تحميل رواية سطور عانقها القلب بقلم سهام صادق pdf
بقلم سهام صادق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
العرق يتصبب فوق جبينه وأنفاسه تتعالى وكأنه في سباق. إنها هنا أمامه، يمد لها يديه، يُطالبها ألا ترحل. ولكن، إنه حلم يسرق منه راحته ويعيد الذكريات إليه. فتح عينيه ينظر حوله في ظلام الغرفة، ثم أخذ يلتقط أنفاسه بصعوبة، يهتف باسمها مردداً بشوق وحرقة تعتصر فؤاده منذ رحيلها. "مها." وهكذا كان يتكرر حلمه بها. لم ينساها يومًا، بل أصبحت أسيرة أحلامه. نهض من فوق فراشه بعدما مسح حبات العرق من فوق جبهته، واتجه نحو الشرفة المفتوحة ليقف داخلها يزفر أنفاسه ببطء وعيناه تتعلق نحو السماء وقد لمعت النجوم بها. وذكرى...
رواية سطور عانقها القلب الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سهام صادق
وهل تتوانى المرافقة في عملها، بالطبع لا.
السيد الكبير قد جاء هو بذاته، ملامحه كانت قاتمة، وعيناه رصدتها بنظرات سريعة.
فتركت "صفا" ذراع السيدة الكبيرة وتراجعت خوفاً من نظراته صوبها.
وبعبارات سريعة، وهو يسند والدته، بعدما أعطاها حبة الدواء سريعاً، كانت المرافقة تسرد عليه ما حدث، وإصرار السيدة الكبيرة على اصطحاب هذه الفتاة معهم.
توترت صفا، وهي ترى نظرات "عامر" تعود إليها.
وبهمس خافت بسبب ربكتها، كانت تهتف عبارتها وتسرع في خطواتها مغادرة.
- الحمدلله إني اطمنت عليكي يا ناهد هانم، مضطرة أمشي لأني اتأخرت.
تحركت بضعة خطوات، ولكن تجمدت في خطوتها وهي تستمع لصوته الذي صدح خلفها.
وقد اتسعت ابتسامة المرافقة، فالسيد سيصب غضبه أخيراً عليها، وليست هي، بعدما خشيت من صمته.
- اسمك إيه؟
شعرت بالحزن لفقدها وظيفتها، ولكن شجعت نفسها والتفت نحوه بقوة.
فهل سيطردها لأنها اقتربت من والدته؟ وما دام سيتخذ قراراً ظالماً من رجل متعجرف مثله، فلتنال شرف القوة أمامه.
- صفا.
- سيبها يا عامر، البنت هتتأخر على أهلها، أنا اللي طلبت منها ترافقني.
خرج صوت "السيدة ناهد" بعدما هدأت وتيرة أنفاسها واستطاعت أن تتحدث.
لم تدع له "صفا" مجالاً لحديث آخر، وسارت من أمامه.
فقد فعلت ما أرادته مع هذه السيدة، وقد فرحت لسعادتها وهي ترافقها.
سارت أمامه دون أن تنتظره أن يهتف بشيء آخر.
وضع والدته داخل السيارة وجلست جوارها المرافقة.
وانطلق بعدها عائداً لداخل المزرعة.
ولكن وقوع عينيه عليها وهي تسير بالطريق بخيلاء، جعل عينيه تحتد.
فهو لن يمرر لها تجاهلها، فما دام عاملاً لديه سيعرف كيف يعلمها أن تنتظر سماع حديثه حتى يصرفها هو.
وقعت عيناها على عمتها وقد خرجت للتو من باب المنزل تضع فوق خصلاتها حجابها بعجالة، بعدما شعرت بالخوف عليها.
أسرعت نحوها "صفا"، فتنفست عمتها براحة تضمها إليها.
- إيه اللي آخرك يا صفا، ده أنتي خارجة من المزرعة بدري النهاردة.
عمك صابر خرج يدور عليكي.
وبأنفاس متقطعة، وبصوت حزين.
- أنتِ أمانة أخويا يا بنتي.
تلمعت الدموع في عينين "صافية"، فتمالكت "صفا" دموعها حتى لا تذرف الدموع أمامها وتبكي معها.
- أنا كويسة يا عمتي، خلينا بس نكلم عمي صابر ونقوله إني رجعت.
دلفِت مع عمتها، فاسرعت "جنه" نحوها بلهفة بعدما خرجت من المطبخ الصغير.
- صفا، كنتي فين؟
والسؤال كان يتكرر لها من العم صابر، ولم يكن عليها إلا أن تخبرهم بما حدث على طاولة طعامهم الصغيرة.
- ربنا يستر يا بنتي، والبيه ما ياخدش الموضوع من ناحية تانية.
وأردفت "صافية" بقلق.
- أنا بسمع إنه راجل صعب قوي، وقلبه قاسي.
- أنتِ هتخوفي البنت يا صافيه.
وبحنو أبوي، كان يطالعها "العم صابر".
- متخافيش يا صفا، أنتِ ساعدتي ست كبيرة، حبيتي تتمشى معاها عشان تفرحيها.
وهنا كان يخرج صوت "جنه" التي تركت باقية الحديث ولم تركز إلا في ربط الأمور ببعضها.
- على كده حلو زي أخوه يا صفا، أبو عيون زرق، ولا راجل عجوز.
اتسعت حدقتا "صفا" من غباء ابنة عمتها، ولكن سرعان ما كانت تتلاشى صدمتها، تنظر لها بشماتة، بعدما لطمتها عمتها بحذائها هاتفة.
- بنت قليلة الأدب.
ذهبت "صفا" لعملها بملامح سعيدة، وقد تناست ما حدث ليلة أمس.
فقد رأت والديها في حلم جميل، يبتسموا لها يخبروها أنهم معها ولم يتركوها.
صحيح استيقظت في الصباح تبحث عنهم وقد سقطت دموعها، ولكن عمتها أخبرتها إنهم مرتاحون في قبرهم ولا يريدون إلا سعادتها.
- كل ده تأخير يا صفا.
طالع "السيد فتحي" الذي وقف في الغرفة يدور بها يُحادث نفسه، فعن أي تأخير يتحدث وهي لم تتأخر سوى خمس دقائق.
- معلش يا أستاذ فتحي، دول خمس دقايق بس.
- انتِ هتفضلي ترغي معايا، نضفي بسرعة المكتب، البيه بيمر في المزرعة.
دفع إليها قطعة القماش والمكنسة، وانصرف بعدها.
وقفت تنظر لما دفعه إليها، وقد ضاقت عيناها، ولكن سرعان ما كانت تُخبر حالها بالصبر، فلن تجد وظيفة في البلدة إذا أضاعت وظيفته.
بدأت في تنظيف المكتب ولكن بلكاعة عناداً لهذا الرجل، ولكن توقفت مكانها مفزوعة وهي تستمع لصوت "فتحي" يُرحب بالسيد الكبير.
- اتفضل يا عامر بيه.
وعامر لم يكن هدفه إلا ليرى هذه الفتاة.
وجدها واقفة جوار مكتب "فتحي" تنظفه.
- ابعدي كده يا صفا، خلي البيه يقعد في مكانه.
واندفع نحو المقعد، ينظفه له.
فاقترب عامر من المقعد بعدما رمق الواقفة، ومن نظرته لها فهمت ما أراد إيصاله لها، ولكنها لم تعبأ بنظراته.
- اعملي قهوة للبيه يا صفا.
- مبعرفش أعمل قهوة يا أستاذ فتحي.
فاتسعت عينا "فتحي" ذعراً، بعدما سمع عبارتها.
- قهوة سادة يا فتحي، أكيد عارف قهوتي.
التف "فتحي" نحو "عامر" بعدما رمق صفا بنظرة قوية وصرفها برأسه.
- يلا يا صفا، اعملي قهوة للبيه.
كرر "فتحي" عبارته، متجاهلاً ردها، وأقسم داخله، إذا تحدثت بشيء آخر سيطردها.
ابتعدت تعد القهوة، ومن نظرات "عامر" إليه، توتر فتحي واقترب منه يُخبره عنها.
أعطاه "فتحي" تفاصيل حياتها، وقد كانت تستمع لحديثه دون أن تهتم، ولكن عندما ذكر حادثة والديها وأنها فتاة يتيمة، أشفق عليها.
كانت معالم الحزن ترتسم فوق ملامحها، فالتفت بجسدها نحوهم، لتتعلق عيناها بعيني هذا الرجل الذي جلس يترصدها.
توقف "محسن" جوار غرفة ابنته، يستمع إليها مع شقيقته، وهي تعد حقيبتها من أجل الذهاب لفرع شركة الآخر بمدينة الإسكندرية.
- كده يا فريدة، عايزة تبعدي.
- يا عمتو، ديه إسكندرية، يعني مش مكان بعيد.
واقتربت منها تمازحها.
- ما أنا كنت بدرس بره، واتعودتوا على عدم وجودي.
- بس بقيت متعلقة بيكي يا حبيبتي، ومبقتش أقدر أتخيل البيت من غيرك.
تأثر "محسن" من الحديث الذي يسمعه، فقد أضاق الدائرة حول ابنته، بعدما رفضت أن تتزوج "عامر السيوفي"، ولم يكن الحل أمامها إلا أن تبتعد عنه.
أراد أن يتراجع ويترك لها الحرية، فليس لديه إلا هي.
- متزعليش من محسن يا حبيبتي، هو يمكن تفكيره غلط، ومش قادر يفهم إنك كنتي بتحبي أحمد.
- هو اللي أجبرني يا عمتو.
تحدثت بها "فريدة" بعدما أغلقت حقيبتها ووضعتها جانباً، وأردفت بملامح حزينة.
- أتزوج إزاي واحد كنت بحب أخوه.
- صحيح عامر كبير عنك يا فريدة، وشكله من بره يوحي إنه راجل صعب، بس حقيقي يا بنتي أنا احترمته، بعد اللي عمله معاكي.
انتبهت حواس "محسن" بعدما تحرك من مكانه، ولكنه توقف يستمع لباقية الحديث.
طالعت عمتها، ولم يكن شعورها هي الأخرى مختلف نحو هذا الرجل.
- أنا كمان احترمته، كفاية إنه مشوهش صورتي ولا استغل اللي حصل وفضحني قدام بابا، بعد كلامه السخيف.
وأردفت بملامح مستاءة، كارهة لما فعلته.
- أنا مش قادرة أتخيل إني كان مهم يحصل علاقة بينا، لولا إنه كان متأكد إني في حالة غريبة.
اتسعت عينا "محسن" لا يستوعب ما يسمعه.
هل كانت ستحدث علاقة بين ابنته وعامر السيوفي؟
- أنتِ بتقولي إيه؟
تجمدت ملامح "فريدة" و "كريمة" التي تجمدت عيناها هي الأخرى نحو شقيقها الذي دلف الغرفة.
وعلى ما يبدو إنه استمع لحديثهم.
- بابا، أنت مش فاهم حاجة.
وهنا كان يصرخ بها محسن.
- جوازك من عامر السيوفي هيتم يا فريدة.
انتفضت "صفا" من مكانها بخوف، بعدما جاء أحد العمال يُخبرها عن سقوط زوج عمتها بالأرض وعمتها منهارة لا تقوى على الحركة.
تركت كل شيء واندفعت مع العامل في إحدى السيارات الخاصة بنقل صناديق الفاكهة.
هرولت راكضة بعدما هبطت من السيارة ودموعها تغرق خديها، فلم تعد تتحمل فكرة الفقد والفراق ثانية.
وجدت الجميع متجمع حول جسد زوج عمتها الواهن، وعمتها تجلس جواره باكية.
وقعت عينا الواقف بشموخه عليها، وهي تجثو فوق ركبتيها تخبر زوج عمتها.
- هتكون كويس، متسبنيش أنت كمان.
ابتسم نحوها صابر يُحاول التقاط أنفاسه.
- متخافيش يا بنتي.
- فين عربية الإسعاف يا فتحي؟
ويفتحى يقترب منه خائفًا.
- على وصول يا عامر بيه.
كان يوم عصيب عليهم، يوم أنهكهم من شدة البكاء والخوف.
تركت "السيدة صافية" زوجها يرتاح فوق فراشه، وخرجت من الغرفة متجهة نحو غرفة الفتيات.
فوجدتهم يجلسون بملامح باهتة حزينة.
- محضرتوش لينا العشا يا بنات.
انتبهت "جنه" على صوت والدتها، واطرقت رأسها حزناً.
- مين ليه نفس يا ماما.
فطافت من عيني "صافية" دمعة حاولت إخفاءها، ولكن دموعها أخذت تنساب فوق خديها.
أجهشوا ثلاثتهم في بكاء مرير.
- خوفت على أبوكي النهاردة، كنا هنعمل إيه لو راح مننا يا بنتي.
تعالت شهقات "جنه"، أما صفا ابتعدت عنهم، تختلي بنفسها، فقد اقتحم ذلك اليوم عقلها رغم اقترب عام على وفاتهم.
- الدكتور بيقول، لو الموضوع اتكرر تاني... بابا هيحتاج عملية ضروري.
طالعتها "صافيه" وقد علمت معنى العجز اليوم، تفرد يديها فوق فخذيها.
- كنا هنجيب فلوس منين يا بنتي، ربك رحيم بينا.
قد عاد الأسد لعرينه ثانية، هكذا كان يتحدث موظفوه وهو يدلف من باب الشركة، يسير بخيلاء وبقوة تحت نظرات كل من يراه.
دلف سكرتيرته خلفه، تهتف بترحيب، واقتربت منه تضع الملفات فوق سطح مكتبه.
- محتاجين توقيعك يا فندم.
وقبل أن ينظر بهم، كان "محسن" يدلف لغرفته.
ومن نظرة عينيه، كان يفهم سبب حضوره اليوم.
أصرف سكرتيرته بنظرة من عينيه، فغادرت على الفور وأغلقت الباب خلفها.
- تليفوناتك مقفولة، الظاهر مكنتش عايز حاجة تزعجك في إجازتك.
تمتم "محسن" حديثه وعلى وجهه علامات الضيق، فنهض عامر عن مقعده، واقترب منه يرمقه بجمود.
- خير يا محسن بيه.
ومحسن يهتف بغضب، وقد اقترب منه هو الآخر.
- مش عيب يا باشا، أعرف الحقيقة كاملة من دردشة ستات.
هل ستأتي عروس السيد الكبير اليوم؟
الكل كان يتحدث أمامها، ولكن "ناهد" لم تكن تهتم بالأمر، فزواج عامر خاصة بتلك الطريقة، وراءه شيء خفي.
ولكنها كانت تشعر بالحزن أن تسمع الأمر من الخدم.
وأخيراً دلف غرفة والدته، بعدما صرف المرافقة لها، مشيراً لها أن تُغادر الغرفة.
أسرعت في تلبية أمره، بعد أن نالت الجالسة فوق فراشها كأس الماء، وارتشفت منه.
- أكيد سمعتي إني هتجوز النهارده.
الجواز من غير حفلة ومقتصر على بعض المعارف في بيت والدها، لكن قريب هنعمل حفلة هنا.
ألقى عبارته، والتف بجسده مغادراً.
- هتتجوز جوازة مش مقتنع بيها.
تمتمت بها "ناهد"، ودون أن تترك له مجالاً للجواب عليها، أردفت متهكمة.
- مش هي دي البنت اللي خليت الخدامة تعرفها عليا، وكنت بتسعى إنك تجوزها لأحمد.
- ناهد هانم.
هتف بحدة، ومسح فوق وجهه، فهو بالكاد يتحمل أمر هذه الزيجة التي ظن إنه تخلص منها، ولكن "محسن الصواف" كان مصراً عليها وهو يعلم هدفه الذي لن يحققه.
تأكدت "ناهد" أن هذه الزيجة وراءها شيء، شيء أجبر ولدها البكر، بأن يتخذ قرار الزواج بعد هذا العمر.
- مبروك يا بني.
قالتها بهدوء، ولم تكن تنتظر أن يجيبها.
استمعت لصوت الباب وهو يُغلق، فتنهدت بأسى.
- كان نفسي تتجوز واحدة، تاخد قلبك يا عامر وتكون فرحان بيها، يمكن قلبك يلين عليا يا بني.
طالعته "أميرة" بابتسامة واسعة، وهي تدير مفتاح سيارتها التي دارت على الفور.
- أنا مش عارفة أشكرك حقيقي إزاي.
وخرجت من سيارتها، تهتف بكلمات شاكرة.
فوقفت عيناها على قميصه الذي اتسخ.
- من حظي إن السيارة بتاعتك بتمر من هنا، ومن سوء حظك إن وقفت بعربيتك عشان تساعدني.
يضحك "أحمد" على عبارتها، ورفع كفه نحو وجهه يمسحه، ولكنها أسرعت تمسح عنه عرقه.
- ايدك مليانة شحم.
حركت أناملها بخفة فوق جبينه، واقتربت منه حتى لم يعد يفصلها إلا أنفاسهم.
ابتعد عنها مبتسماً.
- زي ما قولتلك العربية محتاجة تروح لميكانيكي.
أومأت له برأسها متفهمة، وعادت تشكره مجدداً.
- خلاص كفاية شكر يا بشمهندسة.
وانصرف بعدها، بعدما أخبرته إنها ستكون في المطعم الذي يزوره.
- هستناك.
تمتمت بها، بعدما لوحت له بيدها، فانطلق بسيارته ولا شيء يشغل باله إلا نجاحه هنا.
وهكذا كانت تسير "أميرة" في خطتها، ببطء وذكاء، وهذه هي الخطوة الثانية لها، وقد اختارت بذكائها الموقع الممتاز.
توقفت خلفها عمتها بعدما خرجت مصففة الشعر.
ابتسمت لها ببهوت، فهتفت فريدة وهي تطالع نظراتها لها عبر المرآة.
- مكنش نفسك أكون زيك.
وأردفت بحزن، وهي تقاوم دموعها وتعود قوية كما كانت.
- أظاهر إن نصيبي نفس نصيبك يا عمتي.
ضمته "كريمة" نحوها بقوة، تخبرها إنها أفضل وأقوى منها.
- أنتِ أقوى مني يا فريدة، كان نفسي تكوني فرحانة بجوازك يا بنتي.
وأردفت بأسى بعدما ابتعدت عنها فريدة.
- كان نفسي أفرح بيكي، وأشوف السعادة في عنيكي.
ولكن أين هذه السعادة، وأين هي فرحتها.
ووالدها يقترب منها يمدّ لها ذراعها غير عابئ بما فعله بها ودفعها نحو هذه الزيجة التي تمناها.
- كفاية كلام يا كريمة، المأذون وصل.
ولم تكن تستوعب أين أخذتها قدماها، حتى سمعت والديها يُخبرها أن توقع اسمها.
التقطت عيناها بذلك الذي جلس يطالعها بجمود يعرف كيف بظهره أمام الناس.
وفي خطوات هادئة، كانت تدلف برفقته منزلها.
سار أمامها صاعداً الدرج دون أن يعبأ بوقوفه، ولكنه كان يشعر بالاختناق.
لا يعلم ما هو السبب ولكنه كان يختنق من الداخل.
"عامر السيوفي" بكل ما يملكه لم يكن سعيداً.
وقف أعلى درج ينظر إليها بهدوء.
- اطلعي يا فريدة.
صعدت خلفه ببطء، تنظر حولها في المكان الخالي.
وقد أصرف هو العاملين من المنزل عدا مرافقة والدته لأنه لم يكن يريد أحداً بالمنزل هذه الليلة.
اقترب من إحدى الغرف يُشير إليها.
- ديه أوضتك.
ابتسمت بتوتر وهي تتقدم من الغرفة، ولا تعرف ما ستقوله له، ففضلت الصمت.
- تصبحي على خير.
وببساطة كان يُكمل حديثه، متجهاً نحو غرفته.
تنفست براحة، ودلفت الغرفة.
فلم يحدث ما أراده والدها، والسيد محسن كان لا يريد إلا إتمام الزيجة فعلياً.
- لا يا صابر مش هتنزل الشغل، أنت مش شايف نفسك تعبان إزاي.
- ولما أقعد من الشغل، مين هيصرف يا صافيه.
هتف بها صابر بعدما نهض من فوق فراشه بصعوبة ولكنه تظاهر إنه بخير.
- أنا بشتغل، وجنه كلها شهر وتتخرج وتساعدني.
احتدمت معالم صابر، ولأول مرة كان يصرخ بها.
- شايفاني مش راجل قدامك يا صافيه.
خشيت "صفا" الاقتراب منهم، بعدما سمعت صوتهم المحتد.
توقفت عن تناول فطورها.
- انت سيد الرجالة يا صابر، بس أنت لسه تعبان يا أخويا.
ابتسمت "صفا" وقد أعجبها هدوء عمتها وامتصاصها لغضب زوجها.
- عارف يا أم جنه إنك خايفة عليا.
واقترب منها يمسح دموعها التي علقت بعينيها، يضمها إليه، ويلثم رأسها.
- لو تعبت يا صافيه، هروح، لكن لو فضلت قاعد هخسر مصدر رزقنا يا صافيه.
وفي النهاية كانت ترضخ لعناده.
دلفِت "فريدة" لغرفة "السيدة ناهد"، تنظر إليها والمرافقة تطعمها وجبة غدائها.
يومان مرا على تلك الزيجة، وقد غادر اليوم عامر لعمله.
فتذكرت حنقه من والدها الذي تسأل لما لم يذهبوا لعطلة زواج يريحوا بها أعصابهم.
فتتركتها هي الجواب له، حتى يجيب والدها، والإجابة إنها ليس متفرغ لهذا الهراء.
ضحكت داخلها وهي تتذكر ملامح والدها، ولكنها كانت سعيدة مما يفعله عامر، أمامه وقد اتفقوا على هذا الأمر حتى يشعر والدها بذنبها وما اقترفه.
- صباح الخير.
- قصدك مساء الخير.
ارتفع حاجب "فريدة" في دهشة وهي تستمع لردها عليه، ولكنها تجاوزته.
فمهما كانت هي سيدة عجوزها ضريرة.
- أخبار حضرتك إيه النهاردة.
التفت "ناهد" نحو الصوت، وتمتمت بهدوء.
- بخير.
- قولت أجي أسأل عن حضرتك.
والعروس أخيراً، قد تذكرت حماتها، هكذا حادثت "ناهد" حالها.
ارتبكت "فريدة" من نظرتها وعباراتها المقتضبة، فلم تجد إلا ما هو بارعة فيه، وهو النقد ولقاء الأوامر على الخادمة.
كانت "ناهد" تستمع إليها، ولم تكن ترى فيها إلا شبابها، وإذا استطاعت أن تملك قلب ابنها، ستكون هي القوي المسيطرة وسترهقه من دلالها.
وقفت "صفا" جوار فراش العم صابر، الذي عاد مبكراً من العمل واستطاعت العودة معه بعدما أذن لها "السيد فتحي" لترافقه.
- أنا بشتغل وعمتي بتشتغل، ليه عايز تتعب نفسك يا عمي.
ابتسم "صابر" بوهن، يرمقها بحنان.
- وأكون عبء ليكم يا بنتي، بدل ما أريحكم.
فالتقطت "صفا" كفه تمسح فوقه.
- وجودك وسطنا ده أهم حاجة.
وفي تلك اللحظة كانت تندفع جنه لحضن والدها بعدما أتت من الجامعة، تخبره بحبها لها وإنها لا تتخيل العيش دونه.
تناولت طعامها بهدوء، تنظر إليه من حين لآخر، حتى زفرت أنفاسها ضجراً.
فرفع وجهه عن طبقه يسألها.
- في حاجة عايزه تتكلمي فيها يا فريدة.
تركت شوكتها، ونظرت إليه بحماس.
- عايزة أرجع شغلي من تاني.
- مش شايفه إن نزولك للشغل مينفعش حالياً.
أومأت برأسها له متفهمة.
- يعني مش معترض على الفكرة، وتقولي لما ننفصل الأول.
ابتسم إليه، رغم إنه قليل التبسم، إلا إنه لم يكن يريد ظلمها كما فعل والدها.
- طبعاً مش معترض يا فريدة، جوازنا مصيره معروف، فمش هقف قدام مستقبلك.
وبفضول كانت تسأله.
- يعني سؤال مستقبلي شوية.
فانتظر سماعها، فتعلقت عيناها به.
- لو لقيت شريكة حياتك اللي بتدور عليها صح، هتخليها تشتغل وتدور على مستقبلها.
وبتملك عجيب كان يُجيبها، بعدما مسح شفتيه ونهض عن طاولة الطعام.
- الست اللي هتجوزها هتكون ليا أنا وأولادنا وبس، مستقبلها هيكون إحنا.
ألقاها وانصرف، فقطبت حاجبيها، تتذكر حديث "أحمد" المختلف عنه.
دلف لغرفة والدته، بعدما أخبرته المرافقة لها إنها تريته.
شعرت بوجوده فاخبرته بصراحة.
- اتجوزت نسخة مني يا عامر.
تجاهل عبارتها، وتسأل.
- المرافقة الجديدة، قالتلي إنك عايزاني.
ابتسمت وهي تراه يتجاوز حديثها، وقد علمت إن الأمر لا يعنيه من صفات فريدة، فبالتأكيد لن تظل هذه الفتاة طويلاً معهم.
- مش عايزة المرافقة الجديدة.
- ليه؟
انتظر أن تخبره بعدما حبها للمرافقة الثانية التي أتى بها بعد حنان، ولكنها لم تعطيه الجواب.
- هات لي البنت اللي شفتها في المزرعة.
قطب جبينه يُحاول أن يتذكر من هذه الفتاة التي تقصدها، ولكنه كيف ينسى تلك الفتاة صاحبة النظرات القوية التي لا تهتم بأحد.
دفنت وجهها بين الدفاتر، ذلك العمل المميت الروتيني، الذي أصبح يغمسها في حياة لم تكن تحلم بها يوماً.
دلكت جبينها وعنقها من شدة إرهاقها.
إرهاق أصبح مصاحب لها من تفكيرها الشديد، في المال الذي يحتاجه زوج عمتها من أجل دوائه الباهظ.
دلف "السيد فتحي" المكتب وعندما وجد بضعة سندوتشات أمامها ولم تمس شيئاً منهما، اقترب يلتقط منها أحدهم يقضمه.
- عندي ليكي خبر حلو يا صفا.
اتسعت عيناها فرحاً، ووقفت من مكانها تسأله.
- هتسمح لعمي صابر يشتغل نص يوم، وتديله يوميته كاملة.
- هو أنا فاتحة جمعية خيرية، لعيلة صابر.
تدلت كتفيها بخيبة من هذا الرجل، الذي لا يشعر بسلاطة لسانه، فقدت حماسها وعادت لمكانها، تزفر أنفاسها بقلة حيلة.
- مسألتش يعني إيه الخبر السعيد يا صفا.
- هو في حاجة تفرح يا أستاذ فتحي.
وهتفت داخلها حتى لا يسمعها.
- مافيش خبر بيجي منك يفرح.
- الهانم الكبيرة، عايزاكي تشتغلي عندك.
اتسعت حدقتاها، بعدما رفعت عيناها نحوه، بل تستوعب ما تفوه به.
- البيه طلب مني، أعرض عليكي شغل في القصر عنده.
مرافقة للهانم الكبيرة.
انتظر "فتحي" سماع موافقتها، ولكنها ظلت واقفة تحدق به لا تستوعب ما يتحدث عنه.
- ديه فرصة متتعوضش يا صفا.
فرصة تساعدي بيها جوز عمتك الغلبان.
واقترب منها يُخبرها عن الراتب الضخم الذي تحصل عليه، وعن العيشة التي ستعيشها في هذا القصر.
رواية سطور عانقها القلب الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سهام صادق
ظلت الأنظار عالقة بين ثلاثتهم، إلي أن هتفت عمتها، بعدما بدأت تستوعب ما تفوهت به ابنة أخيها:
- لاء ياصفا، أزاي أوافق تعيشي بعيد عني.
وأردفت متحسرة علي الحال الذي اصبحت فيه ابنة شقيقها:
- عايزة تبقي مرافقة، مش كفاية بهدلتك في شغل المزرعة.. ده أنتي مكنتيش متعودة علي البهدلة دي يا بنت الغالي.
تمتمت بها "صافيه" وذرفت دموعها،
فاردف "صابر" بعجز وألم بعد حديث زوجته:
- ليه يابنتي عايزة تحسسيني إني خلاص بقيت عاجز؟
فاسرعت صفا نحوه، تقبل كفيه:
- أنا شوفت الست دي، وحبيتها.. مش يمكن ربنا بعتني ليها.
وبقلة حيلة ونواح كانت تهتف صافيه:
- أقول لأخويا الله يرحمه إيه، أقوله إني مقدرتش أتحمل مسئولية بنتك.. أقوله سيبتها للدنيا تلطش فيها.
وصابر لم يكن حاله أقل منها، إنه يفهم سبب اقتناعها بهذا العمل.. العمل الذي عرضت عليه زوجته أن تعمل به منذ أشهر ولكنه رفض.. انتظرت "صفا" جوابهم فليس لديها فرصة إلا في هذا المنزل بذلك الراتب الضخم الذي أخبرها به فتحي.
نظرت "صافيه" نحو زوجها القابع مكانه بضعف، تتوسل اليه بنظراتها بأن يقول شيئاً، يجعلها تتراجع عن تلك الوظيفة، طالع "صابر" تلك الواقفة تنظر إليه برجاء، فإذا اقتنع هو ستقتنع عمتها:
- فكري تاني ياصفا يابنتي، وأوعي للحظة تفتكري أنك عبء علينا يا بنتي.. حسن الله يرحمه كانت جمايله كتيرة عليا.
ولكنها كانت مُصرة على الذهاب، حتى تحصل على الأموال التي ستساعدهم بها:
- يمكن تكون صفحة جديدة من حياتي، ولو مرتحتش أوعدك هرجع علطول.
وبوعد أخذوه منها، كان يوافقوا.. فليس بيدهم شيء ما دام هي تريده.
دمعت عينين "صافيه" فاقتربت منها تحتضنها بقوة، تؤكد لها.. إنها إذا لم تجد حالها في هذا العمل.. ستعود للقرية.. كما أن "السيد فتحي" وعدها أن وظيفتها هنا ستظل محفوظة.
***
ظلت طيلت ليلتها، تتقلب في فراشها وتسأل نفسها سؤالاً واحد؟
هل ستستطيع تحمل ما هو قادم، فالعمل في قصر كبير لدى هذا الرجل الذي جعلها تخافه، منذ أول لقاء لها معه لن يكون سهلاً عليها.
أغمضت عينيها، وقد بدأت أحلامها تسير أمام عينيها، تتذكر أحلامها الوردية بأن تصبح يوماً ما ذات شأن في شركة كبيرة خاصة بمجالها، وابتسامة حزينة ارتسمت فوق شفتيها وهي تتذكر.. كم كانت تظن أن الحياة تفتح لها ذراعيها وتنتظرها حتى تحقق لها أحلامها، ولكن أحلامها جعلتها تغفل عن الحقيقة.. فالأحلام ليست سهلة المنال.
فتحت عينيها وتنهدت بثقل، تنظر لسقف الغرفة كعادتها:
- هتقدري تستحملي اللي جاي ياصفا؟
اقتربت منها "جنه" بعدما شعرت بها، وكانت مثلها قد جفاها النوم:
- وافقتي على الشغل عشان علاج بابا يا صفا مش كده؟
وسقطت دموع "جنه"، وقد تذكرت أعمامها:
- إزاي في ناس قلبهم قاسي كده، عمرهم ما فكروا يسألوا على أخوهم.. عايشين في العز، وأخوهم مش لاقي حق العلاج، وبيشتغل مجرد فلاح في الأرض.
اعتدلت "صفا" في رقدتها، واحتضنتها.. وهي أيضاً لا تستوعب كيف لأخوة يفترقون عن شقيقهم لأنه تزوج من امرأة لم يريدوها في عائلتهم لأنها فقيرة ولم تكن هذه المرأة إلا عمتها:
- أنتم مش محتاجينهم يا جنه.. ديما حطي في راسك كده.. الناس اللي تبيعك بعيهم.
مسحت "جنه" دموعها.. وقد ابتسمت على حديثها.. ومازحتها حتى تزيل هذا البؤس قليلاً عنهما:
- يعني أبيعك يا صفا، مدام هتبعينا وتبعدي؟
يدفعتها "صفا" عنها، وقد فصلتها عبارتها.. تلتمع عينين "جنه" بعدما اعتدلت من وضعيتها:
- بتبصيلي كده ليه؟
- أنتِ هتروحي تشتغل في قصر السيوفي، يعني أبو عيون زرق هتشوفي هناك.
وقبل أن تهتف "جنه" بشيء، اقتربت منها "صفا" تُكمم لها فمها:
- الواحد غلطان.. إنه بيحكيلك عن مشاعره.
فتملصت "جنه" من قبضتها، واخذت تلتقط أنفاسها:
- هتموتيني عشان كنت بضحك معاكي.
- لأني عارفاكي هتفضحيني.. لكن عشان أريحك يا جنه وأبطلي جو الأحلام، الناس اللي زي دي مبتحبش غير اللي شبههم يا جنه.
قاطعتها "جنه" ثم قطبت ما بين حاجبيها.. فمن هو الذي يعيش الأحلام غيرها.. فضحكت "صفا" على هيئتها.. فهي تقصد حالها وليست ابنة عمتها التي تعيش دوماً على أرض الواقع.
