تحميل رواية «ثأر الحب» PDF
بقلم زينب سعيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في سكون الليل، يرتفع صوت طلق ناري خرج من فوهة المسدس أسقط جسده أرضًا جثة هامدة. نهضت الفتاة سريعا وهي تحاول مداراة جسدها بملابسها الممزقة التي مزقها هذا الوغد وكاد أن يدنس شرفها، إلا أن أرسل الله لها يد العون الذي ظهر لها من العدم. فاقت من شرودها على صوته الجاش وهو يأمرها: "أمشي يلا قبل ما حد يجي ويشوفك." تطلعت له بتيه وقالت بتوتر: "طيب وهو؟" تطلع في الاتجاه الآخر كي لا يراها بهذه الحالة المزرية وردد بأمر: "اهربي يا بنت الناس، لو حد جه وشافك هتبقي فضيحتك على كل لسان." هزت رأسها بإيجاب وفرت هاربة...
رواية ثأر الحب الفصل الأول 1 - بقلم زينب سعيد
في سكون الليل، يرتفع صوت طلق ناري خرج من فوهة المسدس أسقط جسده أرضًا جثة هامدة.
نهضت الفتاة سريعا وهي تحاول مداراة جسدها بملابسها الممزقة التي مزقها هذا الوغد وكاد أن يدنس شرفها، إلا أن أرسل الله لها يد العون الذي ظهر لها من العدم.
فاقت من شرودها على صوته الجاش وهو يأمرها:
"أمشي يلا قبل ما حد يجي ويشوفك."
تطلعت له بتيه وقالت بتوتر:
"طيب وهو؟"
تطلع في الاتجاه الآخر كي لا يراها بهذه الحالة المزرية وردد بأمر:
"اهربي يا بنت الناس، لو حد جه وشافك هتبقي فضيحتك على كل لسان."
هزت رأسها بإيجاب وفرت هاربة وهي تسابق الريح. نظر هو في أثرها وبعدها أخرج هاتفه وقام بالاتصال بالشرطة وعيناه ما زالت مسلطة على هذا الوغد. بصق عليه باشمئزاز يتذكر ما حدث منذ دقائق. كان عائدًا من صلاة العشاء سيرًا على الأقدام حتى استمع صوت صراخ مكتوم. تتبع الصوت إلى أن وجد هذا الحقير يحاول الاعتداء على هذه الفتاة. قام بإبعاده عنها والاشتباك معه، إلا أن أخرج الآخر مسدسه وحاول إطلاق النار عليه. لكن استطاع تقييد يده بمهارة قبل أن يضغط الآخر على الزناد. استطاع إبعاد يده لتخرج الرصاصة بين ضلوعه هو.
أفاق من شروده على سماع أصوات سيارة الشرطة واقتحام ضابط الشرطة المكان وبرفقته مجموعة من العساكر.
اقترب الضابط منه وأردف باحترام:
"خير يا يوسف بيه، إيه اللي حصل؟"
التفت له يوسف وقال:
"كنت راجع من صلاة العشاء والكلب ده حاول يتهجم عليا ويضرب عليا نار. أكيد طبعًا حضرتك على علم بالمشاكل اللي بينا إحنا وعيلة الشافعي."
أومأ الضابط بخفة والتفت إلى المسعفين الذين يقومون بحمل الرجل والتفت له وردد بأسف:
"حضرتك طبعًا عارف إن لازم يتم القبض عليك."
ابتسم الآخر ورفع كلتا يديه وردد بابتسامة:
"شوف شغلك يا حضرة الظابط."
تنهد الآخر بخفة وأشار بعينه إلى إحدى العساكر الذي اقترب على الفور وقام بوضع الكلبشات بيد الآخر.
❈-❈-❈
تقف في الشرفة المطلة على الحديقة تنظر إلى الأسفل تارة وإلى هاتفها تارة، فهي اتصلت به إلى مرة التي لا تعلم عددها والنتيجة واحدة، هاتفه مغلق.
اقتحمت شقيقتها الغرفة مرددة بمرح:
"خير يا نورسيل، سرحانة في إيه؟"
شهقت بفزع والتفت لها موبخة:
"خضتيني يا نايا، كام مرة قلت لك بلاش الحركة دي."
ابتسمت الأخرى بمشاغبة وقالت:
"حقك عليا يا ستي، ها واقفة بتعملي إيه؟ مستنية حبيب القلب؟"
نظرت لها شزراً وقالت:
"ممكن تقعدي ساكتة، أنا مش ناقصاكي."
قطبت نايا جبينها وقالت:
"مالك يا نورسيل، في إيه؟"
تنهدت الأخرى وأردفت:
"مش عارفة، شهاب اتأخر قوي وتليفونه مغلق."
هزت نايا رأسها بتفهم وقالت:
"عادي يعني، يمكن يكون فصل شحن."
نظرت لها بحيرة وقالت:
"تفتكري؟"
ما كادت أن تنطق نايا إلا استمعوا إلى صراخ بالأسفل. نظروا إلى بعضهم بريبة وركضوا سويا إلى الأسفل. وجدوا زوجة عمهم تجلس أرضًا وتبكي بحسرة وعمها يجلس هو الآخر على المقعد بانهيار تام وابنه الأكبر شريف يقف وراءه منكساً رأسه لأسفل.
لا تعلم لما ألمها قلبها. اقتربت من زوجة عمها ورددت بلهفة:
"خير يا عمة، في إيه؟"
رفعت زوجة عمها رأسها ورددت بدموع:
"شهاب اتقتل يا بنتي، خطيبك مات."
لم تسعفها قدمها وسقطت مغشياً عليها وصرخات شقيقتها هي آخر ما استمعت إليه قبل أن تغيب عن الوعي.
❈-❈-❈
فتحت الباب المتهالك ودلفت سريعا وأغلقت الباب خلفها وانهارت أرضاً باكية. خرجت والدتها من غرفتها فور أن استمعت إلى صوت الباب ولكن صدمت من مظهرها وركضت تجاهها مرددة بفزع فور رؤيتها:
"مالك يا بنتي؟ إيه اللي حصلك وفين العلاج بتاع أبوكي؟"
رفعت الأخرى وجهها وظهرت معالم وجهها بوضوح. ضربت على صدرها بصدمة وهي تقترب منها تتفحصها بفزع:
"إيه اللي حصلك ده يا بنتي؟"
تنهدت بمرارة وسردت على والدتها ما حدث. ظلت الأخرى تستمع إلى حديثها بذهول.
أنهت حديثها وتحدثت والدتها بحذر:
"يعني هو قال لك اهربي، هو ما يعرفكش صح؟"
هزت الأخرى رأسها بإيجاب. تنهدت والدتها براحة وقالت:
"الحمد لله إن ربنا نجاكي منه ومن شره يا بنتي. انتي من بكرة تلبسي نقاب وما تخرجيش من البيت خالص. دول كبروا يا بنتي والتار هيبقى للركب."
ردت الأخرى بحزن:
"طيب ذنبه إيه؟ اللي هيروح بلاش بسببي؟"
تحدثت والدتها بأسى:
"وإنتي فكرك لو روحتي واعترفتي إيه اللي هيحصل لك؟ هتروحي في الرجلين يا نضري، دول حيتان إحنا مش زيهم."
ردت الأخرى بحزن:
"يعني هنسيبه؟ يتقتل بسببي؟"
رددت والدتها بإصرار:
"ليه رب اسمه كريم يا بنتي، انسى اللي حصل خالص وأوعي أبوكِ يعرف حاجة يا بنتي، ده ممكن يروح فيها."
نظرت لها بحزن وصمتت. لا تدري ما الصواب من الخطأ. هي لا تخشى الموت ولكن ماذا سيحل بوالديها دونها؟ تنهدت بألم ودعت الله أن ينجيه كما نجدها هو الآخر.
❈-❈-❈
في قسم الشرطة.
يجلس أمام ضابط الشرطة واضعًا ساقه فوق الأخرى. ولما لا، فهو يوسف المغربي كبير عائلة المغربي بعد وفاة والده عبد الرحمن المغربي، وعلى المقعد المقابل يجلس المحامي الخاص بالعائلة.
تحدث الضابط بعملية:
"تمام يا يوسف بيه، بس كده حضرتك هتفضل موجود هنا في مكتبي لغاية الصبح تتعرض على وكيل النيابة وتكون نتيجة المعمل الجنائي وصلت."
تحدث المحامي باستنكار:
"ليه؟ ما يخرج بضمان محل الإقامة، والصبح هيكون موجود، ده يوسف المغربي يا سيادة المقدم."
تحمحم الضابط وتحدث بحذر:
"خروج يوسف باشا من هنا ممكن يعرضه لخطر، متنساش إن عيلة الشافعي وصلهم خبر قتل شهاب الشافعي وأكيد الدنيا مقلوبة."
ابتسم يوسف بثقة وقال:
"وتفتكر إن يوسف المغربي ممكن يخاف من حد؟ وخصوصًا اللي بتتكلم عنهم دول؟ بإشارة واحدة مني أفعصهم تحت رجلي. أنا هفضل هنا بس عشان إنت ما تتعرضش لمشاكل. التفت إلى المحامي الخاص به وردد بأمر: تخرج لـ عدي وتخليه يسافر القاهرة هو والجماعة، بلاش يفضلوا هنا، خلي عمي بس اللي يفضل."
تحدث المحامي بقلة حيلة:
"أوامرك يا باشا."
❈-❈-❈
في الخارج.
يتحرك شاب ذهاباً وإياباً بعصبية شديدة، بينما يجلس على إحدى المقاعد رجل كبير في السن نوعاً ما وشاب إلى جواره.
فتح الباب وخرج المحامي. اتجه الشاب سريعاً مردداً بلهفة:
"خير يا أستاذ عوني؟ يوسف ما خرجش ليه؟"
تنهد المحامي بقلة حيلة وقال:
"مع الأسف هيفضل هنا لصبح لغاية ما وكيل النيابة تيجي."
صاح الآخر بعنف مردداً:
"يعني إيه يفضل هنا؟ هما مش عارفين هو مين؟"
تحدث المحامي بحذر:
"يوسف بيه نفسه اللي قرر يفضل وأمرني أبلغ حضرتك يا عدي بيه إنك تاخد العائلة وترجعهم والحاج عوني هو اللي يفضل بس."
رفع الآخر حاجبيه باستنكار:
"يعني إيه أسيبه وأمشي؟ لا طبعًا مش هسافر وأسيب أخويا هنا."
تحدث الرجل الكبير وردد بأمر:
"لا يا عدي هتسافروا كلكم وأنا هفضل أنا وعامر ابني."
صاح الآخر متحدياً:
"وأنا مش هسيب أخويا."
تحدث الشاب الآخر بنفاذ صبر:
"الكلام يتسمع يا عدي. وجودك هنا غلط، ممكن يفكروا ياخدوا تارهم منك. الأمن تسافروا ودي أوامر يوسف. اتكسر كلامه ولو أنت عملت كده أخوك لما يخرج مش هيعديها على خير."
زفر بحنق وردد بقلة حيلة:
"أمري لله، خليكم معايا على التليفون."
ابتسم عوني بهدوء وقال:
"اطمن، مش هنتحرك من هنا من غير يوسف. يلا أنت روح لوالدتك وأخواتك وسافروا على القاهرة."
❈-❈-❈
في قصر كبير يظهر عليه الرقي والفخامة، تجلس امرأة في عقدها السادس تبكي بحسرة. إلى جوارها شابة في مقتبل العمر تربت على كتفها بحنان محاولة تهدئتها. وفي الجهة المقابلة تجلس امرأة تماثله في العمر وجوارها شابة تحمل طفلين وتبكي هي الأخرى.
فتح الباب ودلف عدي. نهض الجميع واتجهوا إليه بلهفة. ضم والدته مردداً بحزن:
"إهدي يا أمي، بإذن الله بكرة الصبح يوسف هيخرج."
رفعت رأسها وردت بدموع:
"يعني إيه أخوك هيبات في القسم؟ هما مش عارفين هو مين ولا إيه؟"
ربت على ظهرها بحنان وقال:
"يوسف اللي حابب كده يا أمي، وبكرة الصبح هيبقى هنا، أطمني. يلا العربيات جاهزة هنسافر القاهرة."
نظروا له الجميع باستنكار. ردد هو بتوضيح:
"دي أوامر يوسف، واطمني عمي عوني وعامر هيفضلوا معاه وأحنا هنسافر كلنا. يلا أجهزوا بسرعة عشان نتحرك."
نظروا له بقلة حيلة واتجهوا لأعلى للاستعداد من أجل السفر. فهم على يقين تام إذا علم يوسف مخالفتهم أوامره لن يمر الأمر مرور الكرام.
❈-❈-❈
فتحت عينيها ببطء وجدت شقيقتها تجلس بجوارها وتبكي بصمت. رفعت رأسها ورددت بدموع:
"شهاب مات يا نايا؟ ولا هما بيضحكوا عليا؟"
تنهدت بحزن وردت:
"صح يا حبيبتي، شهاب مات."
أغمضت عينيها بأسف وانفجرت باكية. ضمتها شقيقتها بحنان. ظلت تربت عليها بحنان، فخطيبها قد توفي قبل عقد قرانهم بيوم واحد، فعقد قرانهما كان بالغد.
تحدثت نايا بحزن:
"خلاص يا نورسيل، صلي على النبي، نصيبكم كده."
تنهدت بحزن وقالت:
"عليه الصلاة والسلام. خلاص يا نايا، شهاب مات ومش هشوفه تاني. إزاي أنا مش قادرة أستوعب، كتب كتابنا كان بكرة، إزاي قدر يسيبني ويمشي؟"
تنهدت نايا بحسرة وقالت:
"ربنا يرحمه."
التفت لها نورسيل ورددت بانتباه:
"مين اللي قتل شهاب؟"
ابتلعت الأخرى ريقها بتوجس وقالت:
"يوسف المغربي."
جحظت عين الأخرى مرددة بعدم تصديق:
"يوسف المغربي؟ يبقى أكيد عمي مش هياخد تار شهاب منه."
تحدثت نايا بمهاودة:
"نورسيل، إحنا ما نعرفش إيه اللي حصل لسه."
هزت الأخرى رأسها بحنون وقالت:
"استنى لما أعرف إيه يا مجنونة؟ شهاب مات." بكت بهستيريا وضمتها الأخرى بلهفة تربت على ظهرها برفق وهي تدعي الله أن يصبر قلبها.
❈-❈-❈
يجلس على مكتبه منكباً عليه بحزن شديد. تحدث ابنه الأكبر بعصبية وقال:
"يعني إيه مش هناخد بتارنا؟"
تنهد والده بحزن وقال:
"ناخد تارنا من مين؟ من يوسف المغربي اللي بموته تفتح علينا أبواب جهنم من تاني. إحنا مش قدها، سيل دم ملوش نهاية. بكرة نعرف تقرير الطب الشرعي إيه، مع إني واثق إن يوسف ما يعملهاش."
صاح الآخر مستنكراً وقال:
"قصدك إيه إنك مصدق الكلام اللي سمعته من الضابط ده وأن شهاب اللي اتهجم عليه؟ استحالة طبعاً."
تهكم والده وقال:
"إنت عارف كويس إنه بيكره يوسف وبيحقد عليه وتتوقع منه أي حاجة."
زفر بحنق وقال:
"يعني إيه مش هناخد بتارنا؟"
تنهد بضيق وقال:
"أما نتيجة المعمل الجنائي تظهر هنشوف هنعمل إيه. أخوك يت دفن والجنازة هتتأجل لغاية ما نرجع حق أخوك."
ابتسم الآخر ساخراً وصمت.
❈-❈-❈
مع فجر يوم جديد تجلس على سجادة الله تصلي بخشوع ودموعها تسيل بغزارة على ابنها وفلذة كبدها يوسف.
طرق باب الغرفة ودلفت سلفتها مرددة بعتاب:
"بتعيطي ليه يا صفاء؟ صلي على النبي يا حبيبتي، بإذن الله يوسف هيخرج بالسلامة."
أنهت صلاتها وتطلعت لها بأمل وقالت:
"يارب يا فوزية، يارب. أنا مش هقدر أستحمل إن يوسف يحصله حاجة."
تنهدت بحزن وقالت:
"متقلقيش، بإذن الله خير وعوني وعامر معاه وبإذن الله مش هيسبوه غير لما يخرج بالسلامة."
نظرت لها بأمل وقالت:
"يارب يا فوزية ويبعد عنه شر الأفاعي دول."
اقتربت الأخرى منها وجلست جوارها مرددة بحيرة:
"أنا مش فاهمة الواد ده برضه كان عايز يقتل يوسف ليه؟ ولا اشتبكوا ليه؟ إحنا المشاكل بينا من زمن."
ضمت الأخرى حاجبيها بحيرة وقالت:
" عندك حق، الموضوع ده غريب أوي. المهم عندي إن يوسف يخرج بالسلامة وبس."
تحدثت الأخرى بهدوء:
"إن شاء الله هيخرج بالسلامة."
❈-❈-❈
في قسم الشرطة.
حضر وكيل النيابة العام وتم التحقيق مع يوسف مرة أخرى وبرفقته محاميه الخاص. ردد يوسف نفس الأقوال التي أخبرها بها ضابط الشرطة.
بينما في الخارج.
يجلس عوني وابنه عامر ويحيطهم العديد من الحرس. وفي الجهة الأخرى يجلس سالم الشافعي وجواره ابنه شريف وإلى جوارهم العديد من الغفر. يترصد لهم شريف كما يترصد الفهد لفريسته، ينتظر الوقت المناسب لكي ينقض عليهم ويأخذ ثأر شقيقه.
بالعودة إلى الداخل.
تحدث وكيل النيابة بعملية بعد أن انتهى التحقيق:
"هل لديك أقوال أخرى؟"
هز يوسف رأسه نافياً وقال:
"لا."
تنهد وكيل النيابة وهو يطلع على الملف الذي أمامه وردد بعملية:
"نتيجة المعمل الجنائي بتأكد كلامك. البصمات اللي على المسدس كانت بصماته القتيل، وكذلك المسدس هو مسدس القتيل. رفع رأسه وردد بغموض: إيه سبب إنه كان عايز يقتلك؟ كلامك غريب شوية إنه ظهر قدامك مرة واحدة وحاول يقتلك؟ لكن واضح عليك وعلى المجني عليه إن حصل اشتباك بينكم؟"
ابتسم يوسف متهكماً وقال:
"أكيد يعني واحد رافع عليا مسدس مش هاخده بالأحضان، طبيعي إن هيحصل بينا اشتباك."
هز الآخر رأسه متفهماً وقال:
"تمام يا يوسف باشا، الجثة هتتدفن النهاردة، لكن لازم يتم عمل جلسة صلح منعا من إن يحصل تار مرة أخرى. أكيد حضرتك فاهم إن التار سلسال دم مش بينتهي."
هز يوسف رأسه متفهماً وقال:
"وأنا جاهز لأي دية يطلبوها. رفع يده محذراً وقال: إلا تقديم الكفن طبعاً."
تنهد الآخر بقلة حيلة:
"تمام." نظر إلى الكاتب وقام بالإفراج عن يوسف من سرايا النيابة لعدم وجود أدلة ضده.
خرج يوسف برفقة وكيل النيابة العام والمحامي الخاص به إلى الخارج. نهض الجميع منهم القلق ومنهم الحاقد.
وقف وكيل النيابة ويوسف في مواجهة سالم الشافعي وابنه، بينما اقترب عوني من ابن شقيقه ووقف جواره يشد من أزره.
تحدث وكيل النيابة العام بأسف:
"البقاء لله يا حاج سالم."
تحدث سالم بحزن:
"حياتك الباقية."
تحدث شريف بعجرفة وهو ينظر إلى يوسف بشر:
"نتيجة المعمل الجنائي إيه يا سعادة البيه؟"
تحدث بأسف:
"التحليل مطابق لكلام يوسف بيه. الرصاصة كانت من طبنجة شهاب وعليها بصماته، ودلوقتي أنا هاجي معاكم بنفسي أنا ويوسف بيه نستلم الجثة ويتم دفنها وبالليل، ويتم جلسة صلح هيحضرها أهل البلد والنائب ومدير الأمن."
تحدث يوسف بهدوء:
"البقاء لله يا حاج سالم."
نظر له سالم قليلاً وقال:
رواية ثأر الحب الفصل الثاني 2 - بقلم زينب سعيد
مد يوسف يده تحت نظرات الجميع، نظر له سالم يطالعه تارة ويطالع يده تارة، إلى أن وضع يده بيده مرددًا بإقتضاب:
- أنا حطيت يدي في يدك يا أبن المغربي عشان أوقف بحر الدم الي هينفتح.
إبتسم يوسف بإقتضاب، وقال:
- وأنا نفس الشئ يا شيخ سالم.
تحدث وكيل النيابة محذرًا:
- يلا يا جماعة عشان ندفن إكرام الميت دفنه، وبعد صلاة العصر هنتجمع في المسجد الكبير.
ردد يوسف بهدوء:
- معنديش مشكلة.
تطلع له شريف بغل، لو كانت النظرات تقتل لكان وقع يوسف صريعًا الآن.
إستند سالم علي عصاه، وقال:
- عندك حق يا باشا، إكرام الميت دفنه.
تحرك سالم مستندًا علي عصاه وجواره شريف وهو يرمق يوسف بتوعد، ومن خلفهم الغفر الخاص بهم، وتحرك برفقتهم وكيل النيابة.
توقف يوسف وضم عمه وإبن عمه مرددًا بتساؤل:
- عدي سافر هو والجماعة؟
تحدث عامر مؤكدًا:
- أه، أطمئن يا يوسف، سافروا القاهرة من إمبارح بالليل.
تنهيدة راحة خرجت من يوسف، وقال:
- كويس، كنت خايف أنه يعند أكتر ويرفض.
تهكم عوني وأجاب:
- هو ده إلي حصل فعلاً، بس أقنعته إنك هتقلب الدنيا لو عرفت أنه عصي كلامك ورفض يمشي.
هز رأسه متفهمًا وقال:
- كويس.
ردد عامر بفضول:
- أنت ناوي علي أيه معاهم.
نظر له قليلاً، وبعدها ألتفت إلي محاميه الخاص وتحدث بهدوء:
- شكراً يا أستاذ رفعت، تعبت حضرتك معايا، تقدر ترجع القاهرة.
إبتسم المحامي بتفهم وقال:
- تمام يا يوسف باشا، حمد الله علي سلامتك.
تحرك المحامي، وبعدها ألتفت يوسف وعقب بهدوء:
- لما نشوف هيحكموا بأيه، وقتها أقرر، يلا بس نروح الدفنة وكلم الجماعة في القاهرة يا عامر، طمنهم.
أجاب عامر بتفهم:
- تمام.
تحرك الجميع إلي الخارج وركبوا سياراتهم متجهين إلي المستشفي لإحضار جثمان شهاب ليتم دفنه.
- هروح يعني هروح يا نايا، قالتها نورسيل بإنهيار وهي تحاول النهوض من علي الفراش بوهن.
عقبت شقيقتها بحزن وقالت:
- لا مش هتروحي يا نورسيل، أنتي مش شايفة شكلك؟
رفعت الآخري عينها الممتلئة بالدموع ورددت بحسرة:
- مش هقدر يا نايا، لازم أشوف شهاب لآخر مرة.
تحدثت الآخري بحزن:
- حتي لو روحنا مش هينفع تشوفيه ولا تقربي وسط الرجالة، يبقي أيه لازمتها.
تنهدت نورسيل بحزن وأجابت:
- لا هعرف أشوفه بإذن الله، أكيد مرات عمي هتروح وهيخلوها تشوفه.
ردت نايا بإشفاق وقالت:
- يا حبيبتي أسمعي كلامي، هتستفادي أيه لما تشوفيه بالوضع ده غير وجع القلب، مش كفاية إلي أنتي فيه؟
وضعت نورسيل يدها علي قلبها وردت متهكمة:
- خلاص مبقاش ليا قلب أصلاً، شهاب أخدوا معاه لما مات، ياريتهم يدفنوني معاه، أنا تعبانة أوي يا نايا، بابا مات بسبب التار وبعدها بكام شهر ماما ماتت من الحزن عليه وسبتنا، أنا عندي سبع سنين وأنتي خمس سنين، وعمك ومراته ربونا مع عيالهم، ووعيت أنا علي حب شهاب دلوقتي بعد ١٥ سنة الموت ياخد مني شهاب كمان.
