تطلع والده إليه غير مصدق، فهو على يقين أن ولده يخطط لشيء ما، فهو أعلم الناس به. بينما نهضت نايا سريعاً متجهة إلى شقيقتها بسعادة. هتفت وصفية بلهفة: -صوح يا ولدي، هتروح تصالح خيك؟ ابتسم شريف بغموض: -صوح يا أماي، هو أنا عندي غيره؟ أنا مش بعيد أبيت حداه كمان. نظر والده إليه مستنكراً وقال: -كمان ده إيه الرضا ده كله بس؟ تحدث شريف ساخراً وقال: -باه يا آبوي، إكده مش عاجب وإكده مش عاجب، آما عجايب صحيح! أومأ والده متنهداً
وغمغم بغير رضا: -الله يهديك يا ولدي، ده كل الي أقدر أقوله. دخلت الغرفة وعلى وجهها ابتسامة، بدأت بتجهيز حقيبتها بسعادة. وضعت الملابس في الحقيبة وجلست على الفراش تهاتف شقيقتها تخبرها أنها ستأتي لها في الغد. على الجانب الآخر، جلس يوسف على مقعده مرة أخرى يتابع عمله، بينما أكملت نورسيل التصفح في هاتفها إلى أن رن هاتفها. برقت شقيقتها، فردت على الفور.
وما أن استمع عدي إلى اسم نايا، ترك ما بيده وظل ينصت باهتمام شديد، وعيونه تكاد تكون تقطر قلوباً: -أيوه يا نايا، أخبارك حبيبتي؟ بجد بكرة؟ عني وافق؟ طيب هتجى مع مين؟ -أنا أروح أجيبها، قالها عدي بعفوية مما جعل والدته تنظر له شزراً على تدخله في الحوار. ابتسم بخفة وهتف بتراجع: -مش قصدي، أنا كنت بعرض خدماتي بس. نظرت له نورسيل بامتنان وأكملت حديثها: -ماشي يا نايا، تمام، في انتظاركم، سلام. أغلقت الهاتف مغمغمة بإحراج:
-نايا أختي، شريف ابن عمي هيجيبها بكرة تقعد معايا كام يوم بعد إذنكم. ربتت صفاء على قدمها بحنان وقالت: -تنور طبعاً يا حبيبتي، لو مشيلهاش الأرض نشيلها فوق دماغنا. رد عدي بلهفة: -تنورنا طبعاً، ده أنا أسيب ليها أوضتي وأنام في الجنينة. ضحك يوسف وهتف ساخراً: -لا متشكرين، مش عايزين أوضتك في حاجة. التفت إلى نورسيل مغمغماً بتساؤل: -شريف ابن عمك اللي هيجيبها؟ هزت رأسها بتأكيد. هتف هو بعملية:
-تمام، هفضل هنا في استقبالهم، وروح أنت يا عدي مكاني. نهض عدي وصاح مستنكراً: -نعم يا أخويا؟ عدي مين اللي هيروح؟ أنا هقعد أنا كمان أستقبل نا... قصدي شريف. نهض يوسف ببرود وقال أمراً: -هتروح يا عدي، ولا حابب تسافر أنت السخنة تقضي أسبوع هناك تتابع الشغل؟ صاح عدي محتجاً: -لأ وحياة عيالك يا شيخ، خلاص هروح بكرة وأمري لله. ابتسم يوسف بانتصار وقال: -أيوه كده اتعدل. أنا رايح مكتبي أعمل كام تليفون. هتفت صفاء بمقاطعة:
-حبيبي استنى، أيه رأيك نعزم أخواتك؟ وقف قليلاً مفكراً وقال: -اعزمي عهد بس يا أمي، ومرة تانية الاتنين بعد إذنك يا ست الكل. ابتسمت بهدوء: -ماشي يا حبيبي، زي ما تحب. يلا هطلع أنا أكلم عهد وأنام. التفت إلى نورسيل وقالت: -وأنتي يا حبيبتي قومي نامي يلا، وأعملي حسابك تصحي بدري عشان تساعديني في الأكل وتقولي الأكلات اللي بتحبها نايا. نهضت نورسيل بحماس وقالت: -حاضر يا طنط، عندك حق، هطلع معاكي.
