرادت أن تنتقم من الشقيق الأصغر، وها هي تحصد هجر الأكبر.
هجر الرجل الذي اكتشفت وقوعها بحبه بعد فوات الأوان.
تقدمت منها السيدة كريمة، وقد أتت إليها لتعيش معها وتعتني بها، رغم رفضها لصمتها حتى الآن عن أمر الطفل.
ولكن العمة، بعدما كانت مسترخية الملامح تحمل فنجان القهوة خاصتها، تبدلت ملامحها وهرولت نحوها مفزوعة من هيئتها.
"مالك يا فريدة؟ أنتِ تعبانة ياحبيبتي. مش معقول يكون ألم الولادة ده، أنتِ لسه فاضل على ولادتك شهرين يا بنتي."
حدقت بها عمتها مفزوعة من صمتها، ولكن الجواب قد حصلت عليه وهي ترى الهاتف في يدها، تقبض فوقه بقوة.
"اتصلتي بي برضه يا فريدة؟"
تعالت شهقاتها، فابتعدت عنها العمة كريمة، تلتقط أنفاسها براحة بعدما أطمأنت عليها.
"حتى لو عرف إني حامل، وهجيبله الطفل اللي مستنيه من زمان.. عامر مش هيسامحني ولا هيرجعلي تاني."
طالعتها كريمة بأسى، فمهما حاولت إقناعها أن تمضي بحياتها وتنسى ما مضى، تعود ابنة شقيقها لنفس النقطة.
أرادت طمأنتها واقتربت منها تحتضنها.
"رجعوك ليه غلط يا فريدة؟ هيفضل طول عمره شايفك بنفس الصورة، ومش هتستحملي يا بنتي، ده غير إنه بقى راجل متجوز."
"مبيحبهاش، هو اتجوزها عشان ينتقم مني ومن بابا.. عشان يعرف يثبت له وللناس إن عامر السيوفي راجل كامل مش بيعيبه حاجة."
صرخت بعبارتها المريرة، وحاولت النهوض بعيداً عن عمتها، لعلها تختلي بنفسها قليلاً.
ولكن عمتها أعادتها لأحضانها.
"ومحسن هنفضل مخبيين عليه لحد امتى، إنك حامل.. ده أنتِ قربتي تولدي يا بنتي، ومش هنفضل طول عمرنا عايشين هنا في الإمارات."
تلاقت عيناها بعيني عمتها، فعلى ما يبدو قد أتى الوقت الذي يجب أن يعلم فيه والدها عن أمر الحفيد الذي كان ينتظره بشوق.
***
طالعته وهو يقف أمام المرآة، يرتدي سترته.
وقد أصابه الوجوم بعد المكالمة العجيبة التي لم تتعد الدقيقة.
حيث وقف كالصنم يستمع لصوت المتحدث.
يقبض فوق هاتفه بقوة، ثم ألقاه فوق الفراش.
"عامر."
هتفت باسمه بخفوت.
فوقف مكانه يُحلق بالمرآة، دون الرد.
وسرعان ما كان يلتقط متعلقاته، ويسرع هارباً من الغرفة أو من أي سؤال آخر ستسأله.
***
حدقها أحمد بملامح مبسّطة، بل وأخذت ابتسامته تتسع شيئاً فشيئاً، بعدما تناول أصناف الطعام التي أجادت صنعه.
فالتقط يدها يُطبع عليها قبلة حانية.
"تسلم إيدك يا صفا."
وأردف مازحاً، وهو يرمق خلجات وجهها وتورّدها نتيجة قبلته.
"هنتغنى عن جيسي خلاص."
طالعته بملامح مرتبكة، تتمنى داخلها أن تخبرها ألا يسير حنوناً لطيفاً معها لهذه الدرجة، فلم يعد لديها متسع لتحبه أكثر.
صفا: "معاكِ الطباخة صفا، أحسن شيف في مصر وأمريكا."
تعالت صوت ضحكاته، وهو يستمع لعبارات مدحها، بعرضها المسرحي الذي اعتاد عليه، كلما مدحها في شيء راقه منها.
"أنا عن نفسي سعيد، إني باكل من إيدك.. واهتمامك بحاجتي والبيت.. مش عشان أنا عايز دورك كده في حياتي، لكن وجود كل حاجة عليها لمستك بيخليني أحس بشعور جديد وغريب."
أسبلت جفنيها بطريقة ناعمة، فتنهد بعمق وهو يرى تأثير كلماته البسيطة عليها.
"صفا من سنتين بالظبط ما كانتش ست البيت الشاطرة اللي أنت شايفها، ما كانتش بتعرف تتحمل مسؤولية نفسها حتى.. إنسانة عازلة نفسها بين سطور الروايات وأحلامها بالفارس المنتظر."
أنسابت دموعها رغماً عنها، حين أخذتها الذكريات نحو أغلى ما فقدته.
شعرت بمقعدها وهو يجذبها به نحوه، يرفع وجهها إليه، يمسح عنها دموعها بأنامله.
وبنظرة حنونة أخذ يهمس.
"متعيطيش، أنا مبقتش أقدر أشوف دموعك."
عانقت عيناه عينيه في صمت، وكلما أخذت شفتيها تتحرك حتى تخبرها إنها لم تعد تستطيع العيش دونه، كانت تبتلع حديثها.
وعدها داخله لن يتركها يوماً، وإذا رحل عنها سيكون الموت وحده من وضع نهاية فراقهم.
"عايزة تقلبيها مناحة، عشان مآكلش صح ونفسي تتسد ده بعينك."
ألقى عبارته، وهو ينتظر رؤية ابتسامتها.
وبالفعل كانت تبتسم إليه، تحرك نفسها نافية.
وقبل أن تهتف بشيء، دس في فمها قطعة من قطع اللحم.
فلامست شفتيها أصابعه، ليُسرع في علق أنامله مبتسماً.
"تجننت."
خضبت وجنتيها خجلاً، من عبارته المثيرة وتلك النظرة التي يُحدقها بها.
تسارعت دقات قلبها، ولكن أسرعت في إشاحة عينيها عنه، كما أعادت مقعدها لمكانه واغرقت وجهها في طبقها.
"احكيلي شوية عن شغلك ومشاريعك."
هتفت عبارتها، حتى تجذبه نحو حديث آخر، فتنهد بعمق.
يُخبر نفسه بالمزيد من الصبر.
"كل حاجة ماشية كويس، الحمد لله."
تجاوز معها الحديث الذي يُحرجها، فاتجهت عيناها إليه تتساءل حانقة.
"بس هو كده، رد مختصر.. أنا عايزة تفاصيل."
ورغم الحنق الذي ظهر منذ ثوانٍ فوق ملامحه، إلا أن كل شيء تلاشى وهو يستمع لحديثه.
"أنتِ مش معقولة، لازم كل حاجة تعرفيها بالتفاصيل."
أشارت نحو حالها مستاءة، من حديثه عنها الذي تعلم صدقه.
"أنا."
عادت عيناه تتسلط نحو شفتيها، فهي تتحول في لحظة لقطة بريئة، ناعسة.
يُريد إلتهامها.
"بنزعل لما نلاقي الكلام أخذنا لنقطة تانية."
فهمت مقصده، وهي ترى نظراته الماكرة.
اعتدلت فوق مقعدها بجدية لتتعالى ضحكاته بعدما تراجعت عن وداعتها.
"معزومين على حفلة بكرة يا قطة هانم."
أرادت أن تعترض، فهي لا تهوى حفلاته، ولكنه أسرع في منحها الرد قبل أن ترفض رفقته.
"حفلة هتعجبك أوي، حفلة جواز."
وهل أحداً يكره المناسبات السعيدة مثل حفلات الزفاف.
***
وقفت سناء تُطالع فخامة البيت الذي تسكنه اخت زوجها بعينين متسعتين، تُحلق في كل شيء تقع عيناها عليه.
جاءت إحدى الخادمات تحمل ما يشتهونه من الحلوي والعصائر، فانتبهت على يد زوجها الذي جذبها كي تجلس ثانية، ولا تفضحهم بتصرفاتها.
"مش عايزة أقعد، سبني أتفرج على العز ده كله.. بقي أختك."
وكادت أن تكمل عبارتها، ولكن توقف الحديث على طرفي شفتيها، وهي تراها تهبط الدرج تفتح ذراعيها لأولادها مرحبة بهم.
رمقتها سناء من رأسها حتى قدميها، وقد اشتعل الحقد داخلها، وهي تراها بهيئة الهوانم، بل وملامحها قد زادت إشراقاً وكأنها لم تتأثر علاقتها بزوجها بحديثها الذي خبرتها به منذ لقائهم الأخير، فلم تأتي لزيارتها اليوم إلا لتتأكد من تدهور علاقتها بزوجها ورؤيتها مدمرة.
بملامح شاحبة، عضت سناء باطن خدها بمقت، وقد خابت جميع آمالها.
أسرع رجب بخطواته إليها، يضمها نحوه بقوة، يسألها عن أحوالها، ويخبرها كيف أصبحت من الهوانم وسيدات القصور وكأنها "فاتن حمامة" في فيلم سيدة القصر.
"الباشا، راجل محظوظ عشان تبقي من نصيبه."
تورّدت ملامحها، وهي تسمع عبارة شقيقها التي مسحت فوق قلبها وكأنه بلسم، فليت عامر يرى نفسه بالفعل إنه محظوظ بها.
اقتربت منهما سناء، بعدما زادت قتامة ملامحها، فلم تعد تتحمل سماع تلك العبارات، وكأن حياة وحدها من النساء هي الجوهرة الثمينة.
"لكِ وحشة والله يا حياة، لقيناكي مش بتسألي قولنا نيجي نسأل إحنا."
شعرت بأن أضلاعها، كادت أن تتحطم من ضمة سناء، فابتعدت عنها تُخبرها بشوقها لهم.
"و انتوا كمان وحشني أوي."
رمقت الصغار، الذين جلسوا يتناولون الحلوي ويشربون العصائر ويثرثرون مع بعضهم في رغبتهم للخروج للحديقة والمكوث طيلة اليوم هنا.
ابتسمت وهي تري نظراتهم إليها حتى تمنحهم الإذن.
"يلا نطلع سوا بره."
سبقها الصغار، فتعالت ضحكة رجب وهو ينظر نحو أولاده.
"دول فاكرينها الحديقة الدولية."
"خليهم يلعبوا يا رجب وينبسطوا."
"هيبهدلوا الدنيا، والباشا ممكن يضايق."
طمأنتْهُ بنظراتها الحنونة، وهي تقترب منه.
"متقلقش، عامر بيحب الأطفال."
علقت عينين سناء بها وتغلغل الحقد داخلها، وهي تستمع لعباراتها الأخيرة عن زوجها، فمن كانت تنعتها يوماً بالعانس التي لا يرضى بها أحد، تزوجت رجلاً تحلم به الكثيرات.
"مافيش حاجة جاية في السكة يا حياة!"
ألقت سناء بعباراتها، وهي تمسح فوق بطنها.
فالتفت نحوها حياة وقد تلاشت سعادتها، فرمقتها سناء بنظرات متهكمة، وهي تراها تقف عاجزة عن الجواب الذي تخشاه من تأخر حملها، فقد مر على زيجتهم أربعة أشهر دون حمل، ولكن ما يُدهشها أن عامر لا يُلح على الأمر، ولكنها ترى نظراته الواجمة وتبدل ملامحه، كلما أخبرته أن عادتها الشهرية قد أتتها.
***
وقفت تمشط خصلاتها في شرود، وهي تتذكر حديث زوجة شقيقها، فلم تترك سناء حديثاً يُشعرها بالخوف مما هو قادم، إلا وأخبرتها به.
من المحتمل تقل فرصة إنجابها، لأنها في الثانية والثلاثين، ولكن ربما يكون عدم حملها خيراً لها ولهم، حتى لا تعود إليهم بطفل، وبدلاً أن تكون فرداً واحداً يصبح فردين.
فلماذا يبقى رجلاً مثلها متزوجاً من امرأة مثلها لا تحمل إلا شهادة فوق المتوسط، بمعهد حكومي لم يسمع عنه أحد، وهو رجل ذو شأن وكيان.
لم تكتفِ سناء عند هذا الحد، بل أخبرتها بملامح حزينة، إنها رأت حلماً لها، لا يبشر بالخير.
انتبه أخيراً على وقفتها التي طالت، وقد كان هو الآخر غارقاً في مهاتفته فريدة له أمس، فمكالمتها جعلت حقده يعود نحو النساء، بعدما بدأ يتعايش مع حياته الجديدة، يمنح نفسه ويمنح الواقفة أمامه بملامح شارده فرصة.
نهض من فوق الفراش واتجه صوبها بعدما لم تُجِب عليه، متسائلاً وقد ضاقت عيناه.
"المفروض تكوني اتبسطي النهاردة، أخوكي وولاده قضوا معاكي اليوم كله."
طالعته بذهن شارد، لا تقوى على سؤاله نحو مخاوفها، فربما تكون هي الحقيقة، فماذا إذاً ستجني عندما تعرف ما يُتعسها.
عامر لا يحبها وهي متأكدة من هذا، ولكنها لا تفهم شخصيته المتقلبة.
وهي بدأت تحاول أن لا تضيع فرصتها معه كما أخبرتها ناهد، فلو ضاعت الفرصة، ستعود محملة بالخيبات لعائلة شقيقها، ستعود لسلاطة لسان سناء وسمومها.
أنسابت دموعها فوق خديها، فرمقها بفزع.
"مالك يا حياة، إيه اللي حصل خلاكي تعيطي؟"
لم يكن لديها جواب لتخبره به، أسرعت في إلقاء جسدها عليه، تدفن رأسها في صدره.
"عامر، احضني جامد.. طمنّي إنك مش هترميني في يوم من الأيام."
صدمته عبارتها، التي جمدت ملامحه، فهل أصبحت تشك بأضطراب مشاعره نحوها؟
ضمه إليه وهو يشعر بالألم يستوطن قلبه، وهو يراها بهذا الانهيار.
تحرك بها نحو الفراش، ليجلس فوقه، ثم وضعها فوق فخذيه يُهدئها بحنان، جعلها تزداد في بكائها.
"احكيلي يا حياة، إيه اللي زعلك فجأة وخايفة من إيه؟"
تعالقت عيناها به، فامتدت كفوفه نحو وجهها.
"كل حاجة مخوفاني، أنا بخاف أفرح."
ألجمه ما نطقته، فلم يشعر إلا وهو يجذبها لصدره يُعانقها بقوة، يُعطيها وعداً حقيقياً نابعاً من قلبه.
"طول ما أنا عايش، متخافيش من حاجة، أنا أمانك يا حياة."
***
طالعت جنه البلد الجديدة، التي ستقضي بها شهراً معه عبر زجاج تلك السيارة التي تصطحبهم إلى شقتهم.
فهي لأول مرة تعلم بأن زوجها دائم السفر لتركيا وله هنا معاملات كثيرة، حتى أنه يجيد التحدث بلغتهم وكأنه يعيش فيها.
أشياء كثيرة بدأت تعرفها عنه بأدق التفاصيل.
رفرف قلبها بسعادة، وقد شعرت أخيراً بالراحة، فعلاقتهما أصبحت ينعمها الهدوء والحب الذي بدأت تراه في عينيها.
فاقت من شرودها، وهي تراه يمنحها هاتفه، بعدما ضاقت عيناه.
"أروى بتتصل، واكيد مش عايزة تكلمني أنا."
ابتسمت بسعادة، وهي تلتقط منه الهاتف بحماس، وقد وصلها صوت أروى المتحمس أكثر منها لهذه الرحلة.
"وصلتوا تركيا؟"
طالعت الجالس جوارها، وقد اشتعل في مطالعة أرقام البورصة عبر جهازه اللوحي.
"الجو هنا جميل قوي، ولا الشوارع تجنن يا أروى.. إحنا في إسطنبول دلوقتي."
"يا ريتني كنت معاكم، عملت إيه أنا برحلة الغردقة دلوقتي، ده حتى مكنش فيها سياح أتفرج عليهم وأصاحبهم."
انفرجت شفتي جنه بضحكات عالية، فحدقها بنظرات قوية.
فهم ليسوا بمفرد، فالسائق يصطحبهما.
أسرعت في وضع كفها فوق شفتيها، تستمع لتذمرات أروى.
"آه لو هاشم سمع اللي بتقولي ده، هيطير رقبتك."
استمعت هذه المرة لأستياء أروى وهمست وهي تلتصق نحو باب السيارة.
"الرجالة هنا إيه حلوين خالص.. يااا."
وكادت أن تصف له أحد الأشخاص، وقد وقعت عيناها عليه في المطار، ولكن وجدت يلتقط منها الهاتف، ويغلقه محدقاً بنظرات حانقة متوعدة.
"ما شاء الله جايبك هنا عشان تتأملي في الرجالة وتعجبي بيهم."
تجهمت ملامح جنه من ردة فعله، تهتف بحماقة دون أن تستوعب ما تنطقه كعادتها.
"ليه قفلت السكة، كنت عايزة أوصف لأروى الراجل الحلو اللي كان في المطار وضحك لي."
أحتدت عيناه بالقتامة، فالتصقت بشدة بمقعدها، خائفة من نظراته.
"مش هحاسبك دلوقتي على وقاحتك، بس قسمً بالله لو اتغزلتي في راجل قدامي أو ورايا حتى.. متلوميش غير نفسك."
طالعته بملامح مستاءة، متذمرة، تمط شفتيها حانقة من مزاجه الذي يتقلب بسهولة.
فحديثها مع أروى لم يكن إلا في إطار المزاح.
ولكن هو هكذا دوماً سريع الغضب.
أشاحت عيناها بعيداً عنه، فعاد لجذبها قربه متمتماً وكأنه رجلاً آخر.
"قربنا نوصل خلاص."
***
تأملت صفا المكان حولها بسعادة وهي لا تُصدق بأنها اليوم تحضر حفل زفاف في الظهيرة ونهار اليوم مازال ساطعاً كما كانت تشاهد ذلك عبر التلفاز.
لتسمع صوت الموسيقى الهادئة استعداداً لمجيء العروس.
فالتفت نحو زوجها المنشغل بالحديث في هاتفه، فاقتربت منه تلفت نظره لطول حديثه في الهاتف، تمسد فوق ذراعه.
فهي تريد أن تحظى بحنانه واهتمامه.
طالعها أحمد بابتسامة هادئة وتابع مكالمته وهو يحوط خصرها بأحد ذراعيه.
سكنت صفا قرب صدره، وهي لا تعلم لما كل هذه المشاعر التي قد طرأت عليها الآن.
أنهى أخيراً مكالمته، ومال على أذنيها معتذراً عن انشغاله بها، متسائلاً وهو يُطالع الحفل حوله.
"عجبتك الحفلة؟"
"عجبتني أوي أوي يا أحمد."
وكادت أن تُكمل بقية حديثها عن مدى إعجابها، فوجدت العروس الجميلة بفستانها القصير تدلف بصحبة عريسها صاحب البدلة البيضاء الكلاسيكية والسعادة تطل من عينيهم.
أخفضت رأسها أرضاً، وهي تُحارب مشاعر بؤسها.
فوجدته قد يتمتم معتذراً مرة أخرى، وكأنه يهرب من نظرات بؤسها.
"معلشي يا صفا.. هعمل مكالمة ضرورية بعيد عن صوت الموسيقى وراجع تاني."
ثم جبينها في قبلة طويلة، وسار مبتعداً عنها أمام نظراتها الشاردة.
تركها لعاصفة مشاعرها القوية، وسرعان ما كانت تنساب دموعها دون إرادة منها فوق خديها.
خاصة بعدما وقعت عيناها نحو الرقصة التي افتتح بها العروسان الحفل.
فهي لم تحتفل بزفاف ولا حتى خاتم زفاف يوثق ملكيتها به.
فهو يقترب ويبتعد، يغمرها بالحب ثم يعود لجليده ثانية.
لتأتي لحظة مراسم توثيق الزواج، فيقف الضيوف مهللين بسعادة.
أقتربت هي من الجمع الواقف بترقب، وقد تسلطت عيناها على جميع التفاصيل بشغف.
لتتابع ما يحدث عن قرب.
وقف العروسان بحب بعدما وافقوا على كل بنود الزواج بسعادة.
أخذ تصفيق الحضور يعلو بعد القبلة التي لثم بها العريس شفتي العروس.
فانفرجت شفتاها كالبلهاء مما تراه.
فهم يتبادلون القبلات علانية وبذوق، بل ويواصلون بالمزيد والحضور سعداء بالأمر.
تابعه بعينيه من بعيد، محدقاً بتفاصيل ملامحها، ليرى الألم الذي استطاعت إخفاءه عنه، وقد كان هو السبب فيه.
فهو لم يمنحها شيئاً كأي فتاة لم يسبق له الزواج، لا لحظة اعتراف، لا محبس زواج ولا حفل زفاف وفستان عرس وباقة زهور.
اقترب منها بخطوات هادئة وهو يقسم داخله إنه سيفعل لها كل ما تمنته عن قريب.
فلم يعد لا يريد إلا رؤية السعادة تلمع في عينيها.
***
بدأت نيران غضبها تشتعل مع كل كلمة تقصها أروى على مسمع عمتها.
حتى هتفت أروى بحسن نية لسعادتها من أجلهم.
"جاسر شكله بدأ يحب جنه يا عمتي."
زفرت منيرة أنفاسها براحة، وتعالت السعادة فوق ملامحها.
ولكن سرعان ما تلاشت سعادتها وتحولت ملامحها للجمود وهي تستمع لحديث نيرة الحاقد.
"لحق يحبها امتى، وازاي.. ما تقولي كلام عاقلين يا أروى."
امتعضت ملامح منيرة غضباً، وهي تستمع لكلماتها التي تحمل الغل والحقد.
"خدي اختك يا هدى وانقلعوا من قدامي."
فأقتربت هدى من أختها لتجذبها بعيداً.
حتى وقفت نيرة أمام منيرة بدموع.
نيرة: "انتِ السبب لولا إنك رحتي جبتي بنت أخوكي كان زمانه اتجوزني وحبني.. ليه كده حرام عليكي."
فنهضت منيرة عن مقعدها بملامح قاتمة.
"انتِ بتخرفي تقولي إيه يا خرفانة انتِ، مين ده اللي كان هيتجوزك؟ جاسر طول عمره شايفك زي أروى. صلحي دماغ اختك يا هدى عشان شكلها كبرت وخرفت."
وسارت منيرة في اتجاه غرفتها وهي تتمتم: "بت قليلة الأدب، كان ناقص كمان منجيبش ولاد من نسل المنشاوي مش كفاية فاخر، امتى بقى يا جاسر هتفرحني بعيالك."
***
حاولت قدر المستطاع أن تبدأ معه حواراً، لعلها تقتل ضجرها، أو تجذبه إليها نحو الثرثرة التي تعشقها.
ولكنه كان يجلس صامتاً بهدوء قاتل، جعلها تزفر أنفاسها حانقة.
زفرت أنفاسها بصوت مسموع، فالتف نحوها وقد قطب ما بين حاجبيه متعجباً نظراتها الحانقة نحوه.
"جاسر المتسلط اللي بيزعق على طول أرحم من جاسر البارد."
تعالى العبث فوق ملامحه، فترك فنجان قهوته الذي كان يرتشف منها مستمتعاً وهو يُطالع التلفاز.
جذبها إليه من ثوبها، بطريقة صدمتها وزادتها توتراً.
"ما أنا كلامي بياخد منحنى تاني، وأنتِ مبتحبوش."
وبأنفاس متعلثمة، أجابته متذمرة.
"لأنك بتحب المواضيع اللي مش تمام."
رفع حاجبيه مستمتعاً، بتورّدها وتوترها متسائلاً وكأنه لم يفهم حديثها.
"مش تمام؟ ليه يا أستاذة جنه."
وقبل أن تهتف بشيء، وتخبره إنه يتلاعب بها، كان يُخبرها بمتعة مواضيعه التي لا تروق إليها.
أتسعت عيناها وهي تستمع لحديثه وعن النساء اللاتي يستمتعون بهذه الأمور.
"خلاص كفاية، أنا مبقتش عايزة أتكلم معاك.. خلينا نتفرج على البرنامج أفضل."
تعالت ضحكاته، وهو يراها تتهرب منه كعادتها.
فعاد لجذبها إليه يهتف بجمود مصطنع.
"ولا برنامج ولا غيره، أنا هسيبلك المكان كله."
أسرعت في النهوض خلفه، تجذبه من قميصه.
رواية سطور عانقها القلب الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم سهام صادق
رواية سطور عانقها القلب الفصل الثاني و الثلاثون 32 - بقلم سهام صادق
****
لم تكن إلا لعبة بسيطه أنتهت بفوزه ، لعبة لا تعرف كيف ومتي تحولت لهذا الأصرار في عينيه ..، إنها تري رغبته المشتعله بها .. ، وها هو يلصقها به يطلب منها تلك المرة برجاء أن تكون له
طالعته بأنفاس مسلوبه ، واخذت دقات قلبها تخفق بقوه ، توقً مثله لما يُريده ولكنها تخاف أن تجني مشاعر الخيبة بعدما تمنحه نفسها ..