تحدثت نايا موبخة:
- حرام عليكي الكلام إلي بتقوليه ده، أستغفري ربنا يا حبيبتي، متعرفيش ربنا مخبي الخير فين، قومي معايا ننزل تحت، لو مرات عمك والستات هيروحوا هنروح معاهم، غير كده مش هنروح.
أماءت براسها بصمت ونهضت برفقة شقيقتها متجهين إلي الآسفل.
يجتمع النساء بالأسفل حول وصفية والدة شهاب، وإلي جوارها إبنتها نهال وهي تحمل رضيعها الصغير علي قدمها، تبكي تارة وتربت علي ظهر والدتها تارة أخري.
هبطت نورسيل الدرج بمساعدة نايا متجهين إلي مجلس النساء، نهض الجميع وإتجهوا لها يقدمون التعازي، وهي تبكي بمرارة، فاليوم بدل أن يتم تهنئتها لعقد قرانها يتم تعزيتها لوفاة عريسها، وبدل من أن ينصب صوان من أجل الزفاف، نصب صوان عزائه بدلاً منه.
إتجهت الي مجلس زوجة عمها وجلست جوراها وارتمت داخل أحضانها وجسدها ينتفض من كثرة البكاء، والآخري تربت علي رأسها بحزن، لا تردي تواسيها هي وهي من تحتاج إلي المواساة، فقد مات فلذة كبدها في زهرة شبابه، بدل من أن يوصلها هو إلي قبرها هي من أوصلته لقبره.
رفعت نورسيل رأسها ورددت بدموع:
- عايزة أحضر الجنازة يا عمة، قلبي وجعني أوي، عايزة أشوف شهاب.
تحدثت وصفية بصلابة لا تدري من أين أتت بها وقالت:
- هنروح يا بتي، هحضر جنازة ولدي وأشوفه قبل ما يدخل قبره.
تحدثت نهال بدموع:
- بلاش يا أمي، أحسن يحصلك حاجة، أنتي ولا أكلتي ولا شربتي من إمبارح يا حبيبتي.
إبتسمت والدتها بمرارة وقالت:
- تفتكري بعد موت شهاب هيبقي حد ليه نفس لزاد ولا مياه، أنا مش هرتاح غير لما حق والدي يرجع وينام مستريح في قبره.
دلف إحدي الغفر سريعا وردد:
- خلاص يا ست الحاجة، هما جايين بالعربيات ورايحين المقابر عشان يدفنوا شهاب بيه.
أغمضت عينها بألم ونهضت ونهض الجميع معها، إتجهت إلي الخارج متجه الي المقابر كي تشبع عينها منه قبل دفنه.
يركب بالمقعد الخلفي للسيارة وجواره عمه، بينما يجلس عامر إبن عمه وزوج شقيقته الصغري بالأمام جوار السائق يحادث زوجته، ألتفت إلي يوسف ومد يده بالهاتف مرددًا بتوضيح:
- كلم أختك عشان تطمئن.
إبتسم يوسف بتفهم وآخذ الهاتف منه مرددًا بحنو:
- أيوة يا عليا، معاكي يا حبيبتي، أطمني، أه خرجت بالسلامة، إن شاء الله طمني ماما وأخواتك، بكره بإذن الله هكون عندكم، ماشي يا حبيبتي، مع السلامة.
أغلق الهاتف وتسأل:
- أيه وقفوا ليه؟
نظر عامر الي خارج وأجاب:
- أهله واقفين، هينزلوا من العربيات وهيكملوا الطريق مش تقريبا.
زفر بحنق وقال:
- تمام، يلا.
قطب عوني جبينه وردد بإستنكار:
- هو أيه إلي يلا، أنت أتجننت يا يوسف، هننزل نمشي وسطهم، قدر ضربوا علينا نار؟
تهكم يوسف ساخرًا وقال:
- هيضربوا نار ومدير الأمن ووكيل النيابة موجودين يا عمي؟ مفتكرش أنهم أغبية كده.
ردد عوني بإصرار:
- لو بردوا مش هننزل نمشي وراهم كده، أنت ناسي أحنا مين وهما مين؟
زفر يوسف بملل وقال:
- عمي مش وقت الخيلة الكدابة دي، لازم نمشي زيهم، مش ناقصين وجع دماغ، لو حضرتك مش هتقدر هنزل أنا.
نظر له بغيظ وقال:
- هنزل يا يوسف وأمري لله، لما نشوف آخرتها.
ترجلوا من السيارة وتحركوا خلف الجنازة وخلفهم العديد من الحرس سيرا علي الأقدام.
وصلت الجنازة إلي المقابر واصطف الجميع بعد وضع الجثمان، وأمهم سالم الشافعي، ووقف كل من شريف ووكيل النيابة ومدير الأمن إلي جوار يوسف وعوني الذي وقف علي مضض وجواره عامر والبقية خلفهم، إنتهت صلاة الجنازة وقام الشيخ بالدعاء إلي المتوفي.
وقبل أن يتم الدفن إقتربت والدته وشقيقته ونورسيل ونايا، إتجه لهم شريف وإتجه إلي جثمان شقيقه وأزال الغطاء من علي وجه شقيقه، إقتربت والدته منه وقبلت جبينه بقلب منفطر، بينما أكتفت نورسيل بالنظر له بحزن، حاولت وضع يدها علي جبينها، تحدث شريف منبها:
- لأ أنتي مش محارمه.
سحبت يدها بحزن، آخذتها نايا ليقفوا بعيداً نوعاً ما، وكذلك إبتعدت والدته وشقيقته.
غطي شريف وجهه مرة آخري وبدأ بحمله هو والرجال متجهين به إلي المقبرة كي يتم دفنه.
إتجه بعينه وسلط بصره عليها من أسفل نظراته الشمسية مرددًا بهمس إلي عامر:
- مين البنت دي؟
همس عامر بتوضيح:
- هعرف منين، يمكن أخته مراته.
هز يوسف رأسه نافيًا:
- لأ مش مراته، الواد أخوه مخلهاش تقرب منه.
زفر عامر بحنق وقال:
- ياسيدي أحنا مالنا، خلينا نخلص ونروح بقي، أنا مخنوق، الجو حر أوي.
نظر يوسف ساخرًا وقال:
- معلش هشغلك التكيف.
إنتهي الدفن وبدأ الناس في المغادرة، إقترب يوسف مرة آخري من مدير الأمن وقدم التعازي معه وأكدوا علي الميعاد.
تهبط الدرج بسعادة وهي تصيح:
- يا ماما يا عدي يا طنط، يوسف خرج.
نهض الجميع بلهفة وإقتربت منها شقيقتها الصغرى عهد مرددة بلهفة:
- بجد؟ عرفتي منين؟
أجابت بلهفة:
- عامر كلمني وبلغني وكمان يوسف.
تنهد الجميع وعقب عدي متسائلاً:
- هما جايبين علي هنا؟
هزت رأسها نافية وقالت:
- لأ، قال جايين بكره.
تنهدت صفاء براحة وتمتمت:
- الحمد لله، بس أنا مش هرتاح غير لما أشوفه قدام عيني.
إبتسم عدي وعقب:
- بإذن الله يا ست الكل، بكره مش بعيد.
إقتربت عهد من والدتها ورددت بحيرة:
- تفتكري هو ليه مش راجع النهاردة يا ماما؟ مش غريبة شوية دي، أنا قولت آول حاجة هيجي ليكي علي طول.
نظرت لها والدتها بحيرة وقالت:
- عندك حق يا عهد، غريبة دي.
تحدث عدي معقبا:
- لا يا ست الكل مش غريبة، أكيد هيبقي فيه قاعدة يتصافوا فيها.
تطلعت والدته بإنتباه وردت:
- ربنا يستر يارب ويعديها علي خير.
إنتهت الجنازة وعاد يوسف وعمه وعامر إلي قصرهم، جلس يوسف علي أقرب مقعد بوقار واضعا ساق فوق ساق.
جلس عونه علي المقعد المقابل له وردد بفضول:
- أنت ناوي علي أيه؟
زفر يوسف وأجاب بنفاذ صبر:
- مش ناوي علي حاجة يا عمي، لنا نشوف طلباتهم أيه.
تحدث عوني محذرًا:
- فلوس ماشي، لكن أوعي تفرط في شبر أرض.
مسح يوسف علي وجهه وردد بنفاذ صبر:
- إلي فيه الخير يقدمه ربنا يا عمي.
أنهي عامر مكالمته الهاتفية وإقترب منهم وعقب:
- تعرفوا ان الواد ده كان كتب كتابه النهاردة.
نظروا له بترقب واردف يوسف متسائلاً:
- عرفت منين؟
رد عامر بهدوء:
- بعد الدفنة سمعت أتنين رجالة وهما بيتكلموا عن البنت الي كانت واقفة جنبه، ولما سألت عرفت أنها بنت عمه وكانت خطيبته وكتب كتابهم النهاردة، بس بيقولوا بقي البنت دي حلوة أوي ومكنوش بيخرجوها من البيت، حتى جامعتها كانت في إسكندرية مش هنا.
إبتسم يوسف ساخرًا ونهض مستئذنا:
- طيب أنا هطلع أخد شور وأريح ساعة بعد إذنكم.
تحدث عوني بهدوء:
- أتفضل.
دلف غرفته وأرمي بثقل جسده علي الفراش بتثاقل، إبتسم ساخرًا، وقال:
- يعني كتب كتابه النهاردة وإمبارح كان هيعتدي علي واحدة؟
هز رأسه متهكمًا ونهض بتثاقل متجها إلي خزانة الملابس يقوم بإخراج ملابس نظيفة له، وبعدها إتجه إلي المرحاض كي ينعم بحمام بارد يهدئ من روعه قليلا.
خرج بعد نصف ساعة وإرتدي ملابسه وجلس علي الفراش يهاتف والدته وشقيقه كي يطمئن عليهم.
يجلس سالم مستندا علي عصاه وجواره شريف من جهة وزوجته وصفية من جهة آخري.
رددت وصفية بحزن:
- هان عليك تحط إيدك في إيده؟
أغمض عينه بحزن:
- أسمعيني يا وصفية، أنا واثق أن يوسف برئ من دم شهاب.
تحدث شريف بعصبية:
- يعني أيه برئ يا بابا؟ أيه إلي حضرتك بتقوله؟ لو حضرتك خايف تاخد تار أخويا، أنا رقبتي سدادة وهاخده.
رمقه والده بغضب وقال:
- لأ مش خايف أخد تار أخوك يا بيه، لكن أنا عارف أخوك وعمايله كويس.
زفر شريف بحنق وقال:
- طيب وحضرتك ناوي علي أيه؟
نظر الي الجهة الآخري وردد ببرود:
- أخوك شادي هيرجع إمتي وأزاي ميحضرش دفنة أخوه توأمه.
رد شريف بإرتباك:
- شادي ميعرفش، أنا مبلغتوش.
تطلع له سالم بغضب وقال:
- يعني أيه ميعرفش؟ أنت أتجننت، أتفضل قوم بلغ أخوك.
هز رأسه بقلة حيلة ونهض وهو لا يدري كيف سيخبر شقيقه بهذا الأمر، تنهد بقلة حيلة وهو يدعي أن تمر هذه المكالمة مرور الكرام.
مع آذان العصر.
يجتمع الجميع مع إنتهاء آذان العصر وإقامة الصلاة، إسطف المصلين خلف الإمام.
أقام الصلاة وفور أن إنتهي صلاة العصر غادر المصلين وتبقي شيخ المسجد ومدير الأمن وعضو مجلس الشعب وكبار العائلات، جلس الجميع أرضا وتحدث الشيخ عن الصلح مرددًا بعض الآيات القرآنية قال -تعالى-: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ). قال -تعالى-: (وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّـهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).
تحدث يوسف بهدوء:
- وأنا جاي القاعدة دي يا شيخ عشان الصلح والي أنتوا هتحكموا به، أنا رقبتي سدادة، المهم أن التار يقف وبس.
تحدث الشيخ براحة:
- تمام يا أبني، ألتفت إلي سالم وتسأل طلباتك يا شيخ سالم؟
رد بإقتضاب:
- أنا مش هاخد ديه لوالدي يا شيخ.
تنهد الشخ براحة وردد بحذر:
- طالما مافيش ديه يبقي نسب.
لا صاح بها شريف وعوني في نفس واحد.
ألتفت سالم إلي شريف وأردف بأمر:
- شريف صوتك ميطلعش، سامع.
صمت الآخر بخزي.
عقب يوسف بتحذير:
- عمي الموضوع ده يخصني أنا وبس، ألتفت إلي الشيخ وردد بهدوء قصد حضرتك ايه بالنسب؟
تحدث الشيخ بتردد:
- حضرتك تتجوز واحدة من بيت الشافعي وواحد من أخوات المرحوم يتجوز من بيتكم.
صمت مطبق علي الجميع قطعه مدير الأمن:
- ها يا حاج سالم أيه رأيك؟
تنهد سالم وقال:
- موافق.
ألتفت مدير الأمن الي يوسف وقال:
- وأنت يا يوسف بيه؟
رد يوسف بحذر:
- موافق، بس أختي هتتصان في بيتهم؟
رفع سالم رأسه وردد:
- أختك هتبقي في بيتنا وأم عيالنا هتتصان فوق الراس.
تنهد يوسف براحة وقال:
- تمام.
نظر سالم إلي شريف وقال:
- العريس أبني شادي توأم شهاب الله يرحمه والعروسة بنت أخويا وخطيبة المرحوم.
تحدث الشيخ بإبتسامة:
- علي خيرة الله، كتب الكتاب والدخلة يكون يوم أربعين المرحوم، يتكتب الكتاب وكل عروسة تروح بيتها، والشبكة والمؤخر والمهر ده بقي يرجع ليكم.
رد سالم بهدوء:
- تمام، علي خيرة الله.
تحدث يوسف بهدوء:
- تمام يا شيخ، وأي طلبات أنا جاهز ليها.
إبتسم مدير الأمن وقال:
- طيب الحمد لله، يلا بقي تسلموا علي بعض عشان تصفوا النية.
نهض يوسف وكذلك سالم وتبادلوا السلام بصمت تام وبعدها غادر الجميع.
فور أن تحركت سيارة يوسف صاح عوني بجنون:
- أنت ازاي توافق علي الجنان ده يا يوسف؟ هتسلمهم أختك؟ أنت متخيل ممكن يعملوا فيها أيه؟
تنهد يوسف بملل وقال:
- مش هيعملوا فيها حاجة وكمان هيحطوها فوق رأسهم، كه شئ أنا واثق منه، أنا كان مشكلتي أنها تتجوز إلي أسمه شريف ده، لكن شادي ده أعرف أنه بعيد عن أبوه تماما وعايش في القاهرة يعني هتبقي جنبي وهقدر أوقفه عند حد لو فكر يأذيها.
تطلع عمه له بضيق ونظر أمامه بصمت.
يدلف شريف منزلهم ووجه لا يبشر بالخير، نهضت والدته سريعا وإقتربت منه مرددة بلهفة:
- خير يا أبني أيه الي حصل وأبوك فين؟
تحدث ساخرًا:
- حصل ايه، أبويا هيناسب إبن المغربي، هيجوزه نورسيل وهيجوز أخته لشادي.
ضربت علي صدرها بصدمة.
بينما الآخري إستمعت إلي حديثهم أثناء خروجها من المطبخ، شهقت بصدمة وإتجهت سريعا إلي غرفة شقيقتها تخبرها بما إستمعت إليه.
يتبع.
رواية ثأر الحب الفصل الثالث 3 - بقلم زينب سعيد
ركضت نايا سريعًا إلى غرفة نورسيل تخبرها بما استمعت إليه.
صاحت وصفية بصدمة:
– أنت بتقول إيه يا شريف يا ولدي؟ أبوك عايز يجوز عروسة المرحوم ليه؟
هز رأسه ساخرًا وقال:
– أيوه يا ستي، شفتي الهنا اللي إحنا فيه يا أما.
تهاوت على أقرب مقعد وجلست فوقه تنتحب.
اقترب منها شريف بضيق وقال:
– مش وقته يا أما اللي بتعمليه ده، إحنا لازم نشوف صرفة معاه. الجوازة دي استحالة تتم، أنا هكلم شادي ولما ييجي أكيد مش هيوافق على الكلام الفارغ ده، وتار أخويا إحنا أولى بيه.
ضحكة ساخرة خرجت من فم سالم الذي دخل من الباب مستندًا على عصاه. اقترب بتمهل وردد متهكمًا:
– وأنت بقى اللي هتجدر تاخد تار خيك من ولد المغربي؟
تحدث شريف بغرور:
– أيوه يا أبا، وعندي استعداد أروح دلوقتي وأطخه في جلب داره.
جلس سالم بوهن وقال:
– من كل عقلك يا والدي؟ فاكر إن الدنيا سهلة كده؟ فاكر إن قتل واحد من المغاربة سهل؟ ما بالك بكبير العيلة ذات نفسه. أنت كده بتحكم على نفسك وعلينا يا والدي بالموت والبلد هتتحول لبحر دم ملوش نهاية. اللي عملته أنا كان عين العجل.
رددت وصفية بحزن:
– لا مش صح يا حاج. على الأجل كنت تجوزه نايا مش تجوزه عروسة المرحوم، أولى بيها شريف أو شادي.
تنهد بحزن وقال:
– عيالك يا حاجة، مفيش واحد فيهم هيرضى يتجوز اللي كانت مكتوبة لأخوهم. رفع رأسه ونظر إلى شريف متسائلاً: كنت هتوافق يا والدي تتجوز عروسة أخوك؟
صمت شريف قليلاً وتحدث نافيًا:
– لأ يا أبا، ما كنتش هقدر أتجوزها ولا أنام وياها في فرشة واحدة.
ألتفت إلى زوجته بنظرة ذات معنى وردد:
– صدقتيني يا حاجة؟ قوم يا والدي اتصل بخيك وأوعي تقوله على شيء. عرفه بس إن خيه مات، ولا أزيد ولا أقل. لو مش هتجدر هات أنا أخبره.
هز شريف رأسه بقلة حيلة وقال:
– حاضر، هخبره بالإذن.
***
استمتعت لحديث شقيقتها بإنصات شديد ونهضت من على الفراش بشرود تام. جلست بأريحية على مقعدها الهزاز متشحة بالسواد وهي مازالت تستمع لحديث الأخرى.
– زي ما قولتلك كده، سمعتهم بيقولوا إنك تتجوزيه. أنا مش فاهمة بس إيه اللي بيفكروا فيه ده؟ دول أكيد اتجننوا. أنت أكيد هتررفضي الهبل ده، صح؟
التفت لها الأخرى ونهضت ببطء ووقفت في قبالتها وتمتمت بابتسامة باهتة:
– ومين قالك إني مش موافقة؟
شهقت الأخرى بعدم تصديق:
– موافقة على إيه؟ أنتي بتهزري يا نورسيل، صح؟
حركت نورسيل رأسها نافية وقالت بنبرة تهكمية:
– أهزر؟ تفتكري الموضوع ده فيه هزار؟ أنا بتكلم جد يا نايا.
رددت الأخرى بذهول:
– بتتكلمي جد؟ يبقي أكيد أنتي اتجننتي. هو أنا أه ضد الثأر والهبل ده، لكن لما تنسي تارك معاه وتروحي تتجوزيه؟ نسيتي اللي حصلك بسببه؟ خطيبك مات ليلة كتب كتابكم وأنت عادي كده هتروحي تتجوزيه!
ابتسمت الأخرى بغموض وتمتمت:
– لأ، منستش ولا هنسى. وتاري هاخده بإيدي. لكن لما أبقى في عقر دار عدوي، الفرصة هتبقى أقوى. هبقى وأنا بعيد عنه...
***
التفت إلى زوجته التي تبكي بإشفاق. هو يعي جيدًا ما الألم الذي تشعر به، فهو أيضًا ذاق مثلها مرارة فقدان الابن. لكن ما باليد حيلة، ما فعله هو الصواب من أجل الجميع.
أخذ نفسًا عميقًا محاولًا تهدئة دقات قلبه الثائرة مرددًا بأسى:
– عارف إنتي حاسة بإيه دلوقتي يا حاجة؟ وحاسس زيك بالنار اللي في جلبك. بدل ما تقعدي تستقبلي التهاني بفرح ولدك، تستقبلي العزاء فيه. لكن دي إرادة ربنا، مالناش فيها حديث واصل. ابنك كان مكتوب له يموت في الوقت ده واليوم ده، يعني لو مخرجش حتى من البيت كان هيموت بردك. هونّي على نفسك يا حاجة وادعيله.
ابتسمت بمرارة وقالت:
– جلبي واجعني جوي يا حاج. بدل ما كنت هشوفه النهاردة يا نضري في لبس الفرح، شوفته متكفن.
أغمض عينيه وردد بصلابة:
– جدره كده واتزف عريس يا حاجة. وحدي الله، أنتي ست مؤمنة وموحدة بالله. بلاش بكي، أنتي كده بتتعبيه في قبره. سيبيه ينام ويرتاح. ادعيله، اجرأيله قرآن. ده اللي محتاجاه منكِ، مش البكي.
هزت رأسها بصمت وهي تحاول كبت عبراتها من الدموع.
أكمل هو حديثه بحذر وقال:
– البنية اللي هتيجي عندنا يا حاجة هتبقى مرت والدك وأم أولادنا في المستقبل. يعني اعمليها بما يرضي الله ومتخديهاش بذنب حد، سمعاني يا حاجة؟ مش إحنا اللي نذل حد دخل بيتنا.
نظرت له معاتبة وردت:
– اطمن يا حاج، هتبقى فوق راسي. دي هتبقى مرت والدي اللي فاضل ليا من ريحته.
صمتت قليلاً وعقبت:
– بس أنت ليه عايز تجوزها لشادي مش لشريف؟
تنهد بشرود وأجاب:
– لأن شادي أعجل. بعكس شريف اللي ما هيصدق تبقى تحت يده وينتقم منها. الأصلح كان شادي...
***
قطبت نايا جبينها بحيرة وأردفت:
– قصدك إيه؟ مش فاهمة حاجة.
ابتسمت نورسيل بهدوء وقالت:
– مش مهم تفهمي. سبيني شوية لوحدي يا نايا، ممكن؟
هزت الأخرى رأسها بقلة حيلة. تطلعت هي في أثرها ثوانٍ وجلست مرة أخرى على مقعدها الهزاز بأريحية وهي تداعب محبسها الذي ألبسها إياه شهاب منذ عام، ومن وقتها لم تخلعه هي من بنصرها من وقتها. منذ أن فتحت عينيها في هذه الدنيا، تفتحت على حب شهاب، وكل يوم يمر بحياتها كانت تزداد حبها وعشقها له. رغم أنه هو وشادي كانوا توأمًا متماثل، فهي أحبت شهاب وتغاضت عن عيوبه الظاهرة للعيان والتي طالما حذرتها منها نايا، لكن مرآة الحب عمياء كما يقال...
***
يحتسي فنجان القهوة الخاص به بإستمتاع شديد، غير عابئ بالجالسة بجواره وتثرثر كلامًا لا قيمة له بالنسبة له، لكن كبير بالنسبة لها هي.
ابتسم بإقتضاب وألتفت لها مرددًا بملل:
– خلصتي رغي ولا لسه يا نهى؟ أصل بصراحة دماغي صدعت.
نهضت هي بإمتعاض واضعة يدها بمنتصف خصرها وتمتمت بغيظ:
– يعني إيه صدعت؟ شادي، اللي بيحصل ده مش هيستمر كتير، إحنا لازم نتجوز.
زفر بملل وقال:
– إحنا متجوزين فعلاً! في حد بيتجوز مرتين؟
دبت بقدمها بعنف ورددت:
– متجوزين عرفي يا شادي باشا، والوضع ده مش هينفع يستمر. أنا كل شوية يتقدملي واحد وأنا أرفضه عشان خاطرك.
وضع فنجان القهوة على المنضدة ونهض واضعًا يده في جيب بنطاله وأردف ببرود:
– لا مش عشاني، عشان فلوسي اللي بتصرفي عليها إنتي وأهلك بعد ما جوزك طلقك من سلوكك الحلو يا قطة.
ربعت ساعديها ورددت بتهكم:
– وطالما أنا رخيصة كده بتتجوزني ليه؟ أقولك أنا! اتجوزتني بعد ما حبيبة القلب اللي اتجوزتها من وراء أهلك، طلقت منك لما عرفت إنك...