***
انبسطت ملامح "ناهد" بعدما استمعت لما يُخبرها به، فلم تكن تصدق أنه سينفذ لها رغبتها بهذه السرعة.. ويجلب لها هذه الفتاة.. كما أرادت، يعني وافقت تيجي تعيش هنا.
وبكبر كان يُجيبها:
- ومتوافقش ليه، ديه هتاخد مرتب عمرها ما حلمت بيه.
تعجبت "ناهد" من حديثه، ولكنها لم تهتم بالأمر.. دلفت "فريدة" الغرفة وقد استمعت لعبارته متسائلة:
- هي مين دي اللي هتيجي هنا؟
أشاحت "ناهد" وجهها للناحية الأخرى، فتمتم هو قبل أن ينصرف:
- المرافقة الجديدة.
حركت "فريدة" رأسها، وغادرت الغرفة خلفه.. اتبعته حتى دلف غرفته ووقفت تتسأل ثانية:
- هو أنا ممكن أروح النادي يا عامر؟
- اعملي اللي أنتي عايزاه يا فريدة.
وهكذا كان يُعطيها الحرية في كل شيء.. فبدأت تشعر بالضجر من الأمر ولا تعلم السبب.
انتبهت إنه وقف يزيل عنه قميصه.. وعندما التقت عيناه.. ظن إنها ستُغادر الغرفة ولكنها اقتربت منه ووقفت امامه تزيل عنه قميصه وتُخبره بما يُعجبها به:
- تعرف إنك أكتر راجل شوفته مهتم بجسمه، حقيقي يا عامر اللي يشوفك ميعرفش يحدد سنك.
طالعها وهي تتحدث.. لقد تكيفت "فريده" مع المكان بل وبدأت تعتاد عليه وتقترب منه.
توترت وهي تراه يبتعد عنها، بعدما أزاح عنه يديها برفق.. انتبهت على فعلتها ولكن لم تكن تقصد شيئاً.. فهي اعتادت على الصراحة في حديثها:
- ممكن يا فريده، تنزلي تطلبي من الخدامة تحضر العشاء.
أومأت له برأسها وهي تعلم إنه يصرفها بذوق.. فتنهد براحة بعدما رحلت من أمامه.. يهتف لحاله وغريزته:
- أوعي تضعف يا عامر.. ما فيش ست تقدر تضعفك مهما كان جمالها ورقتها.
***
وقفت جنه تعد لها حقيبة ثيابها ببؤس، وقد أصبحت دموعها عالقة بأهدابها تخشي نزولها من أجلها من أجل أن لا تحزنها:
- أوعي تعيطي وتقلبيها دراما يا جنه.
أومأت لها "جنه" برأسها، ولكن دموعها انسابت رغماً عنها:
- بحاول أتقبل إنك هتبعدي عننا يا صفا.. لكن مش قادرة.
وبصعوبة، كانت تتحكم "جنه" في دموعها.. وحتى تُخرجها "صفا" من هذه الحالة تسالت وهي تنظر نحو الثياب:
- أختارتيلي هدوم تليق بسيدات القصور.
ابتسمت "جنه" بعدما مسحت دموعها، ورمقتها بتذمر:
- طبعاً الليدي صفا.. هتعيش في قصر وهتبقي من الهوانم.
وهكذا بدأ المزاح كعادتهم.. ولكن كل منهن كانت تفكر فيما سينتظرهم.
"صفا" التي سترحل حتى تجني المال.. من أجل مساعدة زوج عمتها في علاجه المكلف.
و"جنه" التي بدأت بالفعل تبحث عن عمل، فقد أوشكت دراستها على الانتهاء.
***
اتبعت خطوات "السيد فتحي" بعدما ترجلت من السيارة الفخمة التي نقلتها من البلدة إلى قصر السيوفي.
وفي بضعة خطوات قبل الصعود للدرج الرخامي، توقف "فتحي" مبهوراً ككل مرة يأتي فيها إلى هنا.
حيث يطلق عينيه للتحديق في ثراء أبناء السيوفي وما وصلوا إليه.
لم يكن حالها مختلفاً عنه.. فقد وقفت تلتف حولها تنظر للمكان برهبة وعدم تصديق إنهم بهذا الثراء الفاحش.. ولا تعلم لما أتتها صورة هذا الرجل.. ليس الشقيق الأكبر.. بل الأصغر الذي رأته منذ بضعة أشهر في المزرعة.. صاحب العينين الزرقاوين الذي لم يترك مخيلتها.. فكلما قرأت كتاباً يصف فيه كاتبه الشخصيات كانت ترسمه في خيالها ثم تذهب لأحلامهم وتحلم به في حلم ليس إلا سراب تصنعه لحالها.. وقد عانت لفترة من أحلامها الحمقاء بهذا الرجل حتى بدأت تتنساه.
فاقت من شرودها، وقد انتبهت على صوت "فتحي".
فتحي: طلعتي محظوظة يا صفا، عامر بيه بنفسه يشغلك هنا عنده مرافقة للست كبيرة، والله أعلم إيه تاني ممكن يحصل.
تمتم "فتحي" بعبارته الأخيرة، ولم تفهم مقصده.. فهتفت متهكمة وبصوت خافت:
- حظ، والله ما في حد عايش في الحظ غيرك يا فتحي.
- بتقولي حاجة يا صفا؟
طالعته بعدما حملت حقيبة ملابسها، بعد أن أخرجها السائق لها:
- لا يا أستاذ فتحي، أنا بقول إني هفتقد شغلي معاك.. هو في مدير زي حضرتك بيريح موظفينه.
فاندم "فتحي" من جلبابه الفخم، الذي لا يرتديه إلا في المكان التي تناسبه:
- أصيلة يا صفا، وعشان كنتي موظفة مجتهدة وبتسمي الكلام.. هوصي عامر بيه عليكي.. ما أنتي عارفة.
وقبل أن يتم عبارته، كانت تهتف بدلاً عنه بتلك المعلومة التي أصبحت تحفظها عن ظهر قلب:
- عارفه يا أستاذ فتحي، صلة القرابة العظيمة بينك وبين الباشا!
فتحت لهم الخادمة أخيراً، بعدما ضجرت "صفا" من الوقوف وسماع عبارات "فتحي" الفخورة بقرابته مع عائلة السيوفي.. وكيف كان والده صديقاً لوالد السيد عامر.
رحبت بهم الخادمة، وقد كانت على علم مسبق بقدومهم:
- عامر بيه، مستنيكم في مكتبه.
أشارتهم نحو المكتب، الذي يعلم "فتحي" وجهته.. فسار أمامها.. يفرد جسده وكأن صاحب أملاك وليس من مستخدمي هذا الرجل.
وبنبرة جامدة، كان يتسأل "عامر" بعدما رفع وجهه عن الأوراق التي أمامه:
- اتأخرت ليه يا فتحي، المفروض كنت توصل هنا من ساعتين.
فالتف "فتحي" نحو "صفا" يرمقها حانقاً.. فهي السبب في تأخيره.. بعدما وقفت تودع كل من أحبتهم في البلدة وكأنها ستُهاجر إلى دولة أخرى:
- الهانم كانت بتودع أهل القرية.
تمتم بها "فتحي" متهكماً، فرمقته بضيق لم يخف عن "عامر"، الذي نهض عن مقعده.. يسألها عن اسمها مرة أخرى:
- قولتيلي اسمك إيه؟
- صفا.
بضيق كانت تخبره اسمها، فضيق "عامر" عينيه غير مصدقاً أن هذه الفتاة تُحادثه هكذا.. رمقه "فتحي" بقوة.. ولكنها لم تكن تأبه لنظرات فتحي فلم تعد تحت رحمته وقد تركت العمل في مكتبه ودفاتره:
- أكيد عارفة وجودك هنا ليه.
- مرافقة، للهانم الكبيرة.
- يعني عارفة مهامك، ولا تحبي تسمعيها؟
وبجمود كان يسألها.. وقبل أن تُجيبه.. كان يُخبرها بقواعده في منزله.. وإذا لم تلتزم فالباب مفتوح أمامها:
- طبعاً في التزام، وأي أوامر الهانم الكبيرة تقول عليها تتنفذ.
أحتقنت ملامح "صفا" وهي تسمعه.. فطالعها "فتحي" يحثها ألا تتحدث.. فتقدم "عامر" للأمام يهتف باسم إحدى الخادمات:
- سعاد، سعاد.
وفي ثواني كانت تدلف الخادمة، تطرق عيناها أرضاً هاتفه بخوف قد ظهر في عينيها:
- نعم يا عامر بيه.
فتعلقت عيناه بالواقفة، وسرعان ما أشاحها عنه متمتماً بجمود:
- خدي المرافقة الجديدة... للهانم.
***
هل أصبحت الأيام تمر بهذه السرعة، هكذا كانت تتساءل "صفا" بعدما وقفت أمام المرآة في غرفتها تُهندم ثوبها قبل أن تُغادر غرفتها وتتجه لغرفة السيدة "ناهد".
غادرت غرفتها وهي تتمنى ألا ترى فرداً واحداً.. بالطبع زوجة ذلك المتعجرف.. تلك الفتاة التي رأتها في المزرعة من قبل برفقة الشقيق الذي رحل.. الشقيق الذي تمنت أن تراه ثانية.
دلفت لغرفة "السيدة ناهد" وابتسامة واسعة تشق ملامحها وقد وجدتها استيقظت من نومها تنتظرها:
- صباح الخير، على سيدة القصر الجميلة.
ابتسمت "ناهد" بحب، لتلك الشقية التي أعادت لقلبها السعادة.. بعدما رحلت مرافقتها الحبيبة حنان:
- أنتِ بكاشة يا صفا.
تعالت ضحكات "صفا" وهي تقترب منها:
- طيب أكذب وأدخل النار.
واقتربت منها هامسة:
- مش كفاية الذنوب اللي باخدها وأنا بتريق على وحش القصر.. والسفيرة عزيزة.
صدحت ضحكات "ناهد" هي الأخرى، وقد دمعت عيناها من شدة الضحك:
- لا عامر مش وحش يا صفا.. لكن ما فيش مشكلة إنك تقولي كده عن فريدة.
وهتفت بملامح مستاءة تُخبرها:
- ما كانش نفسي يتجوز واحدة زي.
لطمت "صفا" صدرها بطريقة درامية.. تنظر إليها:
- هو يحلم يتجوز زيك، ده أنتِ جميلة الجميلات.
وهكذا كانت تأخذها "صفا" من لحظات بؤسها:
- أنا كنت نسخة من فريدة يا صفا.
وقبل أن تهتف بشيء آخر، كانت "فريدة" تدلف الغرفة.. تنظر نحو "صفا" التي تبادلها نفس الشعور في عدم تقبلها منذ أن رأتها في المزرعة:
- أنتِ قاعدة مكانك.. وما ساعدتيش الهانم تاخد حمامها.
وسارت تدق الأرض بحذائها، ولا تُنكر "صفا" إنها انبهرت بما ترتديه، ولكن إلى أين ستذهب بهذه الملابس في هذا الصباح؟
- صباح الخير، يا ناهد هانم.
وأخيراً قد تذكرت الجالسة، فتمتمت ناهد وهي تُحاول النهوض من فوق فراشها:
- صباح الخير.
قالتها ناهد بفتور، وسرعان ما تحولت ملامحها إلى ابتسامة واسعة:
- يلا يا صفا ساعديني.
شعرت "فريدة" بالحنق من تجاهل ناهد.. واهتمامها بهذه الفتاة التي أتت من قرية ريفية:
- اهتمي ب أدوية الهانم، أنا مش هكون موجودة طول اليوم.
هتفت بها "فريدة"، فوقفت "صفا" مكانها تسمعها.. إنها ترى الحقد في عينيها مما يجعلها لا تهتم بحديثها:
- صفا بتهتم بكل حاجة تخصني يا فريدة.. متقلقيش أنتِ روحي شوفي النادي أو الشوبينج بتاعك.
حاولت أن تُداري "فريدة" حنقها من عبارة ناهد.. فهتفت قبل أن تغادر الغرفة بخطوات غاضبة:
- أنا رايحة الشركة يا ناهد هانم.. شكل حضرتك نسيتي إني سيدة أعمال.
وهكذا كان يمضي هذا الصباح مع مغادرة فريدة القصر، وخلاصهم من تسلطها المرضي.
***
- انتي بتعيطي ياصفا؟
سألت "السيدة ناهد" بقلق، بعدما توقفت يدي صفا فوق خصلاتها الناعمة التي تمشطها لها.
فابتسمت "صفا"، بعدما مسحت دموعها وهي تفيض إليها بشوقها لوالديها:
- أصل في ناس وحشوني أوي.
ضحكت ضحكة منكسرة، حزينة وأردفت بدعابة تخفي خلفها حزنها:
- وكده احنا خلصنا، وعملت أحلى تسريحة لسيدة القصر الجميلة.
فارتسمت ابتسامة سعيدة فوق ملامح "ناهد"، فهذه المشاغبة تُغير لها مزاجها وتجعلها تُحب الحديث معها.. رغم إنها ليست ممن يتقبلون الناس بسهولة.
وبحنين كانت تُخبرها "ناهد" عن شوقها لمن تركها وابتعد:
- عارفه يا صفا.. بتفكريني بأحمد.
خفق قلب "صفا" وهي تستمع لاسمها، فاردفت "ناهد" بشوق:
- كان بيحاول ديما يخليني مبسوطة، ويمدح في جمالي.. مع أني عارفة إنه راح مع الزمن خلاص.. لكنكم بتحبوا تفرحوني بأكثر حاجة بحب اسمها.
ابتسمت "صفا" وهي تستمع لعبارتها الأخيرة، فعلى ما يبدو أن "السيدة ناهد" في شبابها كانت تعشق جمالها.
وبلطف كانت تُخبرها بأكثر ما اخبرتها للتو إنها تُحب أن تسمعه من الناس:
- عندك حق يا جميلة الجميلات، هو فعلاً راح بس عشان يحل مكانه الأجمل والأحلى.
فارتسمت ابتسامة "ناهد" وقد فهمت ما فعلته تلك الماكرة الصغيرة، طيبة القلب.
بدأت "ناهد" تتثاءب، بعدما شعرت بثقل جفنيها.. فابتسمت وهي تعدل لها وسادتها ثم سطحتها برفق:
- هسيبك ترتاحي شوية.
هتفت "ناهد" قبل أن تغفو:
- هو ليه عامر مبيجيش يشوفني من ساعة ما أنتِ جيتي يا صفا.. هو عشان أطمن إن معايا حد بحبه خلاص.
وقبل أن تُكمل عبارتها، كانت تغفو دون شعور، فحركت صفا رأسها بأسى عند سماع ما تفوهت به.. ودثرتها بالغطاء قبل أن تخرج من الغرفة.
ثم هتفت لحالها متهكمة:
"كان الله في عون الأستاذ عامر، اللي مش فاضي من شدة مشاغله.. وبتزعل لما أقول عليه الوحش".
***
نظرت جنه لوجه والدتها الباكي وطالعت حجرة والدها الممتلئة ببعض الفلاحين الذين تألف وجوههم.
ألقت كتبها أرضاً واتجهت لداخل الغرفة، وقد وقعت عيناها نحو ملامح والدها الشاحبة وقد بدأ يأخذ أنفاسه بصعوبة، فبالتأكيد قد تعب والدها مجدداً.
أقتربت منها "صافيه" تضمها لصدرها تُطمئن حالها وتطمئنها:
- أبوكي تعبان أوي يا جنه، صمم يروح الأرض النهاردة.
وأكملت ببكاء وهي تحتضن غاليتها:
- أبوكي بيروح مننا يا بنتي.
***
بدأ صوت ضحكاتها يعلو لأول مرة منذ أن دلفت بقدميها إلى هذا القصر.. وما جعلها أكثر راحة هي والخدم هو عودة تلك المرأة لعملها، وبالطبع ليست إلا "فريدة" ابنة الحسب والنسب كما أصبح تنعتها الخادمات.
أخذت تلتقط أنفاسها بصعوبة من فرط ضحكاتها بسبب دعابة تلك الخادمة التي تُدعى "صباح"، تلك السيدة الطيبة، بشوشة الوجه مع الخادمة الأخرى التي تُدعى "سعاد" والأكثر اهتماماً بأمور السيد عامر، وتعد خادمته المفضلة للوحش.. كما أصبحت صفا تنعتها بهذا اللقب.
- بقي تبعتي للراجل صورة ممثلة وتقوليله إنها أنتِ.
ثم حدقت "صفا" بعينين متسعتين من شدة ذهولها، وأخذت تُقلب عينها بينهم، وعادت تنفرج شفتيها في ضحكة صاخبة مجدداً:
- الخالق الناطق أنتِ يا صباح، ياسبحان الله!
لم تتحمل "سعاد" كتم ضحكاتها، فشاركت "صفا" الضحك.. احتقنت ملامح "صباح"، والتقطت بعدها، هاتفها الغالي على قلبها والذي اشترته من مرتب شهر كامل، وبملامح ممتعضة ووجه عبوس، ثم شرعت في مضغ علكتها:
- يعني أعمل إيه ياصفا، آه بتسلي على النت لحد ما ألاقي اللي يستاهلني.
وأردفت بعدما حركت لسانها فوق شفتيها بطريقة مضحكة:
- بس الواد طلع قمر قمر يكونش عمرو سعد وأنا مش عارفه.
فحاولت "سعاد" كتم ضحكاتها ولكنها كالعادة تضحك بقوة، فعبارات "صباح" كانت تفوق مقدرتها أن تسمعه دون أن تضحك، ولم يكن حال "صباح" مختلفاً عنهم، فتعالت ضحكاته هي الأخرى:
- وحبيتي على كده ياصباح؟
تسألت "صفا" وهي تغمز لـ "سعاد" التي تأخذ دور المستمع:
- فخرجت زفرات "صباح" ببطء وبحالمية كانت تهتف، بعدما استندت بذقنها فوق كفيها:
- متحرجنيش بقي يا صفا.
ضحكوا ثلاثتهم بقوة على تلك السخافات الحمقاء التي يتحدثون عنها ولكنها ترفه عنهم... هدأت وتيرة أنفاسهم من شدة الضحك، واسترخوا على مقاعدهم بالمطبخ.. فتذكرت "صباح" المرة الأولى، التي اجتمعت بها مع "صفا" عندما جاء بها "السيد فتحي":
- بس أنا حبيتك أوي ياصفا، صحيح أنا غلست عليكي في الأول، عشان شوفتك بت قمر، وشكلك بنت ناس... والغيرة نهشت قلبي وأنا أقول إزاي القمر دي هتيجاور القرود دول.
وأشارت بيدها نحو سعاد التي قد انشغلت في إعداد إحدى الوجبات... وتابعت حديثها بمضغ علكتها تهتف، بعدما قذفتها سعاد بأحد المعالق:
- مالك ياسعاد الكلمة زعلت ليه؟.. مش أحنا قرود برضوه.. ده حتى الإنسان أصله قرد.
فتفادت "صباح" تلك الهجمة التي كادت أن ترتطم بها.
فتعالت ضحكاتهم ثانية، فلم تعد تتحمل "صفا" ألم معدتها من شدة الضحك.. فوضعت بيدها فوق بطنها ومالت بجسدها قليلاً حتى تهدأ.
وسرعان ما كان الصمت يحتل المطبخ، بعدما دلفت تلك الخادمة المخلصة للسيدة الجديدة، صاحبة اللغات، ذو أصول تركية.. وأيضاً فرنسية لا يعلمون كيف هذا ولكن هذا ما تقصه عليهم كل ليلة من أمجاد أجدادها العظماء.
فريدة بصرامة وهي تتحدث بعربية غير متقنة:
- ضحك ممنوع، أكل يجهز بسرعة... فريدة هانم على وصول.
وأشارت نحو صفا بحدة:
- وأنتِ السيد عامر ينتظرك في غرفة مكتبه.. ذات اللسان الطويل.
وهكذا كان اللقب الذي تنعته بها "مارجريت".
***
كانت هذه هي المرة الثالثة التي تدلف فيها مكتبه الضخم.. ذو الأثاث الكلاسيكي الذي تفضله، ولكنها لا تُفضل صاحب المكان، ذلك الرجل الذي تشبه بالوحش.
"عامر السيوفي".
رفع "عامر" وجهه عن أوراقه، فوجدها تقف تُطالع الغرفة بنظرات مبهورة كحال المرات السابقة، حدق بها للحظات وهو يتذكر حديث "فريدة" معه هذا الصباح.. فوالدته تكرهها بسبب تلك الفتاة التي تملأ أذنيها منها. تلاقت عيناه.. فتنحنحت "صفا" حرجاً من نظراته، فرمقها "عامر" بجمود:
- حضرتك كنت عايزني يا أستاذ عامر؟
فامتقع وجه "عامر" من ذلك اللقب الذي أضافته إلى اسمه لتشعره وكأنه معلماً أمام تلميذته الحمقاء..
فرفع أحد حاجبيه متمتماً بضيق:
- كلمة أستاذ دي مش عجباني، غيريها.
فطالعتها "صفا" لثواني، لا تستوعب ما يطلبه منها، وبتمرد كانت تهتف بعدما شعرت بالحنق من عبارته:
- بس ميس مارجريت بتقولك مستر عادي، ومستر من أستاذ متفرقش.
امتقعت ملامح "عامر"، فمن هي لتقف وتتحدث معه هكذا دون حساب وتحاوره، قذف الأوراق التي أمامه بقوة، ونهض عن مقعده، يرمقها بجمود وقد ظهر جسده العريض وطوله الفارع.. يهتف بصرامة أخافتها:
- مارجريت أستثناء، دي رئيسة الخدم.. مفهوم!
وبهمس خافت كانت تتمتم لحالها، ولكنها سمعته:
- ولا عشان قريبة من الهانم مراتك، الليدي فريدة.
ورغماً عنه كان يبتسم، ولكنه أخفى ابتسامته سريعاً، فلم تنتبه عليها.
ابتلعت "صفا" حديثه الجامد، الذي أشعرها بدنو مكانتها:
- تحب حضرتك أندهلك بإيه؟
وببساطة كانت تسألها عن أي لقب يُريد أن تضعه جوار أسمه، فلا بأس لديها، فتقدم "عامر" منها، يرمقها بنظرات جامدة:
- عامر بيه!
هتف عبارته، فتعلقت عيناها به باستخفاف، قد انتبه إليه.. مما زاده حنقاً منها:
- تمام ياعامر بيه، أي أوامر تانية؟
وبجمود كان يلقي عليها ما أراد إخبارها به:
- فريدة هانم بتشتكي منك، متنسيش هي مين هنا في القصر.
رواية سطور عانقها القلب الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سهام صادق
ابتلعت إهانته التي ألقاها عليها. أرادت أن ترد له الأمر وليحدث ما يحدث، فلم تعيش حياتها إلا عزيزة النفس. ولولا ما مرت به لما جاءت إلا هنا ولا عملت لدي هذا الفظ وتلك الزوجة التي لا تراها إلا امرأة اعتادت على نيل كل ما أرادته. والشكوى التي أبلغتها الزوجة لزوجها لم تكن إلا ما لم تتوقعه.
"مش معني إن ناهد هانم اتعلقت بيكي بسرعة وبتحبك، تستغلي ده وتظهريها ديما في صورة وحشة قدامه."
تلاشى امتقاع وجهها وتحولت ملامحها إلى ابتسامة واسعة ساخرة. جعلته يُحدق بها، وكل يوم لا يستوعب كيف تقف أمامه هكذا. وللأسف هو لا يتخذ قرار طردها.
"حاضر. أعرف حدودي كويس، بس يا ريت تفهم زوجة حضرتك إنها بدل ما بتشتكي بعدم تقبل ناهد هانم ليها، تسمح من وقتها وتقعد معاها شوية."
هتفت عبارتها الأخيرة ساخرة، فامتقع وجه "عامر" من حديثها واقترب منها بخطوات جامدة.
"مش ملاحظة إنك بتكلمي وكأنك صاحبة المكان؟"
طالعته "صفا" في صمت بعد عبارته، فامتعضت ملامحه ورمقها بجمود.
"اتفضلي على شغلك."
أومأت له برأسها وعلى وجهها ابتسامة سمجة. والشكر كان للسيد "فتحي" الذي علمها لها. فليس كل وقت عليها أن تتحدث، وما دامت تثير غيظه، فبالتأكيد تستفزه بحديثها. ولكنها لا تريد الطرد من أجل زوج عمتها ومصاريف علاجه.
طالعها بحنق، يقسم داخله إنها أكثر النساء برودة وسماجة. ومن نظرته إليها، كانت تضحك داخلها بسعادة.
التفت بجسدها مغادرة بعدما أشار إليها بأن تنصرف من أمامه. وقبل أن تتقدم بخطوات أخرى، عادت تلتف بجسدها متجاهلة صفاقته وأسلوبه.
"ناهد هانم بتسأل ديما عليك، يا ريت توفر من وقتك القيم دقايق وتعالى شوفها، مش هتخسر حاجة."
"تعرفي إنك بتثيري غضبي يا صفا."
خرجت عبارته من بين شفتيه بعدما أثارت غضبه من حديثها وكأنها تحادث صديقًا لها وليس رب عملها الذي يدفع لها المال من أجل وظيفتها لديه.
تجاهلت عبارته، والتمعت عيناها بالدموع بطريقة أدهشته. فبعدما كانت تقف تتحداه وتثير مقته، أصبحت أمامه فتاة بائسة.
"هيجي يوم وتتمني وجودها، هتتمني تسمع بس صوتها، تسمع دعوة حلوة منها... مبنحسش بقيمة الحاجات الغالية على قلوبنا غير لما تروح، وبيكون الأوان فات."
تعلقت عيناه بها وقد خلت منها المشاعر. فحركت رأسها ساخرة، فقد تناست إنها تحادث "عامر السيوفي" ذو القلب المتحجر.
تعالى رنين الهاتف، ولم تكن إلا مكالمة طارئة من سكرتيرة مكتبه. تمالك مشاعره التي استطاع إخفاءها، ولكنه بالفعل قد تأثر بها.
اتجه نحو سطح مكتبه والتقط هاتفه وقد ضاقت عيناه وهو يضع الهاتف فوق أذنه يستمع لسكرتيرته بترقب.
"يعني إيه لسا ملقتيش حد بيتقن اللغة الألمانية ياهالة؟ الاجتماع بكرة يا هانم... بكرة ألاقي المترجم موجود قدامي، مفهوم؟"
والطرف الآخر كان يستمع دون أن يعرف كيف يحل هذا الأمر في بضعة ساعات. استمعت "صفا" لحديثه، وابتسمت داخلها بسعادة. فهل ستجني بضعة أموال أخرى تستطيع شراء ثياب أنيقة لها ولـ "جنه" وتشتري ما تريده وترفه عن نفسها؟
"أنا بعرف أتكلم ألماني كويس."
انتبه على حديثها بعدما أنهى مكالمته مع سكرتيرته، وبنظرة فاحصة كان يطالعها.
"أنا متفوقة في اللغة، رغم إني مش متفوقة في اللغة الإنجليزية."
أرادت أن تثبت له صدقها، فهذه النظرة لا تدل إلا على شيء واحد، إنه لا يصدق إنها تمتلك مهارات عدة.
"أنتِ طلعتي متعددة المواهب يا أستاذة صفا."
تمتم بها ساخراً، وهو يتقدم منها. ووقف بهيمنته قربها، يضع يديه في جيب سرواله.
"الإنسان الناجح لازم يكون عنده مواهب كتير، يا عامر بيه."
وبقصد كانت تضغط بأسنانها فوق عبارتها الأخيرة، امتقع وجهه من ردها.
وبحدة كان يهتف.
"صبري له حدود يا أستاذة صفا."
التف بجسده عنها، وعاد لمكتبه يلتقط أحد الملفات. واتجه إليها مجدداً تحت نظراتها المترقبة.
"ده الملف اللي هنتناقش فيه بكرة، يا ريت تدرسيه كويس."
وبسعادة كانت تلتقط منه الملف، تنظر لصفحاته القليلة هاتفه بحماس.
"حاضر."
ابتسم رغماً عنه، فهذه الفتاة مزيج غريب لم يلتق به من قبل.
"للأسف مضطر أثق فيكي يا أستاذة صفا."
وبنبرة حازمة كان يردف، وقد تلاشى حماسها وتحول لعبوس.
"وأنا مبديش ثقتي في الناس غير مرة واحدة."
انتابها القلق من حديثه، ولكنها عادت لثباتها فهتفت على الفور.
"هحتاجك بكرة في الشركة."
استمعت لعبارته الأخيرة وهي تدلف للغرفة، فتسألت وهي تتجاوز "صفا" بعدما رمقتها بنظرة أصبحت تفهمها.
"هتحتاجها الشركة ليه؟ مش هي مرافقة برضوه ولا أنا بيتهيألي؟"
"اتفضلي أنتِ يا أستاذة صفا."
تجاهل سؤال فريدة، فقد أصبح يضجر من تداخلها في الكثير من الأشياء. اقتربت منه فتنهد وقد عاد لمطالعة أوراقه.
"أكيد شغل يا فريدة، وممكن تتفضلي عشان ورايا شغل."
اتسعت عيناها من عبارته، تنظر إليه متعجبة من تغيره معها. انسحبت من أمامه، تتساءل داخلها لماذا تغير عامر معها هكذا؟
رفع عينيه عن الأوراق يحدق بطيفها، يخبر حاله.. إن ما يفعله هو الأصح. فإذا أرادت أن يكون لها بصمة في منزله، ستكون زوجة فعلية. ولكن زيجتهم تمت لإنقاذ الموقف.
كانت "صفا" سعيدة وهي تخبر "جنه" عما حصلت عليه اليوم.
"أول ما هاخد مرتبي، هبعتهولك علطول يا جنه. متخليش عمتي ولا عمي صابر يحتاجوا حاجة."
وجنه كانت لا تقوى على الحديث، ولا تريد إفساد فرحتها.
"لا وكمان ناوية أنزل أشتري ليا ولكي طقمين حلوين."
وبأمر كانت تخبرها، حتى ترى سعادتها بتخرجها.
"واحضري حفلة التخرج، هبعتلك فلوسهم والفستان كمان."
دمعت عينين "جنه" وهي تستمع إليها، فصفا تريد إسعادهم بكافة الطرق. "صفا"، ابنة خالها الفتاة المدللة التي لم تتحمل عبأ أي شيء في حياة والديها، أصبحت الآن تسعى من أجل أن توفر لهم حاجتهم.
"جنه، انتِ مبترديش عليا ليه، سيباني أكلم نفسي."
وبدعابة كانت تمازحها، ولكن توقفت عن دعابتها عندما بدأ الشك يراودها.
"جنه، هو في حاجة حصلت لعمي صابر أو عمتي؟"
لم تتحمل "جنه" الصمود أكثر، وإخفاء عنها الأمر، وانفجرت في بكاء مرير.
"بابا تعب تاني يا صفا."
انتفضت "صفا" من فوق فراشها مذعورة، تتساءل بقلق.
"جنه، براحة كده وفهميني إيه اللي حصل تاني."
وبدأت تقص عليها ما حدث صباح أمس، من تعب والدها مجدداً، وإخبار الطبيب لهم أنه لابد أن يتم إجراء عملية فالقلب أصبح لا يتحمل الجهد.
"الدكتور قالي، هيحط اسمه في قائمة الناس المنتظرة على نفقة الدولة."
وحاولت أن ترى الموضوع بأمل.
"قالي دوره ممكن بعد شهر، والحالة تقدر تستنى.. بس أنا خايفة أوي يا صفا."
لم يكن حال "صفا" يختلف عنها، فاغمضت عيناها بأسى وقلة حيلة.
"العملية هتكلف كام يا جنه؟"
استمعت لرقم المبلغ، فعادت تهوي فوق فراشها.
"مش قدامنا حاجة غير إننا نستنى الدور.. يمكن يطلعوا صادقين."
تمتمت بها "جنه" وهي تعلم أن الأمر لن يحدث، فهناك حالات أخرى تنتظر مثل والدها، ومن يحالفه الحظ سيكون دوره.
"أنا بفكر أروح لاعمامي يا صفا، مش حرام ده يحصل لينا وهم عايشين في عز، ده مهما كان أخوهم."
"أوعي يا جنه، عمي صابر هيزعل منك.. دول مقاطعينكم من زمان ولا عمرهم سألوا عليكم."
فهتفت بقلة حيلة.
"يمكن الدم ميبقاش ميه يا صفا، وقلبهم يحن."
ارتسم الحزن فوق ملامح "صفا" وهي تستمع لنبرة ابنة عمتها، وقد أصبحت تحمل الهموم كحالها.
"اصبري شوية يا جنه، ولما ملقيناش حل.. يبقى مقدمناش غير إنك تروحي ليهم."
ارتجفت قدماها وهي تخطو بأول خطوة داخل هذا الصرح الضخم، فلمعت عيناها من رؤية ضخامة وفخامة البناء الذي يدل على مكانته العالية في عالم المال والمعمار.
وتعلقت عيناها بالفناء الواسع، تتأمل كل من حولها من موظفين يعملون كخلية نحل.
وقفت أمامها موظف الأمن يسألها عن وجهتها.
"أفندم يا آنسة؟"
فتحت صفا بحرج وقد تمالكت انبهارها اللعين.
"أنا عندي ميعاد مع عامر."
