فتحت أفنان عينها بصت حواليها بإرهاق لتجد نفسها داخل بيت كبير فاخر. استغربت، افتكرت اللي حصلها فخافت كثيرًا. جت تتحرك لقت إنها مربوطة، حاولت تحرك إيدها معرفتش. "وقتك جه يا أفنان." سمعت ذلك الصوت والأقدام تقترب منها. رفعت عينيها لذلك الشخص اللي واقف قدامها ليرتجف بؤبؤ عينيها من الخوف. "انت." كان تيسير، تذكرته فهي لن تنسى وجهه اللي تعرى جسدها أمامه وتهجم عليها. "جايبني هنا ليه؟ أنا فين؟
"أنتي في المكان اللي لازم تكوني فيه من زمان." استغربت، تقدم منها فخافت. قالت: "عايز مني إيه؟ "متخافيش، أنا آخر واحد ممكن تخافي منه." بصتله باستغراب من نبرته. قالت: "بعتلي رجالة وخطفتني وعايزني مخافش؟ "كانت الطريقة الوحيدة إني أجيبك لهنا. مقابلتنا آخر مرة مكنتش أحسن حاجة ومكنتيش هتديني فرصة إني أتكلم معاكي، بس شكل الرجالة فهموا غلطوا وتقالوا عليكي."
قرب منها. بصتله وجدته ينحني ويفك الأحبال حول يدها بهدوء، عكس المرة الفائتة حين رأته. ابتعد عنها حين انتهى. أمسكت أفنان يدها تتحسسها. "قدامك الباب، عايزة تمشي امشي. ولو قادرة تسمعي اللي هقولهولك اقعدي." وقفت، نظرت له والباب. فهي لا تعلم من هو وأين تثق به. بالطبع ستذهب. التفت لتغادر من هنا سريعًا. "إياكي ترجعيله يا أفنان." توقفت قدماها. نظرت له واردف: "رجوعك لبيت عدوك، فأنتي بتعلني عدوتك معايا." "عدوك؟
"هيثم منير زهران، اللي سبب سعادتك دلوقتي هو اللي خد حياتك منك." استغربت كثيرًا. لتجده يسير تجاهها وهو يقول: "قعدتك في بيت أعدائك، عشتي معاهم وبقيتي منهم. والمفروض تكوني تفكري تاخدي حقك إزاي." عادت خطوة للوراء ليف أمامها ويردف: "حقك وحق أبوكي وأمك." حين سمعت ذلك تبدلت ملامحها. بصتله بشدة ليكمل: "خدك منير وجوزك لابنه عشان تفضلي جاهلة، مش عارفة انتي مين ومع مين. وهمك بعيلته لأنك أكبر خطر عليه." "انت بتقول إيه؟
مش فاهمة حاجة. انت تعرفني؟ "أعرف كل حاجة عنك يا أفنان، من يوم ما اتولدتي." "يبقى أكيد عارف أنا مين صح؟ ليرد بكل ثبات: "أفنان كامل مصطفى الفردواني." تفاجأت كثيرًا من ذلك الاسم. اقترب منها وقال: "كامل، يبقى أبوكي البيولوجي." دمعت عينها لفرط صدمتها. لقد عرفت والدها. قالت بصوت ضعيف: "هو فين؟ رفعت وجهها وكملت بضيق: "رموني ليه؟ اتخلى عني وأنا لسه طفلة ليه؟ ليه سابوني للدنيا دي لوحدي؟
"مسبوكيش يا أفنان ولا اتخلوا عنك. كان مناهم يعيشوا معاكي. كنتي أول فرحة دخلت قلوبهم، بس القدر فرقكم بمجرد دخول منير حياتهم وقلبهم لجحيم." "منير؟!! "آه منير. حميكي العزيز هو السبب في اللي انتي فيه النهارده يا أفنان، إنك لوحدك وعشتي السنين دي كلها مع أغراب وشايفة السواد والشقى. العنف والقسوة. مش دي كانت حياتك؟ ضاقت ملامحها وهي تتذكر حياتها. حزنت وقالت: "أنا مش فاهمة حاجة، انت بتقول إيه وعايز مني إيه؟
"هتفهمي كل حاجة. جه وقت إنك تعرفي الحقيقة." ذهب. نظرت له. توقف ونظر لها بمعنى أن تتبعه. ذهبت خلفه وهي تنظر للبيت والأثاث وللممر اللي يسيرون فيه. في القصر، قال هيثم: "فين أفنان؟ مش كانت معاكي؟ كانت تاخذ أنفاسها بصعوبة. قال إسلام: "استني يا هيثم. اللي حصل يا جنى." استعادت رباط جأشها. قالت: "أفنان." قلق هيثم كثيرًا. قال بانفعال: "ما تقولي أفنان مالها." "أفنان اتخطفت." تصدم هيثم وتسمر في مكانه. نظر لها الجميع بصدمة.
"اللي حصل؟ "كنا خارجين من المول، طلعوا علينا رجالة شكلهم غريب. ضربوا السواق ولما جينا نهرب، رشوا حاجة خلتنا نفقد الوعي. ولما السواق فاقني، لقيتني في مكاني بس أفنان مكنتش معايا. جيت على هنا على طول." قال منير بصدمة: "أفنان المقصودة؟ ركض هيثم سريعًا للخارج دون أن يسمع أحد. نظروا إليه. لحق به إسلام وحمزة.