ما كادت أن تكمل حديثها إلا وعالجها هو بصفعة مدوية أسقطتها أرضًا وهي تصرخ بألم. اقترب منها وجذبها من شعرها مرددًا بفحيح:
– احمدي ربنا إنك مكملتيش كلامك، لأن وقتها كنت هدَفنك حية.
قام بجرها من خصلات شعرها بعنف متجهًا بها إلى خارج الشقة، غير عابئ بتوسلاتها ولا رجائها بتركه. أغلق الباب خلفها بعنف ووقف يتنفس بسرعة وهو يمسح على وجهه كمحاولة لتهدئة الوحش الثائر بداخله وإخراج هذه الشمطاء...
***
دلفت المنزل مرتدية نقابها وهي تتنهد براحة. اقتربت منها والدتها وأمسكتها من ذراعها بعنف وأردفت:
– بردوا مسمعتيش الكلام ونفذتي اللي في دماغك يا حنين؟
رفعت الأخرى النقاب وهي تئن بألم من ضغط والدتها على ذراعها:
– غصب عني يا أمي، مكنتش هتحمل إن واحد بريء يحصله حاجة بسببي.
ضربت والدتها على صدرها بخوف وقالت:
– روحتي بلغتي عن نفسك؟
هزت الأخرى رأسها سريعًا نافية وردت مدافعة:
– لا يا أما، اطمني. طلع براءة وهيحلوا الثأر بالنسب.
قطبت والدتها بحيرة وقالت:
– نسب؟ إزاي يا بتي؟ مش فاهمة؟
رفعت حنين كتفيها بحيرة وأجابت:
– مش عارفة يا أما، ده اللي سمعته من الناس.
تنهدت والدتها براحة ورددت:
– طيب الحمد لله. إنسي بقى الموضوع ده يا بتي وخلينا نشوف حالنا. إحنا غلابة وملناش غير ربنا.
ابتسمت براحة وقالت:
– اطمني يا ياما، خلاص مش هفكر في الموضوع ده تاني. هركز في أكل عشنا وبس لحد ما أبويا يقوم لينا بالسلامة من تاني.
ربتت والدتها على ظهرها وتمتمت:
– ربنا يصلح حالك يا بتي ويوقفلك ولاد الحلال دايمًا...
***
فاق من ثورته على رنين هاتفه. أخرج الهاتف من جيبه وامتعض وجهه عندما علم هوية المتصل. اتجه إلى أقرب مقعد وتهاوى فوقه وأجاب:
– ألو؟ أيوه يا شريف؟ الحمد لله.
صمت قليلاً وتساءل:
– مال صوتك يا شريف؟ في حاجة حصلت؟
انتفض من مقعده مرددًا بعدم استيعاب:
– شهاب مات؟ إزاي؟ وإمتى؟
قطب جبينه بصدمة وردد:
– مات إمبارح واتدفن؟ ولسه فاكر تكلمني؟ أقفل أنا مسافة الطريق وأكون عندكم.
أغلق الهاتف وتهاوى بجسده متمتمًا بعدم تصديق:
– مات...
أغمض عينيه بأسى، فالآن علم سبب الألم الذي يشعر به في قلبه منذ أمس...
***
طرق على الباب بخفة أيقظها من غفوتها على مقعدها الهزاز التي لم تدوم سوى دقائق. نهضت على الفور وهي تضع حجابها على رأسها، فهي تعلم هوية الطارق بالفعل. فتحت الباب وتمتمت بإحترام:
– اتفضل يا عمي؟
تطلع لها بحنان وهو يدلف الغرفة قائلاً:
– أنتي كنتي نايمة يا بتي ولا إيه؟
هزت رأسها نافية ورددت بأسى:
– لا يا عمي، كنت صاحية. هيجي منين النوم بعد موت شهاب.
أغمض عينيه بأسى وجلس على الفراش مرددًا بأسف:
– الله يرحمه. جربي يا بتي، اجعدي. جاري رايد أتحدت وياكي.
اقتربت منه بإرتباك وجلست جواره وهي على أتم العلم ماذا يريد منها.
ربت على ظهرها بحنان وهتف:
– أنا عارف يا بتي، كنتي بتحبي شهاب جد إيه. بس خلاص راح عند اللي خلقه. وأنتي عارفة عوايدنا في الثأر بيكون. دي لا نسب، وأنا يا بتي مش هجيب دية لوالدي ومقدمناش غير النسب.
تطلعت له بإنتباه، أكمل هو حديثه بحذر:
– وعشان كده يا بتي، شادي هتجوز بنت عبد الرحمن المغربي. وأنتي يا بتي هتتجوزي يوسف المغربي.
ضغطت على شفتيها بألم وقالت:
– هتقدر تحط إيدك في إيد اللي قتل والدك يا عمي؟
ابتسم بأسى وتمتم:
– يوسف يا بتي بريء من دم والدي، أنا واثق من كده. مش يوسف المغربي ولد عبد الرحمن اللي يعملها يا بتي. اللي عايش طول حياته بعيد عن أهله وبييجي البلد من السنة للسنة لفعل الخير، ما يعملهاش واصل يا بتي. مش هغصبك على حاجة. لو أنتي رافضة، يتجوز شادي. يبقى يتجوز نايا يا بتي، وبلاها أنتي. أنا مش هغصبك على حاجة يا بت الغالي.
***
مع أصوات أذان العشاء، تصل السيارات إلى قصر الغربي بالقاهرة. ترجل السائق سريعًا وقام بفتح الباب ليوسف الذي دلف إلى الداخل وخلفه عمه وعامر.
نهضت والدته بلهفة فور رؤيته وركضت تجاهه تضمه بلهفة وهي تتفحصه بعناية.
قبل هو جبينها بحنان وردد بمزاح:
– اهدي يا ست الكل، هي ليلة واحدة اللي بعدتها عنك، أكيد مش هنقص حاجة.
ضربته على ذراعه بعنف وأردفت معاتبة:
– ليك نفس تهزر وأنا في الحالة دي؟
قبل يدها بحب وقال:
– أه عشان تضحكي. أنا مش عايزك في الحالة دي يا ست الكل. اضحكي كده، أنا معاكي أهو.
– إيه يا طنط؟ مفيش غير يوسف ولا إيه؟ ده أنا جوز بنتك حبيبك، قالها عامر بدعابة.
ابتعدت عن يوسف وضمت عامر بحب:
– حمد الله على السلامة يا ابني.
ابتسم عامر وقال:
– الله يسلمك يا ست الكل.
ألتفت إلى عوني وقالت:
– حمد الله على السلامة يا أبو عامر.
ردد بإمتعاض:
– الله يسلمك. شوفتي إنك وعمايله.
رددت الأخرى بقلق:
– عمل إيه؟ خير؟
تحدث يوسف بمقاطعة:
– عمي لو سمحت، مش عايز كلام في الموضوع ده بعد إذنك.
نظر له بغيظ وقال:
– حاضر، أديني سكت. هي الحاجة وعليا هنا ولا مشيوا؟
قطبت جبينها بحيرة وقالت:
– مشيوا من ساعة.
هز عوني رأسه بتفهم وقال:
– يلا بينا إحنا يا عامر يا ابني بعد إذنكم.
تحدثت الأخرى بلهفة:
– استنوا طيب، نتعشى سوا؟
ردد عوني معتذرًا:
– مرة تانية بعد إذنكم.
غادروا واتجه يوسف إلى الداخل ووالدته خلفه مرددة بحيرة:
– في إيه يا ابني بالظبط وعمك ماله؟
جلس على المقعد وتحدث بهدوء:
– هتعرفي كل حاجة يا أمي، اطمني. بس ممكن تبعتي حد لعدي وعهد؟
تطلعت له بحيرة وهزت رأسها بإيجاب داعية الله أن يمر الأمر مرور الكرام.
***
يجلس الجميع بصمت تام كأن على رؤوسهم الطير بعد أن استمعوا إلى حديث يوسف.
تطلع لهم يوسف قليلاً وأردف متسائلاً:
– ساكتين ليه؟
التفت له والدته بحزن وقالت:
– عايزنا نقول إيه؟ هيجيلك قلب ترمي أختك ليهم؟
قطب يوسف جبينه مستنكرًا وقال:
– نعم؟ أرمي أختي ليهم؟ إيه اللي حضرتك بتقوليه ده يا أمي؟ أنا لو عندي شك واحد في المية إنهم ممكن يأذوا عهد، هيبقي على رقبتي يا أمي.
هتفت والدته بتراجع:
– مش قصدي يا ابني، بس أنت متضمنش هيعملوا إيه فيها.
تحدث عدي بهدوء:
– مش هيعملوا أي حاجة يا أمي، لأن ببساطة زي ما عهد في بيتهم، بنتهم في بيتنا.
ابتسم يوسف وقال:
– أهو عدي رد عليكي. وكمان هما عارفين كويس أوي أنا هعمل فيهم إيه لو حد قرب منهم. وكمان شادي ده عايش هنا في القاهرة من سنين وفاتح شركة خاصة بيه ومستقل بحياته عنهم. يعني عهد مش هتحتك بيهم غير نادرًا، وكمان هتبقى جنبنا.
تنهدت بقلة حيلة وتمتمت:
– اللي إنت شايفه يا ابني.
ألتفت إلى عهد التي تجلس بصمت تام وردد بحنو:
– مش اللي أنا شايفه، اللي عهد شايفاه. إيه رأيك يا عهد؟
تطلعت له بتيه وهتفت بخجل:
– اللي حضرتك شايفه يا أبيه.
تنهد براحة ونهض مقبلاً رأسها بحنان:
– مبروك يا حبيبتي، ألف مبروك.
ابتسمت بخجل وجلس هو مرة أخرى.
تحدثت والدته بفضول:
– هي عروستك اسمها إيه؟
قطب جبينه بحيرة وقال:
– مش فاكر الصراحة، هي اسمها غريب شوية.
تطلع أشقائه له وسرعان ما انفجروا ضاحكين على ما تفوه به شقيقه الأكبر، فهو لا يتذكر اسم عروسه التي سيتزوجها...
رواية ثأر الحب الفصل الرابع 4 - بقلم زينب سعيد
تطلعت إلي عمها قليلاً وهو تنسط لما يقوله بضيق شديد.
تحدث هو يحثها علي الحديث:
- ساكتة إكده ليه يا بتي جولي رأيك موافجة ولا يتچوز نايا؟
زفرت بضيق وتمتمت:
- موافقة يا ياعمي.
تنهد براحة وهتف:
- ماشي يا بتي ربنا يچعلها جوازة الضهر ليكي.
إمتعض وجهها ونظرت إلي الجهة الآخري.
أغمض الآخر عينيه بحزن فعلي ما يبدوا أن إبنة أخيه لم تمرر هذه الزيجة مرور الكرام.
ربت علي ظهرها بحنو وعقب:
- أسمعيني يا بتي أنتي لو موافجة علي الچوازة دي لازم تبجي خابرة زين أن مفيش طلاج واصل وهيبجي چوزك أبو عيالك يعني أي حاچة بتفكري فيها يا بتي تنسيها وأنسي شهاب لأن من وجت ما ينكتب كتابك علي يوسف يبجي عقلك يمحي شهاب منه يا بتي لأن إكده هيكون حرام وبتخوني چوزك وأنا مرضاش ليكي إكده واصل.
التفتت له ورددت بدموع:
- حتي التفكير فيه حرام ده ميت!
تنهد بألم وعقب:
- إكده الصوح يا بتي يلا هسيبك تريحي دلوك تصبحي علي خير.
نهض سالم مستنداً علي عصاه بوهن بينما هي نظرت في آثره بشرود.
وصل إلي منزل عائلته بالصعيد بعد أربعة ساعات متواصلة من القيادة.
فتح له الغفر البوابة الكبيرة وهما يلقون عليها عبارات التحية فرحين بعودته من جديد فهو لم يأتي منذ أربعة سنوات إلي هنا.
عبر بسيارته الممر القصير وأوقف سيارته أمام المنزل وترجل من السيارة وهو يتطلع حوله يتأمل المكان الذي فارقه منذ زمن.
تنهد بحزن وهو يسترجع ذكرياته السابقة في هذا المنزل.
فاق من شروده علي إقتراب الغفر منه مهللين بعودته وأيضاً يقدموا له واجب العزاء.
في الداخل.
يجلس شريف مع والدته يربت علي ظهرها بحنان فهي لم تكف علي البكاء منذ أمس وكذلك لم تضع أي لقمة داخل جوفها.
إقتربت منها نايا وهي تحمل طبق صغير من الشربة وجلست جوارها هي الآخري مرددة بعتاب:
- أيه يا عمة هتكسفي إيدي؟
رفعت وصفية رأسها وهتفت بدموع:
- مجدراش يا بتي منين هيچيلي النفس بعد فراج الغالي.
تحدث شريف معاتبا:
- يا أماي لازم تأكلي لجمة صغيرة علي الأجل أنا خايف تجعي من طولك من وسطنا.
هزت رأسها نافية وتمتمت:
- معلش سبني علي راحتي يا ولدي مش هجدر أنا جلبي محروج علي خيك.
تنهدت نايا بحزن وعقبت:
- تفتكري شهاب مبسوط وأنتي رافضة تأكلي وتشربي كده؟ ده هيفرحه؟ أو هيرجعه حتي؟ ياريت البكي بيرجع إلي فارق مكنش حد بطل بكي.
أماء شريف مؤكداً وأردف:
- والله عنديكي حج يا نايا البكي مش هيرچعه لا ده كل دمعة منيكي هتحرجه في جبره دلوجتي.
أكملت نايا مؤيدة:
- شريف عنده حق يا عمة يلا بقي كلي أنتي ست مؤمنة وراضية بقضاء ربنا وإلي بتعمليه ده حرام.
تطلعت لها وصفية بحزن ومدت يدها وآخذت منها الطبق وهي تحاول أن يبتلع جوفها شئ من هذا الطعام فهو كالعلقم بفمها.
لفت إنتباههم أصوات بالخارج.
نهض شريف مرددا بعصبية:
- وه أيه الصوت إلي چاي من بره ده أنا خارچ أطربجها فوج دماغهم البهائم دول.
تحرك متجهاً إلي الخارج متوعدا لهم أشد العقاب.
بينما نظرت نايا في آثره بضيق فهي تكره غروره وتكبره إذا كان هو أو شهاب رحمه الله فكلاهما وجهان لعملة واحدة لا تعلم كيف كانت شقيقتها الحمقاء تحب هذا المدعو شهاب.
هزت رأسها بقلة حيلة وطلت ترتب علي ظهر زوجة عمها بخفة.
خرج من الباب وصاح بعنف عندما وجد تجمع الغفر ولكن لم ينتبه إلي شقيقه الأصغر الذي يقف بينهم.
- حصل أيه يا غفير منك ليه واجفين إكده ليه وسايبين أشغالكم؟
وقف الجميع بإحترام وتحدث أحدهم بإحراج:
- أسفين يا سعادة بيه بس كنا بنرحب بشادي بيه.
الأن إنتبه إلي شقيقه الذي ركض سريعاً تجاهه يضمه بلهفة وكذلك شادي الذي شدد هو الآخر من إحتضانه بإشتياق.
إبتعد عنه شريف بعد فترة مرددا بعتاب:
- أخيرا چيت دارك يا ولد أبوي.
إبتسم شادي وتمتم:
- كله بأوانه يا ولد أبوي.
تنهد شريف وقال:
- ماشي يا خي تعالي ندخل.
أماء الآخر رأسه ودلفوا سويا للداخل.
وفور أن وقعت أنظار وصفية علي نهضت سريعاً غير عابئة بالطعام الذي سقط أيضاً من يدها وركضت تجاهه وهو تصرخ بلهفة:
- والدي..
ركضت شادي هو الآخر تجاهها وضمها بلهفة.
ظلت تبكي داخل أحضانه وتقبل كل أنشئ به.
بينما وقفت نايا وشريف يتابعوهم بصمت.
خرج من غرفته سريعاً وهي يستند علي عصاه بفزع من صرخة زوجته.
هبط الدرج وهو يكاد يركض من شدة إسراعه.
وقف أخيرا متنهدا براحة عندما علم سبب صراخها فقد عاد إبنه الغائب.
وضع يده علي قلبه بوهن وأكمل هبوط الدرج وخلفه نورسيل التي جاءت هي الآخري لتري ما سبب الصراخ.
إبتعد عن والدته وقبل يدها بحب:
- أتوحشتك جوي يا أماي.
ربتت علي ظهره بحنو وأرفت بحنو:
- مش جدي يا والدي يعلم ربنا شوجي علي بعدك أتحملته أزاي.
- وأنا متوحشتكش يا ولدي.
قالها سالم بحب.
إعتدل شديد وإتجه إلي والده يقبل يده ويضمه بحب:
- وأه مين جال إكده بس أتوحشتك كتير يا أبوي.
إبتسم سالم بحزن وقال:
- حمد الله علي سلامتك يا ولدي.
ألتفت شادي إلي نورسيل التي تقف خلف عمها وأردف بهدوء:
- كيفك يا بت عمي؟
تطلعت له بحزن فكأنها تري شهاب الأن.
تنهدت بحزن وأجابت:
- الحمد لله يا بن عمي.
قطع شادي حديثهم وتمتم:
- تعالو نجعد يا چماعة واجفين ليه.
أذعن الجميع لحديثه وجلسوا سويا.
شادي يجلس علي الأريكة متوسطاً والديها وشادي علي المقعد المجاور لهم بينما جلست ناسا ونورسيل متجوارين علي الأريكة المقابلة.
سلط شادي أنظاره علي نايا وردد بهدوء:
- كيفيك يا بت عمي؟
ردت بهدوء:
- الحمد لله يا شادي حمد الله على سلامتك.
إبتسم بهدوء وقال:
- الله يسلمك.
ألتفت إلي شقيقه وردد بحزن:
- شهاب مات أزاي؟ وليه محدش بلغني عشان أحضر الچنازة.
أجابت نورسيل سريعاً:
- أتقتل يوسف المغربي هو إلي قتله.
- نورسيل أطلعي فوج يلا.
صاح بها سالم بغضب شديد.
نهضت نايا سريعاً وهي تحث شقيقتها علي الصعود لأعلي بعد أن رمقة الآخري عمها بعتاب فهذه آول مرة يرفع صوته هكذا عليها أو يغضب منها لهذه الدرجة.
نظر شادي إلي والده مرددا بعدم إستيعاب:
- أيه إلي بتجوله نورسيل ده يا أبوي؟
تحدث سالم بخشونة:
- مالكش صالح بإلي بتجوله يا والدي هي موچوعة من موت خيك أنت ناسي أن كتب كتابهم كان النهاردة.
إبتسم بمرارة وأكمل:
- وأنت رفضت تاجي كتب الكتاب وجولت أچي في الدخلة أديك چيت بس في عزاه يا ولدي.
تنهد شادي وتمتم بأسف:
- مش بخاطري يا أبوي كان عندي شغل متأخر مجدرتش أسيبه وأچي دلوجتي أنا عايز أعرف كلام نورسيل صوح ولا غلط؟
أجاب شريف بدلاً من والده وسرد له كل شئ.
أنسط له شادي بإهتمام وعقب علي حديثه:
- يعني طلع براءة من الجضية؟
أماء شريف مؤكداً وقال:
- أيوة وأني كنت عايز أخد تارك خيك بس بوك رفض وأختار النسب.
قطب شادي جبينه بحيرة وردد متسائلاً:
- نسب؟ ومن مين؟
فتحت باب غرفتها سريعاً ودلفت غرفتها وألقت بنفسها فوق الفراش وهي تحاول كبت شهقاتها.
إقتربت منها شقيقتها بعد أن قامت بإغلاق الباب وجلست جوارها مرددة بعتاب:
- أيه إلي عملتيه تحت ده؟ من إمتي وأحنا بنتكلم والرجالة بتتكلم يا نورسيل؟ أنتي غلطي.
رفعت نورسيل عينها الباكية وتمتمت بدموع:
- غصب عني يا نايا ليه محدش حاسس بيا أنا بتقطع من جوايا يا ناس ومحدش حاسس بيا.
تنهدت نايا بحزن وعقبت:
- لأ يا نورسيل حاسين بيكي ومهما كان وجعك مش هيبقي زي وجع أمه وأبوه وأخواته أنتي مش هتحبيه زيهم.
رددت بدفاع:
- لأ بحبه زيهم وأكتر كمان وأنا إلي هاخد بتاره من إلي قتله كمان.
إبتسمت نايا ورددت بإستنكار:
- بجد ضحكتيني يا نورسيل هتاخدي تارك من مين؟ من جوزك؟ هتدخلي بيته عشان تقتليه؟
تطلعت لها بمكابرة ولم تتحدث.
هزت نايا رأسها بيأس وقالت:
- غبية يا نورسيل وهتخسري حل حاجة بس مترجعيش تندمي أنا راحة أنام.
غادرت الغرفة غالقة الباب خلفها بعنف.
إعتدلت نورسيل وجلست علي الفراش تضم قدمها إلي صدرها متمتة بإصرار:
- هقلته يعني هقتله وهاخد تار شهاب منه وهحرم أهله منه زي ما حرمنا من شهاب.
نظر شريف إلي شقيقه وبعدها تطلع أرضاً بصمت تام.
ترك هذه المهمة إلي والده فهو من أختاره هو ووافق نيابة عنه.
ردد شادي بإصرار:
- أنتوا سكتوا ليه؟ نسب مين؟
تحدث سالم بتعقل:
- يوسف هيتچوز نورسيل بت عمك يا ولدي.
صمت قليلاً وعقب:
- وأنت هتتچوز خيته.
ألتفت له شادي مرددا بعدم إستيعاب:
- نعم أتچوز مين؟ وأتجوزها أنا ليه؟ شريف يتچوزها خرچوني أنا ما الجصة ديه.
صلح شريف مستنكراً:
- وه يعني أنت موافج علي النسب لكن مش عايز أنت إلي تتچوز؟ كأنك أتجنيت يا ولد أبوي.
زفر شديد بحنق وتمتمت:
- النسب أفضل حل هتستفاد أيه لما تاخد بتارك من واحد النيابة نفسها براءته لما تجتله هيه هيجلتني ويبدأ سيل دم من تاني ملوش آول من نهاية هيروح فيها ناس أبرياء هتتاخد من غير ذنب.
نظر له سالم بإعجاب وأردف:
- كلامك زين يا ولد عشان إكده أختارتك أنت مش خيك لأني عارف إنك هتصون بت الناس.
قلب شادي عينه بضجر وقال:
- بجد ده برده مش معناته إني هتچوزها شريف الكبير يتچوزها هو.
- لأ يعني لأ يا والدي.
صاح بها سالم.
تنهد بحزن وهتف:
- يا ولدي الچوازة دي هتبجي چوازة الضهر ومهما يحصل مفيش طلاج وخيك لو أتچوزها هيعيش البنية في چحيم وانا مرضهاش بنات الناس.
صمت شديد ونهض متمتما:
- هطلع أريح والصبح ردي هيكون عندك يا أبوي تصبحوا علي خير.
نهض شريف هو الآخر وأردف:
- أستني هطلع وياك يا ولد أبوي.
أماء له الآخر برأسه وصعدوا الدرچ سويا.
بينما نظر سالم لزوجته بقلة حيلة.
يتمدد علي الفراش واضعاً ذراعه أسفل رأسه يفكر في أمر هذه الزيجة التي لم تكن في الحسبان.
أغمض عينه متنهدا بضيق فعلي ما يبدوا أن الأيام القادمة لم تمر مرور الكرام فهو يعلم عمه جيداً وأنه غير راض علي هذه الزيجة ولكن كالعادة لا يستطيع معارضته فهو كبير العائلة بعد عائلته وكلمته سيف علي رقبة الجميع بما فيهم عمه.
نهض بتثاقل وإتجه إلي الشرفة وقام بإشعال سيجاره الخاص ينفث بها ضيقه من جهة عمه.
ومن جهة آخري هذه العروس التي لا يتذكر إسمها حتي يعلم أنها بالتأكيد ستتقبله بصعوبة فهو بالنسبة لها ليس سوي قاتل زوجها لا أكثر.
كذلك شقيقته الصغرى فهو قلق بشأنها لا يشك في قدرته علي حمايتها لكنه علي أتم العلم بشقيقته فهي كتومة إلي أبعد حد تفضل التألم علي أن تخبر أي شخصاً بوجععا وهذا بالتحديد ما يؤرقه.