وتذكرت رغبته الديكتاتورية في وضع الألقاب على حسب ما يهوى.
"فاردفت بجدية: عامر بيه."
هتف موظف الأمن بها، نحو إحدى موظفات يسألها إذا كان لديها علم. ابتسمت وهي ترى الموظفة تخبرها إنه ينتظرها بل وبعجلة فالاجتماع سيبدأ بعد خمسة عشر دقيقة. رافقها موظف الأمن نحو المصعد، متمنياً لها يوماً جيداً. وبنظرة خاطفة قبل أن يصعد المصعد كانت تلقي بنظرة أخرى نحو المكان.
"بقيتي تتعاملي باحترام يا صفا، لا وبيتقالي بنتمنالك يوم سعيد.. شكل عامر بيه قايم بدور عظيم في شركته.. عقبال يا يقوم به في القصر ويرحمنا من عجرفة مراته.. الليدي فريدة."
***
حدق بآخر ورقة من أوراق الملف القابع بين يديه، وقد درسه مجدداً بنظرات سريعة متقنة.
أغلقه أخيراً بهدوء تام، وأسترخى بجسده بارتياح، ينظر نحو القابع أمامه.
ابتسم له صديقه، وقد عاد أخيراً من رحلة غربته في ألمانيا، ومعه تلك الصفقة التي ستجمع بين شركته وشركة ألمانية في مجال محركات السيارات، وهذا بعيداً عن نمط شركات السيوفي.
"إكرم: ها ياعامر.. فاضل ربع ساعة على الاجتماع مع الناس، وانت لسا بتفكر؟"
مال "عامر" نحو سطح مكتبه، وبثبات كان يستند بساعده فوقه، يرفع أحد الأقلام، وقد بدأ بالطرق به على سطح مكتبه. تلاشى حديثه عن الصفقة التي بالفعل قرر السير بها، وتساءل وهو يرى تغير صديقه.
"بس الغربة غيرتك يا أكرم، بقيت بيزنس مان شاطر."
طالعه "إكرم" بسعادة، وقد استنتج من حديثه موافقته، فكهذا هو دوماً "عامر السيوفي".
"وأنت لسا زي ما أنت يا ابن السيوفي.. بتعرف تراوغ اللي قدامك صح."
هتفت بها "إكرم"، فصدحت ضحكات "عامر" وهو يستمع لرأي صديقه.
"أنا موافق على الصفقة يا إكرم."
وفضول كان يقتحم "عامر"، كان يتساءل عن حياة صديقه. ومن ملامحه ونجاحه يبدو إنها استقرت حياته وقد تلاشى أمر زواجه الأول.
"سمعت إنك اتجوزت!"
فنهض "إكرم" عن مقعده، واشعل سيجارته ثم دسها بين شفتيه متمتماً، بعدما زفر أنفاسه المعبئة برائحتها.
"لقيت الشغل والغربة هيسرقوا من عمري فقولت الحق اتجوز وأخلف... اومال كل النجاح ده هسيبه لمين.. وبصراحة حبيتها."
ضحك "عامر" على عبارته الأخيرة، فكذا هم يراوغون في مشاعر الحب ولا يعترفون به.
"عايز تفهمني إن بنات الطبقات العالية والأصول العريقة.. يهمها تخلف وتربي..."
وتابع بنفس لهجته الساخرة وقد تذكر "فريدة" التي هي بعيدة تماماً عن صورة النساء اللاتي يراهم تصلح لهذه المهمة.
"ده أهم حاجة عندهم الموضة والحفلات والسفر وتجمعات النوادي الهيفه."
"شكلك بتعاني يا صديقي."
تجهمت ملامح "عامر" عندما قذف له "إكرم" الكرة، ولكنه كان يعلم نهاية زيجته من فريدة ولم يخطط لاستمرارها ولن يفعل هذا بنفسه.
لاحظ "إكرم" نظرته، فتفادى الحديث عن حياة صديقه وتلك الزيجة السريعة التي سمعه عنها من الصحافة، ف"عامر" لا يحب الحديث عن حياته الخاصة.
وبخطوات معدودة، كان يتحرك "إكرم" نحو بعض الصور المعلقة على الجدار، يخبره عن شريكة حياته التي اختارها.
"أنا اتجوزت موظفة عندي.. عجبتني فاتجوزتها... من عيلة مصرية مستواها المادي متوسط بتشتغل هي وأخوها في ألمانيا.. يعني ولا وسط أرستقراطي ولا من طبقتي الاجتماعية، ولا من اختيار العائلة زي الزيجة الأولى اللي فشلت.. بصراحة أبهرني تفكيرها وتدينها وحسيت إن هي ديه الزوجة اللي هكون مطمن وأنا بديها اسمي.. وتكون أم ولاد."
ويضحك متهكماً على حال الإنسان.
"شوفت أكرم حمدان، اللي كان بيكره مظاهر التدين في الستات، بقي بيشجع لأي راجل إنه يظفر فعلاً بذات الدين."
أقتضب "عامر" حاجبيه، وقد أذهله حديث صديقه، الذي كان أكثر الناس معرفة بخصاله.
"عالم الفلوس والشغل بيسرقوا من عمرك، ياعامر."
فاقترب عامر هو الآخر من تلك الصورة المعلقة ولم تكن إلا لوالده، يهتف بمشاعر مضطربة.
"جوازى من فريدة كان لإنقاذ الموقف، كنت فاكر ممكن تحصل مشاعر بينا وأقدر أتجاوز فكرة إني كنت مرشحها لأحمد وإنها كانت بتحبه.. حتى زمان فشلت مع أميرة، مقدرتش تستحملني.. ومنكرش إني ظلمتها بجوازنا السري."
تفهم "إكرم" زيجة صديقه.
"الجواز، أكتر خطوة بتحسسنا بمشاعرنا.. يمكن عشان بنتعرى قدام بعض في كل حاجة."
ساد الصمت بينهم، وقد شعر بمشاعر صديقه.
"أنا بقي عندي أيهم دلوقتي يا عامر وقريب هيجيلي فرد جديد."
أراد أن يبتعد بحديثه قليلاً عما يورق صديقه، فابتسم "عامر" بسعادة.
طرقت سكرتيرته الباب وعلى ما يبدو قد أتى وقت الاجتماع. دلفت مكتبه بخطى منضبطة وخلفها تلك المرتبكة قليلاً، صاحبة العيون الخضراء والحجاب البسيط المنمق، وفستانها الفضفاض ذو الحزام الفضي اللامع الذي يتوسط خصرها.
فوقعت نظرات "عامر" عليها، قد طال تأمله لها رغماً عنها، تفرك كفيها بتوتر، وتطرق رأسها خجلاً. وكالعادة لا يفهم هذه الفتاة، هل هي جريئة الطبع أم خجولة، ولكنها كانت تكتسب احترامه يوماً عن يوم بطريقة يتعجبها من حاله.
وتحت نظرات "إكرم" المتسائلة عن هويتها، وانتظار السكرتيرة لأوامره، كان يهتف بجدية.
"خدي آنسة صفا، وفهميها الاجتماع هيكون إزاي وديها العقود.. مافيش وقت ياهالة!"
أشار إليهم بالخروج بفظاظة اعتاد عليها منه، فتحركت خلف سكرتيرته، تهتف بحنق وملامح ممتعضة، وقد سمعها كعادته رغم همسها، وهكذا كان يتأكد أن التي كانت واقفة أمامه "صفا" وليست شبيهتها.
"مافيش حتى كلمة أهلاً.. نورتي الشركة، شخص غريب الطبع."
وبعدما أصبحا الصديقين بمفردهما مجدداً، انفجر "إكرم" ضاحكاً، مقترباً منه.
"جميلة أوي البنت دي، بس لسانها طويل شوية."
***
جلست "فريدة" برفقة عمتها في حديقة القصر، بعدما أتت لرؤيتها. طالعت ابنة شقيقها وهي تتخذ دور السيدة أمام الخادمة تلقي عليها الأوامر بحدة.
انصرفت الخادمة، تنفذ لها أوامرها، فابتسمت "كريمة" وهي تفحصها بنظراتها.
"ما دام بقيتي متقمصة الدور في القصر، يبقى فعلي جوازك يا فريدة."
سعلت بقوة، بعدما وقفت بضعة قطرات من عصيرها في حلقها، رمقتها "السيدة كريمة" بترقب حتى مسحت قطرات العصير من حول شفتيها.
"جواز إيه اللي أفعله يا عمتو، أنا وعامر متفقين على مدة جوازنا وهنفصل.. ما انتِ عارفة."
أومأت لها "كريمة" برأسها، فهي تعرف بهذا القرار بل ورحبت به، لأنها لم تراها إلا زيجة فاشلة، مصيرها سيكون الانفصال.
"عارفة يا فريدة، لكن محسن مش عارف ده.. ده بقى بيسألني بقيتي حامل ولا لأ."
عاد سعالها بقوة تلك المرة، لا تستوعب ما تخبرها به عمتها، فانفرجت شفتيها في ضحكة قوية وقد ألمتها معدتها.
"يبقى محسن بيه هينتظر على الفاضي."
"وليه ينتظر على الفاضي يا فريدة، ما ممكن يتحقق عادي."
باغتها عمتها بعبارتها، فاتسعت حدقتاها لا تصدق ما تتحدث به عمتها معها بل وبتلك الجدية.
"أنا شايفه إن محسن اختار ليكي حياة تليق بيكي، وعامر السيوفي من كلامك عليه مش راجل صعب، يمكن جاد وصارم لكن مش صعب.. والنقطة دي ممكن تتغير لما يكون في علاقة بينكم."
فهمت ما ترمي إليه عمتها، فضيقت عيناها. فما الذي جعل قرار عمتها يتغير وتصبح داعمة لاستمرار زيجتها من عامر.
"في الفترة البسيطة دي عرفتي تشوفي طباع عامر يا عمتي؟"
وبعقل كانت تخبرها "كريمة".
"حكمت عليه من كلامك عنه يا فريدة."
"بس هو مبيحبنيش."
تلمعت عينين "كريمة"، فعلى ما يبدو أن الأمر بدأ يتسرب إلى داخل عقل صغيرتها، وفريدة بدأت تقتنع.
"وهتحبوا بعض إزاي وأنتم متفقين على الطلاق؟"
وبضياع أصبح يلزمها، هتفت.
"أنا لسا بحب أحمد يا عمتو."
وكانت تشعر "كريمة" بضياعها بل تراه أيضاً في عينيها، ولكنها كانت تريد لها السعادة، التي أصبحت تراها لها في هذا البيت.
"إنتِ وأحمد علاقتكم بقت مستحيلة يا فريدة، ولو كان في أمل زمان.. دلوقتي الأمل ضاع بجوازك من عامر، خليكي ذكية ومتخرجيش خسرانة من كل معاركك."
وكأنها بدأت للتو تستوعب حديث عمتها، صمتت عن الحديث وأخذت تحدق بمساحة القصر الواسعة.
"مين البنت دي يا فريدة؟"
انتبهت على نظرات عمتها المصوبة نحو "صفا" التي أخذت تسير في الحديقة تتحدث في هاتفها وكأنها في منزلها.
انهضت على الفور من جلستها، تخبر عمتها بهويتها.
"دي مرافقة ناهد هانم، تقدري تقولي خدامة بس شايفة نفسها شوية."
وأسرت في خطواتها، تحت نظرات عمتها وضحكتها. فعلى ما يبدو أن ابنة شقيقها لا تحب هذه الفتاة.
"والهانم مش عارفة إن عندي ضيوف، ولا بقيتي فاكرة القصر بيتكلم؟"
تجمدت ملامح "صفا" وهي ترفع هاتفها عن أذنها. التفت نحوها تطالعها، فاقتربت منها "فريدة".
"مش معنى إن ناهد هانم بتحبك مقدرش أطردك."
تلمعت عينين "صفا" بكره، فمن هي لتحدثها هكذا، إنها أصبحت على دراية بعلاقتها بالسيد عامر، ومن حديث الخدم والسيدة ناهد عن تلك الزيجة، فأنها ليست إلا ضيفة هنا.
"هي حديقة القصر من الممتلكات، اللي بيتمنع المشي فيها؟"
احتدت ملامح "فريدة"، وقبل أن تهتف بشيء يزيد الأمر، كانت "صفا" ترحل من أمامها، غير عابئة بشيء. فقد أصبح لديها وظيفة أخرى في شركة "السيد عامر" من أجل ترجمة العقود الخاصة بالصفقة الجديدة للشركة، وعلى ما يبدو أن الصفقة مستمرة لأشهر.
اقتربت منها عمتها، بعدما شاهدت الوضع من بعيد.
"البنت حلوة يا فريدة."
وكأنها كان ينقصها تلك العبارة التي تعلمها تماماً، وتجعلها تحقد عليها.
"وكمان باين عليها ليها حضور."
وعمتها تزيد الأمر عليها، بكلماتها التي تعرف هدفها.
***
ضحك "عامر" بملء شدقيه وهو يستمع لشقيقه عن إحدى الطرائف التي حدثت معه. سارت نحو الدرج ولكنها انتبهت على صوت ضحكاته ولأول مرة تسمعه يضحك هكذا. اقتربت من غرفة مكتبه ولم يكن بابها موصداً، فاستطاعت الدلوف بهدوء ولم يشعر بها، ووقفت تنظر نحو ظهره المقابل لها. وحديث عمتها منذ تلك الليلة يقتحم عقلها. عامر يتمتع بالحضور والجسد الرجولي القوي، جسداً يجعلك تشعر بالرهبة من صاحبه، فالتمعت عيناها وهي تفحصه، وقد جاءت تلك الذكرى التي كانت سبب جمعهم.
"لو كنتِ بتنفرى منه يا فريدة، مكنتيش ليلتها قربتي منه، حتى لو كان عقلك مغيب ومش حاسة بحاجة."
وحديث عمتها، ها هو يطرق رأسها، ولكن كل شيء ضاع في لحظة وهي تستمع لحديثه.
"طبعاً عايز تنهي المكالمة عشان متتأخرش عليها.. مش هتقولي اسمها إيه؟"
وعادت ضحكاته تعلو، عندما استمع لضجر شقيقه، فالرفيقة ليست إلا سيدة يجمعه بها الصداقة لا أكثر ولم تكن إلا أميرة. ولأنه في مزاج يسمح له بالدعابات فلم يهتم بتذمر شقيقه.
"مش هتقولي اسمها إيه، يا أحمد؟"
تجمدت عينين "فريدة" وهي تلتقط عباراته المازحة، فهل يرافق "أحمد" امرأة وتركها تعيش بؤس رحيله. هل صدق والدها عندما أخبرها، أن الحب إذا وضع في طريق المرء.. جعل صاحبه هو الخاسر.
"مشاعر متضاربة كانت تخترق عقلها وقلبها.. وبهدوء كما دلفت الغرفة كانت تخرج منها.. ولكنها توقفت مكانها وهي تستمع لصوته بعدما أنهى مكالمته معه شقيقه."
"كنتِ محتاجة حاجة يا فريدة؟"
التفتت صوبه، ومن نظرة واحدة نحوها.. كان يعلم إنها استمعت لمكالمته مع شقيقه. أرادت أن تخبره عن "صفا" ولكن تراجعت في آخر لحظة. فما تفعله من شكوى أصبح يعود عليها. فصفا قد نالت تقديره وخاصة السيدة ناهد، وما عليها إلا الصبر حتى تستطيع طردها بسهولة.
"ممكن نتفرج على فيلم سوا؟"
ولم يكن عرضها، إلا إخفاء للموقف. ولم يكن هو إلا بارع في التقاط النقاط الصغيرة.
"مافيش مشكلة يا فريدة، شوفي هتختاري فيلم إيه لأني مش من هواة الأفلام."
تلمعت عيناها في ابتسامة سريعة، حاولت رسمها.
"أوك، هختار أنا."
ألقت عبارتها، وغادرت تحت نظراته. إنه بات يفهمها للأسف. وبات يخشى عليها من نفسها.
وشيء بداخله كان يهتف.
"ليست هي المرأة المطلوبة في حياتك يا عامر."
***
تفاجأ باختيارها لغرفته، وقد أعدت المكان بلمسات بسيطة. طالعها بذهول وهو يتساءل.
"ليه في أوضتي يا فريدة؟"
والجواب لم يكن يحتاج لتفكيرها.
"شاشة التلفزيون هنا أكبر."
اقتنع بعض الشيء وتقدم منها يجلس على طرف الأريكة.
"شغلي طيب الفيلم."
ونظر نحو ساعته، فالوقت قد اقترب من العاشرة مساء. جلس باستقراطية، فرمقته مبتسمة. وقد راقته وضاعة جلوسه. ف عامر هو الأسد في هذا القصر وكل شيء في قبضة يده. بدأت خصال والدها التي ورثتها منه تسيطر عليها بالتملك خاصة كلما تذكرت المكالمة التي استمعت لها بين عامر وأحمد.
طرقات خفيفة كانت تدق فوق باب الغرفة، وبلطف وثقة كانت تدلف "صفا" الغرفة، تضع أمامهم مشروب تتقن صنعه بشدة، وقد أخبرتها الواقفة بنظراتها الماكرة، أنها أحبت هذا المشروب منها، والحقيقة كانت تفهمها "صفا" ففريدة لم تفعل ذلك إلا لتخبرها بمكانتها.
"مدام فريدة قالتلي إن المشروب الخاص بيا، عجبها.. أتمنى المرادي يعجبها ويعجبك يا عامر بيه."
ابتسم "عامر" وهو يرمق الكوب، وقد اعتدل في جلوسه. مما جعل فريدة تزداد حنقاً منها، فلما تنال هذه الفتاة تقديره هكذا.
"شكراً يا صفا."
وبتكلف كانت تهتف فريدة هي الأخرى رغماً عنها.
"شكراً يا صفا."
غادرت "صفا" الغرفة وقد شقت ابتسامتها ملامحها، فلم تنتصر عليها "فريدة" كما أرادت ولم تشعرها بدنو مكانتها.
تجاهل "عامر" الأمر، وانتظرها تتوقف عن زفر أنفاسها بحنق، رمقه وهو يلتقط الكوب ويرتشف رشفة منه.
"فعلاً عندها مواهب كتير."
امتدحها، فتجهمت ملامح "فريدة" وضغطت على زر التحكم لتبدأ أول لقطات الفيلم. ولم يكن إلا فيلم رومانسي بارد المشاعر، ولكنه تجاوز الأمر وجلس يشاهده معها، يستمع إلى عباراتها الحماسية.
علقت عيناها به، وقد ظهر عليه الضجر. وقد أشاح عينيه عن المشهد الجريء الذي يعرض.
انتبهت "فريدة" عليه وابتسمت داخلها وهي تنهض من جلستها. وبقرار قد اتخذته وحسمته مع عقلها. كانت تطبق المشهد معه، وهو لم يكن إلا في صدمة لا يبادلها شيئاً.
رواية سطور عانقها القلب الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سهام صادق
استطاعت أن تُحرك غريزته، ورغم عدم استجابته في البداية، إلا إنه رجل وبين ذراعيه امرأة جميلة وراغبة به.
تعلقت عيناها به بعدما ابتعد عنها، تنظر إليه تستوعب، متى وكيف أصبحوا فوق الفراش يتبادلون جنونهم. جنون يأخذهم لطريق يعرف نهايته.
هو وفريدة قطبان مختلفان.
طالعته في صدمة وهي تراه يعتدل بجسده، ويطرق رأسه أرضاً، يزفر أنفاسه لعله يتمالك حاله ويستوعب ما كان سيحدث بينهما.
بهتت ملامحها وهي لا تُصدق إنه نفرها بهذه الطريقة، وطعنتان في القلب لامرأة مثلها كان أصعب ما يكون.
والعبارة تتردد داخل عقلها: "هتخرجي خسرانة من معاركك".
وهذه كانت معركتها، أن تنال "عامر السيوفي"، أن تثبت "لأحمد السيوفي" إنها تخطته كما تخطاها من حياته، بل وأصبحت زوجة فعلية لشقيقه. بل وملكت قلبه وأصبح في قبضتها تديره كما تريد.
والأهم أن تثبت لوالدها، إنها وحدها من تقرر الأمر.
دائرة مغلقة من الأفكار كانت تدور داخلها.
"المفروض ده ميحصلش بينا يا فريدة."
تمتم "عامر" عبارته وهو يزفر أنفاسه بثقل، فسلطت عيناها فوق ظهره وقد أصابتها كلمته.
"لكن أنا عايزاه."
تجمدت ملامحه، والتف نحوها ينظر إليها متفرساً ملامحها.
وبعبارات لم يصدق إنه سيسمعها منها، كانت تُخبرها عن حاجتها للأمر.
"دي غريزة يا فريدة، لو الموضوع تم بينا مش هنكون غير بنشبع غريزتنا."
وببساطة كانت تتقبل كلمته، تخبره بحقيقة وضعتها عمتها صوب عينيها.
"أنا محستش بالنفور وانت بتلمسني، حسيت إني عايزاك فعلاً يا عامر."
تلمعت عيناه، فقد اختارت الكلمات الصحيحة لتُلقيها على رجل كـ "عامر السيوفي".
"جوازنا نهايته الطلاق يا فريدة."
أومأت له برأسها، واقتربت منه بعدما وجدت الرغبة تعود في عينيه.
"مش هنخسر حاجة."
جذبتها إليه وهي سعيدة بانتصارها، شعرت بالاكتمال وهي بين ذراعيه، ولكن تجاهلت هذا الشعور، وابتسمت بزهو.
غفا قربها وقد توسدت صدره، تنظر إليه. ابتسمت وهي ترى هيئتهما هكذا. فقد ملكت الأسد وستنال من "أحمد السيوفي".
سلطها شيطانها على نفسها، والتقطت هاتفها تلتقط لها صورة وهي في حضنه.
وفي رسالة كانت تبعث له الصورة، تُخبره إنها مضت بحياتها مع شقيقه.
وبابتسامة واسعة كانت تعود لحضنه مجدداً.
***
في الصباح، كان يفتح عينيه وهو يشعر بثقلها فوق صدره، طالعها وهو لا يُصدق إنه أتم زيجته بها.
أبعدها عنه برفق. اتكأ فوق ذراعه يُحدق بها.
فتحت عيناها ببطء لتجده يُطالعها بنظراته الثاقبة، فابتسمت وهي تتماطى جواره.
"صباح الخير."
وقد كانت هناك جولة أخرى، جولة اتخذ فيها قراره. سينسي ما جمعه، يا فريدة، من قبل ويبدأ معها صفحة جديدة. فهو بالفعل أصبح يُريد زوجة وطفلاً يحمل اسمه.
وعلى ضحكات عالية، كانت تفر منه هاربة، لا تستوعب هذا الرجل هو "عامر السيوفي".
اتجهت نحو المرحاض تهتف بداخله.
"عندك اجتماع مهم، بعد ساعة يا عامر باشا."
"مش مشكلة نلغيه."
وابتسم وهو يرتخي بجسده فوق الفراش بانتشاء.
صدح رنين قصير من الهاتف، ولم تكن إلا رسالة نصية.
التقطه وهو يظن إنه هاتفه. ولكن عندما وقعت عيناه على خلفيته أدرك خطأه.
وضعه مكانه. ولكن انبعاث رسالة أخرى جعلته يركز في اسم المرسل. إنه شقيقه.
وبفضول كان يفتح الرسائل، وشقيقه يُخبرها بفداحة ما فعلته بشقيقه، وأنها لن يتهوان إذا تكرر الأمر ثانية.
كان يُحدق بالكلام، وبذلك الخط الذي يُخبره أن رسائلها قد محتها. فما الذي محته وجعل شقيقه يراسلها ويخبرها بهذه الكلمات؟
عبث في ملفات هاتفها، ومن حسن حظه أنه كان يعلم الرقم السري الخاص بالتطبيقات لديها.
استمع لصوت المياه يتوقف وصوتها بالداخل تخبره باقتراح.
"إيه رأيك نفطر بره سوا؟"
"عامر أنت سامعني؟"
ولو كان "عامر" هو ذات الشخص الذي استيقظ في الصباح، يرى العالم والنساء في صورة أخرى، لكان وافق على الفور، لكان منحها ما تُريده، بل جعلها ترى رجلاً آخر.
خرجت من المرحاض، تستعجب صمته. ومن هيئته كانت تشعر بوجود خطب ما، فتساءلت بقلق وهي تقترب منه.
"في حاجة حصلت؟"
الإجابة كانت تحصل عليها وهي تراه يقبض فوق هاتفها. يريها الصورة التي بعثتها لشقيقه.
"عامر."
وصفعة قوية كانت تلطم وجنتها، بل الصفعة أصبحت صفعات.
"مكنتش فاكرك بالحقارة دي."
"عامر ارجوك اسمعني."
وهو كان أشبه بالوحش الذي أوقدت نيرانه.
"بقى أنا تعملي كده فيا يا بنت محسن."
صراخها تعالا، وقد وقفت "صفا" خارج الغرفة، تشعر بالصدمة وهي تستمع إليهم.
"أنا الغلطان من الأول، قولت أقف جانبك وأسترك من كلام الصحافة، وفي الآخر تعضي إيدي وتطلعيني مغفل."
وكلما تذكر الصورة، كان الغضب يشتعل داخله.
"وجوزك في بيتي كان غلط من الأول، انتِ طالق، طالق، طالق."
ألقاها عليها وغادر الغرفة. وتوقف مكانه وهو يرى "صفا" الواقفة. تضع بيدها فوق شفتيها من الصدمة.
"عارفة لو كلمك طلعت، هندمك على حياتك.. سامعة؟"
ارتجفت "صفا" في وقفتها، وأومأت له برأسها قبل أن تسرع في خطواتها عائدة لغرفتها. تحاول أن تستوعب ما سمعته.
***
وقف الخدم يتهامسون عن الأمر، غير مصدقين ما حدث. فليلة أمس غفت العروس التي كانت تعيش في غرفة منفصلة في غرفة سيدهم، وفي الصباح كانوا يتلامزون بين بعضهم بتأخر السيد عن موعد استيقاظه.
"مش معقول تكون مطلعتش بنته؟"
تفتت بها "سعاد" وهي تنظر نحو "صباح" رفيقتها و "صفا" التي لم تندمج معهم بحديثهم.
"لا بنت يا سعاد، متتهميش البنت في شرفها."
"وانتِ عرفتي إزاي؟"
وصباح كانت ترمقها بعينيها، لا تُصدق غباءها. استوعبت "سعاد" الأمر، فرفيقتها هي من نظفت الغرفة التي انقلبت رأس على عقب.
"كفاية يا جماعة، اللي بنعمله حرام."
أومأوا لها برؤوسهم، مقتنعين ما تخبرهم به.
"بصراحة أنا فرحانة إنها مشيت."
ومثلما تمتمت "سعاد"، كانت "صباح" تهتف مثلها ولكن مشفقة عليها. فلم تكمل شهرين على زواجها ورحلت من المنزل بوجه مكفهر مطلقة.
"الأيام الجاية هتكون صعبة على البيه، وهيطلع غضبه علينا."
وصفا تجلس مستمعة لا أكثر، فالحقيقة وحدها من تعلمها، ولأول مرة كانت تشفق على هذا الرجل.
***
كانت هذه المقابلة هي المقابلة الثالثة لهم، مقابلة قد دعاها هو هذه المرة. بعد تلك الليلة التي قضاها ساهداً. لا يُصدق ما فعلته فريدة.
"أنا حقيقي محظوظة إنك دعتني النهارده يا بشمهندس."
فابتسم أحمد بلطف مصطنع.
"محتاج حد أتكلم معاه يا أميرة، هتقدري تسمعيني؟"
اتسعت حدقتاها غير مصدقة ما يطلبه منها، ومن نبرته كانت تشعر بيأسه. أومأت له برأسها. وانتظرت أن يتحدث. وقد فاض لها بما يعتليه وهو لا يعرف لماذا يتحدث معها في أمور هكذا. هل لأنها أكبر سناً منه أم ماذا؟
***
اتكأ برأسه فوق سطح مكتبه، بعدما أطفأ عقب سيجارته العشرون. لقد عاد يدخن بشراهة، بعد أن أقلع عن الأمر منذ سنوات.
أغمض عينيه وهو يرى هاتفه يضيء برقم شقيقه.
التقطه بصعوبة يفتح الخط وينتظر سماعه.
"عامر."
"مت'قولش حاجة يا أحمد، دي كانت غلطتي من البداية.. فريدة هي ناهد هانم."
تنهد "أحمد" بثقل وهو يدلك عنقه وقد شعر بالوجع على ما أصاب شقيقه.
"عامر، أنا قلقان عليك.. لو كان ينفع أنزل مصر حالياً، كنت نزلت."
"بالعكس يا أحمد، بعدك أفضل حالياً ليا."
"أنا آسف يا عامر."
انتهت المكالمة، وقد أنهها "عامر" بعدما شعر بقدم قدرته على الحديث مع شقيقه. تساءل داخله. ماذا كان سيحدث إذا ظل كالمغفل معها؟ هل كان سيخسر شقيقه؟
طَرقت الخادمة الباب وقبل أن تدلف غرفة مكتبه، كان "محسن" يدفعها من أمامه بقسوة.
"تطلق بنتي وتضربها يا ابن السيوفي."
وبجمود كان ينهض عن مقعده، يرمقه بنظرات قوية، وسرعان ما كان ينفجر ضاحكاً.
"بنتك اللي كنت مخطط تجوزهالي، وأنا بغبائي سعيت أجوزها لأخويا.. وبغباء أكبر اتجوزتها."
"هفضحك يا عامر، في كل مكان.. هقول عليك مش راجل."
احتدمت ملامح "عامر" وهو يستمع لعبارته.
"ما هو اللي بيضرب واحدة ست، ميبقاش راجل."
وبقوة كان يدفعها نحو الحائط، يزمجر به، وعبارته تتردد داخل أذنيه.
"الراجل ده، لو فضح بنتك المحترمة، الناس هتصفق ليه.. بنتك المحترمة اللي كنت فاكرها متربية... طلعت أسوأ ما يمكن."
أزدرد "محسن" لعابه، يتذكر ابنته وهي تتوسل إليه، ألا يذهب له. ويكفيها ما حدث لها من هذه العائلة.
"عايز تعرف بنتك أطلقت ليه؟ في يوم صباحيتها."
اتسعت عينا "محسن" وهو يخشى سماع تلك الكلمة، وبصعوبة كان يتساءل.
"هو انتوا كنتوا لسا...؟"
انفرجت شفتي عامر في ضحكة قوية وهو يبتعد عنه، لا يُصدق ما يسمعه من هذا الرجل.
"هسيب السبب، تعرفه من بنتك كويس.. ومش عايز أشوف وشكم تاني."
وبحدة أفزعت "محسن" وجعلته يركض هارباً. كان يصرخ.
"بره.. بيتي."
***
ابتسمت "ناهد" بسعادة وهي تسير بقدميها إلى حديقة القصر، بعدما غادرت تلك الفتاة منزلها وقد أصبحت تجلس بغرفتها تجنباً لها. ورغم حزنها على حال بكرها الذي عاد لقوقعته وقسوته، إلا إنها سعيدة بما حدث حتى لو لم تعرف السبب وراء طلاقهم الذي حدث فجأة.
حاولت تلاشي أفكارها، فهي اليوم لا تريد إلا السير بهدوء برفقة "صفا"، تلك التي أصبحت كابنتها.
"احكيلي عن شغلك مع عامر."
وعندما أتى الحديث عنه، تنهدت وهي تتذكر حالة الجمود والغضب الذي أصبح ينال منه الجميع، مشفقة على حالها.
"مدير شديد، لا يرفق بأحد."
تفتت بها ضحكة، فصدحت ضحكة "ناهد" الجميلة بعدما استمعت لعبارتها بأسلوبها المازح الذي تحبه فيها.
"عملت لابني، خليت الوحش اللي جواه يرجع من تاني."
هتفت بها "ناهد" بعدما تلاشت سعادتها، وارتسم الحزن فوق محياها. أكملت سيرها بها دون حديث. فما الذي ستخبرها به؟
فتبتسم ناهد إليها بطيبة: "أنتِ بسيطة أوي يا صفا، حتى في تعبيرك.. عارفة لو كنتي عرفتيني من عشر سنين فاتوا، مكنتش حبتيني ولا كنت أنا حبيتك."
وبرفق أجلستها فوق على المقاعد المريحة وجلست جوارها وهي تمسك أحد يديها تمسد عليهما بحنان.
"الشمس حرارتها هادية، والجو جميل."
فابتسمت "ناهد" تومئ لها برأسها.
"أهلك وحشينكيش يا صفا، لو عايزة تاخدي إجازة قوليلي يا بنتي."
تنهدت "صفا" بحزن، فقد أصبحت تشتاق لعمتها وزوجها وجنة، ولكنها أصبحت مرتبطة بعمل آخر مع السيد عامر، وهو لا يتهاون في عمله.
انتظرت "ناهد" سماعها. ولكن الحديث توقف على طرفي شفتيها وهي تستمع لصوت "عامر" الذي هتف باسمها للتو.
"صفا!"
وازدادت ابتسامة ناهد لسماع صوته، والتفتت بجسدها رغم استحالة رؤيتها له. حاولت النهوض عن مقعدها تهتف بها.
"خديني ليه يا صفا."
شعرت "صفا" بالخوف من ملامحه وهو يتقدم منهم، يُلقي عليها أحد الملفات والتي أخطأت في ترجمة بعض بنودها.