دخل إلى غرفة. تبعته أفنان وتفاجأت حين وجدت كثير من الأغراض، سرير قديم ودولاب. نظرت حولها وكان دقات قلبها تتعالى من شكل الغرفة وكأن قلبها مقبوض. لم تكن تفهم. وقف تيسير عند المنضدة ولف برواز صورة ثم ابتعد. بصتله أفنان فرأت الصورة. وجدت رجل وامرأة في العشرينات يحملان طفلاً رضيعًا. اقتربت وهي تتخطاه. أمسكت البرواز وشافت الصورة.
ذلك الرجل كان عينيه بنيتان وملامحه هادئة، وامرأته ملامحه الرقيقة والبسمة التي ترسم على شفتاهم وهم ينظرون إلى الطفلة التي تحملها على ذراعيها. "حلوين مش كده؟ السعادة باينة عليهم." قالها تيسير ساخرًا. لفت أفنان. قالت: "مين دول؟ "عيلتك يا أفنان. أول صورة، خديها معاكي." نظر لها واردف بخيبة: "وكانت آخر صورة." نظرت أفنان إلى الصورة بشدة. هل هؤلاء والديها؟ وإن كانوا سعداء، فلماذا تركوها لهذه الدنيا بمفردها تنهش الذئاب بها.
"هما فين؟ "معدوش معانا هنا على نفس الأرض دي." بصتله بشدة مما يقول. أومأ لها بأسف. فشعرت بالحزن. هل ظلمتهم أنهم ليسوا على قيد الحياة؟ دمعت عينها. فقد تمنت أن تراهم. تمنت أن تشعر بحنان أم حقيقية لمرة واحدة. حتى إن كانت تخلت عنها، تريد أن تشعر أن لديها والدين. عادت ونظرت لهم. قال تيسير: "أبوكي كان رجل أعمال. مكنش في العالي بس أقدر أقولك إنه كان أحسن من ناس كتير. كل حاجة كانت كويسة، حياة مثالية، سعادة، فرحة...
لحد أما تعرف هو على منير زهران." ثانيًا، لقد ذكر لقب منير زهران ثانيًا بذلك الحنق والكره. بصتله باهتمام. قال: "جمعه مع أبوكي مجرد شغل. بس هو كانت نواياه أعمق من كده بكتير. دخل مع أبوكي بقوا صحاب. قرب منه عشان يأمن له وكبروا فلوسهم والأرباح بتعلى." خفض رأسه وأكمل: "لحد أما جه وطلب إنه يدخل شراكة في المصنع بتاعه وعنده أفكار في تطويره. وافق كمال." جمع قبضته وقال بضيق:
"رغم إني منعته يعمل كده، بس هو مسمعليش. محدش بنصيحتي وآمن له. مكنش شايف منه خطر. ظن إن الأرباح هتجيله زي كل مرة وهما الاتنين هينتفعوا، مكنش يعرف إن اللي بينتفع هو منير وهو اللي بيكبر وبيستغله ويستغل اسمه في السوق ويترفع معاه." بصتله أفنان من صمته. وقالت: "بس إيه؟
"صدر شحنة كبيرة غرقت في البحر. والصدمة إنها كانت باسم كمال. وهنا ظهر وش منير الحقيقي. بأنه ملوش دخل، رغم إن الاتفاقية بتكون على الطرفين. والتاني عرف بحجم الشحنة وقاله عادي وطمنه إنها هتوصل لأنه كان حاطط إيده في ميا باردة. كل اللي همه فلوسه وشغله. فبالتالي كمال تحمل كل الخساير." تنهد وقال بحسرة:
"اللي مكنتش سهلة. خساير تعدي الملايين. كانت تتعدى ثروته. حتى أسهم الشركة لسبب ما وقعت. حجزت الحكومة على شركته. وصلت بيه إنه أعلن إفلاسه." "اتصدمت أفنان وهي تسمع ذلك." قال: "اضطر إنه يلجأ لمنير ممكن يساعده يعلي اسمه زي ما هو علاه. بس ميعرفش إن منير كان ليه كلام تاني. مش بس استغله، لا ده كان ليه هدف من ورا كمال وهو المصنع. كانت الحاجة الوحيدة اللي باقيه له ومتحجزش عليها لأنه كان باسم ليلى." "مين ليلى؟ "والدتك."
قال منير: "لو كان بايدي حاجة كنت عملتها." قالها بلا مبالاة. قرب منه كامل وقال: "منير، احنا كان بينا عيش وملح. أنا كده هتسجن. ساعدني." لم يكن يبالي. بينما كامل يرجوه، إلى أن قال: "هساعدك." انفرجت أساريره وقال: "بجد؟ "هشترى المصنع منك." "المصنع؟ "آه بفلوس تقدر تحل ديونك وهديك سعره بالضبط عشان حاجتك للفلوس وأزمتك ومش هستغلك. يعني انت أيًا كان كنت صاحبي وشريكي." "بس... المصنع."