لكن ما يهون عليه قليلاً أنها ستظل بعيدة عن عائلة شهاب وهذا ما يريده هو بالتحديد فهي بالنسبة لهم ليست سوي شقيقة القاتل ليس إلا.
فتح باب غرفته التي لم يفتحها منذ زمن دلف إلي الغرفة يتأملها بإشتياق.
فهذه الغرفة شهدت طفولته أحمع.
إبتسم بحنين وهو يتأمل صورته هو وتوأمه شهاب رحمه الله وكذلك صور برفقة شادي.
إقترب من إحدي الصور التي كانت تجمعه بشقيقه في المرحلة الثانوية ووقف أمامها يتلمسها بحزن متمتما:
- الله يرحمك يا شهاب ويسامحك حتي وأنت ميت هتأذي بسببك.
تنهد بحزن وجلس علي الفراش الذي وجده مرتب ونظيف.
فهذه عادة والدته تقوم بتنظيف وترتيب الغرفة باستمرار وكلما هاتفته تخبره بذلك وان غرفته في إنتظار عودته.
تمدد علي الفراش واضعاً كفيه أسفل رأسه متأملا سقف غرفته بشرود مفكراً هذه المعضلة التي سيقع بها.
حك ذقنه بخفة مرددا بدهاء:
- طيب وليه لأ؟ جوازة مضمونة بنت ناس وكمان مفيش طلاق مهما حصل يبقي مش هخسر حاجة.
إعتدل في وقفته مبتسما بمكر فيبدوا أن القدر سيقف في طريقه هذه المرة.
في صباح يوم جديد إستيقظ شادي مبكراً مرتديا جلباب صعيدي.
لم يجد أحد مستيقظ حتي الأن.
غادر هو المنزل متجهاً إلي قبر شقيقه.
بعد مرور نصف ساعة وصل إلي المقابر وقف أمام قبر شقيقه يتأمله بصمت وهو يتذكر طفولتهم سويا فهذه الفترة التي ظلوا بها أنقياء قبل لان يكبروا ويتغير ما بأنفسهم.
ظل هكذا بعض الوقت إلي أن شعر بيد وضعت علي كتفه علم هوية هذه اليد وألتفت له بهدوء وتمتم:
- صباح الخير يا أبوي أنت چاي مشي ليه؟
تحدث والده بوهن:
- محتاچ أمشي في الهواء يا والدي حاسس أني مخنوج جوي.
إقترب منه شادي متفحصا أياه بعينه بقلق:
- مالك يا أبوي؟ أنت منيح؟
هز رأسه بوهن:
- أطمئن يا ولدي بخير خلينا نجرا الفاتحة ونمشي.
أماء له بقلق ووقف كليهما يقرأون الفاتحة والدعاء له وبعدها غادروا سويا سيرا على الأقدام مستنداً بيده اليمني علي عكازه واليد اليسري مستنداً بها علي يد شادي.
ظلوا يسيروا بصمت إلي أن وصلوا إلي مقاعد كبيرة خارج المقابر أشار عليها سالم وقال:
- تعالي نجعد يا والدي.
أماء شايد سريعاً وإتجهوا إليها وساعده علي الجلوس مرددا بقلق:
- تخليك هنا وأجبلك العربية؟
هز سالم رأسه نافياً وهتف:
- لأ يا ولدي أجعد نرتاح شوية ونتحدث هبابة.
جلس جواره بصمت يسلط أنظاره علي المارة بالطريق.
تحدث سالم متسائلاً:
- أيه يا ولدي أخدت جرارك ولا لساتك عايز وجت تفكر؟
زفر شادي متنهدا وتمتم:
- موافق يا أبوي.
وضع الآخر يده على قلبه براحة كأن جبلا قد إنزاح من فوقه وأردف:
- عين العجل يا ولدي كتب الكتاب والدخل بعد أربعين المرحوم.
هز الآخر رأسه بهدوء ولم ينبت فمه بكلمة آخري.
رواية ثأر الحب الفصل الخامس 5 - بقلم زينب سعيد
هبطت من غرفتها واتجهت إلى المطبخ تحضر فنجانًا من القهوة، لعله يخفف من حدة الصداع الذي يؤرق رأسها.
عدت المحتويات ووقفت أمام النار بشرود تام، حتى أنها لم تنتبه إلى فوران القهوة ولا دخول شريف المطبخ وإطفائه النار.
تطلع لها لثوانٍ، وبعدها حمحم بخشونة.
انتبهت له وخفضت رأسها أرضًا.
تحدث هو بهدوء:
"القهوة فارت وطفيت النار يا بت عمي."
ألتفتت إلى الشعلة بأسف وتمتمت:
"آسفة، سرحت شوية معلش."
أماء رأسه بخفة وأردف بخشونة:
"ولا يهمك يا بت عمي، ما حصلش حاجة. بس أنا عارف انتي كنتي شاردة في إيه والحل عندي يا بت عمي."
قطبت جبينها بحيرة وقالت:
"قصدك إيه مش فاهمة؟"
ابتسم بغموض وأجاب بعد أن تطلع حوله وتأكد من أنه لا يوجد شخص يسمعهم:
"سمعت حديثك مع نايا وإنك رايدة تاخدي تار شهاب."
اتسعت عين الأخرى بصدمة.
وردد هو بثقة:
"متخافيش يا بت عمي، أنا معاكي وهساعدك كمان لغاية ما ناخد تار خيي سوا."
***
التفت شادي إلى والده مرددًا بقلق:
"هتجدر تمشي ولا أروح أجيب العربية؟"
هز والده رأسه بإيجاب وتمتم:
"لا يا والدي، هجدر. هات يدك."
نهض شادي سريعًا ومد يده على الفور، وعاونه على النهوض وتحركوا سويًا سيرًا على الأقدام بصمت تام.
تحدث والده متسائلاً:
"كيف شغلك إيه يا والدي؟"
أماء رأسه بخفة وقال:
"زين الحمد لله يا أبوي."
تنهد الآخر وعقب:
"شقتك جاهزة يا ولدي؟"
صمت شادي قليلاً يفكر في أمر ما، وردد بهدوء:
"لأ، هشتري شقة جديدة وأجهزها. متحملش هم."
التفت له والده وهتف باهتمام:
"محتاج فلوس يا ولدي؟"
هز شادي رأسه نافيًا وردد:
"لأ، شكرًا يا أبوي، خير ربنا كتير."
ربت سالم على ظهره بحنان:
"ربنا يجعله عمران دايما يا ولدي."
***
تطلعت له نورسيل بعدم استيعاب.
أماء هو بخفة:
"أيوة زي ما بقولك يا بت عمي، هساعدك."
ابتسمت بفرحة وقالت:
"بتتكلم جد؟"
ابتسم بظفر وهتف:
"جد الجد يا بت عمي كمان."
تنهدت براحة وتسألت:
"طيب هتساعدني أزاي وهنخلص منه أزاي؟"
حك ذقنه بخفة وتمتم:
"مش وقته يا بت عمي. انتي تدخلي داره، وبعدها لينا كلام تاني."
هزت رأسها بخفة وقالت:
"تمام، أمري لله."
رفع يده وأردف محذرًا:
"بس الحديث ده سر ما بينا يا بت عمي."
قطبت جبينها وتسألت بعدم فهم:
"قصدك مين؟"
هتف بخفة:
"نايا خيتك، وأبويا وأمي وشادي كلهم لازم ما يعرفوش شيء عن الحديث ده واصل، فهماني يا نورسيل."
أماءت برأسها بخفة وعقبت:
"موافقة طبعًا، أهم حاجة ناخد تار شهاب وبس."
تنهد براحة وأردف:
"كده يبقى اتفقنا، الحمد لله."
***
طرقت باب الغرفة ودلفت إلى غرفة شقيقتها، لم تجدها. قطبت جبينها بحيرة وترجلت لأسفل تبحث عنها.
وجدت صوتًا يأتي من المطبخ، اتجهت صوبهُ سريعًا، وجدت شقيقتها وشريف يتحدثون سويًا. وصمت كلاهما عندما دلفت إلى المطبخ.
تطلعت لهم بحيرة وقالت:
"انتوا بتعملوا إيه هنا وسكتوا ليه؟"
تحدث شريف سريعًا بتهرب:
"مفيش حاجة يا بت عمي، كنت بطمئن على نورسيل."
أماءت نايا برأسها بعدم تصديق:
"تمام."
أجلى صورته وردد بهدوء:
"أنا هروح أشوف أبوي بالإذن."
تحرك إلى الخارج تاركًا نايا ونورسيل بمفردهما.
اقتربت نايا من شقيقتها مربعة ذراعيها فوق صدرها مرددة بتهكم:
"بتخططي لأيه يا نورسيل، انتي وشريف؟"
زفرت نورسيل ساخرة وعقبت:
"هكون بتفق معاه على إيه يا ست نايا، واحد كان بيطمئن عليا، كتر خيره."
قطبت نايا جبينها ساخرة وهتفت باستنكار:
"بجد؟ ومن إمتى الاهتمام ده كله؟ انتي مصدقة نفسك؟ ده شريف يعني أكتر واحد مكنش بيطيقنا في البيت ده أصلًا لو ناسية يعني."
مسحت نورسيل على وجهها بعصبية وقالت:
"انتي عايزة إيه بالظبط مني يا نايا؟ مش كفاية اللي أنا فيه، عايزة تكملي عليا؟"
تهاوت أرضًا تبكي بصمت.
تنهدت نايا بصمت وجلست جوارها تربت على ظهرها بحنان:
"أنا خايفة عليكي يا نورسيل، انتي آه أختي الكبيرة بس أنا بحبك وخايفة عليكي. شهاب مات خلاص، انسيه يا حبيبتي، خلاص. هتتجوزي واحد تاني، مليون واحدة غيرك تتمناه انتي. بدل ما تبقي عايزة تنتقمي منه، دوري إزاي هتبني عيلة. بلاش تدمرى حياتك، لأن وقتها انتي اللي هتندمي."
***
فتح شريف باب المنزل مغادرًا إلى الخارج، وجد والده يصعد الدرج بمعاونة شقيقه. ركض تجاههم على الفور، يساند شقيقه الآخر وساعده إلى أن أدخله إلى الداخل وجلس على أقرب مقعد، وكذلك جلس شادي جواره.
قطب شريف جبينه بحيرة وقال:
"انتوا كنتوا فين كده؟"
رد شادي موضحًا:
"كنا في المقابر، والحاج راح على رجليه."
امتعض وجه شريف وهتف معاتبًا:
"وه مشيت المسافة دي كلها يا أبوي؟"
تحدث سالم بوهن:
"أنا بخير يا ولدي، اطمئن."
خرجت نايا ونورسيل واقتربوا منهم ملقين عليهم السلام.
ردد الرجال السلام وهتف سالم بحنان:
"كيفكم يا جلب عمكم؟"
أجابت نايا بابتسامة:
"بخير يا سيد الناس، طول ما انت بخير."
ابتسم على دعابتها والتفت إلى نورسيل. ألمه قلبه عندما رأى عيناها الباكيتين. تحدث بحنان:
"كيفك يا بتي؟ بخير؟"
هزت رأسها بحزن وتمتمت:
"بخير طول ما انت بخير يا عمي."
تنهد برضا وقال:
"الحمد لله يا بتي. تطلع حوله وردد بحيرة: "هي وصفية لسه نايمة لدلوقتي؟ غريبة، مش من عوايدها دي."
نهض شادي مرددًا بهدوء:
"أنا هطلع أصحّيها يا أبوي بالإذن."
"إذنك معاك يا ولدي،" قالها سالم بوهن.
هتفت نايا باستئذان:
"وأنا هروح أجهز الفطار، خليني انتي يا نورسيل."
أماءت نورسيل رأسها بخفة وجلست جوار عمها. الذي ربت على ظهرها بحنان معاتبًا إياها بخفة:
"مش قولنا كفاية بكي يا بتي؟ بزيادة عليكي عاد البكي. مش هيرجع شهاب من قبره يا بتي، لاه ده بيكويه نار جوه. امسحي دموعك يا بتي وأدعيله بالرحمة وبس، مش عايز أشوف دموعك واصل، ماشي؟"
نظرت له بحزن وقالت:
"حاضر يا عمي."
تنهد براحة وقال:
"الله يرضى عنيكي يا بتي. اعملي حسابك شهاب يكمل السبوع، وأنتي تروحي تشتري فساتين وكافة شيء تحتاجيه، وما تاخديش أي شيء من اللي اتفرش في جناحكم."
تطلعت له بحيرة وتمتمت:
"ليه يا عمي؟ مفيش لازمة أجيب حاجة تاني. حاجتي كانت خلصانة، ملهاش لازمة المصاريف دي."
ردد بإصرار:
"لأ يا بتي، ليها لازمة. ميصحش تلبسي فساتين لراجل وانتي كنتي جايباها لراجل تاني. أنا ما رضاش ليكي ولا لولدي الله يرحمه كده."
احمر وجهها من الخجل من حديث عمها ونظرت أرضًا.
بينما اشتعل وجه شريف غيظًا وظل يتمتم بكلام غير مسموع.
تطلع له والده بحدة وقال:
"مالك يا والدي؟ موطي حسك ليه؟ اسمعني بتجول إيه."
زفر شريف بحنق ورد:
"مش بقول حاجة يا أبوي، أديني ساكت."
هز والده رأسه بقلة حيلة منه ومن أفعاله التي ستؤدي بهم جميعًا إلى التهلكة. هو على أتم العلم أنه يخطط لشيء، لما وعليه أن يعرفه قبل أن يفعل هذا الأهوج إلى الجحيم.
***
فتح باب الغرفة، وجد والدته مستيقظة. ابتسم بحنان واقترب منها وجلس بجوارها مرددًا بخفة:
"وه طالما ست الكل صاحية، قاعدة هنا لحالك ليه؟"
ابتسمت بوهن وقالت:
"كنت هنزل دلوقتي يا ولدي."
أماء بخفة ونهض يفتح ستائر الغرفة والشرفة، مما جعل أشعة الشمس تدلف إلى الغرفة وتنشر أشعتها بها.
اتجه إلى والدته مرددًا بأمر:
"يلا بينا يا ست الناس، هتنزلي معايا يلا."
هزت رأسها نافية وقالت:
"اسبقني انت يا ولدي، وأنا هحصلك."
ردد بإصرار:
"لأ يا يا أما، مش هنزل تحت غير ورجلك على رجلك."
أماءت بقلة حيلة وقالت:
"أمري لله يا ولدي."
ابتسم الآخر باتساع وساعدها على النهوض متجهين إلى الأسفل سويًا، بعد أن قامت بوضع الحجاب على رأسها.
***
وصلت إلى منزل عائلتها برفقة زوجها عامر وطفليها يزيد ويزن. رحبت بهم والدتها بشدة وجلسوا سويًا يتناقشون في أمر هذه الزيجة المزعومة.
بعد قليل ترجل يوسف وعدي ورحبوا بهم هما أيضًا وجلسوا برفقتهم.
تحدثت عليا معاتبة:
"إزاي توافق على النسب ده بقي؟ يوسف المغربي يتجوز بالشكل ده، وكمان من فلاحة، ولا يعرف لها أصل من فصل. وممكن كمان تبقي جهلة ومش متعلمة."
ابتسم بثقة وأرجع ظهره إلى الخلف مرددًا ببرود:
"والمفروض كنت أعمل إيه يا ست عليا؟"
ردت باندفاع:
"كنت رفضت وعرضت عليهم فلوس، وافقوا براحتهم، موافقوش برضه براحتهم. مش توافق؟ لاه، وكمان عهد تتجوز واحد من الفلاحين دول."
ابتسم ساخرًا وقال:
"بجد؟ أكيد الفكرة العبقرية دي من أفكار عمي. بس يا شاطرة يا أذكى أخواتك، لو رفضت وقتها هما هياخدوا بالثأر، وياريت الموضوع هيقف عليا، لاه ده هيوصل لعدي ولجوزك ولعمي ولعلي وعيالك كمان، فهمتي يا قطة؟"
التفت إلى عامر متهكمًا:
"فهم مراتك يا أبو يزيد."
حك عامر جبينه بإحراج وهتف:
"قلتلها بس هي مش مقتنعة بكلامي ده."
تنهد يوسف بضيق وقال:
"عليا يا حبيبتي، عايزك تفهمي. اللي حصل ده كان الأصح. وعريس عهد أنا سمعت عنه كتير، وهو عايش هنا في القاهرة. يعني عهد هتبقى جنبنا وهتتجوز شخص كويس، بغض النظر عن سبب الجوازة، فهماني. أما اللي أنا هتجوزها، فأمرها مش فارق معايا، سواء متعلمة أو مش متعلمة، لأن في كلتا الحالتين هتقعد في البيت وبس. الراجل ميفرقش معاه إن مراته أقل منه، لاه، اللي يفرق معاه إن مراته أعلى منه وبس. وبعدين مالهم الفلاحين؟ شكلك ناسيه إن أبوكي الله يرحمه فلاح، وإحنا فلاحين. مش معنى إننا عشنا هنا في القاهرة ننسى أصلنا، فهمتي يا بنت أبويا."
عضت على شفتيها بإحراج وقالت:
"فهمت، أنا بس كنت خايفة عليكم."
ابتسم بحب وقال:
"عارف يا حبيبتي. عايزك بقى الشهر ده تاخدي عهد وتبدأي تجيبي ليها كل اللي محتاجة ليه. هفتح لكوا حساب مفتوح."
صاح عدي مستنكرًا:
"نعم؟ حساب مفتوح؟ ده أنت ما عملتهاش معايا؟"
ضحك يوسف بخفة وتمتم:
"يا سيدي قول أنت يا جواز وملكش دعوة."
عدل عدي من لياقة قميصه مرددًا بغرور:
"مش لما ألاقي العروسة الأول؟"
ابتسمت عليا ساخرة وأردفت:
"هو انت لسه ملقتهاش يا سيدي؟ أنت خلصت على بنات مصر كلها."
أشار بكفيه أمامها بغيظ وهتف:
"خمسة في عينك يا مفترية. وبعدين ما هي دي المشكلة، كل البنات اللي عرفتها مش بتوع جواز، وأنا عايز أتجوز واحدة كده قطة مغمضة، أربيها على إيدي."
ضحك الجميع على جنونه وعقبت والدته:
"بس يا حبيبي، من كتر اللف بتاعك هتقع في جوازة سودة، متقلقش."
نظر لهم بغيظ ونهض وغادر المكان. وكذلك نهضت عليا مرددة بضحك:
"هطلع أصحّي العروسة تيجي، وأشوف هنروح نشتري حاجاتها إمتى."
ابتسمت صفاء بحنان وقالت:
"وأنا هقوم أشوف الفطار جهز ولا لأ."
غادر الجميع تاركين يوسف وعامر بمفردهما، بعد أن أخذت عليا صغارها برفقتها لأعلى.
***
على طاولة الطعام، التف الجميع يترأسهم سالم. وعلى يمينه شريف يليه شادي، بينما جلس على يساره صفية. إلى جوارها نايا يليها نورسيل.
تحدث شادي بحذر:
"أنا هرجع القاهرة بكرة إن شاء الله."
صوبت الأنظار عليه باستنكار.
وردد شريف بضيق:
"وه انت لحقت تاجي يا ولد أبوي عشان تمشي وتفوتنا تاني؟"
تنهد شادي بأسف وقال:
"مش بخاطري يا ولد أبويا، بس عندي شغل متأخر في الشركة، ودي فلوس ناس."
أدمعت عين والدته وهتفت:
"عايز تهملني انت كمان يا جلب أمك؟"
أغمض عينيه بحزن وعقب:
"أخلص بس شغلي يا أما، وهاجي طوالي، متجلجيش."
تطلعت له بحزن وصمتت. التفت إلى والده مرددًا بتساؤل:
"ساكت ليه يا أبوي؟"
أجاب بتعقل:
"ده شغلك يا ولدي، مجدرش أقولك اجعد. ظبط حالك وشقتك، واعمل حسابك تاجي هنا قبل كتب الكتاب، سبوع على الأجل."
هز رأسه بإيجاب وقال:
"بإذن الله يا أبوي، متشلش هم."
زفر شريف بحنق وتمتم:
"بس أنا شايف أن شغلك ده ملوش لازمة. بلاش منه وتجعد وسطنا هنا تدير أرضك وياي."
صاح شادي مستنكرًا:
"عايزني أهد تعبي يا ولد أبويا؟ ترضالي أهد اسمي وشركتي اللي بنيتها بتعب جبيني؟"
شريف بتراجع:
"مش القصد يا ولد أبويا، بس لازم تراعي مالك."
ردد شادي بهدوء:
"انت وأبوي الخير والبركة."
تمتم شريف بحنق:
"على راحتك يا خيي."
***
فتحت غرفة شقيقتها ودلفت على طراطيف شقيقتها، وتركت مهمة إيقاظها إلى أطفالها. الذين ركضوا صوب الفراش وصعدوا فوقه يقفزون فوق خالتهم النائمة.
استيقظت هي بفزع مرددة بغيظ:
"بتعملوا إيه في أوضتي يا عفريت انتوا."
ضحكوا ببراءة وقال يزيد:
"مامي اللي قالت نصحيكي، قالها وهو يشير إلى خالته ببراءة."
نظرت لشقيقتها بغيظ وأمسكت الصغيرين وظلت تزغزغ بهم بخفة، وضحكات الصغار تملأ المكان.
اقتربت شقيقتها بضحك وقالت:
"سيبي عيالي يا مفترية."
تركت الأطفال مرددة بغيظ:
"مش انتي اللي بعتاهم ليا؟ اشربي بقى."
ضحكت عليا بخفة وأنزلت الأطفال من فوق الفراش هاتفة بحنان:
"يلا يا حبايبي، انزلوا لنانا تحت وشوية نحصلكم."
ردد الأطفال ببراءة:
"حاضر يا مامي."
غادر الأطفال وجلست عليا جوار شقيقتها متمتة بابتسامة:
"مبروك يا دودو."
اعتدلت عهد في جلستها ورددت بحزن:
"الله يبارك فيكي."
قطبت عليا جبينها بحيرة وعلقت متسائلة:
"مالك يا عهد؟ هو انتي مش موافقة على العريس؟"
هزت عهد رأسها نافية وعقبت:
"لأ، مش رافضة، بس أنا معرفش الشخص ده ومش هشوفه غير بعد كتب الكتاب. أنا آه واثقة في أبيه وإنه مش هيضرني، بس أنا خايفة."
أماءت عليا رأسها بتفهم وتمتمت:
"هو الصراحة عندك حق، بس مفيش حل قدامنا، فهماني؟ صلي استخارة وسيبي الموضوع على ربنا. متعرفيش هو مخبي ليكي إيه، بس أنا متأكدة إنه خير بإذن الله."
تطلعت لها بأمل وتمنت:
"يارب يا عليا يطلع إحساسك صح. أنا خايفة أوي أصلًا."
ربتت على كتفها بحنان وقالت:
"إن شاء الله خير."
***
في الأسفل.
"علي هيرجع إمتى؟" قالها يوسف متسائلاً.
أجاب عامر بحيرة:
"يعني آخر الأسبوع الجاي بالكتير."
أماء يوسف بتفهم. عقب عامر بحذر:
"على فكرة بابا لسه زعلان ومعترض على الجوازة."
يوسف...
رواية ثأر الحب الفصل السادس 6 - بقلم زينب سعيد
ابتسم يوسف ساخراً وعقب:
- ومن إمتى أبوك بيقتنع بحاجة ولا بيعجبه حاجة أصلاً من الأساس يا عامر؟
تحدث عامر بإحراج:
- بس يا يوسف بردوا لازم تراضيه، على الأقل هو أنت أه كبير العيلة بس مش هتكبر على عمك يعني.
رفع يوسف حاجبيه مستنكراً وابتسامة ساخرة انزوت على فمه وهتف:
- أنا مكبرتش على عمي، بس هو إلي دايماً بيحب يصغر نفسه ويقلل من قيمته.
نهض يوسف مستئذناً وتمتم:
- البيت بيتك يا طبعا عامر بعد إذنك، عندي شغل مهم.
نهض عامر هو الآخر مردداً بإرتباك:
- اتفضل، كان الله في العون.
تحرك يوسف وتهاوى عامر على مقعده مرة أخرى وهو يتمتم بكلام غير مفهوم، فـ يوسف معه كل الحق فيما قاله، فوالده لم يرتاح إلا إذا اشتعلت النيران ونشبت بين الجميع.