"مش قادرة تنتبهي على شغلك، يبقى تسيبى الشغل وخليكي في وظيفتك الأساسية."
وبتهكم كان يهتف:
"مجرد مرافقة."
لم يهتم بنظرات والدته الملهوفة، ووقفت تُحرك له رأسها لعله يفهم. ولكنه كان فضل أن يوبخها. وأخيراً كان ينتبه على حركة رأسها له. فزفر أنفاسه متنهداً وهو يقترب من والدته. اقتربت منه وهي تدرك خطورة فعلته هامسة:
"شايف لهفتها عليك.. هي ملهاش ذنب في حاجة."
تمالك غضبه منه، ولكنها حينًا طلعت بتلك النظرة التي تشبه القطط في وداعتها.
"ارجوك."
فاتجه صوبها ينظر لنظرات عينيها المشتاقة وحسرتها، وقد اعتصر قلبه الألم والحقد ليس عليها على تلك التي أعادت الوحش بداخله. بعدما كان بدأ يتقبل حياته.
انحنى يلثم رأسها، فدمعت عيناها فرحة، ومدت كلتا يديها نحوه تهتف بسعادة.
"تعالي في حضني يا عامر."
وكأنه كان يحتاج تلك الكلمة منه، تعالت الدهشة فوق ملامح "صفا" وهي تراه يضمها إليه ويلبي رغبتها.
ولكن سرعان ما كان ينسحب من بين ذراعيه، ويسير بخطوات جامدة متمتماً لتلك الواقفة.
"صالحي الغلطة اللي في الملف يا أستاذة."
وغلطة واحدة في إحدى الأوراق، كانت تقع عينا "صفا" عليها. مصدومة من ثورته عليها بسببها.
***
لقد مر الشهر المنتظر، وها هي تخرج من المشفى الحكومي خالية الوفاض، بعدما استمعت للطبيب بأن والدها أمامه شهر آخر. فهناك حالة لأطفال تستحق. لم تصدق ما سمعته. صرخت واعترضت ولكن في النهاية عبارة واحدة تسمعها: "إن حالة والدها على نفقة الدولة ولا حق لها في الاعتراض. وتنتظر مثلما ينتظر غيرها. أو تذهب بوالدها لمشفى خاص وتدفع المال."
عادت للمنزل تجر أذيال الخيبة، وجدت والدتها تخرج من غرفة والدها بعدما أطعمته وأعطته علاجه. تدعو لصفا التي تبعث لهم المال.
"ربنا يكرمك يا صفا يا بنتي."
واقتربت من ابنتها بحب وتساءلت.
"مال وشك أصفر كده ليه، يا جنه؟"
ومن ملامح ابنتها كانت تفهم السبب، وضعت صنية الطعام جانباً. وجلست فوق الأريكة المتهالكة بعض الشيء.
"قالولك لسا دورك، مش صح يا بنتي؟"
جاورتها "جنه" بملامح حزينة، وبقهر كانت تخبرها.
"قالولي، في حالات مينفعش تنتظر."
"هما مش قالولنا، الشهر ده هتتعمل العملية يا بنتي."
وبتهكم، كانت تخبرها بما سمعته.
"نستنى الدور لحد ما هما يقرروا."
وانتهضت "صافيه" بثقل واتجهت نحو المطبخ. اتبعتها "جنه" بعينيها فوالدتها ابتعدت حتى لا تراها دموع عجزها.
سقطت دمعة سخية فوق وجنتيها، تنظر نحو الجدار المشقوق في منزلهم المتهالك بعض الشيء.
"لقيت حل يا بنتي، نبيع البيت."
***
وقفت خلفه تحمل مفكرتها التي دونت بها جميع ملاحظاته ومقترحات الجالسين حول هذا الاجتماع الذي قد انتهى للتو. ورفعت بعينيها قليلاً لتري أي ردة فعل منه إلا إنه كان مازال يعطيها ظهره ووضع بكلتا يديه في جيب بنطاله. ولكن أخيراً قد تنحنح بصوته الخشن الجامد.
"عامر: هنفضل في السكوت التام ده لحد امتى، ولا القطة بلعت لسانك؟ ما تقولي ملاحظاتك يا أستاذة."
فانصدمت صفا من ردة فعله، وقد أصبح بالفعل غليظاً. فهي تنتظر أمره حتى تتحدث.
وبمقت أخذت تقص له كل شيء قد دونته في مفكرتها. فاقترب منها بتمهل شديد، ولم تشعر به لأندماجها في تسرد إليه.
وبأسلوب لم تعتاده منه سألها:
"وإنتي إيه رأيك في العروض اللي تم طرحها في الاجتماع؟"
طالعته في صدمة، واتجه ناحية مكتبه ينتظر سماعها، وقد جلس مسترخياً فوق مقعده وأغمض عينيه بإرهاق واضح على قسمات ملامحه. ولكن ظلت تلك المسكينة واقفة تحاول أن تستوعب سؤاله عن رأيها.
ورمقها خلسة فوجدها واقفة كالبلهاء تحتضن مفكرتها وكأنها تحتضن طفلاً.
"إنتي مسمعتيش سؤالي يا صفا؟"
حركت رأسها نافية، إلا إنها سرعان ما عدلت عن خطأها وحركت رأسها بالإيجاب. وفاتت من دهشتها.
وهتفت بصوت خافت:
"شايفه أنه عرض هايل، و…"
وقبل أن تكمل عبارتها وتخبره عن رأيها بالتفصيل، كان يقطع حديثها.
"تقدري تتفضلي يا صفا."
وبوقاحة كان يصرفها بفظاظته، وداخلها تهتف حانقة. فلما سألها من البداية.
***
قضت طيلة ليلتها تفكر في قرارها، فما عساها أن تفعل إلا أن تذهب إليهم، تستجدي عاطفتهم. قررت أن تغادر في الصباح بعدما تخبر والدتها إنها وجدت عملاً في صيدلية بعيدة عنهم وستضطر لقضاء فترتين. لأنها تحت التدريب.
فكرت بكل ما ستفعله، ولكن لم يبقى إلا شيئاً واحداً، أن تبحث عن عنوان عائلة أهلها. وببساطة كانت تحصل على العنوان. ليس المنزل بل مكان أحد المصانع هناك. فعائلة والدها منتشرين في معظم أنحاء الجمهورية بتجارتهم الواسعة.
***
وقفت أمام بوابة المصنع، تنظر نحو المكان برهبة وقد أحرقته حرارة الشمس الساطعة. حمدت الله إنها غادرت قريته مبكراً قبل طلوع الشمس. اقتربت من البوابة. فوقف الحارس مستغرباً وجودها هنا. فالمصنع خاص بالرجال ولا نساء هنا.
"خير يا أستاذة."
توترت "جنه" ومو تنظر إليه.
"ممكن أقابل أصحاب المكان."
تجلجلت ضحكات الواقف، يفحصها بعينيه ومن اختلاف لهجتها عنهم. علم أنها غريبة عن بلدتهم.
"أصحاب المكان، مرة واحدة.. اتفضلي يا أستاذة شوفي طريقك."
أصرفها بذراعه. ف تراجعت للخلف.
"أقولهم بس على اسمي وهما هيعرفوا أنا."
"يا أستاذة متجبليش الكلام، اتفضلي من هنا."
وأسرع في نهوضه من فوق مقعده، وقد تجاهل ما تخبره به عن هويتها واسمها كاملاً. التفت خلفها وهي تسمع بوق سيارة. وقد وقف صاحبها منتظراً البوابة أن تفتح حتى يتمكن من الدلوف للداخل. فحصت بعينيها الجالس في السيارة. فلم يكن إلا عمها "عبد الرحمن" الذي يشبه والدها في الملامح.
وقد عرفته من تلك الصورة التي ما زال يحتفظ بها والدها رغم مرور السنين واحتلال الشيب ملامحه.
أسرعت نحوه قبل أن يتحرك بسيارته. تهتف اسمه.
"عمي عبدالرحمن، أنا جنه بنت صابر أخوك."
استمع إليها، ولكنه تجاهلها وكأنه لم يسمعها. دلف بسيارته، وهي وقفت مكانها تنظر نحو السيارة وقد علقت الدموع بأهدابها ولكنها أبت الهطول.
وها هي ساعة أخرى تمضي، وهي تقف تنتظر على أمل. ورغم حنق الحارس منها إلا إنه قرر تجاهلها، ما دام ابتعدت عن مكان عمله.
أخرجت زجاجة المياه التي أصبحت ساخنة من حقيبتها، ترتشف منها بضعة قطرات، ثم أخذت تطالع الوقت. فلم يتبقى على قطارها إلا ساعة ونصف وقد ظنت إنها ستتلقى أحضان عائلتها.
ارتسم التهكم فوق ملامحها ولكن سرعان ما كان الأمل يعود لقلبها. وهي تجد سيارة أخرى تقترب من بوابة المصنع.
أسرعت تمر الطريق الخالي. ولكن تلك المرة لم تعرف بهوية هذا الشاب. ولكنه انتبه إليها وتسأل وهو يزيل عن عينيه نظارته.
"بنت جميلة هنا في مصنعنا مش معقول."
ابتسمت "جنه" بخجل، من مدحه الذي أشعرها بالأمل.
"إنتي مين؟"
"أنا جنه صابر..."
لم تكن تكمل اسمها إليه، حتى صدح رنين هاتفه بصوته الصاخب، ثم آتاه صوت والده.
"إنت فين يا وليد؟"
وعندما علم بوجود ولده أمام بوابة المصنع، تساءل وهو ينهض من فوق مقعده.
"هي لسه البنت دي موجودة قدام المصنع؟"
وقبل أن يهتف بشيء.
"لو قدامك، خلي محروس يبعدها من هنا."
تنهد حانقاً بعدما أغلق والده الهاتف بوجهه كعادته. طالع الواقفة. وظنت أنه سيكمل حديثه معها. ولكن الصدمة احتلت ملامحها وهي تراه يتحرك بسيارته دون أن يعبأ لأمرها هو الآخر.
وقفت لثواني تنظر لطيف السيارة، وقد انغلقت البوابة ثانية وتلك المرة كان الحارس يقترب منها حانقاً.
"إنتِ هتفضلي واقفة لكل واحد.. بت إنتِ.. أنا بقيت شاكك في وقوفك هنا."
"إنت ليه مش مصدق إني بنت أخوهم؟"
طالعها الرجل متهكماً.
"أنا معرفش غير إن حسن باشا، وعبد الرحمن بيه ملوش غير اخت واحدة بس. لكن أخ.. لا جديدة دي."
"طيب فين عمي حسن؟"
تجهمت ملامح الواقف، وقبل أن تستوعب ردة فعله. كان يدفعها بقسوة من أمامه. أسقطتها أرضاً.
"لو ممشيتيش من هنا، هبلغ الشرطة.. أو وضع يده فوق سلاحه.. أو هطخك بالنار."
***
تعالت أصوات ضحكاتهم، في ذلك المطعم الذي أتوا إليه بعدما استمعوا من البعض عنه. أتوا كرفقاء. رفقاء كلمة يضعها هو في علاقتهما ولكنها ليست مثله. بل أصبحت مشاعرها تتحرك نحوه.
حدقت أميرة بالطبق الذي قُدم إليهم كضيافة لهم من المطعم لقدومهم إليه لأول مرة.
"شُربة ضفادع، هي دي هدية المطعم النهارده."
فضحك أحمد ملء شدقيه وهو ينظر للطبق وباقي الأطباق التي قُدمت لهم، يهتف بمرح أصبح في علاقتهما.
"هدية جميلة يا أميرة، يلا خلصي طبقك وطبقي.. أصل أنا مليش غير في شُربة السمك."
فتعالت ضحكاتهم وقد أخذ بعض الجالسين يحدقون بهم متعجبين من ضحكاتهم. خفق قلب "أميرة"، وقد لمعت عيناها وهي تتأمله، غير مصدقة إنها أحبت هذا الرجل. أحبت الرجل الذي اقتربت منه من أجل مهمة طلب منها لتنفيذها. أحبت رجلاً شقيق للرجل الذي أحبته يوماً، وها هو قلبها لا يرحمها بل يخبر حقيقة مشاعرها "إنها أحبت هذا الرجل."
***
جلست شارده، محبطة على متن ذلك القطار العائدة بها إلى بلدتها. لم تجني شيئاً من هذه الزيارة إلا الحسرة وإهدار الكرامة. بضعة ساعات علمت فيها أن والدها لديه كل الحق ليبتعد عن هؤلاء المتحجرين القلب. حدقت بكفيها. فلمعت الدموع بعينيها وهي ترى جرحهما بعدما دفعها هذا الحارس بكل قسوة.
هطلت دموعها بسخاء، تنظر لظلمة الطريق من خلف زجاج القطار بعينين تائهتين، تتنهد بحسرة وقلة حيلة.
"طيب أعمل إيه أنا دلوقتي؟"
وتذكرت ما فعله بها عمها وتجاهله لها كأنه لم يراها أو استمع إليها. وقد عاد الألم يخترق فؤادها من شدة القسوة. تقسم داخلها إنها ستنال منهم حقها يوماً.
رواية سطور عانقها القلب الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سهام صادق
وقفت أمامه وقد ظهر النعاس فوق ملامحها.
بسبب قيامها بترجمة بعض الأوراق وإرسال الإيميلات، انتظرت إشارة منه حتى تنصرف.
ولكنه ظل يُدقق في الأوراق التي أمامه، وهي لا تستوعب كيف يعمل هذا الرجل هذه الساعات دون أن يشعر بالتعب.
فقد أصبحت تشعر بانهاك قواها منذ أن عملت معه في ترجمة الإيميلات المرسلة والتواصل مع الشركة الألمانية، حتى إنها لمرات عدة قررت أن تترك هذه الوظيفة.
ولكنها كانت مجبرة حتى توفر احتياجات عائلة عمته.
رفع عينيه أخيراً عن الأوراق، يرمقها بنظرات ثاقبة.
"أتمنى مالقيتش غلطة تاني."
حدقت به "صفا" بجمود، وقد احتقنت ملامحها من أسلوبه الفظ.
"ما دام حضرتك عندك خبرة في اللغة، مبتجرمهاش ليه يا فندم؟"
احتدمت عيناه وهو يسمعها، وارتجف جسدها وهي تراه يرطم سطح مكتبه بقوة.
"وأنا مش شغلاك وبديك مرتب كبير ليه يا أستاذة؟"
أهانته عبارته، ولكنها قد اعتادت على أسلوبه.
بل واصبحت ترد له الصاع صاعين.
ولا تعلم لماذا حقاً ما زال يصبر عليها.
"ليه بحس إنك بتحبي تستفزيني يا صفا؟"
وبابتسامة سمجة كان يهتف عبارته، فارتفع حاجبيها في ذهول.
فكيف تحول هذا الرجل بتلك السرعة.
"عارفة يا صفا، أنا ليه صابر عليكي."
وأخيراً قرر أن يمنحها أن يعطيها الإجابة عن تساؤلها، لعلها تفهم غموض هذا الرجل.
"لأنك مجتهدة.. لكن مش دي أهم نقطة.
النقطة اللي بتعلي الناس عندي هي الثقة."
وبنظرة جامدة كان يخبر بتلك النقطة.
"حفظتي السر، ومتكلمتيش عن السبب الحقيقي ورا طلاقي."
وتابع بتهكم وهو يتذكر ثرثرة الخدم، ورغبة والدته في معرفة الأمر.
"أنا بعرف أقدر الناس كويس."
ولكن لطفه لم يستمر كثيراً كعادته، فتجهمت ملامحه وعادت النسخة الأخرى ل "عامر السيوفي" التي تكرهها به.
"وبعرف أعاقب كويس أوي، ومابسامحش في أي غلطة."
امتعضت ملامحه، وهي تستمع لتهديده.
"هتعاقب مثلاً عشان غلطة في فاكس، ده حتى عيب في أخلاقك الكريمة يا عامر بيه."
"صفا."
وبنبرة قوية كان يهتف، لتجاوزها في الحدود معه كعادتها.
تعالت ضحكتها رغماً عنها، فازدادت ملامحه قتامة.
"والله ما قصدي أضحك، بس افتكرت صورة لممثل ما، كان نفس التكشيرة سبحان الله."
"إظاهر إن طردك هيكون قريب يا صفا."
تلاشت ضحكتها، ووقفت بثبات تنظر إليه.
"أستأذنك عذراً سيدي، ممكن أطلع أوضتي قبل ما أطرد فعلاً."
وغادرت على الفور من أمامه، دون أن يسمح لها بالانصراف.
تنهد بأرهاق وهو يطالع الفراغ الذي تركته.
ورغماً عنه كان يبتسم على أفعالها وحديثها الذي أحياناً تقتبسه من بعض الكتب أو الأفلام الوثائقية التي تشاهدها مع والدته.
ولكن سرعان ما عاد الجمود يرتسم فوق ملامحه وهو يتذكر تلك التي منحها فرصة أن تصبح زوجة له، ولكنها كانت ماكرة وقد عبثت معه.
واقترب وقت نيل حقه.
***
دفعتها والدتها فوق الفراش، بعدما أخبرتها بحقيقة كذبها عليها.
لا تصدق أن ابنتها تفعل هذا وتستغل ثقتها بها.
"بتكدبي عليا يا جنه، وتقوليلي كان عندي وردية، وقال إيه أصل يا ماما كان تسليم طلبية أدوية وكان معايا زميلتي.. والصيدلية في مكان آمن."
وردفت بتهكم وهي تسرد عليها كذبتها.
"والصيدلية جنب مديرية الأمن، وأنا زي الهبلة صدقتك يا بنت بطني."
وكادت أن تبرر لها فعلتها، وندمها على قرارها الخاطئ، ولكن "صافيه" كانت أسرع منها، وانتشلت حذاءها أمام نظراتها المصدومة.
تعالى صراخها ووالدتها تهبط بحذائها فوق جسدها كالعادة إذا أخطأت، فالسيدة صافيه لا تتهاون في شئ.
"كفاية يا ماما."
"معرفتش أربيكي يا بنت بطني، روحتي تتذلي على أهل أبوكي."
تعالت شهقات "جنه" بقوة بعدما سقطت تلك الصفعة فوق كفيها المجروحين.
انتبهت "صافيه" على صراخها.
فحدقت بها مشيرة نحو كفيها.
"مالها إيدك؟"
سقطت دموعها وهي تفتح لها كفيها، تقص عليها سبب سقوطها عليهما، لعلها تنال شفقتها.
ولكنها لم تنال إلا غضبها الذي أودعته في صفعاتها بحذائها الثقيل.
"خلّيتيهم يرموكي قدام المصنع، زي المتسولين.. أه يا بنت بطني."
توقفت عن ضربها، بعدما استمعت لسعال زوجها وهتافه باسمها.
أسرعت في مغادرة الغرفة واتجهت إليه حتى لا يُشك بشيء.
"بتضربي البت ليه يا صافيه؟ بنتك بقت عروسة وبتضربيها."
أقتربت منه تعدل له وسادته، بعدما أعتدل في رقدته.
"مهما كبرت مش هتكبر علينا يا صابر."
"براحة عليها يا أم جنه، وفهميها غلطها براحة."
"أجبلك علاجك يا يا حاج؟"
هربت من حوارهم حول أمر ابنتها، والتقطت علاجه وكأس الماء.
ابتلع حبة الدواء وعاد الإرهاق يحتل جسده.
جلست قبالته لفترة.
ثم نهضت من جواره بعدما تأكدت من غفيانه.
عادت لتلك التي تكورت فوق فراشها.
وفور أن تعلقت عيناها بوالدتها، وجدتها تقترب منها بماء دافئ وقطن.
"هاتي إيدك."
أسرعت "جنه" في تلبية أمرها، وأعطتها كفيها.
"هنبيع البيت وندفع تمن عملية أبوكي."
اتسعت عيناها صدمة، ولكنها ابتلعت حديثها.
فوالدتها قد قررت الأمر بحسم.
***
حديثاً طويلاً قد دام بينهم، ولكن وسط حديثهم المحفل بالأعمال والصفقات.
قاطع أكرم حديثهم: "هي صفا مجتش اجتماع النهارده ليه؟"
انتبه "عامر" على سؤاله وقد ترك القلم الذي يوقع به من يده، لينظر نحو صديقه متعجباً من سؤاله عنها.
"لا متخافش يا راجل، أنا بحب مراتي، سؤال فضولي مش أكتر."
ضحك "أكرم" من هيئته التي تعجبها، ورفع حاجبه متسائلاً بشك.
"أوعي تقولي إن صفا عجباك يا عامر.. مش معقول، أنت لسه خارج من تجربة.
أنا واثق إنها لسه معلمة جواك، رغم إني معرفش السبب."
ولكنه كان قد حسم قراره.
لن يعاقب "فريدة" ووالدها، وخاصة بعد طلاقها منه من زيجة لم تستمر إلا شهرين.
ثم ستأتيها الصفعة الأقوى هي ووالدها.
زيجته التي لن تكون إلا عقاباً.
"أنا قررت أتجوز يا أكرم."
لم يتفوه "أكرم" بحرف، بل انتظر سماع باقية حديثه.
"هتجوز صفا."
ارتسم الذهول فوق ملامح "أكرم"، فكيف يتخذ صديقه هذا القرار ولم يمر على طلاقه سوى شهر ونصف.
***
تلاقت عيناها بابن أخيها، فابتسمت وهي تضع سبحتها في حجرها مشيرة إليه بأن يقترب.
تقدم منها يلتقط كفها يقبله وهو يشعر بكفها الآخر يمسح فوق شعره.
"ربنا يرضى عنك يا ابني."
تمتمت بها السيدة منيرة، هذه المرأة الصعيدية ذات الملامح الطيبة.
"أخبار صحتك إيه النهارده يا عمتي؟"
ومنيرة كالعادة تخبره بعبارتها.
"هكون بخير لما تفرحني بيك، انت وابن عمك اللي بقى مقاطع الستات."
ومن داخله كان يضحك بسخاء، فمن هو الذي هجر النساء؟ "جاسر" ابن عمه، الذي لا يمر بضعة أشهر إلا ويتزوج بأخرى بعيداً عن أنظار العائلة.
انتبهت "منيرة" على شروده وتلك الابتسامة الساخرة المرتسمة فوق شفتيه.
ولكن سرعان ما انتبه "هاشم" على حاله وجلس جوارها.
"في حاجة عايز تقولها ليا، يا ابن أخويا؟"
ولم تكن منيرة إلا امرأة ذات نظرة ثاقبة بمن أمامها.
ورغم طيبة قلبها إلا أنها كانت امرأة حكيمة قوية.
انتبهت "منيرة" على كل كلمة يخبر بها.
لا تصدق أن ابنة شقيقها.. أتت المصنع تبحث عنهم وقد التقت بعمه "عبد الرحمن" وقد طردها دون أن يسمعها ويعرف سبب بحثها عنهم بعد هذه السنوات.
وبحزن دفين، ودموع قد علقت في عينيها.
"أكيد أخويا في حاجة، ده عمره ما فكر يرجع لينا تاني ورفض سنين طويلة الفلوس اللي كنت ببعتها ليه."
وبكاء كانت تتذكره، وتسرد لابن شقيقها كم كان عمه حنوناً وطيب القلب، ولولا قسوة والدهم، لكان عاش بينهم هو وزوجته وابنته.
"أنت عرفت منين يا هاشم؟"
وهاشم كان يخبر باستفاضة عن الرجل الذي دسه هو وجاسر في المصنع الذي يديره عمه وابنه.
***
كومة من التراب قد أصبح عليها هيئة بيتها بعد أن كان جنة تجمعها بوالديها.
فوقف تتأمل بقايا حياتها التي انهدمت يوماً مع هذا التراب.
انسابت دموعها وقد أخذتها الذكريات نحو هذا اليوم بتفاصيلها.
يوماً لن تنساه مهما مرت الأيام والسنين.
أسرعت بخطواتها هاربة، بعدما التفت بجسدها تُلقي بنظرة أخيرة نحو المكان الذي جمعها بأحبابها.
التقطت أنفاسها وقد وقفت لمرة أخيرة قبل أن تغادر المنطقة بأكملها.
وبعينين باكيتين وذكريات أصبحت تقتحم فؤادها دون رحمة.
قد عادت نيران قلبها التي لم تنطفئ، وكل ذكرى تعود إليها معهم.
ابتسمت بحزن وهي تتذكر عبارات والدها التي كان دوماً يخبرها بها هي ووالدتها عندما تصيبهم أو تصيب غيرهم فاجعات الأقدار.
"قطر وماشي يا بنتي ومسيرنا في يوم هننزل في محطتنا.. ويابخت من كان ضيف خفيف عليها وسابها زي ما جه."
خزها الحنين بلوعة، ودموعها التي تمالكتها.
عادت تهطل فوق خديها.
"ربنا يرحمك يا بابا انت وماما ويجعلكم من أهل الجنة."
وفتحت حقيبة يدها ونظرت لبعض الأموال التي أصبحت تحصل عليها من عملها في القصر كمرافقة وعملها كمترجمة في شركة ذلك المتعجرف، غريب الأطوار.
واقتربت من أحد الرجال الجالسين على الأرض، وقد افترش أمامه.. حزم من الجرجير لعله يرزق منها.
"بكام الجرجير؟"
فابتسم الرجل لها بطيب خاطر، فأخيراً نظر أحد إلى جرجيره وسيرزق.
هتف راضياً وهو ناظراً لجرجيره: "الحزمة بجنيه يا بنتي."
فابتسمت صفا وانحنت تلتقط الحزم تتسأل عن سعرها.
"طيب لو أخدت كل الجرير، هتدفعني كام؟"
فارتسمت البشاشة فوق ملامح الرجل.
"خده ببلاش يا بنتي."
ابتسمت على طيبة هذا الرجل رغم فقره، أخبرها الرجل بسعره وقد تهللت أساريره وهو يجدها صادقة القول وقد اشترت منه جميع الحزم، وبدأت تخرج المال أمام عينيه السعيدة بمكسبه وقد ساق الله له الرزق دون أن يمد يده.
دفعت صفا ثمنه.. فاندهش الرجل مما أعطته له، فهذا ليس ثمن بيعته.
"بس أنا معيش فكة ال 200 جنيه دي يا بنتي، استنى أما أروح أشوف البقال اللي جنبنا وخليكي واقفة جنب الجرجير."
وتابع حديثه ضاحكاً وقد ارتسمت السعادة على ثغره وهو يهرول من أمامها: "ما بقاش بتاعك خلاص."
طالعته "صفا" حتى دلف لمحل البقالة القريب منه، وابتسمت وهي تتذكر سعادته تاركة له حزم الجرجير والمال.
***
ظلت علامات الصدمة مرتسمة فوق ملامح "أكرم"، وقد ظل على هيئته دون حديث.
وأخيراً بدأ يستوعب ما هتف به صديقه، خاصة وهو يرى تلك النظرة الحاسمة في عينيه.
"يعني عايز تتجوز صفا عشان تعاقب بنت محسن الصواف.. يعني الفكرة كلها انتقام يا عامر؟"
نهض "عامر" عن مقعده، وقد علم الجواب من صمته.
"رد عليا يا عامر، قرارك انتقام مش كده؟"
التقط قداحته في صمت، فازدادت ملامح "أكرم" قاتمة وهو يرى هيئته الباردة.
"طيب وصفا ذنبها إيه؟"
"هتاخد فلوس، محدش بيقول لأ للفلوس يا أكرم."
أتبعه "أكرم" في وقفته، وظهر الامتعاض فوق ملامحه، فلم يعجبه قرار صديقه.
إنه يظلم طرفاً آخر مقابل انتقامه من امرأة شوه والدها فيها سمعته.
لا ينكر إنه شعر بالضيق وهو يقرأ بعد تصريحات الصحافة، بأن "عامر السيوفي" لم يتزوج إلا مؤخراً ثم انفصل عن زوجته والأمر بالتأكيد وراءه سر.
والسر لم يكن إلا في رجولته.
"أنا منكرش يا عامر إني نفسي تتجوز، لكن مش بنفس اختيارك الأول.
ما فريدة كان اختيارك ليه عشان الصحافة تسكت عن الكلام.. المرادي برضوه هتعيد نفس الحكاية."
"أكرم."
هتف بها بحده كعادته، عندما لا يعجبه حديث أحد.
"صداقتنا تحتم عليا إني أنصحك يا صاحبي."
وببطء كان يلتف "عامر" إليه.
"أنا مش باخد رأيك يا أكرم، أنا خلاص أخدت قراري."
وبالفعل قد اتخذ قراره، ف "صفا" الوحيدة التي ستكون عقاب لفريدة.
يتزوج مجرد فتاة يتيمة مرافقة لوالدته.
يا له من أمر سيجعل به محسن الصواف يعض يده في حسرة.
"أنت الوحيد اللي هتكون خسران يا صاحبي."
والخسارة التي يخبره بها صديقه، هو أصبح معتاد عليها من النساء.
بداية من والدته، من تلك المرأة التي أحبها في شبابه ولم تتحمل طباعه.
للمرأة التي أخذته عاطفته نحوها وقرر أن يتغاضى عن حبها لشقيقه.
ثم ظنها إنها ستقهر شقيقه عندما تصبح في سريره.
"هتخسر البنت يا عامر، لأنها مش من النوع ده."
ومبرر آخر كان يضعه أمامه صديقه، وتلك المرة كانت تصدح ضحكتها عالياً.
"جوازة سنتين من عمرها، مش هتخسر فيهم حاجة."
"ولو بقي في ولادك بينكم؟"
وبقرارات لم يعد الواقف يفهم فيها صديقه.
"لكل حديث مقام يا أكرم."
وعاد لمقعده، ينظر نحو شاشة حاسوبه.
زفر "أكرم" أنفاسه، يهز رأسه بيأس وقلة حيلة من صديقه.
وكاد أن يهتف بنصيحته الأخيرة.
"خلينا نشوف شغلنا."
***
ابتسمت ناهد بسعادة وهي تستمع لمزاحهم ودعاباتهم لتضحك من قلبها الذي ظنت إنه قد مات من قسوة الزمن عليه.
فهتفت الخادمة صباح ذات اللسان الفكاهي: "والله يا ناهد هانم الواحد مش مصدق إن حضرتك قاعدة وسطنا في مطبخنا المتواضع وبتحتفلي كمان معانا بعيد ميلادي العشرين."
لتبتلع سعاد قطعة الكعك، وقد وقفت في حلقها بعدما حشرت العديد من القطع مستمتعة بمذاقها.
اشتد سعالها من حديث صباح عن سنوات عمرها، فمنذ سنوات وهي تخبرهم إنه عامها العشرون.
"يا مفترية صغرتي نفسك تسع سنين مرة واحدة."
فتعالت ضحكات ناهد على مزاحهم مجدداً، فرفقتهم قد أعادت لقلبها السعادة.
قلبها الذي كان يملئه الكبر قديماً، ولو كانوا التقوا بها في شبابها لمقتوها وكرهوا سماع اسمها كما كان الحال مع فريدة التي سعدوا بطلاق رب عملهم لها.
فمن يصدق أن "ناهد" المتعجرفة التي كانت تنظر للناس بطبقية، تجلس وسطهم الآن في المطبخ وتأكل معهم وتضحك.
طالعت "صباح" حذاءها الجديد الذي أهدته لها "صفا"، واتسعت ابتسامتها سعادة وهي تراه في قدميها.
بعدما قررت ارتدائه: "مش ناقص غير الفستان وابقى سندريلا."
والتفت نحو سعاد ترمقها بملامح ممتعضة متسائلة: "هتجبلي إمتى الفستان يا سعاد؟ الروج والكحل اللي انتي جبتهوملي مش عاجبني، غيري هديتك."
ارتفع حاجبي "سعاد" دهشة، فمنذ دقائق كانت سعيدة بهديتها وقد عانقتها ببكاء، والآن تخبرها إنها تريد هدية أخرى.
وسرعان ما كانت تدفع قطعة من الكعك داخل فمها ضاحكة على هيئتها.
"الهدية لا ترد، مبروك عليكي."
ابتسمت "ناهد" على دعابتهم لبعضهم، وشعرت بالغرابة من صمت صفا التي لم تنطق بحرف منذ جلستهم وهذا ليس من طباعها المشاغبة مثلهم، فهي من جلست القصر يشع فرحاً وبهجة منذ قدومها.
"مالك يا صفا من ساعة ما جيتي من مشوارك وانتي ساكتة، انتي مش مبسوطة إني قاعدة معاكم؟"
انتبهت "صفا" على حديثها، وقد فاقت من شرودها.
فتلاقت عيناها بعينيهم القلقة على حالها.
حاولت أن تبتسم وتخفي عنهم حزنها، والتقطت أحد الأطباق الموضوعة على الطاولة وبدأت في إطعام "ناهد" وهي تشاغبهم كعادتها.
"البت صباح بتعرف تعمل كيك حلو صح؟"
مضغت "ناهد" قطعة الكعك، وابتسمت إليها مؤكدة على حديثها.
"فعلاً يا صفا، وبتعرف تضحكنا كمان."
تابعت صفا حديثها مازحة تنظر نحو صباح بمشاغبة، ترفع لها حاجبيها.
"وكمان صوتها حلو."
فابتعدت ناهد بفمها عن الطعام، والتفت بعينيها بينهم، تهتف بسعادة ورغبة في سماعها.
"طب خليها تغني لينا."
