"عاوزين ياخدوا حنيين" ليعم الهدوء. لحظات من الصمت، لتنحني "نور" بجزعها مجددا لتكون في مواجهة وجهه قائلة بهدوء قاتل: "وعاوزين حنين ليه؟ ليردف الآخر بسرعة قائلا: "والله ما اعرف حاجة. هوا في حد كلمني وبعتلي صورتها وفلوس وبس. معرفش عايزينها ليه ولا مين عايزها. الله يخليكي يا فندم سبيني أمشي. أنا بصرف على يتامى غصب عني. الشغل ده مجبور." لتنظر إليه الآخرى ببرود قائلة:
"يا راجل متقولش كده بس. ده ملف حياتك كله عندي، فاختصر على نفسك أحسن وتعالى معايا دوغري. وحركات يا باشا معرفش عنهم حاجة وبصرف على يتامى، الحركات دي متتمشيش عليا. فأحسنلك تجاوب على الأسئلة بدون كذب، لأنه حياتك واقفة على إجاباتك."
ليبتلع الآخر ريقه بخوف يزداد كل دقيقة تمر عليه تحت يد تلك الغامضة. لا يعلم من هيا، كل كذباته أمامها فشلت، كيف يتهرب منها لا يعلم أيضا. لكن إن كذب عليها مرة أخرى ستقتله، ويرى ذلك بوضوح في عينيها. لتردف الآخرى بقلة صبر: "شكلك مش ناوي تتكلم، يبقا... لم تكمل جملتها ليقاطعها الرجل قائلا بسرعة: "هقول. هحكي لحضرتك يا باشا كل اللي أعرفه." ***
تسير بسرعة شديدة، بل تركض. وفي يدها ملف، يبدو عليها الارتباك واللهفة. وتنظر لساعة يدها بين الحين والآخر. لتخبط في أحدهم ليسقط كل ما بيدها قائلة بغضب وهي تلملم أشياءها: "انت أعمى! أووف يا ربي أي الحظ اللي عندي ده! لترفع أنظارها إليه بضيق. لتركض للإسانسير كي تلحق بمقابلة عملها. إن فاتتها هذه المقابلة كيف ستصرف على عائلتها وأخيها المريض. تلك آخر أمل لها.
تضغط مرارا وتكرارا على الاسانسير ولكن لا إجابة. لتخرج زفيرا قويا تمسك ملفها بقوة لتركض على الدرج تصعد لأعلى تحت نظرات ذلك الغامض. لكن ما أضحكه حقا أن الاسانسير فتح فور أن تركته وصعدت على الدرج. حقا كم أن حظها لامع. *** انتهت "رحمة" أخيرا من هذا التدريب. هي حقا لم تنتبه لأي شيء قيل فيه، فقد كان كل عقلها وتفكيرها مع "عمرو". ترى ماذا فعل بذلك الرجل؟
بالطبع لن يؤذيه، تثق بذلك، فهي تعلم أن "عمرو" طيب القلب ولا يحب العنف أبدا. تذهب لمكتب "عمرو" سريعا. لديها فضول أن تعلم ماذا فعل. بل كانت تتمنى أن ترى ماذا فعل. لا تعلم لماذا يسعدها غيرته عليها، رغم أنها لا تريده أن يؤذي أحد. لكن تروقها غيرته وغضبه عندما يقترب منها أحد بسوء.