***
انتهى الإفطار الشبه كارثي ونهض شادي متجهاً إلى غرفته لإجراء بعض المكالمات الهاتفية، كذلك صعدت نورسيل إلى غرفتها، أما نايا فظلت بالأسفل برفقة زوجة عمها بعد أن غادر شريف وعمها من أجل المرور على الأراضي الزراعية.
تطلعت إلى زوجة عمها من حين لآخر، تود أن تتحدث لكن تصمت مجبرة وهي ترى مدى سوء حالتها. لاحظت وصفية ذلك ورددت متسائلة:
- خير يا بتي مالك؟ شكلك رايدة تجولي شئ.
هزت نايا رأسها مؤكدة وتمتمت:
- أيوة يا عمة، بصراحة عايزة أتكلم معاكي في حاجة بس محرجة.
ربتت وصفية على ظهرها بحنان وقالت:
- من ميتي يا بتي وفي بينا حرچ؟ جولي يا بتي إلي رايدة تجوليه.
تنهدت نايا بأسى وهتفت:
- خايفة من نورسيل، أو يا عمة حساها مش ناوية على خير أبداً.
قطبت جبينها بحيرة وأردفت بعدم فهم:
- جصدك إيه يا بتي؟ مش فاهمة حديتك واصل؟ خايفة من إيه؟
ابتلعت نايا ريقها بحذر وأجابت:
- بصراحة نورسيل عايزة تاخد تار شهاب.
اتسعت عين وصفية بصدمة وتمتمت بعدم تصديق:
- تاخد تاره كيف يا بتي ومن مين؟
نظرت لها بتوجس وقالت:
- عايزة تاخد تارها من يوسف المغربي.
ضربت الأخرى على صدرها بعنف ورددت:
- يا مصيبتي! خيتك المچنونة رايدة تاخد تارها من مين؟ من إلي هيبقي چوزها؟ جنت إياك عايزة تترمل ولا عايزاهم يجطعوها لكلاب السكك!
هزت نايا رأسها بحيرة وقالت:
- والله تعبت من الكلام معاها، حاسة أنها بتخطط لحاجة.
أومأت وصفية برأسها وتمتمت:
- أنا جولت إكده بردوا، مش نورسيل إلي توافج بالساهل. سبيها يا بتي ومتتحدثيش معاها واصل، خلينا نشوف هي رايدة تعمل إيه، بلاش نخليها تاخد حذرها منينا وبالتحديد منك أنتي يا بتي، لازم نضمن أنها ترچعلك قبل ما تعمل أي حاجة، فهماني يا بتي؟
أجابت نايا بقلة حيلة:
- فهماكى يا عمة، وربنا يهديكي يا نورسيل يارب.
آمنت الأخرى ونهضت نايا مستئذنة، بينما ظلت وصفية تندب حظها، ألا يكفي وفاة ابنها فلذة كبدها، لتلقي نايا قنبلتها الموقوتة التي تجعل حجر يجثم فوق قلبها من جديد، فما تسعى نورسيل إليه سيؤدي بحياة أولادها الآخرين لا محالة.
***
هبط الصغار وركضوا تجاه والدهم وجدهم، التي ضمتهم بحب وظلت تداعبهم. وبعد قليل ترجلت عهد برفقة عليا بعد أن قامت بارتداء إسدال الصلاة لمعرفتها بوجود زوج شقيقتها بالأسفل.
تناولوا الإفطار وصعدت عليا مرة أخرى إلى غرفتها تغير ملابسها استعداداً لجولة شرائية من أجل مقتنيات الزفاف، بينما استأذن عامر ليذهب إلى عمله هو الآخر ويحاول تهدئة والده الثائر كي لا يفعل ما لا يحمد عقباه.
ترجلت بعد نصف الساعة وغادرت برفقة شقيقتها إلى إحدى المولات، بينما ظل الصغار برفقة جدتهم.
***
يقف أمام والده كالطفل المذنب، يقوم بتوبيخه وتحذيره كأنه طفل صغير. زفر بحنق والتفت حوله خوفاً من يراه أحد من الفلاحين، فهم جالسون باستراحة الأراضي الزراعية ومن الوارد أن يراهم أحد وتسقط هيبته أمامهم. عند هذه النقطة ردد بنفاذ صبر:
- يا أبوي بزيادك عاد خلاص، أني تعبت. جولي عملت إيه عشان ده كله؟ أنا في حالي أهو ومنطقتش بكلمة واصل.
تنهد والده بتهكم وقال:
- حتى لو معملتش يا ولدي، شايفها في عينك، شايف بحور مالهاش نهاية ونار هتبلعنا كلنا.
ضحك الآخر ساخراً وهتف:
- شايف ده كله چوه عيني يا أبوي؟ ليه شايفني شيطان جدامك يا أبوي؟
هز سالم رأسه نافياً وأجاب:
- شيطانك عميك يا ولدي، فوچ لحالك، خسرنا واحد ومش حمل نخسرك أنت كمان. توعدني يا ولدي متعملش أي حاچة؟
هرب من نظرات والده وتمتم:
- يا أبوي مفيش حاچة، أطمئن.
صاح سالم بإصرار:
- هتوعدني يا ولدي؟
زفر بنفاذ صبر وهتف:
- أوعدك يا أبوي.
تنهد سالم براحة وقال:
- الله يرضى عنيك يا ولدي، يلا روح شجر على الأرض والعمال.
هز رأسه بإيجاب:
- حاضر يا أبوي، بالإذن.
هتف والده بشرود:
- إذنك معاك يا ولدي.
***
ترك والده وغادر وهو يتمتم بكلام غير مفهوم. ألقى نظرة على الفلاحين، وجد كل منهم مندمجاً بعمله، تنهد براحة وأكمل سيره وهو يحيك خطة ماكرة في عقله، فهو سيوفي بعهده مع والده، لم يفعل شئ بيده، إنما سيكتفي بالتخطيط ونورسيل هي من عليها التنفيذ. ابتسم بدهاء على ما أهداه إليه عقله وتوقف يتابع العمال الذين يعملون في الأرض بغرور واضعاً يديه بجيب جلبابه. أثناء متابعته لفت نظره هذا الجسد الأنثوي المتشح بالسواد وتضع نقاباً على وجهها، قطب جبينه بحيرة، فهل يعمل لديهم منتقبات؟ هكذا تساءل داخله، فهو لم يأتِ إلى الأراضي منذ فترة كبيرة، كان منشغلاً هو بحدائق الفاكهة وكان شادي هو المسؤول عن الأراضي الزراعية. صمت قليلاً مفكراً، أيقن أنها بالتأكيد امرأة عجوز، لم يسعه فضوله أن يبقى واقفاً هكذا، اتجه إليها مردداً بخشونة لا تليق إلا به:
- أنتِ يا ست تعالي إهنه.
انقبض قلب الأخرى ورفعت رأسها بارتباك لتتأكد من أنه يناديها هي ولا يقصد غيرها. ابتلعت ريقها بصعوبة، ما أن وجدت نظراته الحادة مصوبة نحوها، حمدت الله بداخلها على ارتدائها هذا النقاب، فهي تكاد تجزم أنه لو رأى معالم وجهها الآن لعلم أنها تخفي شيئاً ما. فاقت من دوامة أفكارها على صوته يصيح باسمها مرة أخرى، تركت ما بيدها وتحركت تجاهه بخطى وئيدة تشعر أنها كالذبيحة التي تساق لذبحها. وقفت أمامه مسلطة أنظارها أرضاً، فهي الشيء الوحيد الظاهر منها باستثناء يديها. رددت بخوف استشعره هو بصوتها:
- نعم يا سعادة البيه، حضرتك عايزني؟
صدمة جلية اعترته عندما سمع الصوت العذب، ألقى نظرة سريعة على يدها أكدت له شكه، فهي شابة يافعة ليست عجوز كما كان يظنها.
تحمحم بخشونة وقال:
- أنتِ مين يا بت أنتِ وشغالة إهنه من ميتي؟
ابتلعت ريقها بتوجس وهتفت:
- من ثلاثة شهور يا سعادة البيه.
قطب جبينه بحيرة وتمتم:
- ثلاثة شهور؟ أنتِ بت مين في البلد؟
رفعت رأسها أخيراً لتلتقي خضرة عينيها بسواد الآخر، الذي ردد بهمس:
- ما شاء الله.
خفضت رأسها سريعاً عندما لاحظت تحديقه بها وهتفت بخوف:
- بنت سليمان البدري.
فاق من شروده وهز رأسه بإيجاب فور أن تذكر أمرها:
- أيوة افتكرت، شهاب الله يرحمه كان جال إنه أبوكي تعب وبته هتاجي بداله، بس أنتي منتجبة من زمان إياك؟
امتعض وجهها وظهر عليه علامات التقزز والاشمئزاز عندما سمعت هتافه باسم شقيقه، ولكن تجاوزت هذا وأجابت بثبات:
- لا يا بيه، لسه منتقبة من يومين.
قطب جبينه بحيرة وقال:
- وإشمعنى من يومين يعني؟
زفرت هي بنفاذ صبر وتمتمت:
- أهي إرادة ربنا كده، كل حاجة بوقتها.
أماء هو بخفة وتساءل بفضول:
- ونعم بالله، طيب وأنتِ اسمك إيه؟
تنهدت بضيق وهي تلعن الذلة والحاجة للمال التي أوقعتها بطريق شقيقه سابقاً وأوقعتها بطريقه الآن. هتفت بنفاذ صبر:
- اسمي حنين.
ردد هو الاسم بتلذذ:
- حنين، ماشي. يلا يا بت الناس روحي شوفي شغلك، ولو أي مخلوق دايجك تعالي جوليلي.
هزت هي رأسها بعدم استيعاب لحديثه وذهبت تكمل عملها وهي تتنفس بسرعة وتشعر بسرعة دقات قلبها، تكاد تجزم أنها لو كانت قريبة منه لأستمعت لدقات قلبها.
أما هو ظل يتأملها بشرود متمتماً باسمها بتلذذ كأنه يتذوق طعامه المفضل أو ما شابه.
***
أنهى مكالماته الهاتفية الخاصة بعمله وتمدد على الفراش يفكر فيما يجب فعله عندما يعود إلى القاهرة، فأول شيء ينبغي فعله هو مقابلة تلك الشمطاء وتقطيع ورقة الزواج العرفي وطي صفحتها من حياته نهائياً، لا يريد مقابلتها ولا رؤية وجهها البغيض بعد آخر مشاجرة بينهم، يكاد يجزم أنه إذا استمع إلى حديثها الأهوج مرة أخرى سيقتلها لا محالة. لكن ما باليد حيلة، فيجب أن يطلقها ويغلق صفحتها من حياته قبل أن يقترن اسمه بآخرى هو لا يعلم عنها شيئاً ولا اسمها حتى، لكن ستصبح زوجته، وليس من شماتة الخيانة، فهو سيعاملها بما يرضي الله، فهي لا دخل لها بتار أو غيره. اعتدل في جلسته يفكر فيما سيفعله عند عودته أيضاً، فعليه أن يقوم بشراء شقة جديدة يبدأ فيها حياته مع زوجة، سيترك شقته القديمة كما هي، لكن لن تخطو زوجته هذه الشقة نهائياً ولن تعلم عنها شيئاً، هذا ما أهداه إليه عقله.
تنهد بوهن ونهض بتثاقل متجهاً إلى غرفة شادي المجاورة له، فتح باب الغرفة ودلف بخطى بطيئة بعد أن أغلق الباب خلفه، تأمل الغرفة بشرود وهو يشاهد ذوق شقيقه، فرغم أنهم توأم متماثل لا يوجد بينهم اختلاف، ولكن في الانطباع والتفكير فشتان بينه وبين شقيقه. وجلس على الفراش يشعر بألم يجثم فوق قلبه، فرغم توتر علاقته بشادي ولكنه توأمه أي قلباً واحداً بجسدين، خانته دمعة عابرة سقطت من عينه متنهداً بأسى، ظل يتلمس الفراش بيدين مرتعشتين إلى أن تمدد على الفراش مستغرقاً في نوم عميق.
***
تقف في الشرفة تتأمل الأراضي الخضراء، فهذا أكثر شيء تعشقه هي، ودائماً ما كان يسخر منها شهاب عند ذكره. آهة ألم خرجت منها متنهدة بألم، وكالعادة خانتها عيناها وتساقطت عبراتها بغزارة وهي تسترجع ذكرياتها سوياً، فهو حب طفولتها وفارسها المغوار الذي لم تعشق ولم تحب سواه. ما يريحها قليلاً أنها ستأخذ ثأره من هذا المغرور الذي يخشاه الجميع، هي من ستقف أمام هذا الطوفان وتنهيه بيدها لا محالة، هذا ما تظنه هي، ولكن هل تستطيع نورسيل فعل هذا أم سيكون للقدر رأي آخر؟
***
عاد مع والده بعد جولة دامت ساعتين، قام بإيقاف السيارة وترجل والده بمساعدته، دلفوا إلى داخل المنزل وأوصل والده إلى غرفته كي يستريح قليلاً، وترجل هو للأسفل وجلس في الحديقة أسفل إحدى الشجيرات شارداً في تلك الجنية ذات العين الخضراء التي ظهرت أمامه فجأة، لا يدري لماذا انجذب لها هكذا، فهو طوال حياته لم تجذبه أي امرأة قط، حتى أنه لم يفكر في الزواج حتى رغم أن والدته عرضت عليه العديد من الفتيات الفاتنات ذوات الحسب والنسب، وكان رده دائماً بالرفض. لكن الآن جاءت هذه من حيث لا يحتسب وأخذت جزءاً من تفكيره. تنهد بحيرة من أمره ومسح على وجهه يحاول تهدئة عقله الثائر، وهو في قرارة نفسه عن البحث خلفها ومعرفة قصة هذه الفتاة الغامضة بالنسبة له.
***
تتمدد على فراشها بوهن، فهي لا طاقة لها أن تتحدث مع نورسيل الآن، فهي على يقين أن شقيقتها لا تنصت لها، فستتركها كما أخبرتها زوجة عمها حتى يستطيعوا معرفة ما خططت له، فنورسيل أضعف مما تقول. تنهدت بحسرة على شقيقتها الحمقاء التي ستؤدي بحالها في التهلكة من أجل هذا الحقير شهاب، ليتها تعلم حقيقته، وقتها ستعلم أن الله أنجاها من أن تكون أسيرة مخادع مثله. حاولت كثيراً إثنائها عن حبه، ولكن دائماً ما كانت تصم أذنها ولا تستمع لها. أغمضت عينها محاولة منع هذه الذكرى المؤلمة من مداهمة عقلها مرة أخرى.
***
استيقظ بفزع وهو ينظر حوله ووجهه يتصبب عرقاً، جلس على الفراش وهو يتنفس بسرعة، تطلع حوله ووجد نفسه مازال نائماً بغرفة شقيقه، نهض سريعاً عائداً لغرفته، وأول شيء فعله دلف إلى المرحاض سريعاً ووقف أسفل المياه الباردة غير عابئ بملابسه التي ابتلّت بالكامل، استند على الجدار خلفه وهو يتذكر الكابوس البشع الذي راوده، فهو قد رأى جسد شقيقه الراحل يحترق بالنيران ويصيح به كي ينجده. أغمض عينيه بالم وغادر المرحاض متجهاً إلى الخارج وقام بتغيير ملابسه سريعاً، عازماً على السفر اليوم، فهو لم يظل دقيقة واحدة بهذا المنزل، كل ما يريده أن يفر هارباً منه لا أكثر.
***
أنهى ارتداء ملابسه وأخذ أغراضه واتجه إلى الأسفل، وجد والديه جالسين، اقترب منهم مردداً بأسف:
- معلش يا أبوي، لازم أمشي دلوجتي.
نهضت والده تضمه بحزن وقالت:
- ليه يا ولدي؟ مش جولت بكره خليك معانا لحد بكره أشبع منك يا ولدي.
ضمه بحب مربتاً على ظهرها بحنان وتمتم:
- غصب عني يا أماي، عندي شغل مهم ميستناش لبكره واصل.
هزت رأسها بحزن وقالت:
- ماشي يا ولدي، بس متتأخرش عني.
ابتعد عنها مقبلاً كلتا يديها بحب وقال:
- حاضر يا أماي، هخلص شغلي وأظبط أموري وهاجي طوالي.
ربتت على ظهره بحنان وهتفت:
- حضر ليك الخير يا ولدي.
اتجه إلى والده الجالس بصمت، قبل يده وأردف معتذراً:
- معلش يا أبوي، مش بيدي.
ربت على كتفه بحنان وتمتم:
- ولا يهمك يا ولدي، خد بالك من حالك ومتتأخرش علينا.
ابتسم بهدوء وقال:
- ماشي يا أبوي. نظر حوله وأردف بتساؤل: شريف فين دلوجت وبنات عمي؟
هتف والده بتوضيح:
- شريف في الجنينة والبنات بأوضهم.
أماء رأسه بتفهم وقال:
- تمام، سلملي على بنات عمي وأنا هسلم على خيي وأنا خارچ.
أومأ له والداه وألقى عليهم السلام وغادر متجهاً إلى الخارج، وجد شقيقه يجلس أسفل إحدى الشجيرات، اقترب منه جلس جواره، تحدث معه قليلاً وأخبره أنه يجب أن يسافر من أجل عمل طارئ، رغم اعتراض شريف، لكن لم يستطع منعه ودعه وسافر شادي إلى القاهرة، بينما نهض شادي ودلف إلى الداخل يجلس برفقة والديه.
***
يجلس على مقعده الوثير يتحرك به يميناً ويساراً وبيده قلمه يطرق به على مكتبه، طرق الباب ودلف أحد رجاله. اعتدل في جلسته مردداً بتساؤل:
- ها يا حسين، عملت إيه؟ عرفت كل حاجة عنه؟
حسين...
رواية ثأر الحب الفصل السابع 7 - بقلم زينب سعيد
أنصت يوسف إليه باهتمام وعقب:
- ها عرفت حاجة يا حسين؟
تطلع حسين إلى رئيسه بتوجس وقال:
- سألت عنه يا باشا. شادي سالم الشافعي، ٢٨ سنة، خريج كلية الهندسة جامعة القاهرة. من وقت ما اتخرج فتح شركة عقارات هو واثنين من زمايله، وبعد سنتين اختلف معاهم وفتح شركة خاصة به هو، وبقاله أربع سنين دلوقتي وليه اسم معروف. وسمعت أنه مسافرش الصعيد لأهله من خمس سنين وأكتر، كان بيجي يزوره والده ووالدته وأخوه الكبير.
قطب يوسف جبينه بحيرة وهتف:
- طيب وشهاب توأمه؟
رفع الآخر كتفيه بحيرة وأجاب:
- لا يا باشا، مفيش أي حاجة عنه. بس في حاجة عرفتها كمان غريبة أوي.
نظر له يوسف بتركيز وأردف متسائلاً:
- هو كان متجوز بعد ما اتخرج على طول من ورا أهله، يعني من حوالي ٦ سنين؟ كانت واحدة زميلته، مكانش حد يعرف غير صحابه وتوأمه شهاب. انفصلوا بعدها بسنة، والبنت دي سابت البلد وسافرت، ومن وقتها شهاب اختفى تمام ومبقاش يجي يزور أخوه.
هز يوسف رأسه بعدم استيعاب وهتف:
- يعني كان متجوز؟ طيب نظامه إيه أخلاقه؟
أجاب حسين على الفور:
- بصراحة، كله شهد بأخلاقه يا باشا. هو بس البنت اللي كانت متجوزها وطلقها دي هو اللي مريب شوية. بس ممكن عشان كانت متحررة شوية، مكانتش محجبة وأهلها منفصلين وكانت عايشة لوحدها، يمكن ده سبب إنه كان مخبي على أهله.
هز يوسف رأسه بتفهم وقال:
- تمام يا حسين، روح أنت شغلك.
أومأ حسين لرئيسه على الفور باحترام وغادر المكتب. بينما أرجع يوسف ظهره إلى الخلف مداعباً ذقنه بخفة يفكر فيما قاله حسين.
❈-❈-❈
دلف إلى شقته بعد أن عاد من رحلته الطويلة من الصعيد. وضع أغراضه على الطاولة الصغيرة التي أمامه وتمدد على الأريكة بإهمال، واضعاً يده اليسرى أسفل رأسه متنهداً بوهن. ظل على وضعه بعد الوقت إلى أن اعتدل في جلسته وأخرج الهاتف من جيبه وقام بطلب إحدى الأرقام ووضع الهاتف على أذنه. ثوانٍ وفتح الخط، أجاب بخشونة:
- نصف ساعة وتكوني قدامي.
لم ينتظر حتى يستمع إلى الجواب، إنما أغلق الهاتف بوجه الأخرى وألقى هاتفه على الطاولة بإهمال وتمدد مرة أخرى فيما عليه فعله الآن.
❈-❈-❈
فاق من شروده على صوت شقيقه. اعتدل في جلسته مردداً بتساؤل:
- بتقول إيه يا عدي؟
غمز عدي بإحدى عينيه بخفة وقال:
- أيه يا چو، سرحان في العروسة من دلوقتي؟
رمقه يوسف محذراً وهتف:
- انطق قول عايز إيه. لتطلع بره وتقفل الباب وراك، مش فاضي للهزار بتاعك.
تحدث عدي بتراجع:
- خلاص يا كبير، متزعلش نفسك. كنت عايزك عشان ملف آخر صفقة.
قطب الآخر جبينه وتمتم متسائلاً:
- ماله؟
مط عدي شفتيه بحيرة وغمغم:
- أنت ليه سحبت الملف؟ دي خسارة لينا!
أومأ يوسف بتفهم وأردف:
- لا مش خسارة لينا ولا حاجة، بس عمك كان عايز الصفقة دي، فسبتها له مش ناقص وجع دماغه.
زفر عدي بحنق وقال:
- عمك ده أنا مش فاهم الصراحة، هو عايز إيه؟
ابتسم يوسف ساخراً وهتف:
- عمك يا حبيبي ده دماغ لوحده، صعب تفهم هو بيفكر في إيه أو عايز إيه.
حك عدي ذقنه بخفة وأومأ مؤيداً:
- عندك حق في دي. المهم، هتعمل فرح؟
قطب يوسف جبينه باستنكار:
- فرح؟ أكيد لا طبعاً. هيتعمل دبايح في البلد وهنأكل الناس ونجيب العروسة ونرجع، ده النظام.
أجاب عدي متفهماً وعقب:
- طيب أنت مش هتشوف العروسة ولا عهد هتشوف العريس غير يوم الفرح؟ المفروض أن العادات دي تكون بطلت من زمان.
هز يوسف رأسه بيأس وقال:
- مش بالظبط، بس الجوازة دي غير عشان الثأر، فبيبقى النظام فيها مختلف. صحيح، أنا مسافر الصعيد بكرة.
رفع عدي حاجبيه بحيرة وهتف:
- هتسافر ليه؟
ابتسم يوسف بتهكم وتمتم:
- هروح أودي للعروسة مهرها والشبكة.
هتف عدي بلهفة:
- عايز أجي معاك.
تطلع له بعدم استيعاب وقال:
- عايز تيجي معايا ليه؟
ردد عدي بإصرار:
- أولاً، مش هسيبك تروح هناك لوحدك. ثانياً، عشان أشوف اللي هتجوزه عهد ده.
تنهد يوسف وأردف معقباً:
- تمام، مفيش مشكلة. بس بلاش عمك ولا عامر يعرفوا، مش ناقصين وجع دماغ.
أومأ الآخر برأسه مؤيداً.
❈-❈-❈
فتحت باب الشقة بلهفة ودلفت، وعلى وجهها ابتسامة عريضة. فهي قد جاءت بناءً على رغبته. لم تصدق نفسها عندما رن هاتفها باسمه، رغم أنه ألقى كلامه دفعة واحدة وأغلق الهاتف بوجهها، إلا أنه بالتأكيد سيكون سامحها لا محالة. أغلقت الباب ووجدته متمدداً على الأريكة ويبدو أنه ذهب في ثبات عميق. اقتربت منه بلهفة وجلست أمامه تتأمل ملامح وجهه الجذابة التي عشقتها على ظهر قلب. جلست أرضاً بجواره ورفعت يدها تتحسس ذقنه النامية برفق وهي تتأمل ملامح وجهه بعشق. ولكن قبل أن تلمس وجهه، انتفض هو على الفور عندما شعر بها وقام بإمساك يدها وأبعدها على الفور باشمئزاز. نهضت هي بعد ترك يدها واعتدل هو بجلسته وهو ينظر لها باستحقار.