فانتفضت "صباح" عن مقعدها مذعورة من الأمر، فكيف ستغني أمام السيدة الكبيرة.
"لا لا اتكسف يا جماعة الله."
انفجروا جميعهم ضاحكين على عبارتها الفكاهية.
صباح: "هغني بشرط صفا ترقص، وسعاد تطبل.. أومال هغني لفنانة العظيمة ليلي نظمي إزاي."
وتابعت حديثها الفكاهي: "صاحبة الأغنية العريقة خليها مفاجأة بقي الأغنية."
وتلك المرة كانت "ناهد" تقنع "صفا" أن تلبي الأمر من أجله.
ناهد: "متخافيش يا صفا أنا مش هشوفك ما انتي عارفة، بس عشان خاطري ارقصي وافرحي معاهم وكمان أنا عايزة أفرح وسطكم.. بقالي سنين مفرحتش."
وبعد محاولات ناهد، أرضخت "صفا" حتى تراضيها.
وبدأوا ثلاثهم في عرض دورهم بسعادة، وقد تناست صفا أحزانها قليلاً بمغامرتهم البسيطة بينهم، وأخذت تتمايل وسط غناء صباح وحتى سعاد شاركتها في الرقص بفرح وفكاهة والسيدة ناهد تصفق لهم.
***
دخل عامر القصر وهو يستمع إلى أصوات الغناء الذي لا يدل سوى إنه جالس بالشارع وليس قصر.
فامتقع وجهه من الغضب وسار بخطى غاضبة يصرخ بأسماء الخدم، ولكن لا أحد كان منتبهاً على ندائه.
مما جعله يزداد توعداً لهم.
تقدمت نحوه الخادمة "مارجريت" كالأفعى، وقد كانت هذه فرصتها حتى يطردهم جميعهم ويعود الهدوء للقصر كما كان، قبل أن تأتي هذه الفتاة وتقلق راحتهم.
"شايف مستر عامر، البنت اللي اسمها صفا قلبت قوانين القصر إزاي.. دي بتاخد ناهد هانم تقعدها مع الخدم في المطبخ، دي مش بتحترم قوانينك خالص مستر عامر، سامع الأغنية البلدي دي يا مستر عامر..."
"إيه، ادلع يا عريس وام فاروق ده."
هتفت "مارجريت" عبارتها، دون انقطاع مما زاد حنقه وقد تعالا صوت الغناء.
بل وصعدت زغرودة في القصر.
وكأنه في فرح شعبي.
"بس خلاص، اسكتي شوية."
وسار بخطى سريعة نحو المطبخ متوعداً لهم.
هبط عدة درجات لأسفل نحو المطبخ وقد ارتسم التجهم فوق ملامحه الحادة.
وعلى مقربة منهم، كان يقف وقد تيبثت قدماه يشاهدها وهي تتمايل بجسدها وشعرها يتطاير من خلفها بخفة.
وقف لبرهة يضحك بها وبملامحها السعيدة.
وبخطوات سريعة كان يصعد إلى حجرته، يلقي بسترته على أحد الأرائك الوثيرة متسطحاً فوق فراشه وهو يفكر في خطوته القادمة معها.
***
ورغم ظهور علامات الشيب على ملامح السيدة منيرة، إلا أنها ما زالت تحتفظ بجمالها وبشاشة وجهها وطيبتها.
اقتربت من فراش شقيقها.
وحديث ابنة أخيها ما زال يدور بعقلها، ولم تتحمل الصمت خاصة بعدما تأكدت من احتياج شقيقهم لهم.
التقطت كفه، وانحنت تلثم جبينها.
ففتح عيناه لها مبتسماً وحاول الاعتدال من رقدته.
"خليك يا حسن نايم، يا أخويا."
طالع ملامحها، وقد تأكد من وجود شيء ما في عائلته.
"مالك يا منيرة؟"
"صابر يا حسن."
تجمدت ملامح "حسن" وهو يستمع لاسم شقيقه.
وقد أخذه الشوق إليه.
ولكن القلب ما زال يحمل ما مضى مع الزمن.
"أخوك مريض يا حسن، أخوك حياته بتضيع."
وأخذت تسرد عليه ما عرفته من "هاشم" ابن شقيقهم الراحل رحيم، وما فعله شقيقهم "عبد الرحمن" بابنته بعدما جاءت إليهم تستنجد بهم.
"يرضيك يا حسن، يرضيك يا أخويا.. بنتنا تمشي مكسورة الخاطر."
واردفت متحسرة، عندما وجدت جمود شقيقها.
"اللي حصل زمان.. فات أوان العتاب فيه، وانتهى يا حسن، وأنت راجل تعرف ربنا، اديله ورثه، وساعد أخوك في عمليته.
أخوك بيموت واحنا بأيدينا نساعده."
حاول الاعتدال في رقدته، وقد ساعدته "منيرة" بعدما شعرت برغبته.
فقد أنهكه المرض شقيقها وأصبح ملازماً الفراش.
"صابر مالهوش ورث يا منيرة، انتي نسيتي إن أبوكي رفض يكتب له ورثه وحلف إنه مش هيطول منه ولا حاجة."
وتابع بقهر وهو يتذكر ما فعله به.
"صابر قهرني زمان، عيشني طول عمري بصلح غلطته."
وتذكر ابنه البكر، متسائلاً.
"هاشم مبلغش ليه جاسر؟"
فامتقع وجه منيرة من حديث أخيها لتخبره بنفاد صبر: "انت عارف إن جاسر ابنك بيكره سيرة عمه، خصوصاً لما عرف سبب طرده من العيلة، والحمد لله إنه مقبلهاش يا أخويا."
وابتسمت بحزن وهي تتذكر الوصف الذي أخبرها به الرجل عن ابن شقيقها.
"البت حلوة أوي يا حسن لولا إنك كنت في المستشفى كنت زمانك شوفتها.
يا حسن إحنا كبرنا خلاص يا أخويا والعمر مبقاش فاضل فيه كتير، ليه لسه قلبكم قاسي على أخوكم."
"نسيتي عمل إيه في بنت عمك، ودفعت أنا التمن.. اتجوزتها واتخليت عن حبي الوحيد لسميرة بنت خالتك عشان أرضي أبوكي وعمي.. نسيتي يا منيرة."
وتابع بقهر حزناً على حال شقيقه وعلى حاله بعد هذه السنوات الطويلة.
"أنا مظلمتش صابر يا منيرة، صابر هو اللي ظلمني."
"أم جاسر بقت في ذمة الله دلوقتي."
حسن: "فضلت تحبه طول حياتها يا منيرة، أخوكي كسر قلبها وقلبي."
دمعت عينين "منيرة" وهي تتذكر تفاصيل الحكاية.
"ما انت لحد دلوقتي لسه بتحب سميرة."
فارتسمت السخرية فوق ملامحه على حديث شقيقته.
"حب إيه بقى خلاص.. أنا خلاص بقيت بودع من الدنيا ومنكم.
ابقى خلي بالك من حنين يا منيرة دي لسه صغيرة، وكمان جاسر ربنا يسامحها اللي كانت السبب في عقدته."
"بعيد الشر عنك يا أخويا، ربنا يعطيك الصحة وطول العمر وتفرح بيهم."
ارتسم الحزن فوق ملامحه، متمنياً أن يرى على الأقل أولاد بكرة الغالي، الذي كره النساء بسبب امرأة طعنت رجولته وخانته.
ولا تعرف "منيرة" كيف ومتى أصبحت الفكرة في عقلها، لم تنتظر التفكير في الأمر واندفعت تخبره.
"إيه رأيك نجوز بنت صابر.. لجاسر."
انصدمت ملامح "حسن" من عبارة شقيقته، وقبل أن يفوق من صدمته.. ويعترض على ما تفوهت به وكيف فكرت بالأمر.. كانت تخبره منيرة بما يدور بخلدها.
رواية سطور عانقها القلب الفصل السادس عشر 16 - بقلم سهام صادق
انصدمت ملامح "حسن" من عبارة شقيقته، وقبل أن يفوق من صدمته ويعترض على ما تفوهت به وكيف فكرت بالأمر، أخذت تُقنعه.
فالسيدة منيرة لم تكن تُفكر إلا بجمع شمل العائلة. لم تفكر إنها ربما تظلم ابنة شقيقها التي لا تعلم عنها شيئاً. وغفلت عن طباع "جاسر" القوية.
جاسر ذلك الذي يكره النساء ولا يرى فيهم إلا مجرد متعة يتمتع بها الرجل من أجل إرضاء غريزته. رجل خدعته امرأة، فقرر أن يجعل جميع النساء تدفع الثمن. رجل يحمل الكره لهذا العم لما فعله بوالدته منذ سنوات طويلة عندما تركها بين ألسنة الناس يتحدثون عن شرفها. ولولا القرار الصارم الذي اتخذه "عارف المنشاوي" كبير العائلة، بأن يتزوج "حسن المنشاوي" من سميرة ابنة عمه.
اتخذت "منيرة" بحنكتها جميع الطرق لإقناع شقيقها، ولكنها لم تجد إلا الطريق الوحيد الذي سيقنعه ويجعله يفكر بجدية.
"محدش هيستحمل جاسر غيرها يا حسن، مهما عمل فيها هتستحمل وتسكت، هترضي بأي حاجة وطبعاً صابر عمره ما هيتكلم."
اتبعت حديثها بمرارة على حال ابن شقيقها وما وصلت إليه حياته.
"جاسر كل شوية يتجوز واحدة لا ليها أصل ولا فصل، ابنك مبيعديش الشهرين إلا وهو متجوز واحدة في القاهرة، أنا صحيح شعري شاب يا حسن بس عارفه كويس ابني في إيه.. ابني لسا مجروح من اللي حصل زمان."
وضعت بيدها فوق قلبها، وقد دمعت عيناها.
"ده ابن قلبي، وأنا اللي مربياه."
تفاجأ "حسن" بمعرفة شقيقته عن زيجات "جاسر"، ورغم عدم رضاه عن الأمر إلا إنه فضل الصمت حتى يعود ابنه لرشده.
"بنت صابر من دمنا يا حسن، سبناه يتجوز الغريبة وأه شايف وصلنا لأيه."
ظهر الاقتناع على وجه "حسن"، فالتمعت عينين "منيرة" براحة.
"وافرض البنت رفضت يا منيرة، ده أنتي بتقولي صغيرة وصيدلانية."
تلاشت الراحة من فوق ملامح "منيرة"، ولكن سرعان ما كانت تنفض أي شعور يقلقها من رفض شقيقها وابنته، فاستطردت بعباراتها حتى تزيد من اقتناعه ويقف معها أمام "جاسر" الذي لن يخضع لهم بسهولة.
"أخوك بقي محتاج لينا يا حسن، ولو رجع وسطنا، عمره ما هيقدر يرفض لينا طلب."
وصمتت قليلاً وقد علقت عيناها بعينين شقيقها.
"لا هو ولا بنته."
"سبيني افكر في الموضوع وأقولك."
الموافقة قد أخذتها من شقيقها، حتى لو لم يُخبرها بجوابه صراحةً، ولكنها تعلم ما يدور الآن في عقل شقيقها الأكبر.
زفرت "صفا" أنفاسها براحة، بعدما استمعت لصوت ابنة عمتها وقد أجابت على مكالماتها أخيراً. ولأنها تعلم أن عدم إجابة ابنة عمتها عليها وراءه سبب ما، فتساءلت وهي تنتظر أن تسمع جوابها دون مراوغة.
"مش هسأل كتير، فيكي إيه يا جنه جاوبيني."
دمعت عينين "جنه" وقد جلست على أحد الأرائك الخشبية في الممشى الخاص بالمارة بالقرب من الصيدلية التي أصبحت تعمل بها.
"روحتلهم، وطردوني يا صفا."
ودون أن تخبرها عن هوية من تقصدهم، كانت "صفا" تدرك تماماً من فعل هذا بابنة عمتها ذات القلب الهش الذي لم يعتاد على قسوة القلوب.
"وزعلانه ليه، ما أنتِ عارفه أنهم نسيوكم من حياتنا."
تنفست بها "صفا" بقوة وقد أوجعها قلبها عليها. ابتلعت "جنه" غصتها وهي تطالع الطريق الذي بدأ يخلو من الناس.
"كنت فاكرة هيخدوني في حضنهم، ليه الكره ده وعشان إيه.. عشان أتجوز واحدة فقيرة."
تنهدت "صفا" حانقة، وهي تتذكر ذلك اليوم الذي أخبرها والدها عن السبب. وقد أخذها الفضول لتعرف أين هم أعمام "جنه"، بعدما أتت تلك المرأة التي لا تتذكر اسمها وقد أتت لزيارة بيت أخيها وكانوا لدى عمتها في زيارة قصيرة.
"انسيهم يا جنه، أنسيهم زي ما عمي صابر نسيهم."
"وأنتِ فاكرة إن بابا نسيهم في يوم يا صفا، هو بيتظاهر بكده عشان عمتك."
تنفست بغصة، قد شعرت بها "صفا". فالعم صابر يحب عمتها لدرجة جعلته يتخلى عن كل شيء من أجلها.
"نفسي ألاقي حد يحبني زي حب جوز عمتي لعمتي، طلعتي محظوظه يا صفا."
واحتضنت وسادتها، غارقة في حلمها، وقد نسيت تلك التي تسمع عبارتها وتزفر أنفاسها حانقة منها ومن أحلامها بفارس الأحلام المنتظر.
"أنا بكلمك في إيه، وأنتِ بتكلمي في إيه."
صرخت "جنه" بقوة، وهي تسمعها عبارتها المستاءة. انتفضت "صفا" عندما انتبهت على صراخها الحانق، وألقت بالوسادة أرضاً تنفض رأسها.
"الحلم كان جميل يا جنه، ده أنا كنت بدأت أتخيل شكلها."
زدادت ملامح "جنه" احتقاناً، وقد نهضت عن المقعد الخشبي، وسارت نحو الطريق حتى تعبره.
"شوفي حاولتي الحكاية لأيه، بدل ما تهوني عليا."
وبقهر طفولي كانت تخبرها هذه المرة، عن ضرب عمتها لها وكأنها فتاة صغيرة. انفرجت شفتي "صفا" في ضحكة قوية، شعرت وكأن من بالقصر جميعهم قد استمعوا إليها.
"عمتي ضربتك، لا صفا ديه ديما شريرة كده."
وعادت ضحكاتها تعلو، تستمع لعبارات "جنه" المتذمرة وقد ارتسم الحنق فوق ملامحها، لتتسع عينين "صفا" صدمة، وهي تراها قد أغلقت الخط وأنهت المكالمة.
"ديه قفلت التليفون، ماشي يا جنه."
تنفذت عبارتها، وألقت بهاتفها جوارها، ونهضت من فوق الفراش تتماطأ بجسدها وتفرد ذراعيها. ولكن سرعان ما كانت تنتبه على الوقت، فقد حان وقت أخذ "السيدة ناهد" لأدويتها.
أسرعت في هندام ثيابها ووضعت حجابها فوق خصلاتها، وركضت مهرولة نحو غرفتها.
تعالت شهقتها وقد اصطدمت بجدار صلب، ولم يكن إلا هو الذي كان يغادر غرفة والدته للتو. رمقها متفحصاً لها، فابتعدت عنه بعدما تخطته ودلفت نحو الداخل وقد شعرت بالارتباك بسبب تهورها في السير.
زفر "عامر" أنفاسه حانقاً منها، والتف حتى يصرخ عليها ويسألها عن تأخرها لإعطاء والدته علاجها. فلما هي هنا؟ هل من أجل الضحك أم الرقص أم المزاح مع الخدم؟
كانت كل تلك العبارات تدور بعقله، ولكنه لم ينطق بها. فبمجرد أن التف نحوها، تذكر هيئتها البريئة وهي تتراقص بين الخدم. هيئتها ما زالت تقتحم عقله، ليس بتلك الصورة التي رأى بها فريدة، ولكن بصورة أخرى تجعل قلبه يبتسم.
سار بخطوات سريعة، فرمقته "صفا" مدهوشة، من حركته بعدما وقف يطالعها وهي تعطي الأدوية للسيدة ناهد.
"كنتي بتضحكي ليه يا صفا.. بصوت عالي."
وبلطف كانت تردف.
"مش تحكيلي، وتضحكيني معاكي."
"عامر بيبلغك، تنتبهي على صوتك."
اتسعت حدقتاها، وسرعان ما تورّدت ملامحها والسيدة ناهد تردف هذه المرة بعبث، والضحكة ارتسمت فوق ملامحها.
وكما توقعت، قد استمع من بالقصر صوت ضحكاتها، ولحظها الذي تعرفه تماماً كان هو من سمعها. وقد أخذت اليوم أحد تحذيراته التي لا تنقطع.
استرخى بجسده وقد رفع ساقيه فوق الطاولة الصغيرة، ينظر إليها مستمتعاً برقصتها له. ابتسمت له وهي تقترب منه وتتمايل نحوه، تُظهر له مفاتنها بسخاء. وهو كان خير من مرحب، لكنه لا يتأثر ولا يضعف. فـ "جاسر المنشاوي" رغم عبثه مع النساء وعلاقته المتعددة، إلا أنه لا يمنح أي امرأة هذا الشعور.
أسقطها فوق ساقيه بعدما اعتدل في رقدته، فتعالت ضحكاتها وهي تتعلق بعنقه.
"قولي إني جميلة في عيونك يا جاسم."
تعالت ضحكات "جاسر" وهو يعبث بجسدها.
"ما أنتِ جميلة فعلاً يا سهر، هو لازم أقولك يعني."
وأردف بمكر وهو ينظر في عينيها ويعلم ما تنتظره منه.
"لا مبحبش أشوفك معندكيش ثقة في نفسك."
زفرت أنفاسها وقد علمت أن هذه الليلة التي أقسمت أن يُخبرها بحبه، قد ضاعت. فمهما حاولت أن تفعل له، "جاسر" لا يراها إلا زوجة بعقد رسمي متفقين على فسخه إذا أراد هو هذا. زوجة برتبة عشيقة، يا له من إنجاز حققته وهي التي تركت زوجها من أجله بعدما ظلت لعام كامل تركض خلفه في كل مكان وقد منحها أخيراً فرصة أن تكون من نسائه.
لم يمنحها ما أرادت، بل منح نفسه ما أراده هو. نهض من جوارها بعدما انتهت متعتهم وطالعها وهي مسطحة فوق الفراش، فتساءلت وهي تعلم الإجابة لكنها منحت نفسها أملاً.
"مش هنفضل هنا للصبح."
وبنظرة منه كانت تعلم الإجابة، ولكنه أعاد الجواب عليها، حتى تسقط من سقف آمالها.
"أنتِ عارفه إحنا بنيجي الشقة ديه ليه يا سهر، بنقضي وقت لطيف وننبسط."
ضغط على عبارته الأخيرة، واتجه نحو المرحاض تحت نظراتها اليائسة من هذا الرجل.
ابتسمت "صفا" بسعادة وهي تطالع وجه ذلك الرجل الذي افتقدته بكتبه وحديثه الطيب. فوقفت تتأمله من بعيد وهو يرتب كتبه فوق الرصيف. وبخطوات بطيئة كانت تقترب منه، تتذكر الأيام التي كانت تأتي فيها إليه، كلما كانت ترسلها والدتها لجلب بعض الأغراض للمنزل، كانت تذهب متذمرة. وفي عودتها كانت تمر على العم محمود تتسابق معه قليلاً وتمازحه.
وقفت خلفه، تنتظر أن ترى سعادته بقدومها إليه، وهل نساها أم ما زال يتذكرها.
"وحشتني ياراجل يا طيب."
استمع العم محمود للصوت الذي لم ينساه، والتف نحوها مصدوماً غير مصدقاً إنها هي. تلألأت عيناه بطيبة، واتسعت ابتسامته وهي يفحصها بعينيها، هاتفاً باسمها.
"صفا!"
تلألأت الدموع بعينيها، فقد اشتاقت لهذا الرجل بالفعل. لقد كان دوماً كريماً وعطوفاً معها. يسمع أحلامها مبتسماً، يخبرها إنها ستجد ما تتمنى يوماً لأنها فتاة طيبة القلب. وبعتاب كان يخبرها.
"كده تنسي عمك محمود يا بنتي."
وعندما انسابت دموع فوق خديها، فهي لم تنساه ولكنها ابتعدت عن هنا. ابتعدت لتعيش مع عمتها بعد رحيل والديها.
"عرفت يابنتي بكل اللي حصلك.. روحت أسأل عنك.. بعد ما غيبتك طولت."
"جيرانك قالولي اللي حصل."
تألمت دموعه، فقد بكى هذا اليوم على حالها وتمنى لو عرف لها طريقاً.
"وعرفت إنك روحتي تعيشي عند عمتك.. ربنا يرحمهم يابنتي."
ارتسم الحزن فوق ملامحها، فانتبه "العم محمود" عليها، فسرع في التقاط الكتب التي تحبها هاتفا بنبرة مرحة لعله يخفف عنها.
"موحشتكيش كتب عمك محمود القديمة، وكتب مراد زين."
فابتسمت "صفا"، وهي تراه يحاول إخراجها من حزنها، هاتفه بمشاغبة ومرح قد افتقدهم منها.
"أنت اللي وحشتني ياعم محمود.. أنا جيت بس عشان أشوفك وأدفعلك تمن الكتاب اللي أخدته منك آخر مرة لأن للأسف ضاع مني."
وعادت تبتلع غصتها، حتى لا تتذكر ذلك اليوم الذي ضاع منها عند عودتها لمنزلها، لتراه وهو حطاماً، وقد خرجت من تحته أجساد والديها وقد فارقوا الحياة.
العم محمود: "طب وحبيبك مراد زين مش عايزة تشوفي آخر كتاب ليه.. نزل السوق من أسبوع."
وأردف وهو يخبرها بما سمعه من البعض عن اعتزاله.
"بيقولوا إنه اعتزل الكتابة."
فعبست ملامح "صفا"، فحتى كاتبها المفضل ترك الكتابة. وأصبح بائساً مثلها.
"مدام آخر كتاب ليه يبقى خلاص هاخده."
لامست يديها وجهه الشارد وكأنه في عالم آخر، فانتبه "أحمد" على حركتها التي أفزعته وبلطف كان يزيح كفها عنه.
أطرقت "أميرة" رأسها بعدما شعرت بالحرج من ردة فعله.
"أنت مش معايا خالص يا أحمد، حاسة إنك عايزنا نمشي من المكان."
وبألم كانت تتساءل.
"هو أنت زهقت من علاقتنا."
تعجب من نطقها نحو علاقتهم بتلك الطريقة، وكأنهم أحباء وليسوا رفقاء يتشاركون همومهم وحديثهم معاً.
"معلش يا أميرة، في شوية حاجات شغلاني في الشغل."
ورغم أن من مهمتها أن تعرف تفاصيل عمله، وما يؤرق أفكاره مع شركائه، إلا إنها لم تعد تهتم بشيء إلا هو.
ابتسم لها باللطف وقد مسح فوق كفها، معتذراً.
بادلته الابتسامة، وتلألأت عيناها. وقلبها يخبرها أن تفصح له عن مشاعرها.
"أحمد أنا.."
ولكن الحديث توقف على طرفي شفتيها، وقد أخذ هاتفه يصدح بنغمته الهادئة، فطالعها ثم طالع رقم المتصل بسعادة وهو ينهض عن طاولتهم.
"عن إذنك يا أميرة، هرد على التليفون."
ابتعد عنها، تحت نظراتها العالقة به. تزفر أنفاسها متنهداً وقد ابتلعت حديثها. فلم يأت اليوم بعد. أو ربما إنها أخطأت في قرارها. ويجب عليها أن تفكر بمهمتها التي طالت وأصبح مديرها يتذمر منها.
ارتشفت من كأس الماء الذي أمامها وقد عادت لثباتها. ولكن لحماقة قلبها، كانت تعود لتتأمل تفاصيله الرجولية.
ضحكت داخلها ساخرة، إنها ضعيفة أمام رجال هذه العائلة. وبمشاعر مضطربة كانت تدلك عنقها تهتف بلوعة وقلة حيلة.
"أنا اتورطت في حبك يا أحمد، أعمل إيه أنا دلوقتي، مش قادرة أذيك ولا ينفع أبعد عنك غير بعد ما أنفذ مهمتي."
أفزعها صوته الجامد، وقد أتت من الخارج سعيدة بما تحمله. سقط الكتاب من يدها والتفت نحوه، فعلقت عيناها بنظراته وقد وقف يفحص ما تحمله بنظرات ثاقبة.
"أفندم ياعامر بيه."
يتأملها عامر للحظات، ثم حدق بالكتاب الذي سقط منها. يرى اسم شقيقه المستعار فوق غلافه، وعلى ما يبدو إنه آخر أعمال شقيقه. تحرك نحوها ولكنه لم يكن يقصدها، إنما كان يقصد الكتاب الذي انحنى والتقطه. طالعها عندما التقط الكتاب ليرى في عينيها اللهفة نحو الكتاب، فكيف سيكون حالها إذا أصبحت أمام كاتبه. محظوظ هو شقيقه. يحبه معجبينه وهم لا يعرفون هويته الحقيقية. ويحبه من يعرف "أحمد السيوفي" المهندس المنضبط الطموح.
باغتها بسؤال لم تكن تنتظره منه، فقد توقعت أن يستخف بها كعادته.
"يعني خرجتي تشتري كتب، وبتحبي تقرا لمين كمان يا صفا."
ورغم التهكم الذي ظهر في نبرته، إلا أنها تجاهلت الأمر. تخبره بالأدباء الذين تحب القراءة لهم.
أماء برأسه، وقد ترك لها فرصة الحديث قليلاً. حتى إنها استعجبت إنه وقف يسمعها، ولكن ها هو "عامر السيوفي" يعود بغلاظته.
"بقتي مصدر إزعاج في القصر، و مارجريت بتشتكي منك كتير، ده غير خروجك من القصر من غير ما تبلغيني."
هاجم وجهها، وقد استفزتها عبارتها.
"أخدت إذن ناهد هانم."
احتدمت ملامحه، وقد اقترب منها. وبعجرفة كان يلتف بجسده هاتفاً.
"تعالي ورايا على المكتب.. مش هفضل واقف أكلمك على السلم كده."
امتقعت ملامحها فقد ضاعت بهجة هذا اليوم. سارت خلفه تفكر ما التوبيخ الآخر الذي ستحصل عليه أيضاً.
وقفت في منتصف الغرفة، تعقد ساعديها أمامها وتنتظر سماعه. رمقها بنظرة لا تعرف تفسيراً لها، نظرة كانت طويلة. جعلتها تشعر بالقلق.
التقطت منه الورقة التي مدها إليها في صمت. انتظر أن يرى معالم وجهها وتظهر صدمتها. لم تمر سوى دقيقة إلا وهو يرى صدمتها وشحوبها.
تقدمت منه لا تستوعب ما تراه، فكيف فعل هذا الأمر بها. وكيف خدعها بهذه الطريقة المقززة. هل جعلها توقع على هذه الورقة ليستغلها. ودموع كانت تغرق وجهها وهي تطالعه بنظرة تحمل الحقد والكره، تتساءل بصدمة وعيناها عالقة بالورقة.
"أنا ممضتش على الورقة ديه، أنت بتعمل فيا كده ليه."
صرخت وتقدمت منه تدفع كل ما فوق سطح مكتبه.
"أنت شيطان.. أنا كنت فاكراك طيب.. طلعت شيطان، صحيح اللي يكون قلبه جافي على أقرب الناس ليه.. أكيد شيطان.. أنت تستحق اللي عملته فيك مراتك."
والعبارة تتردد في أذنيه بقسوة، فاغمض عيناه وقد ظن ما تخيله حقيقة ولكنه لم يكن إلا مشهد تخيله.
طالعته "صفا" بضجر، من صمته ونظراته المحدقة بها. فلماذا ينظر إليها هكذا.
"عامر بيه، أنا تعبت من الواقفة."
فاق من شروده على عبارتها المتهكمة، فانفض رأسه وأعاد الورقة لدرج مكتبه متمتماً بجمود وهيئة جادة.
"تقدري تروحي تشوفي ناهد هانم."
التوت شفتيها امتعاضاً من عبارته، فهل يصرفها بتلك الطريقة. اتجهت صوبه تلتقط منه الكتاب الذي وضعه فوق سطح مكتبه هاتفه.
"ده ملكية خاصة."
ورغم عنه كان يبتسم. هذه الفتاة تجعله ينسى غضبه الذي يتصاعد كلما تذكر أمر تلك الخائنة. خاطبه عقله المذهول من فعلة صاحبه، وقد أخذ بضعة ليالي يفكر بالأمر وقد حسم قراره الذي تراجع عنه للتو.
"مش معقول يكون قلبك رحيم يا عامر، وطلعت صفا برة لعبتك."
تنهيدة قوية أخرجها صابر وهو يطالع وجه شقيقته، يتأمل ملامحها بشوق، وقد ظهر فوق ملامحها الجميلة العجز ولكنها ما زالت جميلة كما هي بطيبتها. ورغم ما حدث إلا إنها أحبهم لقلبه، فحاولت لسنوات طويلة التواصل معه ومنحه المال ولكنه كان يرفض أخذ شيء منها.
"صافية ديه منيرة أختي ياصافية."
فجلست "منيرة" على المقعد الذي كانت جالسة فوقه "صافية" قبل دخولها إليهم. حركت "صافيه" رأسها إليها، كما فعلت منيرة، والتقطت كفيه تمسح فوقهما برفق، تهتف بحنان تحت نظرات صافية التي تحولت للأمتعاض.
"متتعبش نفسك بالكلام ياصابر ياخويا، انت لسا تعبان."
وأردفت بعدما رأت الدموع قد لمعت بعينيه.
"زعلت أوي أنا وحسن أخوك، إننا مدفعناش ليك فلوس العملية، يابن أبويا، سامحيني إننا أتأخرنا عليك يا أخويا."
وأردفت تخبره عما سعت زوجته في إخفائه عنه.
"ياريت بنتك كانت جالي أنا، مرحتش لعبد الرحمن وابنه.. كنت هاخدها في حضني ديه من ريحتك يا حبيبي."
ارتسمت معالم الصدمة فوق ملامح "صابر" المتعبة، فابتلعت صافيه لعابها وقد علقت عيناه بها، يتساءل بصدمة.
"جنه راحت ليكم الصعيد."
تنفذت عبارته والتقط أنفاسه بصعوبة، فالأول مرة تخبئ عنه صافية شيئاً، فاسرعت صافيه نحوه وارتسم القلق فوق ملامحها.
"متتعبش نفسك ياصابر."
أزاح ذراعها عنه، فنظرت نحو منيرة بغضب.
"ده مبقاش له يومين خارج من عملية كان هيروح مني ومن بنتي، وأنتي جاية تحكيله كلام ملهوش لازمة."
طالعتها "منيرة" بصدمة، فما الذي جعلها تنفعل هكذا، فعلى ما يبدو أن شقيقها لم يكن يعلم بذهاب ابنته إليهم.
"لولا عامر بيه، راجل ابن أصول تكفل بالعملية، كان زمانه ضاع مني ومن بنتي."
ضغطت "صافيه" على عبارتها الأخيرة حتى تشعرهم بسوئهم، فالغريب الذي يعملون لديه لم يتأخر عن مساعدتهم، عندما لجأت إليه ابنة شقيقها وهي مجرد فتاة تعمل عنده مرافقة لوالدته.
وأردفت ببقية حديثها تتهكم على حنانهم العجيب بعد هذه السنوات، حانقة منهم.
"لسة فاكرين أخوكم ياست منيرة."
فحاولت "منيرة" رسم ابتسامة على شفتيها، حتى تتجنب حديثها، وقد أعطتها الحق في غضبها.
"أنا همشي دلوقتي ياصابر وهجيلك تاني."
عاتب صابر زوجته بنظراته، ولولا عدم قدرته على الحديث لكان آخرسها.
صابر: "لأ يامنيرة ما تمشيش انتي وحشاني أوي، خليكي معايا يابنت أبويا واحكيلي عنكم."
ونظر إلى صافيه بنظرات لائمة.
"اخرجي انتي ياصافيه، هاتي لمنيرة حاجة تشربها."
امتقعت ملامح "صافيه"، وكادت أن تتحدث منيرة، ولكن صابر عاد يحدق بها بنظرة جامدة، قد فهمتها.
غادرت صافيه الغرفة حانقة وهي تشتعل غضباً.
"ماشي ياصابر، لما تخرج بس من المستشفى."
رواية سطور عانقها القلب الفصل السابع عشر 17 - بقلم سهام صادق
طالعت "السيدة كريمة" ابنة شقيقها بصدمة من هيئة ملامحها، التي لا تبشر إلا بشيء واحد.
واقتربت منها تُحدق بما تحمله، فتساءلت بعدما تمنت أن لا تكون ما تراه صحيحاً:
"حامل يا فريدة؟"
يومأت لها برأسها وقد انسابت دموعها فوق خديها، ولا تقوى على النطق.
فقد أصبحت حاملاً من رجل لم يعد يطيق رؤيتها، رجل أنهى الشراكة بينه وبين والدها، حتى إنه خسر المال من أجل ألا يجمعهما شيء.
رجل اكتشفت أنها أحبته من مجرد شهرين قضتهما معه، وأن مشاعرها لم تكن نحو الشقيق الأصغر إلا انبهاراً.