- مش كفايه لعب يا جنه
وهي كانت كالمغيبة أمامه ، لا تقوي علي النطق .. ، داعب عنقها بكفه وهو يراه كيف تطبق فوق جفنيها بقوة ..، هاربة من نظراته
ارتسمت أبتسامة حانية فوق شفتيه ، هو متأكده لو نالها هذه اللحظه لن تعترض ولكنه لا يُريد الضغط عليها في مشاعرها
- مش كنتي عايزه تخرجي ، ولا هنفضل في السكون ده كتير
شاغبها بحديثه ، فاسرعت في فتح عينيها ، تنظر إليه ببلاها عما تسمعه منه ..، إنها كانت تتوقع أنه سينفذ ما يُريده ، ولكنه أصبح كالعاده يُفاجأها ..، لم تري بريق الرغبه في عينيه ، بل وجدت لمعان من نوعً أخر
- يا بنتِ أرحمي قلبي الضعيف ، وبلاش نظراتك ديه ..، أنا بكافح بكل قوتي
القي عبارته الأخيرة مازحاً ، وقد تعالت أصوات ضحكاته ، ورغماً عنها كانت تتضحك هي الأخري .. ركضت نحو غرفتها قبل أن تعود شخصيته الأخري ..، ويظهر لها جاسر العابث الوقح
ارتدت ثيابها بعجاله ، ووقفت امام المرآه تُهندم من وضع حجابها ..، لتتوقف يدها نحو دقات قلبها المتسارعة ، وهي تتذكر اللحظات الماضيه من جنون .. ، فهي حتي هذه اللحظه لا تستوعب أن الرجل الذي تعيش معه الأن ، بعبثه وجنون , هو جاسر أبن عمها ..ذلك الفظ الغليظ
توقف علي أعتاب باب الحجرة ، يُحدقها بنظرات طويله
- مع إني كان نفسي تقوليلي مش عايزه تخرجي ، ونقضي الوقت مع بعض
شهقت مفزوعة وهي تستمع لعبارته ، فقد أفزعها وجوده وأخرجها من شروده ، تعالت ضحكاته وهو يقترب منها
- مش معقول كنتِ سرحانه فيا
لم تتحمل مازحه الثقيل ، الذي زادها خجلاً وتوتراً ..، اندفعت صوبه تدفعه بكفيها
- ممكن تخرج بره بقي ، وتستناني لحد ما أخلص
ضاقت عيناه بعبوس مصطنع ، وهو يستمع لعبارات طردها
- يعني مخرجك ، ومتنازل عن حقي في الشرط ..، وكمان بتطرديني
كانت تظن إنه يتحدث بجديه ، ولكن نظراته إليها .. جعلتها تضحك وهي تري تلاعبه بها ، عانقته بذراعيها .، بحركة لم تُخطط لها ..، ولكنها لم تكن تُريد إلا الدلال عليه ونيل المزيد من مشاعره التي لم تعد تفهمها أهي حب ، أم مشاعر تقودها الرغبه
- ده من كرم أخلاقك يا شيخ العرب
- بلاش يا جنه ، تتدلعي في الوقت ده .. أنا بحذرك
أبتعدت عنه ، وهي تفهم مقصده ..فالتقط ذراعها ..يُنفذ ما يتوق إليه قلبه .، ابتعد عنها أخيراً بأنفاس لاهثه ، ينظر إليها وهي تلتقط أنفاسها ، تضع بيدها فوق شفتيها ، ثم اسرعت بخطوات هاربه نحو المرحاض ..، فتعالا صوته بعدما استعاد توزانه ، يهتف بعبث
- عشر دقايق ، لو تأخرتي .. هنكمل الجزء اللي وقفنا عنده
وانصرف من الغرفه ، وصوت ضحكاته تتعالا ..، بعدما أستمع لصوت شهقتها العالية
...................................................................
تنهد بحراره وهو يطالع باب حجرتها المغلق ، فحفلتهم التي ذهبوا إليها بسعاده ، انتهت بالعتاب والوجع الذي رأه في عينيها ، وكأنها تلومه علي ما تعيشه معه ،
أراد ان يدلف إليها ، ويأخذها بين أحضانه ويتوه معاها في عالم بعيد عن العقل والقلب المشتت .. ولكن مشاعرهم المتخبطه جعلته يتراجع عن قراره ، فلو كان من قبل لا يعرف ما يُريده , فهي أصبحت مثله لا تعرف أتُريد القرب أم تُريد تعذيب حالها بفهمه وهو لم يعد يفهم حاله ..، إنه بالفعل كلما نضج ومر عام من عمره .. أصبح عقله هو المسيطر عليه في قرارته ، إنه يعيش في تذبذب ودوامه كبيرة يتمني نهايتها والغرق بين ذراعيها
أنتبه علي مرور الوقت ، فدقق النظر بساعة يده .. ، يتذكر ضرورة ذهابه .. لحضور ذلك الأجتماع الهام
سار نحو الدرج بعدما ألقي بنظرة أخيره علي باب غرفتها ، واتجه بأول خطواته هابطاً لأسفل ، ولكنه وقف مكانه وهو يلتف مجدداً بعدما أستمع لباب الغرفة يُفتح ثم خروجها منها
عاد إليها بلهفة وقد أطمئن قلبه أخيرا عليها
- مش معقول يا صفا ، حابسه نفسك من أمبارح
طالعته بملامح جامده ، فلو كان يهتم لأمرها لأجتذبها من غرفتها وقوقعتها بالعنف ، ولكنه يتركها لأفكارها ومخاوفها معه ، وينتظر حتي تعود هي إليه :
- انا خارجه مع ساره نشم شوية هوا .. انا مش هفضل محبوسه هنا علطول
ألجمه حديثها البارد ، وكأنها تُعاقبه .., فابتسم وهو يجذبها إليه يوعدها , بأنه هو من سيفعل ذلك ، ف لتنتظر للغد
- بكره هبقي أخرجك انا للمكان اللي تعوزيه ،ولوحدنا كمان
- بلاش تعاملني بأحسانك ده ، متتصدقش عليا بمشاعرك
تجهمت ملامحه ، وقد ترك ذراعيها ..، يشعر بالصدمه مما يسمعه منها
- أنتِ بتقولي إيه ؟
أرادت أن تُخرج به كل الحديث ، الذي وضعته ساره داخلها ، فيجب عليها أن تريه أنها لم تُعد تريد رجلاً ، ما زال عالقاً في حب من رحلت
شردت فيما رأته أمس وقد أثبت إليها ..، إنها مازالت لا تعي شئ بحياته ، فهو مازال محتفظ بصور هذه الحبيبة في درج مكتبه ، وهي التي أصبحت توهم نفسها إنه أحبها
أبتعدت عنه ، حتي لا تتحدث بحديث أخر ، يزيد الأمور تعقيداً بينهم ، فجذبها إليه متسائلا بعدما حاول تمالك غضبه منها
- مش معقول تكون حفلة امبارح هي اللي أثرت عليكي كده
لم تمنحه الجواب ، كل ما منحته له نظرة طويلة ساخرة ، جعلت ملامحه تحتقن
- لو خرجتي من البيت ، يبقي اتحملي عواقب تصرفك يا هانم
تجاوزها بعدما رطم كتفه بكتفها عن قصد، وغادر المنزل حانقاً
انسابت دموعها ، ومازالت الصور لا تُغادر خيالها ، تتسأل داخلها ..، هل كلما رأي صور هذه الحبيبه كلما كان يُقبلها ..، يتذكر لحظاتهم سوياً ..
دلفت نحو دوامة قويه من المشاعر ولم ترحمها عبارة ساره التي مازال صداه يتردد داخلها
"هو شايفك فيها يا صفا ، أوعي تصدقي إنه حبك ..، لو كان حبك مكنش فضل محتفظ بالصور "
................................................................
تأملت ضخامة الحفل الذي قد دعوت اليها من قبل أحدي رفقاتها ، لتقف خلفها صديقتها نسرين وهي تتحرك بخيلاء بفستانها القصير :
- أهلا نيره حببتي
طالعتها نيرة ببتسامه هادئه ، فمدّت لها "نسرين" يدها مرحبة :
- مبسوطه اوي انك جيتي الحفله
- المرادي بقي ، الحفله بمناسبة ايه يانسرين
تسألت "نيرة" وهي تُلقي بنظرات فاحصه نحو المدعوين ..، والإجابة التي لم تتوقعها "نيرة" ، كانت تُخبرها به الواقفه بسعاده ..، وكأنها تخلصت من الأسر
- بمناسبة طلاقي
وتعالت صوت ضحكتها ،وهي تري نظرات نيرة المصدومه من حديثها :
- بلا رجاله بلا هم .. ، بكره تتجوزي وتعرفي إن وجودهم هم .. يمكن الحاجه اللي بتميزهم فلوسهم ، وكل ما كان تقيل ..كل ما طلعتي كسبانه من الجوازه
امتقعت ملامح نيرة من حديثها ، وقبل أن تسألها عن باقية الرفيقات ..، كانت نسرين تبتعد عنها ، بعدما تمتمت غير مصدقة حضور أحدهم لحفلها
- مش معقول "راجي النعيمي" هنا في حفلتي ، ووافق علي الدعوه
اتجهت نظرات نيرة ، نحو هذا الرجل الذي تراه لأول مره … ، ما أدهشها هو التصاق نسرين به ، وكأنه هو الصيده التالية بعد تحررها من زيجتها
اشاحت عيناها عنهم ، وهي تلتقط عصيراً بارداً ينعشها ، وقد ضجرت من الحفل وندمت علي مجيئها ، مر الوقت وظلت واقفة بمفردها ..
طالعت ساعة معصمها ، لتري أن وقت أنصرافها قد حان ..، فالساعة قاربت علي الحاديه عشر ، ويجب عليها ان ترحل .. ، عادت تبحث عن نسرين حتي تُخبرها بضرورة رحيلها ، وتؤكد عليها موافقتها علي عرض العمل في الخارج ..، لعلا بعدها يُشعر
"جاسر " بقيمتها ، وهي سوف تطبق جميع الأحتمالات ..، فما زالت تُمني نفسها بفرصه أن تكون له يوماً
- شايفك وكأنك بتدوري علي حد
شعرت بالتوتر ، وهي تلتف بجسدها نحو صوت أحدهم ..، تنظر إليه بترقب ..، فهو نفس الرجل الذي ركضت نحوه نسرين فور دلوفه لحفلها
................................................................
أخذت تعبث بمشروبها البارد بضجر ، وقد خرجت من شرودها أخيراً وهي تستمع لصوت ضحكاتهم يعلو .. ، رفعت رأسها المطرق عن المشروب ..، واتجت بعينيها نحوهم .. لتجد تلك المرأه تلامس ذراع زوجها بوقاحه .. أنتظرت أن تري ردة فعل من زوجها ، وقد أسعدها ما فعله ، فقد أنتفض من اثر لمستها ، ثم حدق بها بغضب ، فاتجهت "أشكي" بنظراتها نحوها تُعلل لها سبب فعلتها التي أثارت مقتها:
- مش معقول جاسر يكون خايف علي زعلك
واردفت بحقد ، وقد عادت بعينيه نحو الجالس
- أهنيكي علي قدرتك في تغيره
تجمدت ملامح "جاسر" وهو يسمعها ، فلو أستمرت جلسته قليلاً ..، ستخرب "أشكي" كل شئ ، بل ربما تُخبرها إنه كانت أحدي زيجاته ، نهض عن مقعده ، يجتذب ذراع تلك الجالسه ، تُقلب عيناها بينهم
- نتقابل بكره في الشركه يامراد
وقف مراد مودعاًله ، بعدما رمق شقيقته بنظرات ممتعضه ..، فها هي قد أنهت جلستهم الهادئه بأفعالها
سارت جواره والأفكار تضارب داخلها ، من نظرات تلك المرأة نحوه ، شعر بتخبطها ، فأنحني صوبها يُلهيها عما تُفكر به وتستنتجه
- عشان تعرفي ان جوزك مرغوب فيه زاي
استطاع إنتشالها من أفكارها ، وهو يرها تُحدق به بغضب ، ولكن سرعان ما كانت تتحول ملامحها للسعاده ، وهي تجد أحد الممثلين الأتراك يدلف برفقة امرأة ..، ركضت نحوه تُخبره بمدي حبها له ، والرجل لم يكن يفهمها إلا من بضعة كلمات بسيطه ..، ولكنه كان يرسم فوق شفتيه أبتسامه واسعه ..
احتدت ملامحه وهو يقف يُطالع المشهد ، وكاد أن يقترب منها ويجذبه من ذراعها ..،إلا إنه وجدها تُشير إليه ..، تعرفهم إنه زوجها .. ، حاول تجاوز الأمر وهو يُحرك رأسه لهم ..، يُخبرهم إن طبيعه زوجته هكذا تحب المزاح والضحك
- صورني بليز معاهم يا حبيبي
وهل يرفض هو ، بالطبع لاا ..، فقد وضعته في وضع محرج ..، التقط لها الصوره وغادروا المطعم ، حدقها بنظرات متوعده بعدما أقترب من السيارة التي استأجرها هنا، وقبل أن يهتف بشء ويُخرج حنقه الذي تراه يشع من عينيه تمتمت
- ده ممثل يا جاسر ، وكل الناس بتتصور مع الممثلين ولاعبين الكرة وأي حد مشهور
- والهانم طبعا ..بتعرف تبرر لنفسها كل حاجة
تجهمت ملامحها من حديثه ، فارتفع حاجبه متسائلا وهو يفتح لها باب السياره
- الهانم عندها اعتراض
ولم يجد منها إلا التذمر والصمت ..، دلفت السيارة بوجه حانق ..واشاحت عيناها بعيداً عنه
- أفردي وشك يا هانم
حدقها بضيق وهو يراها لا تعبأ بحديثه ، وقبل أن يهتف بشئ ..، أخذت تمتم بأستياء
- ديكتاتور ، ومتقلب المزاج
والشعور الذي كان داخله ، قد أختلف .. انفجر ضاحكاً وهو يجذبها إليه رغم إعتراضها ..، يُخبرها بصدق إنه بات يعشق جنونها
.................................................................
دلفت غرفتهما ، بعدما قضت بعض الوقت مع والدته ..، لقد أصبحت علاقتهم ببعضهم قوية للغايه ، لدرجة إنه بدء يشك في طباع والدته ..، السيده ناهد كل يوم تُذهله أحبت صفا ، و حياه .. أحبت المرأتان اللاتي لم يشبُهها
اقتربت منه بعدما تحررت من مئزرها ، فظهرت بيجامتها الطفوليه ..التي جعلته يُحدق بها ثم انفجر ضاحكاً ، طالعته بملامح عابسه وهي تري نظراته نحوها
- مهما حاولت مش هرمي البيجامه ديه يا عامر
تعالت ضحكته ،ونهض مقترباً منها ..يلتقطها من منامتها
- نفسي أعرف البيجامه ديه غاليه ليه عندك كده
- أسباب أحب أحتفظ بيها لنفسي
وعندما حدقها بنظرات تعرفها ، اقتربت منه ..ترفع ذراعيها نحو عنقه ..، بطريقه أدهشته بل جعلته ينطق دون وعي
- أنا لازم أشكر ناهد هانم كل يوم
تجاهلت عبارته ، وشبت فوق أصابع قدميها .. حتي تكون قريبة منه
- أتحايل شوية عليا ، وأنا أقولك سبب حبي ليها
تعالت صوت شهقاتها فزعه ، وهي يباغتها بفعلته .. يحملها فوق ذراعيه ، يهمس لها وكأنه ليس هو ذلك الرجل الذي كان يتحدث قبل قدومها عن الصمود
كانت غارقة في بحوره ، يُعلمها كيف يكون الحب بين ذراعيه ..، ابتعد عنها بعد وقت يجذبها لحضنه ، يتنهد بأنفاس طويله غير مُصدقاً ..، أن هذه المرأه ببساطتها تُعالج ندوبه دون شعور
غف بعدما وضع بقبلة حانية فوق جبينها ، ففتحت عيناها ..تسمح لحالها بالتحديق به ..، تتسأل داخلها هل ستتمكن من زرع بذرو الحب داخله ، أم إنها تزرع في أرضاً ليست لها.
............................................................
غضب وألم أصبح يمتلكه من برودها ، ولكن يأتي للبيت ولا يجدها فقد اشعلت جميع النيران داخله ..
وجدها تدلف المنزل بملامح سعيده مسترخيه ، وهو كالأحمق كان سيجن عليها :
- كنت بشم شويه هوا
فالتقط ذراعها ، وقد بدء المقت والحنق يحتل كيانه من تصرفاتها :
بتتمشي ، احنا في امريكا مش في مصريا هانم
فسارت هي من امامه، دون أن تهتم بحديثه وكأنها تُعانده:
- كنت بتمشي
تجهمت ملامحه ، وفرك جبينه بقوه ..، من شده الم الرأس الذي يشعر به
- أنا صبري ليه حدود
تجاهلته ، واتجهت نحو غرفتها ..، بابتسامه واسعه .فها هي تجعله يكاد يُجن ، لا تعرف لما أختارت التمرد ..، ولكنه تشعر بشئ يدفعها نحو المزيد
التقط ذراعها حانقاً منها ، ومن تصرفاتها
- سيب أيدي يا احمد
- أنتِ إيه ، اللي شقلب حالك كده
حاولت التخلص من قبضته ، فسقطت دموعها وهي تشعر بقوة قبضته فوق ذراعها ، ترك ذراعها وهو يري دموعها التي وغزت قلبه بالألم
- أكيد هعرف سبب تغيرك يا صفا ، ما دام مش راضيه تصارحيني
تركها في بؤسها ، فعن أي شئ ستخبره ، هل علي إحتفاظه بالصور ، ام عن خاتم الزواج الذي لم تعد تعرف هل لها ام كان لتلك الراحله ، ام عن حديث ساره عن حكايات رامي له ، وكيف كان عاشق بقوة لمن تركته و رحلت .
.............................................................
ابتسمت نيره بسعاده ، وهي تتأمل ضخامة تلك الشركه وثراء ذلك الرجل .. فمنذ لقاءهم بذلك الحفل وقد أصبحت علاقتهما قريبة .. ،
حتي إنها بدأت تُثرثر في الحديث كثيراً عنه ، أمام "فاخر" زوج هدي شقيقتها ، وها هي ثرثرتها تُجني نفعها وفوائدها ، ف "فاخر" قبل مشاركته في إحدي الصفقات التي يراها ضخمه ، وستنقلهم نقلة أخري
انتبهت علي صوت فاخر الحاد ، وقد أخرجها من شرودها وهم داخل المصعد
- أنا مش عارف ايه لازمه المسخره اللي عملاها في وشك ، والبناطيل اللي مخلياكي زي الراجل
رمقته نيرة بحنق ، وهي تُشيح عيناها بعيداً عنه ، تهتف بخفوت وهي تعد فوق شفتيها المطلية بطلاء صارخ اللون :
- طلع عقدك علي مراتك يافاخر مالكش دعوه بيا
تنهد فاخر ضجراً من أفعالها ، فمهما حاول إرشادها لا تستمع ..، مُقرراً داخل نفسه إنه سيتركها تتحمل عواقب إستهتارها.
.............................................................
جلست تعبث في حاسوبه الشخصي ، فانتبهت علي دلوفه ونظرته التي عالقت بحاسوبه :
- في البلد عندنا الصغير لو لعب في حاجة الكبير يضرب ، تخيلي بقي لما يكون كبير العيله
تعالت ضحكتها الجميله ، وقد تركت له حاسوبه ..، أقترب منها يضمها إليه سعيداً وهو لا يعرف السبب ، هل بسبب ضحكتها ، ام بسبب ذلك النعيم والهدوء الذي أصبح يعيش فيه اسقط الحجاب الذي كانت تضعه فوق رأسها ، ورمقها متهكماً :
- المفروض أرجع من بره ، الاقي مراتي مستقبلاني بشكل يخطف نفسي ، مش أرجع والاقيها لبسه إسدال الصلاة
عادت ضحكاتها ، تتعالا ..، لا تُصدق حديثه ..، فالرجل الذي كانت تسمع صوته منذ ساعه ، وهو يجلس بمجلس العائله ..، ويحكم بين الأفراد ..، هو نفسه ذلك الذي يُجاورها ويعبث معها بحديثِ مخجل
- مش كفايه دلال ودلع بقي ..، عمتك كل يوم تسألني هنجيب الحفيد أمتي
أتسعت حدقتيها ، تكتم صوت شهقتها علي حديثه الثقيل
- من حقي أدلع ، بعد كل اللي عملته فيا
تعالا حاجبيه في دهشة ، وهو يتُحاول الفكاك من أسره
- مطلعتيش سهله يا بنت عمي ، وانا اللي كنت فاكرك مكسورة الجناح وطيبه
عبست ملامحها في تذمر ، وهي تستمع لعباراته المازحه
- بتهزر يا شيخ العرب
- والله شيخ العرب ، قرب يبوس الأيادي
ألجمتها عبارته ، لا تستوعب هل لهذه الدرجة أحبها ، واصبحت تمتلك فؤداه ..، التقط كفها يُقبله بحنو ، وقد أرتفع كفه الأخر نحو خصلاتها بعدما أزاح حجابها
- بحب شعرك ، بحب كل حاجه فيكي
داعبها بحديثه ، إنه بالفعل بارع في سرق أنفاسها ، وتخبطها .. بارع لدرجه إنها لم تعد تتحمل الصمود أمامه.
...............................................................
استمعت الي صوت ذلك المحاضر بشرود ، وهي تتذكر قبلته الناعمه علي أحد كفيها، عندما أصطحبها صباحاً الي الجامعه التي ستحضر بها رساله الماجستير ثم الدكتوراه،
هو أصبح هادئ معها تماماً .. ، وكأنه بدء يفهم لعبتها معه ويعطيها أحقيتها في الصبر عليها ، فهي شهدت معه مواقف كثيراً ..، ولولا حبها له لكانت مضت بطريقها وتركته بكل أمتيازاته
انتهت المحاضره ، فنهضت من جوار زميلتها كالمغيبة ..، فهي باتت تشعر بالغباء لعدم فهمها واستعابها لشئ
سارت كالباقية ، خارج قاعة المحاضره .. ليرفع هو بوجهه عن أوراقه التي اخذ يُلملمها ، ينظر إليها وهي تُغادر هاتفاً باسمها بين نفسه ..، فالفتاه التي رأها في حفلة الزفاف ..، اصبحت طالبه لديه ، وها هو القدر يمنحه فرصة رؤيتها مجدداً في صفوف طلابه
فاق من تحديقه ب باب القاعه .. وهو ينتبه علي صوت رنين هاتفه , ولم يكن المتصل إلا زوجته الحسناء كمثل "ليندا " ، تلك المرأة التي هدمت بحور عشقه لها وجعلت منه مسخاً خائباً ، أهتمامها بأن يصبح لها كيان وفقط قد أنساها كيف تكون زوجه حقيقيه حتي أمومتها قد نسيتها
جسدها الممشوق كعارضات الازياء ليس إلا من أجل عملها في أحدي شركات الأزياء والموضه .. ، عاد شريط ذكرياته نحو خمسة أعوام قد مضت
ليزفر أنفاسه بثقل وخيبة ، وهو يتذكر كل خيبات الحب التي حصدها من أجل محبوبته التي أنعطف بهم رحلة زواجهم نحو الفراغ والبرودة
توقف رنين هاتفه ، وقد صدح الرنين مجدداً للمره الثالثه ..، وها هي الزوجه التي كلما ظن بتغيرها ..، تُخبره برحلة سفرها اليوم لفرنسا ، لعرض أزياء طارئ قد قدم إليها
اغلق هاتفه ، دون أن ينتظر سماع كلمات حبها التي تُخبره بها بعد كل مكالمه ، من اجل إعطاءه جرعة الصبر والأستمرار في حبها وتحمل عملها ، لملم أشياءه وغادر القاعه متجهاً نحو سيارته لتقع عيناه عليها مرة أخري.
……………
اقتربت "فريدة" من والدها ، تلتقط كفيه برجاء ..، بعدما ألقي عبارته الاخيرة .. مصراً علي معرفة "عامر السيوفي " بوجود طفلاً ، ويجب عليه إعادة أبنته لعصمته
- أرجوك يا بابا ، أرجوك متبلغش عامر دلوقتي
حدقها "محسن" بنظرات قاتمة ، يصرخ بها بعدما ألقي نحو شقيقته الصامته نظرات معاتبه علي إخفاءها عنه الأمر
- المفروض كان يعرف ..، من أول ما عرفتي إنك حامل يا هانم ..، مش سيباه يتجوز عليكي ، وجيالي الأمارات هربانه
- أنا مش هربانه ، أنا كنت محتاجه أبعد بأبني
- أبنك ، ده هو الفرصه الوحيده اللي هترجع علاقتنا مع عامر من جديد
واطرق رأسه ، وهو يتذكر كل ما حدث له بعد تطليق عامر لابنته ، إنه خسر كثيراً من الصفقات ، والطفل سيكون الورقه التي تزيل بينهم المشاحنات وسيصفح عنه "عامر"
- عامر هيعرف بالطفل قبل ولادتك يا فريده ، لازم يعرف
صدمها إصراره ، وقد بدأت تفهم السبب ..، والدها يسعي لعودة أعماله مع عامر ، بعدما أشاع الفضائح عنه ، علقت عيناها بعينين عمتها التي وقفت صامته ..، فهي من أصرت عليها أن تُبلغ والدها بعدما كانت متخذه قرارها بأنه لن يعلم إلا عندما تضع مولودها ..، مولودها الذكر الذي قررت أن تمنحه لذلك الذي عاقبها علي فداحه جرمها بالكره والهجر و زواجه السريع من أمرأه اخري أقل مكانه منها بل لا مكانه لها في عالمهم .
•تابع الفصل التالي "" اضغط على اسم الرواية
رواية سطور عانقها القلب الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم سهام صادق
دلك عنقه بإرهاق، بعدما انتهى اجتماعه الذي استمر أكثر من ساعتين.
طالع مدراء الأقسام وهم يغادرون، وعاد لمطالعة أوراق الصفقة الجديدة.
اقترب منه "أكرم"، بعدما قرر عدم المغادرة ورؤيته. فقد بدأ يشعر بوجود خطب ما معه.
"مالك يا عامر؟ مبقتش عاجبني الفترة دي."
ثم تساءل بقلق وهو لا يتمنى سماع ما يظنه:
"أوعى تقولي، إنك مش مرتاح مع مراتك واكتشفت غلطتك في الجواز بسرعة؟"
رفع "عامر" رأسه، ومن نظرة عينيه كان ينظر إليه أكرم مترقباً جوابه.
"تفتكر إنك ممكن بالصدفة تكتشف إن كل اختياراتك اللي فاتت كانت غلط؟ وإن الاختيار الوحيد الصح في حياتك هو نفس الاختيار اللي كنت منتظر فشله؟"
رمق "أكرم" وهو لا يعي ما يقصده صديقه. ف"عامر" وكأنه يتحدث معه بالألغاز.