تحدثت هي بلهفة:
- وحشتني أوي يا حبيبي.
اقتربت منه كي تضمه. رفع هو يده محذراً وقال:
- خليكي بعيد.
نظرت له بحيرة وهتفت:
- أخليني بعيد؟ هو أنت لسه زعلان مني يا حبيبي؟
تطلع لها باستحقار وغمغم:
- أنتي طالق يا نهى.
وضعت يدها على قلبها مرددة بصدمة:
- أنت بتطلقني؟ شادي والله ما كنت أقصد، سامحني، أنت عارف إني بحبك.
لم يعرها انتباه ونهض متجهاً إلى الغرفة تاركاً إياها في صدمتها. عاد بعد قليل حاملاً ورقتين. ألقى إحداهما في وجهها وهتف:
- ده شيك بـ ١٠٠ ألف جنيه، اصرفيه وقت ما تحبي. ودي ورقة الطلاق.
أخرج القداحة من جيبه وقام بإشعال الورقة أسفل نظرات الأخرى المنصدمة.
فاقت من صدمتها ورددت بعدم تصديق:
- أنت بتتكلم جد؟
ابتسم شادي ساخراً وقال:
- أكيد مش بهزر. الورقة اتحرقت ورميت عليكِ يمين الطلاق. اتفضلي يلا بره ومش عايز أشوفك تاني.
اقتربت منه سريعاً وهتفت بدموع:
- أنا آسفة يا شادي، سامحني. والله ما هقول الكلام ده تاني، أوعدك. وحتى مش هقولك نتجوز عند مأذون، متسبنيش.
تراجع إلى الخلف وأردف بصلابة:
- خلاص، موضوعنا انتهى. انسيني وشوفي حالك بعيد عني. اتفضلي بره.
نظرت له بخزي والتفتت بظهرها مغادرة الشقة. أوقفها صوته الحازم:
- هاتي مفتاح الشقة اللي معاكي.
تطلعت له بذهول وألقت المفتاح على الطاولة بإهمال وغادرت سريعاً وهي تجر أذيال الخيبة.
تنهد هو براحة وألقى بحاله على المقعد خلفه. لا يدري ما سر هذه الراحة العجيبة، يشعر كأن ثقلاً كبيراً قد انزاح من فوق صدره الآن.
❈-❈-❈
في صباح يوم جديد، استقل يوسف سيارته برفقة عدي. جلسا بالخلف يتابعان بعض أعمالهما، بينما قاد السائق السيارة. تتبعتهما سيارتان من الحرس فور أن غادرت السيارتان الفيلا.
تحدث عدي بفضول:
- أنت ليه مقلتش لماما إننا رايحين الصعيد؟
ألتفت إلى شقيقه مردداً بتوضيح:
- عشان متقلقش. أنت عارف والدتك لو عرفت هتقلق علينا وضغطها هيعلى، فتجنب ده كله أفضل.
رمقه عدي بإعجاب وقال:
- بصراحة يا چو، دماغك دي ألماظ. تستحق لقب كبير العيلة بعد بابا بجدارة. وبما إننا رايحين الصعيد، يبقى نروح نزور قبره بالمرة.
أومأ يوسف بتأكيد:
- أكيد طبعاً، ده شيء أساسي. خلينا نكمل شغلنا، لسه الطريق طويل.
ابتسم عدي بمرح:
- حاضر يا سيدي. نشوف الشغل، ما هو أنت كائن بتحب الشغل أكتر من أي حاجة في حياتك، مش طالع فرفوش زي.
ضحك يوسف بخفة وقال:
- كفاية واحد بس يا عدي بيه. لازم واحد يحب الجد وواحد يحب الهزار، مينفعش الاتنين سوا يا قدري.
❈-❈-❈
مع إشراقة شمس يوم جديد، نهض شريف مبكراً وارتدى جلبابه متجهاً إلى الأراضي الزراعية. قد يقوم بالمرور عليها اليوم حتى لا يتكاسل العمال، ولكنها حجة واهية أقنع نفسه بها. فهو على يقين أن رئيس العمال لا يدع أحداً يتباطأ أو يتكاسل، وهذا النظام كان يتبعه شهاب رحمه الله. فكان لا يذهب سوى مرة أو مرتين بالأسبوع، وباقي الأيام يلهو كما يحلو له. لكنه يريد رؤيتها، رغم أنه لم ير وجهها، لكن بها شيء يجذبه وبشدة. أنهى هندمة جلبابه وقام بنثر بعض القطرات من عطره النفاذ وترجل إلى الأسفل. وجد والديه جالسين، اقترب منهم مردداً صباح الخير:
- صباح الخير عليكم.
ردد والداه الصباح وهتف والده متسائلاً:
- رايح فين يا ولدي على الصبح أكده؟ مش بعادة تصحي بدري.
تحدث شريف بارتباك:
- ولا حاجة يا أبوي. أنا صحيت بدري، جولت أعدي على الأراضي أشجر عليها.
تطلع والده له بحيرة وهتف باستنكار:
- ليه يا والدي؟ ما روحت أنا وياك شجرنا عليها عشية وكل حاجة كويسة.
ردد شريف بإصرار:
- بردوا يا أبوي، لازم أروح كل شوية. المال السايب يعلم السرقة، ولا إيه؟
أومأ والده بحيرة وقال:
- على قولك يا ابني، توكل على الله ومتتعوجش.
أجاب على الفور:
- حاضر يا أبوي.
هتفت والدته باهتمام:
- مش هتفطر يا ولدي؟
هز رأسه نافياً وغمغم:
- لا يا أماي، مليش نفس للزاد، بالإذن.
أومأت برأسها بحزن:
- على راحتك يا ولدي.
ألتفت لها زوجها وهتف بحنان:
- متشيليش همه يا حاجة، شريف مبقاش صغير عشان تخافي عليه.
تنهدت بألم وقالت:
- مش بخاطري يا حجة، خايفة عليه هو وخيه خليفة، الموت يخطفهم مني زي خيهم الله يرحمه.
أغمض عينه بأسى وغمغم:
- الله يرحمه وينور قبره.
❈-❈-❈
طرقت على باب غرفة شقيقتها ودلفت، وجدتها تجلس على مقعدها الهزاز. اقتربت منها وأردفت بتساؤل:
- سرحانة في إيه؟
رفعت نورسيل كتفيها باللامبالاة وتمتمت:
- ولا حاجة.
أومأت نايا بعدم تصديق وأردفت بخفة:
- أنا هنزل أقعد شوية في الجنينة، تيجي معايا؟
هزت نورسيل رأسها نافية مغمغمة:
- لأ، مش حابة أنزل. انزلي أنتي.
قطبت نايا جبينها بحيرة وعقبت:
- طيب، مش هتفطري؟
مطت الأخرى شفتيها بعدم اهتمام وقالت:
- لأ، مليش نفس. روحي أنتي، ألف هنا على قلبك يا حبيبتي.
هتفت نايا بقلة حيلة:
- تمام، على راحتك. أنا في الجنينة تحت لو احتاجتي حاجة، سلام.
ردت نورسيل بعدم اهتمام:
- سلام.
غادرت نايا وعادت نورسيل إلى شرودها مرة أخرى.
❈-❈-❈
وصلت السيارات إلى مقابر عائلة المغربي بالصعيد. وترجل يوسف برفقة عدي متجهين إلى مقابر والدهم، بعد إعطائهم الأمر للحرس أن يظلوا واقفين بأماكنهم، فلا داعي لدخولهم معهم واقتحام حرمة المقابر.
وقفوا أمام قبر والدهم ملقين السلام على أهل المكان أولاً:
- السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم السابقون ونحن بكم لاحقون.
قرأوا الفاتحة إلى والدهم وظلوا أمام القبر بضع دقائق، وبعدها غادروا متجهين إلى السيارة كي يذهبوا إلى وجهتهم من جديد.
❈-❈-❈
جلست على الأرجوحة وبيدها مجموعة من الزهور البيضاء، فهي تعشق اللون الأبيض بكل شيء. ظلت تنظر إلى الزهور بابتسامة وقامت باستنشاقها. وبعضها أغمضت عينيها وهي تحرك الأرجوحة بخفة مستمتعة بنسمات الصباح الباردة.
❈-❈-❈
وصل إلى الأرض الزراعية الخاصة بهم. وقف قليلاً مع رئيس العمال يستعلم منه عن بعض الأمور، وعيناه لم تنفك عن البحث عنها إلى أن وجدها أخيراً. أنهى حديثه مع رئيس العمال سريعاً واتجه إلى إحدى الأشجار الكبيرة وجلس أسفلها وعينه مثبتة عليها وهي تعمل بجسد منهك. من الواضح هذه الفتاة ما هي إلا مددة أبيها، وهذا ظاهر للعيان من طريقة عملها ويدها الناعمة التي ما زالت تحتفظ برونقها. غض بصره سريعاً وهو يستغفر في سره من التحديق بها. يبدو أن مرض والدها هو من أتى بها إلى هنا كي تعمل بدلاً منه. صمت قليلاً وبداخله حيرة، ماذا ستفعل إذا ازداد مرض والده خطورة ولم يعد إلى العمل؟ فوالدها مريض منذ فترة كبيرة، وعلى حد علمه راقداً بالفراش لا حول ولا قوة، فكيف لهذه المسكينة أن تستمر في هذا العمل الشاق؟ تنهد بحزن لأجلها فقد أشفق على حالها، فشتان بينها وبين من ولدوا ووجدوا أنفسهم وسط الأراضي الزراعية. نهض عازماً على التحدث معها وإخبارها بما أهداه عقله به. اقترب منها مردداً بخشونة:
- كيف أبوكِ بقى زين؟
ضغط على شفتيها بغيظ أسفل نقابها وأستغفرت في سرها قبل أن تعتدل وتردد بنفاذ صبر:
- الحمد لله، فضل ونعمة.
أومأ بابتسامة:
- طيب الحمد لله. إن شاء الله يبقى زين ويقف على رجليه من تاني.
أمنت على دعائه بصمت.
تحدث بحذر:
- أنا كنت جاي أعرض عليكي عرض، وأتمنى إنك توافقي.
جحظت عين الأخرى وقد كشف هذا الآخر عن أنيابه مثل أخيه. انتظرت أن تعلم ما يريده منه.
أكمل هو بحذر:
- إيه رأيك تقعدي في بيتك ويوميتك شغالة بدل الشغل والبهدلة.
ابتسمت ساخرة، فهو قد أثبت لها ما كانت تريده. هو ذئب مفترس يريد أن ينبش بجسدها مثل شقيقه، لكن لن يستطيع أو يتجرأ حتى لفعلها. تقسم أنها هي من ستقتله هذه المرة.
تطلع هو لصمتها بحيرة وقال:
- وإيه ساكتة كده ليه؟ مجولتيش رأيك بحديتي؟
رفعت حاجبيها باستحقار وهتفت:
- وأيه المقابل؟
قطب جبينه بحيرة وأردف متسائلاً:
- مجابل إيه؟ مش فاهم حديثك واصل يا بت الناس. أنا كل اللي رايده تبعدي عن الأرض والشغل. أنتي مش وش بهدلة، ويوميتك واصلة لوقت ما يقوم أبوكِ بالسلامة، ومش عايز منكِ حاجة واصل.
صدمة اعترتها من حديثه، فهو قد أخلف ظنونها تماماً. هتفت برفض قاطع:
- كتير خيرك يا بيه. أنا مش عايزة حاجة.
بعد إن رأيت شغلي، تركته وعادت لتكمل عمله. بينما وقف هو مكانه يتطلع في أثرها بأسى، فهو كان يشفق عليها ولذلك عرض عليها هذا العرض. هز رأسه بقلة حيلة، فقد فعل ما بوسعه، لكن دون فائدة. يبدو أنها ليست مكافحة فحسب، إنما تملك عزة نفس لم تبق موجودة إلا لدى القليل من البشر الآن. فلو كان أحد غيرها لكان وافق على هذا العرض المغري دون أن يطرف له طرفة عين حتى.
❈-❈-❈
توقفت السيارات أمام قصر سالم الشافعي. ألتفت يوسف إلى شقيقه مردداً بأمر:
- أنا هدخل لوحدي، وأنت هتفضل هنا في العربية مع الحرس.
هز عدي رأسه نافياً وقال:
- لأ طبعاً، مش هسيبك تدخل لوحدك.
رمقه يوسف محذراً وهو يترجل من السيارة:
- قولت تفضل في العربية. أنا مضمنش اللي اسمه شريف ده. اطمن، ميقدروش يعملوا حاجة ليا، بس خليك هنا. أضمن لك، شوية وأرن عليك تدخل.
لم يرد عليه عدي ونظر أمامه بضيق. ترجل يوسف من السيارة وحمل العديد من الحقائب بعد أن حمله له السائق. اتجه إلى البوابة ووقف أمام الغفير وتحدث بأمر:
- بلغ الحاج سالم إن يوسف المغربي عايزه.
أومأ له الغفير واتجه سريعاً إلى الداخل، وما هي إلا دقائق وعاد مرة أخرى وبرفقته سالم الذي رحب بيوسف وقاده إلى الداخل.
بينما يجلس عدي في السيارة يراقب الموقف من خلف السيارة. فور أن دلف شقيقه، ترجل هو من السيارة ووقف خارجاً مستنداً على السيارة في انتظار اتصال شقيقه كي يقابل هذا المدعو شريف. قلب عينيه على القصر بملل إلى أن توقف بصره سريعاً وهو يرى هذه الفاتنة التي تجلس على الأرجوحة من خلف السور الحديدي. ظل يتطلع إليها إلى وقت لا يعلم مقداره، فهو لم ير جمالاً هكذا في سابق عهده. ولكن من هي؟ ثوان وجاءت الإجابة التي جعلته يغض بصره سريعاً، فبالتأكيد هذه عروس شقيقه. عض على شفتيه بخجل ووبخ حاله على فعلته الحمقاء. فاق من دوامته على رنين هاتفه والذي لم يكن سوى يوسف يدعوه للدخول إليه.
يتبع…
رواية ثأر الحب الفصل الثامن 8 - بقلم زينب سعيد
أتفضل يا والدي أجعد قالها سالم بترحاب بعد أن دلف عدي إلى الداخل وألقى عليه التحية.
جلس عدي بجوار شقيقه وهتف باحترام:
تسلم يا حاج سالم.
ابتسم سالم بهدوء وقال:
بيتكم يا والدي وتنورنا في أي وقت.
تحدث يوسف بتفهم:
أكيد طبعًا يا شيخ سالم، أنا زي ما قلت لك كنت جاي أنا وعدي في البلد في زيارة وعديت على حضرتك عشان موضوع مهم وأتمنى حضرتك مترفضش.
قطب سالم جبينه بحيرة وهتف:
خير يا ولدي؟ رايد إيه مني؟ رجالتك سدادة ومش هتأخر واصل.
أومأ يوسف بامتنان وغمغم:
وده العشم يا شيخ سالم.
مد يوسف يده بجيب جاكيت البدلة أخرج منه دفتر الشيكات الخاص به وقام بقطع شيك على بياض وأخرج قلم مد يده بهم لسالم الذي نظر له بعدم فهم. أجاب يوسف بتوضيح:
ده شيك على بياض، تقدر حضرتك تكتب أي مهر أنت شايفه للعروسة.
رفع سالم حاجبيه مستنكرًا وهتف:
لأ يا والدي، ده منك لعروستك، مليش صالح بيها، بنتنا هنجهزها ونوصلها لدارك.
تمتم يوسف بإصرار:
بس يا حاج، هي جاية بيتي ومسؤلة مني وده حقها.
غمغم سالم برفض:
مش هيحصل يا ولدي، لما تبقي في دارك أعطيها إياهم، مليش صالح بده واصل، لكن هتخرج من داري مجهزة زيها زي البنات كلها.
هز يوسف رأسه وهتف بإصرار:
طيب خد الشيك وحط المبلغ اللي يناسبها وأدي ليها، حطه في حسابها في البنك براحتكم، لكن غير كده مش هوافق، وشبكتها بإذن الله هتلبسها يوم فرحها، ده حقها بينك وبينها.
تنهد سالم بقلة حيلة:
ماشي يا ولدي، زي ما تحب، اكتب ليها اللي أنت عايزه.
أومأ يوسف بتفهم وآخذ الشيك مرة أخرى وخطي رقم وبعدها تطلع تجاهه مغمغًا بتساؤل:
هي اسمها إيه؟
أغمض الآخر عينيه بأسى وهتف:
نورسيل سليمان الشافعي.
تمتم الآخر الاسم وبعدها دونه ومد له الشيك مرة أخرى.
تلقفه منه سالم وهتف بحيرة:
مليون؟
***
طرق باب الغرفة ودلفت وجدت نورسيل تجلس على المقعد الهزاز. نهضت على الفور عندما وجدتها زوجة عمها. قطبت جبينها وهتفت بحيرة:
خير يا عمة، في حاجة؟
هزت وصفية رأسها بإيجاب وقالت:
أيوه يا بتي، جيت أقولك أن ولد المغربي هنا.
رفعت الأخرى حاجبيها باستنكار:
هنا فين؟
زفرت وصفية بنفاذ صبر وهتفت:
هيكون هنا فين يا بتي؟ تحت أكيد مع عمك.
أغمضت نورسيل عينها بغضب وغمغمت:
وأيه اللي جابه هنا إن شاء الله؟ هو اتجنن ولا إيه؟
رمقتها زوجة عمها بعتاب وهتفت:
وه يا بتي، ما هو طبيعي يجي هنا، ولا أنتي ناسيه أنه هيبقى جوزك.
عضت الأخرى على شفتيها بغيظ وتمتمت:
جوازة الشؤم والندامة.
اقتربت وصفية منها وأردفت بتحذير:
اسمعيني يا بتي زين وحطي حديثي حلقة في ودنك. شهاب الله يرحمه كان ولدي ويعلم ربنا حزني عليه كيف، لكن الراجل ده هيبقى جوزك يا بتي، فاهمة؟ يعني أه يعني ولاؤك الأول والآخر ليه هو يا بتي، فهماني.
تطلعت له بضيق ونظرت للجهة الأخرى ممتعضة من حديثها.
هزت وصفية رأسها بيأس وغادرت الغرفة وهي تدعو لها بالهداية وصلاح الحال.
***
هتف يوسف بهدوء:
مش كتير ولا حاجة يا حاج، أنا بقدم مقامي ومقام العروسة.
قطع حديثهم دلوف الخادمة ووضعها واجب الضيافة على الطاولة. انتظر سالم مغادرتها وهتف بقلة حيلة:
اللي تشوفه يا ولدي، بالإذن خمسة وجاي.
أومأ له يوسف بتأكيد:
اتفضل على راحتك طبعًا.
غادر سالم وألتفت يوسف لشقيقه الشارد وهتف متسائلاً:
مالك سرحان في إيه؟
فاق من شروده وتطلع أرضًا متحاشيًا النظر إلى شقيقه بعد فعلته الحمقاء وتطلعه على من ستكون زوجة شقيقه الأكبر. أردف بتهرب:
مفيش سرحة شوية، المهم فين شادي ده؟
زفر يوسف بحنق وقال:
سافر القاهرة إمبارح.
قطب عدي جبينه باستنكار وغمغم:
سافر إزاي؟ مش المفروض يكون هنا مع أهله؟ مش أخوه لسه مت؟ ولا دي حجة عشان مش يقابلنا؟
رمقه يوسف محذرًا وهتف:
وطي صوتك. لأ، هو سافر أكيد. شادي ده مش بيجي هنا من سنين طويلة، عشان كده متأكد أنه سافر. اهدي أنت كده وهنقابله وهو اللي هيجي لغاية عندنا كمان.
ضم حاجبيه بعدم فهم وردد:
إزاي؟
ابتسم يوسف بثقة ووضع ساق فوق ساق بغرور وقال:
مش وقته، هتعرف في وقتها.
رمق عدي شقيقه بحيرة وحافظ على صمته حنيما لمح سالم يقترب منهم.
عاد سالم وغمغم بعتاب وهي يجلس:
وه مش شربتوا الشاي ليه يا ولدي؟ هو أنتوا أغراب ولا إيه؟ ديه داركم!
أومأ يوسف مؤكدًا وقال:
أكيد طبعًا يا حاج سالم.
مد يوسف يده وحمل قدحًا من الشاي ومد يده لشقيقه الذي أخذه منه على مضض وحمل هو القدح الخاص به وأرتشف منه عدة رشفات ووضعه مرة أخرى.
مد سالم يده بإحراج ليوسف وقال:
اتفضل يا ولدي.
أخذ يوسف الشيك بإستهجان وتمتم:
إيه الشيك ده يا حاج؟
أردف سالم موضحًا:
ده مهر عروسة ولدي، مش ناقص غير على اسمها.
نهض يوسف وكذلك نهض عدي هو الآخر ووضع الشيك في يد سالم وعقب معاتبًا:
أنا قدرتك وجيت لبيتك وقدمت مهر العروسة ليها، لكن ده مش معناه إني جاي آخد مهر أختي، صح ولا غلط يا حاج؟ مش دي الأصول!
تطلع سالم له بخجل وقال:
معلش يا ولدي، حجك عليا.
أومأ يوسف بتفهم واردف:
حصل خير، بالإذن يا حاج، لازم نمشي.
نهض سالم معاتبًا:
تمشوا فين يا ولدي؟ لازم ناكل لقمة سوا.
غمغم يوسف رافضًا:
معلش يا حاج، مرة تانية، لازم نرجع القاهرة، في شغل متأخر.
هز سالم رأسه بقلة حيلة وقال:
على راحتك يا ولدي.
سلم عليهم وقام بتوصيلهم إلى سيارتهم مرة أخرى. سالم برفقة يوسف في المقدمة بينما يتبعهم عدي الذي لم يستطع منع نفسه من إلقاء نظرة أخيرة على الأرجوحة، لكن وجدها فارغة، يبدو أنها غادرت. انتبه على صوت شقيقه أن يسرع، اقترب منه وسلم على سالم هو الآخر ورحب برفقة شقيقه السيارة وغادروا. نظر سالم في أثرهم قليلًا وعاد إلى الداخل مستندًا على عصاه حامدًا الله على عدم وجود شريف وإلا لم تكن تمر هذه الزيارة على خير.
***
ما أن اتجه إلى الداخل وجد نايا تقترب من الحديقة الخلفية وتحمل بيدها مجموعة من الزهور البيضاء. اقتربت منه فور رؤيته مرددة بابتسامة:
صباح الخير يا عمي، أنت كنت بره ولا إيه؟
ابتسم بحنان وقال:
صباح الورد يا بتي، لأ، مكنتش بره، كان عندي ضيوف بوصلهم لبره.
أومأت بتفهم عقب هو متسائلاً:
أختك وينها؟
تنهدت بضيق وقالت:
قاعدة في أوضتها.
هز رأسه متفهماً وهتف:
ماشي يا بتي، أنا داخل جوه، هتعدي شوية هنا ولا هتدخلي وياي؟
أجابت على الفور بمرح:
هدخل معاك طبعًا يا حبيبي.
***
في طريق العودة رمق يوسف شقيقه الشارد بتعجب من حالته، فما يشغل باله لهذه الدرجة. هتف متسائلاً:
إيه اللي واخد عقلك يا عدي كده؟
ألتفت له بإنتباه وقال:
ولا حاجة.
تطلع له يوسف بعدم تصديق وغمغم:
جايز.
تحدث عدي مغيراً ضفة الحديث:
مقولتش ليا صحيح، أنت إزاي بقي واثق كده أن شادي ده هيجي؟
ابتسم يوسف بثقة وقال:
هيجي، إن مكنش النهاردة يبقى بكرة.
رمقه عدي بإعجاب وهتف:
ربع ثقتك في نفسك يا يوسف يا مغربي.
ضربه بخفة على رأسه وهتف:
لما تعرف تشغل ده يا خفيف، في حاجة غير البنات اللي متأكد إنك سرحان في واحدة منهم.
حمحم بإحراج وتطلع للخارج هارباً من نظرات شقيقه التي تلاحقه.
***
هبطت نورسيل الدرج بخفة بعد أن قام عمها بإرسال الخادمة لها. اتجهت صوب مكتبه وطرقت الباب بخفة ودلفت وجدت عمها وزوجته جالسين على الأريكة. اقتربت منهم مغمغة بابتسامة:
صباح الخير.
