لؤي، انت ماخدتوش يومها. اتصدم، قال: انتي بتقولي إيه؟ بقولك إني مش بنت. اتصدم بل شهر، وكأن الأرض لا تحمله. لسه عاوزني، ولا رغبتك فيا انتهت؟ ترك يدها. نظرت له، ولصدمته، ابتسمت وقالت ساخرة: كده تكون خلصت. ذهبت. قابلتهم في وجهها. ذهبت. تبعتها ملك. نظر حمزة وإسلام لهيثم، الذي كان متسمراً ويبدو غير عادي. قرب منه إسلام، قال: هيثم. نظر له هيثم وهو يفيق ليجدوه يذهب سريعاً. كانت أفنان تسير. يقفون تاكسي. جاء هيثم من خلفهم،
قال: لسه عاوزك. توقفت أفنان حين سمعت صوته. لفت له، قالت باستغراب: قلت إيه؟ قرب منها، قال: أنا عاوزك، أياً كان إنتي. يا بني، فيكي ما انتهتش، والي حصل ماكنش بإيدك. لم تستوعب ما يقول. مسك إيدها وقال بجدية: أوعدك إني هلاقيه، وأجيب لك حقك منه. وادفع تمن اللي عمله فيكي. لينظر لها من ما قالته، لتردف: لي لسه عايزني؟
الحاجة اللي كنت عايزها، معدتش موجودة. لو مش مصدقني، نقدر نروح لدكتورة وتتأكد، عشان ما تعشمش نفسك إني أكون بكذب عليك. مش عايز أتأكد من حاجة، لإن ماعرفش هيكون تأثير ده عليا إيه. كل اللي عايزه إنتي، إنك تكوني جنبي، أياً كان، سواء بنت أو لا. عايز أكمل حياتي معاكي. صمتت أفنان. خفضت وجهها. نظرت لها ملك: بس أنا مش عايزاك. اتصدم هيثم للمرة الثالثة في لحظاتهم المتتالية. سحبت يدها من يده وهي لا تنظر له، قالت: يلا يا ملك.
نظرت ملك لهيثم من صدمته وحزنه البادي على وجهه. مشيت معاها. ركبوا وغادروا. كان إسلام وجهي، وحمزة خلفه. ورأو ما حدث. حزنوا عليه. وجدته يذهب دون أن ينطق ببند كلمة. قالت حمزة بحنق: لؤي، إزاي يعمل كده؟ حزنت جنى، فهي خجلة من شقيقها وما فعله. لا أفنان. لكن قالت بضيق: بس هيثم لسه عايزه ومتمسك بيها. أفنان عايزة توصل لأي، باللي بتعمله مش شايفة ندم. ندم لوحده مش كفاية. نظروا إلى إسلام،
الذي يتحدث: فترة أفنان كانت صعبة، برغم كده حاولت مع هيثم عشان مقدرة ماضيه. بس هو قسي عليها. معرفش هي شافت إيه لما كانت عنده في المكتب، قافلها منه. بس هيثم في عينه ندم كبير وخوف. مش لمجرد حب عادي. وكأنه يشعر أن ثمة شيء بهيثم يخبئه. لكن نادم عليه كثيراً. هل هي قسوته عليها؟ كان سامر في البار، وجد هيثم آتٍ. استغرب. ابتعد عن رفاقه وذهب إليه. وجده يطلب الخمر. قال: بقالك كتير ما جتش هنا.