"ده اللي عندي يا كمال. أنا كده عداني العيب." وذهب بتعالي وهو يتركه في مصيبته يحمل هم الدنيا بأكملها. روح بيته. دخل إلى غرفة وكانت ليلى تحمل طفلتها. نظرت له. قالت: "عملت إيه؟ كان باين عليه غلب الهم والحزن. وضعت طفلتها جانبًا. اقترب منها وجلس على ركبتيه وهو يرمي برأسه على حجريها. "أنا آسف يا ليلى.. ضيعتنا من غبائي." "إيه اللي حصل؟ موصلتش لحل؟
"كل الحيطان في وشي. حتى منير مفهوش إنه يساعدني غير ببيع المصنع. وده الحل الوحيد." صمتت. أمسك يدها. رفع رأسه ونظر لها. قال: "مش هجبرك تتنازلي عنه." "بيعه. أنا ميفرقش معايا حاجة غير إنك تكون بخير وجنبي. إحنا ملناش غيرك." قبل يدها وهو يخفض عينه بحزن. ينظر لطفلته ويتأسف لها. "اشتغلت عشان أخليها تعيش أحسن عيشة." "ربنا هيفرجها وترجع أحسن من الأول." "تفتكري؟ "إن شاء الله. قول يا رب." تأوه بتعب وهو يقول من قلبه بوجع: "يارب."
سالت دمعة من عين أفنان وعيناها معلقة على صورتهم. قالت بصوت ضعيف يجهش: "وباعه؟ "لشخص الغلط." "بعدين؟ "بعدين أبوكي مات بحسرته." بصتله بشدة. أومأ. وقال: "باع المصنع. وكانت دي آخر ليلة ليه. لما منير بعتله رجالة يسرقوه." كانوا جالسين. مضى كمال على أوراق البيع. أتم المحامي العقد. أخذه منير ونظر إليه. ابتسم وقال: "اتفضل يا كمال. الفلوس اللي اتفقنا عليها."
خد الشنطة وأومأ له دون أن ينطق ببند كلمة. ذهب وهو يدعو ربه أن تكون بداية مباشرة. رن تلفونه. رد: "عملت إيه يا كمال؟ "بعت والفلوس معايا." "الحمد لله. قدامك كتير." "هركب وجاي." ركب سيارة أجرة. بس العربية وقفت. بص للسائق قال: "في حاجة؟ "معرفش. هنزل أشوف." نزل السائق. بصله كمال. سمع صوت ضجيج. قلق كثيرًا. أمسك الحقيبة بشدة. فتح الباب وجد رجل يرفع عليه سلاحًا ويخرجه بقوة. "عايزين إيه؟ "هات الشنطة."
صمت. وجدهم يصوبون على السائق اللي كان مرتجفًا من الخوف. "هتجيب ولا أخلص عليه؟ "لا خد." أداهم الشنطة ويده ترتجف. معهم. خدها منه بقوة. ركبوا ومشوا. جلس كمال على قدميه بصدمة. نظر إلى يده الخالية. كانت ليلى منتظرة عودته. وجدته يدخل المنزل. قالت: "اتأخرت ليه؟ مردش عليها. وامضى في طريقه وهو في صمته المهيب ووجهه اللي لا يبشر خير. تبعته إلى غرفته. دخلت. قالت: "كمال مبتردش ليه؟ فين الشنطة؟ "مش معايا." "امال مع مين؟
"اتسرقت يا ليلى." قالها بوجه خالٍ من التعبيرات. نظرت له. التفت وقال بانفعال: "اتسرقت؟ آخر أمل لينا ضاع." وقعت جملته عليها بصدمة. قعد وهو يمسك رأسه. الدموع تسيل من عينه بعجز ويقول: "طلع عليا حرامية خدوا كل اللي معايا. خدوا الفلوس والشنطة باللي فيها. انتهيت." دمعت عينها. قربت منه. قعدت على رجليها قدامه. وقالت: "طب اهدى. مش ذنبك." "كان لازم أمسك فيها بإيديا وسناني. سبتهم ياخدوها. وكانت فلوسك وفلوس بنتي. أنا ضعيف."
"كنت هتعمل إيه؟ كانوا ممكن يأذوك. الحمد لله إنك بخير. خلاص انسى." "انسى إيه؟ مش قادرة المصيبة اللي إحنا فيها. مش هنلاقي ناكل. بقيت على الحديدة وهتسجن. سمعتيني؟ حزنت كثيرًا من بكائه. قالت: "هتعمل إيه يعني؟ اللي حصل حصل. بلاش تحسس نفسك بالذنب. أنت بلغت مش كده؟ "بلغت بس قدامك فين؟ عقبال ما يلاقوهم ويعلم الفلوس هتكون معاهم ولا سفروها. كل حاجة خلصت."
ابتعد عنها وذهب وأخبرها أن تخرج وتتركه. رغم محاولاتها في مواساته، لكنه به حمل لا يعلمه أحد سوى ربه. اختناق وضيق في صدره من وضعه. خرجت. هي قلقة عليه. جلست مع ابنتها. حملتها لأنها كانت تبكي وحاولت تهدأتها. بكت واحتضنتها وهي تدعو لله أن يفرجها ويخرجهم من تلك المحنة. صعدت الشمس ولم يشهد ذلك اليوم نهار لهم. كانت ليلى لسه صاحية. راحت لكمال. وجدته نائم. "كمال." قربت منه. قعدت جنبه. قالت: "قوم. أنت مأكلتش من امبارح."