رددوا عليها الصباح:
صباح الورد يا بتي.
تحدث سالم بحنان:
اقعدي يا بتي هنا، رايد أتحدث وياكي شوية. قالها وهو يشير إلى المقعد المجاور له.
نظرت هي له بحيرة وجلست على المقعد جواره وهتفت بفضول:
خير يا عمي، حضرتك عايزني في إيه؟
تنهد سالم بهدوء وقام بمد يده لها بالشيك الخاص بها. مدّت الأخرى يدها بعدم فهم وآخذته منه مرددة بعدم فهم:
إيه ده يا عمي؟ أعمل إيه بالشيك ده؟
هتف عمها موضحاً:
اقري المكتوب يا بتي.
تطلعت إلى عمها بحيرة وبعدها نظرت إلى الرقم المدون بصدمة وثوان وجحظت عينها عندما وجدت الشيك موقع بإمضاء يوسف المغربي. رفعت رأسها وتمتمت بامتعاض:
إيه ده يا عمي؟ إزاي تاخد الشيك من البني آدم ده؟
رمقها عمها معاتباً وعقب:
جولتها ليكي يا بتي قبل سابق وهجولها تاني يا بتي، ده هيجي جوزك وأنا غيرتك وأنتي وافقتي، يبقى من الأصول تحترمي الراجل اللي هتشيلي اسمه يا بت أخويا.
تحاشت النظر إلى عمها وهتفت بضيق:
عارفة يا عمي، بس إزاي حضرتك تقبل من الشيك ده؟
أجاب سالم بنبرة هادئة:
ده حقك يا بتي، ده مهرك، أنا رفضت أخده منه وإنه يدهولك بعد الجواز، ولكنه أصر على أكده وأنا أخدته، وبكرة الصبح هشيع شريف يحطه في حسابك في البنك.
زفرت بحنق ولم تتحدث.
أكمل هو حديثه بجدية:
اعملي حسابك من بكرة تدخلي للمركز عشان تشتري خلجاتك.
تطلعت له مستنكرة وهتفت بضيق:
لأ، مش هروح أي مكان، ويا ريت حضرتك متضغطش عليا أكتر من كده.
تنهد معاتباً وقال:
ماشي يا نورسيل، لما أشوف آخرتها وياكي يا بت أخويا، أنا هخلي نايا تدخلي بدالك، لكن اسمعي حديثي زين، قدام مرت عمك أهو، لو فكرتي تجلي بعقلك وتعملي شي يا بت أخويا، أنا اللي هقتلك بيدي وأدفنك كمان، سمعاني.
تطلعت له بحزن ونهضت سريعاً مغادرة المكتب غير عابئة بهتاف زوجة عمها باسمها.
ألتفت وصفية إلى زوجها معاتبة وقالت:
أنت قسيت عليها قوي يا حاج.
رمقها بأسى ووضع رأسه بين كفيه وأردف:
مش بخاطري يا أم شريف، نورسيل لازم تعجل، أنا خايف عليها من شيطانها اللي ركبها، مش كفاية شهاب، هتبقى هي كمان.
ربتت على ظهره بحنان لا تدري بما تتحدث فوق محق بحديثه وهي يقين أن نورسيل تدبر لأمر ما.
تنهد سالم بوهن وهتف:
هجوم، اتحدث ويا ولدك، لازم يروح يودي مهره للعروسة.
أومأت له بصمت لا تدري أتحزن من أجل موت ولدها أم تفرح لزواج الآخر.
***
يقف بتطلع إلى الشقة بإعجاب وإلى جواره السمسار الذي ردد بلهفة:
إيه رأيك يا باشا؟ أظن مفيش بعد كده؟
أومأ شادي مؤكداً:
الشقة حلوة وزي ما أنا عايز، تمام، اتفق مع صاحب العمارة وخلص كل حاجة.
ابتسم السمسار مردداً بلهفة:
وطبعًا متنساش عمولتي يا باشا.
ردد شادي بتفهم:
متقلقش، في الحفظ والصون، خلص أنت كل حاجة، يلا سلام عليكم.
رد السمسار بفرحة:
وعليكم السلام يا سعادة البيه.
غادر شادي بعد أن ألقى نظرة أخيرة على الشقة وبعدها دلف إلى الأسانسير متجهاً إلى الأسفل. وبعد مرور بعض الوقت كان يقود سيارته متجهاً إلى عمله، إلى أن قطعه رنين هاتفه. ألقى نظرة على رقم المتصل وجده والده. أوقف السيارة جانبًا وأجاب سريعًا:
ألو، سلام عليكم، كيفك يا أبوي؟ الحمد لله بخير طول ما أنتوا بخير، أمرني يا أبوي، مين يوسف المغربي؟ اللي جابه المهر؟ يعني أنت عايزني أروح له، صح كده؟
تنهد بضيق وهتف:
ماشي يا أبويا، بكرة بالكتير هكون عنده. لأ، معايا فلوس الحمد لله. سلم لي على أمي واللي عندك، سلام عليكم.
أغلق الهاتف وتنهد بقلة حيلة:
وده اللي كان ناقصني.
هز رأسه بقلة حيلة وأكمل قيادته متجهاً إلى عمله.
***
عاد شريف من جولته وما إن استمع إلى حديث والده مع شقيقه اشتعل غيظاً عندما علم بمجيء هذا الحقير إلى هنا وليس هذا فحسب، فشقيقه سيذهب لهم بالغد. أغلق والده الهاتف وصاح هو مستنكراً:
إزاي تسمح يا أبوي للحقير ده يدخل هنا؟
مسح والده على وجهه بوهن وهتف:
الله يرضى عنيك، بزيدك عاد، أنا مش ناقص، أحنا خلاص هنيجي أهل.
نظر إلى والده بضيق وغادر الغرفة صافعاً الباب خلفه بعنف.
تنهد بأسى واستند على مكتبه واضعاً رأسه بين كفيه يشعر أنه سيلقى حتفه في القريب العاجل بفضل هؤلاء الأغبياء.
طرقات على الباب أخرجته من دوامة أفكاره. أذن للطارق بالدخول والتي لم تكن سوى نايا.
اقتربت منه مرددة بابتسامة:
تحت أمرك يا عمي، قالوا لي أن حضرتك عايزني.
ابتسم بحب وهتف:
اقعدي يا جلب عمك، رايد أتحدث وياكي يا مريحة قلبي.
جلست بخفة وقالت:
حبيبي يا عمي، اللي رافع من معنوياتي.
تحدث بصدق:
دي الحقيقة يا بتي، طول ما مريحة قلبي من يوم ما جيتي.
هتفت بحب:
تسلم يا رب وربنا يخليك ليا.
أومأ رأسه بحنان وقال:
تعيشي يا بتي، رايدك تاخدي بكرة العربية بالسواقة وتدخلي على مصر تجيبي شوية خيتك كله وفستان فرح كمان، تقدري؟
قطبت جبينها بحيرة وأجابت:
أقدر طبعًا يا عمي، بس ليه أروح أنا؟
زفر بحنق ورد:
أختك مش راضية يا بتي.
تنهدت نايا بضيق من أفعال شقيقتها المتهورة وقالت:
خلاص يا عمي، حاضر، بكرة الصبح بإذن الله هسافر القاهرة وربنا يقدرني أخلص الحاجة كلها بكرة.
ابتسم سالم براحة وهتف:
الله يرضى عنيك يا بتي.
***
في صباح يوم جديد يجلس يوسف في مكتبه الخاص بالشركة يتابع بعض الأوراق أمامه بتركيز تام. قاطعه دلوف سكرتيره الخاص.
رفع يوسف رأسه عن الأوراق وهتف:
خير يا سامح؟
أجاب سامح باحترام:
في واحد بره اسمه شادي الشافعي جاي يقابلك.
ابتسم يوسف بثقة وأرجع ظهره للخلف مستنداً على ظهر مقعده الوثير وتحدث بثقة:
خليه يدخل يا سامح، ومتدخلش حد علينا، سامع؟ بس استنى شوف هيشرب إيه.
أومأ سامح باحترام:
أوامر حضرتك يا باشا.
غادر سامح إلى الخارج وثوان ودلف شادي ومن خلفه سامح. نهض يوسف بثقة، اقترب منه الآخر ومد يده مردداً بغرور:
شادي الشافعي.
مد يوسف يده هو الآخر وهتف:
يوسف المغربي، أهلاً بيك، استريح.
جلس كلاهما وهتف يوسف متسائلاً:
تشرب إيه؟
أجاب شادي بهدوء:
قهوة مظبوط.
أومأ يوسف وقال:
اتنين قهوة مظبوط يا سامح.
هز سامح رأسه بإيجاب وغادر غالقاً الباب خلفه.
أرجع يوسف ظهره للخلف وهتف بثقة:
كنت مستنيك.
رفع شادي حاجبيه متهكماً وقال:
بجد؟ وأنت عرفت منين إني جاي؟
ابتسم يوسف بثقة وتمتم:
مش مهم إنك جيت، لأن بصراحة عندي سؤال ليك وأتمنى تجاوبني عليه.
قطب الآخر جبينه بنفاذ صبر وهتف:
اتفضل.
نظر له يوسف بتركيز وردد بحذر:
كنت متجوز في السر وطلقتها ليه؟
شادي... يتبع...
رواية ثأر الحب الفصل التاسع 9 - بقلم زينب سعيد
إبتسم الآخر وأرجع ظهره للخلف واضعاً ساقه فوق ساقه وهتف ساخراً:
- والله أنت بتتجسس ورايا؟
إبتسم يوسف متحدياً وقال:
- مش أختي، لازم أطمئن على الشخص اللي هتتجوزه كويس ولا.
رمقه شادي بإستخفاف وتمتم:
- على أساس لو مطلعتش كويس هتقدر تلغي الجوازة؟ شكلك ناسي أنها جوازة تار وحضرتك كمان القاتل!
هتف يوسف بثقة:
- لا هلغي الجوازة لو على رقبتي كمان، أما حتي قاتل دي فأنا مقتلتش حد، أخوك القاتل اللي كان عايز يقتلني بس القدر غير وجهه ليصيبه. تصدق أو ما تصدقش براحتك.
نهض يوسف وأخرج طبنجة من إحدى الأدراج ووضعها أمام شادي وفتح صدره على وسعه وقال:
- عايز تقتلني وتاخد تارك، أتفضل.
تطلع له شادي وأردف بثقة:
- شيل سلاحك يا يوسف بيه، أنا مجتش عشان التار. أقعد خلينا نكمل كلامنا، أنا لو عندي شك إن على إيدك دم أخويا مكنتش هحط إيدي في إيدك.
جلس يوسف ولكن ترك الطبنجة أمام شادي كما هي وهتف بتأكيد:
- أنا عايز أعرف إجابة سؤالي الأول يا شادي بيه.
حك شادي ذقنه بخفة وقال:
- بص يا يوسف باشا، أنا عارف وواثق إنك قلقان على أختك وده أنا بحبك عليه وبقدره جداً وخلاك تعلى في نظري أكتر. أنا اتجوزت في السر ليه؟ لأن أهلي مكنتش هيوافقوا على البنت اللي متجوزها لأنها كانت متحررة شوية وده طبعاً مينفعش عندنا في الصعيد. أما بقي طلقتها ليه؟ متفقناش، أظن كده جاوبتك على سؤالك. بس عايز أوضح ليك حاجة مهمة أوي، إن حياتي قبل ما أتجوز أختك لا تعني ليك بشئ ولا ليك إنك تدخل فيها. عايز تحاسبني؟ يبقى لما أختك تبقي مراتي وقتها، وحتى ده مش حقك، ده حق أختك كمان. الماضي بتاعي يخصني أنا وبس.
إبتسم يوسف براحة لنوع من حديثه وهتف:
- تمام، ماضيك يخصك. لكن أختي خط أحمر، عهد مش أختي وبس، دي بنتي الصغيرة اللي ربيتها على إيدي وكبرت قدام عنيا. مش عايز أندم في يوم من الأيام إني سلمتها ليك بإيدي.
هز الآخر رأسه متفهماً وهتف:
- وأختك هتبقي مراتي، يعني كرامتها من كرامتي. أطمئن.
تنهد يوسف براحة وقال:
- كده يبقى اتفـقـنـا.
أومأ شادي برأسه وأخرج الشيك من جيبه ووضعه أمام يوسف وأردف بثبات:
- اتفضل، ده مهر العروسة. بس طبعاً مش عارف الاسم، أنت قولت اسمها عهد صح؟
رد يوسف بإيجاب:
- أيوه، عهد عبد الرحمن المغربي.
دون شادي الاسم تزامناً مع طرق الباب ودلوف الساعي بالقهوة وخلفه عدي وهو يحمل بعض الأوراق. وضع الساعي القهوة وغادر، بينما هتف عدي مستنكراً وهو يطالع شادي والطبنجة التي على المكتب:
- الملفات دي لازم تتـمـضـي بسرعة وأنت مانع حد يدخل.
أخذ يوسف الأوراق ودونها سريعاً وأعطاها لشقيقه وهو يقول:
- شادي الشافعي.
التفت له عدي يطالعه بنظرات متفحصة ومد يده مردداً بتعريف:
- عدي المغربي.
نهض شادي ومد يده هو الآخر ورحب به وجلس الإثنين مواجهين بعضهم.
هتف يوسف بثقة:
- عدي كان حابب يتكلم معاك هو كمان بخصوص الجوازة.
تطلع له شادي قليلاً وثوانٍ وانفجر ضاحكاً متمتمًا:
- ده كشف هيئة مش جوازة.
***
هبطت نورسيل من غرفتها تبحث عن شقيقتها فلم تجدها في غرفتها. وجدت زوجة عمها تجلس ترتل القرآن الكريم. اقتربت منها وهتفت متسائلة:
- هي نايا فين يا عمة؟
صدقت وصفية وردت بإيجاب:
- نايا سافرت القاهرة الصبح بدري.
صاحت نورسيل مستنكرة:
- سافرت الصبح بدري ليه؟ ومن غير ما تقولي؟
تحدثت وصفية بتعقل:
- أنتي كنتي نايمة يا بتي وأنا وعمك عارفين.
زفرت نورسيل بحنق وتسألت:
- وسافرت تعمل إيه في القاهرة؟
أجابت وصفية بحذر:
- عمك يا بتي اللي خلاها تسافر ميشان تجيبلك شوارك طالما أنتي مش رايدة.
قطبت نورسيل جبينها بضيق وتمتمت:
- آه، وهي اللي راحت، ما صدقت.
تنهدت وصفية بقلة حيلة وقالت:
- يا بتي صلي على النبي كده وفوقي لنفسك، أنتي كلها أيام وتبقي مرته وفي داره كمان، يعني لازم تتجبلي الأمر الواقع. أنتي دلوقتي شيطانك سارجك، لكن بكرة لما تتجوزيه وتحملي منه هتنسي ما ده ومش هتفكري غير إنك تأسسي بيت وأسرة وبس يا بتي.
رمقتها نورسيل بصدمة:
- نعم؟ أخلف من مين إن شاء الله؟ ده على جثتي إن حصل.
تطلعت لها وصفية بذهول كأنها ترى تنين ذو رأسين وعادت إلى تلاوة القرآن مرة أخرى، فلا داعي إلى حماقات هذه الغبية الآن.
نظرت لزوجة عمها بصدمة فقد تجاهلت حديثها عن عمد. دبّت قدميها على الأرض بغيظ واتجهت إلى الحديقة بالخارج لعل الهواء البارد يطفئ من نيران قلبها المشتعلة.
***
في الأتيليه الخاص بفساتين الزفاف تقف عهد أمام إحدى الفساتين تطالعه بإنبهار شديد. اقتربت منها والدتها بإبتسامة وهتفت متسائلة:
- إيه رأيك يا عهد؟ حلو ولا محتاج تظبيط؟
هزت عهد رأسها نافية على الفور وقالت:
- لأ يا مامي، تحفة ومش محتاج أي حاجة.
تنهدت والدتها براحة وتمتمت بإبتسامة:
- تمام يا قلب مامي، مبروك عليكي.
جاءت إليهم عليا مرددة بإنبهار:
- حقيقي الفستان تحفة يا عهد وما شاء الله ذوقه راقي جداً وسيمبل.
أماءت عهد بإبتسامة:
- أكتر حاجة عجبتني فيه بساطته دي.
ربتت والدتها على ظهرها بخفة وعقبت:
- طيب يلا بينا نكمل باقي جولتنا ونخلص باقي حاجتك. مش عارفة إزاي مخلصتوش المرة اللي فاتت؟
هتفت عليا بمشاكسة:
- أعمل إيه؟ كل ما أسألها على رأيها في حاجة تقولي رأي ماما، مش بحب أختار من غيرها.
ضمتها صفاء بحنان وقالت:
- قلبي ماما أنتي يا ناس، يلا بينا.
غادرت صفاء وابنتيها لإكمال ما ينقص عهد.
***
على الجانب الآخر في نفس الأتيليه كانت تقف أمام أحد الفساتين بإعجاب شديد.
اقتربت منها البائعة وهتفت بإبتسامة:
- إيه رأيك؟ تحفة صح؟
أماءت نايا بتأكيد:
- تحفة فعلاً، بس عايزة أقفله وأقدر آخده النهاردة؟
أجابت البائعة على الفور:
- أكيد طبعاً، ساعتين بالكتير ويبقى جاهز.
تنهدت نايا براحة وبدأت في سرد التعديلات إلى البائعة وبعدها غادرت، كي تنهي ما تبقى فيجب أن تعود قبل حلول المساء عليها.
***
عاد إلى مكتبه بعد مغادرة شادي، لا ينكر أنه ارتاح نوعاً ما له واطمأن على شقيقته. جلس على مقعده ودون إرادة منه لاحت صورة هذه الفاتنة بهالتها الملائكية. هز رأسه سريعاً ينفض رأسه عن التفكير بها وشغل نفسه ببعض الأوراق التي أمامه.
***
ما إن غادر شادي حتى فتح باب مكتبه مرة أخرى على مصرعيه. نهض على الفور عازماً على توبيخ من تجرأ على فتح الباب هكذا، لكن ضاع الحديث عندما علم هوية من تجرأ على فعل هذا، فلم يكن سوى صديقه المقرب وابن عمه علي، فقد عاد من سفره أخيراً. ضمه على الفور بحب واشتياق بعد فترة من تبادل السلام والتحية، جلسا كلاهما سوياً على الأريكة.
هتف علي بمزاح:
- إيه يا عريس؟ مزعل عمك ليه؟
إبتسم يوسف ساخراً وقال:
- بزمتك أنت أبوك ده حد يقدر يزعله؟
ضحك علي بمرح وأجاب نافياً:
- الصراحة لأ.
إبتسم يوسف بثقة وأردف معقباً:
- وشهد شاهداً من أهله.
تحدث علي بهدوء:
- إيه بقي الحوار ده؟ عشان أنا رجعت ومفهمتش أي حاجة من بابا غير إنه رافض الجوازة دي.
أماء يوسف متفهماً وسرد له أمر هذه الزيجة من أول التار حتى الآن دون أن يتطرق بأية تفاصيل.
هز علي رأسه بتفهم وقال:
- طيب ما ده فعلاً الصح. أبويا بقي رافض ليه؟
رفع يوسف كتفيه ساخراً وهتف:
- والله ده أبوك، لو معترضش على حاجة ميبقاش أبوك أصلاً.
ضحك الآخر مؤيداً:
- في دي فعلاً عندك حق، ربنا يهديه.
أمن يوسف وهتف متسائلاً:
- أخبار الصفقة الجديدة إيه؟
أجاب علي بإمتنان:
- شكراً إنك سبتها لينا.
ربت يوسف على فخذه بحنان وعقب:
- عيب عليك، أحنا أخوات وأهل.
تحدث علي بهدوء:
- تمام، الحمد لله شغال عليها. خلينا في المهم، أنت أخبارك إيه؟ وهتعمل إيه في الجوازة دي؟ معرفتش حاجة عن العروسة؟
هز يوسف رأسه نافياً وقال:
- لأ.
قطب علي جبينه بعدم فهم هتف:
- ليه كده؟ كنت أعرف واخدة كلية إيه؟ متعلمة؟ جاهلة؟ أي حاجة.
إبتسم يوسف بثقة وأردف:
- مش هيفرق معايا، كلها كام يوم وأعرف كل حاجة.
صفق الأخر بيده ضاحكاً:
- يا ابني أنت صراحة ملكش حل والله.
***
مساء عادت نايا من القاهرة ومعها العديد من الحقائب وفستان الزفاف. ترجلت من السيارة وأدخل الخدم الحقائب متجهين بها إلى غرفة نورسيل. وما أن دلفوا إلى غرفتها صاحت بهم مستنكرة:
- الشنط دي متدخلش أوضتي، فاهمين.
تطلع الخدم لبعضهم بحيرة إلى أن اقتربت نايا وهتفت بهدوء:
- أدخلوا الشنط أوضتي.
أومأوا لها وغادروا إلى غرفة نايا، ونظرت نورسيل إلى شقيقتها بغيظ ودلفت إلى غرفتها.
تنهدت نايا بقلة حيلة ودلفت خلفها وهتفت بهدوء:
- ممكن أعرف مالك متعصبة على الناس كده ليه؟
التفتت لها نورسيل وأردفت ساخرة:
- ممكن أعرف إيه اللي سفرك؟ حد قالك إني محتاجة حاجة؟ وكمان من ورايا؟
زفرت نايا بنفاذ صبر:
- دي أوامر عمي يا نورسيل، ومكنش ينفع أرفض.
رمقتها الأخرى بغيظ وقالت:
- كان المفروض تقوليلي على الأقل؟
مطت الأخرى شفتيها تهكماً وهتفت:
- على أساس إنك هادية وهتتقبلي الموضوع عادي؟ مش هتقومي الدنيا كده.
نظرت إلى الجهة الأخرى بغيظ وصمتت.
هزت نايا رأسها بقلة حيلة وتحدثت:
- نورسيل شيلي اللي في دماغك يا حبيبتي، ربنا يرضى عنك. أنا خائفة عليكي، أنا مليش غيرك.
رق قلب نورسيل والتفت لها وضمتها بحب وتمتمت في أذنها بهمـس:
- أنا بخير، متقلقيش عليا، متخافيش.
***
مرت الأيام التالية بسرعة البرق. انتهى فيها شادي من تجهيز شقته الجديدة وفرشها ونقل أغراضه الخاصة بها وعاد إلى الصعيد مرة أخرى قبل عقد القران بيوم واحد، فلن تكون هناك أي مظاهر للاحتفال. عقد القران وإطعام الفقراء لا أكثر، وبعدها سيأخذ عروسه ويعود بها إلى القاهرة. ونفس الأمر بالنسبة لابنة عمه نورسيل ويوسف.
أما شريف فأصبح يذهب إلى الأرض كل يوم يكتفي بمشاهدتها من بعيد، لا أكثر. لا يدري لماذا يأتي إلى هنا، كل ما يعرفه أنه يرغب في رؤيتها لا أكثر، رغم أنه لم يظهر منها سوى عينيها، لكنها كفيلة بإذهاق قلبه.
بينما نورسيل ظلت حبيسة غرفتها باستمرار، لا تريد رؤية أحد، تشعر أن الجميع يضغط عليها بشدة. وتولت نايا تجميع كل الأغراض التي اشترتها بالحقائب، وكذلك أغراض نورسيل التي من الممكن أن تحتاج إليها فيما بعد.
***
وعلى الجانب الآخر أنهت عهد شراء ما تحتاج إليه بمعاونة والدتها وشقيقتها الكبرى. أما يوسف فهو لم يعبئ بأمر الزفاف من الأساس ويباشر عمله وكأن الأمر لا يعنيه، كأنه ليس هو من سيتزوج بعد عدة أيام. فقد ترك المسؤولية كاملة لوالدته، حتى هي من قامت بشراء شبكة العروس بناءً على طلبه. بينما عدي فهو أصبح يتهرب دائماً من التواجد مع شقيقه، يشعر كأنه خائن عندما يفكر فيها، لكن ليس على القلب سلطان، فهو قد وقع بحبها وانتهى الأمر.
***
في صباح يوم عقد القران، وصلت السيارات التي تقل عائلة المغربي إلى القصر الخاص بهم وترجل الجميع إلى الداخل، بينما ظل علي وعدي بالخارج برفقة الجزارين من أجل ذبح الذبائح من أجل إطعام الناس.