لم يرد عليه. وحين جاء الخمر إليه، دفعه دون أن يتحدث. نظر له سامر، قال: هيثم، انت كويس؟ نفى برأسه، وقال: لا، أنا مش كويس. مش كويس خالص يا سامر. قعد معاه، قال: في إيه؟ موضوع أفنان؟ رفضتني. قالت لي مش عايزاك. صمت سامر وهو يرى انكسار صديقه. بيده يشرب وكأنه ينتقم من نفسه. بل ينتقم لأفنان منه. قعد معاه وهو قلقان يسيبه لوحده. في الليل، كانت أفنان جالسة. نظرت لها ملك من الحزن البادي عليها: لو بتحبيه، رفضتيه ليه؟
عشان ده الصح. معدتش فاهماكي. صمتوا. رن هاتف أفنان، وكان هيثم. نظرت لها ملك. قفلت تلفونها، لتجده يرن مرة أخرى. وهي لا تريد عليه. أنا داخل أنام. تصبحي على خير. وما لها. ذهبت ملك وتركتها. قال سامر: كفاية يا هيثم. كان هيثم سكران، ويلقي برأسه وهو يمسك كأسه. قال: قولتلك امشي. أنا هفضل. مش هسيبك في حالتك دي. مالها حالتي. أنا كويس. وجه يشرب. خد سامر الكأس منه، قال: خلاص، مش شايف سكرت إزاي. هو ده اللي أنا عايزه. ابعد.
يلاقي. قال سامر ذلك وهو يجعله يسند عليه لأنه لم يكن متزناً. خده. وصلوا القصر عشان ماكنش هيعرف يسوق. نزل وهو شبه يحمله. دخل. لكن توقف حين رأى جنى وإسلام واقفان في الحديقة سوياً. بترسم حلو أوي. يعني شخابيط. انت هتقولي. أنا عايزك ترسمني. تدفعي كام؟ متبقاش مادي. قالت ذلك بتذمر. ليراهم سامر وهما يبتسمان سوياً. امتلأ وجهه بالحزن. سامر. قال منير ذلك. التف إسلام وجنى، ورأوه وهو يسند هيثم. قلقه عليه. اقتربوا منه. قرب منير،
وقال: في إيه؟ هيثم ماله؟ هو كويس، بس تقل في الشرب. معرفتش أسيبه يسوق وهو كده، فجبته هنا. غضب منير ونظر لهيثم. أخذه منير، فاسنده إسلام معه. ونظر لإسلام، الذي نظر له هو الآخر. قال منير: شكراً يا سامر. ادخل. لا، مضطر أمشي. عن إذنكم. نظر إلى جنى. نظرت له. استدار وغادر. خد السيارة، وهو يعود للماضي. -لي تغدر بيا وتعمل كده معايا. أنا كنت فاكرك صاحبي. وثقت فيك. إسلام. أنا ماكنتش أعرف إنك بتحبها.
لا، كنت عارف. وعارف أوي. لما كنت بكلمك عنها، بكون قاصدها في كل كلمة بقولها. أنا عملت إيه لكل ده. أنا كمان حبيتها. أشار عليه وقال بحنق: انت عمرك ما حبيتها. الحب اكتفاء. وأنا كنت بشوفك مع غيرها. انت مكتفيتش بيه. نظر له إسلام، ليقول إسلام بحزن: لي هي. كان قدامك البنات كتير. لي تحبها هي. أنا آسف والله. ما كنت أعرف إنك بتحبها، وإلا كنت بعدت عنها، لأنك صاحبي ومش عايز أخسرك. بس أنا كمان حبيتها واتعلقت فيها.
قاطعه وهو يقول: انت مش صاحبي. الصاحب اللي بجد مبيعملش كده. وعلاقتنا انتهت. نظر له سامر وصمت. مشي إسلام وهو يدفعه بعيداً عن طريقه. -بعدت أنا وانتوا اتجمعتو. مبروك عليك يا... يا صاحبي. كان الحزن بادياً على وجهه، وكأنه السبب فيما هو عليه. لكن يظل متيقناً أنه من أبعدها عنه وأعطاها له. خدت هيثم ودوه لجناحه. قال إسلام: متزعلش يا عمي. هو ميقصدش. انهارده بس مكنش أحسن حاجة. حاسس إن هيثم مش هيرجع تاني.