"لأ ده الموضوع كبير أوي."
"فعلاً يا أكرم كبير، ومحير."
تمتم بها بثقل، فانفرجت شفتي الجالس بابتسامة واسعة، هاتفاً باقتراح:
"ما تاخد مراتك وتروح يومين بعيد عن كل حاجة، منه هتستريح من الشغل ومنه تعرف تفكر كويس."
وأردف، بعدما لمعت ابتسامة خبيثة فوق محياه، يغمز له بإحدى عينيه:
"ومنه تتبسط أنت والمدام."
والاقتراح كان ينال استحسان الجالس، وكأنه أخيراً وجد أن الابتعاد قليلاً سيجعله يفهم مشاعره أكثر ويفيق من تخبطه. وفي قرارة نفسه كان يعلم أنه يحتاج لمنح قلبه فرصة أخيرة.
***
أخذ يستمع إلى تفاصيل يومها في الجامعة كما اعتاد منذ أيام. ولكن هذا اليوم انتبه إلى أدق تفاصيل ما تقصه عليه. وقد ظهرت ابتسامتها عندما تحدثت عن محاضر إحدى المواد، وهو محاضر من أصول عربية بل ومصري الجنسية. حتى إنه أخبرها اليوم إذا احتاجت لشيء فل تخبره.
ترك "أحمد" المعلقة التي كان يحتسي بها الحساء، ورمقها مدققاً في خلجات ملامحها، متسائلاً بنبرة جامدة:
"مش ملاحظة إن كل الكلام بقي عن دكتور بس؟"
صعدت صفا، دون فهم. فما الذي يجعله يغضب؟ إذا كان حديثها عن محاضرها بهذا الود، فهو رجل لطيف وذكي. انتبهت على نهوضه ولم يمس إلا القليل من الطعام، فجذبت ذراعه تنظر نحو طبقه.
"أنت مخلصتش طبقك؟ ده أنا عاملة الأكلة اللي أنت طلبتها وبتحبها."
رمقها، قبل أن يحرك ذراعه من قبضتها. فقد ضاعت شهيته من حديثها المفعم بحماس عن هذا الرجل.
"شبعت خلاص."
تركها، واتجه نحو غرفة مكتبه. لتلتف بمقعدها تحدق به، غير مصدقة ما نسجه لها قلبها وعقلها معاً. أحمد يغير عليها؟ بل لا يطيق استماع مدحها عن رجل غيره. هل أصبح بالفعل يحبها؟ أم هي مجرد أشياء تحدث بين الأزواج في العادة؟
عاد التشتت يقتحم عقلها. فما تخبرها سارة عنه يجعلها تشعر بالاضطراب وتشكل في مشاعره. فقد بدأ أحمد يتباعد عنها بسبب برودها معه، وهذا لا يدل على شيء واحد. إن ما كان يحركه نحوها ما هي إلا الرغبة.
أطرقت رأسها في يأس. ولكن جميع حواسها قد تجمدت وهي تشعر بلمسات كفيه فوق كتفيها وهمسه:
"بكون فعلاً عايز أسمع تفاصيل يومك يا صفا، بس مش لدرجة تفضلي تمدحي راجل قدامي."
التفت إليه ببطء، تنظر نحوه وقد تعالت أنفاسها. اجتذبها من فوق مقعدها يمسح بأنامله فوق خديها.
"تحبي نسهر النهاردة بره؟"
من حماسها المفرط، ونظرتها إليه، كان يشعر إنها لا تضيع منه. بل هي تحتاج لوقت كما أحتاجه هو من قبل.
"يعيش، أحمد السيوفي."
تعالت ضحكاته وهو يضمها إليه، ولم تعد سعادتها قائمة إلا على رؤيتها سعيداً.
"مجنونة!"
***
نظرت أمامها لروعة المكان، وهي تشعر بنسمات الهواء تداعب خديها. أغمضت عينيها وهي تتمنى داخلها أن تظل هذه السعادة تحاوطها، أن يحبها ويمنحها قلبه مطمئناً.
التفت بجسدها نحو الفراش، تطالعه وهو غافٍ. تتذكر مجيئهم أمس لهذا الفندق في مدينة شرم الشيخ، وقد فاجأها برحلته.
عادت لتطالع الأجواء أمامها من الشرفة التي تطل على منظر جذاب. تزفر أنفاسها براحة، تفكر في أحاسيسها التي باتت تشعر بها معه. تتساءل داخلها: هل بالفعل بدأ يحبها؟ أم ما زالت الرغبة ما تقود علاقتهما؟ أم ما زالت هناك نوايا قائمة من هذه الزيجة التي لم تثمر إلى الأن بطفل يضمه رحمها؟
ويا ليت أفكارها لم تأخذها لهذه النقطة. فقد عاد حديث "سناء" يقتحم عقلها. ستعود إليهم يوماً بطفل، بعدما تنتهي غايته منها.
نفضت رأسها وهي تخبر نفسها: أن عامر ليس هذا الرجل. عامر يعشق كل ما هو من دماءه. ربما لن يحبها هي، ولكنه سيحب أطفالها.
خفق قلبها، وهي تتخيل طفلاً تحمله في رحمها منه. فشعرت بالتوق الشديد، وهي تضع يدها فوق بطنها. تتمنى حدوث الأمر. غاصت في أحلامها وقد تخيلت صغارها، لتنتبه على صوته الناعس وهو يهتف باسمها، بعدما بحث عنها جواره.
"حياها."
أسرعت إليه، ترسم فوق شفتيها ابتسامة دافئة، بعدما أغلقت الشرفة. ليتساءل وهو يعتدل في رقدته فوق الفراش:
"صحيتي بدري ليه؟"
اقتربت منه، بعدما أزالت خفها المنزلي وصعدت جواره فوق الفراش:
"حبيت أستمتع بالجو، والشمس لسا مطلعتش."
طالع الوقت في ساعته، فلم يكن يتجاوز السابعة صباحاً.
"المكان جميل أوي يا عامر، أنا مبسوطة أوي."
عبرت عن سعادتها بالمكان بسعادة حقيقية، وارتمت فوق صدره تعانقه.
"لو كنت فاكر إنك هتبسطي كده، كنت أخدت القرار من بدري."
"قراراتك ديما بتطول، بس متقلقش معاك زوجة صبورة أوي."
لم تكن تقصد أي مغزى من عبارتها، بل خرجت بتلقائية. فطالعها، محدقاً بملامحها.
"بهزر يا سيدي القاضي."
وشيئاً فشئ، كانت تتسع ابتسامته، وهو يجدها تدندن له تلك الغنوة التي اكتشف مؤخراً حبها لها "كن منصفاً يا سيدي القاضي".
علقت عيناه بها، وهو يسمعها تغني له عبارات الغنوة. ازداد توقه الذي لم ينطفئ لحظة، يهمس لها بأنفاس راغبة:
"كنتِ فين من زمان؟"
توقفت عن الغناء، وهي تستمع لعبارته العجيبة عليها من رجل كـ "عامر السيوفي". لم يمهلها لحظة لتفكر أو تسأله عن مقصده. فقد عانقت شفتيه شفتيها، وكأنه يمنحها الجواب هكذا. لتغرق بين ذراعيه كعادتها، كما أصبح هو يغرق مثلها.
***
لم يصدق "راجي" بأنه اليوم يجلس في بيت والده، ويقف أمامه "حسن المنشاوي" يرحب به بكرم رغم ضعفه وإنهاك المرض له.
أتت إحدى النساء مرحبة به، ولم يكن غافلاً عن هويتها. فهو أصبح يعرف جميع أفراد العائلة.
"نورت بيتنا يا بني."
رحبت به العمة "منيرة"، فنهض راجي على الفور، يلثم كفها. فتفاجأت من فعلته التي أسعدتها. ربتت فوق كتفه، داعية الله له.
"ربنا يباركلك يا ولدي."
الجالسة كانت خالية من "جاسر" الذي كان لديه عملاً هاماً في العاصمة.
تنتقلت الأحاديث عن أعماله، ومشاريعه القائمة هنا. مما جعل "فاخر" يشعر بالزهو إنه استطاع ربط بعض الصفقات مع هذا الرجل وتوطيد العلاقة. وها هو "راجي النعيمي" في بيته، يتناول طعامهم ويشرب الشاي معهم، كفرد من العائلة.
تمازح معهم، بل وصدحت ضحكاته وهو يشكرهم على الجلسة اللطيفة وكرمهم.
مغادر المنزل ملتفاً نحوهم وقد يقفون بالخارج لتوديعه. وقد عادت القتامة لداخل قلبه وهو يتذكر حديث خاله قبل وفاته عن عائلة والده ذو الأصول الصعيدية. والده قد ترك والدته، بعدما أخذ منها ما أراد وتركها، حاملاً منه. وبعد إنجابه سجله هو باسمه بعدما رفض الاعتراف به. فهو لم يكن إلا طفلاً قد أتى غلطة.
***
دلف غرفتها كالأعصار، ينظر نحو هيئتها المرتبة.
"حفلة إيه اللي معزومة عليها يا صفا هانم؟"
التفت إليه فزعة، من رؤيته غاضباً هكذا، وكأنها أجرمت في شيء.
"حفلة عيد ميلاد سارة."
"ما أنا عارف إنه عيد ميلاد سارة هانم، لكن أنا قولتلك لأ الصبح. لكن اتفاجأ إنك متفقة مع السواق إنه هيوصلك الحفلة ويستناكي وكأني مش جوزك يا هانم."
ارتبكت من ملامحه الجادة، وتراجعت للخلف وهي ترى نظراته الجامدة.
"علاقتك بسارة دي تنتهي نهائي، اللي كان رابطنا بيها رامي. وخلاص علاقتهم انتهت."
أسرعت بالجواب، تدافع عنها:
"هي مغلطتش. صاحبك اللي إنسان مريض سابها عشان..."
وقبل أن تكمل عبارتها، وتخبره إن حياتهم هنا هكذا، لا يهتمون بالعذرية كنحن بالشرق. ولكن نظراته الحادة أخرستها. اجتذبها من ذراعها بعدما أخرج هاتفه من سترته، يضغط على أحد الأرقام.
"بجد يا أحمد؟ خلاص فكرت إننا نقرب من بعض، صدقت حبي ليك. متخافش ياحبيبي هعرف أنسيكي كل اللي عشته في حياتك، أوعدك هخليك أسعد راجل. صفا عمرها ما هتفهم راجل زيك، أنا أقدر ألبي ليك كل رغباتك."
ألجمها الحديث الذي استمعت إليه، كما احتقنت ملامحه من غبائها. شعرت بالصدمة وهي تراه يبتعد عنها، بعدما أغلق المكالمة. فهي جعلتها تشك في كل أفعاله كلما اقترب منها، بل أصبحت تخبرها بكل شيء يخص علاقتهما.
"عشان تعرف إنك غبية."
تركها بعدما اندفع مغادراً من الغرفة، دون أن يستمع لهمسها الخافت لاسم.
***
بدأت رقصتها بسعادة لتقضي على ملل مكوثها بالمنزل، خاصة إنها لم تعد تذهب لمنزل عمها بكثرة، بسبب تعامل هدى زوجة فاخر بجفاء معها.
أخذت تتمايل بجسدها وشعرها يتراقص حولها بمرح كالراقصة التي تشاهدها على إحدى قنوات التلفاز.
معرفتها لقدومه اليوم متأخراً أعطاه الحرية لترتدي ثوب الرقص الذي اشترته له "أروى". وعلى ما يبدو أن زوجها الماكر هو من طلب من شقيقته شراءهم.
التفت ودارت بجسدها ببراعة متقنة. ولكن تصفيقه القوي جعلها تتجمد في حركتها وهي تراه يستند بجسده العريض بجوار الحائط. اعتدلت من ميولها الذي أظهر رشاقة خصرها وهي تبحث عن شيء تخطي به جسدها.
"وقفتي ليه؟"
اقترب منها بأنفاس تتسارع مع شدة رغبته وتوقه لرؤية المزيد من مهارات زوجته وأنوثتها.
"أنا كنت زهقانة، فقولت أتسلى."
ظلمت عيناه من الرغبة، وهو يراها تلتقط ما تغطي به جسدها عنه.
فأسرع في التقاطه منها، يلقيه أرضاً.
"تتسلي من غيري برضوه يا جنة؟"
"جاسر..."
همست مرتبكة، تطرق رأسها أرضاً. لا تقوى على مطالعته، بعدما استطاع محاصرتها.
"عيونه..."
"ممكن تبعد؟"
والجواب كان يمنحه لها وهو مسلوب الإرادة.
"المرة دي، مش هقدر يا جنة."
لم تفهم حديثه، إلا عندما وجدته يحملها فوق ذراعيه يتجه بها نحو فراشهما، يخبرها إنه لم يعد يستطيع الصبر، إنه بات يشتهيها في أحلامه، وفي كل لحظاتهم.
غاصت معه في مشاعر جديدة عليها، منحته كل شيء قلبها وجسدها. وهو كان أكثر الرجال سعادة. ظن أن غريزته هي من تحركه، ولكنه اكتشف شيئاً أعمق. إنه ليس بالحنون في علاقاته، ولكن معها كان يلامسها برفق، يهمس لها بكلمات صادقة.
ارتسمت السعادة فوق ملامحه، وهو يضمها إليه. ينظر نحو ملامحها وهي غافية بعمق فوق صدره. أراد أن يجعلها تستيقظ ولكنه أشفق عليها. فشدة توقه نحوها جعلته ينالها مراراً، يخبرها وسط عاصفته إنها السبب في حرمانه من الجنة بين ذراعيه.
حاول التحرك من جوارها بخفة، ولكنها شعرت به. فاجتذبت هامسة:
"أنت رايح فين؟"
ابتسم وهو يطالعها، وقد كانت شبيه بالقطة الناعسة وهي تهمهم بسؤالها.
"رايح المصنع يا حبيبتي، عندي اجتماع مهم النهارده."
"حتى النهارده شغل."
تمتمت معترضة وما زالت لا تقوى على فتح عينيها. فمال نحوها يلثم خدها معتذراً.
"مش هتأخر عليكي، هخلص الاجتماع وأرجع علطول."
حاول النهوض، والابتعاد عنها حتى لا تؤثر به هيئتها المغرية. ولكن توقف عن حركته وهو يشعر بيدها تقبض فوق قميصه.
"جاسر، بليز."
"يا حبيبتي صدقيني..."
وقبل أن يكمل عبارته، كانت تعانقه من الخلف، تهمس إليه بكلمات كان يعلم إنها من شدة نعاسها تهتف بها دون وعي، أو ربما ليلة أمس قد قضت على جميع الحواجز بينهما.
جذبها نحوه، يطرحها الغرام بشوق وكأنها لم تكن بحضنه منذ ساعات.
وبعد ساعة، فاقوا من سحابتهم الغائمة بالمشاعر، بسبب رنين هاتفه الذي لم يكف عن الرنين، بسبب الاجتماع الهام الذي سيعقد بعد نصف ساعة. كان يركض هنا وهناك، تحضر له ثيابه وحذائه وهو يتحدث حانقاً.
"خلاص يا فاخر، قولتلك هكون عندك بعد نص ساعة."
وفاخر يتساءل للمرة العاشرة، ما الذي أخره، بعدما كان يشدد عليه أمس عدم التأخر.
"أه رغيك الكتير ده معطلني."
أغلق الهاتف في وجه "فاخر" الذي وقف يحدق بهاتفه. طالعته وهو يتجه نحو المرحاض، ثم خرج بعد دقائق يجفف خصلاته، ينظر إليها ممتعضاً.
"شفتي أخرت دلعك؟ هتتأخر لأول مرة على اجتماع."
اقتربت منه تناوله قميصه، تضحك على تذمره.
"يعني بتحط عليا اللوم، بدل ما تراضيني؟ عشان رايح الشغل النهاردة وسايب عروستك لوحدها."
رَمقها بنظرة لعوبة، بعدما راق إليه حديثها، وهي تُغلق له أزرار قميصه.
"عروسة؟ أه لو حد عرف إنك لحد ليلة امبارح كنت لسه..."
وقبل أن يتمم عبارته، التي كانت تعلم نهايتها، ابتعدت عنه هاربة.
"هروح أحضرلك قهوتك بسرعة."
تعالت ضحكاته، وهو يراها تهرب من أمامه. يهتف لها ضاحكاً.
"أنا بقول أسيب فاخر يترأس الاجتماع النهارده، وخليني أشوف أهدافي."
***
وقفت تحضر حقائبهم، بعدما انتهت رحلة مكثهم هنا. لقد انتهت الأيام المعدودة التي عاشتها برفقته في هذا المكان.
اقترب منها يسألها إذا أنهت كل شيء.
"خلاص يا حياة."
التفت نحوه، وقد غامت عيناها بالحزن تخبره إنها أعدت الحقائب. فطالع نظرات عينيها وهي تتهرب منه. حاولت الابتعاد عنه، ولكن أسرع في التقاط ذراعها.
"أنتِ زعلانة يا حياة؟"
أومأت برأسها، فابتسم وهو يرى حزنها، وكأنهم لن يأتي لهذا المكان مجدداً.
"أنا وعدتك إننا هنيجي تاني، ده غير يا ستي ممكن كما نسافر بره البلد."
عادت عيناها تلمع بسعادة، وهي لا تصدق حديثه.
"بجد يا عامر؟"
عامر كعادته المؤخرة، كان يمنحها الجواب كما يحب، مع وضع وعوده. ابتعدت عنه تلهث أنفاسها، تدفن وجهها بصدره.
"أنا بحبك أوي."
***
اتسعت ابتسامته، غير مصدقاً ما يقرأه، من كلمات قد سطرتها هي.
أسرعت نحوه بعدما وقعت عيناها عليه وهو يركز بتدقيق نحو شاشة حاسوبها.
"أنت بتعمل إيه؟"
التقطت منه الحاسوب، لتري ما كان يطالعه كما ظنت، فشعرت بالتوتر وهي تحتضنه.
"شايفة، قدامي موهبة محتاجة حد يكتشفها."
احتقنت ملامحها، وقد ظنت إنه يتمازح معها.
"محتاجة بس بعض الإرشادات يا صفا."
وأخذ يخبرها عن بعض النقاط التي يجب عليها اتخاذها حتى لا تخونها الكلمات وسرد الحكاية والشخصيات.
تلاشى عبوسها، وجلست على مقربة منه تستمع إليه. طالعته بنظرات عاشقة، وابتسامتها شيئاً فشئ قد اتسعت، وهي تتذكر أحد أحلامها معه.
***
جلس "حسن" يشرد في ذكريات قد مضى عليها عمراً طويلاً، لتسقط دمعة حارة على أحد خديه، بعدما أطبق فوق جفنيه بقوة.
عادت به لذكريات لسنوات طويلة، يتذكر تلك الفتاة ذات الملامح الغجرية التي تعرف عليها بالصدفة عندما كان ينهي بعض أعماله في مدينة الأقصر. كانت تقف تتأمل المعابد بانبهار شديد، حتى إنه عندما حل الظلام وبدأ الزوار في الرحيل كان شغفها يزداد وكأنها لأول مرة تأتي لهنا. فقد كانت تشبه في ملامحها إحدى ملكات الفراعنة. ليتذكر أول اسم أطلقه عليها "نفرتيتي".
أخذه الذكريات لتفاصيل ظن إنه قد تمكن من نسيانها، ولكن الزمن لم ينسيه شيئاً. فهو هاهو ما زال يتذكر عيناها بلمعانهم. ورغم إنه كان رجلاً متزوجاً من ابنة عمه التي هجرها أخيه "صابر" واضطر هو بالزواج منها لتقاليد العائلة، وقد ترك حبيبته التي عشقها بجنون تنفيذاً لقرار والده الصارم. ولكن "حور" بشكلها وعلى شيء فيها قد سحرته بها.
تزوجها يوماً واحداً ولم يعرف عنها شيئاً بعد ذلك، سوى أن أهلها جاءوا لأخذها بالقوة، بعدما علموا بمكان إقامتها. كانت تعيش في مصر شهوراً ولم ترحل إلا بعدما تزوجها.
فاق "حسن" من شروده على صوت ولده الحبيب والغالي، وقد انحنى بجسده كي يقبل كفيه وجبينه بحب.
"مبتسمعش كلام الدكتور ليه يا حاج؟ ولا عايز كل شوية تشوف غلاوتك عندنا؟"
حدق حسن بحنان، وهو يربت فوق كفه.
"عارف، ومتأكد إني غالي عندكم يا والدي."
جاوره "جاسر" فوق فراشه، يخبره عن أوضاع العمل والعائلة. وهو جلس يستمع إليه بفخر واطمئنان على أحوال العائلة من بعده.
"بقولك إيه يا ولدي، خد مراتك وروح زور عمك. عمتك منيرة كلمتني من عنده، وصوته مكنش عاجبني يا ولدي. دي بنتهم وحقهم يطمنوا عليها وتطمن عليهم."
***
طالعها بنظرات خبيثة، لم تفهمها بسبب انبهارها من ثرائه الذي أصبح يدهشها.
"كنتِ بتحبي جاسر؟"
ابتلعت الطعام بصعوبة، وهي تستمع لسؤاله، ولم تكن تتوقعه منه. شعر بتخبطها وتوتر ملامحها، ونظراتها إليه وقد فهم ما يدور بخلدها، فأسرف يبرر لها سبب سؤاله، وهو يرتشف من مشروبه البارد، ينظر إليها مترقباً ردة فعلها.
"أظن من ساعة ما عرفنا بعض وأنتِ بتحكيلي كل حاجة عن العيلة يا نيرة، وكلامك الكتير عن جاسر ملهوش غير معنى واحد أي راجل ممكن يفسره كده."
ارتشفت بضعة قطرات من الماء، بعدما أردف عبارته.
"شايف في عيونك حب كبير لراجل ميستحقش حبك."
زفرت أنفاسها، وهي لا تستوعب كيف أصبحت مكشوفة بمشاعرها أمامه. تراجعت للخلف، تستند فوق مقعدها مسترخية.
"عمتي منيرة مرضتش تجوزني جاسر عشان عايزة نسل المنشاوي يكون من صلبهم. وجنة بنت أخوها هي الاحق مني."
غامت عيناها بالدمع، كانت صادقة في كل ما تخبره به، ولكنه لم يكن يراها إلا في صورة واحدة، إنها ماكرة.
"بعد ما بابا مات، جاسر بقى مسئول عن كل حاجة تخصنا. كبرت وأنا شيفاه سندي. اتعلقتي بي أوي، تعلق مرضي زي ما هدى أختي ديما تقولي. لكن مش عارفة ليه من ساعة ما قربنا من بعض بقيت أكتشف إني مشاعري ناحية جاسر حاجة مختلفة فعلاً."
حدقها "راجي" بنظرات طويلة. هل بالفعل هي بارعة لهذه الدرجة حتى تجعله للحظة يصدقها؟ أم إنها بالفعل صادقة؟
راجي: "تتجوزيني يا نيرة؟"
ألجمها ما نطقه، وقد اتسعت حدقتاها ذهولاً من عرضه، فاللمعت عيناها بالسعادة ولا تستوعب ما نطقه، إلا عندما عرض عليها الأمر مجدداً. وقد مال بجسده فوق الطاولة قليلاً، والتقط كفيها.
"موافقة، تديني فرصة أرمم جواكي كل اللي فات."
أومأت برأسها، وهي تنظر إليه غير مصدقة. إنها استطاعت جذب أنظار رجل مثله، تسعى خلفه الكثيرات.
والصدمة الأخرى التي أضاعت فرحتها، حديثه الذي أخبرها به بجدية.
"جوازنا هيكون على سنة الله ورسوله، لكن في السر يا نيرة!"
***
ظلت صفا تنتظر خروجه من غرفته مثل كل صباح، ولكنه قد تأخر عن موعد عمله اليوم.
وقفت أمام غرفته، تتذكر وجهه الشاحب وإرهاقه الظاهر فوق ملامحه ليلة أمس. فاخذ القلق يدب بقلبها. فدلفت الغرفة دون انتظار مقتربة منه بلهفة بعدما رأته يتصبب عرقاً، ويهمس بكلمات غير مفهومة. حاولت أن توقظه أو تعدله من رقدته ولكن كان وكأنه جسد بلا روح.
ركضت مسرعة لأسفل، تبحث عن بعض المثلجات من أجل اخفاض حرارته، وأدوية تساعدها. ولكن كل ما فعلته لم يجدي نفعاً معها. ولم تجد إلا السائق الذي كان ينتظرها من أجل إيصالها لمحاضرة اليوم. فحرارته لا تنخفض وهو بحاجة لطبيب أو الذهاب للمستشفى.
***
كان يطالعها وهي تطعمه، حتى أزاح الطعام جانباً ليتأمل معالم وجهها الشاحبة يتمتم بحب متسائلاً.
"خوفتي عليا يا صفا؟ وعملتي كل ده عشاني؟"
تذكرت لحظات قلقها عليه، وهي ترى الطبيب يفحصه. حركت رأسها إليه وهي تحمد الله بصوت مسموع إنه أصبح بخير.
أنشعت بكفيه، تحيط وجهها يهمس إليها بآخر شيء انتظرته اليوم.
"بــــحــــبــك يا صفا."
ارتعشت شفتيها من أثر لمساته المصحوبة بكلمة حبه، وكاد أن يقترب منها ويلتهم شفتيها بقبلة عميقة.
ولكن رنين هاتفها قد قطع اللحظة، لتبتعد عنه تاركة له وسط مشاعره الهائجة العطشى.
أخرجت هاتفها من جيب بنطالها القصير. فحدق بها متسائلاً، بعدما ضاقت عيناه مترقباً جوابها.
"مين اللي بيتصل بيكِ يا صفا؟"
حدقته بتوتر، فلم يمهلها فرصة للرد بعدما علم الجواب منها ومن نظرتها نحوه. التقط منها الهاتف، ينظر نحو الاسم المدون، يهتف بمقت وملامح جامدة.
"بيتصل بيكِ ليه؟"
"- ده هيبقى المشرف على الرسالة بتاعتي."