في غرفة عهد.. تجلس عهد أمام إخصائية التجميل تقوم بوضع الميك أب الخاص بالزفاف. فرغم أنه لم يقام زفاف، فقام يوسف بفعل ما بوسعه ولم يتهاون بشيء من أجل إسعاد شقيقته، فقام بعمل حفل حناء لها كبير برفقة أصدقائها. بينما يجلس إلى جوارها عليا التي تطالعها بحب من حين لآخر وتتابع كذلك أطفالها.
في الأسفل تقف صفاء وفوزية وبرفقتهما أميرة زوجة عامر في المطبخ يتابعون الطباخين حتى يكون كل شيء على خير ما يرام.
***
يجلس في مكتبه يشرب سيجاره ويطالع حاسوبه الخاص يتابع عليه أعماله بتركيز شديد.
قطعه طرق على باب الغرفة ودلوف عمه، قلب عينيه بضجر وقال:
- أهلاً يا عمي، اتفضل.
جلس عوني وأردف بغيظ:
- أوعى تقولي إنك هتروح تجيب العروسة زي ما بيقولوا؟
إبتسم يوسف ساخراً وهتف:
- أمال المفروض أعمل إيه؟
ردد عوني بغرور:
- ابن عمها يجبها وهو جاي ياخد عهد.
ضحك يوسف ساخراً وأردف:
- عمي، أنا هقوم ألبس عشان نروح المسجد عشان كتب الكتاب. ياريت حضرتك كمان تجهز. صحيح بعد كتب الكتاب هروح أنا وعلي وعدي نجيب العروسة وشادي هيجي معانا ياخد عهد، الناس تاكل وهنسافر على طول. بعد إذنك.
نهض يوسف وغادر الغرفة تاركاً عوني يتأكل غيظاً.
***
مع إقامة صلاة المغرب وقف الجميع خلف الإمام من أجل صلاة المغرب ومن ضمنهم مدير الأمن ووكيل النائب العام الذين جاءوا لحضور عقد القرآن خوفاً من أن يحدث أي شيء.
أنقضت صلاة المغرب وجلس المأذون في المنتصف بين يوسف وسالم لعقد قرآن أولاً، وما أن انتهى نهض سالم وجلس شادي بدلاً منه واضعاً يده بيد شادي. تطلع المأذون وبدأ مراسم عقد القران الآخر.
بعد مرور بعض الوقت نهض يوسف وصافح شادي وضـم كل منهم الآخر كعلامة على الصلح وصفاء النية. وبعدها سلم يوسف على سالم وشريف الذي وافق على مضض، وكذلك عوني الذي نظر له يوسف محذراً ألا يفعل شيئاً.
انتهى الجمع وعادت عائلة يوسف إلى قصرهم، بينما ظل يوسف وعلي فقط من أجل الذهاب لإحضار عروس يوسف أولاً.
***
دلفت نايا الغرفة والتي ما إن وقع بصرها على شقيقته التي ترتدي عباءة سوداء وحجاب أسود وغطت وجهها بغطاء أسود، صرخت بصدمة مما جعل زوجة عمها تصعد بلهفة لتري ماذا هناك لتجحظ عين الأخرى مرددة بعدم تصديق:
- إيه اللي أنتي لبساها ده؟ أنتي اتجننتي!
زفرت نورسيل بحنق وقالت:
- ماله لبسي إن شاء الله؟
الرد جاء من سالم الذي حضر للتو من أجل إحضارها وجدها بهذا المنظر المخزي:
- إيه اللي أنتي لبساه ده يا بتي؟ عايزة تفضحينا وسط الخلج؟
دبت الأرض بغل وهتفت:
- مش هغير العباية، مش عاجبه يمشي. أنهت جملتها وربعت ساعديها ببرود.
اقترب منها عمها وما كان رده سوى صفعة مدوية جعلتها تتهاوى أرضاً. ركضت نايا على الفور تجاهها تضمها بلهفة، بينما اقتربت وصفية من زوجها وأردفت معاتبة:
- ليه إكده بس يا حاج؟
تحدث بإنكسار:
- كان لازم ده يحصل من زمان. كلمة واحدة يا بت أخوي، جسماً بربي أنا ما غيرتي الجرف ده ولبستي الفستان هتكون جنازتك مش زفتك.
رواية ثأر الحب الفصل العاشر 10 - بقلم زينب سعيد
تطلعت إلى عمها بأسي فهو لم يرفع صوته سابقاً عليها. والآن لم يرفع صوته عليها فحسب، بل قام بصفعها وتهديدها من أجل هذا المدعو بزوجها.
بدلت نايا نظراتها بين شقيقتها وعمها وتحدثت بلهفة خوفاً على شقيقتها من بطش عمها:
"أتفضل أستني يا عمي عشر دقايق بس وتكون جاهزة."
تجاهل سالم الرد عليها ورمق نورسيل بتحذير وهتف متوعداً:
"قسماً بالله إن ما جهزتي يا بت أخوي لأنفذ تهديدي وياكي، سمعاني؟"
أجابت نايا على الفور:
"حاضر يا عمي حاضر."
خرج سالم من الغرفة، بينما رمقتها وصفية معاتبة وغادرت خلفه إلى الخارج.
***
في المندرة، يجلس يوسف مع علي وشادي في انتظار حضور العروس، بينما في الخارج يجلس مع الرجال يتناولون الطعام.
تطلع علي في ساعته وتمتم بحيرة:
"لسه بدري؟ أحنا كده اتأخرنا!"
هتف شادي بتفهم وهو ينهض من مقعده:
"هقوم أشوفهم."
هز يوسف رأسه نافياً وقال:
"لا خليك مفيش داعي، سيبهم على راحتهم."
جلس شادي مرة أخرى بصمت تام.
اقترب علي من شريف وهتف متسائلاً:
"هو عدي فين؟"
أجاب يوسف بتوضيح:
"رجع معاهم."
قطب جبينه بحيرة وتمتم:
"غريبة دي!"
رفع يوسف كتفيه باللامبالاة وقال:
"على راحته."
أومأ علي رأسه متفهماً وقال:
"تمام."
***
جلس علي أحد المقاعد بإنكسار ووضع رأسه بين كفيه. وقفت زوجته جواره وهتفت بحزن:
"بزيداك يا حجة اللي بتعمله في حالك ده ميرضيش ربنا عاد."
رفع رأسه وتحدث بخزي:
"نورسيل عايزة تكسرني يا حاجة وتجيب لينا العار."
هزت وصفية رأسها بحزن وقالت:
"لأ يا حجة متقولش كده، أنت عارف نورسيل بتحبك قد إيه، هي بس السكينة سرجها."
رمقها بتهكم:
"وهتفضل سرجها لوقت إيه؟ خلاص بقى جوزها قدام ربنا وقدام الناس، يبقى مالوش عادة. اللي بتعمله ده ولدي الله يرحمه، وأما قبلت النسب وخيرتها بينها وبين أختها وهي وافقت يبقى مظلمتهاش يا ناس، ليه بقى عايزة تصغرنا كده وسط الخلق وتخلينا مسخرة."
تنهدت وصفية بأسى وردت:
"عيلة صغيرة يا حاجة، متعتبش عليها، بكرة تفوق من نفسها، اطمن أنت وجول يا رب."
نظر إليها قليلاً وهتف بحزن:
"يارب."
***
نهضت نايا وساعدتها على الوقوف، وساعدتها في نزع ملابسها. والأخرى تقف بين يديها بآلية تامة. تركتها تفعل بها ما تشاء، لا تقدر على التفوه بشيء. يكفي ما حدث. ستسمع إلى حديثهم وتتركهم يفعلوا بها ما يشأوا، فالأمر قد انتهى وأصبحت هي كالشاة التي تساق إلى ذبحها.
فاقت من شرودها على صوت شقيقتها التي قالت بحزن:
"ليه تعملي في نفسك كده يا نورسيل؟ حرام عليكي اللي بتعمليه في نفسك وفينا ده يا حبيبتي. خلاص جوازك بقى بإرادتك يا حبيبتي، عمي خيرك وأنتي وافقتي يبقى خلاص، شيلي بقى موضوع الثأر ده من دماغك لأنه لا هيقدم ولا هيأخر، وبلاش تسمعي لشريف عشان مترجعيش تندمي. ده جوزك يا حبيبتي. أنا خلاص قفلت الفستان، اقعدي على الكرسي ألف ليكي الطرحة وأداري الحمار ده بأي حاجة."
قالتها وهي تشير إلى وجنتيها.
لم تنطق نورسيل بحرف واحد، إنما جلست على المقعد تاركة شقيقتها تلهو بها كأنها عروس مارونيت بين يديها.
بعد دقائق مرت كالسنوات على نورسيل، ابتعدت عنها نايا وهتفت بعين تلمع من الحب:
"زي القمر يا حبيبتي، بصي لنفسك في المراية."
لم تلق حديثها بالا، وظلت شاردة في ملكوتها. تنهدت نايا بقلة حيلة واقتربت منها وأنزلت الطرحة على وجهها بحنان.
تطلعت لها لثوانٍ قبل أن تردد بحذر:
"أنا خلصت، يلا عشان نخرج لعمي؟"
اكتفت بالصمت ونهضت بآلية. أمسكت نايا يدها بحنان وهي تضغط عليها بخفة تؤكد لها أن تدعمها وستظل بجانبها دائماً. فتحت الباب وخرجوا سوياً.
نهض سالم ما إن رآهم واقترب منها ورفع الغطاء عن وجهها، بسم الله وقبل جبينها وهتف بحزن:
"مش بإيدي يا بتي إني أقسى عليكي، أنا خايف عليكي يا بتي."
انتظر ردها لكن خاب أمله ولا ترد عليه. تنهد بقلة حيلة وأنزل الغطاء على وجهها مرة أخرى وأمسك يدها الطليقة متجهاً بها إلى الأسفل، واليد الأخرى بيد نايا.
***
يجلس جوار عمه وزوج شقيقته وسط الرجال وهو يرسم ابتسامة بسيطة على وجهه. يحاول أن يهدئ ما بداخله، فهو يشعر أن هناك بركان قوي على وشك الثوران داخل قلبه. لا يعلم متى وكيف أحبها، ولكن هذا الحب خيانة لشقيقه. ولكن ما بيده، فهو لا يدري ماذا سيفعل عندما يراها بيد شقيقه الآن. أو يخيل إليه ما سيحدث بينهم عندما يصل بعقله إلى هذه النقطة، تتأجج النيران بداخله.
قبض على يده بقوة حتى شعر بأظافره تغرس في كفه. يحاول أن يهدأ من نفسه بشتى الطرق، فهو يريد شيئاً واحداً الآن، أن يصرخ بأعلى صوت حتى تقطع أحباله الصوتية، لعل هذا يطفئ قليلاً من النيران التي يشعر بها الآن.
***
وقف سالم أمام المندرة ونظر نظرة أخيرة إلى نورسيل وتوجه بنظراته إلى نايا وتحدث أمراً:
"خليكي أنتي هنا يا بتي مع مرت عمك."
تركت نايا يد شقيقتها بحزن وتنحت جانباً.
أخذ سالم نفساً عميقاً وتوجه إلى داخل المندرة ونورسيل في يده. فور أن دخلوا إلى المندرة، نهض الجميع على الفور. اقترب سالم من يوسف وتوقف أمامه وهتف بأسى:
"بتي أمانة عندك يا والدي."
أومأ يوسف بهدوء وقال:
"في عنيا يا حاج، اطمن."
تنهد سالم براحة نوعاً ما بعد أن تلمس الصدق في صوته وهتف بإمتنان:
"تعيش يا ولدي."
تنحى سالم جانباً مفسحاً المجال إلى يوسف كي يرى عروسه. خطى يوسف خطوة إلى الأمام وأمسك الغطاء وقام برفعه من على وجهها.
"رباه، من أين لكِ بهذا الجمال يا فتاة؟ من المؤكد أنني أحلم أو أنكِ حورية من الجنة قد جاءت إلي الآن، أو أنني في حلم الآن وليس حقيقة."
هذا ما قاله يوسف داخله من وقع بصره عليها. فاق من شروده واقترب منها ببطء كي يقبل جبينها. تراجعت للخلف عدة خطوات. انتبه الجميع إلى فعلتها، لكن هذا لم يردع يوسف. اقترب منها مرة أخرى وثبت جبينها بيده ورمقها بعينيه محذراً وقبل جبينها برفق وابتعد مرة أخرى وأنزل الغطاء عن وجهها والتفت إليهم مردداً بأمر:
"يلا بينا يا شادي عشان اتأخرنا."
أجاب شادي على الفور:
"تمام، هخرج لشريف يجهز العربية."
هتف علي هو الآخر:
"وأنا هاجي معاك أجهز عربيتي."
تحرك الاثنان وهتف يوسف بإستئذان:
"هنتحرك يا حاج سالم، محتاج حاجة؟"
هز سالم رأسه نافياً وقال:
"مش عايز منك حاجة يا ولدي غير تاخد بالك منها."
تنهد يوسف وهتف:
"تمام يا حاج، يلا سلام عليكم."
رد سالم بحزن:
"وعليكم السلام."
أمسك يوسف يدها وحاولت هي إبعاد يده عنه، لكن ضغطة قوية من الآخر جعلتها تئن بألم وتضطر أن تصمت الآن من أجل عمها فقط.
غادروا إلى الخارج وأطلقت الأعيرة النارية من الغفر بالخارج. قادها يوسف إلى سيارته وفتح الباب الخلفي كي تدلف إلى السيارة.
هتفت بضيق:
"هركب مع ولاد عمي."
استمع إلى صوتها جيداً من أسفل الغطاء، ولكن ما كان رده إلا أن أدخلها السيارة عنوة هامساً في أذنها:
"ارصبي ومسمعش صوتك، فاهمة."
جلست على مضض واتجه هو إلى المقعد الأمامي جوار علي وركب السيارة بصمت تام.
شعر علي بتوتر الأجواء وكذلك غضب يوسف الظاهر بوضوح على معالم وجهه، فهتف متسائلاً حتى يهدئ من الجو المشحون:
"أتحرك؟"
رد يوسف باقتضاب:
"آه، توكل على الله."
أومأ علي بتفهم وقاد السيارة متهجاً إلى قصر عبد الرحمن المغربي. وخلفهم سيارة شادي التي يقودها شريف على مضض وجواره شقيقه. فرغم مقاطعة إلى هذه العائلة، لكن لن يترك شقيقه الأصغر في يوم كهذا.
***
أسفل أحد الأشجار القريبة نوعاً ما من قصر سالم الشافعي، توقفت حنين تراقب من بعيد. فاليوم هو عقد قرآن يوسف المغربي، كما تود أن تشكره على ما فعله معها، فهو من أنقذها من براثن هذا الذئب غير الآدمي.
تنهدت براحة بعد أن رأت سيارة يوسف تغادر قصر الشافعي والعروس تجلس بالخلف، وسيارة أخرى يقودها هذا الشريف الذي لا تعلم لما أصبح يشغل حيزاً من تفكيرها الآن، ولما يراقبها دائماً. تخشى أن يكون مثل شقيقه، ولكن ما باليد حيلة، ليس بمقدورها أن تترك عملها، فهي بحاجة إلى المال بشتى الطرق، فحالة والدها تزداد سوءاً يوماً بعد يوم.
***
وصلت السيارات ووقف عامر لاستقبالهم وبرفقته عدي. فعوني رفض استقبالهم، ولم يستطع عدي أن لا يقف في استقبال شقيقه ويكون إلى جانبه مهما كان هذا الأمر صعباً بالنسبة له ويؤلمه. يوسف ليس شقيقه فحسب، بل هو الأب الروحي والمعلم الأول له.
تعالت الأعيرة النارية احتفالاً بوصول كبير عائلة المغربي وعروسه.
ترجل علي من السيارة وكذلك يوسف الذي اتجه إلى المقعد الخلفي وقام بفتح الباب لها. مد يده كي يعاونها على الهبوط من السيارة، ولكن تجاهلت هي يده الممدودة وترجلت من السيارة بصعوبة وهي تحمل فستانها بصعوبة.
سحب هو يده وتمتم داخله مستغفراً حتى لا يفقد صبره عليها الآن ويحدث ما لا يحمد عقباه.
ترجل شادي أيضاً، ولكن شريف ظل بالسيارة، فهو لن يخطو خطوة واحدة في هذا القصر الملعون.
اقترب عامر وعدي من يوسف وقدموا له التحية. ضم يوسف شقيقه وهتف موبخاً:
"كده بردوا متجيش معايا؟"
تحدث عدي بارتباك وهو يتهرب من نظرات شقيقه:
"كان لازم أجي عشان الرجالة وكمان لو ماما والبنات محتاجين حاجة."
أومأ يوسف برأسه متفهماً وقال:
"ماشي يا حبيبي، يلا ندخل عشان نسلم عهد لعريسها."
أجاب عدي على الفور:
"تمام."
اقترب من شادي ورحب به واتجه يوسف إلى الداخل جواره نورسيل التي تكاد أن تنفجر من كثرة الغيظ. وخلفهم عدي وشادي وعامر وعلي.
***
وقفت صفاء وبرفقتها فوزية وعليا وأميرة زوجة عامر وابنة خالتهم في استقبال يوسف وعروسه. ما إن استمعوا إلى صوت الطلق الناري بالخارج.
اقترب يوسف من والدته وقبل يدها ورأسها بحب. ضمته الأخرى بحنان، وكذلك سلم على زوجة عمه وزوجة ابن عمه. واقترب من شقيقته الصغرى يضمها بحب.
تطلعت صفاء إلى العروس بفضول شديد وجدتها تقف على بعد منها وجوارها شادي، بينما باقي الشباب اقتربوا من يوسف.
ذهبت صفاء تجاه العروس وهتفت بحب:
"واقفة بعيد ليه يا حبيبتي."
ذهب يوسف خلف والدته على الفور قبل أن تقوم هذه الحمقاء بفعل أي شيء أمام والدته. هتف يوسف بابتسامة وهو يشير على شادي:
"ده شادي يا أمي، جوز عهد."
التفتت له بابتسامة وقالت:
"ألف مبروك يا حبيبي."
ابتسم شادي باحترام ورد:
"الله يبارك في حضرتك."
تمتمت صفاء بفضول:
"ممكن بقى أشوف عروسة ابني؟"
هتف يوسف ضاحكاً:
"اتفضلي يا ست الكل."
رفعت الغطاء عن وجه نورسيل وثوانٍ وظهر أمامها وجه نورسيل. رغم ظهور معالم الغضب على وجهها، إلا أن صفاء أرجعت أن العروس تخجل لا أكثر.
هتفت صفاء بابتسامة:
"بسم الله ما شاء الله، زي البدر في ليلة تمامه."
اقتربت منها وقامت بضمها بحب. لم تبادلها نورسيل شيئاً، فقط جسد متصنم لا أكثر.
ابتعدت عنها وغمغمت بحيرة:
"أنتي كويسة يا بنتي؟ ساكتة ليه؟"
رد شادي بتدارك موقف نورسيل:
"هي كويسة بس مكسوفة يا طنط."
أومأت له بتفهم، بينما زفر يوسف بنفاد صبر.
اقتربت عليا وقامت بتعريفها بنفسها ورحبت بها، وكذلك أميرة وفوزية. وهي لم تنطق بحرف واحد واكتفت بهز رأسها لا أكثر.
يقف في مكانه مصدوم مما يرى. أغلق عينيه وفتحها أكثر من مرة، عله يتوهم. إذا كانت هذه هي عروس شقيقه، فمن تلك الفاتنة التي رآها؟ فهو على علم أن شريف ليس متزوجاً هو الآخر، فمن الممكن أن تكون شقيقته أو شقيقة زوجة شقيقه. وعندما وصل عقله إلى هذه النقطة.
فاق من شروده على صوت شقيقه. أجاب:
"نعم يا يوسف."
هتف يوسف أمراً:
"هات عهد من فوق يا عدي."
أومأ عدي بتفهم وقال:
"حاضر يا حبيبي."
صعد عدي إلى أعلى، بينما تطلع يوسف إلى شقيقته وأردف بهدوء:
"اطلعي نورسيل الأوضة فوق ترتاح قبل ما نسافر القاهرة."
ابتسمت عليا وهتفت بإيجاب:
"حاضر يا حبيبي."
التفتت إلى نورسيل وقالت:
"يلا يا حبيبتي تعالي معايا."
تحركت نورسيل معها على مضض متجهين لأعلى.
تنهد يوسف وقال:
"تعالي اقعد يا شادي عقبال ما ينزلوا."
ما كاد أن يتحدث شادي إلا وترجل عدي وبرفقته عهد ووجه مغطى بطرحتها هي الأخرى.
اتجه لهم يوسف وقام بتقبيل جبين شقيقته من فوق طرحتها وهمس في أذنها:
"مبروك يا أجمل عروسة، متشوق أشوف وشك بس هسيب الطلعة دي للعريس يرفع هو الطرحة."
قام بشبك يدها الطليقة بيده، وعدي باليد الأخرى واتجه إلى شادي واضعاً يدها بيده وهتف محذراً:
"مش محتاج أوصيك."
ضحك شادي بخفة وقال:
"لأ أطمئن، في عنيا."
تنهد يوسف براحة وابتعد عدي عن شقيقته هو الآخر، مفسحين له المجال لرؤية عروسه.
رفع شادي الطرحة بتمهل وتطلع لها بصدمة من كتلة البراءة التي تقع أمام عينيه. ابتسم براحة ورفع رأسها بأطراف أصابعه وقام بتقبيل جبينها برقة وابتعد عنها متما بإبتسامة:
"مبروك يا عروسة."
ابتسمت وهتفت بخجل:
"الله يبارك فيك."
أنزل شادي الغطاء مرة أخرى على وجهها وهتف بابتسامة:
"طيب هروح البيت عشان الأهل يشوفوا العروسة وبعدين نتقابل كمان ساعة عند مدخل البلد."
أومأ يوسف بإيجاب:
"تمام، في انتظاركم."
ودعت عهد والدتها وأشقائها وولجت إلى الخارج برفقة زوجها ووالدتها وأشقائها. عاونتها والدتها على ركوب السيارة بعد أن قامت بتوديعها بحزن.
ركب شادي في الأمام جوار شقيقه الذي كان ينظر لهم بضيق شديد. يود أن يترحل من سيارته ويفرغ طبنجته بجسد هذا الخسيس. يوسف غادر شريف بعد انتهاء حفلة التوديع الساخرة بالنسبة إليه وهو يخطط شيئاً في عقله عازماً على تنفيذه.
***
وصلت السيارة إلى قصر الشافعي وكالعادة ارتفعت صوت الأعيرة النارية. ترجل شريف متجهاً إلى الداخل، بينما عاون شادي زوجته على الترجل من السيارة ودلفوا سوياً إلى الداخل.
كان الترحيب بعهد مماثلاً للترحيب بنورسيل. فقد أغرقتها صفية هي الأخرى في حنانها، وكذلك سالم الذي رحب بها بشدة هو الآخر، وكذلك نايا التي شعرت بالألفة تجاهها. بينما وقف شريف يشاهد ما يحدث متهكماً، إلى أن جاءت اللحظة الحاسمة.
نهض شادي وأردف مستأذناً بعد أن عاون عهد على النهوض:
"بالإذن أحنا يا بوي عشان ألحق أسافر مصر."
"تسافر وين يا خيي؟ أنت هتِقضي الليلة هنا وتدخل كومان على العروسة هنا."
انكمشت عهد بخوف من طريقة هذا الفظ الذي لم تسترح لنظراته بتاتاً.
قطب شادي جبينه مستنكراً وقال:
"أنت بتقول إيه؟ شريف أفضل هنا ليه ودخلة إيه اللي حضرتك بتتكلم عنها إن شاء الله؟"
ابتسم شريف وهتف ساخراً:
"لأ وحياة أبوك كلمني صعيدي ولا لحقت العروسة تعوج لسانك عاد؟"
صاح شادي بعصبية:
"شريف حافظ على كلامك واعرف أنت بتقول إيه."
تحدث شريف متحدياً:
"أنا عارف زين أنا بقول إيه يا ولد أبوي، أنت مش هتمشي من هنا واصل غير ما تدخل على عروستك هنا، أو نجيب حكيمة تطمنا عليها. يمكن لبسوكم ولاد المغربي في عروسة معيبة."