لم يرد عليها. وكان وجهه شاحب. ضوء الشمس يسقط على بشرته الذابلة. أمسكت يده تحاول إيقاظه. قالت: "كمال." شعرت ببرودة يده وكأن الدماء لا تسير في جسده. بصتله ونبض قلبها يرتفع تدريجيًا ولشكله. تركت يده. وجدتها تقع من يدها لتتسع حدقتا عيناها والدمعة تنسال بوجه خالٍ من التعبيرات. عجزت تعبير الصدمة.
كانت أفنان تطالعه بشدة بوجه متألم. تكتم دموعها والحزن يدب في قلبها. وكأنها ترى مشاهد أمام عينيها. أنها لم تعاني هي فقط. عانى والدها ومات منزوع القلب من شدة حزنه. "مات كمال من حسرته وعاشت ليلى ليكي... بس كانت جسد من غير روح." نظرت له ليكمل: "الحمل شالته على كتفها وهي بتحاول تتولى رعايتك، بس هي لوحدها مش كفاية. وفي يوم كنتي عيانة ومعاها فلوس لعلاجك وكنتي هتموتي. راحت لمنير واتوسلت ليه." "جاية لي؟
"أرجوك مش عشاني، على الأقل اعمل حساب لكمال وإن دي بنته." كان واقف ينظر لها وهي أمامه تحمل أفنان وترجوه. أشار لأحد الخادم. أخرج مالاً. قرب منها كأنها وحطهولها في إيدها. لتسمر ليلى وهي ترى ما وصلت إليه. نظرت لها إلهام وهي تحمل طفلها ذو سنتين حسام. قال منير: "تقدري تمشي." حست بالإهانة والكسرة والذل من ما وضعت نفسها فيه. قالت إلهام: "منير."
نظر لها بمعنى أن تصمت. وكانت تعبانة. قرب منها وخدها ومشي. وكانت إلهام عيناها معلقة على ليلى. التي قبضت على المال بشدة من أجل ابنتها فقط. لا تستطيع أن ترميه في وجهه. إنها تحتاجه. "مكنش لازم يثق فيك." توقف منير. نظر لها. رفعت وجهها وقالت: "الدنيا دوارة يا منير. وجشعك النهارده هيترد لك بكرة." نظرت إلى الولد الذي اقترب من إلهام. وكان هيثم وإلى طفلها الآخر. لتردف: "سواء في ولادك... أو في عيلتك...
حق كمال هيرجع لأن ربنا مبيسبش الظالم كتير." لم يكن منير مباليًا بدعوتها التي لم يحسب حساب أن الله سيستجيب لها حتمًا. مشيت وهي تقرب ابنتها منها بكسرة. لكن أسرعت فور خروجها وراحت جابت العلاج ليها. بس الصيدلي قالها: "دي سخنة مش هينفع معاها حقن." "اعمل إيه؟ "وديها على المستشفى. حالتها هتسوق." أومأت له وحملت صغيرتها وذهبت وهي تشعر بحرارة جسدها المرتفعة وقلقانة. وصلت ودخلوها الأطباء الأوضة.
كانت أفنان تكبح غصتها وتجمع قبضتها لتكبح دموعها. رغم أنها تسيل. والحنق يملأها. "بعدين؟ "حجزوكي هناك من حالتك. بس يومها حصلت حادثة في المستشفى. كان في معمل جنب الأوضة اللي انتي فيها حصل حريقة وصلتلك وانتي في الأوضة." بصتله بشدة. قالت: "حريقة؟ "آه." "استنى يا مدام." صرخت بجنون وهي تقول: "بنتي جوه."
نظروا لها وكيف نسوها. فللت يدها ودخلت لتسمع صوت بكاء. ركضت إليها وحملتها. لقت أن الحديد يأكل ملابس جنبها فخشيت عليها. حاولت تهدأها لكن شعرت بها تختنق. بصت حواليها من النار وازاي هتخرج. لقت علبة الإسعافات. خدت الشاش وغرقته بمياه. ولفته حواليها. "هتكوني كويسة يا حبيبتي. أمك هتخرجك من هنا." كانت خائفة لتتشوه وتوصلها النار. رغم أن القماش خفيف بس هيمنع شوية عنها.