احتدمت عيناه، وهو يسمع صوته أخيراً، يقذف بهاتفها بقوة بعدما رأى الرسالة التي بعثها إليه، فهو يريد الاطمئنان عليها بعد تغيبها.
"وإيه التليفون الزفت؟ عشان يعرف يتصل تاني."
حدقت بفعلته مصدومة، هاتفها أصبح محطماً في الأرض، دون سبب يستحق غضبه.
"التليفون..."
طالع صدمتها حانقاً، يجذبها من منامتها بعدما أسرعت في التقاط قطع هاتفها وتركيبها.
"كل اللي همك التليفون يا هانم."
وقبل أن تنطق بشيء، كان يخرسها بجنونه الوحشي، جنونه الذي أعاد شوقها ولهفتها المثيلة لفهته.
***
هبطت الدرج بخطوات سريعة وسعيدة، بعدما أخبرها هذا الصباح، إنهم ذاهبون اليوم للملجأ لزيارة الأطفال. عانقته لحظتها بحب وهي لا تصدق إنه بات يبحث عن الأشياء التي تفرح قلبها وتسعدها.
اقتربت من غرفة مكتبه، تجهل رفقته لأحد. وكادت أن تدلف الغرفة ولكن جمدها حديث الرجل الذي وقف أمامه يعيد عليه ما أخبره به، وقد وقف يطالعه بملامح متلهفة.
"فريدة.. حامل في ابنك.. ابنك كلها أسبوعين ويشرف الدنيا.. حفيدي.. ابنك وابن فريدة يا عامر."
رواية سطور عانقها القلب الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم سهام صادق
هل غادرت السعادة التي كانت تعلم تماماً إنها ستُفارقها، أم إنها كانت تعيش في حلماً جميلاً؟ تشبثت به حتي لفظها الحلم واعادها إلي واقعها وخيباتها.
تعلقت عيناها بعينين ذلك الرجل وهو يُغادر الغرفة، بعدما ألقي بكل شئ يُريد الحديث عنه. وعامر مازال واقف في صدمته لا يعلم أيحزن أن القدر ربط بينه وبين تلك المرأه بطفلاً من مجرد ليله واحده، أم يسعد لأنه أخيراً سيرزق بطفلاً من صلبه.
تناسي كل شئ من حوله وجلس فوق مقعده ينظر نحو الصورة التي تحتوي علي جنينه في رحم والدته. علقت عيناه بالصوره لا يستوعب المشاعر التي تحركت داخله للتو، رغم حقده علي هذه العائله وهذه المرأه التي طعنته في ظهره، بعدما أراد بدء حياة معها ومنحها فرصة في حياته. و رغم ان عقله كان يأبي هذه الفرصه، فكيف يختار المرأة التي رشحها لشقيقه، بل أخذت تركض خلفه.
أقتربت منه بملامح باهته، وقد أخذتها قدماها نحوه. فوقفت ثابتة مكانها في منتصف الغرفة لا تعرف أتقترب منه أم تبتعد وتنئ بنفسها بعيداً عنه قبل أن تخونها دموعها وتنساب فوق خديه.
رفع عيناه نحوها، وكأنه أخيراً أنتبه لها. ولكن نظراته إليها في حديثً صامت، جعلها تعلم بحقيقة ما سمعت وحقيقة صحوتها من حلمها الجميل.
غادرت الغرفة بخطوات سريعه، فلم يُعد لديها قدرة علي عدم رثاء نفسها والبكاء علي حظها.
تجهمت ملامحه، واحتدت عيناه من شدة الغضب، وهو يستمع لطلب ذلك المُحاضر، الذي وقف بكل تبجح يطلب منه إعطاءه فرصة للأقتراب من زوجته، ويقص عليه انفصاله القريب عن زوجته بعد فشل حياتهم معاً.
"وطبعاً صفا، لقيت فيها الست اللي بتتمناه.. مش كده يا دكتور باسل"
شعر "باسل" بالتوتر من حديثه، وسرعان ما كان يومئ برأسه مؤكداً.
"عندك كل الحق تقلق من مشاعري، أتجاه أختك.. لكن لو أنا كان نيتي شئ مش كويس لسمح الله، مكنتش أتكلمت معاك بوضوح"
"طبعاً، طبعاً"
هتف بها "احمد" وقد اظلمت عيناه.
"لكن مش شايف، أنك واخد القرار بسرعه.. وانت لسا مخرجتش من علاقتك مع مراتك"
"طالعه الواقف، وهو لا يفهم سبب غضبه الظاهر فوق ملامحه وهو يُحادثه"
"أنا في عمر أقدر أحدد فيه كويس، أنا محتاج إيه في حياتي.. يمكن أختياري لزوجتي أخطأت في، لكن صفا حقيقي مشاعري مختلفه.. كل اللي محتاجه منك تدينا فرصه نقرب من بعض"
وبأبتسامة واسعه أردف وهو يشعر ببعض التوتر.
"أنا صرحت أنسه صفا بمشاعري قبل ما أجيلك هنا الشركه، وطلبت مني اني اصارحك بمشاعري ناحيتها، لأن متقدرش تعمل حاجه من غير أذنك..، وحقيقي أن أحترمت فيها ده، رغم إن بعدي عن العادات والتقاليد.. إلا اني بعتبر الصراحه في كل حاجه هي الأفضل"
قبض فوق كفيه بقوه بعد عبارة الجالس أمامه، لا يُصدق إنه وصل بها الأمر. لتبعث له الرجل لهنا.. حتي تغضبه لهذه الدرجه القاتله، لم يتحمل سماع المزيد ودون شعوراً منه.. اقترب منه يلتقطه من ثيابه يلكمه بقوة لعله يستطيع أطفاء نيران غضبه، يُخبره صراحه.
"اللي قاعد تكلمني عن جمالها وصفاتها الحميده، ديه تبقي مراتي يا دكتور"
والصدمه كانت من نصيب "باسل" الذي أنبطح أرضاً، واخذ يمسح الدماء عن أنفه لا يستوعب الخطأ الفادح الذي وقع به.
"لكن هي قالتلي أنكم أخوات؟"
زفرت أنفاسها بقلق وهي تجلس فوق فراشها، و تقضم اظافرها بتوتر.. وقد ظهرت فوق ملامحها ابتسامة واسعه.. أخذت تتسع شيئاً فشئ.. حتي تلاشت تماماً وهي تستمع لصوته الصارخ.
"صفا"
أندفع نحو الغرفه، وقد أظلمت عيناه كلما تذكر وقوف هذا الرجل أمامه.. يُخبره عن مشاعره نحو زوجته، وبل وأعطته الموافقه ليذهب إليه حتي يعرض عليه الامر.
"بلتعبي علي مين فين يا صفا"
أنتابها الذعر، وهي تلتصق بظهر الفراش، تنظر حولها لعلها تجد طريقاً للفرار. بللت جفاف شفتيها بطرف لسانها تسأله بنظرات زائغة.
"أنا مش فاهمه حاجة"
تعالت شهقتها، وقد سحبها من مكانها، ينظر إليها بوعيد.
"بقيتي تعرفي تكدبي، وتلعبي لعبه مش قدها"
"أنا مبلعش بيك، ولا بكدب علي حد"
"كدابة"
دمعت عيناها وهي تشعر بقسوة قبضتيه فوق ذراعيها، فحاولت التخلص من أسره.
"أيوه بلعب بيك، وعايزه أوجعك يا احمد.. خلاص أرتحت"
تجمدت ملامحه، لا يُصدق إن الامور وصلت بينهم لتلك النقطه.
"ليه؟.. ده أنا صرحتك بحبي، طلبت منك فرصه تانيه نبدء بيها من جديد.. ضعفك وأستسلامك ليا في مشاعرنا، شوقي ليكي كل ده مبقاش فارق معاكي في حاجة"
"خايفه منك، خايفه لتصحي في يوم تقولي.. إنك فوقت خلاص و إنك محبتش غيرها"
"و حبيتك أنتِ كمان، يمكن حبيتك أكتر منها"
صرخ بها بعدما دفعها عنه بكل قوته.
"مبتحسيش بحبي ليكِ، لدرجادي خوفك من فشل علاقتنا عماكي يا صفا"
تعالت شهقاتها، وهي تُحرك له رأسها نافيه.. فعن أي إحساس ستشعر به.. وهي كلما كانت تقترب كان يُبعدها عنه.
"صوركم اللي لسا في درج مكتبك"
التف إليها ببطئ.. ينظر نحو ملامحها التي أغرقتها الدموع، وقد فهم السبب وراء مشاعرها المؤخرة وتباعدها عنه.
"أظاهر إن إحنا اتبادلنا الأدوار يا صفا"
عادت يقترب منها، وقد علقت عيناه بها.. فلو الحديث اليوم سيُخرج كل ما يعتلي صدورهم، فليصرخوا بكل شئ.. لعلا البدايه تُضع أو النهايه وتنغلق صفحه الماضي.
"أي إنسان فينا ليه ذكريات بيحب يحتفظ بيها، و مها عمري ما هنساها لانها كانت فيوم في حياتي..، هبقي كداب لو قولتلك نسيتها"
"عمرك ما هتحبني، طول ما أنت بتحبها"
"مها ماتت يا صفا، الحقيقه اللي بتنسيها كل ما لقيتي نفسك مش الوحيده في حياتي"
"كفاية"
أرتسم الألم فوق ملامحها، وانهارت فوق الفراش الذي كانت تقف فوقه منذ لحظات.. ليقترب منها وينتشلها من بؤسها.
"مشكلتك عايزه تبقي الأولي في كل حاجه يا صفا"
رفعت عيناها إليه، تري في كلماته تفسيراً لأنانيتها.
"لان ببساطه كنت أنا الأول في كل في حياتك..، فتمنيتي تلاقي نفس الشئ"
علقت عيناها به، وهي تسمعه.. ربما كانت هذه الحقيقه أو ربما ما مرت به معه.. جعلها تخشي من مشاعره.
رفعها من فوق الفراش.. يضمها لصدره.. يهمس إليها بحب، يعلم إنها تحتاجه.
"كفاية عذاب يا صفا، بقينا ندور من فينا هيبعد عن التاني الأول"
أرادت أن تتحدث، أرادت تخبره.. إنها لا تُريد الأبتعاد عنه.. ولكن كل شئ حشر في حلقها…
رفع كفيه نحو وجهها يُعنقها هذه المرة بعينيه.
"أديني فرصه إني أحبك يا صفا"
طالعته بنظرات صامته، وهي تنتظر منه حديثً يُطمئنها، ولكنه فضل الصمت مثلها الأيام الماضيه. أقترب منها بعدما تخذ قراره.
"أنا مسافر النهاردة بليل.. الأمارات يا حياه"
أخبرها بهدوء، بعدما جلس جوارها وانتظر سماع أي حديثً منها.. ولكنها ظلت علي صمتها تُحرك له رأسها.
"ممكن أطول شوية في رحلتي"
علقت عيناها به وأخيراً خرج صوتها.
"هتفضل أد إيه هناك"
أشاح عيناه عنها وأخذ يُدلك عنقه بأرهاق وهو يُجيبها.
"مش عارف لسا يا حياه، بس أكيد بعد ما فريده تولد ونسوي أمورنا سوا.. لاني مش هسيب أبني يتربي بعيد عني"
أبتلعت غصتها وهي تستمع لعبارته، التي تؤكد لها.. إنها لم تعد بحياته وعليها الرحيل من منزله حتي لا تكون عائق في حياته في عوده طليقته وطفله.
نهض من جوارها مُتجهاً خارج الغرفة، بعدما أخبرها بما أراده.
"عامل"
هتفت اسمه واقتربت منه تُخبره برغبتها للذهاب لمنزل شقيقها.. ما دام هو سيُسافر وسيتركها لفترة لا تعرف مدتها.
"ممكن أروح أقعد عند رجب الفتره ديه"
والجواب الذي لم تُريده، قد أعطاه لها ببساطه.. وبحركة واحده من رأسه.. جعلتها تتأكد تماماً أن النهايه قد وضعت.. فقد حررها السيد من عالمها.. حررها بعدما لم يجد لوجودها معني بحياته.
غادر الغرفه.. فوضعت بيدها فوق شفتيها تكتم صوت نحيبها.. تخبر حالها بأنفاس متقطعه.
"أنتهت القصه الجميله يا حياه، وانتهيتي أنتِ معاها"
طالعها بنظرات محتقرة، بعدما أنتهت عاصفتهم ونالها لمرات. حدق بملامحها المسترخيه، وقد ارتسمت فوق شفتيه أبتسامه ماكرة. فقد حقق ما أراده مع تلك التي يُحركها طمعها نحو الرجال الأكثر ثراءً. مال نحوها وقد عاد العبث يطفو فوق ملامحه، فشعرت بانامله تتحرك فوق خدها ثم عنقها. ففتحت عيناها إليه.
ابتسم بخبث وهو يراها تنظر إليه بإنتشاء، وكأن ملامسته لها تعيد لها ما حدث بينهم ليلة أمس. همست أسمه بعدما شعرت بقبلاته فوق كتفها.
"راجي"
راجي كان مستمراً في نيل المزيد منها.. منحته نفسها مجدداً بنفساً راضيه.. حتي أبتعد عنها ينظر إليه بنظرة قوية، تحمل داخل طياتها الحقد.
"مبروك يا بنت الحسب والنسب"
أرتجف جسدها من سماع نبرته، وقبل أن تسأله عن السبب الذي غيره فجأه.. كان يلتقط الغطاء من فوق جسدها.
"مش معقول لحد دلوقتي معرفتش أتكيف منك، ده حتي الفلوس اللي دفعتها فيكي مش قليله"
والتقط العقد الماسي الذي يلتف حول عنقها، وكأنه يُخبرها أنه قد خسر أمواله وهداياه بحقارة.
أرتعشت شفتاها من هول الصدمه، وما تسمعه منه.. فهذا الرجل الذي أمامه ليس من تزوجته أمس ومنحته جسدها مرحبة.. تتمني أن يغزوها لمرات.
"أنت بتقول إيه؟"
"بقول أني زهقت منك.. من مجرد ليلة يا حلوة"
مشاعر غريبه أصبحت تتضارب داخلها ولكن مشاعر الفرح والسعاده بما وصلت به حياتها معه، جعلتها تنسي أي شئ قد مر عليها معه.
مقت "صافيه" أبنتها الشارده.. ورغم شرودها كانت السعاده ترتسم فوق ملامحها. ثم علقت عيناها بحبات الأرز الذي لم تنتهي من تنقيته، فهتفت ضاحكه وهي تلتقط منها الطبق.
"أنا لو قعدت علي سرحانك ده يابنت بطني مش هخلص الاكل لأبوكِ ولا لجوزك"
أنتفضت "جنه" من شرودها، ترفع عيناها نحو والدتها.. التي رمقتها بنظرات عابثه.
"قومي شوفي جوزك وابوكي لو عايزين حاجه يشربوها، لحد اما اخلص الاكل"
ظلت مكانها دون حركه، فعاد صوت والدتها يتعالا حتي تفيق من حاله شرودها.
"روحي شوفي جوزك يا جنه، ليكون محتاج حاجه"
حاولت نفض رأسها من أفكارها، واسرعت في النهوض.. لتخرج من المنزل نحو المكان الذي يجلس به والدها وزوجها الحبيب الذي بات يحتل كامل تفكيره.
تباطأت في خطواتها نحوهم، فعلقت عيناه بها بشوق.. جعلها تطرق رأسها أرضاً تتذكر ليلة أمس. غمز لها بعينيه يُذكرها بما حدث.. وكم كان يتوق للعوده لمنزله اليوم حتي يفعل كل ما يُريد في أي وقت ومكان دون حسابً لأحد.
خرجت شهقة خافته منها، وهي تتعثر في خطواتها لتسقط أرضاً.. فاسرع في النهوض نحوها، دون أن يستطيع تمالك حاله.. فانفجر ضاحكاً كحال عمه.
طالعته حانقه من صوت ضحكاتهم، فاقترب منها والدها مبتسماً علي تذمرها ودفعها لكف "جاسر" الممدوده لها حتي يُساعدها.
"قومي يابنتِ، مبيقعش غير الشاطر"
تحرك والدها نحو الدار، ليتركهم معاً.. فعادت لدفعه عنها تنظر إليه بأمتعاض.
"أبعد عني"
"أنتِ ليه قماصه كده، ما أبوكِ كمان ضحك"
"جاسر"
أرتفع صوتها بتحذير، فرمقها بنظرات قويه.. جعلته تتراجع للخلف تسبل أهدابها بوداعه.
"أنتِ اللي بتعصبني، وبتخليني أعلي صوتي"
أقترب منها، بعدما تعالت ضحكاته علي وداعتها التي تتسلح بها.. عندما تري نظرات التحذير من عينيه.
"يعني أنا السبب؟"
أسرعت في تحريك رأسها.. وهي تتحاشا النظر إليه.. فعلقت عيناه بهيئتها في ذلك الجلباب البيتي البسيط.
"أنا بقول كفايه كده يا جنه ويلا نروح"
"أرجع أنت، وانا كام يوم …"
وقبل أن يسمح لها لأتمام عبارتها، اجتذبها نحوه.. يُخبرها برفض قاطع حتي لا تتجادل معه.
"هنيمشي النهارده بليل"
والتذمر وحده ما كان يراه فوق ملامحها.. ولم يزده الأمر إلا متعة.
وقفت مذهوله تطالع الحفل الذي حلمت به دوماً، إنه حفل عرسها.. حفل الزواج الذي ظنت إنه ضاع مع باقية أحلامها.
رفعت عيناها الدامعة من شده سعادتها نحوه، فلم تري في ملامحه هو الأخر إلا السعاده وابتسامه واسعة مرتسمه فوق شفتيه.
"أنت عملت كل ده عشاني"
التقط ذراعها حتي تتأبطه، يمنحها الجواب وهو يسير بها وسط الجموع الحاضرة للحفل. كان يشعر بتوترها ورجفتها.. ولكنه استمر بالسير وهو يهمس لها.
"صفا، استرخي وأفرحي"
وقف أخيراً وسط الحضور، الذين كانوا من الأصدقاء واعضاء المؤسسة التي يعمل بها كشريك، وقد نال احترام وتقدير الجميع في مهلة قصيرة. الكل كان منبهراً من دعوة الزفاف.
"النهارده أنا حابب أقول، إني اسعد راجل في الدنيا"
تعالى تصفيق الحضور، وهم يستمعون لعبارته لزوجته وتلك النظرة العاشقه التي يُخصها بها.
أخذت نغمات الموسيقي تتعالا بالمكان، فبدئوا بأفتتاح الرقصه ينظر نحو عيناها التي مازالت الدموع عالقه بها.
"بحبك"
أنسابت دموعها، واندست بين احضانه. يضحك علي بكائها في أشد لحظاتهم سعاده.
"أقولك بحبك، تعيطي يا مجنونه"
عاشت كل ما أرادت عيشه.. رقصت وضحكت.. ومع كل صورة كانت تُلتقط لهم.. كان الحب وحده ما ينبض في عينيه.
وها هو العرس ينتهي، ويرحل المدعوين.
ابتسامة حنونه ظهرت فوق محياه وهو يري زوجته المجنونه واخته التي لا تقل جنونا عنها يتمازحون بصغير أخيه فاخر. نظر في ساعة يده بضجر.. فوجد ان وقت قدوم ذلك الرجل الذي قد سأم الحديث عنه من والده واخيه فاخر قد حان.
تعالت الأصوات.. فحدق بهما حانقا.. فكثيراً ما يُخبرها ألا تضحك هكذا، ولا تضحك من الأساس أمام أحداً.
ترك الشرفه وأتجه نحوهم بملامح قاتمة متوعده.
"روحي العبي انتي واروي ياحببتي في البيت التاني، عشان قسما بالله لو سمعت نفسك والضيوف هنا لحسابك هيبقي شديد معايا ومافيش رحلة الملاهي اللي انت واروي المجنونه زيك عايزينها، ده أنا بقيت عايش مع أتنين مجانين"
وقفت كلتاهما، يُطالعنه بملامح مصدومه بسبب غضبه.
"كلامي يتسمع، وبلاش البحلقة ديه و إلا.."
وقبل أن يُتمم عبارته، كانوا يتحركون من امامه.. متذكرين عقوبتهم التي ستتم إذا خالفوا أمره.. وسيحرمهم من رحلتهم كما أخبرهم.
حدقها وهي تركض وتحتضن أبن شقيقه، ورغماً عنه كان يضحك وهو يلطم كفوفه ببعضهم.
"أنا فعلا متجوز طفله"
وضعت حقيبة ثيابها التي أتت بها، وجلست جوار الفراش تمسح فوقه. هذا الفراش الذي شهد مشاعر هم العاصفة وعطشه للمزيد منها. سقطت دموعها التي لم تجف.. فقد انتهت الحكايه وحان الوقت لرحيلها.
أستجمعت قواها وهي تُلقي بنظره أخيرة في أرجاء الغرفه، وقد تركت له كل ما جلبه لها من هدايا وثياب.
حملت حقيبتها، فاسرعت الخادمه لتأخذها منها حزينه علي رحيلها. ولكن جميعهم صمتوا، بعدما منحتها السيده الكبيره الأذن.
تجمدت نحو غرفة "ناهد" التي فتحت لها ذراعيها فور دلوفها.
"هسيبك تمشي يا حياه، عشان متأكده إنك هترجعي تاني"
عادت دموعها تنساب فوق خديها، وهي تعلم أستحاله عودتها. فهي لن تحتمل عودته لطليقته.. لن تتحمل أن تكون فرداً زاداً علي احد.
ضمتها "ناهد" نحوها بقوة.. وكأنها لا تُريد تركها.
"أمشي يا بنتي، أمشي لحد ما هو يعرف قيمتك.. لازم نخسر عشان نعرف قيمه وجود الناس اللي بنحبهم"
سقطت دموعها بقهر وهي تستمع لكلماته المهينة عبر الهاتف. أنهت المكالمه بعدما فقدت قدرتها علي تحمل حديثه.
علقت عيناها بالهاتف الذي اضاء برساله منه، لتنظر نحو محتواها والرساله لم تكن إلا رغبته في رؤيتها ليله.. فدورها لم ينتهي بحياته وعليه أن يمتع حاله بها إلي أن يضجر منها ويشبع رغبته.
عادت هاتفها يُضئ بساله أخري، وكأنه يُريد عدم إعطاءها فرصه.. لتُفكر قليلاً في عدم الرضوخ لأمره.
"أنا معزوم في بيت حسن المنشاوي النهارده، لو حابه أحكيلهم عن جوازنا السري معنديش مشكلة"
أسرعت في الضغط علي رقمه، بعدما رأت رسالتها وفهمت باطنها. صدحت ضحكاته وهو يسمع صوت أنفاسها الهائجه.
"هجيلك الليله، أوعي تقولهم حاجة.. أرجوك"
كانت هائمه في كل كلماته التي يبثها اليها من حب. طالعته بهيام وهي تتحسس خديه بأناملها.
"يعني أنت حبتني بقلبك ولا بعقلك يا أحمد"
ابتسم علي مراوغتها معه في الحديث، حتي تصل إلي هدفها وما تُريد سماعه منه.
"الحب بالقلب بس ماينفعش ياصفا، لازم الحب يكون أشتراك بين القلب والعقل.. القلب ممكن يمل ويزهق في يوم بس لو العقل والقلب متقاسمين في الحب ده.. الحب بيكون أقوي"
أرادت أن تغوص مع في حديثه، فاسرع بوضع يده فوق شفتيها.
"كفايه كلام بقي"
وقبل أن تسأله، لما يُريد إنهاء حديثهم.. كان يخرسها بقبلاته يهمس إليها بكلمات عاشقه.
أخذت عقود صفقتهم الجديده تثير به الشكوك بسبب عائد هذه الصفقه التي أراد أن يشاركهم راجي فيها. نظر للأوراق التي أمامه بتدقيق تحت نظرات شقيقه فاخر الذي يصر علي إتمام هذه الصفقه، ونظرات والده الذي صمم ان يحضر هذا الاجتماع رغم تعبه.
زفر أنفاسه ببطئ، وقد علقت عيناه بنظرات راجي الذي كان يحدق به وينتظر قراره. إنه يشعر بأن وراء هذا الرجل شيئاً خفياً، ولكنه لا يجد شيئاً يؤكد له شكوكه.
"محتاج أقرا العقود وأدرسها مره تانيه يابشمهندس.. موافقتي هتتأجل للأجتماع التاني"
أنهى الأجتماع بكلمه واحده، وقبل أن يعترض فاخر علي الأمر.. كان يحمل أوراق الصفقة تتبعه سكرتيرته مغادراً المكان حتي لا يسمع جدلاً.
كانت شارده تستمع إلى التفاصيل التي تقصها عليها شقيقتها، ولكن عندما بدأت سيرته تغزو أذنيها.. علقت عيناها بشقيقتها تسألها بنبرة مرتجفه.
"جاسر بقي يحب مراته، مش هو ده اللي عايزه توصلي ليا يا هدير"
مقتها "هدي" بنظرات فاحصه وهي تشعر بأن هناك شيئاً قوياً.. تعيشه شقيقتها وتخفيه عنها.
"مالك يانيره، فيكي حاجه وأنا حاسه بكده.. وشك بقي باهت.. وروحك وكأنها أنطفت، ده حتي أم السعد بتقولي أنك ديما قاعده في أوضتك.. حتي مبقتيش تخرجي كتير زي الاول"
أشاحت عيناها عن شقيقتها والتقطت حقيبتها حتي تنهض راحله، قبل أن تخونها دموعها.
"أنا كويسه يا هدي، متقلقيش عليا"
لم يكن حديثها عن رحلتها سوي حديث طفله تحكي لوالدها عن تفاصيل نُزهتها المدرسيه.
ترك الملفات التي كان يُطالعها، بعدما علقت عيناه بها.. فرأه تنظر إليه بتلك النظره التي تفقده حصونه.
نهض عن مقعده واقترب منها يلتقطها من فوق مقعدها، فتعالت ضحكاتها وهي تفهم سبب قربه، ففرت هارله قبل أن يتمكن من جذبها.