تدق الباب لتدلف للداخل. مجرد أن سمعت صوته المحبب لقلبها يأذن لها، فهو كان ينتظرها. ليبتسم بهدوء مجرد رؤيتها. لتنظر إليه باستغراب. هدوءه هذا أخافها حقا، ماذا فعل بالرجل؟ ليردف قائلا بهدوء: "يلا تعالي أوصلك القصر عشان عندي مشوار مهم لازم أخلصه." لتومئ له بهدوء ليخرجا معا. وعقلها شارد بداخلها يقول إن "عمرو" لن يؤذي أحد، هو ليس بمحب للعنف. ولكن أيضا نظراته الغاضبة والمتوعدة هذه تقلقها. هل تسأله ماذا فعل بالرجل؟
ولكن تخشى رد فعله. لتنتهي حيرتها وتفكيرها بأن تتشجع وتسأله. فهي لا تهتم لذلك الرجل، بل تهتم بـ"عمرو". تخشى أن يتورط بشيء بسبب غضبه هذا الذي لم تعهده عليه من قبل. ليسبقها الآخر سائلا إياها قائلا: "قولي إيه اللي بتفكري فيه علطول يا رحمة. ملاحظ إنك شاردة من أول ما طلعنا من المكتب. حصل حاجة في التدريب ولا حاجة؟ لتومئ له بـ"لا". لتردف قائلة بتردد: "هوا انت عملت إيه مع الراجل الصبح؟ لتلاحظ تغير ملامحه
لتبتلع ريقها قائلة بسرعة: "أنا مش مهتمة بيه والله ولا يهمني أعرف عشانه. أنا بس خايفة عليك. لتعمل حاجة في غضبك. أنا أول مرة أشوفك متعصب كده." ليعم الهدوء لحظات. ليكسر الصمت "عمرو" قائلا بهدوء: "انتي خايفة مني يا رحمة؟ لتومأ له بـ "لا" قائلة: "لا أنا عمري ما أخاف منك وأنت أماني يا عمرو. أنا خايفة تفهم كلامي غلط فتزعل مني بس." ليبتسم قائلاً بصوت هادئ نجح بقلبها للمرة التي لا تعلمها:
"أنتي حتة من قلبي يا رحمة، غير إني حافظك أكتر ما أنتِ حافظة نفسك. وعارف قصدك إيه وعمري ما أفهمك غلط. عارف إنك أول مرة تلاقيني متعصب كده، بس اللي عايزك تعرفيه إنني أول ما لبستك الدبلة دي بقيتي تخصيني. وأنا راجل شرقي بغير على اللي تخصني، وغيرتي نار تحرق أي حد يقرب ولو بكلمة على اللي تخصني. فهمتيني؟ لتبتسم بعشق وهي ترى حبه لها مزيناً مقلتيه بصدق خالص قائلة بنفس هدوء صوته لتهز كيانه بكلمتها الرقيقة: "فهمت."
ليتنهد الآخر قائلاً بضحك: "الرقة دي هتوديني ورا الشمس." لتضحك على حركاته تلك، ليسبقها الآخر إلى السيارة قائلاً: "لا كده مينفعش خالص. يلا الله يباركلك أوصلك بالسلامة، ويستحسن نمشي على العادات ومشوفكيش قبل الفرح ههههه." *** تسير "نور" بهدوء تدخل للفيلا بعقل شارد. لم تعلم كل شيء بعد، تشعر أن ذلك الوغد يلف ويدور ويؤلف. لكن الأهم أنها أمسكت طرف الخيط وستعلم كل شيء قريباً، بل قريباً جداً. لن تسمح لشيء أن يؤذي عائلتها.
ليقطع شرودها عندما دخلت إلى الفيلا لتتفاجأ بجو ملائكي من أضواء وزينة بالبالونات والورود وتلك الطاولة في منتصف الغرفة بين كرسيين مزينة تزيين لا بأس به. لم يهتم بها أحد كما يهتم لها "مالك"، بل يهتم بكل تفاصيلها وما تحب وما تكره. لا تنكر أنه قد راقها ذلك حقاً. ليأتي "مالك" أمامها وعلى وجهه تلك الابتسامة الساحرة. كيف لم ترى من قبل كم هو وسيم بحق؟ لم تدقق في ملامح وجهه الرجولية من قبل.
لينحني على قدم واحدة أمامها رافعاً يده بوردة حمراء قائلاً بكل لباقة لا تليق إلا بالأمراء: "أتسمحين لي بهذه الرقصة يا أميرتي؟ لتبتسم الأخرى على طريقة كلامه تلك. يشعرها أنهم بفيلم قديم منذ زمن التسعينات، ولكن أعجبها ذلك. لتمُد يدها بالموافقة. ليبدأ برقصتهما. لاول مرة تلتقي العينان وسط هذا الجو الشاعري. لأول مرة تنسى "نور" كل شيء، لأول مرة تتوه في بحر عينيه. متى تبدلت مشاعر الإخوة لمشاعر أخرى لطيفة راقتها.