مشيت عشان تخرج. بس لهيب من النار جه عليها فوقعت. لكن سمعت صراخ بنتها. ليست صرخات عادية. كان القماش يأكل من جنبها اللي ملابسها محترقة واحترق جلدها. حطت أفنان إيدها على جنبها مكان الحرق بصدمة. ثم نظرت سريعًا وقالت بقلق: "اللي حصل بعد كده؟
"خرجوكوا. بس ليلى حالتها كانت وحشة ودخلت العناية. وانتي المرض والحرق والدخان اللي اتنفستيه عمل لك مضاعفات في الرئتين وإن في صعوبة في التنفس. وفي يوم وليلة اختفيتي من المستشفى. أو تقدري تقولي إنك اتخطفتي." بصتله بصدمة. قرب منها وقال: "عايزة تعرفي مين اللي خطفك؟ الممرضة اللي مسؤولة عنك. وإلى مفهمالك إنها أمك." "مامتي؟! بص بوجه بغضب ويقول: "دي مش أمك. انتي مليكيش أم غير ليلى وأب غير كمال." مسكها من كتفها ونظر لها. قال:
"عايزة تعرفي عملت كده؟ منير زهران." بصتله ليردف: "خلاها تخطفك وانتي في حالتك دي عشان يعاقب ليلى على كلامها ويحرمها منك وتموت بحسرتها نفس موتة جوزها." دمعت عينها. قالت بصوت ضعيف: "ماتت؟ "آه ماتت في المستشفى وهي نفسها تشوفك. والحروب ملياها. ماتوا الاتنين بمعاناتهم بسبب منير اللي أنا عايش عشانه." نظرت له. بعدت يداه عنها وهي في صدمتها من الأحداث اللي عرفتها. قالت: "و... وانت تبقى مين؟ صمت. لتهتف به وتقول:
"اتكلمت عنهم وعني. مين انت؟ "عمك يا أفنان." نظرت له بشدة. ليكمل: "كمال يبقى أخويا." صدمات ورا صدمات تأتيها ولا تستوعب كثرة الأحداث وكلامه وحياتها. عن أي حياة تتحدث؟ "وانت كنت فين من ده كله؟ "منير مكنش عاوز يقرب من كمال، بس لا ده حاول يفرقه عني ويعمل خلافات. بمجرد ما أفلسنا وأنا سبت البلد. سافرت ولما رجعت وشوفت ليلى بحالتها خوفت أقولها إنك اتخطفتي." "يعني مكنتش تعرف؟
"لا. سمعت من الدكاترة إنك يا عالم عايشة ولا ميتة لأنك كنتي مريضة والأجهزة هي اللي مساعدة إنك لسه بتتنفسي. فبحسبك ميتة. ومردتيش أوهمها بحاجة وقولتلها إنك متتي." بصتله بصدمة. ليقول بحزن: "معيطتش ولا زعلت. كأنها عايزة تقابلك وتقابل كمال. بس كان آخر حاجة قالتهالي. حق كمال لازم يرجع." حط يده على كتفها. وقال: "كانت دي آخر جملة قالتها والدتك." هل هذه حقيقتها التي كانت تريد أن تعرفها؟
ليتها لم تعلم. ليتها لم تعلم أي شيء وبقيت جاهلة في حياتها الهادئة. بكت. لم تستطع أن تفعل إلا البكاء من الحزن على المعاناة التي لازمت والديها على ظلمها لهم. أمسك ذقنها. وهو يجعلها تنظر له ويقول: "الضعف هو البكاء. وأنا مش عايزك ضعيفة." كانت تنظر له من بين دموعها. أشار عليها وقال: "المفروض تكوني لأنتقامك وبس." قالت والدموع تتوقف: "انتقام؟
"آه انتقام. حقك، أبوكي وأمك، وحقك. حقك اللي منير سرقه ودمرلك حياتك وسبب معاناتك من أول ما اتولدتي ومعاناة عيلتك." "وانت بتقولي لي دلوقتي وخطفتني؟ جاي دلوقتي تقولي إنك عمي وخايف عليا؟ أضمن منين إن كلامك صح؟ "أول حاجة حرقك." نظرت لحرقها. ليردف: "لو عايزة الحقيقة تثبتلك آمال هتثبتهالك لأنها الشاهدة على منير وعملتها." كان هيثم في سيارته والقلق والخوف يحتله. ويعمل مكالمة على رقم أفنان بس مكنتش بترد. رن
تلفونه وكان إسلام رد عليه: "وصلت لحاجة؟ "لا. خايف ليكون حد من أعدائي وياذيها. لو خطف عادي كان رد وقال طلباته. كنت كشفت موقعه بس تلفونها مقفول." "متخافش هتكون بخير." "مخافش إزاي؟ بقولك يبقا ليه غرض شخصي. لو حصلها حاجة مش هسامح نفسي." قفل الهاتف وهو يزيد سرعته ويتساءل أين هي وكيف؟ هل بخير أم لا. كانت أفنان داخل سيارة. نظرت لتيسير. قالت: "بس ده مش البيت." "بصي قدامك." بصت وجدت فيلا. اتصدمت وتذكرت أمرها.
"ده بيتها حاليًا. هتاخدي أجوبتك منه." نظرت له. نزلت بمفردها. وبقي هو. ذهبت ناحية الفيلا وهي تنظر إلى ما أصبحت عليه من وراها. كانت آمال جالسة. سمعت صوت. نظرت وتفاجأت بمن رأت. أفنان تدخل عليها. "أفنان." ابتسمت أفنان ساخرة وقالت: "العيشة اللي كان نفسك فيها. وخدتيها على حسابي. يم... صمتت ثم قالت: "ولا ماما؟ إيه أقول الست اللي خطفتني؟ اتصدمت آمال. قربت أفنان منها وقعدت. قالت:
"أنا مش جايه أعاتب زي أفنان بتاعت زمان. لأن الوضع اتغير. أنا جايه أسألك سؤال عني ويهمني تقولي الحقيقة. الحقيقة وبس." "عايزة تعرفي إيه؟ "أنتي خطفتيني وأنا طفلة." خفضت رأسها وأومأت إيجابًا. فلم تتبدل ملامح أفنان. قالت: "ليه عملتي كده؟ مين قالك تخطفيني؟ كل ده وتفهميني إنك أمي؟ صمتت قليلاً ثم قالت: "واحد واصل. كنت ممرضة في المستشفى اللي دخلتي فيها انتي ووالدتك. جالي وقالي يديني فلوس وأبعدك خالص." نظرت لها بصدمة.