"بقالي ساعه قاعده معاك وبحكيلك، وانت مش مديني أي أهتمام"
"يعني عايزه تعاقبيني"
وقبل أن تهتف بالجواب، كان يتمكن من ألتقاطها.. يرمقها بخبث.
"الليل قدامنا طويل، وهسيبك تحكيلي بالتفاصيل الممل وتكرري زي ما أنتي عايزه عن رحله الاطفال يا حبيبتي"
أمتقتعت ملامحها، من تهكمه عليها.. وقبل أن تدفعه عنها وتستكمل فرارها.. كان يجذبها إليه.
"هو في فار بيهرب من المصيده"
هتفت صفا بسعاده وهي تشاهد ولاية" ريو دي جانيرو" البرازيليه، بعدما وصلت بهم السياره الي احد فنادق الولايه ليضمها اليه متسائلاً وهو يري السعاده في عينيها.
"عجبتك المفاجأه"
"جميله أوي أوي"
عاد لضمها إليه، وهو يستمع لعبارتها يهمس لها ضاحكاً.
"مافيش حاجة جميلة غيرك يا صفا"
أنهوا أجراءات الحجز، واتجهوا خلف العامل الذي يحمل حقائبهم.
فاخذت تحدق بكل شئ حولها، كان يشعر بالسعاده وهو يري سعادتها.
ألقت بحذائها، فور أن دلفت للغرفه التي حجزها مسبقاً.. فضحك علي هيئتها وهو ينظر نحو الحذاء.
"عشوائية في كل حاجه في حياتك يا حببتي"
وقبل أن تمتقع ملامحها، من حديثه الذي يثير جنونها ومشاغبتها.. كان يُخذبها إليه.. يُخرسها بأكثر الأشياء أصبحت حباً إليه.
اغلق راجي هاتفه وهو يبتسم بداخله، فترويضها أصبح متعة مُسليه بالنسبه له. فتنهد بأسف خبيث على حظها الذي أوقعها بين يديه فهو ليس من عادته التلاعب بالنساء.
ولكن نيره قد جعلته يرغب في كبح غرورها وحبها للمال، والحقيقه التي لا يُريد أن يُصارح بها نفسه أنها أرادها.
أنتبه علي صون "حسن"، وقد أنهي صلاة الظهر فوق المقعد لعدم قدرته علي الوقوف.. ومدّ له يده حتي يعيده نحو فراشه.
اجلسه برفق، ينظر لملامح هذا الرجل الذي من المفترض يكون والده الذي لا يحمل الرحمه وقد تخلي عنه وهو صغير كما أخبره خاله و وصفه له.
"حليمه النعيمي اخبارها ايه يا ولدي!"
تجمدت ملامح "راجي" من سماع أسم والدته من علي لسانه، فمن أين علم بهويته التي ظن إنه أخفاها، لم يمنحه راجي جوابً.. بل أسرع في مغادرة غرفته.. يُخبره إنه لديه موعداً هاما.
اخذت "ناريمان" تتأمل تلك الرساله المُرسلة لها علي ايميلها الخاص.. وعادت تقرأ محتواها ثانية من اجل ان تفهم ذلك المخطط الذي تريد دعمها فيه صاحبة تلك الرساله. أغلقت حاسوبها بضيق فبعد ان نسيت جاسر وتركت امره، تأتي هذه المرأه تحكي لها عن حبها له وهجره لها من أجل أن يتزوج أبنة عمها صاحبة الأصل والشرف.
جميعهن هجرهم، لأنه ليس الرجل الذي يُحب أو يرغب بتقيد الزواج له.. مجرد عقود زواج تتم.. حتي تنتهي مده الشغف التي يشعر بها نحو كل منهن.
لقد نالت الشرف، ورأت زوجته، فتاة بسيطه للغايه.. تسألت فور أن علمت هويتها.. كيف أستطاعت أن تروضه وتنال ما حاولوا فيه هم نيله.. ولكن الأجابه لم تحصل عليها من قبل، وقد قررت المضي في حياتها.
عادت تنظر للرساله المبعثه بفضول مجدداً، ولا تعرف لماذا شعرت بألحاح شيئاً داخلها.. بأن تتواصل مع هذه المرأة، التي لم تكن إلا "سهر" الزوجه الأخيره في عقود "جاسر المنشاوي".
رواية سطور عانقها القلب الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم سهام صادق
طالعها شقيقها بنظرات حزينة على حالها وهو يراها متقوقعة على حالها فوق الفراش الصغير في غرفة أولاده.
لقد عادت "حياة" لنفس المكان الذي لفظتها منه زوجته حتى تكون هي السيدة الوحيدة في المنزل.
عادت من ضحت بنفسها لأجل أن يخرج هو من ورطته.
عادت من نسي أنه الشقيق الأكبر والسند وجعلها تتحمل أعباء كل شيء.
عادت الوردة وقد زبلت أوراقها وفقدت رحيقها.
أصرف أولاده بإشارة من يده حتى يخرجوا من الغرفة ويكفوا عن الشجار حولها.
لم تشعر شقيقته بهدوء الغرفة، كما لم تشعر به وهو يجلس فوق الفراش يمسح فوق شعرها بحنو، ويهمس اسمها بنبرة حزينة.
"حياة"
أنا كويسة يا رجب متقلقيش.
منحته جواباً يُريحه، ولكنه لم يشعر بالراحة بتاتاً.
فصوت شقيقته الحزين يؤلمه.
"عامر بيه، اتصل بيا وعايز يكلمك. تفتكري لو مكنش عايزك في حياته... كان هيتصل بيا عشان يطمن عليكي. كان ما يصدق يا حياة."
"هكون في حياته زوجة تانية مالهاش قيمة، أنا مكنش ليا قيمة من الأول يا رجب."
دمعت عيناها وهي تُخبره بالحقيقة المرة، تُخبره إنه لم يمنحها الحياة والسعادة إلا عندما أظهرت إليه الولاء والخضوع.
عاشت معه زوجة مطيعة ترضي بما يُقدمه لها، ترسم على محياها الابتسامة كلما اقترب منها راغباً.
تنفذ الأوامر، تسمع النصائح حتى تمنح نفسها فرصة لتكون في حياته فرداً يُذكر.
وها هو سعيها نحوه قد انتهى.
حتى انتقامه من طليقته انتهى.
وما دام الصفحات القديمة قد غلقت فبالتأكيد صفحتها ستكون في طيّ النسيان، وستكون مجرد امرأة مرت في حياته.
"مش قادر أقولك اتنزلي واقبلي تكوني زوجة تانية."
دمعت عيناه وهو ينطقها بقلة حيلة، فهو لا يريد لأخته أن تعود للفقر، أن تعود لسلاطة لسان زوجته التي لولا أطفاله ما كان عاش معها هذا العمر متحملاً صفاتها الفظة.
"مش هقدر يا رجب، لو كنت أقدر كنت فضلت في بيته وأستنيته لحد ما أعرف هيكون إيه دروي في حياته."
"ليه حظك كده يا حياة."
ضمها إليه، يتمتم عبارته التي كانت كالطعنة لقلبها.
إنها بالفعل بدأت تشعر بسوء حظها في الحياة، ولكن سرعان ما كانت تنفض رأسها تهتف برضى.
"أنا راضية يا رجب بنصيبي."
علقت عيناها به وهي تحتسي عصيرها، لا تُصدق إنه هنا معها.
يجلس أمامها.
بل أتى معها لطبيبتها ورأى طفلهما.
كلها أشياء لم تظنها أن تحدث.
ولكن "عامر" خالف كل توقعاتها فيه.
خرجت تنهيدة حارة من بين شفتيها، تُرثي معها حياتها وحالها وغباءها، فقد أضاعت رجلاً لو كانت نظرت إليه كما تنظر له اليوم، لعشقته بكل كيانها.
لتمنته وحده دون غيره، ولكن ما مضى لن يعود.
"أمتى هتسامحني يا عامر."
لفظت عبارتها بندم، وهي تسترخي فوق مقعدها وتضع بيدها فوق جنينها.
فعلقت عيناه بفعلتها، ولمعت بتوق لتلك اللحظة القريبة.
تجاهل سؤالها، متسائلاً إذا كان هناك شيئاً يؤلمها فيرحلوا من هنا.
"لو تعبان، ممكن نقوم."
"لا، لا... أنا مبسوطة."
أعتدلت في جلوسها، تنفي تعبها حتى لو كانت تشعر به.
فهي ظلت لأشهر تتمنى لحظة أخرى تجمعهما.
اشاح عيناه بعيداً عنها، يُحاول جاهداً رسم الهدوء فوق ملامحه، ولكن داخله كان يشعر بالقلق، نحو تلك التي لا تُجيب على مكالمته، فهل تُعاقبه على بعده عنها.
"وجودك هنا عشان الطفل وبس، مش كده يا عامر."
تسألت وهي تترقب جوابه، تمنت لو يُخبرها إنه من أجل كلاهما.
ولكنه لم يكن يوماً رجلاً مراوغاً.
"أنتِ عارفه سبب وجودي كويس يا فريدة، فبلاش تصعبيها على نفسك."
انسابت دموعها، وهي ترى عيناه تعود لقتامتها، وكأنه ينفي استحالة عودتهم مجدداً.
"لكن أنا مش هسيب ابني يا عامر، ابني هيعيش معايا هنا... في بيتي."
تجمدت ملامحه، وهو يرى نظرة التحدي في عينيها.
وكأنها تُخبره أن أحقيته في طفله بقربهم ثانية، انتهت.
جلستهم في ذلك المطعم.
واتجه بها نحو سيارته حتى يوصلها لمنزلها.
ولم يكن الصمت إلا السبيل الوحيد بينهم.
رمقته من أسفل أهدابها خلسة، وهي تراه يقود السيارة ويضغط فوق عجلة القيادة بقوة.
حتى ابيضت مفاصل يديه.
عاد الحزن يرتسم فوق ملامحها، فهي تعلم إنه يفعل كل هذا من أجل طفله، يتحمل قربها من أجله وحده.
وعامر لن ينسى يوماً ما فعلته به، ولكنها تريد أن يمنحها فرصة حتى لو وضعت الطفل بينهم واجبرته.
اتسعت ابتسامته شيئاً فشئ إلى أن انفرجت شفتيه في ضحكة صاخبة قد خانته.
أخذ يطالعها بعشق وهو يتأمل ذراعيها المفرودتين في الهواء عالياً وهم يستقلون التلفريك في هذه الولاية.
ويتعالى صوت مرحها وهي تهتف بصياح.
"أنا مش مصدقة أني بعمل كل حاجة كان نفسي أعملها."
"اقعدي يا مجنونة."
التقط ذراعها، وهو لا يستطيع تمالك حاله من شدة الضحك.
خانتها قدماها، فسقطت فوق فخذيه.
تُعانقه ضاحكة.
"قولي بحبك بصوت عالي."
"بحبك يا صفا."
اتسعت ابتسامتها، وتسارعت دقات قلبها.
لا تُصدق إنه صرخ بحبها.
عانقته بعينيها بعشق.
وقد بدأ يفهم طبيعة زوجته، صفا تُريده كل يوم يُخبرها بحبه.
لا تُريده رجلاً صامتاً وهو كان خير مرحباً بالأمر.
فالنساء هكذا شيئاً واحداً إذا بحثت عنه داخلهما ومنحته لهم، ستجده معطائين، محبين، راضين.
يمنحونك كل شيء ويعطونك قلوبهن مرحبين.
انتهت جولتهم، التي بالفعل نالت من أجسادهم.
وفور أن دلفوا غرفتهما في الفندق الذي يُقيمون به.
سقطت فوق الفراش مرهقة.
فابتسم وهو ينتشلها من فوق الفراش.
"قومي خدي حمام دافئ، وغيري هدومك يا صفا."
واقتراحه لم يكن ممتعاً بالنسبة لها، فهي تتوق للنوم قليلاً.
همست بنعاس وقد أطبقت جفنيها باسترخاء.
"لما أصحى يا حبيبي."
وها هي تنفذ ما تُريده، وليس ما أراده.
استيقظت من نعاسها وقد وجدت حالها تغفو بطول الفراش وليس بعرضه كما غفت.
حجابها قد أزاله عنها.
وازال بعضاً من ملابسها حتى تستطيع النوم براحة.
بحثت عنه في الغرفة وهي تنهض من فوق الفراش، تفرك عيناها.
لعلا النعاس يُغادرهما.
انتبهت على صوته وهو يتحدث في الهاتف في الصالة المرفقة لغرفتهما.
فاتجهت صوبه بعدما علمت بهوية المتصل ولم يكن إلا عامر الذي أخذ يقص عليه ما يعيشه هذه الفترة، وطفله من فريدة الذي لم يعلم به إلا مؤخراً.
ضمت نفسها إليه، تتمسح بصدره كالقطة الناعسة.
وقد التقطت أذناها بضعة من الحديث الذي جعلها تبتعد عنه مصدومة.
انتهت المكالمة أخيراً، فطالعته بتحديق.
"هي فريدة طلعت حامل من عامر، وكل ده هو كان ميعرفش."
حرك إليها رأسه بهم، فتحولت ملامحها للعبوس.
"طيب وليه تعمل كده، وتخبي عليه إنها كانت حامل."
"عامر مكنش مديها فرصة تصارحه، وخافت عليه."
زفر "أحمد" أنفاسه وهو يُجذبها إليه، لعلها يجد بعض الراحة بين ذراعيها.
"عامر صعبان عليا أوي يا صفا، بعد ما لاقي الاستقرار مع حياة... رجعت فريدة تاني لحياته."
حاولت الابتعاد عنه حتى تتمكن من رؤية ملامحه، ولكنه رفض ابتعادها.
"خليكي في حضني، بحس بالسلام وأنا جواها."
اشتدت في ضم نفسها إليه، تمنحه ما يرغب.
تتسأل مجدداً.
"يعني هيرجع لفريدة؟"
والجواب لم يكن موجوداً لديه، ف عامر إلى الآن لا يعرف أي قراراً سيتخذه بعدما عقدت فريدة الأمور بينهم.
فأما هي والطفل أو سيبقى الطفل معها.
ويأتي هو لرؤيته كلما أراد.
منذ آخر لقاء كان بينه وبين حسن المنشاوي، وأصبح عقله غير قادر على ربط الأمور ببعضها.
صحيحاً "حسن" لم يظهر إليه بأنه يعرف بشيء.
وما عرفه ليس إلا إنه من دماء هذه العائلة وإنه ابن أخو تلك الحبيبة الغالية "حليمة النعيمي".
فقد طلب رؤيته اليوم مصراً على فاخر وجاسر دعوته للغداء معهم وسط العائلة.
جاسر الذي بدأ يشك فيه ويتعجب معاملة والده له.
فرك رأسه بعدما شعر بالصداع، فما الذي توصل إليه "حسن" من معلومات.
هل يظن فقط إنه ابن أخو المرأة التي هجرها، أم إنه اكتشف ما خفاه خاله منذ زمن.
أخذته عيناه نحو ذراعه، فاسرع في طيّ أكمام قميصه.
حتى يرى الوخمة الغريبة المميزة التي تعلو مرفقه وكان يتعجب من شكلها، إلى أن رآها اليوم بالمصادفة في ذراع حسن وفي نفس الموضع.
وسؤال واحد كان يسأله لنفسه.
"يا ترى أنت طيب، ولا قاسي القلب يا حسن يا منشاوي!"
أخذت تلامس بأناملها الناعمة ملامح وجهه المتصلب وهو نائم، فابتسمت على تقطيبه وجهه، فحتى وهو نائم عابس الوجه.
كادت أن تبتعد عنه وتنهض من جواره بعدما انتهت لحظات تأملها فيه، ولكن تراجعت لمكانها تشهق بفزع من أثر قبضته فوق ذراعها وجذبها نحوه يهمس بنعاس وهو يضمها إليه.
"يعني بتصحيني، وتقومي كده من جانبي."
علقت عيناها بتفاصيل ملامحه الرجولية التي تعشقها، ورفعت كفيها تعبث بما هو ملك لها.
"عارف نفسي في إيه؟"
طالعها بنظرة عاشقة، راغبة، ينتظر سماع ما يرغبه.
وقد لمعت عيناه وهو يهمس.
"نفسك في إيه؟"
"نفسي أحلقلك شنبات."
كفت عبارتها وهي تنتظر أن ترى الاستحسان فوق ملامحه، ولكنها لم تر إلا العبوس وهو يدفعها من فوقه.
حتى ينهض.
"طلباتك ماسخة، ومبتعجبنيش.. مش عارف ليه بسيبك تقولي اللي نفسك فيه.. رغم إني متوقع حاجة مش هتعجبني."
ألقى عبارته عليها، دون أن يعطيها مجالاً للرد.
فاسرعت ورائه تلتقطه من ملابسه.
"هو ده صباح الخير."
رمقها بنظرة من فوق كتفيه، وقد تجهمت ملامحه.
"والله صباح الخير اللي تفتح النفس مستنيها منك أنتِ."
"هو أنا بقيت أسد نفسك أوي كده."
هتفت بها متذمرة وهي تعقد ساعديها وتلتف بجسدها بعيداً عنه.
"يعني تموتي في النكد وكمان قماصة."
"أنا قماصة يا جاسر."
زمجر بضيق من صغر عقلها، واتجه نحو المرحاض.
يسب ويلعن.
انتبهت على الدراما التي وقفت تعيشها مع نفسها، ففي النهاية هو تركها وهي وقفت غاضبة لا تُصدق تحوله بهذه السرعة.
ولكنه هكذا دوماً.
فما الجديد الذي أصبحت تكتشفه بشخصيته.
خرج من المرحاض، يُجفف رأسه وعنقه.
يتجاهل وجودها.
فاسرعت إليه تتعلق به.
"شيخ العرب، بقي بيتقمص بسرعة زي العيال الصغيرة."
حدقها بمقت، وكأن الحديث لم يعجبه.
"صباح الخير يا حبيبي."
ورغماً عنه، كان يبتسم وهو يراها تُحاول تقبيله فوق كلا خديه.
خرجت شهقة من شفتيها، وهي تراه يلصقها به يُعلمها نتائج الدلال على رجل مستعد لنيل فريسته.
وكالعادة التي أصبح بها مؤخراً هو الذهاب لعمله متأخراً عشرة دقائق أو ربما أكثر.
بعدما كان أكثر الرجال انضباطاً.
فزوجته جنونها لا يكون إلا في الصباح.
جلست منيرة بجانب أخيها شاردة بعدما أخبرها بشكوكه.
"طيب والمحامي قالك إيه يا حسن."
"حليمة ماتت بعد ما خلفت علطول، وبعدين فهد أخوها طلق مراته بعد ما ابنهم اللي مات بسبب إهمالها... وولدي يامنيرة اتكتب باسمه."
رمقته منيرة في صدمة، لا تُصدق أن هذا الرجل ابن أخيها.
ولكن سرعان ما كانت تبتسم.
فقد كانت تشعر بقربه منهم وكأنه من دمائهم.
"لازم جاسر وفاخر يعرفوا بالحقيقة ياحسن، ده أخوهم."
ارتسم الندم فوق ملامحه، بعدما طبق فوق جفنيه بإرهاق.
"مش كفاية إن جاسر لحد دلوقتي منسيش إني كنت بحب ست تانية على أمه، كمان يعرف إني اتجوزت عليها... جاسر مش هيسامحني يامنيرة. ولدي وأنا عارفه قسوة قلبه زي عمه عبد الحمن. قلوبهم مبتنساش."
وقفت تتمايل بين ذراعيه، فقد أخذها جنونها اليوم وهذه اللحظة.
أن ترقص له وتتدلل عليه، وهو الذي أحياناً يكاد يقابل أصابعها حتى تفعل له شيئاً يريده.
ولا تنعته إلا بالوقح، ذو الأخلاق الفاسدة.
تفقده صوابه أحياناً بحديثها، وأحياناً تفقده كل توازنه.
أعترف لنفسه هذه اللحظة، إنها استطاعت بالفعل استيطان قلبه، فلم يعد يستطيع العيش دونها.
وقد عاد الضعف يحتله واكثر الأشياء التي أقسم عليها يوماً.
إنه لن يجعل امرأة نقطة ضعفه.
حاول أن يتخلص من سحرها قليلاً عليه، ويقبض فوق كتفيها حتى يوقفها من جنونها.
"جنه أنا مش فاضي لدلعك ده دلوقتي."
عبست ملامحها، ومطت شفتيها متذمرة، واستمرت في تراقصها وهي تُعانقه.
"أنا كده زعلت منك."
"مش شايف إنك زعلتي يعني."
توقفت عن تحركها، ودفنت رأسها بصدره.
"لا أنا زعلت وصالحني بقى."
ضمها إليه، وقد ضرب بكل قراراته.
فلم يعد يستطيع إحزانها.
"عمك وعمتك عايزاني في موضوع مهم، هقولهم إيه طيب يا مجنونة؟ أقولهم بنت أخوكم العاقلة... كانت..."
وقبل أن يُكمل عبارته، كانت ترفع كفها نحو شفتيه تُخرسه.
"جاسر، أنا مبقتش أشوفك خالص.. وهترجع متأخر أنا عارفه."
ضاقت عيناه وهو ينظر إليها متسائلاً.
"عايزة إيه يا بنت صابر، قوليها وأنا..."
لم تنتظر سماع المزيد منه، فقد فهمت ما أراد أن يُخبرها به.
أخبرته ما تُريده، فاطاحت بعقله.
بعد وقت كان رنين هاتفه يتعالى برقم عمته.
ولكنه كان غارق معها في دوامة العشق الذي أصبحت تجيد إشعاله بداخله.
وقف يهندم من ثيابه، بعدما أنتهي من نيلها وقد أنتهي اللقاء بينهم.
في تلك الشقة التي استأجرها لتكون مكان لقاءهم الدائم حتى ينتهي منها.
"ارحمني وطلقني.. أنا كرهت نفسي خلاص ومبقتش طايقة نفسي."
تعالى نحيبها، وهي لا تُصدق إنها وصلت لهذه المرحلة بحياتها.
امرأة للفراش لا أكثر، يُعاملها وكأنها عاهرة.
أغمضت عيناها بقهر، وهي تتذكر ما يحدث أثناء علاقتهما.
كادت أن تخرج كل ما في جوفها.
ولكن شعرت بيده تقبض فوق خصلاتها.
"مش هسيبك غير بمزاجي، سامعة.. وبلاش علامات القرف دي على وشك."
"حرام عليك، كفاية بقى."
كفت عبارتها بضعف، بعدما دفعها نحو الوسادة.
يُطالعها بنظرات فاحصة لهيئتها العارية أمامه.
وجدته يحل أزرار قميصه.
لتتراجع للخلف تكتم صوت صرختها التي خرجت منها مرغمة.
"لااا... لااا."
حملت كوب الينسون الذي قد أعدته له ووقفت متذمرة من طلباته، بسبب ما اقترحته عليه.
"مش كفاية طلبات لحد كده؟"
طالعها "أحمد" وقد تمالك حاله، ورسم الجدية فوق ملامحه.
ورمق أوراق مشاريعه.
متجاهلاً طلبها.
"خليها مرة تانية يا صفا، أنتِ شايفه أنا مش فاضي أد إيه؟"
"نعم."
خرج صوت تذمرها، واقتربت منه تلتقط كأس المشروب الساخن واندفعت خارج الغرفة به.
تحت نظراته المصدومة من فعلتها.
"خدي هنا، رايحة فين."
"مش أنا اللي عملته، هشربه بقى.. واعمل لنفسك."
اسرع في التقاطها، فسقطت بضعة قطرات من المشروب.
"في زوجة مطيعة تعمل في زوجها كده.. وكل ده ليه عشان عايزاه يقرأ لك كتاب."
عبست بملامحها، وقطبت ما بين حاجبيها متذمرة من حديثه.
فتعالت ضحكته مرغماً وهو يراها بهذا العبوس.
"هنفذ الطلب، بس قصاد طلب."
وقبل أن يُتمم عبارته، كنت تهتف حانقة.
"طلب تاني، خلاص أصلاً أنا غلطانة.. كل ده عشان بحب أسمع صوتك وأنت بتقرأ."
ابتعدت عنه، ولكن أعادها لقربه.
يدفن وجهه بعنقها متسائلاً.
"وإيه السبب اللي بيخليكي مستمتعة وأنا بقرا يا صفا؟"
رفعت عيناها نحوها، وسرعان ما كانت تُسبل أهدابها.
"صوتك وأنت بتحكي التفاصيل، بيخلني أعيش في مكان تاني.. بحس إني طايرة فوق السحاب."
أفقده صوابه بعبارتها، بل وجعلته لا ينتبه على القطرات الساخنة التي سقطت فوق صدره.
بعدما الصقها به، هو ينفذ لها طلبها وهي تغفو فوق ذراعه مستمتعة بالحكاية.
انتهى من بضعة صفحات.
فلم تنتبه على إغلاقه الكتاب إلا بعدما تحرك قليلاً ليضعه جانباً.
"هي كده الحكاية خلصت."
ابتسم بمراوغة وهو ينحني صوبها بنظرات هائمة.
"بكرة نكمل باقي الحكاية."
دَلفت المنزل على صوت صراخ زوجة شقيقها بأطفالها.
تقدمت منهم تُحاول جذب الصغير من قبضتها حتى تُخلصه من صفعاتها.
"كفاية ضرب في الولد يا سناء، أنتِ مش بتربيه."
دفعتها "سناء" عنها، حتى كادت أن تسقط.
صارخة بها.
"ولادي وأنا حرة فيهم، لما يكون عندك ولاد ابقي وريني هتربيهم إزاي يا ست حياة."
ابتعلت "حياة" غصتها، وتجاهلت عبارتها.
وعادت تُخلص منها الصغير الذي أخذ يهتف باسمها حتى تُخلصه من والدته.
دفعت "سناء" الولد إليها.
وأخذت تلتقط أنفاسها بصعوبة وهي تضع بيدها فوق بطنها المنتفخة.