"طيب بتعيطي ليه يا بنتي؟"
أرادت أن تشعرها بأنها سعيدة بالخبر، ولكنها من داخلها كانت خائفة.
فابنة أخيها وعامر السيوفي علاقتهما انتهت بأبشع النهايات.
"عامر بيكرهني يا عمتو، بيكرهني أوي."
"لدرجة لما روحتله الشركة من يومين عشان أقوله إني ممكن أطلع حامل..."
حدقت بها عمتها تنتظر سماع بقية عبارتها، ولكنها صمتت عن حديثها، تمسح فوق بطنها، لعلها تطمئن تلك النبتة التي وضعها الله في رحمها من ليلة واحدة جمعتهما.
"قالي لو ده فعلاً حصل، الطفل لازم ينزل لأنه مش هيقبل يكون له ابن من واحدة زي..."
عانقتها عمتها بذراعيها، بعدما شعرت بالوجع من أجلها، فلم تكن تتمنى لصغيرتها حياة كهذه، ولا مصير ضائع.
وللأسف هي من اختارته وسقطت في شرك شيطانها.
"عنده حق يكرهني."
ابتعدت عن ذراعي عمتها، تُخبرها أنها لم تكن تقصد ما فعلته.
"مش عارفة أنا إزاي عملت كده."
عادت "كريمة" تضمها نحو صدرها، تمسح فوق ظهرها بحنان.
"اللي حصل، حصل خلاص يا بنتي. يا ريتني ما كنت شجعتك تقربي منه، مكنتيش هتطلعي خسرانة حاجة."
وأغمضت عيناها بقهر.
فجميع أقربائهم أخذ يتساءل لما تطلقت منه بهذه السرعة.
هل كان يستر عليها أم ماذا؟
وشقيقها "محسن" لم يتهاون في الكلام، بل رد الصاع صاعين، وأخبر الجميع بتلميحات قد فهمها البعض غير مصدقين.
أن "عامر السيوفي" لم يلبي رغبات وحيدته فطلقها منه، لذلك لما يتزوج إلا مؤخراً من ابنته وقد افتضح عجزه.
وضاعت ابنة شقيقها بين الأحاديث، حتى تجنبت الخروج من المنزل وانعزلت بين جدران غرفتها.
"آه يا فريدة، كان مستخبي ليكي ده كله فين يا بنتي."
سقطت دموعها متحسرة على حالها، وهي تستمع لعبارات عمتها.
أبعدتها "كريمة" عنها برفق، تمسح دموعها بكفيها.
"أبوكي لازم يعرف."
فصرخت، وقد تراجعت للخلف تنظر لعمتها وهي تنفي لها برأسها.
"لاا، بابا مكنش همه من البداية غير فلوس عامر السيوفي، مش هيهمه أي حاجة ممكن تحصل لي."
وأردفت بخوف وهي تحمي جنينها بذراعيها:
"عامر هيموتوا، مش هيشوفه غير نقطة سودة بسبب لحظة ضعف منه."
رمقتها عمتها في صمت، وتركتها تخرج كل ما يعتلي فؤادها.
"أهدي يا فريدة."
"أنا هسافر، أمسك فرع دبي، هبعد عن هنا."
"أنتِ بتقولي إيه يا فريده؟"
وبإصرار كانت تُجيبها وقد لمعت عيناها بقوة:
"أنا مش هخسر تاني خلاص، ولا هخسر الطفل ولا هكون ورقة يلعب بها محسن باشا عشان يؤش من تاني ويرجع مصالحه مع عامر."
وبإصرار أكبر، كانت تنظر لعمتها وقد اقتربت منها بعدما رأت عم اقتناعها.
"أرجوكي يا عمتي احترمي قراري، لحد ما أنا أقرر أقولهم."
ولم تجد "كريمة" إلا الخضوع لقرارها، بعدما رأت رجائها.
***
نظرت "جنه" كالبلهاء لصفا الجالسة جوارها على أحد مقاعد المشفي، بعدما استمعت للطرائف التي عاشتها ابنة عمتها في هذا القصر.
لم تُصدق ما تُخبرها به عن "عامر السيوفي" من غلاظة وعجرفة يتمتع بهما.
"مش عارفة أصدقك يا صفا، الراجل دفع فلوس العملية، لا وجاي بسواق مخصوص وتقوليلي عنه الحكايات دي، ده طلع راجل جينتل مان، ده أنا حبيته."
والتمعت عينا "جنه"، وقد أسدلت أهدابها.
فدفعتها "صفا" بخفة.
"مدفعش الفلوس، غير بعد ما ناهد هانم طلبت منه، بعد ما اكتشف السبب، إنها تفكر تبيع مجوهراتها عشان تساعدني."
وبحب أصبح يزداد في قلبها نحو هذه المرأة، أردفت:
"معروفها عمري، ما هنساه يا جنه."
وبدعابة كانت تهتف "جنه":
"طيب ومعروف عامر بيه؟"
عادت "صفا" تدفعها فوق كتفها، ولكن تلك المرة كانت دفعتها أقوى، بسبب حنقها منها.
"ده كان فكرني، أنا اللي طلبت من ناهد هانم تبيع مجوهراتها."
وأردفت ممتعضة وهي تتذكر نظرته لها ذلك اليوم:
"ده كان فكرني طماعة واستغلالية."
ولكنها كما هتفت بسوءه، كانت تهتف بمحاسنه التي لا تعرف متى تظهر، فهذا الرجل يحيرها في شخصيته.
"لكن الصراحة، أول ما عرف ما تأخرش وقالي كنتي قولتيلي."
وعاد الحنق يرتسم فوق ملامحها.
"ومافيش مشكلة، هيخصم الفلوس من مرتبى كل شهر."
انفرجت شفتي جنه في ضحكة قوية، وسرعان ما كانت تضع بيدها فوق فمها، بعدما رأت نظر البعض من الممرضات الواقفين في حديقة المشفي.
"بس ياهبلة، إحنا في المستشفي، فضحتيني. أنا بقول اطلع أطمن على عمي صابر قبل ما أستاذ عامر يبعتلي السواق."
طالعتها "جنه" بوداعة بعدما استمعت لعبارتها.
"متشوفلي شغل عنده يا صفا."
امتعضت ملامح "صفا" وهي تنظر لابنة عمتها التي قد أصبح عقلها في مكان آخر.
عادت "صفا" لمكانها وقد تذكرت أمراً.
"هي ديه عمتك، اللي اتقابلنا معاها من شوية يا جنه؟"
ارتسم الحزن فوق ملامح "جنه"، فلم تعد تحب ذكر اسم هذه العائلة.
"شكلها طيب، بس سبحان الله النفوس فعلاً غير الوشوش."
"صفا، بلاش نتكلم عنهم، ماما كان عندها حق لما قالتلي إنهم باعوا أخوهم سنين طويلة، هيقبلوني أنا في حياتهم؟"
طالعتها "صفا" في صمت، وسرعان ما كانت تنتبه على عمتها، التي اتجهت نحوهم بعدما التقطتهم عيناها.
اقتربت منهم، وقد ظهر فوق ملامحها علامات الامتعاض.
حدقوا بها في صدمة، بعدما جلست ووقفوا هم، ينظرون إليها وهي تلطم فخذيها.
وقبل أن ينتابهم الذعر والخوف، كان يفهمون سبب حنقها ولطم فخذيها، فلم تكن إلا حانقة من العم صابر وشقيقته.
***
نطقت أخيرًا بعدما فاقت من صدمتها التي سقطت على مسمعيها بعدما أخبرتها والدتها بالأمر.
"جنه": اتجوز مين، وابن عمي مين؟
طالعتها "صافيه" بملامح متهكمة:
"عشان تسافري الصعيد من ورانا تاني، عمك طلب إيدك لابنه جاسر، ولا إنتي كنتي فاكرة إن زيارات عمتك لينا من غير سبب؟"
احتقنت ملامح "جنه" وهي ترى السخرية فوق ملامح والدتها، ونهضت من جوارها عازمة أمرها على الحديث مع والدها، فقد ندمت أشد الندم لذهابها إليهم، ولم تعد تعترف بهذه العائلة.
"رايحة فين يا بنت بطني؟"
"أنا لازم أتكلم مع بابا، أنا مش هتجوز حد ولا عايزة أشوف فرد من العيلة دي تاني."
رمقتها "صافيه" بملامح ممتقعة، فأين كانت هذه الكرامة قبل أن تذهب إليهم؟
وعادت تتحرك ثانية، ولكن ذراع "صافية" كان الأسبق وهي تقف وتلتقط ذراعها.
"أبوكي تعبان، ومصمم على الجوازة دي، وعمره ما هيرفض لأخوه الكبير حسن طلب ولا لعمتك، ف أرضي بنصيبك يابنت بطني."
رمقتها "جنه" بصدمة، فعن أي رضى الذي تُحادثها عنه والدتها؟
اتسعت حدقتاها ذهولاً وهي تستمع لعباراتها التي أردفت بها بملامح حزينة.
"أبوكي استحمل عشاني كتير، ورضى بالفقر عشان حبه ليا."
وبعينين دامعتين كانت تهتف:
"أنتِ حتة مني يا جنه، لكن ما دام أبوكي أمر وطلب، يبقى هتنفذي كلامه يا بنت بطني."
وبحرقة كانت تردف:
"يمكن تكوني الطريق اللي يرجع بيه وسط إخواته من تاني."
بهتت ملامح "جنه"، وقد علقت عيناها بعيني والدتها، لا تستوعب حديث والدتها وهي تردد:
"أتجوز واحد معرفهوش!"
***
كانت هائمة مع كل كلمة تنطقها "السيدة ناهد" عنه، فأحياناً الكلمات تكفينا أن نهوى أشخاص لم نرهم إلا مرة واحدة ولا نظن أن القدر سيجمعنا بهم يومًا.
أرادت أن تُخبرها أن تكف عن وصفه لها، فقد رأت هذا الرجل الوسيم من قبل، ولكنها فضلت أن تسمعها وتكون جاهلة عن هويته.
توقفت "ناهد" عن الحديث، بعدما أدركت بأن شوقها إليه قد ازداد، ومدت كفها تبحث أسفل وسادتها عن صورته، وكأنها اليوم تريد تذكيرها بملامح هذا الرجل.
"ده أحمد ابني اللي بحكيلك عنه يا صفا، أوصفهولي يا صفا بنظرة عينك إنتي، عايزة أعرف لسه ملامحه زي ماهي ولا الزمن برضو غيرها."
فانتبهت "صفا" على عبارتها، والتقطت منها الصورة، ودون أن تنظر لملامح هذا الرجل، كانت تصفه لها وهي تتذكره بكل تفاصيله في ذلك اليوم.
وصفته لها، وناهد تبتسم، وقد اتسعت ابتسامتها وهي تستمع لنبرتها الهائمة، الهادئة.
رمشت بعينيها بارتباك أصبح جليًا فوق قسمات وجهها، بعدما انتبهت على حالها وابتسامة "السيدة ناهد".
"ملامحه كلها منك."
ابتسمت ناهد، وقد التقطت منها الصورة بعدما أعطتها لها، هاربة من تأثير هذا الرجل عليها.
"بس أحمد أحلى مني."
"شبه أبطال الروايات."
ودون وعي كانت تهتف بعبارتها، وبخبث كانت "ناهد" تتساءل:
"إنتي بتحبي قراءة الروايات يا صفا؟"
اتسعت ابتسامتها، وسرعان ما كانت تتلاشى من فوق ملامحها.
"كنت بحب قصص الحب أوي، كنت بشوف الحب في الخيال وبس، بس حياتي دلوقتي مينفعش لا أحلم فيها ولا أعيش فيها الخيال، للأسف الخيال بيموت مع أول صفعة من الواقع."
شعرت "ناهد" بحزنها، وقد علمت أنها تذكرت والديها وأخذها الحنين إليهم.
وبحب كانت تفرد لها ذراعيها، ولكن رنين الهاتف قد صدح بنغمته التي خصصتها لواحداً تنتظر سماع صوته كل ليلة، ولكن اليوم يُهاتفه مبكرًا عن عادته.
"ده أحمد يا صفا."
***
كانت كلمات منيرة تسقط على مسمعه وكأنها هواء يتطاير حوله.
احتسى فنجان قهوته بتلذذ غير عابئ بحديثها الذي يدخل من أذن ليخرج من الأخرى.
استمرت "منيرة" في حديثها دون أن ترى ضجره، ولكنها توقفت عن الحديث وهي تراه ينهض عن مقعده ووقف بهيبته الجامدة، ينحني ليُقبل كفها.
"تسلم إيدك على القهوة يا غالية."
وتحرك من أمامها تحت نظراتها، والتقط أحد الملفات، يخطو بخطوات عاجلة نحو الخارج.
"مضطر أروح الشركة دلوقتي يا عمتي، عندي اجتماع مهم، وللأسف معنديش وقت أسمع كلام اعتبرته مسمعتهوش."
شبهت ملامح "منيرة" وتلاشت صدمتها، تنظر إليه بقوة.
"عمك صابر له حق في كل الأملاك اللي إنت بتديرها، ويعتبر شريك معايا."
توقف مكانه، وقد التقط للتو مقبض الباب، التف إليها بعدما التقطت أذنيه عبارتها، وعندما رأى نظرات القوة من عيني عمته، عاد إليه يرمقها بنظرات فاحصة وقد فهم الأمر.
"أنا اللي أعرفه إن جدي مكتبش له حاجة، بسبب اللي عمله زمان."
وتابع حديثه بحقد دفين استوطن قلبه منذ أن علم سر رحيل عمه عنهم.
"نسيتي أمي يا عمتي، سابها عشان حتة واحدة من الفلاحين عجبته."
وأردف ساخرًا:
"عايزاني أتجوز بنتها، يعني يوم ما أقرر أتزوج، أتزوج فلاحة؟ لاء بتهزري."
وألقى عبارته دون أن يعبأ بمضمونها.
"والله أعلم البت دي بنته ولا لاء، اللي أعرفه إن عمي خلف بعد سنين طويلة من الفلاحة."
"جاسر!"
صرخت به "منيرة"، ونهض عن مقعدها، فتجاوز ابن أخيها في حديثه، فكيف يُشكك في نسب ابنتهم؟ تلك الفتاة التي تشبهها ولكن بملامح أجمل.
إنها ابنة شقيقه، ولن تهدأ حتى تزوجا.
"حكاية أمك وحسن وصابر، انتهت من زمان يا جاسر، مش هنفضل متعلقين بالماضي يا ابن قلبي."
وبنبرة جامدة كانت تهتف، بعدما اقتربت منه.
"إحنا دلوقتي في الحاضر والماضي خلاص مات، لو إنت متجوزتش جنه، فنصيب عمك صابر هيروح كله لبنته وبنته لسه صغيرة وعلى وش جواز وأي حد ممكن يطمع فيها يعني مش على آخر الزمن واحد غريب هيدخل في عيلة المنشاوي."
"جاسر": فلوس مين ده اللي ليهم عندنا، أنا اشتريت نصيب عمي عبدالرحمن، عشان محدش يشاركني في حاجة ولا يقولي فلوسي ولا مش فلوسي. ألعبي لعبة تاني ياعمتي بدل لعبة الورث والفلوس لآني متأكد إن جدي مكتبش حاجة لعمي صابر.
وكاد أن يكمل حديثه لكن حديث والده أوقفه.
"حسن": هتتجوز بنت عمك يا جاسر، ومتنساش إن الفلوس دي كلها بتاعتي أنا وعمتك صحيح إنت كبرتهالنا يا ولدي بس هتنكر خير أبوك عليك.
فتلاشى غضب جاسر، وارتسم القلق فوق ملامحه وهو يرى هيئة والده المتعبة.
"ليه قمت من على سريرك يا حاج، الدكتور مانعك من الحركة."
ونبرة متعبة، حزينة كان يهتف "حسن".
"تعبى الأكبر بسببك إنت يا بني، إنت مش شايف بقيت إزاي؟ بقيت عامل زي الوحش."
فارتسم الزهو فوق ملامحه، وأخذ يداعب والده بعدما أجلسه على إحدى الأرائك المريحة، وقد أراد صرف عقلهم عن أمر هذا العم وابنته، حتى يخلو بنفسه ويفكر في الخلاص، دون الأخذ من مالها، فهو من تعب وكبر هذا المال.
"شخصيتي دي هي اللي بقت مخليني كبير العيلة ومحدش بيقدر يقف قصادي، وقريب كمان هكون عضو في مجلس الشعب. مش فخور بابنك ياحاج؟"
"حسن": فخور وفي نفس الوقت خايف عليك من نفسك، الكبر بيخسر صاحبه يا ولدي.
وأردف وقد لمع الإصرار في عينيه، بعدما فهم مراوغته في الحديث معهم.
"وعشان كده لو متجوزتش بنت عمك وبما إنك عارف ومتأكد إن عمك مالهوش حاجة في ورث جدك، فأنا وعمتك هنكتب نصيبنا لعمك صابر وبنته وده آخر كلام يا بني."
تجمدت ملامحه، وتطاير الشر من عينيه وهو يطالع نظرات والده نحوه، وعلى ما يبدو أن القرار قد تم أخذه.
أراد أن يتحدث، ولكن حديث والده قد ألجمه.
"عارف بكل جوازاتك السرية في القاهرة، بس إنت راجل واعي وأدرى بمصلحتك. وفكر في كلامي وكلام عمتك وأنا متأكد إنك هتفكر كويس في الموضوع، ولد حسن المنشاوي مش هيضيع جزء من ثروته عشان خاطر جوازة مش هتأثر في حياته حاجة."
علا عيناه بعيني والده، فوالده يتلاعب معه بالحديث، يتلاعب معه في نقاط يعلم إنها ستجعله يظل طيلة يومه يفكر في كل كلمة أخبره بها.
***
كان الصمت يحاوطهم، إلى أن رفعت صفا وجهها عن بعض الأوراق تهتف بسعادة.
"خلاص ترجمتهم."
طالعها "عامر" متهكمًا من نبرتها، وقد تلاشت حماسها.
فهذا الرجل يبهرها كل يوم بتغيره السريع.
عاد يُركز في أوراقه ونبرة جامدة تمتم:
"مدام خلصتي تقدري تطلعي تكملي سهرتك مع صباح وسعاد."
رمقته بحنق، وهي تود قذف تلك المزهرية بوجهه، ولكنها عادت لثباتها، تُذكر حالها أن هذا هو "عامر السيوفي".
لا يمضي دقائق إلا وتحول، وبفظاظة هذه المرة كان يهتف:
"حطي الورق على المكتب واتفضلي."
حركت رأسها يائسة من طباعه، وسارت نحوه تضع الأوراق فوق سطح مكتبه.
وعندما طالعته وهو منهك فوق الأوراق وقد ظهرت علامات الأرق فوق ملامحها.
"أنا ممكن أساعدك، ومن غير مقابل، يعني مش هاخد منك فلوس زيادة."
قالتها بدعابة، وقد تناست أمرها.
ومن نظرة منه جعلها تتراجع للخلف، تزدرد لعابها.
وبهمس خافت كانت تعيد عرضها ثانية، ولكن بجدية.
"أساعدك يا عامر بيه."
رمقها بنظرة هادئة، هذه المرة، يعطي لها بضعة أوراق، مشيرًا نحو أريكة جانبية تحتل غرفة مكتبه.
اتسعت ابتسامتها وهي تراه يمنحها مساعدته، وقد عاد "عامر" الطيب الذي تحب هدوئه مرة أخرى وليس ذلك الذي يطالع كل ما أمامه باحتقار.
انكبت فوق الأوراق التي أعطاها إليها، وبجفون أصبحت تتثاقل كانت تُنهي آخر ورقة، وقد ندمت أشد الندم لعرضها أمر مساعدته.
التقط هيئتها بعينيه.
"كفاية عليكي يا صفا."
وباعتراض وتذمر كعادتها كانت تهتف بعدما فركت عيناها.
"فاضل ورقة واحدة، وأنا لازم أخلص مهمتي كلها."
وعادت للورقة التي أوشكت على إنهائها، فاسترخى بجسده ينظر إليها، يتساءل داخله هل حقًا هناك نساء كصفا، أم جميعهم مثل فريدة ووالدته؟
وعندما أتت ذكرى "فريدة" على ذهنه، تذكر آخر لقاء بها.
أتت لتُخبره إنها من المحتمل أن تكون حامل بطفله.
تجمدت ملامحه وقد احتلت الظلمة عينيه.
فاقتربت منه "صفا" تضع الأوراق أمامه تهتف اسمه.
"عامر بيه."
وبملامح مظلمة، كان يُطالعها هاتفًا بقوة.
"اخرجي يا صفا."
ومن نظراته القاتمة، كانت تركض من أمامه، فهو لا يريد رؤيتها مرة أخرى كأداة الانتقام من فريدة.
***
صراخ وصياح أصبح يعصف بكل من يقابله في طريقه.
وصل أخيرًا مكتبه، فركضت خلفه سكرتيرته بزيها الملتصق القصير، والتي لولا إصرار عمه عبدالرحمن عليه بأن يوظفها لمجاملة أحد رفقائه لكان قد طردها منذ أول يوم.
تراجعت بخوف، وهي ترى قتامة نظراته وسرعان ما كان يصرخ بها.
"اخرجي بره، ومش عايز ولا ملفات ولا أوراق تتمضي، مفهوم. وأول هاشم يجي تدخليها عليه طول، سامعة؟"
طالعته بخوف، مُحدقة بهيئته التي لا تبشر بالخير، وانصرفت مسرعة من أمامه، عائدة بادراجها لمكتبه ترتب بضعة أوراق، تهتف لحالها.
"شكله راكبه عفريت على الصبح."
دلف هاشم بعدما علم برغبته في رؤيته، لأمر عاجل وقد رأى مكالمات عدة على هاتفه وقد ظن إنه بسبب اجتماع اليوم.
وعندما رأى ملامحه هتف بتسأل وقلق.
"مالك يا جاسر، إيه اللي حصل ومخليك مش طايق نفسك؟"
"جاسر": عمك وعمتك النهارده كلموا المحامي يجيلهم عشان يتنزلوا لعمك صابر اللي طلعلي في البخت عن نصيبهم. أنا بجد مش عارف هما بيفكروا كده إزاي وليه.
"هاشم": ما تتجوزها يا جاسر وخلاص.
ثم تابع حديثه بخبث كما طلبت منه عمته.
"وياسيدي اعتبرها خدامة مخصوص ليك، واه بدل الستات اللي بتتجوزها وتطلع عقدك فيهم، طلعه عليها هي، لحد أما تقول حقي برقبتي زيهم وتمشي."
رمقه جاسر حانقًا من أسلوبه المتهكم.
"أنا بتجوز الستات دي بمزاجي، مش غصب عني يا هاشم."
"هاشم": مفرقتش يا جاسر، وكمان البنت قمر بصراحة.
والتف هاشم خلفه يتمتم بخوف ودراما، أزادت من حنق الواقف.
"اوعى تقول لأروي الكلام ده."
فلم يتحمل "جاسر" سماع المزيد منه وكأنه متفق معهم.
"اطلع بره يا هاشم."
طالعه "هاشم" بعدما نهض عن المقعد الذي جلس عليه للتو، متمتمًا قبل أن يُغادر.
"فكر كويس يا جاسر، عشان متخسرش. وما دام عمي وعمتي مصممين على حاجة عايزين يعملوها، هيعملوها وانت عارف كده كويس. هتضيع تعبك كله وحد يجي يقولك فلوسي وورثي. وكل ده عشان خاطر جوازة ممكن تخلص منها بسهولة بعدين."
رواية سطور عانقها القلب الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سهام صادق
طالعت هيئتها أمام المرآه، بعدما وضعت زينتها وتفننت في إظهار مفاتنها.
حدقت بالثوب للمرة التي لا تعرف عددها، فابتسمت ساخرة على حالها.
لقد أصبحت عاهرة بجدارة واليوم ستنفذ الأمر، ستجعله يقع في الخطيئة.
ستجعله يعرف من هي حقاً، فهي ليست إلا امرأة يستغلها رجل ظنت أنه يمنحها فرصة لتبني حالها وترى نجاحها، ولكن اكتشفت في النهاية أنها في دائرة مغلقة وقد تورطت مع هذا الرجل في توقيعات تجعلها تقضي بقية عمرها بالسجن.
إما أن تنفذ أوامره أو يطيح بها.
"النهاردة المهمة تتنفذ يا أميرة، وبكرة الصبح عايز أشوف صور لأحمد السيوفي وهو في حضنك."
وبوقاحة كان يُطالب بالمزيد، والمزيد لم يكن إلا مقطعاً تظهر فيه معه.
ارتسمت السخرية فوق شفتيها، وهي تتذكر وعده لها، بأنه لن يجعلها تظهر بالصورة، فهو لا يريد غير فضح هذا الرجل.
عادت عيناها تتعلق بالمرآة، تنظر لحالها بحزن.
فماذا كان سيحدث إذا تزوجها عامر السيوفي في العلن؟ ماذا لو كان أحبها كما أحبته وثقت به؟
وعاد شيطانها يوسوس لها يُقنعها أنها ستنتقم منه في أخيه، بل وستبعث إليه الصور لتريه كيف جعلت شقيقه يصل لفراشها.
وحقد دفين، ها هو يصحو، ولكن قلبها عاد ليخبرها أنها أحبت هذا الرجل.
أحبته واحترمته.
وبين تصارع أفكارها، وما تريد ولا تريد، كان رنين جرس شقتها يعلو.
ابتسم أحمد وهو يقدم لها باقة الأزهار قبل دخوله للشقة.
بادلته ابتسامته وهي ترحب به.
"متعرفش أد إيه أنا سعيدة، إنك لبيت دعوتي يا أحمد."
التفت نحوها ومازالت ابتسامته مرتسمة فوق شفتيه وهتف بمزاح، فهو قد أصبح يفهم مشاعره نحوها، فأميرة لا تعد بالنسبة إليه إلا شقيقة قد تمنى أن يحظى بها يوماً.
"هتأكليني بقي أكل مصري زي ما وعدتيني، ولا هتكوني ضحكتي عليا وكان مجرد إغراء ومش هلاقي غير هوت دوج."
ضحكت بقوة على عبارته، وقد وضعت باقة الأزهار جانباً، بعد أن اشتمت رائحتها.
"لا متخافش يا سيدي، عملتلك الأكلة اللي بتحبها."
وأردفت وهي تخطو نحو المطبخ.
"عشر دقايق، وكل حاجة تكون جاهزة."
"أساعدك يا أميرة."
توقفت مكانها، وهي تستمع لمبادرته، فأومأت برأسها وقد ابتلعت غصتها.
فقد انتهت رحلتها مع أحمد السيوفي وهذا آخر لقاء بينهم.
تبعها، بعدما أزال سترته وطوى أكمام قميصه.
ولوَهلة وقفت تطالع هيئته الرجولية المُهلكة، تستحضر غريزتها وتتلاشى مشاعر قلبها.
أعدوا الطعام سوياً، وكلما كانت تقع عيناها عليه يتحسر قلبها.
طالع نظرتها إليه وهو يقضم أصابع المحشي الذي أعدته إليه مبتسماً.
"تسلم إيدك يا أميرة."
طالع المعلومات التي جمعها إليه أحد رجاله، متنهداً بضجر.
فهو لم يجد شيئاً يُسيء لسمعتها، حتى يستغل الأمر لصالحه ويرفضها كزوجة تحمل اسمه، بعدما وضعه والده وعمتها في طريق مسدود بينهم.
ألقى بالملف داخل أحد الأدراج، ونهض عن مقعده يدس سيجارته بين شفتيه، يزفر أنفاسه الحانقة المعبأة بدخانها.
"طلعتي يعني شريفة، والناس بتحلف بأدب."
هتف بعبارته وهو يحرك شفتيه مستاءً، ولكن سرعان ما كانت تتبدل ملامحه للقسوة.
"حظك وحش يا بنت صابر، عشان تقعي في طريقي."
شعر بتأنيب الضمير قليلاً، عندما عادت صورتها تقتحم عقله.
فلم تكذب عمته في أمر جمالها، ولكنها ليست من نسائه أو كما يسميهم جواريه.
فـ "جاسر العامري" لا يرى النساء إلا جاريات أسفل قدميه يتمتع بأجسادهن كما يحب.
وبقسوة ووعيد كان يهتف.
"لو وافقتي على الجوازة، يبقى أنتِ اللي اخترتي طريقك بنفسك."
طالعت القهوة التي تحملها بتوتر، واقتربت منه تنظر نحو اللوحة التي وقف يطالعها.
"جميلة أوي اللوحة دي."
هتف بعبارته، عندما شعر بوجودها خلفه.
"اشتريتها من باريس."
التفت نحوها مبتسماً، التقط منها فنجان القهوة وسار نحو إحدى الأرائك يجلس عليها.
"مفكرتيش ترجعي مصر يا أميرة."
كانت عيناها عالقة نحو فنجان القهوة، ولكنها أسرعت في تمالك حالها.
تتذكر أنها آخر ليلة في مهمتها.
وجدته يضع فنجان القهوة فوق الطاولة ينظر إليها منتظراً جوابها.
ابتلعت لعابها وهي تقترب منه.
"القهوة هتبرد."
ابتسم على اهتمامها الشديد بأمر القهوة وتلاشيها الجواب عن سؤاله، متسائلاً بمزاح.
"أفهم من كده إنك بتهربي من الرد."
"مبقاش ليا حد في مصر، أهلي وماتوا وأخواتي أتبروا مني."
شعر بالحزن على حالها، ونهض مقترباً منها.
ودون شعور منه كان يضمها إليه بدعم.
سقطت دموعها، فمن يأخذها بين ذراعيه يُطمئنها ويحنو عليها.
سيستيقظ في الصباح ليرى طعنتها.
"صحيح أنتِ غلطتي في حق نفسك يا أميرة قبل حقهم، لكن محدش فينا معصوم من الغلط."
ابتعدت عنه، تنظر إليه دون حديث، وقد ازدادت دموعها هطولاً فوق خديها.
حاولت أن تهرب من أمامه ولكنه التقط ذراعها.
"إنت ليه حنين كده."
هتفت عبارتها صارخة، فقطب جبينه متعجباً أمرها.
وقبل أن يهتف بشيء ويسألها عما بها، كانت تهتف دون شعور منها.
"عارف أنا حطالك إيه في القهوة."
تجمدت ملامح أحمد ينتظر سماعها.
وشيئاً فشئ كانت تزداد صدمته.
"حطالك مادة مخدرة، عارف ليه؟"
وبمرارة كانت تردف.
"عشان أعمل معاك علاقة، وأفضحك في المؤسسة."
علقت عيناه بها وبفنجان القهوة وهو لا يستوعب ما هتفت به للتو.
أخبرته ببداية لقاءهم الذي كان مدروساً.
أخبرتها إنها كانت تعلم ما يحب ويكره ليس بالمصادفة.
إنما كان لديها الكثير عنه لتستطيع الاقتراب منه.
وبنظرة طويلة كانت تقع على هيئتها، ليتأكد ما كانت بالفعل تسعى إليه.
لم يكن يظن أن تحررها المبالغ من متطلبات عملها لتسقط الرجال.
ولكنها اليوم اكتشفت أنها ليست إلا عاهرة متقنة عملها بجدارة.
تهوي بجسده فوق الأريكة وقد ارتخت ساقاه من الصدمة، بعدما قصت عليه كل شيء وما كان سيحدث هذه الليلة.
يتساءل داخله، هل تكون المنافسة بالعمل بتلك الطريقة المقززة؟
وبثقل كان يهتف بعدما أطرق رأسه أرضاً وزفر أنفاسه.
"وأنا كنت صيدة سهلة مش كده."
نفت برأسها وانسابت دموعها فوق خديها، تبتلع مرارة حقلها وهي تستمع لنبرة صوته المحتقرة.
فكيف ستكون نظرته لها إذا تلاقت عيناهما؟
وها هو يتحقق ما خشته.
ينظر إليها باحتقار لم ينظر به لامرأة من قبل.
وبصراخ كان يهتف عبارته مجدداً.
"كنت صيدة سهلة، عرفتي تجذبيني ليكي، لا وكمان وصلتيني لبيتك ولآخر مستوى في اللعب."
أطرقَت رأسها وهي تستمع له، فمهما حاولت أن تتكلم، كان الحديث يقف على طرفي شفتيها.
تأمل طاولة العشاء وقد ضجر من انتظار سماعها، فما الذي ستتحدث عنه بعدما أخبرتها باللعبة كاملة؟
هل ستخبرها أنها امرأة رخيصة تبيع جسدها؟
وبسخرية كان يتمتم، بعدما نهض من فوق الأريكة وهو يقترب منها.
"كان عنده حق لما مشفكيش غير في صورة رخيصة، مجرد جسم."
بهتت ملامحها وهي تستمع لعبارته، وقد فهمت مقصده.
رمقها ساخراً ينتظر جوابها هذه المرة على عبارته، ولكنها تجاوزت الحديث عن هذا الرجل، الذي إذا عرفه سيعلم أنها لم تكن غير ضحية أخرج بها شقيقه عقدته.
"انت كنت المنافس الوحيد ليه، ولما فزت بفرصة الانضمام لمنظمة المهندسين هنا، توفيق، مقدرش يستحمل الخسارة وكان لازم يعمل أي حاجة عشان يعرف يضربك بيها. وبعد فترة اكتشف إنك أول عضو المنظمة توافق عليه من غير ما تشترط عليه إنه يكون متجوز وليه أسرة."