لتقول ببحة وانكسار: "وطبعًا وافقتي؟ "كنت محتاجة الفلوس." "اخرسي." قالتها بصراخ وانفعال شديد. لتردف وهي تجز على أسنانها بحزن: "أنتي عمرك محتاجتي حاجة بس عايزة الأحسن. كلكم الجشع والطمع بيجري في دمكم. ليه ده كله عشان الفلوس؟ سكتت ولم ترد. لتنظر لها أفنان وتقول: "الراجل اللي كان معاكي يومها وعرّاني قدامك ومتكلمتيش وسبتيني ليه؟ "أنا... قاطعتها وهي تقول: "تعرفيه منين؟
"كان بيطاردني من زمان. شوفته في المستشفى لما كنتي محجوزة انتي وهيثم. فعرف طريقة وجالي يومها كنتي جيالي فتقابلتوا." "وهو مين بنسبالي؟ هو عمي فعلا؟ سكتت قليلاً لكن أومأت برأسها إيجابًا. فخفضت أفنان رأسها وهي تتذكر كلامه. لم يكن اختراعًا. تمنت أن تكذبه. وأن عائلتها لم تعاني هكذا. لكن هذه القصة المأساوية حقيقة. "أفنان أنا خبيت عليكي عشان مكنتش عايزة أزعلك. عارف إن غلطت." قاطعتها وهي تقول:
"ده على أساس إني بنتك بجد. إياكي تحاولي تظهري حنانك اللي ملقتوش وقت ما كنت فاكرة إنك أمي. بالعكس، أنا فرحانة إنك مش أمي ولا عمرك هتكوني." نظرت لها آمال بشدة. لتردف: "مات بسببك. بسبب إنك بعدتيني عنها. رغم إني معشتيش معاها، بس أنا واثقة إنها لو كانت عايشة دلوقتي هتبقى أحسن أم في الدنيا باللي عملته." وقفت ونظرت له. وقالت:
"ادعي إن أول انتقامي ميتحققش فيكي. لأن لحد دلوقتي ببعد الأفكار اللي بتجيلي ونار اللي جوايا من اللي عملتوه فيا." ذهبت لتتطلعها آمال بخوف من تهديدها. فهي عاشت معها. تعلم أن إذا أيقظت نار هذه الفتاة ستحرق الجميع معها. فجميعهم أخطأوا بها. وها هي الآن ترى ما الطريق التي ستختاره؟ هل الانتقام أم النسيان؟ قربت أفنان من تيسير الذي كان واقفًا ينظر لها وإلى صدمة وجهها الذي يخبو من التعبيرات. نظرت له وتوقفت. قال: "عرفتي الحقيقة؟
"عايز مني إيه؟ "عايزك معايا." "في إيه؟ "الانتقام." "عايزك معايا." "في إيه؟ "الانتقام." نظرت له ليردف: "بعد أما لقيتك أصبحت مكلف بيكي وهخلصك منهم. بس رجوعك معاناته إنك هتبقي واقفة مع عدوك وهتبقي عدوتي معاهم. وهنسي إنك بنت أخويا. زي ما انتي بتنسي تعب أبوكي وموته من حزنه عليكي. والدتك اللي ماتت عشان انتي تعيشي. منير اللي عايش يتمتع بفلوس مش بتاعته. فلوس كمال اللي كبرت على تدميره." "يصلها وهو
يوجه كلامه إليها ويقول: وتدميرك. لو معشتيش معاناتهم فأنتي ليكي معاناتك الخاصة بسبب جوازك من ابنه المريض." نظرت له بشدة لذكر هيثم يقرب منها ويقول: "شك فيكي وفي أخلاقك." تذكرت هيثم حين كان يحقق معها يلقي عليها كلامه المشؤوم بشكه ويعايرها بماله وأنها ليست سوى سلعة اشتراها. "ضربك ومد أيده عليكي." افتكرته حين كان يعنف معها وتحاول أن تبرر فيصفعها بأوج غضبه. "وفي الآخر اتهمك بالخيانة. يعني طعنك بشرفك."
تذكرت كلامه البغيض لها وهي سمعتها بالرخيصة ونظرة الاشمئزاز وهو يخبرها أنها غلطة وندمان على معرفتها. "وينزلك فيديو زبالة عشان يتشهر بيكي قدام الإعلام." بصتله بصدمة كبيرة وقالت: "مستحيل. هيثم معملش كده. هو بذاته اللي مسحه وقالي إنه مش هو." "أنا اللي مسحته." "انت؟ "متابعك من ساعة معرفتك وعارف تحركاتك حياتك هناك واللي بيحصل فيها. وللأسف إنك حبتيه. حبتي عدوك اللي خد سعادتك زمان ودلوقتي. كان لازم أستنى لحد ما تكرهيه."