نظر له إسلام: سيبنا لوحدنا. أومأ له وذهب. نظر منير لهيثم. راح ناحية الكمود. خد كوباية ميه ودفعها في وجهه. ليشهق هيثم من ما فعله: راجعلي وش الليل وسكران. مش هتبطل القرف ده بقى وترجع لنفسك. لا يرد هيثم عليه. قال: اخرج. عايز أنام. لسه عيناه. مسكه منير، وقال بحده: لما أكلمك، ترد عليا. مستخسر النوم فيا. نظر له منير من نبرته
الضعيفة وصوته المبحوح: هصحى علطول. نكمل كلامنا وتقول اللي عايزه. بس سيبني. مش قادر على الوجع اللي حاسس بيه. عايز أنام. تركه منير وهو يرى حالته وانكساره. هذا قال: شربت ليه؟ عايز أنساها. تنسي مين؟ لسا ما اتخكتش. هتفضل موهوم بـ أفنان. نطق اسمها وكأنه يخرجه من قلبه المنفطر. طالعه منير، قال: أفنان... مش كانت معاك؟ نفى برأسه، وقال: معدتش عايزاني. سابتني زي ما سبتها. انت السبب في اللي فيه، والبنت معاها حق.
لم يرد هيثم. والندم يأكله. قال منير: حبيتها؟ يمكن هي الوحيدة اللي قررت أتعالج عشانها. أتعالج من اضطرابي وأنا صغير، ومرضي وأنا كبير. عايز أكون سوي نفسياً عشان ما أذيتهاش. بس... بس أنا أذيتها أوي. دمعت عينه، وقال بحزن شديد: أنا خسرتها. هي فعلاً أكبر خسارة بالنسبالي. لم يرد منير. كان يطالعه فقط ولا يملك كلمات تواسيه. مدد هيثم وهو يعود لنومته ويغفو. ويقول: يمكن لسه مش متأكدة من حبي. بس أنا... حبيتها.
كان يلهث من ثقل رأسه. خرج منير وسابه نايم. قابل والدته. قالت: مش عارف تواسي ابنك؟ هو السبب في اللي هو فيه. وندَم. متعرفيش أسباب أفنان. بس أنا عارفها، وعارف إني غلطت لما جوزتهاله. افتكرت إنه هيحبها، هيعملها حلو، ويخليها تحبه. اتضح إن البنت هي اللي حبته. وحاولت معاه، وهو كان بيعاملها زفت. رغم إنه بيحبها، بس كان بيخبي حبه بسبب خوفه. اديك قلت بيحبها. يعني ماكنش بإيده. كان خايف يحصل فيه نفس اللي حصل قبل كده.
صوابعك إيدك مش زي بعضها. وأفنان مش زي هايدي. يمكن مش زيها. بس هي مش سهلة زي ما باين عليها. وده اللي بقوله. يعني إيه؟ لو هي شايلة الكره فعلاً جواها لهيثم، يبقى بمجرد ما تعرف أنا مين، وتدور على حقها. ويخوفني إن هيثم اللي عامل كده عشان أحميه. انت اللي حبيتها مننا وعلينا. بدام العداوة هتحصل، هتحصل. حاول تغيرها عشان ما يبقوش هما اللي بيتحاسبوا على الماضي بسببك يا منير. هتكون أذية اتنين مالهمش ذنب، زي ما ظلمت غيرك كتير.
مرت أيام. كانت أفنان ملتزمة وحدتها. وفي الليل كانت لسه صاحية. رن الجرس. راحت تفتح، وجدته هيثم. نظرت له. كان متعرق، مرهق، يلهث. قرب منها وارتمى عليها. أمسكته. شمت ريحة الخمر تفوح منه: شربت تاني؟ رجعته بسببك. نظرت له ليدفن وجه في عنقها بتخدّر، ويقول بصوت مبحوح: أنا تعبان أوي يا أفنان. صمتت وهي تشعر به، وتظهر اللامبالاة. مش قادر أنساكي، ولا عارف أتخطى بعدك عني. قولولي أعمل إيه. بهرب منك لنوم. بتجيلي في أحلامي.
دمعت عيناها من كلماته وصوته، الذي أول مرة تشعر بضعفه. قلت أوريكِ حالتي، يمكن أشفي نارك مني. استعادت رباط جاشها، وقالت: هيثم... أنا تعبت. تعبت يا أفنان. صمتت حين قال ذلك، وهو يرمي حمل جسده عليها، قريب منها، وتشعر بأنفاسه الساخنة تصطدم في بشرتها. أفنان مين؟ قالت ذلك وهي تخرج. نظرت لهيثم السكران، ولأفنان. تفاجأت. قالت: ماله؟ نظرت لها أفنان، قالت: ممكن أدخله ينام جوه لحد ما يفوق. لو مشي دلوقتي بحالته دي غلط.