"سبتهولك أه يا ست حياة، أنا مش عارفة إيه اللي رجعك لينا تاني ولا أقول إيه على حظي الأسود. مينفعش يبقى لي بيت زي أي ست."
لقت سناء عباراتها، التي باتت تُخبرها بها كل يوم.
منذ أن عادت إليهم وأخبرتهم أن حياتها مع عامر انتهت.
فطليقته ستعود إليه بعدما تُنجب له طفلهما.
ودورها بحياته قد انتهى.
سقطت دموعها رُغماً عنها تُخبرها بقهر.
"أنا لقيت شغل في محل ملابس يا سناء، وهحاول أدور على شقة أعيش فيها. متقلقيش مش هفضل طول عمري مشاركاكي بيتك وحياتك."
رغم أن البيت كان منزل والديها.
قبل زوج شقيقها، وقد ضاقت به السبل ليجد مسكناً يعيش فيه.
فاقترحت عليه أن يتقاسموا الشقة.
وها هي النهاية أصبحت ضيفة ثقيلة للغاية على زوجة شقيقها.
ظنت بسعيها لنجاح زيجتها ستحظى بحياة لن يُعايرها أحد بثقل وجودها فيها.
ولكن هيهات فهي تحصد الخيبات فقط.
رمقتها "سناء" بنظرات سعيدة.
وقد تراقص الفرح داخل قلبها تتسأل بأمل أن يكون حدث ما تدعو إليه ليلاً ونهاراً.
"هو عامر بعتلك ورقة طلاقك."
ابتعدت "حياة" عنها، دون أن تمنحها الجواب الذي سيُريحها.
فسناء لا تتمنى بحياتها إلا لتراها مدمرة، بائسة ووحيدة.
وها هي أصبحت هكذا.
طالعت هاتفها بسعادة فور أن استيقظت على رنينه.
ضغطت على زر الإجابة، تستمع لصوته الدافئ.
تسأله بلهفة.
"هترجع أمتى يا جاسر."
ضحك وهو يُجيبها، فمجنونته لم تنتظر وتسأله عن حاله أولاً.
بل تسألت عن موعد عودته.
"لحقت أوحشك، ده هما 5 أيام يا حبيبتي."
وبتنهيدة تحمل معها الشوق، أخذت تُخبره عن مدى اشتياقها له.
"مبقتش أقدر على بعدك."
تعالت ضحكاته، وهو لا يُصدق إنها تُخبرها بصدق ولهفة عن عدم قدرتها على تحمل غيابه.
"غصب عني يا جنه، أنتِ عارفه الشغل بيحتم عليا السفر دايماً."
"عارفه يا جاسر، أنا بس بقولك كده غصب عني."
ابتسم وهو يرتاح فوق مقعده مسترخياً، يستمع لنبرتها الحنونة، وقد تركها تتحدث عن كل شيء تفعله في غيابه.
انتهت المكالمة بعد أن أعطاها بعض التعليمات لتهتم بصحتها بعدما أخبرته إنها تشعر ببعض التوعك.
ضمت الهاتف إليها، ولكن سرعان ما كانت تنفضه عنها بفزع.
بعدما صدح رنينه مجدداً، فطالعت رقم أروى بتلهف تنتظر منها سماع ما تتمنى تأكيده.
"حسن الصغير ناوي يشرف خلاص."
هتفت بها أروى بسعادة حقيقية، تُخبرها عن مدى السعادة التي ستكون بها العائلة عند معرفتهم بالأمر.
خفق قلبها بسعادة هي الأخرى لا تُصدق ما تسمعه أذنيها.
تضع بيدها فوق بطنها متسائلة.
"بجد يا أروى النتيجة طلعت إيجابية."
"أنتِ لسا شاكة بعد اختبار الدم كمان، جاسر هيفرح أوي يا جنه."
اتسعت ابتسامتها وهي تشرد في اللحظة التي ستُخبره فيها.
"أروى بلاش تقولي لحد، أنا عايزة جاسر أول واحد يعرف."
أروى ما كان عليها إلا لتحترم رغبتها، وتحفظ سرهم الصغير حتى يعود شقيقها من سفره.
خرجت الطبيبة من غرفة الولادة.
ترفع عنها القناع الطبي.
تنظر إلى لهفتهم في انتظار المولود والأطمئنان على الأم.
اقتربت منها السيدة كريمة بلهفة، ولكن وقفت مكانها متسمرة وهي تستمع لعبارة الطبيبة الأسفة.
رواية سطور عانقها القلب الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم سهام صادق
وقف ساكن مكانه، بعدما ابتعد عنهم ووقف في ركن بعيداً مكفهر الوجه، لا يستطيع الحديث.
تركها تصرخ عليه، تتهمه إنه لم يكن يريد هذا الطفل، بل وبالتأكيد تمنت لو لم تحمل منه طفلاً.
أغمض عينيه وهو يشعر ببعض الذنب من صحة ما تقوله، فهو رغماً عنه كان يشعر بعدم تقبله أن تكون فريدة أم أطفاله، فما حدث بينهم تلك الليلة كان صعب أن ينساه.
أمرأة تصور حالها وهي في أحضان زوجها لرجل آخر، والرجل لا يكون إلا شقيقه الذي كان في البداية يسعى في تزويجها له، ثم رحل شقيقه لأنه لم يجد فيها المرأة التي يريدها.
أثارته عاطفته نحوها، ولا ينكر أن شدة جمالها وذكائها اجتذبته بل وجعلته يضعف، خاصة بعدما حدث بينهم في تلك الليلة التي تناولت فيها أحد العقاقير المخدرة بكأس العصير.
"أنت السبب، طمعك هو السبب.. ابني مات بسبب مطامعك وأحلامك يا محسن بيه."
اندفعت الطبيبة داخل الغرفة، بعدما ركضت السيدة كريمة مستنجدة بأي أحد.
فمنذ أن فاقت وهي على هذه الحالة تصرخ دون توقف.
خرج عامر من الغرفة، ورغماً عنه سقطت دموعه.
سقطت دموعه نحو الطفل الذي تلهف لرؤيته، وسقطت دموعه على تلك القابعة بالداخل.
خرج "محسن" هو الآخر، وهوى بجسده فوق أحد مقاعد المشفى.
لا يصدق أنه يوم أن يرى حفيده، يراه ميتاً بلا روح.
مجرد صوت استمعوا إليه، ثم توقف كل شيء.
والسبب كان مجهولاً للأطباء، فالطفل كان بصحة جيدة أثناء فحص الأم الأخير قبل دخولها لغرفة العمليات.
إنه قضاء الله وقدره.
أطرق رأسه أرضاً في خزي، فقد كان أساس سعادته بالحفيد المنتظر.
إنه سيعيد العلاقات بينه وبين والده، وستعود ابنته لتكون سيدة في قصر ابن السيوفي.
طمح لأحلام عدة سيحققها هذا الحفيد، وكل شيء قد ضاع بالفعل مع مطامعه.
ارتفعت عيناه نحو "عامر"، لعله يرى في عينيه نظرة شماتة، ولكن لم يجد إلا الحزن قد ارتسم فوق ملامحه.
ولم يكن هو إلا الشرير بالحكاية، ولن تسمحه ابنته طيلة عمرها.
***
هبطت لأسفل بملامح بشوشة حتى تستقبل السيدات اللاتي أردن رؤيتها.
وقد أخبرتها الخادمة إنهم وكأنهم من إحدى الجمعيات.
وعلى ما يبدو قد وصل صوتها لأحد المنظمات وستستطيع مساعدة نساء البلدة والأطفال.
ولكن سعادتها قد تلاشت، وهي ترى تلك المرأة التي رأتها من قبل في الطائرة وقد كانت إحدى المضيفات.
وقد أخبرها "جاسر" إنه على معرفة سابقة بزوجها قبل أن يتوفى.
"مدام مروة."
ابتسمت المرأة وهي تتقدم منها، تمد لها يدها حتى تصافحها.
وعلقت عيناها بالجالسات وقد استرخين في جلوسهن وأخذن يحدقنها بنظرات ثاقبة.
شعرت بالتوتر لأنها لم ترتدي ملابس أكثر رقياً مما ارتدته في عجالة.
فالنساء شديدات الجمال والرقي وكأنهن عارضات أزياء، أو خرجن من مجلة نسائية.
"مش معقول لسه فاكراني."
ابتسمت "جنه" وهي تصافحها، وقد عادت ملامحها للاسترخاء بعدما نفضت عن رأسها تلك المشاعر السلبية.
"أكيد طبعاً فاكراكي."
ألقت بنظرة أشد تدقيقاً نحو الجالسات، ولكن عيناها كانت تضيق وقد انتبهت على تلك المرأة التي التقت بها بتركيا وكانت بصحبة شقيقها الذي يعد رفيقاً لجاسر.
"أنا مش فاهمه حاجة."
تعالت ضحكات الجالسات، وهن يرونها تقترب منهن بعدما تجاوزت "مروة" التي وقفت تطالعها بشفقة.
فهي زوجة مخدوعة لا تعرف شيئاً عن ماضي زوجها وزيجاته الكثيرة.
"الزوجة المخدوعة."
صاحت بها "أشكي" بعدما تلاعبت بخصلات شعرها، تنظر إليها بشماتة.
"جاسر كان بيصارح كل ست فينا، بالست اللي كانت قبلها.. لكن طبعاً جه عندك وحب يخليكي مغفلة."
هتفت بها "سهر" التي نهضت عن مقعدها، تحاول جذب تنورتها قليلاً للأسفل.
"أعرفك بنفسي، الزوجة الأخيرة من جوازاته السرية.. طلقتني قبل جوازكم بيوم."
عادت ضحكات الجالسات تعلو، وهن يرونها تقف جامدة الملامح، لا تحرك إلا أهدابها في ذهول وصدمة.
اقتربت منها أخرى، وقد تبادلن نظراتهن نحوها.
"أعرفك بنفسي، أنا رانيا.. مديرة مجلة أكيد تسمعي عنها."
أخبرتها بالمجلة التي تديرها، ولم تكن "جنه" جاهلة عن اسمها.
"السؤال اللي عايزة أسأله ليكي، تفتكري ليه جاسر مصارحكيش عن زيجاته السرية؟"
الكل ترقب سماعها، ولكنها سكنت مكانها لا تقوى على تحريك شفتيها.
تعالت ضحكات "سهر" ودفعت الواقفة برفق من أمامها، حتى تمنحها الدور والإجابة عليها.
"خلينا أجاوبك أنا يا رانيا، أكيد طبعاً لأن جاسر مش هيبطل جواز في السر، جاسر بيزهق وبيحب التغيير."
صدحت ضحكاتهم، يؤكدون على حديثها.
اقتربت منها "مروة" التي اتخذت دور الصمت.
"أنتِ رقم في زيجات جاسر المنشاوي، حتى لو كنتِ بنت عمه.. جاسر مبيشوفش الست غير متعة وبس."
"بس متنكروش إن كل ست فينا، كانت مبسوطة أوي معاه.. أصل جاسر بيعرف قد إيه يسعد الست اللي معاه."
تعالت أنفاسها، واطبقت فوق جفنيها بقوة، لا تقوى على سماع المزيد.
سارت كل لحظاتهم سوياً، قبلاته، شغفه بها، وذلك التوق الذي كانت تراه في عينيه، ملكيته لها وحدها.
ولكن كل شيء صار كذبة.
إنها لم تكن الوحيدة، لم تكن إلا رقماً أضافه في قائمة نسائه.
"كفاية يا جماعة مش عملتوا اللي عايزينه خلاص."
صاحت بها "ناريمان" التي لم تكن هويتها مجهولة بالنسبة لها، فقد رأتها من قبل في مكتبه.
علقت عيونهم بها، وقد ظنوها انسحبت من اتفاقهم ولكنها أتت لتكتمل الصورة والعدد، ولكن العدد كان ناقص.
"كلنا واحدة فينا اتجوزها على سنة الله ورسوله، كلنا جرينا وراه من أول نظرة وشعور حسيناه ناحيته. جوزك أي ست ممكن تعلم بيه، جاه ومنصب ومال.. قوليلي مين الست اللي مش ممكن تجري وراه؟ جاسر مضحكش علينا.. كل حاجة كانت بتم باتفاق."
نظرت إليهم، وقد امتقعت ملامحهم من حديثها.
"لو قولتي لواحدة فينا، هنسحب وناخد مكانك.. هتجري فوراً وتبوس رجليه."
ونظرت نحو "سهر" و"أشكي"، فاشاح عيونهم بعيداً ممتعضين الوجه.
فهم من سعوا لتجميعهم حتى ينتقموا منه، ويدمروا زواجه.
"هنبقى كدابين، لو مقولناش إننا أخدنا مقابل.. إحنا اللي رضينا إننا نكون مجرد ست بيتجوزها عشان متعته."
تعالت أصواتهم، معترضين.
ولكن "ناريمان" كانت أقواهم بشخصيتها التي أصبحت قوية، حتى لو شعرت بالغيرة من الواقفة أمامها بضعف، حتى لو رغبة في عودتها إليه.
لكنها لن تقول إلا الحقيقة، التي أخفوها خلف ضعفهم وحبهم لرجل كـ "جاسر المنشاوي".
رجلاً إذا دخل حياة امرأة امتلكها لطيلة العمر.
إنه كالوشم حُفر فوق أجسادهن، مهما مر بحياتهم من رجال بعده.
فكان رجلاً منفرداً بشخصيته وعنفوانه.
غاروا جميعهن، بعدما لم يعد لوجودهن أمراً يتطلب منهن.
فكل شيء قد تم، وقد انتقموا لكرامتهم التي دعسها تحت قدميه ومضى في حياته.
انهارت فوق الأرضية الباردة، وانسابت دموعها أخيراً بعدما حررتها من مقلتيها.
***
تذوق طعم الكعكة وعيناه لا تحيد عنها، تنظر إليه منتظرة تعليقه على ما صنعته.
اتسعت ابتسامته شيئاً فشئ، وعاد ليتذوق قطعة أخرى.
رغم عدم تفضيله للسكريات الزائدة.
طالعته بترقب تنتظر إطراءه، بل ووقفت ترفع كتفيها بفخر على إجادتها للكعكة التي امتدحها بها الكثير.
"تسلم ايدك يا حبيبتي."
طالعته بسعادة وجلست جواره تتساءل مرة أخرى.
"بجد عجبتك يا أحمد، أنا حاسة إن السكر زاد مني."
والتقطت قطعة من الكعك حتى تتأكد، فاغمضت عينيها من شدة طعم السكر بها.
"مسكرة أوي، مش عارفة إزاي مقدار السكر زاد."
ابتسم على هيئتها المتذمرة، وهي تمضغ قطعة الكعك.
"الزوج الخلوق ياكل وهو ساكت، دون اعتراض."
انتبهت على حديثه، وقد انفجر ضاحكاً.
وجدها تتخذ موضع الهجوم كما اعتاد منها.
فتنحنح متراجعاً للخلف، يهتف باستسلام.
"ايدك فيها سكر يا حبيبتي، عشان كده الكيكة طلعت مسكرة بزيادة."
ارتفعت حاجبيها وهي تستمع لعبارته، تمط شفتيها متذمرة.
"يا سلام، ابن السيوفي بيتراجع في كلامه.. بقيت تخاف يا بشمهندس."
"طبعاً، يا حبيبتي."
هتف بها وهو يضحك بقوة، فازداد عبوسها.
"يعني أمدح ميعجبش، أعترض ميعجبش.. قوليلي أعمل إيه يا صفا هانم."
"متقوليش حاجة خالص، تاكلي في صمت."
وفي لحظة لم يحسب لها، بغتته بدفع قطعة الكعك داخل فمه.
شعر بالاختناق وهو يحاول إبعادها عنه، فابتعدت عنه تتقافز أمامه ضاحكة.
"بذمتك ده هزار."
سعل بشدة، وتجهمت ملامحه.
فتلاشى مرحها وهي تقترب منه نادمة.
"أحمد.. أنا مكنش قصدي.. أنا كنت.."
تنهت عبارتها، تنتظر ردة فعله.
واطرقت رأسها بعدما شعرت بجرمها من هيئة ملامحه الجامدة.
تعالت شهقتها فجأة وهو يحملها ويطيح بها فوق الأريكة.
"ما دام بدأنا الهزار، يبقى استحملي."
وهزاره كان جنوناً اعتادت عليه، جنوناً أصبح يخفق إليه قلبها من شدة التوق له.
تعالت أنفاسها وهي تراه يحدقها بأنفاس لاهثة.
قبل أن يعود لحملها صاعداً بها نحو غرفتهما، يهمس لها بكلمات حبه وعشقه.
***
ضمها إليه بعدما توسدت صدره، يداعب خدها بأنامله.
"على فكرة، الشركة هتفتح فرع في مصر.. وهكون المسؤول عن أحد فروعها."
ابتعدت عنه، لا تستوعب ما تسمعه.
تسأله وهي تحدق به حتى تتأكد من حديثه.
"مالك مش مصدقة كده ليه، الموضوع كان من خطط الشركة.. لأنه كانوا موقفين القرار مؤقتاً."
"قول بجد إننا هنرجع مصر."
ابتسم وهو يرى السعادة تلمع في عينيها.
"بجد يا صفا، لكن لسه مش عارف أمتى بالظبط."
"المهم هنرجع."
سحبها نحوه، يضمها إليه وقد سقطت دموعها شوقاً لأحبابها.
"أنا كنت فاكرة الغربة حلوة، لكن طلعت صعبة أوي."
"لولا بعدي يا صفا، ووجودي هنا.. مكنش القدر جمعنا."
ابتعدت عنه، حتى تتمكن من رؤية ملامحه، والسؤال الذي رآه في عينيها.
كان يمنحها الجواب عنه قبل أن تسأله.
"لو مكنتش سافرت وأضطريت أتجوز عشان قوانين المؤسسة، بعد ما كان بيتلاعب عليا عشان أقع في الشرك.. وأطلع قدامهم شريك مش مناسب.. هدفه مش النجاح.. لو مكنش ده كل حصل.. كانت هتحصل أي حاجة تانية عشان تجمعنا."
وبهمس خافت قبل أن يعيدها لأحضانه، بل عالمهم العاصف بالمشاعر.
"أنتِ قدري يا صفا."
***
توقف "عامر" بملامح جامدة أمام المتجر الذي أصبحت تعمل فيه منذ أيام.
ينظر إلى ملامحها بشوق، لكن شوقه كان يضيع وسط ما يشعر به.
لا يصدق أنها ظنته إنه سيتركها ويطلقها عندما يحصل على طفلاً من امرأة أخرى.
علقت عيناه بالمشهد، وهو يراها تحاول إرضاء إحدى الزبونات، والزبونة تقف متذمرة.
تشيح بيديها ثم تقدمت امرأة أخرى تحاول إرضاء الزبونة وقد شحب وجهها وابتعدت بعدما أشارت لها صاحبة المتجر بالابتعاد.
تلاقت عيناها به وهي تلتف بجسدها، لتشعر بالصدمة وهي تراه واقف أمامها، بهيبته وعنفوانه.
تهتف اسمه بتعلثم.
"عامر…."
تعالت صرخاتها، وهو يجرها خلفه لداخل المنزل.
وقد خرج الخدم يحدقون بسيدهم وثورته العاصفة وهو يسحبها خلفه، مشفقين عما سيحدث له.
دفعها داخل غرفتهما، فهوت فوق الفراش من شدة دفعته.
"الهانم مكنتش بترد على اتصالاتي، عشان مخططة للطلاق."
حاولت الحديث ولكن اخرسها بصراخه.
"مش عايز أسمع صوتك."
"أنا مش عايزة أعيش معاك، ولا عامر بيه مينفعش حد يسيبه لازم هو اللي يطرد الناس من جنته."
"حياة!"
بصراخ أقوى كان يهتف، وهو يتقدم منها بنظرات محذرة.
"طلقني."
ظن أن أذنيه قد خانته في السمع، فالتقط ذراعها مشيراً إليها بأن تعيد عليه ما تخبره به.
"مش هفضل طول عمري عايشة مع راجل، مش عارفة أنا إيه في حياته."
ألجمه حديثها، فتركها تهذي بكل ما ترغبه.
واتخذ دور المتفرج.
"سيبني أروح لحالي، أرجوك.. كفاية عذاب فيا لحد كده.. أنا عملت فيكم إيه عشان تاخدوا كل الحلو اللي جوايا.. وتسيبوني أرمم نفسي لوحديا."
استمع، واستمع.
وهي وقفت أمامه باكية، تخبره عن خيباتها السابقة، وخيبتها معه من زواجهم.
"عايزة حريتك يا حياة."
زاغت عيناها، وشعرت بأنفاسها تتثاقل.
فأومأت برأسها بعدما فقدت قدرتها عن الحديث.
خرجت صرخته وهو يراها تسقط أسفل قدميه.
"حياة……."
اطبقت فوق جفنيها بألم، بعدما انصرفت عمتها من غرفتها.
العمة لا ترى تصرف كبير العائلة إلا نزوة مرت بحياته، وهي ليست إلا الأساس.
خانتها دموعها، وقد عاد تفاصيل ذلك اليوم منذ ثلاثة أيام، يسير أمام عينيها بقسوته.
تعالت شهقاتها، فوضعت كفيها فوق شفتيها.
ولكن صياح "أروى" المُهلل منذ أن علمت بوجود الجنين، جعلها تمسح دموعها.
"جنه، جنه.. شوفي أنا اشتريت إيه للبيبي."
التقطت منها "جنه" الحذاء، بعدما استطاعت رسم ابتسامة باهتة فوق ملامحها.
"جميل أوي يا أروى."
طالعتها "أروى" بشك، وهي تستمع لنبرة صوتها المهتزة، وجفنيها المنتفخين.
"أوي تقوليلي كنتِ بتعيطي.. عشان جاسر وحشك.. فيكي إيه يا جنه؟"
"صدقيني يا أروى مافيش حاجة، وأخوكي فعلاً وحشني."
حدقت بها "أروى"، وهي تراها تحاول جاهدة إبعاد عيناها عنها.
"هي عمتي منيرة، كنت هنا ليه.. أصل غريبة.. لو كانت عايزانا كنا إحنا اللي روحنا ليها."
وسرعان ما كانت تردف، وهي تلطم رأسها بكفها.
"أه صحيح، ده أنا اللي قولتلها إنك تعبانة."
واسرت في إكمال حديثها، تنظر نحو ملامح جنة الشاحبة.
"لكن متخافيش، سرك لسه في بير.. مقولتش لحد.. حتى هاشم.. مع إني هموت وأقوله."
ابتسمت "جنه" مرغمة، فالتقطت أروى يديها هاتفه.
"إيه رأيك ننزل نتمشى شوية في الجنينة."
ولم يكن لديها مجالاً للاعتراض، ف أروى جرتها خلفها نحو الأسفل.
تتخيل اللحظة التي سيعلم بها شقيقها بوجود طفله ويطيراً فرحاً وسعادة.
***
حدق "عامر" بالفراغ الذي أمامه، وهو يستمع لصوت الطبيب.
يخبره بحمل زوجته وتأكيد ما أخبره به أثناء الفحص لها في المنزل.
"مبروك يا عامر بيه، زي ما قولتلك المدام حامل.. نتيجه العينة قدامي أه."
"أنت بتقول إيه يا دكتور."
أعاد عليه الطبيب ما نطقه، يخبره بضرورة بدء متابعتها مع طبيبة نسائية.
أغلق الخط وهو مذهول مما سمعه.
هل أعطاه الله طفلاً آخر عوضاً على وفاة من لم يلحق رؤيته، من شعر بالذنب نحوها.
سرع بخطواته نحو غرفتها، فوجدها تحاول الاعتدال من فوق الفراش.
"خليني أروح، رجب زمانه قلقان عليا."
احتقنت ملامحه من عبارتها، ولكنه تجاوز كل شيء.
وأعطاها أحقية غضبها.
"رجب عارف إنك مع جوزك يا مدام."
"أنت قولتلي هتنفذ طلبي، وأنا عايزة أطلق يا عامر.. أنت اتجوزتنا عشان تنتقم من طليقتك.. وأه أنتوا رجعتوا لبعض وجبتوا طفل.. خليني أسيب البيت قبل ما الهانم الجديدة تشرف.. أكيد مش هتحب تشاركك في حد."
لم يقطع حديثهم، إلا دخول "ناهد" وقد ساعدتها مرافقتها في القدوم لغرفتهم.
صمتت حياة عن حديثها.
لتقترب منها ناهد بلهفة.
"كده يا حياة ترجعي، من غير ما تشوفيني."
سقطت دموعها، وقد ضمتها ناهد إليها، تخبرها كم اشتاقت لها، وكيف نال الجميع من غضب الواقف خلفهم.
عندما علم إنها تركت المنزل بلا عودة.
"الولد ده بيحبك، بس هو كده غبي."
سعت عينين "عامر" في ذهول وهو يستمع لحديث والدته، ونعتها له بالولد.
"أنا ولد، كل ده ولد؟"
تجاهلت "ناهد" حديثه، فابتسمت حياة مرغمة.
"لو الكلام عني هيخليها تضحك، أنا موافق خلاصة."
تحدث بلطافة، وهو يتقدم منها.
فرمته بملامح ممتعضة.
"عقليها يا ناهد هانم، الهانم طالبة الطلاق."
"حياة عاقلة، وهتعرف تختار كويس."
انسحبت "ناهد" من غرفتهما، بعدما تركت له الكرة.
ورغم علمها بما حدث لذلك الحفيد، إلا أنها فضلت أن تعلم الحياة الأمر منه.
رآها تعود لبحثها عن حجابها، فالتقط منها الحجاب.
وكلما أجذبت شيئاً، كان يجذبه منها ويلقيه بعيداً مزمجراً بضيق.
"أنا أخدت قراري خلاص، لو سامحت بقى."
"فريدة مش هترجع حياتي يا حياة، حتى لو كان الطفل مش مات."
تهتف بها، يمنحها الجواب الذي تنتظره.
ولكن كبرياءها كان يمنعها أن تسأل عن ما حدث له في سفرته وهل أتى طفله وأين هو ووالدته.