"يعني إيه؟ كنت عارف اللي بيحصلي وساكت؟ "آه. مكنتش هسمح لحد يأذيكي. كنت عارف مكانك ومع مين. يوم الفيديو أول ما نزل كان لازم أدخل لأنك كنتي هتدمرى. كلمت شركات الإنترنت الخاصة وأديت أمر بمسح الفيديو وأي حد يشيره أو ينزله يتسمح. فبالتالي محدش بقى معاه ولا حد عرف حاجة عنه. مش هو اللي عمل كده. ده أنا اللي حميتك منه." كانت مصدومة ودموعها متحجرة في عينها. قرب منها وقال:
"سامحيني إني اتأخرت عليكي وسبتك ليه يشتري ويبيع فيكي وانتي ليكي في فلوسه أكتر ما هو ليه." "أسامحك على إيه؟ أنا.. أنا كنت مش لاقية مكان أقعد فيه بعد أما طردني بهدوم البيت. عارف يعني إيه؟ "بتهيألي لازم تقولي الكلام ده لنفسك." "إيه؟ "وسامحتيه بعد اللي عمله وأذيته ليكي نفسيًا وجسديًا. سامحتيه ورجعتيله. بس عارف إنك منستيش كل ده وبتوهمي نفسك بسعادة عشان ترضي ضميرك. طب فين ضميره هو؟
منير عايزك ضعيفة وتخلي ابنه وينسي انتقامك. وأنا عايزك تكرهيه ودلوقتي بقولك خدي حقك منه ومن ابنه." "هيثم؟ "آه هو. عايزة تعرفي رجعك وحاول معاكي ليه؟ نظرت له. فهل يوجد السبب؟ أليس لسبب حبه؟ "بس عشان يعرف سرك اللي مخبيه منير عنك. هو بس عايز يعرف أي علاقتك بيه عشان يكتبلك ربع الثروة." بصتله بصدمة كبيرة. فأومأ بتأكيد وقال:
"آه. منير عمل كده على أساس إن ده حقك. بس انتي حقك أكبر من كده بكتير. حق العذاب اللي عيشتيه مش هيمشي بشوية فلوس وثروة. روحي له واسأليه بنفسك ليه رجعك وتمسك بيكي. مش حبًا، لا. كل اللي فارق معاه تطلعي إنتي مين." "لا هيثم بيحبني." "لو كان بيحبك مكنش خبى عليكي موضوع الثروة اللي عرفه، ومعرفت أبوه بعيلتك." هل كلامه صحيح؟ هل استغلها ثانيًا؟ هل أعادها لأن والده أراد ذلك؟ ليتلى قصتها عليه. هل خدعها بحبه المزيف من جديد؟
لكنها شعرت بحب هيثم. كيف يكون مزيفًا؟ أنها المزيفة. أنها دائمًا الغبية والمزيفة بحقيقتها المجهولة. التفتت وذهبت. لينظر لها تيسير بهدوء وهي تغادر. نظر له السائق قال: "تيسير بيه هتسيبها تمشي؟ "سيبها. الحقيقة اللي سمعتها صعبة عليها." في القصر كان الجميع في حالة ريبة. كان هيثم واقف والقلق يحوم حولها. ويتصل بأفنان التي لم ترد. قال منير: "عملتوا إيه؟ وقف هيثم وهو يقول بحزم: "أنا هبلغ." نظروا إليه. قال محمد:
"لسه مكملش ٢٤ ساعة على فقد غيابها. ثم إنها كبيرة كفاية." "هاخد جنى معايا وتقول إن خطف مش حالة غياب." قال إسلام: "استنى يا هيثم." "مش هقعد أكتر من كده." خد تلفونه وجه يمشي. قالت جنى: "أفنان." انصدموا. التف هيثم سريعًا ونظر إليها. كانت واقفة عند الباب. لم يصدق أنها هي. ذهب إليها سريعًا وحضنها بخوف شديد. ليتأكد فقط أنها حقيقة. بعدها عنه ونظر لها. قال: "إنتي رجعتي؟ أنا مش بتخيل." كان وجهها خالٍ من التعبيرات. عاد
يعانقها يطمئن قلبه ويقول: "الحمد لله إنك بخير." نظر إليه الجميع. ولأفنان التي كانت غريبة. لتوجه نظريها إلى منير. ذلك الرجل هو من دمر والديها. وذلك من يعانقها هو من استغل حبها وجعلها كالحمقاء. قالت جنى: "أفنان. إنتي جيتي هنا إزاي؟ بعدها هيثم ونظر لها. قال: "جنى حكتلنا اللي حصل. حد عملك حاجة؟ لم تكن تتحدث. نظرت إلى هيثم. وقال: "أفنان مالك؟ ابتعدت عنه وذهب بصولها. وكانت تقترب من منير الذي طالعها.