أه، عادي. بس انتي هتنامي فين؟ هقعد عقبال ما يصحى. أسندته. نظرت لها ملك. ثم ذهبت وهي قلقة أن يعلم أخاها، فيبغضها لأنها وافقت. فإن علم أن هيثم معها الآن، سيحزن كثيراً. أدخلت أفنان أوضتها، نيمت هيثم. قلعت له الجزمة، ورفعت الغطاء عليه، وجدتها يمسك يدها ويقول: نامي جنبي. نظرت له. وكان يلهث. ليردف: مش هقربلك ولا المسك، بس احضنيني لمرة واحدة. كان يترجاها بكلماته. صمتت أفنان. وضعت يدها على يده، وهي تبعده، وتقول: نام دلوقتي.
رفعت الغطاء ليخلد للنوم. رغم إنه كان سكران، لكنه يدرك ما حدث. يدرك أنها لأول مرة كسرت قلبه. بل فتكت به. لقد حرمته من حضنها، الذي لطالما يلجأ إليه لمنفعته الشخصية، حتى لا يبكي في منامه كالأطفال. حتى حين كان يتشاجر ويقسو عليها، حتى حين يحزنها ولا يبالي بحزنها، لم تكن تبعده عنها. بل تضعه يضمها برحاب صدر، ولا تمانع. تشعره بحنانها، وتتجاهل حزنها. لكن الآن...
الآن نفرته منها. رغم أنه تعهد لها أنه لن يمسها، لكت لتحضنه لدقيقة. دقيقة فقط يخلد بها للنوم. لكنها لأول مرة تحرمه من حضنها. ليدرك أنه خسرها بالفعل.
فضلت أفنان جالسة طوال الليل تنظر له وهو نائم، وتتذكر كلماته، وكيف جاء إليها وكأنه هرب من هذه الدنيا ليلجأ إليها. طلع الصباح عليها بلا نوم، حتى استيقظ هو. فتح عينه وهو يفيق، نظر للغرفة، وأين هو. حتى رأى أفنان واقفة عند النافذة. لم يصدق أنها أول من يفتح عينيه عليها. هل يحلم؟ نظرت له، وقالت: صحيت. اعتدل في جلسته، حس بوجع في دماغه، فعرف أنه مش حلم. وافتكر جه هنا إزاي. قال هيثم: منمتيش من امبارح.
هنام إزاي معايا واحد غريب في الأوضة. ثم إني كان لازم أقعد جنبك عشان ملك. مكنتيش تدخليني، مدام خايفة مني. الإنسانية مش بالخوف. معرفتش أسيبك تروح وانت كده. إزاي. بس بما إنك فقت، تقدر تمشي. ويا ريت متخلينيش أشوف حالتك دي تاني. هو ده اللي إنتي عايزاه. نظرت له من ما قاله. وقف، وقال: ردي يا أفنان. إحنا انتهينا بالنسبالك. آه. مش عايزة كلام ما بينا تاني بأي شكل. صمت هيثم قليلاً،
ثم قال بكل هدوء وكسرة: حاضر. اللي إنتي عايزاه هيحصل. نظرت له من موافقته على كلامها. أظهرت اللامبالاة. ذهب وخرج مكسوراً. كانت ملك سمعت حديثهم. رأت هيثم وهو يخرج. دخلت لأفنان، وقالت: لي قولتي له كده؟ إنتي بذات نفسك اللي كنتي خايفة عليه. اللي بتعشميه وتكسريه. سالت دمعة من عيناها. استغربت ملك. لتجظها تتخور قواها، لتجلس وتبكي، وتقول: سيبيني لوحدي يا ملك. مدام بتحبيه، لى بتعاندي؟ لأنه محبنيش. بعد ده كله محبكيش؟
آه محبنيش. حب هيثم مش ده. وأنا مش عايزة علاقة سامة تأذيني أكتر من كده. مش عايزة أكرهه. قالت ذلك ببكاء. نظرت لها ملك بحزن، ولا تعلم ما تقوله لها. عند هايدي، كانت جالسة، ومنير معها. قال: آيسل بتسأل عليكي بشكل يومي. هي كويسة. مرديتش غير ما قولتلها إني هرجع. نظر له هايدي، فأومأ،