بررت لها دواخل الحكاية، ولم يزده الأمر إلا احتقاراً لها.
"وإيه اللي مخليكيش تكملي في اللعبة يا حضرت السكرتيرة المحترمة، مدام عندك ضمير أوي كده."
هتف بها وقد أصبح صوته يتخللها المهانة، فاغمضت عينيها بقوة.
"صدقني كان غصب عني أعمل كده، توفيق مخليني أوقع على ورق ممكن يدخلني السجن."
لاقت عيناه بها، يستشعر صدقه ولكنه تلاشى مشاعره، يسألها مستخفاً بحديثها.
"ودلوقتي مستعدة عادي تروحي السجن."
"هرب قبل ما يوصلني، ما أنا اتعودت على الهروب."
تمتمت بها بعدما شعرت، بأن لم يعد يحمل داخله نحوها إلا الكره والغضب.
طالعها بنظرة طويلة، قبل أن يتجه نحو سترته ويلتقطها راحلاً من هذا المنزل، فلم تعد يفرق معه، ما ستجنيه.
ولكنه تيبس في مكانه.
"أنا حبيتك يا أحمد وياريتني ما حبيتك.. أخوك دمرني زمان وأنت برضه جيت وعملت كده."
عادت عيناه تتعلق بها بصدمة أخرى، وهو يستمع لاسم شقيقه.
"أيوه عامر هو الراجل اللي دمرني، وخلاني أهرب من مصر، بعد ما أهلي أتبروا مني ومن عاري."
وبألم كان تردف، بعدما وجدته يرمقها بنظرات لم تعد تفهمها، ولكنها أرادت اليوم أن تخرج له كل ما يثقل فؤادها وهي لا تعرف كيف انتهت هذه الليلة هكذا.
"عامر هو اللي دمرني، حولني من إنسانة كانت مليانة بمشاعر الحب.. لإنسانة بقت ضايعة مش فاهمة مشاعرها.. أخد كل حاجة حلوة مني وسابني تايهة، شوفت أخوك وصلني لإيه."
وبغصة كانت تهتف، رغم صعوبة الكلمة.
"خلاني مجرد عاهرة."
والحقيقة الأخرى التي عملها لقد كانت قاسية، وقد عرف لما دفع شقيقه الثمن في علاقته مع فريدة، لقد كان يستحق ما حدث له.
***
أخذت تدور في حجرتها كالمجنونة، لا تعلم كيف لزوج عمتها وعمتها أن يوافقوا على هذه الزيجة.
هل تناسوا قسوة هذه العائلة؟
صم بكاء جنة أذنيها بل وترها، فهتفت بمقت ولم تعد تستطيع التفكير.
"اهدي بقي.. وبطلي عياط خلينا نفكر في حل."
"أهدي إزاي يا صفا، بابا قالهم كلمتهم، تفتكري هقول لأ."
فتجمدت ملامح صفا وهي تستمع إليها.
"عمي صابر، إزاي يعمل فيكي كده."
وبمرارة كانت تهتف، ولا تعلم هل تشفق على حالها ولا على والدها الذي عاد يسعى لينال حب أخوته.
"جوازى من ابن عمى هيرجع قربه من أخواته تاني، يا صفا.. تفتكري هيفكر في إيه غير إنه يوافق حتى لو هكون أنا الطريق، لوصالهم من تاني."
تعالت شهقاتها، فاغمضت صفا عينيها مقهورة على حال ابنة عمتها ووقوعها في اختيار صعب هكذا.
"ارفضي يا جنة، أنا مش مرتاحة للجوازة دي، اشمعنى عمتك وعمك افتكروكم دلوقتي، ده غير إنك بتقولي ابن عمك راجل مطلق ومش ظاهر في الصورة خالص، يعني أكيد رافض زيك."
وبخوف من الحكايات التي تسمعها عن زيجاتها تحدث هكذا.
"ده ممكن يكون راجل معقد، وتدفعي أنتِ الثمن."
استمعت إليها جنة في صمت، وبمرارة كانت تهتف.
"لو رفضت يبقى بنهي على حياة بابا يا صفا، شكلي هرضى بمصيري، وعلى رأي عمتك يمكن أكون أنا الطريق اللي يرجعوا بيه شملهم من جديد."
فصرخت بها صفا حانقة، فهي تخبرها بمخاوفها، والحمقاء تستسلم لقرارهم الظالم.
"طريق إيه ده يا جنة اللي هتضحي بحياتك عشانه، هتجوزي واحد متعرفيهوش، واحد أكبر منك بـ 15 سنة."
***
توسدت صدره العاري، بعد ساعات قضتها بين ذراعيه.
تتبادل معه الحب رغم علمها أنه لا يبادلها إلا شهوة، وأنها مثله كمثل النساء اللاتي مررن بحياته.
حاولت ألا تصبح مثلما أخبرها آخر مرة اجتمعوا فيها، ألا تصبح كالزوجات امرأة متطلبة، تبحث عن النكد.
فهو يجتمع بها لإراحة ذهنه وجسده.
"جاسر."
انتبه على حديثها، وهي تلتقط منه سيجارته، وتدسها بين شفتيها.
طالعها وهي تزفر أنفاسها المعبأة بالدخان ثم سعالها الخفيف متعجباً، ولكن سرعان ما تلاشى تعجبه وهو يراها تنظر إليه تخبره.
"بشرب سجاير بقالي مدة."
حرك رأسه ساخراً، وهو يستمع لبقية ما أصبحت تفعله.
ولكن لا شيء كان يحرك فيه غريزة رجولته، فهي كغيرها.
تفعل ما تريد، لا شيء واحد أن تكون لرجل آخر ما دام هي معه.
ولكن بعد أن ينتهي العقد بينهم فلتفعل ما يحلو لها.
"مش مضايقة من اللي بعمله يا جاسر."
وببرود كان يجيبها بعدما نهض من جوارها.
"أنتِ عارفة الشرط الوحيد اللي بفرضه على أي ست بتجوزها، راجل غير لا، غير كده الأمر يخصه."
لم يترك لها مجالاً للحديث، فقد ترك الغرفة.
تلاعبت بخصلاتها وهي لا تعرف كيف تحرك غيرته، كيف تجعله يشعر بها.
وابتسمت وهي تراه يعود إليها، تظن أن ليلتهم ما زالت مستمرة.
ولكن عيناها قد تجمدت وهي تنظر نحو ما يمدّه إليها.
"إيه ده يا جاسر."
"زي ما اتفقنا في بداية جوازنا يا سهر، يوم ما هتشوفي الشيك ده، يبقى جوازنا انتهى."
وبقسوة لا تعرف كيف تتملك قلب هذا الرجل كان ينطقها.
"أنتِ طالق.. يا سهر."
***
أخذ يفرك في عنقه بقوة، وهو يتذكر حديث شقيقه معه، يتذكر قسوة كلماته وكم كان هو رجلاً بشعاً يدعي الفضيلة.
أغمض عينيه وقد عادت العبارات القاسية تحتل فؤاده.
"ذنبها عملتوه فيك فريدة يا عامر، يبقى متلومش على فريدة قبل ما تلوم على نفسك."
نهض من فوق مقعده، حائر الخطي، يشعر بثقل أنفاسه.
التقط هاتفه فقد اتخذ قراره سينقذ "أميرة" من هذا المصير الذي وضعها به.
ضغط على رقم شقيقه ينتظر جوابه.
"أحمد أنا هساعدها تتخلص من كل القذارة اللي بقت محوطاها، بس خليك متأكد أنا مظلمتهاش، أنا كنت.."
وقبل أن يخبره أنه كان سيتزوجها بعقد رسمي ولكنه وجدها قد تركت البلد بأكملها.
ولكن أحمد قطع حديثه يخبره بصدمة أخرى.
"أنا محتاج مساعدتك يا أحمد."
تجمدت ملامح عامر، فما الذي سيخبره به شقيقه هذه المرة؟
سقطت العبارات فوق أذنيه وقد قتمت عيناه، لا يصدق ما يسمعه منه.
هل سعت أميرة نحوه لتوقعه في شباكها وتنفذ مخططات الرجل الذي يهدده؟
هل لقاءها بشقيقه لم يكن بالصدفة؟
لقد بدأت الصورة تتضح إليه، اللقاء الذي تغافل عن سؤاله عنه ليلة أمس بعدما أخذ شقيقه يخرج عليه غضبه مصدوماً منه يفعل ذلك.
"يعني أنت وأميرة كنتوا.."
وقبل أن يهتف عامر بعبارته.
"أنا كنت بعتبرها أخت، صديقة.. لكن أنا ماليش دعوة بمشاعرها نحوه."
ارتسمت السخرية فوق شفتي عامر، فشقيقه جدير بأن يأخذ وسام البرود في حديثه أكثر منه.
"عامر هو أنت لسه بتحب أميرة."
"أنا محبتش أي ست يا أحمد، ومظنش هحب في يوم."
هتف بعبارته، يقسم داخله أنها لن يحب امرأة، وأن الزوجة التي سيبحث عنها ستكون من أجل الإنجاب لا أكثر.
ورغم ما يشعر به داخله من غضب ومشاعر لا يعرف ماهيتها، بعدما عرف بقرب شقيقه من المرأة التي عاشرها يوماً، هتف باهتمام حتى يعلم ما يثقل فوق كتفي شقيقه.
"إيه المشاكل اللي عندك يا أحمد، وأقدر أحلها ليك إزاي."
وهو كان أكثر من يعلم أن شقيقه، سيحل له الأمر مهما كان بينهم.
"عايز زوجة."
اقطب جبينه ينتظر سماع بقية حديث شقيقه.
"زوجة تكون عارفة، إنها في مهمة وهتعيش معايا هنا لحد ما أثبت وجودي في المؤسسة هنا."
انتهى الحديث بينهم، وقد ترك له الأمر، بعدما وضع له الشروط والمواصفات لهذه العروس.
***
وقد ظل ليلتين يفكر في أمر العروس التي سيبعثها لشقيقه.
أنهى عقب سيجارته التي لا يعرف عددها، يطرق سطح مكتبه.
منتظراً قدومها.
فقد اختار العروس أخيراً ولن تكون إلا "صفا"، لعله شقيقه يجدها في المرأة التي تزيل حب تلك الراحلة عن قلبه الذي أصبح أسير الذكريات.
قطع شروده، الطرقات الخفيفة التي حطت فوق باب الغرفة، ثم دخولها وتقدمها منه.
تنظر إليه بنظرات متسائلة.
"تعالي ياصفا."
أشار نحو المقعد وهو يتحرك نحوها، فطالعته وقد بدأت تشعر بالقلق من لطفه.
"هو في حاجة حصلت يا عامر بيه."
"اقعدي الأول، وأنتِ هتعرفي السبب يا صفا."
نفذت أمره، وجلست فوق المقعد وقد جلس قبالتها، يطالعها بنظرة طويلة، زادتها ارتباكاً.
"تتجوزي أحمد أخويا يا صفا."
تجمدت ملامحها، وقد اتسعت حدقتاها مما سمعته، ليعيد حديثه ثانية وينتظر جوابها.
ولكن سرعان ما كانت تفيق من حالة جمودها، تنتفض من فوق مقعدها.
"أنت بتقول إيه."
احتقنت ملامحه، وهو يراها تقف قبالته صارخة.
"أنت فاكراني إيه، ولا حضرتك عايز مقابل الفلوس دلوقتي يا عامر بيه، أنا كنت غلطانة لما فكرت إنك ممكن تعمل معروف من غير مقابل."
ألقت عباراتها عليه، دون أن تعطيها فرصة للحديث، وقد ازداد احتقان ملامحه من اتهاماتها اللعينة.
فهو لم يختارها إلا من أجل أن يمنحها فرصة للقاء الكاتب الذي تحبه.
"فلوس إيه اللي عايزاها مقابل منك، أنا عملت كده زي ما بعمل أي معروف مع حد مش لازم يعني أقولك إنها صدقة مني."
تناست الحدث الأساسي، والتقطت أذنيها آخر عباراته.
"صدقة."
تنهد وهو ماقتاً لحديثها وصغر عقلها.
"تحبي تسمعي سبب عرضي ولا هتفضلي واقفة قدامي تاخد الكلام على مزاجك."
وهي كالعادة لا تصمت، تحدثت بأشياء عدة، وهو قد اتخذ وضع الصامت.
يسمعها هذه المرة بملامح جامدة.
"مراد زين.. هو أحمد السيوفي يا صفا كاتبك المجهول."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئتها.
"مراد زين ده خالي الله يرحمه، والصورة اللي حب أحمد يظهرها ليكم."
ألقى عبارته، بعدما ضجر من سماع المزيد، وتلك المرة كانت تتسع حدقتاها في صدمة، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك على هيئ
رواية سطور عانقها القلب الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سهام صادق
أيام قضتها تفكر في قرارها، لا تستوعب حتى اليوم ما عرضه عليها "عامر السيوفي"، وما أخبرها به عن شقيقه. تنهدت بأرهاق من كثرة تفكيرها، فعقلها يرفض هذه الزيجة، ولكن قلبها ينسج لها الأحلام مع هذا الرجل، الذي خفق له قلبها من لقاء واحد جمعهما دون تخطيط، وقد تحركت مشاعرها نحوه. حلمت به لليالي، بل كلما جاء طيفه أمام عينيها ترتبك وكأنها تراه بالفعل. فهي مشاعر جديدة وغريبة عليها، لم تجربها يوماً، فقد قرأت الكثير عن قصص الحب والمشاعر ولكنها لم تعشها يوماً.
عادت تزفر أنفاسها ثانية، تشعر بالضجر من حالها، فأما أن توافق، أو ترفض. فلماذا تجلس تفكر بمشاعر قلبها اللعينة وكأنها تُماطل في قرارها الذي أصبح واضحاً؟
وفي لحظة، كانت تنتفض من فوق فراشها، تحك رأسها لتفكر أين وضعت هاتفها؟ فلا أحد تستطيع الحديث معه، إلا "جنه"، رغم أن حالها لم يكن يختلف عنها، بل هي أفضل منها، فقد جعل "عامر" القرار لها.
"هو أنا حطيت التليفون فين؟"
خاطبت حالها وهي تبحث عن هاتفها، لتتذكر أخيراً أين وضعته. اتجهت نحو الفراش ثانية، تلتقط الوسادة، فتجده أسفلها. التقطته وهي تتمنى أن تُجيب عليها "جنه" من أول رنين، ولكن الهاتف خذلها ولم تكن ابنة عمتها في نطاق الخدمة.
خرجت زفراتها هذه المرة بحنق، كما ارتسم الاستياء فوق ملامحها. ألقت الهاتف مجدداً، وأخذت تسير بالغرفة، تفكر للمرة الأخيرة.
القرار. ها هي تبلغه لـ"عامر" الذي ترك جريدته، والتف برأسه إليها يُحدق بها، يتأكد من سماع عبارتها. انتظر سماعها ثانية، فاطرقت رأسها تُعطيه الجواب بصوت هامس، جعله لا يصدق أن التي تقف أمامه ليست مرافقة والدته المتمرده.
"موافقة يا عامر بيه، بس عمي صابر يكون وكيلي."
وبالفعل تم كل شيء، رغم اعتراض العم صابر والسيدة صافية. وقد ذهبت هي إليهم أولاً تُخبرهم، ثم أتى بعدها "عامر" للبلدة ليأخذ موافقتهم بالأصول التي يعرفها وتربى عليها.
والزيجة قد تمت، والعمة وقفت تحتضن ابنة شقيقها ببكاء، وجنه لم يكن حالها إلا كحال والدتها، تُطالعها وهي تمسح دموعها، لا تصدق إنهم افترقوا.
طالعهم العم صابر، وقد علقت عيناه بابنته، فشعر بالندم من أجلها، ولكنه لا يستطيع رفض طلب شقيقه، فقد انتظر أن يعود شمله بعائلته منذ زمن، وليس لديه سبيل معهم إلا ابنته ليزوجها لابن أخيه وكبير العائلة.
"ماتقلقش يا عم صابر، صفا أمانة عندي قبل ما تكون أمانة أحمد أخويا."
فانتبه العم صابر على يد "عامر"، وقد ربت فوق كتفه.
"كلمتك، وعد شرف يا عامر بيه."
أومأ له "عامر" برأسه، متفهماً خوفه عليها، ولكنه أعطاه كلمته.
***
تأملت السحاب حولها على متن الطائرة المتجهة إلى أمريكا، تغمض عينيها وهي تفكر في لقائهم الأول، وكيف ستكون شخصيته، وكيف ستعيش معه وتجعله يتقرب منها ويحبها. فكرت بكل شيء بحالمية، فهذه هي عادتها، ترى كل شيء بأحلام وردية. بل أخذت ترسم حياتها القادمة معه. ولحماقتها، بدأت تتخيل حالها بين ذراعيه يسرد لها الحكايات، وهي تخبره إنها أحبته من كلماته منذ أن أبصر قلبها على كتاباته، وهو يطالعها بسعادة. سبحت في خيالها وتناست ما تعيشه، ما هو إلا مشاهد تضعها بعقلها فيتوق لها القلب.
"لأ مش لازم تخليه يعرف إنك عارفة هويته المستعارة يا صفا، عامر بيه قالك إنه يوم ما هتكوني قريبة منه وتعرفي مكانتك عنده، هتلاقيه بيحكيلك عن كل حاجة مرت في حياته."
وبسعادة كانت تبتسم لحالها، فبالتأكيد سيأتي هذا اليوم قريباً وسريعاً. فازداد حماسها باللقاء المنتظر، ولطول الرحلة كانت تغفو مع أحلامها دون شعور.
***
أخذت تُقلب بصرها في أركان الغرفة المظلمة، وهي جالسة على نفس وضعيتها، بعدما دفع الوسادة إليها وغطاءً، مشيراً للأريكة بفظاظة أن تغفو فوقها، فقد أصبحت فراشها منذ اليوم. طالعته بكره وهو يغطي في ثبات عميق فوق الفراش الواسع، وقد بدأت جفونها تثقل من شدة النعاس، فلم تجد إلا أن تتمدد فوق الأريكة تغفو عليها مرغمة.
انتفضت مفزوعة، بعدما شعرت بسقوطها فوق الأرض، وقد شبكت ساقيها بالغطاء، وكلما كانت تحاول النهوض، كانت تتعرقل وتسقط ثانية. تنهدت بضجر، عندما تخلصت من الغطاء أخيراً، وعادت تتسطح مجدداً فوق الأريكة، شعرت بتقلبه فوق الفراش، وقد كان يغفو براحة، عقلاً وجسداً. وكلما كانت تقع عيناها عليه وهو نائم، كانت دموعها تنساب فوق خديها، فقد أصبحت زوجة لذلك القاسي، المتعجرف.
أغمضت عينيها، لعلها تعود لغفيانها، ولكنها أخذت تتقلب فوق الأريكة، وذكريات هذا الأسبوع عادت تقتحم عقلها وقلبها. شردت في يوم عقد قرانها، حيث كانت أول مرة تراه فيه. فكل ما علمته عنه، كان من أحاديث عمتها، وقد تجنب اللقاء بها. وكما أخبرت والديها، عمتها إنه طرأ له عمل لا يستطيع تأجيله، واضطر للسفر خارج البلاد. وضعت له "السيدة منيرة" الحجج والأعذار، حتى تجمله أمام والديها، وبالفعل قد حصل على تقديرهم الذي أدركت تصنعه فيه، حتى يظهر لهم في أفضل صورة.
ارتسمت ابتسامة ساخرة فوق شفتيها وهي تتذكر لطفه معهم، وقد تجاهلوا حنقهم منه قبل عودته بليلة، وقد قرروا الرحيل في الصباح. ولكن عمتها تغلبت على عقل والدها لينتظر قليلاً، وكأنها كانت تعلم بموعد عودته. ولم تمر الساعات حتى أتى هو دون أن يهتم لرؤيتها، وبسهولة كان ينال حب والدها ووالدتها التي كانت تدعمها حتى لا تتم تلك الزيجة. ولكنها أصبحت كحال والدها سعيدة بزواجها.
"ما شاء الله عريس يا بنتي ولا في الأحلام، مال وجمال وهيبة مالي مركزه.. ده جابلك فستان الفرح معاه من بلاد بره، احفظي عليه يا جنة، شكل دعوتي ليكي بأبن الحلال ربنا استجابها ليا يا بنتي، هو ابن عمك يا بنتي وعمره ما هيأذيكي."
ترددت عبارة والدتها، داخل عقلها، ولولا سكون الليل لكان صوت ضحكاته قد تعالي. فأين هو ابن الحلال، الشهم ذو الطباع الكريمة، الذي تحلم به جميع الفتيات؟
فاقت من أفكارها، وقد بدأ صوت أذان الفجر يعلو، ولدهشتها كانت تجده ينهض من فوق الفراش. لم يهتم بالنظر نحو مكانها، وكأنه نسي أمرها. وسرعان ما كانت تجده يخرج من المرحاض وهو يتنحنح، ويتجه نحو الخزانة يلتقط عباءته الصعيدية وينثر عطره. ولوهلة كانت تستمتع بالنظر إليه أسفل الغطاء.
شعرت باقترابه نحو الأريكة، فاغمضت عينيها سريعاً، وحاولت كتم أنفاسها، ولكن شعرت بالغطاء يطيح من فوقها وهو يرمقها بقوة، ويهتف بغلظة.
"قومي صلي الفجر، وعايز لما أرجع ألاقيكي حضرتي الفطار يا عروسة."
***
وقفت تتمايل بين أحضانه وهو يراقصها كالأميرة، تغمض عينيها وهي تتذوق العسل من عشقه وكلماته وتذوب بين همساته، وقد ارتفعت وتيرة أنفاسها وأخذ قلبها العاشق يدق كالطبول، تستمع لصوت همساته بعدما عبثت لمساته بروحها.
"بحبك أوي يا صفا."
تترنح "صفا" بين يديه، فيتابع هو حديثه العاشق الذي حلم به قلبه وظنها حلماً بعيداً.
"انتي هدية الزمن ليا يا صفا... مراد زين الحقيقي اتولد على إيدك."
فترفع تلك العاشقة المتيمة بحبه عينيها لأعلى، فترى نظراته الصادقة، ثم عادت تختبئ بين أحضانه أكثر.
"أنت كنت حلم بعيد أوي... معقولة أتحقق بالسرعة دي؟"
فتفيق وتفتح عينيها الحالمة بالأوهام، وتتأمل المكان حولها لتجد أن الطائرة تستعد للهبوط. التقطت أنفاسها، بعدما ارتفعت وتيرتها من هول هذا الحلم على قلبها، فارتسمت فوق شفتيها ابتسامة عاشقة وكأنها ما زالت في حلمها.
***
أخذ يُقلب في أوراقه كالتائه، يمسك أحد الأقلام وهو يطالع ساعته من حينا لآخر، فموعد وصول تلك الزوجة التي قد اختارها له أخيه. وقد حاول أن يذكرها بها، فقد رآها بالمزرعة، ولكنه تظاهر أنه لا يتذكرها. توقف عن التحديق في الأوراق التي أمامه، والتقط ورقة وأخذ يحرك قلمه بحركات دائرية فوقها، لعله يهدئ من أفكاره حول من ستكون دخيلة على حياته برغبته. ولولا ما حدث معه، ما كان فكر بالأمر.
عاد يلتقط هاتفها، لينظر إليها مجدداً ولا يُنكر أن ملامحها قد اقتحمت مخيلته ذات ليلة، فذكرته بزوجته وحبيبته الراحلة، التي أقسم ألا يتزوج بعدها. ولكنه سيفي بوعده الآخر، فلا أحد سيشاركها قلبه.
"سامحيني يا مها، غصب عني."
***
أغمضت "جنة" عينيها من هول الزغاريد التي أصمت أذنيها، وعمتها تأخذها بين أحضانها تبارك لها، ولكن بداخلها تعلم تماماً بما تعاني ابنة أخيها. ولكن ما جعلها تطمئن قليلاً هي ابتسامتها المرتسمة فوق ملامحها، وقد استطاعت رسمها ببراعة من أجل ألا تشمت أحد بوالديها. أبعدتها "العمة منيرة" عن أحضانها تنظر إليها، ثم عادت تضمها نحوها بقوة وبهمس كانت تخبرها.
"الست الشاطرة، هي اللي بتحفظ أسرار بيتها... وأنا بنت أخويا متربية وبنت أصول."
التقطتها ذراعين "صافية" المشتاقة لابنتها، وقد ضمتها إليها بقوة.
"قمر يا بنت بطني، أكيد رفعتي راس أبوكي وراسيت."
تلقفتها أحضان الأهل، وهي كانت شاردة، تستمع لأحاديثهم نحو السعادة الأخرى التي سوف تدخل بيت المنشاوي، إذا جاء الحفيد. ضحكوا، وحلموا بالقادم. وكلما تحدثوا كانت تبتلع غصتها، فحديثه لها هذا الصباح لا يغادر عقلها، ولم تكن إلا عبارات يرفقها بقول لا أو ممنوع خروجها من منزلهم لمنزل والده. الطعام هناك معهم، لا تتدخل في أموره ولا أمور عائلته، تكون كالصماء بينهم، لا تنتظر منه أن يكون زوجاً، لا فعلياً ولا بأي صورة أخرى. لا تسأله إلى أين، ولا مع من تكون. لا يحب الحديث كثيراً ولا يحب المرأة الثرثارة. وإذا خرج شيء عن علاقتهما، سيدفعها ثمن ذلة لسانها وستنال منه أشد العقاب. غرفتهم هي من ستنظفها، وفي بيت العائلة ستساعد في الطبخ وتنظيف المنزل مع الخدم، ولا تعد نفسها عروساً مدللة.
سمعته، وصمتت. ليتها كانت شخصيتها قوية كابنة خالتها، ليتها كانت "صفا" لاستطاعت نيل حقها منه.
أتى لحظة رحيل والديها، ورغم إصرار عمتها وعمها حسن للبقاء معهم، إلا أن والدها فضل الرحيل والعودة لمنزله والبلدة التي بها أحبابه وجيرانه. سقطت دموعها بعدما احتضنتها والدتها تودعها.
"يا بنت بطني، عمتك هنا بدالي، أنا لازم أرجع بلدنا يا بنتي، حالنا وحياتنا هناك أنا وأبوكي ما نقدرش نبعد عن البلد."
والتفت بعينيها تطالع زوج ابنتها، الذي ستظل لأشهر تفتخر به لجيرانها وتريهم صورة ابنتها وهي عروس جواره.
"وجاسر وعدنا إننا أول ما نشتاقلك وتشتاقلنا هيجيبك لينا على طول، وإحنا هنيجيلك ديما يا بنتي."
وأردفت داعية الله، أن يتم المراد بسرعة.
"ربنا يرزقك الذرية الصالحة يا بنتي."
تجمدت حواس "جاسر" وهو يستمع لهذه الدعوة، وتمنى داخله أن ينتهي هذا اللقاء السخيف، الذي أخذ منه مجهوداً وهو يرسم دوره ببراعة أمام عمه وزوجتها.
احتضنها "صابر" وقد سقطت دموعه هو الآخر، فاقتربت منه منيرة تربت فوق كتفه.
"بنت أمانة عندنا يا صابر ماتقلقيش، كان نفسي ترجع تعيش وسطنا."
والتفت نحو "جاسر" الذي ابتعد عنهم قليلاً حتى يحادث أحد رجاله.
"ابن أخوك راجل وهيحافظ عليها يا صابر."
اطمأن قلب "صابر" و"صافية" وقد أخذوا الوعود منهم، والدور الذي أتقنه أكمله حتى النهاية، ولم يرحل عمها وزوجته إلا وهم مطمئنين، سعداء بسخاء زوج ابنتهم وفهمهم للأصول.
فرغ المنزل منهم أخيراً، فوقف يزفر أنفاسه، وهو يراها تصعد للأعلى.
"رايحة فين يا عروسة؟"
هتف عبارته الساخرة، وهو يُحدقها بجمود، التفت إليه تطالعها ببراءة لا يحبها في أعين النساء.
"أنتِ هتفضلي خرسا كده، مش سامعة بقولك إيه؟"
"أفندم."
حاولت نطقها بثبات، ولكن نبرتها خرجت بتعلثم، فاقترب منها، مشيراً نحو المطبخ.
"حضريلي الأكل، مش عريس أنا برضو."
وبوقاحة كان يهتف عبارته، فاحتقنت ملامحها.
"عمتي جايبة أكل كتير، في التلاجة.. ممكن تسخنه."
وقبل أن تُخبره عن كيفية تسخين الطعام، كانت تصرخ من شدة الألم، بعدما قبض فوق ذراعها.
"أسخن إيه يا حلوة، عشر دقايق وألاقي الكل قدامي، مفهوم؟"
وبقوة كان يدفعها من أمامه، فركضت نحو المطبخ تحتمي به، فوقف ينفض كفيه هاتفا.
"حسك لو سمعته تاني، مش هتعرفي هيحصل ليكي إيه، ما أسمعش منك غير حاضر ونعم."
وصرخ بعلو صوته.
"مفهوم."
وبشهقات كانت تكتمها بكفها، كانت تهتف بخوف.
"مفهوم."
***
أخذت صفا تفرك يديها بقوة وذلك السائق يطالعها بابتسامته الباردة. شعرت بالصدمة وقد تجهمت ملامحه، تتساءل داخلها، كيف لا يأتي هو ويستقبلها بباقة الأزهار التي حلمت بها كثيراً، فهي عروس وتستحق بعض التدليل. خدعتها أحلامها كالعادة، وقد ضاع حلمها الآخر، ولم تر السعادة التي تخيلت أن تراها في عينين شريك حياتها، كلما كانت تحلم بهذا اليوم مع ابنة عمتها.
سارت السيارة بها، فتركت لعينيها حرية النظر لجمال البلد التي انتقلت إليها، وقد تناست أمره. رمقها السائق عبر المرآة وهو يراها ملتصقة بنافذة السيارة، تبتسم وتلوح لكل شيء يقابلها.
توقفت السيارة أخيراً عند إحدى البنايات الفاخرة، فقد كان المنزل عبارة عن فيلا صغيرة ترفقها حديقة رائعة بحمام سباحة بالخلف. أسرع السائق بالترجل من السيارة واتجه إليها يفتح لها الباب مرحباً بقدومها، ولكنها تعجبت من تشبثها بالمقعد، تنظر إليه بقلق وقد اختفت ابتسامته، وبعربية وقد تناست عدم فهم السائق لها.
"هو مش هيجي يستقبلني، مش كفاية مجاش المطار؟"
أومأ الرجل رأسه، نافياً عدم فهمه لحديثها، وقبل أن تنتبه على حماقتها، كانت الخادمة تخرج إليها، وعلى وجهها ابتسامة واسعة، مرحبة بقدومها. والسؤال الذي كانت تخبر به السائق للتو، أخبرته للخادمة، التي طالعت السائق "نيمار" وهي لا تفهم ما تتحدث عنه.
تنهدت "صفا" ضجراً من غبائهم، ولكن سرعان ما كانت تدرك أن الغباء بها وحدها. ترجلت من السيارة ولكن من الباب الآخر تهتف مازحة، بعبارة إنجليزية قد حفظتها من الأفلام.
ولم يكن هو إلا واقف خلف ستار شرفته، يطالعها ويرتب أفكاره.
***
وقف يطالعها بسكون تام، فاطرقت رأسها أرضاً وقد تورّدت وجنتيها خجلاً. انتظرت أن يُخبرها بكلمة لطيفة عن فستانها، وجمالها، يخبرها إنه يتذكرها. ومع غوصها في أحلامها، كان يقترب منها بخطوات هادئة، وقد سلب عطره أنفاسها. أصبحت المسافة بينهم منعدمة، رفعت عينيها إليه، وعندما تلاقت عيناهما، كانت تهرب من نظراته خجلاً. طالت وقفته وشعرت بنظراته تتفرس ملامحها، وهي صامتة، مرحبة.
ظنت أنه سيطبع قبلة فوق جبينها، وقد أرادت هذا الأمر بشدة، فهذا كان من أحلامها، فليحققه لها فهي عروس. وأغمضت عينيها وهي تغوص في أحلام نسجتها معه، ولكن سرعان ما كانت تفيق من غفوتها وقد تجمدت ملامحها وهي تسمعه يهتف ببرود ويمدّ لها كفه حتى يصافحها.
"أهلاً يا صفا."
طالعت كفه الممدود في ذهول، وسرعان ما انتبهت على تجمد عينيها نحو كفه، فصافحته وهي تبتلع مشاعر السلب داخلها، فلم يتحقق لها حلم حتى هذه اللحظة.
"اتقابلنا قبل كده يا صفا؟"
هتف عبارته، وقد عاد قلبها يخفق. فهو يتذكرها، وما دام قد تذكرها بالتأكيد قد علقت في عقله. وبهمس كانت تتمتم.
"اتقابلنا في المزرعة، في مكتب الأستاذ فتحي."
أومأ برأسه، وقد الجمود يرتسم فوق ملامحه. ارتبكت قليلاً وهي لا تعرف إلى متى ستستمر هذه الوقفة.
"قبل طبعاً ما تطلعي لأوضتك، محتاجين نتكلم شوية."
طالعته في صمت، وقد شعرت أن حديثه به شيء، توترت قليلاً مبتسمة.
"أنا فعلاً محتاجة السرير."
ابتسم على عبارتها، فكما أخبره شقيقه، إنها ظريفة الطبع وخفيفة الظل.