تجمدت عيناها نحوه وقد علقت كلمة واحدة بأذنيها، تهتف بصدمة.
"الطفل مات……."
***
وقفت أمام بيت والديها بإنهاك، تطرق الباب بخفوت وقد أسندت جسدها فوق الجدار، بعدما شعرت ببعض الدوار يداهمها.
صرخت "صافية" بذعر، تنظر لملامح ابنتها الشاحبة.
"جنه."
ضمتها "صافية" لصدرها، بعدما شعرت بأنها لا تستطيع الحركة تتسأل بلهفة وهي تدلف بها لداخل المنزل.
"فيكي إيه يا بنت بطني، قلبي مش مطمن."
طالعها والدها بشوق وهو لا يصدق مجيئها إليهم.
ولكن سرعان ما تبدلت ملامحه للقلق، وهو ينظر إلى ملامحها الباهتة، والتف حوله يبحث عن ابن شقيقه.
ولكنها كانت بمفردها.
"فين جوزك يا بنتي."
"عايزة أطلق من جاسر يا بابا!"
تجمدت ملامح والديها في صدمة، وهم ينظرون لبعضهم، ثم لها.
***
طالعها بنظرات مسترخية، فتورد خديها وهو يضمها إليه بحب.
"مصيرنا بقي مربوط ببعض يا حياة."
دفنت وجهها بصدره وهي لا تقدر على الحديث.
إنها لم تعد تقوى على البعد عنه، وكأنها أصبحت مسحورة به.
تسير إليه كالمغيبة.
"أنا خايفة يا عامر."
وبهمس هتفت، وهي تتشبث به أكثر.
"خايفة منك، أنت عامل زي موج البحر.. لما بيقلب بيكون موج غدار."
ضمها إليه بقوة، وكأنه يخبرا بكذب شعورها نحوه.
وضع بذقنه فوق رأسها، يغمض عينيه بألم.
فعادت الأحداث تقتحم عقله.
"عمري ما غدرت بحد يا حياة، الغدر بيجيلي من الناس اللي وهبتها قلبي ومنحتهم فرصة يكونوا قريبين مني."
ابتعدت عنه، تتأمل ملامحه الحزينة.
ترفع كفها تحركه برفق فوق خده.
"مش عارفة أخفف عنك وجعك إزاي.. بس صدقني أنا زعلانة على الطفل، أنا كنت فرحانة ليك، كنت عايزة أبعد عن حياتكم عشان تعرفوا تربوه سوا.. وميتحرمش من حد فيكم."
فتح عينيه، ينظر لدموعها التي أغرقت خديها، يرى أجمل صورة رأى فيها امرأة.
"أنتِ إزاي كده يا حياة."
وبابتسامة واسعة كان يجيب على حاله بعدما وجد الإجابة.
"فعلاً أنتِ حياة، حياة بتوهب الحياة للناس وبتزرع في قلوبهم الحب."
وبرفق كان يسطحها فوق الفراش، يحرك بيده فوق بطنها.
فدغدغتها حركته، وظنت إنه يمزح معها ولكن كل شيء تجمد فيها وهي تسمعه يهتف.
"هتكون طفل محظوظ يا حبيبي!"
***
حدقت به عمته بصدمة، بعدما وجدته يدلف للمنزل بأنفاس لاهثة.
اتجهت إليه منيرة، تضمها نحوه، تخبره كم اشتاقت إليه، ولما لم يخبرهم بعودته.
"فين جنه يا عمتي!"
تسأل بلهفة، وهو يبتعد عن ذراعيها، فاشاحت منيرة عيناها بعيداً عنه.
لا تعرف بما تجيبه، فرمقه بتوجس يتسأل مجدداً.
"جنه ليه مش بالبيت، وتليفونها مقفول.. وأنتِ وأروى حججكم بقت كتير كل ما أسألكم عنها."
أطرقت منيرة رأسها، ترطب شفتيها بلسانها.
"عمتي."
"هترجعلك يا بني، عمك صابر مش هيسكتلها، هي بس بتريح أعصابها عندهم."
تجمدت ملامحه، وهو يستمع لعباراتها التي تنطقها بتعلثم.
دقق النظر في ملامحها ينتظر معرفة السبب، فزفرت أنفاسها بثقل وتلاقت عيناها بعينيه.
"عرفت بجوازاتك القديمة يا جاسر."
رواية سطور عانقها القلب الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم سهام صادق
جلست بملامح حزينة فوق فراشها، تطالع هاتفها الذي أعادت تشغيله، تنتظر رؤية اسمه فوق شاشته، تتمنى لو يعيد اتصالاته ويخبرها بأسفه، ثم جاء ركضاً إليها معتذراً عما فعله بها.
دمعت عيناها، تسأل حالها، متى كانت مهمة لديه، أخذها وسواسها نحو دروب مظلمة وأفكار قاتلة، فتعالت شهقاتها في بؤس مرير، فهرولت والدتها إليها بعدما استمعت لنحيبها، تضمها لأحضانها.
"مش تقوليلي بس إيه اللي مزعلك من جوزك يا بنتي، أنا وأبوكي خلاص هنتجنن."
تشبثت "جنه" بأحضانها، تسألها بمرارة، لما فعلوا بها هذا، لما دفعوها نحو هذه الزيجة وجعلوها تخرج منها خاسرة بقلب يمزقه الألم.
"كان نفسي تعيشي في العز يا بنتي، مكنتش عايزة تعيشي زي في الفقر."
"أنا تعبانة أوي يا ماما."
دمعت عينين "صافية" على حال صغيرتها، حاولت أن تواسيها وتفرحها بخبر عودة صفا، ولكن "جنه" كانت في عالمها المرير، تضغط فوق شفتيها بقوة، لا تصدق إنه عاد من سفره ولم يأتِ حتى لرؤيتها وطلب العفو منها، أحبت رجلاً متحجر القلب وليتها ما عرفت الحب يومًا على يديه.
"الرجالة يا بنتي دايماً كبريائهم بيمنعهم يراضوا الست، لكن الزوجة الشاطرة والعاقلة بتوطي مع الريح."
ابتعدت "جنه" عن أحضان والدتها، ترمقها بألم بعد سماعها لحديثها.
"بابا عمره ما استحمل يزعلك، عمره ما خلى ينام زعلانة منه."
أطرقت "صافيه" رأسها، فهي تعلم بصدق ما تخبرها به، ولكنها لا تريد لها خراب حياتها، التقطت كفيها، تمسح فوقهما برفق.
"جوزك كل يوم بيتصل بأبوكِ يطمن عليه وعليكي، جوزك شخصيته غير أبوكِ يا بنتي، ويمكن مع العشرة يلين."
كان الجواب تعطيه لوالدتها، قبل أن تتسطح فوق الفراش وتجذب نحوها الغطاء لعلها تغفو وترتاح من صراعها ومشاعرها.
"وأنا مش عايزة أعيش مع راجل قاسي زيه."
لم يكن حاله مختلفاً عنها، بل عادت القسوة تحتل وجهه، عاد خالي المشاعر، يصرخ في الجميع ويصب غضبه عليهم، والجميع يطالعونه في خوف من بطشه، يترقبون عاصفته من أبسط الأشياء، يتمنون لو عاد مديرهم الهادئ مجدداً، كما كان منذ بضعة أشهر.
قذف الأشياء من فوق سطح مكتبه، لا يصدق ما أوقعه فيه شقيقه في صفقة خاسرة، رغم تحذيره له في عدم التوقيع، ولكن "فاخر"، استغل الفترة التي يعيشها من هجر زوجته له، واستغل منصبه وفعل ما رفضه.
اندفع "فاخر" لغرفته، وقد احتلت الخزي ملامحه، ينظر نحو شقيقه أسفاً عما فعله.
"راجي كان مطمني إن الصفقة كسبانة، مش عارف إيه اللي حصل."
سقط فاخر أرضاً، بعدما تلقى لكمة قوية فوق فكه، فالتقطه جاسر من قميصه بملامح غاضبة.
"عرف يضحك عليك، ويطمعك."
اشتد العراك بينهم، فخسارتهم قوية، وسيظلون لسنوات يتعافون منها.
"خليت أبوك يمضي على الصفقة بنفسه يا فاخر، عشان عارف إنه يملك السلطة بعدي."
فاخر يمسح دماء أنفه، لا يستطيع النظر في عينين شقيقه، عاد يقذف كل ما يقف أمامه، لا يصدق اللعبة الحقيرة التي لعبها عليهم هذا الرجل.
انحنى بجسده يلتقط أنفاسه، وقد سكنت ملامحه واشتد الألم فوق صدره، انتفض فاخر من وقفته وهو يمسح دماء أنفه وشفتيه، واتجه نحو يهتف بفزع وهو يراه يقبض فوق قلبه.
"جاسر."
وقف جوارها وقد دمعت عيناه، وهو يسمع الخبر الذي تزفه لهم الطبيبة، لا يصدق أن الله أكرمه بنعمة أخرى من نعمه الكثيرة عليه.
"طفلي."
يهتف بها غير مصدقاً، تحت نظرات حياة التي لم تقل عنه من الصدمة، تتساءل مثله في ذهول وسعادة.
"يعني هجيب تؤام."
أومأت لهم الطبيبة برأسها مبتسمة، ونهضت عن مقعدها تهز برأسها بضحكة خافتة على حالهم، وغادرت مكان الفحص، حتى تتركهم يستوعبون الخبر.
التقط عامر كفها، ينهضها برفق من فوق الفراش الطبي، وسرعان ما كان يضمها بقوة إليه، تستمع لهمساته وحمده لله، وكم هو كريم في عطاياه، فطفله الذي فقده وحزن عليه، عوضه الله بعده بطفلين.
غادروا عيادة الطبيبة، وهو يمسك يدها ويسير بها نحو سيارته، لتقف مكانها من فرط سعادتها.
"هو إحنا ممكن نتمشى شوية يا عامر، الجو جميل أوي."
يطالعها، وطالع المكان حولهما، فتسأل وهو يشعر بالقلق نحوها.
"أخاف تتعبي يا حياة."
ابتسمت وهي تلتقط ذراعه، وتتأبطه، فتوقف عن السير مجدداً.
"لو تعبتي، قوليلي علطول."
ضحكت مرغمة، وهي تشده نحوها.
"عامر أنا كويسة، وأولادك كويسين مش سمعت كلام الدكتورة."
توقف مكانه، يسألها بعدم تصديق.
"حياة هو أنتِ فعلاً حامل في طفلين."
ضحكت بكل قوتها، حتى شعرت بالألم في معدتها، لا تستوعب الكلمات المتعلثمة التي تخرج من شفتيه، ولا توتره العجيب عليها، عامر السيوفي بقوته وحنكته وأمواله، ما زال تحت تأثير الصدمة، دمعت عيناه مرغماً وهو يجذبها إليه ويسير بها.
"كنت خايف ربنا يعاقبني يا حياة، عشان ذنب ابن فريدة، لكن صدقيني مظلمتهاش هي اللي ظلمت نفسها."
توقفت مكانها، ووقفت قبالته ترمقه بنظرات حانية، نظرات جعلته يتوق للعودة لمنزلهم، حتى يخبرها كم هو يحبها.
"الراجل اللي ميقولش لمراته، سبب طلاقه من طليقته، يبقى راجل عظيم، أنا واثقة أن السبب كان قوي يا عامر، قوي لدرجة إنك مقدرتش تغفره ليها."
والسبب كان قوياً جداً على رجل مثله، رجل عاش طوال حياته يرفع رأسه، ويخشاه الجميع.
عادوا لإكمال سيرهم، ولاول مرة كان يتخلى عن مكانته وعن تعقله، ضحكوا وتوقفوا أمام كل متجر، يشترون أشياء بلا هدف، حتى الأطعمة التي كان يرفض تذوقها أجبرته اليوم على تناولها.
عادوا لسيارته، وهو يضحك على حاله وعليها، وقد أغرقت المثلجات ثيابه خاصة هو، بعدما ذابت فوق يديه.
"بتضحكي عليا يا مدام، لا وخلتيني أقف آكل من الشارع كمان."
تعالت ضحكاتها، وهي تستقل السيارة في المقعد المجاور له.
"اتجنن مرة في حياتك يا عامر."
جذبها إليه، يباهتها بقبلة خاطفة، جعلتها تشهق بفزع وتلتف حولها، لا تستوعب ما فعله للتو، احتلت العبث ملامحه وقد بدأ في قيادة سيارته متمتماً وهو يغمز لها.
"مش بتقوليلي اتجنن."
أنسابت دموعها وهي لا تستوعب ما تخبرها به أروى، عن سقوط شقيقه ودخوله العناية المركزة، جاسر القوي الذي يظنه الجميع لا يمرض ولا يرهقه شيء، سقط في مكتبه أرضاً.
"جاسر تعبان أوي يا جنه، تعالي يا جنه، تعالي وقوليله إنك حامل، ليه بتعمل فيا كده."
أغلقت "أروى" الخط، دون أن تنتظر سماعها، فاتجهت خارج غرفتها بخطوات مهرولة نحو مكان جلوس والديها، حتى تخبرهم بحديث أروى، ولكنها وقفت مكانها، تطبق فوق جفنيها بقوة، تتذكر الحقيقة المريرة التي علمت بها، تتذكر قسوته وعدم مجيئه إليها.
"لو كان بيحبك يا جنه، كان جالك أول ما رجع من سفره، لو كان جه وخدني في حضنه، كنت ممكن أسامحه، لكن كبرياؤه دايماً بيمنعه."
عادت لفراشها، تدفن رأسها أسفل وسادتها، ترثي حالها وحال قلبها، تقاوم رغبتها القوية في الركض إليه.
خرج من المستشفى هذا الصباح رغماً تحذيرات الطبيب له، ولكنه لم يعد يطيق المكوث بالمستشفى، خاصة بعدما علم باشتداد المرض على والده.
توقفت سيارة "هاشم" أمام منزل العائلة، وقبل أن يترجل من مقعده ويلتف إليه حتى يساعده، كان يترجل من السيارة ويزيح يده الممدودة من أمامه متمتماً بحدة.
"أنا لسه بصحتي يا هاشم متقلقش."
حدق "هاشم" بقله حيلة، يزفر أنفاسه حانقاً مما يفعله ابن عمه بحاله، أسرع في صعود الدرج دون أن يهتم بصوت زوجة أخيه المهللة بعدوته، رغم الحزن الذي أصبح يخيم بالمنزل.
وجد عمته، تتجه نحو غرفتها بملامح حزينة، تسبح فوق سبحتها ولم تنتبه على وجوده، شعر بشيء يجثم فوق فؤاده، فاسرع لغرفة والده، ليجد راجي جواره ووالده يتحدث معه بصعوبة، وكلما أخبره عن التوقف، كان "حسن" يشد على قبضة يده.
"ما فيش وقت يا ولدي."
علقت عيناه بعينين "جاسر"، فغامت عيناه بالشوق لابنه الغالي وقد ظنه مسافر كما أخبروه وليس في المستشفى بعد المصيبة التي حصلت لهم، بسبب ذلك المتبجح الذي يجلس جوار والده.
"رجعت بالسلامة يا ولدي، متعرفش أنا كنت مستنيك إزاي، كنت خايف أمشي قبل ما أشوفك."
اندفع "جاسر" نحوه، يقبل كفيه، يهتف برجاء له، ألا يتحدث هكذا.
"الموت علينا حق يا كبير عيلة المنشاوي."
"هتفضل أنت كبير العيلة دي يا حاج."
ثم رأسه، يقاوم ذرف دموعه، يرمق ذلك الجالس بملامح جامدة، فشعر "راجي" بيد حسن تمسك يده بوهن، فطالعه بقلق متسائلاً.
"محتاج مني حاجة."
"هاتوا أيديكم يا ولادي."
وبأنفاس متقطعة، كان يرفع كفوفهم، يضمهم بكفيه.
"أوعوا تفترقوا عن بعض، أنت خلاص عرفت الحقيقة يا ولدي، أخواتك سندك وضهرك، قرب منهم يا راجي."
"أنت بتقول إيه يا حاج."
ابتلع "جاسر" لعابه، وهو ينظر نحو راجي الذي دمعت عيناه، ثم انسحب من الغرفة.
"راجي أخوك يا جاسر، أخوك من حليمة النعيمي."
وهل ينسى اسم هذه المرأة التي أخبره والده عن حكايته معها مؤخراً، حاول الثبات واحتواء يده.
"بلاش تتكلم كتير يا حاج."
أغمض "حسن" عيناه، ينفذ له رغبته، يخبره بخفوت.
"سيبني أنام شوية يا ولدي."
طالعه "جاسر" وهو ينهض من جواره بصعوبة، يتحرك نحو باب الغرفة، يشعر بأن أنفاسه تتثاقل مع خطواته.
كان أذان العصر يعلو، فخرجت منيرة من غرفة شقيقها صارخة، جعلتهم جميعهم ينهضون من فوق مقاعدهم وقد ارتجفت أجفانهم وهم يدركون وفاة حسن المنشاوي.
***
أنقضت أيام العزاء الثلاثة، وقد أصبح الجميع يعيش في حالة حزن وعزلة، كانت عيناها تبحث عنه، لعلها تستطيع رؤيته والاقتراب منه، فقد حاولت اليومين السابقين أن تكون قربه، لكنها شعرت بالفجوة الكبيرة التي أصبحت بينهما.
اقتربت منها والدتها، وهي ترى التعب الواضح فوق ملامحها، وقد بدأت تشك في أمر ابنتها، خاصة كلما سألتها عن سبب شحوبها والقيء المستمر، تخبرها أن معدتها تؤلمها.
"جنه."
انتبهت على صوت والدتها، وقد فاقت من حالة الشرود التي أصبحت تلازمها، تنظر إليها.
"سمعت من أبوكي، إن جوزك قاعد في بيته التاني يا بنتي، وقافل على نفسه من العصر، روحي لجوزك يا بنتي، الست الشاطرة بتقف جانب جوزها في محنته وترمي ورا ضهرها الزعل."
كانت مقتنعة بحديث والدتها، فهذا ما نشأت عليه، لمعت عيناها بلهفة تتأكد منها.
"هلاقيه في البيت."
أومأت "صافية" وهي ترى لهفتها، وكيف استجابت لحديثها دون مجادلة.
"أبوكِ قالي، لما سألت عنه يا بنت بطني."
حثتها والدتها بنظراتها، ودفعتها برفق حتى تذهب إليه، أسرعت في إحكام حجابها فوق شعرها، واتجهت نحو الخارج تبحث عن أحد صغار العائلة، حتى يسير معها للبيت بسبب الظلام بعدما تجاوز الوقت السابعة مساءً.
وصلت للمنزل، تطرق الباب ولكن وجدتهم مفتوحاً، وعلى ما يبدو كان هناك أحداً معها.
قتربت من الغرفة تستمع لصراخ "جاسر" بنيرة التي تعالت شهقاتها بعدما أخبرته عن زواجها من راجي منذ شهرين وحملها منه.
وضعت كفها فوق شفتيها في صدمة، والتفت خلفها، لتجد راجي يدلف المنزل، وقد خرج هو الأخر من غرفة مكتبه، علقت عيناه بها ولكن تجاوزها متجهاً نحو "راجي" يلكمه بقوة.
"حبيت تعاقبنا فيها يا ابن النعيمي."
تراجع "راجي" للخلف، بعدما تمكن من الوقوف، يمسح فوق خده من أثر اللكمة، ينفث أنفاسه بغضب.
"أنا ابن المنشاوي زي زيك يا جاسر."
كانت الصدمة الأخرى تحتل كيانها، وهي تستمع لعبارات راجي.
اشتد العراك بينهم، فوقفت نيرة منزوية على حالها، تضع بيدها فوق أذنيها، أسرعت في الاقتراب منهم بعدما رأتها بهذه الحالة، ووقفت بينهم صارخة.
"كفاية يا جاسر، كفاية."
ولكن "جاسر" كان الغضب يعمي عينيه، أزاحها من أمامه بقوة، فسقطت أرضاً تصرخ هذه المرة من الألم.
"جاسر أنا حامل."
التقطت أذنيه صوتها المتقطع، وقد هتفت بها بعدما وضعت بيدها فوق بطنها، فانحنى راجي لأسفل يلهث أنفاسه ويمسح الدماء عنه.
تجمدت عيناه، وهو يراها، تتألم وتضم بطنها بيديها، وقد تلاشى كل شيء حوله واقترب منها يجثو فوق ركبتيه، لا يصدق ما سمعه للتو.
ابتسم الطبيب وهو يطمئنه على حالتها للمرة العاشرة، يربت فوق كتفه ضاحكاً.
"إيه يا جاسر باشا، أحلفلك يعني إن المدام بخير."
ألقاها الطبيب مازحاً، قبل أن يغادر الغرفة بعدما سمح لها بالخروج وقد طمأنهم على طفلهما.
أسرع بالأقتراب منها متلهفاً، فوجدها تشيح عيناها عنه، تزم شفتيها تذمراً.
"رجعنا للقمص تاني، تصدقي بالله أنا غلطان أصلاً إني ملهوف عليكي."
ابتعد عنها، فاسرعت في التقاط يده.
"بدل ما تصالحني، وتدلل فيا لحد ما أسامحك، هو أنت اللي عملته فيا سهل يعني."
طالعها بمقت، وقد أغمض عينيه بقوة.
"أنتِ شايفه أنا في إيه ولا إيه يا جنه، المفروض أنا اللي أزعل منك، دخلت المستشفى مجتيش تشوفني، تلت أيام العزا عيني تيجي في عينك، وتهربي مني زي الجبانة، كنت محتاجاك جنبي."
يهتف بها، وقد جاورها فوق الفراش، نظرت لملامحه، لتجده مرهقاً للغاية وكأنه يحمل هموم الدنيا فوق كتفيه.
"أنا آسفة يا جاسر، أنت متعرفش أد إيه أنا بتألم عشانك، ولو كان ينفع أشيل عنك شوية كنت عملت كده، أنا مش قليلة الأصل صدقني."
علقت عيناه بعينيها، فجذبها إليه يضمها نحو صدره، مدركاً صدق حديثها.
"عارف يا جنه شعورك كويس، لو مكنتش عارفك فعلاً، كنت بعت اللي بينا بالساهل زي ما أنتِ بعتي ومشيتي من غير ما تسمعيني."
أرادت أن تتحدث، ولكن وضع يده فوق شفتيها.
"خلينا نقفل الكلام في الموضوع ده دلوقتي، وكل حاجة هتلاقي ليها جواب."
وطالعها بنظرات قوية، قاصداً كل شيء يريده.
"وكلمة طلاق لو طلعت منك تاني، عقابها هيبقى عسير."
ولولا الظروف التي يمرون بها، لكانت انفجرت ضاحكة من وعيده، جاسر لن يتغير أبداً مهما حدث.
كانت تطير من فرط السعادة، وهي تشتري كل شيء كهدايا للعائلة، اقتربت منه تريه ما اشترته لكل أفراد العائلة، فضمها إليه يخبرها أن كل ما تنتقيه جميل.
حدقت به بعدما ابتعد عنها، فاسرعت بالاقتراب منه تسأله بلهفة.
"مالك يا أحمد."
تنهد وهو يجلس فوق فراشهما، يطالع ملامحها ثم أشار إليها بالاقتراب منه.
"تعالي يا صفا."
شعرت بوجود خطب ما، فتسألت وهي تزدرد لعابها.
"نزولنا مصر ممكن يتأجل سنة أو سنتين، الشركة وقفت تاني قرار الفرع."
تلاشت سعادتها، وهي تنظر إليه، غير مصدقة تراجعهم في القرار.
"يعني مش هننزل مصر خالص."
أسرع في احتواء وجهها بين كفيه، ينظر في عينيها وقد ارتسم الحزن فيهما.
"كنت عايزة أزور قبر بابا وماما، وأقولهم أد إيه سعيدة وأشوفك معايا."
ضمها إليه وهو لا يقوى على استماع حديثها.
"ه ننزل يا حبيبتي، هننزل أجازة نشوف اللي بنحبهم ونرجع، صفا أنا محتاجك معايا هنا."
حاولت نفض الدموع العالقة بأهدابها، فهي تعلم بطبيعة عمله، وقد وافقت على الأمر من قبل.
"المهم هننزل وخلاص حتى لو أجازة."
ابتسم وهو يرى تقبلها لما حدث، وعاد لضمها مجدداً.
"وهنروح المزرعة وأوعدك نركب خيل يا صفا."
ابتعدت عنه غير مصدقة ما يخبراه به، هل سيعود لهويته المحببة بعدما هجرها لسنوات من أجلها.
"بجد يا أحمد."
وهو كان غارقاً في عينيها، يهمس لها بعشق.
"نفسي يبقى عندنا بنت نفس عيونك يا صفا."
ضحكت "ناهد" بقوة وهي تستمع لتحذيرات ولدها الذي تراه قد أصابه الجنون، منذ أن علم بحمل حياة.
"كفاية حركة، أنتِ مش شايفه نفسك من الصبح بتتحركي."
"بتحرك من الصبح يا ظالم، ده انت عامل عليا حصار."
طالعها بملامح قاتمة، ينظر لوالدته وقد أخذت تضحك دون حديث.
"شايفه بترد عليا إزاي، فين دروسك العظيمة يا ناهد هانم."
اتجهت أنظار ناهد نحوها، بعدما اختفى صوت ضحكاتها، واتسعت ابتسامتها.
"دروسي خلاص خلصت، وعرفنا نروض الوحش اللي جواك."
طالعهم بنظرات قوية، يقلب عيناه بينهم، لا يصدق إنه أصبح بينهم كالكرة يتلاعبون به.
"روضنا نص الوحش بس، فاضل النص التاني يا ماما."
هتفت بها حياة، فاحتدت عيناه، ينظر لتلك التي أخذت تضحك وقد شاركتها والدته الأمر.
"بتتفقوا عليا يعني."
ترك لهم الغرفة بملامح غاضبة، فعُلقت عيناها به غير مصدقة غضبه، وقد ظنوه بدأ يتقبل المزاح.
"روح يا بنتي، وراضي بكلمتين."