وهو يقول: تقدرِ ترجعي. هي محتاجاكي في سنها. خصوصاً لما عرفت اللي عملتيه، وإنك السبب في إن هيثم يعرف الحقيقة ويدور ورا براءة أفنان. إسلام قالي على اللي عملتوه. ولما حسام كان معاكو لحد دلوقتي، ما فهمتش وافق يساعدكوا ليه. عشان إسلام. أومأ بتفهم. قال: على كل. جيت أقولك إنك تقدري تعيشي في القصر في الحتتين. هيثم رجع بيته. مش هعرف أرجع. خلي آيسل معاك. نظرت له،
وأردفت: حسام طلبني في بيت الطاعة. ولازم أرجع البيت. وأنا مش عايزها معايا. الله أعلم ممكن يسمعها إيه. أنا عايزها تطلع سوية نفسية، مش زيه. مش عايزة علاقة أبوها وأمها تأثر على حياتها. لم يفهم ما تقوله. قال: بدام حسام عايزك، سبتي البيت ليه؟ خاني. بصلها بشدة. تنهدت، وقالت: حسام كان بيخوني. كنت ببقى عارفة وساكتة. وأي اللي اتغير؟ أنا مبقتش قادرة أستحمل ده، وأنا مباخدش تقدير منه. يبقى بلاها أحسن.
لم يتكلم. ذهب دون أن ينطق ببند كلمة. وكأن علاقتهم كانت مفككة في البداية، لأنها بنيت على حزن وحطام هيثم. وكان حقه يرد إليه من زمن، لكنه لم يكن يراه. لكن حقاً، لم يعد يعلم أي منهم المخطئ. هل ابنه أم هي، الذي يضع الجريمة عليها، وأنها أوقعت أبنائه وجعلتهم أعداء. لكن لو رأى الحقيقة، سيرى أن ابنه لم يكن صغيراً، بل هو المخطط، وأنها نفذت. لم يعد يعلم هل حسام المخطئ أم هي.
في الشركة، كانت ريم جالسة بمفردها. سمعت صوت. بصت. لقت إسلام. اتفاجأت، وقالت: إسلام، بتعمل إيه هنا؟ هيثم اعتنى للفرع تاني. أمسكه، وعشان أعرفك الدنيا هنا. هيثم. قالتها بحزن. نظر لها. قالت: مقالكش حاجة عني؟ حاجة زي إيه؟ لسه مش طايقني مثلاً. نظر لها. صمت. وقالت: بس مش غريبة إنك إنت اللي هتكون معايا بعد اللي سببتهولك. يلاقي. قال ذلك وهو يذهب. نظرت تنهدت، وذهبت. في العيادة، دخل هيثم. نظر له الطبيب،
قال: هيثم، افتكرتك مش هتيجي تاني. حصلي ظروف. امم. كلنا مقدرين لده. وهى الظروف دي مش كده. أومأ هيثم إيجاباً. نظر إلى الكرسي، قال: عايز أقعد هنا المرة دي. اتفضل. ذهب هيثم ليمدد عليه، وهو يرخي جسده من همومه وحزنه، وينظر للسقف باسترخاء. مكنتش ظروف. أنا اللي يأست من فكرة علاجي، لما ملقتهاش عايزاني. رد بهدوء، وكأنه كان يعلم أنه يكذب: وأي اللي جابك، بدام كنت جاي على رغبتها؟
لأني مش عايز أكون كده. أنا ما أحببتش نفسي إلا بيها، وكرهتها بسببها. واستسلمت بدري. ليصله هيثم باستغراب. وقف قرب، وقعد جنبه، قال: مدام كنت موقف علاج، معناته إنك استسلمت بسببها، لما حسيت إنها مش هترجع. لما تلاقيك بتتعالج، مش كده؟ بس وجودي أكبر دليل إني لسه بكمل محاولاتي. معاها ولا في علاجك؟ معرفش. لازم تعرف إنت عايز إيه. حياتك تستقر، ولا تكون معاك. الاتنين.