"كلامنا مش هياخد، غير عشر دقايق يا صفا."
وبابتسامة واسعة، كانت تنظر إليه، تنتظر سماعه.
"أنتِ طبعاً عارفة سبب جوازي منك يا صفا، أكيد عامر بلغك بالأسباب."
تلاشت ابتسامتها، وقد شحبّت ملامحها. فعن أي أسباب يتحدث؟ أخبرها أن شقيقه يريد عروساً تؤنس وحدته في غربته. ورغم إنها لم تكن يوماً تتمنى الزواج هكذا، إلا إنها قبلت بالأمر، فهذا الرجل كان حلماً لها ذات يوم، وهي تظنه عجوزاً من شخصيته المستعارة.
لم يتلقى منها أي عبارة، وقد فهم أن شقيقه لم يخبرها عن أمر الزيجة ودورها، وكيف ستعيش معه، وإلى متى؟
"إظاهر إن عامر مالكيش كل حاجة عن جوازنا."
وبتلعثم كانت تجيبه، عما أخبرها به عامر.
"قالي إنك عايز عروسة، تكون معاك في غربتك."
تعالت ضحكاته رغما عنها، بعدما استمع لعبارتها. فحقاً شقيقه متلاعب بالكلمات. رمقته وهي تنهض من فوق الأريكة، وقد أوجعها استخفافه. عاد يطالعها بعدما التقط شيئاً ما من فوق سطح مكتبه، ولم يكن إلا عقداً يرفقه صكاً.
"جوازنا هيكون لمدة سنة، لحد ما أخلص مشروعي هنا، ويستقر وضعي في المؤسسة، بعدها هننفصل، وتشوفي حياتك، ومتخافيش مش هتطلعي من الجوازة خسرانة حاجة."
ازدادت ملامحها شحوباً، وقد استمر في إلقاء عباراته، يخبريها ببنود العقد، وها هو آخر حلم يضيع منها ويسقط بالوحل.
"عايزاني أحط في حسابك كام يا صفا، عايزة كام لموافقتك على عرض الجواز؟"
***
أخذت عبارات تلك الجالسة، تسقط على قلبها كنصل السكين، فحتى لو لم تحب هذا الرجل، لكنها لا تتحمل سماع شيء عن حياته القديمة، وما كان يقدمه لزوجته، التي كان يعشقها ويطير بها جنوناً. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل جلبت إليها صورة لتريه ملامحها الجميلة الفاتنة، وأنوثتها الطاغية.
"أكيد خلقتك هي اللي طفشته، فيه عريس يروح شغله بعد يومين جواز؟ فين أيامك يا مرام.. ما كانش بيقدر يبعد عنك ولا يوم واحد."
تذكروا حكايات الزوجة الأولى والغرام الذي لم يكن ينطفئ لليلة، بل كانت ترافقه بكل مكان يذهب إليه. تعالت ضحكاتهم، وهم يرون معالم وجهها كيف أصبحت، بل أخذت تتهرب من نظراتهم عليها، تقبض فوق قماش ثوبها في صمت، تتذكر وعيده لها، فإذا نطقت بشيء سيريه كيف تكون معاملتها له. حبست دموعها العالقة تتمنى انتهاء هذه الزيارة حتى تهرول إلى غرفتها وترثي حالها.
"قوليلي يا جنة، هو انتِ بتجيبي فساتينك منين، أصلهم عاجبيني أوي."
هتف "نيرة" عبارتها ساخرة، فتعالت ضحكات "أروى" و"هدى" مجدداً، يرمقونها بنظرات فاحصة.
"انتِ إزاي وافقتي تتجوزي واحد متعرفيش عنه حاجة؟"
ونهضت "نيرة" عن مقعدها واقتربت منها، تستطرد عبارتها، وتنظر نحو ابنة خالتها وشقيقتها.
"أكيد عشان الفلوس، فعلاً الفقر وحش."
لم تتحمل "جنة" سماع مزيد، وفي لحظة لم تتوقعها نيرة، كانت تسكب كأس العصير فوق وجهها، تحت نظرات أروى وهدى المصدومتين بعدما نهضوا عن مقاعدهم.
وبعويل وصراخ كانت تصيح "نيرة" بعبارات حانقة، متوعدة لها.
رواية سطور عانقها القلب الفصل العشرون 20 - بقلم سهام صادق
جلست شارده فوق فراشها، ورغم جمال الغرفة التي أصبحت تُقيم فيها، والسعادة التي أتت بها لهنا، إلا أن كل شيء اختفى من داخلها. ضاع حلمها الجميل، ولم تبقَ إلا عباراته القاتلة تقتحم عقلها منذ تلك الليلة.
"عايزاني أحط في حسابك كام يا صفا؟ عايزه كام لموافقتك على عرض الجواز؟"
عبارة أحرقت قلبها الحالم، فأطبقت فوق جفونها بقوة. وقد عاد المشهد يتجسد إليها ثانية وهو يُضيف على حديثه دون أن ينظر إليها.
"مليون جنيه كويس يا صفا، لو عايزه أكتر أنا موافق."
ارتسم الألم فوق ملامحها، تهز رأسها رافضة لعلها تطرد كلماته. إنه وقف يُسعرها وكأنه يُسعر شيئًا يشتريه. سقطت دموعها، فلم تكن تظن أن هذا الرجل كحال شقيقه لا يمتلكون إلا المشاعر الباردة. لقد ظنته رجلاً كأبطال الروايات، ولما لا يكون مثلهم وهو يجعلها تشعر بمثالية أبطالها وتضحياتهم من أجل الحب. ولكن "أحمد السيوفي" كان مختلفًا تمامًا عن هذا الرجل الذي رسمته بخيالها، وقد ركضت وراء سراب واستمعت لقلبها.
فاقت من شرودها، وهي تستمع لبضعة طرقات فوق باب غرفتها. فاعتدلت على الفور، وكما توقعت، كانت الخادمة الجميلة تدلف لغرفتها، ولكن هذه المرة كانت تُخبرها أن السيد "أحمد" يريدها.
خرجت من غرفتها، تهبط لأسفل حيث غرفة مكتبه. ولكن توقفت مكانها وهي تستمع لصوت ندائه باسمها.
"صفا."
أطبقت فوق جفونها بقوة، فصوته يُذكرها بحديثه القاتل معه. وهو يعطيها المال من أجل موافقته على زواج لن تكون فيه إلا ضيفة وشريكة سكن لا أكثر ولا تحلم بأن تتطور علاقتهما. حذرها من الوقوع بحبه. كان جبارًا، قاسيًا وهو يقف أمامها وعيناه في عينيها يُخبرها أن تحترس.
اقترب منها، بعدما ظنها لم تسمعه. فالتفت إليه.
"أفندم؟"
"هعمل تليفون لمصر، وعامر وماما عايزين يطمنوا عليكي. فأنا شايف إن وجودك جنبي وإحنا بنكلمهم هيطمنهم أكتر خصوصًا ماما."
وابتسم بلطف وهو يتذكر حديث والدته عنه، وكيف أخذت توصية عليها ليلة أمس. والدته التي لا تحب الناس بسهولة، أصبحت هذه الفتاة لديها مكانة كبيرة في قلبها.
أومأت برأسها إليه، فهذا من بنود العقد الذي وقعته، حتى تحافظ على ماء وجهها ولا يظنها إنها تسعى للتقرب منه، فلن تأخذ امرأة قلبه بعد زوجته الراحلة.
***
احتدت عيناه وهو يقترب منها، فتراجعت للخلف حتى التصق جسدها بالجدار. أغمضت عيناها بقوة، بعدما شعرت بأنفاسه قربها.
"أنا مش قولتلك احترم عيلتي من احترامي."
حركت رأسها بخوف، فضاقت عيناه وهو يرمقها.
"كلامي متنفذش ليه؟"
وبصعوبة، كان يخرج صوتها من شدة ذعرها من نظراته القوية.
"أهانتني في بيتي."
التقط ذراعها بقسوة، وقربها منه. فانصدمت بصدره الصلب وخرجت شهقتها بفزع.
"وأنتِ فاكرة نفسك هانم في بيتي، تهيني أهلي وتطرديهم؟"
"أنا مطردتش حد."
دفعها نحو الجدار، فارتصم به جسدها، لتصرخ متأوهة.
"وأروى أختي ومرات فاخر أخويا هيكدبوا برضه، ونيرة اللي غرقتيها بالعصير؟ هقول إيه عن تربية..."
وقبل أن يُكمل عبارته، كانت تهتف صارخة.
"متغلطتش في أهلي، أهلي شرف مليون مرة من واحد زيك."
تعالى صوتها هذه المرة بقوة، فعاد يلتقط ذراعها بقسوة وقد عاد الوعيد لعينيه.
"لو دفنتك دلوقتي، محدش يقدر يسألني عملت كده ليه."
شعرت بالاختناق وهو تشعر بكفيه، تحاوط عنقها.
"بكرة تروحي بيت العيلة تخدمي وسط الحريم، وحسك عينك أسمع ليكي صوت تاني."
التقطت أنفاسها بصعوبة بعدما دفعها بقوة عنه، قد كاد يقتلها هذا الوحش الذي لم ترَ مثيل في جبروته.
***
ظلت تتأمل ظلام الليل من الشرفة الصغيرة المفتوحة، وكأنها تنظر إلى ظلمة قلبها الذي فقد الحياة من شدة ظلمته. سقطت دموعها، كحال كل ليلة. فلم تعد تعرف أي ليلة باتت فيها دون أن تبكي فوق وسادتها حتى تثقل جفونها وتسقط نائمة.
كان الظلام يُحاوط الغرفة، ولم يكن حال قلبها إلا شبيهًا بتلك الغرفة المظلمة. طالعت أجساد أولاد شقيقه. فمنهم من يغفو أرضًا وآخرين فوق الأسِرَّة الصغيرة ذو دورين.
أسرعت في مسح دموعها، عندما التقطت عيناها ابن أخيها، وهو يستيقظ ويفرك عيناه بقوة يبحث عنها كعادته. اقترب منها بلهفة، يرتتمي فوق جسدها، ضمته إليها بقوة تلمس فوق خصلاته الناعمة تسأله بحنو.
"صحيت ليه يا حبيبي؟"
"حلمت بالعفريت يا عمتو، كان عايز ياكلني من رجلي."
ابتسمت على حديثه، فبالتأكيد قد قص عليه أحد إخوته. حكاية من حكاياتهم حتى يجعلوه يخاف وينام على الفور دون أن يزعجهم بحديثه وأسئلته الكثيرة.
"محمد وعلي بيضحكوا عليك عشان عارفين إنك بتخاف."
ابتعد عنها الصغير ونظر لها ببراءة يسألها عن كذب أخوته.
"يعني هما بيكدبوا عليا؟"
أومأت له برأسها، فهز رأسه هو الآخر.
"أنا هفتن عليهم، لما يروحوا يلعبوا كرة، ويهربوا من المدرسة."
ورغمًا عنها كانت عيناها تدمع من الضحك. بسبب توعد الصغير لإخوته، شاركها الصغير الضحك وهو يتثاءب وقد دس رأسه في حضنها.
"أنتِ اتأخرتي ليه النهارده يا عمتو؟"
"كان عندي شغل يا حبيبي."
"هتجيبيلي اللعبة اللي قولتيلي عليها؟"
وضعت قبلة فوق رأسه، تخبره بالجواب الذي ينتظره.
"هجبهالك يا حبيبي."
اتسعت ابتسامة الصغير، وعانقها، يُخبرها أنه يحبها كثيراً وكثيراً.
"احكيلي حدوتة كل يوم يا عمتو."
***
وفي ناحية أخرى من هذا البيت القديم، كانت إحداهن تبث السموم في أذنين زوجها.
"هنفضل لحد إمتى يا رجب نستحملها؟ أنا تعبت بقي، نفسي أحس إني ست البيت ده لوحدي."
وتابعت حديثها بحنق، فقد فعلت الكثير حتى تجعلها تفر من البيت دون رجعة. لكنها كانت كاللعلقة في حياتهم. مهما أسمعتها من عبارات متهمة لا يتحملها أحد، تنظر إليها مبتسمة بل وتشكرها.
"أنا ذنبي إيه إن أختك المعنسة ديه تفضل عايشة معايا؟"
نفث الراقد دخان سيجارته المحشاة بالحشيش بتمهل، وقد بدأ يشعر بالضجر من حديثها الذي لا ينقطع عن شقيقته، فماذا سيفعل لها؟ هل يطرد شقيقته من منزل والديها أم يطلقها ويرتاح من حياته ومن ثرثرتها؟
عاد يسحب نفسًا عميقًا من سيجارته، لعله يذهب لعالم آخر ويفقده تركيزه ويرى الحياة وردية وجميلة.
"كفاية بقى وجع دماغ يا سناء، هو انتي مبتزهقيش؟"
وبضيق كانت تتمتم، بعدما سحبت منه سيجارته.
"لا مبزهقش يا رجب."
التقط منها السيجارة حانقًا، فامتعضت ملامحها.
"هفضل لحد إمتى أقولك إن حياة ليها نصيب زيها زي أي حد في البيت."
وبضيق كان يردف.
"ده لولا شغل حياة أختي ومساعدتها لينا في المصاريف كان زمانا بنشحت، وبنربيلك العيال، وعمرها ما اتأخرت عنك في حاجة. تنسي الجزمة اللي لسه جايبهالك الشهر اللي فات؟"
"اتقطعت يا أخويا."
هتفت حانقًا، فاشاح رجب عيناه عنها. فلو نطق بكلمة أخرى سيكون طلاقها.
اقتربت منها، بعدما وجدته يبتعد عنها، تُداعب صدره بأناملها مستخدمة سلاحها الآخر، وقد استطاعت جذبها إليها وقد لمعت في عينيه الرغبة.
"يا رجب وافق تجوزها لمسعد أخويا."
أوهت في صدمة، بعدما دفعها عنه ونهض من فوق الفراش.
"أجوزها لمين يا أختي؟ لمسعد أخوكي تاجر المخدرات؟ نامي يا سناء بدل ما يطلع عليكي صبح."
***
تعلقت عيناه بتلك الزاوية التي كانت تجلس بها تترجم له بعض الأوراق. تلمعت عيناه وهو يتذكر مشاغبتها وثرثرتها الدائمة، حتى إنها لم تكن تهابه مهما صرخ بها وجعلها ترى وجهه الصارم. عاد السكون لقصره ثانية، وقد عاد الخواء يحتل قلبه مجددًا.
فاق من شروده، بعدما تقدمت منه الخادمة بفنجان قهوته وتنحنحت حرجًا وهي تضعها أمامه.
"القهوة يا بيه، حضرتك عايز مني حاجة تانية؟"
"شكراً يا سعاد."
أسرعت في الانصراف عائدة للمطبخ بعدما أعطاها جوابه، عاد لشروده ثانية وهو يرتشف من فنجان قهوته. متذكرًا هذه المرة، المرأتين اللتين مروا بحياته وكلاهما أحبوا شقيقه. فريدة التي غادرت البلاد منذ يومين وقبل رحيلهم سعت للقاءه ثانية ولكن هذه المرة لم يسمح لها برؤيته. وأميرة التي هاتفته اليوم تشكره على ما فعله معها وإنقاذه لها، ومنحها فرصة جديدة في بلد آخر، ترددت عبارتها الأخيرة له وكأنها كانت تدعو عليه بالشر.
"أتمنى يجي اليوم اللي تحب فيه، وتعرف يعني إيه حب يا عامر."
سرعان ما كان ينفض رأسه من أفكاره، للمرة التي لا يعرف عددها يهتف لحاله.
"أنا والحب طريقنا بقي مستحيل، ولو فكرت أتجوز هتكون مجرد ست عارفة دورها كويس في حياتي، للمتعة وبس."
بصعوبة كان يُدلك عنقه، لعله يسترخي قليلاً، ويعود لمطالعة ملفاته وعمله الذي لا ينتهي ولا يريد له نهاية، فهولا يجد نفسه إلا في نجاحه واتساع مشاريعه.
ولكن توقف فجأة وهو يتذكر تلك الهدية التي يجب عليه جلبها. لعيد ميلاد ابن صديقه أكرم. حاول تذكر اليوم الذي أبلغه فيه عن موعد حفل الصغير. لتتسع عيناه وهو ينهض عن مقعده غير مصدق أنه الليلة وعليه الذهاب لإحضار هدية أولاً، فقد أخذ منه أكرم وعدًا.
***
وقفت تُطالع متجر الألعاب الضخم، الذي يقابل متجرهم. وقد علقت عيناها باللعبة التي رآها ابن شقيقها، عندما أتى معها هنا منذ عدة أشهر. ومنذ ذلك الحين يُخبرها عن هذه اللعبة. حتى إنه ادخر المال من مصروفه الصغير لتجلبها له. ابتسمت بمرارة وهي تتذكر فئة المائة جنيهات وهو يُعطيها لها. يُخبرها أن تجلب له اللعبة بها، والصغير ينتظر اللعبة التي لا يقل ثمنها عن سبعمائة جنيهاً. صحيح ليست باهظة الثمن كاللعب الأخرى ولكنها لا تستطيع تحمل تكلفتها، خاصة أن سناء لا تضع أمامها فرصة لتدخر شيئًا أو تجلب حتى شيئًا لحالها، غير الهاتف الذي ما زالت تدفع قسطه ولم تهنأ به. فالهاتف يحتاج للمال حتى تصلحه.
اتسعت حدقتاها وهي تحدق في ذلك الرجل الذي تتذكر أن رأته من قبل. إنه هو من أسقطها أرضاً بعدما صدمها بسيارته.
رأته وهو يُخرج المال بعدما اشترى هدية من المتجر، فعُلقت عيناها بالهدية التي كانت تجاور اللعبة التي يريدها ابن شقيقها. تدعو الله أن لا يشتريها أحدًا. ولكن عيناها قد لمع بهما الفزع وهي تراه يأخذ اللعبة الأخرى ويدفع ثمنها.
أسرعت لداخل المتجر، تخبر صاحبة المتجر، وتنظر نحو الفتاة التي تعمل بالمتجر، وقد طالعتها بأسف، فصاحبة المتجر هنا اليوم، ولن تستطيع التفوه بشيء وإخبارها أن هذه اللعبة قد حجزتها منذ أشهر حتى يتوفر المال معها وتأتي لأخذها.
"اللعبة دي أنا حاجزها يا مدام سماح."
ضاقت عينين الواقف، وقد تذكرها. إنها هي الفتاة التي صدمها بسيارته. تجاهلتها صاحبة المكان. ونظرة نحو العاملة.
"إيه الكلام اللي بتقوليه ده يا زينة؟"
هتفت الواقفة بتردد، بعدما رمقت "حياة" بأن تصمت.
"حياة من مدة طلبت تشتري اللعبة، وأنا قولتلها طول ما اللعبة موجودة، تقدري تاخديها بعد ما تجمعي تمنها."
أومأت السيدة سماح برأسها، تنظر نحو حياة التي وقفت مرتبكة من نظرات الواقف.
"اللعبة اتباعت خلاص."
وعادت تصب اهتمامها نحو "عامر" الذي أشاح عيناه عنها.
"محتاج حاجة تانية يا فندم؟"
غادرت "حياة" المتجر بحزن، تتذكر ابن شقيقها وكيف سيحزن لأنها لم تبتاع له اللعبة. اتجهت نحو المتجر الذي تعمل به فقد انتهى وقت راحتها وعليها العودة.
"أنتِ يا أستاذة."
هتف بها "عامر"، وقد أسرع إليها بخطواته. يمدّ لها اللعبة منتظراً أخذها منه.
"اعتبريها تمن تصليح التليفون."
لم تجبه بشيء، فترك حقيبة اللعبة جانبها متمتمًا.
"لحد ما تفوقي من صمتك، اللعبة جنبك."
وانصرف دون أن يلتفت مرة أخرى، ورغمًا عنها كانت تزيل كبرياءها جانبًا وتنحني لتلتقط اللعبة. فلم يعد بيدها شيء غير القبول.
***
جلس فوق فراشه يطالع هيئتها في بيجامتها القطنية ذات اللون الوردي باستخفاف. فالتفت بجسدها ناحيته بعدما عدلت من وضع فرشتها على تلك الأريكة. فعاد هو للعبث في هاتفه.
"جنه: هو أنا ممكن أروح أنام في أي أوضة تانية؟ البيت كبير وفيه أوض كتير."
وببرود كان يُجيبها، بعدما رفع عيناه عن هاتفه.
"لا."
ونهض من فوق الفراش، مقتربًا منها، فازدردت لعابها من قربه وتلك النظرة التي يرمقها بها وكأنه يتوعد لها.
"أحمدي ربنا إني بنيمك على الكنبة، ورحمتك من نومة الأرض."
اتسعت عيناها غير مصدقة حديثه، فهل كان سيجعلها تغفو فوق الأرض؟ اتجه بعينيه نحو الفراش وأشار أسفل مكان رقدته، فشعرت بالذل وابتلعت غصتها وهي تشيح بعينيها عنه.
جلست على أريكتها وقد تجاهلت عبارته، وتسطحت فوقها تحت نظراته المحلقة بها، فاسرعت في رفع الغطاء عليها وضمته حول جسدها بإحكام، رغم شعورها بحرارة الجوف.
ضحك ساخرًا على فعلتها.
"بكرة أنا مسافر القاهرة. مش عايز أرجع وأسمع حد بيشتكي منك في حاجة. تنفذي كلامهم من غير اعتراض. ومش عايز أقولك مكانتك إيه هنا."
وبنظرات قد بدأ الخواء يحتلهما، أخبرته بمكانتها التي أصبحت تعلمها، ولا تلومه. فقد تركها والدها مع عائلته القاسية دون أن يفكر في مصيرها.
"مقامي خدامة، يا جاسر باشا."
وبابتسامة جامدة كان يرمقها، قبل أن يغفو براحة فوق فراشه.
***
أخذ العرق يتصبب فوق جبينه، فاعتدل بصعوبة، يلتقط أنفاسه، يشعر بالسخنة تجتاح جسده. لقد مرض بسبب وقوفه الدائم في الشرفة دون أن يهتم ببرودة الهواء. نهض من فوق الفراش يلتقط حبة دواء لعلهها تُسكن الألم، ولكن سرعان ما انتبه أن دورق الماء فارغ وبتعب كانت يسير بخطوات مرهقة، يهبط الدرج حافي القدمين ويبتلع لعابه بصعوبة.
تيبث مكانه على أعتاب المطبخ، يُحلق في ذهول، فقد كانت منكبة على الطعام. تأكل بشراهة من شدة جوعها.
ابتسم بإرهاق. وسار ناحيتها وقد حاول أن يتجاهلها حتى لا يُحرجها، ولكنها انتفضت مفزوعة وقد تركت الملعقة وأخذت تمضغ الطعام بسرعة.
"أصل كنت جعانة."
هتفت عبارتها وهي تبتلع بقية الطعام العالق في حلقها.
وفرت من أمامه مهرولة قبل أن يتحدث هو بشيء، فالتقط كأس الماء الموضوع فوق طاولة المطبخ. وارتشف منه وهو يتذكر هيئتها الطفولية ويبتسم.
***
كانوا جميعهم يضحكون إلا هي، تتماسك أمامهم حتى لا تبكي من حديث أروى وما يزيده أكثر حديث ابنة خالتها اللاذع. فأروى تستطيع أن تتحملها وتلتمس لها العذر فهي وحيدة أخويها ويتيمة فقدت والدتها منذ الصغر. ولكن تلك الأفعى لماذا تأتي كل يوم إلى بيت العائلة، لتلعن قرار هذا الظالم في أمرها بأن تذهب إلى بيت والده كل يوم صباحًا.
انتبهت على صوت عمتها وهي تناديها.
"تعالي يا جنه أنا عايزاكي يا حبيبتي."
فنهضت "جنه" تُلبي طلبها، وقد خلصتها أخيرًا عمتها من جلستهم، هاربة من نظرات السخرية من زوجة فاخر شقيق زوجها وأروى وعلى رأسهم أفعاهم الكبيرة ابنة خالتهم شقيقة هدى زوجة فاخر. يا الله عائلة مكتملة وهي الوحيدة المنبوذة بينهم.
كل هذا كانت تتمتم به بين طيات نفسها.
وقفت في منتصف غرفة عمتها، فاقتربت منها "منيرة" تضمها بحنان ثم أبعدتها لتمسح فوق خديها.
شعرت بالأمان وهي تراها تعود لضمها مجددًا، ولن تنكر أن عمتها حنونة معها، لا يستطيع أحد التفوه بحقها بشيء أمامها.
"أنا حاسة بيكي يا جنه، وشايفة معاملة جاسر ليكي يا بنتي. بس جاسر مينفعش معاه الضعف لازم تبقي أقوى، اتمردي عليه يا بنت أخوي وأنا معاكي."
تنظر إليها جنه، وقد صدمتها عباراتها، فهل تطلب منها أن تتمرد وهي التي كانت تخبرها أن الزوجة العاقلة لابد أن تكون صامتة. تسمع وتنفذ فقط.
"بس جاسر بيعاملني كويس يا عمتي، هو بس طبعه شديد."
حافظت على كبريائها وكبريائه معًا، فحدقت بها منيرة تستعجب عباراتها، فالذي يظهر أمامها على عكس ما تسمعه منه.
"أنتِ متأكدة يا بنت أخوي، ولا بتداري عني؟"
أومأت لها برأسها، تتهرب من نظراتها، فهي بالفعل كاذبة. جاسر ليس إلا قاسي، متحجر القلب.
"بنت أصول يا جنه، وابن أخوي في يوم من الأيام هيحمد ربنا إنك بقيتي مراته ومن نصيبه. الراجل مسيره في يوم بيعرف قيمة النعمة اللي في إيده يا بنتي."
وهل سيأتي هذا اليوم؟ هتفتها داخلها ساخرة. ولكن كان هناك سؤال يلح على ذهنها.
"جنه: جاسر طلق مراته ليه يا عمتي؟ وهي ماتت فعلاً ولا لسه عايشة؟"
تلاشى الاسترخاء من فوق ملامح منيرة، وابتعدت عنها تنظر نحو الشرفة المفتوحة.
"سيبي الماضي في حاله يا بنت أخويا، وبكرة كل حاجة هتنكشف ليكي. المهم حربي في معركتك كويس عشان تنتصري، وبلاش تبقي ضعيفة خليكي ذكية."
وأشارت منيرة نحو عقلها وهي تضحك، وتابعت حديثها.
"عايزة أشوف ذكاء الست فيكي."
طالعتها "جنه" في صمت، وقد بدأت تفهم حديثها رويدًا. منيرة لم تضعها في طريق ابن أخيها إلا لتتغلب على قسوته، وتمحو ذكرى امرأة أخرى من داخله.
"أروى طيبة هتقدري تكسبيها بسهولة، ومرات فاخر هي بس محروقة عشان جاسر مرضيش يتجوز أختها. بس هبلة ويقدر يضحك عليها. بس خدي بالك من اللي حاطة عينيها على جوزك وعايزة تفوز بيها."
استمعت إليه في صمت، واغمضت عينيها بإرهاق من كثرة ما يدور حولها من خبث ووجع، فيكفي إنها تعيش في بيت واحد مع ذلك المعقد السليط. وكادت أن تتكلم لتجده يدلف الحجرة دون أن يعيرها اهتمامًا وكأنها ليست مرئية.
"جاسر: قالولي إنك في أوضتك، قولت أجي آخد البركة منك ودعواتك."
وانحنى بجسده الرجولي الذي ترتجف منه البدن خوفاً، فهو يحمل قدرًا كبيرًا من الرجولة والوسامة الصعيدية المهيبة.
وسرعان ما كان يتجه بعينيه نحوها فيرى نظراتها الشاردة إليه. فارسمت السخرية فوق شفتيه. فقد بدأت العروس تهيم به، وها هي تفتح نحو قلبها طريقًا لدماره قد اختارته لحاله وسيكون أكثر من سعيد وهو يذلها.
تعلقت عينين "منيرة" بنظراتهم التي طالت، فهتفت مازحة.
"مافيش كلمة حلوة هتقولها لمراتك؟"
أسرع جاسر في إشاحة عيناه عنها، وقد طرقت رأسها أرضًا، تجاهل حديث عمتها وابتسم وهو يصب نظرات اهتمامه عليها.
"النهاردة حجزتلك تذاكر العمرة انتي وبابا وكمان حجزتلك في فندق قدام الكعبة على طول."
تتهلل أسارير منيرة سعادة، وهي تسمع ما يزفه إليها.
"فرحتني يا ابن قلبي، ربنا ما يحرمني منك يا ابن الغالي."
ارتفعت دقات تلك الواقفة خلفهم، وقد أسعدها فعله وحنانه على أهل بيته رغم إنه لا تنال منه إلا القسوة. انتبهت على صوته بعدما اقترب منها ولطم خدها بخفة، وهو يُلقي مزحته نحو عمته.
"مراتي سرحانة فيا، شايفة السعد اللي أنا فيه يا عمتي."
والعمة ترفع يداها عاليًا تهتف بدعاء.
"ربنا يسعدكم يا بني."
***
ارتجفت صفا من رؤيته بهذه الحالة وهي تراه يصعد الدرج بتعب، فركضت نحوه تسأله بقلق.
"أنت تعبان؟ فيك حاجة بتوجعك؟"
طالعها أحمد بألم وهو يحرك ساقه اليمنى بصعوبة، فألم فخذه مازال يؤلمه.
"أحمد: ممكن يا صفا تروحي تجيبيلي علبة المسكن من فوق؟"
حدقت به بفزع، وسرعان ما كانت تُهرول لأعلى نحو غرفته، توقفت في منتصف الغرفة، وقد وقعت عيناها لأول مرة على تفاصيل حجرة ذات اللون الأسود في متعلقاتها، ورغم ذلك فكل شيء يلمع بهدوء كصاحبه، لطمت جبهتها وقد عادت تتذكر لما هي هنا. واتجهت نحو علبة الدواء الوحيدة التي تتوسط المنضدة الصغيرة. واسرعت بخطاها إليه تلهث بأنفاسها.
"وبضجر من حالها، أخذت تتمتم: نسيت المية، هجيبلك المية بسرعة."
ورغم تعبه إلا انه ابتسم على ردة فعلها، عادت إليه لاهثة وهي تمد يدها بكأس الماء.
طالعها "أحمد"، بنظرة لم تفهمها. ولكن سرعان ما كانت تدرك خطأها، فهو ينتظر منها أن تعطيه علبة الدواء يدها. وبدعابة كانت من سماتها هتفت مازحة.
"معلش أنا لما بتوتر، بكون غبية."
اتسعت ابتسامته وهو يسمع عبارتها، ولكن سرعان ما تلاشت وهو يشكرها.
"شكراً يا صفا."
تجاهلت ملامحه الجامدة، وقد ألمها قلبها. إنه أسرع في إخفاء ابتسامته وكأنها لا تستحق إلا الجمود منه.
"خليني أساعدك لحد أوضتك، متخافش أنا صحتي كويسة."
كانت عفوية في حديثها، لم تنتظر جوابه على عرضها، بل أسرعت في إسناده، تلتقط يده بعفوية.
"هات إيدك عشان أساعدك."
ثم داعبته بحديثها مرة أخرى.
"ما أنا مش هقدر أشيلك."
حاول أن لا يتأثر بحديثها، ويضحك. ولكن لم يتحمل رؤيتها وهي تسير بصعوبة جوارها، وكأنها بالفعل تسنده، وهو كان يمنحها المهمة دون أن يحمل عليها.
"حابسة نفسك ليه على طول في أوضتك يا صفا؟ أنا قولتلك اعتبري البيت بيتك وأننا رفقاء سكن."
ابتعدت عنه وقد عاد حديثه هذا اليوم يخترق أذنيه، من بنود وضعه في عقد، فهي لم تقبل بالزواج منه إلا لتحقق حلمها فيه، وليس من أجل الحصول على مال منه.
"لو أسلوبي كان غليظ معاكي يومها، متزعليش. بس حاولي تتعودي على طباعي يا صفا."
فتحت فاها كالبلهاء، وهي تستمع لعباراته، إنه تعلم طباع هذه العائلة. ولكن أن يصرح بها بهذا الهدوء. كان الأمر صعب على قلبها البائس.
اتسعت ابتسامته، وهو يرى تنظر إليه بتلك النظرة، وكأنها مصدومة من حديثه معها، خلع سترته يُلقيها جانبًا. وجلس فوق الفراش يفك أزرار قميصه. وهي مازالت في وقفتها تطالعه بحدقتين متسعتين ذهولاً، ولكن فجأة انتفضت من مكانها، تنتبه على تحديقها به، ووقوفه في غرفته وقد أخذ يزيل عنه قميصه، وظهر جزعه العلوي.
وبخطوات سريعة كانت تهرول نحو غرفتها، تلتقط أنفاسها بصعوبة، أغلقت باب غرفتها واسندت ظهرها عليه قليلاً، مبتسمة بحماقة، وسرعان ما كانت تفيق من شرودها تلطم جبهتها كالعادة، تسأل حالها.
"هو أنا ليه قلبي بيدق كده؟"
والحقيقة هي تعلمها، إنه تحب هذا الرجل، ولكنه لا يريد حبها. تلاشت سعادتها واتجهت نحو فراشها. تُلقي بجسدها عليه. غارقة في أحلامها هاربة من أفكارها.