صعدوا سوياً وتركوا عدي جالساً في ملكوته الخاص. أنهى مكالمته وخرج من مكتبه، وجد شقيقه يجلس بمفرده. اتجه له مغمغماً بتساؤل: -ماما ونورسيل فين؟ أجاب عدي: -طلعوا يناموا. أومأ يوسف بتفهم وجلس جوار شقيقه، مربتاً على فخذه بحنان: -عدي، أنت عارف معزتك عندي قد إيه صح؟ وهتسمع نصيحتي صح ولا غلط؟ تطلع له عدي بحيرة وقال: -أه طبعاً، ليه بتقول كده؟ تنهد يوسف وقال:
-تمام، أنا عارف إنك مبسوط إن نايا جاية، بس هي جاية هنا أمانة عندي هنا. مش عايز مشاعرك تأثر عليك أو تتصرف تصرف طائش معاك. ابتسم عدي بتفهم وقال: -اطمن يا يوسف، مشاعري تجاه نايا حاجة، لكن تعاملي معاها هيبقى بحدود لوقت ما تبقى مراتي، وبعدها بقى أعبر براحتي. أنهى كلامه بغمزة. تنهد يوسف براحة وهتف: -تمام يا عدي، ربنا يسعدك يا رب وينولك مرادك. ريحت قلبي، يلا هطلع أنام، تصبح على خير.
غادر يوسف وتطلع عدي في أثره بإشفاق متمتماً بهمس: -وأنت إمتى هيرتاح قلبك يا يوسف وتعيش حياتك؟ هتفضل كده طول عمرك بتدور على الكل وناسي نفسك… في صباح يوم جديد في الصعيد، تحديداً في منزل سالم الشافعي. تعمل وصفية والخادمات على قدم وساق يعدون الفطائر والمأكولات التي يفضلها شادي ونورسيل.
في تمام الساعة التاسعة صباحاً، تم وضع جميع الأغراض في السيارة، وودع وصفية وسالم شريف ونايا، اللذين ركبوا السيارة متجهين إلى القاهرة من أجل زيارة شادي ونورسيل. في تمام الواحدة ظهراً، وصلت سيارة شريف أمام العقار الذي يقطن به شادي. هبط من السيارة وكذلك نايا. اتجه إلى حقيبة السيارة وبدأ ينزل كل ما بها. نظرت له نايا بحيرة وقالت: -أنت نزلت كل حاجة ليه؟ ومسبتش حاجة نورسيل في العربية ليه؟ زفر بحنق وقال:
-ده خيرنا وخير أبوي يا ست نايا، أولى بيه خيه وبيته. مش بيت ولد المغربي. رايدة أنتي تجيبى لخيتك شي براحتك ميخصنيش، لكن فلوس بوي لاه. صمتت ولم تتحدث بكلمة، فرسالته وصلت بالتأكيد. تنحت جانباً ووقفت في انتظاره. أخرج هو جميع الأغراض واتجه بها إلى الداخل. تبعته هي بصمت تام. أنهت إعداد الحلوى والعصائر وخرجت من المطبخ تزامناً مع رنين جرس الباب. نهض شادي ليفتح الباب، ولكن توقف أمامها وهتف أمراً:
-روحي غيري يلا، شكلهم وصلوا، وبلاش تحتكي. مش شريف، مهما استفزك، ماشي؟ واطمني، أنا هتصرف معاه. هزت رأسها بإيجاب ودلفت إلى غرفة النوم. واتجه هو لفتح الباب وتأكد حدسه، فكان شريف ونايا بالفعل. وقف شريف في مقابل شادي بعد أن وضع الحقائب أرضاً، هاتفا بعتاب: -وه يا ولد أبوي؟ هتهملني واقف على الباب إياك؟ لساتك مضايج مني؟ تنهد شادي بقلة حيلة وقال: -لاه يا ولد أبوي، مش زعلان منك. اقترب شادي منه ضاماً إياه بأخوة.
ابتعد عنه، ملقياً السلام على نايا، التي يبدو أنها على غير ما يرام بالمرة. دلفوا سوياً بعد أن قام شريف وشادي بإدخال الحقائب إلى المطبخ. جلسوا سوياً بصمت تام، إلى أن قطع هذا الصمت شريف، الذي نهض قائلاً: -عايز أتوضى يا أخوي عشان ألحق صلاة الظهر. أومأ له شادي بتفهم ونهض معه. أرشده إلى المرحاض وعاد مرة أخرى إلى نايا وجلس جوارها هاتفا بتساؤل: -مالك يا نايا؟ في إيه؟ شريف ضايقك؟ تنهدت بحزن وقالت:
-مفيش حاجة، بس ممكن واحنا رايحين لنورسيل نروح أي محل حلويات أجيب ليها حاجة. رمقه بعدم فهم وقال: -تجيبي ليها إيه؟ هي محتاجة حاجة؟ هزت رأسها بإحراج وقالت: -لا، بس مينفعش أروح من غير ما آخد حاجة. ضيق الآخر عينه متسائلاً وقال: -هو بابا وماما مبعتوش حاجة؟ عضت على شفتيها بإحراج وقالت: -لا بعتوا، بس شريف رفض إنه يودي حاجة هنا. زفر شادي بضيق وقال: -طيب يا نايا، متشغليش بالك أنتِ، أنا هتصرف. هتفت بإصرار:
-لا، أنا هشتري ليها، وممكن أركب معاك أنت ومراتك؟ هز رأسه بقلة حيلة وأجاب: -تمام، هقوم أنادي عهد. نهض كي ينادي زوجته وعاد بعد قليل برفقتها. سلمت على نايا ورحبت بها بشدة، وجلسوا ثلاثتهم يتبادلون الأحاديث الجانبية. إلى أن عاد هادم اللذات، شريف. اقترب منهم هاتفا بسخرية مبطنة: -كيفك يا مرت أخوي. ابتلعت ريقها بارتباك من نظراته وقالت: -الحمد لله. نظر إلى شادي وقال: -عايز أصلي يا ولد أبوي.