بينما "مالك" الذي يغيب في تلك العينين. قد وضع سيناريوهات كثيرة عندما ترفض أن ترقص معه، لكنه تفاجأ حقاً بموافقتها. إن كان حلماً فحققاً لا يريد أن يصحو منه أبداً. لا يصدق أنه يرى نظرات عينيها له قد تغيرت، هناك ضوء ولو ببسيط في ركن ما بعينيها يوحى له أنه قد نجح في التغلل لسلطنة قلبها ولم يبق الكثير كي يتوج ملكاً عليه. سيف قائلاً: "إنما عملته ليه، لأنه النهاردة اليوم اللي ناوي أعترف لك فيه وأقولك اللي في قلبي."
لتضيق الأخرى عينيها تكاد تسأله ليسبقها هو، وينحني على قدم واحدة للمرة الثانية مخرجاً علبة قطيفة ليفتحها قائلاً بعشق: "بحبك يا نوري. أيوه بحبك، عشنا 20 سنة أخوات بس في مشاعر في القلب ده. كان مفكرها العقل مشاعر إخوة، لكن القلب عارف حبيبه. وأنتي حبيبتي ونصيبي إن شاء الله. تقبلي تتجوزيني؟ ليعم الصمت لدقائق، فيهم اهتز كيان "نور". لم تتوقع أن يفاجئها بهذه السرعة. ليردف الآخر قائلاً:
"هفضل كده كتير، ركبتي وجعتني يا حجة ههههه." لتردف "نور" قائلة بهدوء: "قوم اقف يا مالك. أنا متوقعتش تطلب مني الجواز. عايزة وقت أفكر ووقت أعرف وأفهم فيهم مشاعري كويس ووقت أكون مستعدة أكون زوجة. ياريت تتفهمني." ليقف "مالك"، لا ينكر أن كلامها أحزنه، لكن يتفهم ما تقوله. يبدو أنه تسرع في طلب الزواج الآن، كان يجب أن ينتظر. ليردف الآخر قائلاً بهدوء: "فاهمك طبعاً."
ليتركها ويذهب خارج الفيلا يريد أن يستنشق بعض الهواء العليل. هو يعلم أنه تسرع، لكنه يتألم من رفضها له. أيعقل أنها لا تحبه؟ ليجلس على الكرسي واضعاً رأسه بين يديه بتعب. بينما الأخرى تقف ولأول مرة تؤنب نفسها على فعل تقوم به. لا تعلم لماذا قلبها يؤلمها، لماذا تتألم، لماذا؟
لتذهب لغرفتها تأخذ دوش هادئ ليهدأ أعصابها. بعد معاناة مع ذاتها حاولت إعطاء قلبها فرصة للنبض لأحدهم، لكن لم تعتد بعد. كل هذا هي اعتادت على حريتها وحياتها معرضة للخطر في أي لحظة. ليست مستعدة لأن تكون هي الزوجة والأم وربة المنزل الهادئ والسعيد.
اعتادت على الحرية، فلم تكن إلا نسر يحلق بجناحيه بحرية، لا تحب أن تسجن في سجن الزواج الذهبي. لكن ما يشغلها ألم قلبها ذاك عندما رأت نظرة الحزن بمقلتيه وما يؤلمها أكثر أنها السبب في ذلك. "مالك" قد فعل الكثير لأجلها وكان يترك كبرياءه على جنب عندما يتعامل معها. تعلم أن "مالك" ليس بالملاك الوديع، ولكنه يفعل كل هذا لأجلها، لأجل أن يجعلها تشعر بأنوثتها. هي تقدر ذلك، تقدر اهتمامه اللطيف بها، بل ويروقها. ستفكر في كل ذلك لاحقاً، الأهم الآن عليها معرفة من يتربص بعائلتها بنية الشر. ستعرف من هو ولن ترحمه.
*** تجلس "حنين" في حديقة القصر على تلك الأرجوحة شاردة، يبدو أنها قد أدمنتها. يداعب النسيم خصلاتها. تفكر في كل لحظة لها مع "عمرو" منذ أن رأته أول مرة، هو يعمل مع عمها المصون. كان صديقاً لها عندما كانت بين وحوش تود افتراسها، كان درعها الحامي. تتذكر مواقف كثيرة عندما تقع في مشكلة تلو الأخرى، تجده أول المنقذين لها. ليقطع شرودها حمحمة هادئة لترفع عينيها تنظر لتجدها "رحمة". لتبتسم ترحب بها قائلة:
"أهلاً. معلش ماخدتش بالي إنك جيتي." لتردف الأخرى قائلة بضحك: "لا ولا يهمك. شكله أبيه عمر واخد كل تفكيرك ههههه." لتبتسم الأخرى بخجل. لـ تجلس "رحمة" بجوارها تمد يدها لها قائلة: "إحنا متكلمناش تقريباً خالص من أول ما جيتي. أعرفك بنفسي ياستي أنا رحمة سلفتك المستقبلية هههه." لتضحك الأخرى تمد يدها تسلم عليها بترحاب قائلة: "تشرفت بيكي يا سلفتي المستقبلية." لتردف "رحمة" قائلة بابتسامة: "كده ياستي بقينا صحاب خلاص."