يبقى تواكب عليهم. تخلي عقلك يتحكم في نمطك، زي ما إنت عايز، مش يحركك زي ما هو عايز. نظر له هيثم، ليردف: مشكلتك إنك أقنعت نفسك إن العقل صح، والقلب خطأ. بس العقل أوقات كتير بيغلط. شخصياتك المتعددة هي بسبب تحكماته. خفت يتكرر الماضي. بس انت كررته فيها. لما قسيت قلبك لمجرد خوف. عارف أوقات كتير القلب بيغلط لمجرد مشاعر عاطفية، والعقل بيغلط لتفكيره الحاد الزائد. الهم إنك تعرف تتحكم في الاتنين. تتحكم بعقلك مع مين.
وأشار على قلبه، وهو يكمل: وقلبك تستخدمه لمين؟ مرت أيام. كان إسلام في عمله مع فنجان قهوته. مر من مكتب ريم، لقاها قاعدة لوحدها، رغم إن ده وقت الغداء. مهتمش ومشي. بس وقف، بص لها. تنهد بضيق، ودخل إليها: قاعدة لوحدك. لئن. نظرت له من وجوده. قالوا: عادي. حاسة إني بقيت منبوذة من الكل، سواء العيلة أو الشغل. عرف ما تقصده. قرب، قعد معاها، قال: مش عيب إنك تعرفي بغلطك. العيب إنك تستمرى فيه.
أنا معترفة إني غلطت. بس حاسة إني اتأخرت. أفنان اتأذت، وهيثم اتأذى معاها. بعدتهم عن بعض، وعرفت حجم غلطي. نظرت له، قالت: تعرف حاسة بالذنب ليه؟ بسببها هي. يوم أما زقيتها من على السلم. افاقت من اللي قالته. نظرت له وهو يطالعها بشدة. قالت بحرج: آه، أنا اللي زقيت أفنان لما استفزتني. وحشة، مش كده؟ كملي.
كدبت علي هيثم وعليهم كلهم. قالت إنها حاولت أساعدها، وأنا السبب في وجعها يومها ولحد النهارده. بس عرفت قد إيه هي إنسانة طيبة، وإن ربنا بعتها لهيثم، وإنها اللي تستاهله، وهو اللي يستاهلها. يوم أما شفناه بيضحك، كان بسببها. علاقتهم غريبة، بس دافية. بس تدمرت بسببنا. هما مالهمش ذنب. نظرت إلى إسلام، وقالت: وإنت أول واحد أنا حاسة بالذنب ناحيته. وعمتي لحد النهارده زعلانة مني. بعدتك عنها وعن غيرتك، و خليتك خاين. مش انتي كان لؤي؟
بس أنا كدبت، وقلت إنه جه عشان الفيزا. ممكن لو قلت معرفش، أو نكرت، ما كانش كان حصل اللي حصل. خفضت رأسها بحزن، وقالت: أنا آسفة. أفنان أثرت عليكوا كلكوا. وقال إسلام ذلك بابتسامة. نظرت له، قال: إنتي وجنى وهيثم. ولؤي. قالت بدهشة: لؤي؟ آه. من اللي حصل، وكلامه بيدل على إنه بقى واحد تاني بسببها. للأوحش. حبها وفي نفس الوقت أذاها جامد، واستمر في أذيتها. صمت وهو يأومأ بخيبة. نظر لها، قال: متحسيش إنك منبوذة، لأنك مش كده.