أسرعت خلفه، تشعر بالتوتر، تفكر كيف تسترضيه، فهو أصبح صعب المراس.
دَلفت للغرفة، تبحث عنه بعينيها، فصرخت في ذعر وهي تشعر بذراعه تحيط خصرها، يهتف بوعيد عابث.
"الوحش بقى اللي روضتي يا حياة، هياكلك لحد ما يشبع."
اجتمع الجميع مترقبين هذا الجمع العجيب، الذي أصر عليه جاسر هذا اليوم، تلاقت عيناه بأفراد عائلته، والكل أخذ يحدق به منتظرين بما سيخبرهم به كبيرهم.
"بعضكم أو الكل سمع، إن الحاج حسن المنشاوي رحمه الله."
هتف الجميع، بعدما رفعوا كفوفهم يترحمون عليه ويذكرون محاسنه، فاردف جاسر وهو يركز بعينيه نحو راجي الذي نهض عن مقعده وتقدم منه.
"الحاج حسن، له ابن من صلبه من زوجته الخليجية السيدة حليمة النعيمي رحمها الله."
تعالت أصوات الجميع، فعلى ما يبدو أن ما سمعوه صحيحاً، الحاج حسن كان لديه ولداً آخر وقد تأكدوا من صحة الحكاية.
"وعشان رابط العيلة يفضل مستمر وفي وصال ديما، راجي طلب إيد نيرة للجواز."
طالعهم الجالسين في صمت، ومن نظراته القوية كانوا يعرفون إنه ينتظرون تأكيدهم على قراره.
تحركت "نيرة" نحو الغرفة المجتمعين بها، بعدما استمعت لقرار موافقتهم، كانت تشعر بالغضب، فلم تعد تريد هذا الرجل، بعدما اكتشفت أنها لم تكن إلا لعبة في يديه، ولديه زوجة أخرى غيرها.
وقفت مكانها، تنظر لتلك اليد التي وضعت فوق كتفها، لتلتف ببطء، تنظر نحو "جنه".
"لو طلعتي واتكلمتي، هتخسري نظرة أهلك ليكي وهتخسري جاسر يا نيرة."
وبضعف لأول مرة كانت تظهره، لتلك المخلوقة التي كرهتها دوماً، وسعت على دمار حياتها.
"مش هقدر أعيش معاه يا جنه."
وعلى بعد، كانت تقف هدى، تشعر بالصدمة وهي ترى شقيقتها في أحضان جنه والأخرى تضمها إليها تواسيها، وقد بدأت الشكوك تقتحم عقلها.
***
زيجة صامتة بلا عرس، كما لم تكن تتمنى يوماً، تمنت أن تكون عروساً جميلة تحسدها جميع النساء على زيجتها وجمالها، ويتحاكوا عن تفاصيل عرسها لسنوات.
ارتسمت ابتسامة متهكمة فوق شفتيها، فالعرس بالفعل سيتحدثوا عنه لسنوات ولكن بشفتي ممتنضة، مشفقين عليها.
أنسابت دموعها وهي تنظر نحو شقيقتها "هدى" التي أشاحت عيناها عنها، لا تستوعب حتى هذه اللحظة ما فعلته بحالها ولولا "جاسر" و"جنه" وأيضاً زوجها احتفظوا بسرها وأسرعوا في إتمام هذه الزيجة من أجل من جمع الترابط بين الأشقاء، لكن جميع أهلهم وأهل البلدة قد شكوا بالأمر.
"مش هتحضنيني يا هدى."
قاحتها هدى بنظرات غاضبة، وحزينة.
"خيبتي أملي فيكي يا نيرة."
وأنسابت دموعها، تشعر وكأن الجميع يعلم بعار شقيقتها.
"ليه تعملي في نفسك كده، كان ناقصك إيه عشان تتجوزي في السر، وتتذلي وتحطي راسك في الأرض وتكوني زوجة تانية."
"كفاية يا هدى."
"هو فعلاً كفاية يا نيرة، وكويس إنه هياخدك معاه الإمارات بعيد عننا، على الأقل تداري عارك بالطفل اللي بطنك."
وهتفت متهكمة بنبرة مهمومة.
"كويس إن بطنك لسه مظهرتش، كانت سيرتنا بقت على لسان الناس طول عمر."
تعالت شهقاتها، لا تعرف لأول مرة كيف تدافع عن حقها.
"مش عارفة أرد عليكي، عارفة ليه عشان حاسة بعارك يا بنت أم وأبويا."
خرجت "هدى" من الغرفة، قبل أن تتحدث بحديث آخر أشد قسوة.
دَلفت جنه الغرفة تشعر بالشفقة عليها، فقد أتت حتى تستعجلها بعدما تأخرت هدى في غرفتها، وقد استمعت لبعض الحديث بينهم.
طالعتها "نيرة" وهي تمسح دموعها حتى لا يرى أحداً ضعفها متمتمة.
"أنا جاهزة."
وقفت "صفا" أمام قبر والديها، ثم جثت فوق ركبتيها تمسح فوق قبرهما، وقد غشت الدموع عيناها وأنسابت بغزارة.
"وحشتوني أوي."
بكت بقوة بعدما لم يعد لديها قدرة على النحيب في صمت، أسرع في التقاطها من فوق الأرض يضمها لصدره وقد دمعت عيناه تأثراً.
"كفاية يا صفا، ادعيلهم يا حبيبتي."
"وحشوني أوي يا أحمد، قولهم يرجعوا."
احتواها بحنان، لا يعرف كيف يخفف عنها، تركها تبكي حتى كفت عن البكاء وابتعدت عنه.
"بابا، ماما، ده أحمد جوزي، شوفتي يا بطوط أه اتجوزت راجل زي الحكايات، كنتِ بتريقي عليا لما أقولك أنا مستنية بطل يكون ليا لوحدي."
ابتسم مرغماً وهو يمسح عنها دموعها، وقد أخذت تقص عليهم حكايتها معه.
ضمها إليه وهو يغادر المقبرة، فالتفت برأسها نحو قبرهما، تضع بيدها فوق بطنها تخبرهم في حديث صامت، عن حملها لطفلاً في أحشائها، وهم أول من يعلموا بهذا الخبر السعيد، حتى يفرحوا بحفيدهم القادم.
استقبلهم عامر بحفاوة، وهو لا يصدق إنهم جعلوا عودتهم المؤقتة مفاجأة لهم.
"كده متقوليش عشان أجي أستقبلكم في المطار."
ربت "أحمد" فوق ظهره، وهو يضمه إليه يخبره عن مدى شوقه له ولوالدته والقصر.
"حبيت أعملها ليك مفاجأة يا عامر."
أسرعت "حياة" بخطواتها إليهم، بعدما علمت من الخادمة بقدومهم، وقبل أن تتقدم منهم كان يهتف صارخاً.
"برضوه بتجري، أنا مش عارف هتخافي عليهم أمتى."
تعالت ضحكات "صفا" وهي تقترب منها، تضمها بعدما هتفت مازحة.
"أنا قولت الوحش الكامن داخل عامر بيه، زمانك قدرتي عليه."
"هو حد يقدر عليه برضوه."
هتفت بها "حياة" وهي مستاءة، بسبب أفعاله الجنونية وصراخه الدائم عليها، كلما تحركت.
"حياة."
تمتم بها محتقن الوجه، وكأنها أضاعت هيبته أمام شقيقه وزوجته، انفجر أحمد ضاحكاً.
"يا باشا هيبتك موجودة متقلقش."
صدحت ضحكاتهم عالياً، فدمعت عينين ناهد وهي تقترب من مكان وقوفهم وترافقها مرافقتها، تهتف بشوق وهي تمد يديها أمامها نحوهم.
"أحمد."
التقط منها طبق الطعام، الذي وضعت فيه كل ما يشتهيه، طالعها بنظرات ممتنة محبة، فرغم غضبه وحديثه الحاد الذي حادثها به منذ دقائق، لا تتذمر، أو تعبس بوجهها.
شعر بالانتشاء، وهو يرى نظرات شقيقه لهم، وتذمره وهو يطالع زوجته التي انشغلت في تناول الطعام، بعدما أخبرته إنها بالفعل جائعة.
"أرجوك يا حياة علميها شوية دروس، في التعامل مع الزوج، بدل ما هي ما شاء الله مش شايفة قدامها غير طبق الأكل."
ضحكت السيدة "ناهد" على حنق ابنها الأصغر، لا تصدق أن أولادها أصبحوا يتذمرون على أبسط الأشياء مع زوجاتهم وكأنهم لا يريدونهن إلا لهم وحدهم.
"أنا يا أحمد مش بهتم بيك، هو ده اللي تقصده مش كده."
امتعضت ملامح "صفا" وهي تهتف به، كما امتعضت ملامح عامر وهو يرى زوجته تندفع نحو شقيقه وتصنع لهم طبقاً كما صنعته له، التقط ذراعها ينظر إليها متمتماً بضيق تحت نظرات أحمد الذي انفجر ضاحكاً.
"مش عنده مراته، خليها تهتم بيه."
"وفيها إيه يا عامر."
"مالك يا باشا بس، مش هناكل المدام والله."
تعالت ضحكاتهم ما عدا "عامر" الذي احتقنت ملامحه.
"مفيش دم خالص، يا صفا هانم."
طالعته "صفا" وهي تحشر الطعام بفمها، تحرك رأسها نافية، تهتف بحنق وهي تضع لقمة أخرى.
"جوعانة أوي يا أحمد."
كان يشعر بالدهشة من جوع زوجته العجيب عليه، فالتقط كأس الماء، يقربه منها.
"طيب براحة يا حبيبتي، أحطلك إيه تاني في طبقك."
أخذ يضع لها الطعام، بعدما أدرك بالفعل إنها جائعة، زال عبوسه وصب كل اهتمامه عليها.
طالعتهم "حياة" بنظرة دافئة، فتلاقت عيناها بعينين عامر، الذي التقط كفها يلثمه بحب.
"تسلم إيدك يا حبيبتي."
ورغم إنها لم تعد تساعد الخادمات بالمطبخ، إلا بالإشراف فقط، ولكنه بات يمتدح الطعام يومياً.
ابتسمت ناهد وهي تستمع لكلمات الحب والضحكات بين أولادها وزوجاتهم، ولم تكن تظن أنه سيأتي يوماً ويجلسون هكذا وستجمعهم مائدة طعام سوياً يسودها الدفء.
تقافزت بسعادة أمام الفرس الجميل الذي أخرجه لهم العامل، كما أمره سيده، اسرعت في وضع يدها فوقه، ولكن الفرس أخذت ترفع قدميها وتصدر صوت صهيله.
تراجعت للخلف خائفة، بعدما كان الحماس يعتلي ملامحها.
"حبيبتي متخافيش، هو بس مش متعودة عليكي."
قربها منها برفق، فتراجعت ثانية بعدما دب الرعب في قلبها.
"ما هي مش خايفة منك، اشمعنى أنا."
"قدرات يا حبيبتي."
يهتف مازحاً، فرمقته ممتنضة، فهتف ضاحكاً.
"بقيتي علطول متذمرة يا صفا هانم."
"أحمد."
وبهمس خافت هتفت اسمه، تخبره بوداعه وهي تسبل أهدابها.
"خلينا نتمشى، أنا خلاص مش عايزة أركب خيل."
ولكنه كان مصراً على تنفيذ الأمر واصطحابها في جولة داخل المزرعة، صعد فوق الفرس وأجتذبها يضعها أمامه، كان يتحرك برفق وفور أن بدأت خطوات الفرس تزداد صرخت خائفة وهي تلتف نحوه وتلتقط قميصه متشبثة به.
"صفا، أنا كده مش هعرف أتحكم في لجام الفرس."
"نزلني يا أحمد، نزلني أنا خايفة."
أوقف الفرس، واسرع في الهبوط منه ثم حملها، فاغمضت عينيها وهي تشعر ببعض التقلصات، التي أخذت تزداد ولم تعرف من أين يأتي الوجع، تعلى نحيبها في صدمة، فقد حذرتها حياة من ركوب الخيل وأخبرتها إذا علم أحمد بالأمر، فلن يستمر في الركض بها هنا وهناك حتى يستمتعون بأجازتهم الصغيرة.
اتججه بها نحو المنزل، رغم طول المسافة التي قطعوها.
"صفا إيه اللي حصلك، ما أنتِ كنتِ كويسة."
لم تستطع إخباره، فلو علم بالأمر وأنها لم تخبره، سيغضب عليها بشدة، وضعها فوق الفراش وقبل أن يخبرها إنه سيهاتف عمتها حتى تأتي إليهم، كان ينتبه على الدماء التي عُلقت بقميصه ويديه، ينظر إليها بذهول متسائلاً.
"إيه ده؟"
والجواب كان واضح، وهو يراها تضع بيدها فوق بطنها دون إجابة.
غادرت السيدة "صافية" من غرفة ابنة شقيقها، وقد أحزنها فقدانها للطفل، اقتربت منه وهو جالس فوق الأريكة بالطابق السفلي يطرق رأسه أرضاً.
"اطلع لها يا بني، من ساعة ما رجعنا من المستشفى بتسأل عليك."
طالعها "أحمد" بنظرات صامتة، فجلست جواره تربت فوق كفه الموضوع فوق ساقه.
"صفا طيبة وغلبانة، هي يمكن متهورة شوية في تصرفاتها بس مفيش أطيب منها."
ظل صامتاً، يستمع لكلمات السيدة "صافية" التي نهضت وقررت الرحيل، بعدما منحته بعض السلام من حديثها الطيب.
صعد إليها، وقد بدأ يشعر بتوازنه، وفور أن دلف للغرفة كانت تعتدل من فوق الفراش بلهفة، تمسح دموعها.
"أنا آسفة يا أحمد، أنا مكنتش عايزة أقولك، بس أنت كنت خلاص حجزت تذاكر الطيارة."
وأطرقت رأسها في بؤس، تهتف معللة، تتمنى مسامحته على إخفائها عنه لأمر حملها.
"كنت عايزة أنزل مصر، كنت مشتاقة ليهم أوي، كنت عايزة أقولهم أد إيه أنا سعيدة."
هتفت عباراتها، وقد تعالت شهقاتها من شدة الألم، فاقترب منها يضمها إليه بعدما رأى انهيارها.
"لما شفت الدم، خوفت أخسرك زي ما خسرتها يا صفا."
توقفت عن البكاء، بعدما ألجمها حديثه، ابتعدت عنه، تنظر نحو ملامحه الجامدة الشاردة.
"زعلي منك عمره ما هيكون أكبر من خوفي عليك."
علقت الدموع بعينيه، فاسرع بإشاحة عيناه عنها بعدما أطبق فوق جفنيه بقوة.
"مشهد موت مها مش قادر أنساه."
وقد عاد المشهد وعادت الذكريات لتخنق روحه، نفس المكان ونفس الوقت، "مها" تركض بالفرس وهو يركض خلفها حتى يلحقها بعدما فقدت التحكم في لجام الفرس، تصرخ باسمه حتى يلحقها ولكن الأوان قد فات، وارتطم الفرس بالسيارة الكبيرة وسقطت في بحر دمائها.
أسرعت في ضمه إليها، تشاركه حزنه في صمت، غادر الغرفة بعدما لم يعد يتحمل المكوث أكثر فيها، حتى إنه لم يعد يتحمل وجوده بالمزرعة التي جاء إليها من أجل أن يحقق لها رغبتها.
انتظرته طويلاً، وقد اقترب وقت بزوغ الشمس، فتحركت بالغرفة بصعوبة تشعر بالقلق وقله الحيلة، وخاصة بعدما أغلق هاتفه، التقطت هاتفها لتهاتف "عامر" فلم يعد لديها قدرة على الانتظار أكثر ولكن قبل أن تضغط على زر الاتصال، كانت تجده يدلف وثيابه متسخة بعض الشيء.
اندفعت إليه باكية.
"وعدتني إنك مش هتسيبني، ومش هترجع للماضي تاني، لو زعلان مني أنا آسفة، عاقبني لكن متعاقبش نفسك."
احتواها بين ذراعيه، يشم رائحتها التي تنسيه كل شيء، وبرفق كان يبعدها عنه يخبراه بحنان.
"أنا كويس يا صفا، كنت محتاج بس أفضل لوحدي شوية."
"لا أنت مش كويس يا أحمد."
علقت عيناه بملامحها الذابلة، ودموعها التي استمرت في الهطول فوق خديها، يرفع كفيه يمسح عنها دموعها.
"كفاية عياط، ولا أقول كلمة زنانة، مع قماصه ونكده."
يهتف بمزاح حتى يخفف عنها، ويجعلها تصدق إنه بخير، تجمدت جميع حواسه وهو يشعر بشفتيها فوق شفتيه، طالت قبلتهما التي شعر فيها بأن أوجاعه تنخمد، وكأن قبلتها هي الترياق الذي أعاد إنعاش روحه، ابتعد عنها بأنفاس لاهثة يضع جبينه فوق جبينها، يتأمل ملامحها الجميلة ويضغط بيديه فوق خصرها.
"أنتِ أحلى حاجة حصلت ليا يا صفا."
توقفت أمام الشرفة، تنظر لمياه النيل التي تطل عليها شقته في العاصمة. اقترب منها يضمها لصدره متمتماً.
"إيه اللي مصحيكي بدري."
شعرت بيديه تمسد فوق بطنها، فالتفت إليه تمنحه صباحاً جميلاً في قبلة خاطفة وضعتها فوق خده.
"حسيت بقلق شوية، ولقيت الجو جميل قولت أقف أستمتع شوية بالمنظر."
داعب أرنبة أنفها بإصبعه، يجذبها إليه أكثر.
"أوعي تكوني بتكدبي عليا يا جنه، وتكوني تعبانة."
تعالت ضحكاتها، وهي تراه ينتظر سماع جوابها بلهفة.
"جاسر، بلاش قلقك الزايد."
لطمها فوق جبهتها بخفة، يتذكر إذا لم يهتم بها تحزن وتتذمر، وإذا صب اهتمامه عليها تضجر منه.
"والله يا حبيبتي أنا مش عارف، أنتِ عايزة إيه."
"عايزاك تفسحني، أنت مش جايبني هنا عشان أفضل قاعدة في الشقة لحد ما تخلص شغلك."
وأطرقت رأسها في أسى، تتذكر رحيل ابنة خالها ليلة أمس.
"صفا خلاص مشيت، ومش هلاقي حد أتسلى معاه."
تعالت ضحكاته، وهو يرى تذمرها.
"هو إحنا هنعيش هنا طول العمر، إحنا راجعين البلد بعد أسبوع يا حبيبتي."
صاحت وهي تتقافز أمامه، كالبهلوان، فقبض فوق كتفيها يثبتها مكانها.
"يبقى تفسحني طول الأسبوع، وننزل نجيب الطلبات اللي طلبتها مني أروى."
وبنبرة محذرة، كانت تهتف.
"كله وطلبات أروى، دي تفضحني وتموتني."
وبحب كان يضمها إليه مجدداً، يخبراه بموافقته نحو كل ما تريده.
"حاضر يا حبيبتي."
وسرعان ما كان يفيق من هدوئه وهو يجذبها للداخل، بعدما نظر في ساعة يده.
"شوفي عمالة ترغي كتير، ومخلتنيش أقولك أنا عايزك في إيه."
وهل ابن المنشاوي يريدها إلا في مواضيعه الهامة للغاية.
غمز لها عبر المرآة بعدما وقف يهندم من قميصه، ويربط عنقه، فتوردت وجنتاها خجلاً وهي تتحاشى النظر إليه، فأنفرجت شفتيه في ضحكة قوية.
"لو مكنتش عندي اجتماع مهم بس."
غادر، بعدما وضع فوق جبينها قبلة سريعة، فاستطحت فوق الفراش، تضع بيدها فوق قلبها، لا تصدق تلك السعادة التي باتت تعيشها معه وبين ذراعيه.
بعد مرور بضعة أشهر، في داخل إحدى المستشفيات الخاصة الكبرى.
خرج "عامر" من غرفة العمليات بأعين دامعة، بعدما رأى صغيريه وحملهما، أسرع رجب إليه بلهفة، ومن نظرته علم أن شقيقته وضعت صغارها.
"مبروك يا عامر، يتربوا في عزك يا باشا."
ربت "عامر" فوق كتفه، يشكره.
تلاقت عينين سناء به في حقد، تشيح عيناها عن المشهد، فلم تتخيل يوماً أن تصبح حياة هكذا، زوج يحبها بل لم يتركها حتى في غرفة العمليات مصمماً أن يكون معها هذه اللحظة، تلد في أفخم المستشفيات، وتنجب ولدين وتعيش في عز لو غرفت منه لن ينتهي.
كان الحقد يتأكلها، تعض فوق شفتيها بقوة، تطالع لهفته وهو يتجه نحوها بعدما خرجت من غرفة العمليات واتجهت نحو غرفتها بالمستشفى.
حمل "جاسر" صغيرته الجميلة، ينظر إليها غير مصدقاً إنه يحمل قطعة منه بين ذراعيها.
اقتربت منه "أروى" تلتقطها منه، كما حاول البعض، لكنه أخفى منها صغيرته، انفجر الجميع ضاحكين.
"يعني أنا هاكلها يا جاسر، ما تقولي حاجة لجوزك يا جنه."
طالتهم بإرهاق، تنظر إلى زوجها بعنفوان وهيبته، وكيف صار كطفل صغير، وهو يحتوي صغيرتهم.
"الكبير خايف على بنته مننا، إيه يا كبير المنشاوي مش هتخليني أشيل بنتك."
هتفت بها "فاخر"، فاعطاها له، فاحتقنت ملامح أروى.
"كده يا جاسر، شايفه جوزك يا جنه."
ضحكت "جنه" بخفوت، فضحكت السيدة "صافية" وهي تنظر إليهم، وتنظر إلى ابنتها، تدعو لها الله، أن يديم عليها هذه السعادة.
علقت عينين صابر بحفيدته، وهو ينهض عن مقعده يلتقط منهم الصغيرة هاتفاً.
"هاتوا حفيدتي، تعالي يا أروى خدي شيليه."
تهللت أسارير أروى والتقطت الصغيرة من عمها، فدلف "هاشم"، ينظر نحوهم بعدما استمع لصياحها بهم.
"مين مزعل مراتك."
"شفت يا هاشم، مكنوش راضيين أشيل رهف."
"بكرة مش هنخلي حد يشيل ولادنا يا حبيبتي."
تخضبت وجنتاها بحمرة الخجل، واقترب منها يلصقها به، فعلقت عينين أشقائها بها.
"ابعد إيدك عنها."
وهاشم يهتف صارخاً بهم، فانفجر الجميع ضاحكين بقوة.
"والله مراتي، إيه المعاملة الوحشة دي، يا ولاد حسن المنشاوي."
خرج الجميع من الغرفة أخيراً، فاقترب منها بلهفة يزفر أنفاسه براحة.
"يااا أخيراً بقينا لوحدنا."
"مبسوط يا جاسر."
طالعها بسعادة وهو يلتقط كفيها يلثمهما.
"أنا أسعد راجل في الدنيا يا جنه."
اتسعت ابتسامتها، وهي تطالعه، لا تصدق إن هذا الرجل بقوته ومكانته، زوجها وحبيبها.
"بحبك."
"بحبك، ودلوقتي كمان، ده أنتِ جبارة يا جنه."
ضحكت مرغمة وهي تستمع لكلماته التي فهمت مغزاها، فقربها منه برفق.
"هنجيب فارس أمتى بقى."
وقبل أن تبعده عنها وتهتف باعتراض، كان يخرسها بطريقته، هامساً بحب وهو يبتعد عنها.
"هدفنا الجاي هو فارس، ويمكن نسجل هدفين مرة واحدة."
وسرعان ما كانت تتعالى ضحكاته، وهي تدفعه عنها صارخة به.
اتسعت ابتسامة "صفا" بعدما انتهت محادثتهم مع أفراد العائلة، أغلق "أحمد" حاسوبه مبتسماً هو الآخر يضمها إليه، يمسد فوق بطنها.
"ولاد عامر وبنت جنه خطفوا قلبي، عقبالنا يا حبيبتي."
ابتعدت عنه، تشعر بالشوق لتلك اللحظة التي ستصبح فيها أماً.
"هكون أم حلوة صح."
وأخذت تخبره عما ستفعله مع صغيرها الذي اختارت اسمه على اسم والدها، فاتسعت ابتسامته وسرعان ما كان ينفجر ضاحكاً.
"إيه كل الأحلام دي، اللي مستنية تحققيها معاهم."
مطت شفتيها في استياء، تجذبه من قميصه بطريقة شرسة.
"من غير اعتراض، هتنفذ كل طلباتي."
تعالت ضحكاته، وهو يبتعد عنها.
"مش عارف ليه بقيتي شرسة يا صفا، هو أنتِ حامل في نمر مفترس."
تجهمت ملامحها، وهي ترمقه بتوعد وعادت تقترب منه بشراسة، فانسحب من جوارها.
"كل أوامرك وأوامر حسن باشا هتتنفذ بالحرف."
استرخت ملامحها، وتسطحت فوق الأريكة تفرد ساقيها، طالعتها وهي تلتقط حبات الفواكهة تلتهمها، وتلوح له بيدها الأخرى.
"أبعد كده خليني أتفرج على التلفزيون، المسلسل بدأ خلاص."
صدح صوت التلفاز مع أحد المشاهد القوية، ليبتعد من أمامها، يطالع المشهد الدموي في صدمة.
"مصاصين دماء يا صفا، وأنا بقول ليه التوحش ده."
وعند كان يغلق لها التلفاز، مقترباً منها حتى ينهضها من فوق الأريكة ولكنها كانت هي من تجذبه إليها تهمس له بوداعة، بعدما تقلب مزاجها وعادت تشتهيه.
"هو أنا قولتلك إني بحب النهارده."
ضحك مرغماً من تقلبها الذي أصبح لذيذاً وممتعاً، يهمس لها.
"وكمان بقيتي مجنونة يا حبيبتي."
والجنون قد أصبح شيئاً أساسياً في حياته، بل أصبح هو طعم الحياة بينهم.
***
تمت بحمد الله
بقلم (سهام صادق)