لتومأ لها الأخرى قائلة بابتسامة هادئة: "الشرف ليا طبعاً يا رحومة." لتردف الأخرى قائلة بحماس: "احكيلي بقى قصة حبك بأبيه عمر. أصل أنا متحمسة أعرف الصراحة." لتضحك "حنين" على تصرفاتها الطفولية تلك لتردف قائلة: "ماشي ياستي بس في المقابل تحكيلي قصتك انتي كمان." لتردف "رحمة" قائلة: "اتفقنا." ويبدآن بسرد قصة حبهما في جو صداقة لطيف. وسط ضحكاتهما معاً تخللت الصداقة لقلوبهما. ***
مازالت تركض تبحث عن مكتب المدير إلى أن وجدته أخيراً، ولحسن حظها أن السكرتيرة ليست موجودة في مكتبها، وإلا لأوقفتها خارجاً تتملق بها كعادة السكرتاريات. لتقف أمام الباب تهندم من ملابسها، فباب المكتب عبارة عن مرآة من الخارج، لكن ما لم تعلمه تلك الحمقاء أن من بالداخل يرى ما خلف المرآة، لكنها لا تستطيع رؤيته. تحدث ذاتها بصوت تشجعها وتعدها بالنجاح لأجل عائلتها وشقيقها. لتدلف للداخل بعد أن تأكدت من حسن مظهرها لتردف قائلة:
"احم السلام عليكم يا فندم. أنا نور زين الدين المحمدي وجيت عشان مقابلة الشغل وااا... لتصدم عندما يلتفت إليها ذلك الواقف أمامها قائلة بصدمة: "انت!!!! ليبتسم الآخر ببرود قائلاً: "أيوه أنا." لتردف الأخرى قائلة بغضب: "يخربيتك إيه جابك هنا؟ بتعمل إيه في مكتب المدير هااا؟ ليجلس الآخر على مكتب المدير ببرود. لتردف الأخرى قائلة:
"ينهـارك أسود وبتـقعد على كـرسيه كمان. يا عم الله يباركلك أطلع برا بدل ما تلبسنا مصيبة وأنا مصدقت لقيت وظيفة. وبعدين صحيح هو المدير فين؟ لتدلف السكرتيرة قائلة وهي تضع القهوة بجانبه باحترام: "تفضل قهوتك اللي طلبتها سيف باشا." ليومئ لها سيف قائلاً: "شكراً يا هناء، تفضلي أنتِ على مكتبك." لتذهب غالقة باب المكتب خلفها. بينما الأخرى ما زالت واضعة يدها على فمها من صدمتها لتردف قائلة: "بس إزاي؟
أنت سيف باشا صاحب الشركة والمفروض هو راجل كبير في السن. أنا مش فاهمة حاجة." ليردف الآخر قائلاً بهدوء: "أنتي رغّايـة ليه أنا مش عارف. اتفضلي اقعدي ووريني الـ CV بتاعك." لتجلس "نور" بهدوء قائلة بتوتر: "أنا آسفة والله يا فندم مكنش قصدي. تفضل الـ CV بتاعي أهو." كاد أن يأخذ منها الملف ليدق هاتفه معلناً عن اتصال ليردف قائلاً: "دقيقة لو سمحتي." ويقف يرد على الهاتف لحظات لتتبدل ملامحه قائلاً بنبرة حادة: "أنا جايلك."
ليغلق الخط ليرتدي جاكيت بدلته قائلاً: "معلش يا آنسة. قدمي الفايل بتاعك لميس هناء برا في السكرتارية وهي هتخلص معاكي الباقي. عن إذنك." ليسرع ذاهباً تاركاً تلك الواقفة تنظر إليه باستغراب قائلة: "مجنون ده ولا إيه!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!