نظرت إليه. ليكمل: لو غلطتي، صلحى غلطك. اعملي صفحة جديدة، وأثبتي إنك اتغيرتي للكل. إنت اللي بتقول كده. يعني مش زعلان؟ صمت قليلاً من ما حدث في الفترة. نظر لها، والحزن الذي سيبدو عليها. نفى برأسه. فاندهشت كثيراً. وقف وذهب، وهي تطالعه. كان هيثم في الشركة مع المحامي: خير يا هيثم بيه. عايزك تراجع حسابات البنك، عشان داخل صفقة، وتصديرها هيدخل عن طريقها. صمت المحامي، وكان هيثم رضي الورق. نظر له وصمته: في إيه؟ أصل...
أصل يعني، منير بيه يعرف حاجة. مش فاهم. هو لازم أقوله؟ أصل في اسم إضافي جديد من ملكية. اسم إيه؟ ما تتكلم. كنت بحسب حضرتك عارف، بس منير بيه كاتب ربع من الثروة لطليقته. اتصدم هيثم من ما يقوله: أفنان؟ أيوه. لو عايز الوثائق، أجيبهم من المكتب لحضرتك. لا، امشي إنت. أومأ له. حد حقيبته العملية وذهب. وكان هيثم لا يستوعب ما سمعه. مشي وراح القصر. دخل وهو يبحث عنه، لكن لم يجده. علم أنه في غرفته. ذهب إليه، وجده جالس:
قال: داخل كده ليه؟ كلام اللي أنا سمعته ده صح. كلام إيه؟ إنت كتبت لأفنان ربع ثروتك. صمت منير قليلاً، قال: مين اللي قالك؟ مش مهم مين اللي قال لي. صح ولا غلط؟ صح. لي؟ أي علاقتك بيها اللي تخليك تكتب لها وتحرص عليها أوي كده؟ ده حقها. قال منير ذلك بانفعال. نظر له هيثم باستغراب: حقها إزاي؟ أيوه حقها. أنا ما كتبتِش حاجة من نفسي. دي فلوسها وبترجع لها. إنت هتناقشني أتصرف في فلوسي إزاي؟
أنا عايزك تفهمني اللي بيحصل. فلوسك وأنت حر. بس أفنان لا. هي دي اللي تهمني. وعايز أعرف دلوقتي هي مين بالظبط. صمت منير بضيق. ليقول: مش وقته. لا، وقته. مش هفضل غبي ومش عارف حقيقتها واللي مخبيه عني. التف منير ليذهب. نتش هيثم منا الكتاب اللي دايماً ماسكه في إيده: هات الكتاب يا هيثم. مش قبل أما أعرف كل حاجة. ما فيش حاجة تعرفها. لا، فيه. وفيه كتير كمان. إنت مليان أسرار. أفنان ذنب. صمت هيثم من ما قاله والده. أخذ منير الكتاب،
وقرأ: من ضمن ذنوبي اللي بكفر عنها. لما ترجعها ليك، ابقى أقولك كل حاجة. بس حالياً، كل اللي أقدر أقولهولك إنك إنت اللي هتتحمل عواقبك، لأني كنت بحاول أحميك، لا تتحاسب عليها. بس إنت كمان... إنت كمان ظلمتها زي ما أنا ظلمتها من عشرين سنة. تقصد إيه إنك ظلمتها؟ لم يرد منير. ليهتف هيثم بانفعال: تقصد إيه إني أتحمل عواقب؟ أنا عملت إيه؟ عملت اللي ماكنش لازم بتعمل. رجع أفنان ليك يا هيثم.
ذهب وتركه في عقله الذي يضج بالأفكار. أنه تهرب منه مجدداً. ثانياً وثالثاً، لا يزال لا يريد أن يخبره. إنت تعرف عيلتها؟ قال ذلك وهو يوقفه. فتوقف منير، وقال: أعرفهم. اتصدم هيثم: ده معناته إنك كنت عارف إن أمها مش والدتها الحقيقة. أه. مين أهلها؟ لي سيبنها؟ وفين هما؟ متوفين. نظر له هيثم بشدة، قال: تعرفهم منين؟ أبوها... كان صاحبي. تعجب هيثم من نبرته. لسا هيتكلم. ذهب منير كي لا يكمل. كانت أفنان جالسة في البلكونة.