نهض شادي برفقته إلى إحدى الغرف الفارغة وقام بفرش سجادة الصلاة له وجلس في انتظاره. انتهى بعد قليل وخرجوا سوياً. وجدوا عهد ونايا قد أحضروا العصائر والحلوى. جلسوا برفقتهم وتحدث شريف ببرود: -هتيجي معايا يا أخوي نوصل نايا لخيتها ونعزمها على فرحي آخر الشهر. رمقه شادي بعدم تصديق: -وه مش معقول، هتتجوز آخر الشهر؟ ومين بقى سعيدة الحظ؟ أجاب شريف ببرود: -واحدة من بلادنا في البلد. أومأ بتفهم وقال:
-زين يا أخوي، إحنا جايين وياكم، إحنا معزومين على الغداء وياكم. صاح شريف معترضاً: -معزومين وين؟ أنا باكل مياه مش بشربها في دار اللي قتل خيي واصل. نظرت عهد أرضاً بحزن، بينما تطالعه نايا بضيق. تحدث شادي محذراً: -بزيدك يا ولد أبوي، يلا عشان منتأخرش على الناس. رد شريف ببرود: -زي ما جلت لك يا ولد أبوي. مسح شادي على وجهه بضيق وقال: -حاضر يا ولد أبوي، هنوصل البنتة، وأخدك على أي مطعم زين كده؟ ابتسم شريف ببرود: -زين قوي كمان.
نهض الجميع متجهين إلى قصر المغربي، شريف في سيارته، وشادي وعهد ونايا في السيارة الأخرى. ووقف شادي إلى إحدى محلات الحلوى، وترجل شادي والفتاتين، واشترى شادي كل ما لذ وطاب بناءً على اختيار زوجته ونايا، ورفض رفضاً قاطعاً أن تدفع نايا أي شيء. بعد ساعة، وصلت السيارتان قصر المغربي وهبطوا من السيارات. وكان في انتظارهم يوسف وصفاء ونورسيل، التي ما أن رأت شقيقتها ركضت تجاهها تضمها باشتياق، فهذه أول مرة يفترقوا بها هكذا.
وكذلك عهد، التي ركضت صوب والدتها تضمها بحب. اقترب شادي من يوسف وسلم عليه، بينما ظل شريف واقفاً مستنداً على سيارته. تنهد يوسف واتجه إلى شريف على مضض، فهو ضيف وإكرام الضيف واجب، حتى أن لم يستحق هذا الضيف ذلك. وقف أمامه ومد يده: -أهلا يا شريف، نورت، اتفضل. تجاهل يده الممدودة وهتف ساخراً: -لاه، الدار منورة بأهلها. أنا مش جاي أتفضل ولا أضيف، أنا جاي رايد بت عمي أطمن عليها وماشي طوالي. سحب يوسف يده ووضعها بجيبه مغمغماً
بتهكم: -بجد؟ واطمنت ولا لقيتها ناقصة إيد ولا رجل؟ لم يرد عليه شريف ونظر إلى الجهة الأخرى. مسح يوسف على وجهه بضيق والتفت بظهره عائداً إلى أسرته قائلاً بأمر: -اتفضلوا يا جماعة، يلا. تطلع إلى زوجته وقال: -شوفي ابن عمك خليه يطمن عليكي، يلا يا شادي، ولا هتروح مع أخوك؟ وضع شادي في موقف لا يحسد إليه، فشقيقه في جهة وزوجته في الجهة الأخرى. تحدث بهدوء: -هوصل شريف وأرجع بإذن الله. هز يوسف رأسه متفهماً واتجه إلى الداخل.
ودلفت صفاء بعد أن رحبت بنايا ودعتها إلى الدخول برفقة عهد. هتف شادي بضيق: -هخرج بالعربية أستناك بره. تحرك شادي إلى سيارته وغادر. تاركاً ثنائي الشر بمفردهم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!