سمعت صوت ملك تناديها: في حد عايزك. مين؟ تعالي بس. راحت معاه. واتفاجأت لما لقت عمر. قالت: عمر. ابتسم لها. قربت منه، وقالت: إنت جيت هنا إزاي؟ أشار خلفه. نظرت، وجدت طارق. ابتسم إليها. قال: مش وقت تفاجأ. قال عمر: يلا عشان نمشي. نمشي على فين؟ هقولك في الطريق. استغربت. نظر. أمسك. مسك عمر إيدها، وأشار لها أن تنزل لمستواه. نزلت. فخرج قماش ولفها حوالين عينه: عمر، إنت بتعمل إيه؟ متشيلهاش. اتفقنا. طب بتحطها ليه؟
عشان متشليش. اعتبرينا بنلعب استغمايه. ماشية. استغربت، لكن ابتسمت وأومأت له. مسك إيدها، بعد أما ربطها، وقال: يلا. قالت ملك: استنى أتأكد إنها مش شايفة. قالت أفنان: عيني بتوجعني. قال طارق: معلش. ملك لازم تتفزلك. آه. ابتسموا عليها، ثم دعتهم يذهبون. وكان عمر يرشدها، وطارق وملك ينظرون إليهم. نظرت إلى أخيها، قالت: كان لازم تعمل كده. مدام صديقها، فالصديق بيساعد صديقه.
مش على حسابك. لي معترفتلهاش بمشاعرك وطلبت إيدها، وكان قدامك الفرصة؟ خفت أخسرها كصاحبة، وتعتبر مساعدتي ليها عشان غرضي. بس إنتي كان معاكي حق. ف إيه؟ هي فعلاً بتحبه. قالت أفنان: عمر، إنت واخدني فين؟ ادخلي. ادخلي إيه؟ كانت هتتكلم. حسست ساعدها في الانحناء، ودخلت. سمعت صوت محرك. عرفت إنها في سيارة. قالت: عمر. أنا معاكي. مين اللي بيسوق؟ سواق. سواق مين؟ جت تشيل القماشة. منعها عمر، وقال: لا، إحنا متفقين. بس. إنتي مبتثقيش فيا.
طب إحنا رايحين فين؟ هتعرفي. صمتت، فابتسمت. وظلت صامتة كوال الطريق، تتساءل أين ذهبوا. جدت السيارة توقفت. الباب يفتح، وتنزل. شعرت بريح قوية، ولا يوجد صوت، وكأنها في أرض خالية، لا يوجد سواها. عمر، إحنا فين؟ لم تجد رداً. استغربت. قالت: عمر. تحسست بجانبها. لم تجد أحد. التفتت حول نفسها، وكأنها بمفردها. انصدمت. مسكت القماشة سريعاً. ولسا هتفكها، وجدت من يمسك يدها يمنعها. عمر... كنت فين؟
لم يرد. استغربت. وجدته ينزل بيده إلى وجهها. بس حين شعرت بتلك اليد، كانت خشنة، قاسية. لتنتفض، وابتعدت على الفور، وقالت بخوف: إنت مين؟ وأنا فين؟ جت تشيل القماشة وتجري. مسكها، فصرخت بارتعاب. لكنه وضع يده على فمها: ششش. كتم صرخاتها وهمس لها بذلك بتحذير. أومأت برأسها بخوف. فهل هناك من سيقتلها مرة أخرى؟ هل اختطف عمر؟ أم هي من اختطفت.
بعد يده من على بقها. وكان صدرها يعلو ويهبط. وجدته يقرب إصبعه من شفتاها، فارتجفت. شعرت به يقترب منها، وكانت خائفة، لا تستطيع التحرك، خوفاً من ما سيحدث لها. لكن دقات قلبها تكاد تقف من الرعب، وما يحدث. ا... إنت مين؟ عايز مني إيه؟ لم تجد رداً. لكن انصدمت حين شعرت به يقبل شفتاها. ارتعتشت، وهي تشعر بالازدراء. بس لوهلة لم تبتعد. حين استنشقت رائحة العطر جيداً، اتصدمت. مهلاً... هذا العطر... إنها تعلم صاحبه.
دفعته بقوة بعيداً عنها، وصفعته بكل قوتها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!