"مش عارفة أقولك إيه. يا حميا ولا الراجل اللي قتل أبويا وحرمني من أمي." اتصدم الجميع. وقفت أمامه وقالت: "كمال مصطفى. لسه فاكرة يا منير؟ اصطدم هيثم من ذلك الاسم الذي يعرفه. نظر لها منير. فلقد عرفت. عرفت كل شيء. ويبدو أن العداوة ستعلنها معه ومع الجميع. هذه النظرة التي في عينيها المفعمة بالكراهية. قال منير بهدوء: "فاكرة؟ "لأنه ميتنسيش. افتكر وشي أنا كمان." قالت ذلك إليه وهي تنظر في عينيه وتردف:
"لأنه هيعلم في حياتك وفي حياة عيلتك أوي. عيلتك اللي دخلتني فيهم زي الغبية ومش هعرف أنا مين وانت تبقى مين بالنسبالي." بصولها بشدة. من تحدثها هكذا؟ قالت فاطمة: "أفنان انتي مش عارفة بتكلمي مين." "لا عرفة. وعرفة كويس أوي مين الشخص ده اللي دمر حياتي من قبل ما أعرف على الدنيا. ولا إيه يا منير؟ بصولها وبصوا لمنير. ليفسر لهم. اقتربت أفنان وقالت:
"الذنب بقى ذنبين. ذنب أبويا بحق دموعه وحرقته هدفعك أضعافها. وده وعد مني ليك. وذنب إني هيدفعه ابنك." قالت آخر جملة وهي تلقي نظرة على هيثم الذي نظر لها بشدة مما تقصده. والجميع لا يعرفون شيئًا. فقط يرون صمت منير والحزن الذي بدا عليه. التفتت أفنان وهي تنظر لهم. ثم ذهبت. نظر لها هيثم وهي تتخطاه دون أن تتطلع به. وكأنها لا ترى. وكأنها تتعمد ألا تنظر إليه وإن تنظر أمامها. أمامها فقط. نظر إلى والده ولصمته.
وهو يسأله بعينه: بحقك ماذا فعلت يا أبي؟ ماذا فعلت لتقول لك هذا الكلام وتنظر لي تلك النظرة التي لم تنظر لي من قبل حتى في أشد حزنها؟ لما أنت صامت؟ ولما هي عادت هكذا؟ غريبة. كأنها ليست حبيبته. فهو يعلم من عينيها. لكنها تتفادى كي لا يرى ما بها. وكأن شرخًا عميقًا أحدثوه داخلها. وعادت به لا تريد أن يراه أحد. ذهب ليلحق بها وتركهم في صدمتها يوجهون الأنظار على منير. قربت الجدة منه. قالت: "كان لازم تقولها."
"حاسس الحمل اتشال من عليا." "إزاي؟ "كنت بفكر أقولها إزاي بس تيسير. شكله خلصني من الحمل ده." "وهتعمل إيه؟ "نستنى رجوع هيثم. رجوعه وهو كرهني زيها." "أفنان." كانت تسير لا تلتفت لندائه. مسك يدها ولفها ليه. وقال: "اقفي. كفاية." نظر لها. وهي تخفض وجهها وتقول: "ابعد." "مالك يا أفنان؟ صاحت به وهي تبعده عنها: "بقولك ابعد." استغرب جدًا من اللي عملته. قال: "أفنان." "جاي لي؟ عايز تعرف أنا قلت الكلام ده لابوك ليه؟ "انتي كويسة؟
قربت منه ونظرت في عينيه. وقالت: "لأول مرة أشوفك شبه تبع مصلحتك. استغلتني لغرضك." اتصدم وقال: "انتي بتقولي إيه؟ "رجعتني ليك ليه؟ "إيه؟ "رجعتني ليك ليه؟ عشان أبوك قالي برجوعي هتعرف السر اللي ورايا." بصلها بشدة. وتفاجأ كيف عرفت. قال: "أفنان الموضوع مش كده." قاطعتها وهي تقول: "رد. آه أو لا." نظر له قليلاً وصمت. ثم قال: "آه." ابتسمت ابتسامة مريرة. وقالت:
"توقعت إيه غير كده. دايما يا هيثم بتخليني أتخاذل لما أبعد سوء ظني عنك ويطلع صح. وأنا اللي غلط. هتخاذلني إيه أكتر من كده." حزن من نظرة الخيبة في عينيها. "لسه عايز تعرف أنا مين؟ وابوك يبقى مين؟ نظرت له. قربت منه. وقالت: "انت ابتليت بأب ميعرفش يعني إيه رحمة. جشع وظالم وحرامي." اتصدم. ونظر لها بشدة. قال: "إيه؟ "أيوه أبوك حرامي. ده أقل ما يقال عنه. عايز تعرف مين كمال مصطفى؟ ده أبويا اللي حرمني منها."
حالة الصدمة وتسمر مكانه. قال: "أبوكي؟ "آه أبويا اللي مات بسبب أبوك بعد أما سرق فلوسه." اتصدم. بل لا يقدر على التحدث. حين قالت سرقة. هل والده سارق؟ "استغله ودخل معاه في شراكة عشان يترفع عن طريقه لحد أما عرفت الشحنة وسابه ولا كأنه يعرف." الشحنة. أجل يتذكر تلم الأوراق الخاصة بشحنة باسم كمال. هل معاه والده يحصر هذه الشحنة بتحديد ليخبره بأصل الحكاية.
"خلاه مديون يعلن إفلاسه. تحمل كل الخساير لوحده. ولما طلب مساعدة من منير اللي مفروض يكون مسؤول معاه الأكبر عليه زي إبليس لما بينكر معرفته بينا يوم الحساب. أبوك أدعنى منه واستغله حتى وهو ضعيف لمجرد شفقة وبيعه المصنع وخليه يكتبه باسمه." المصنع. تذكر صورة المصنع الخاص بهم. لكن لحظة. هل كان ذلك مصنع كمال؟ وورق الملكية هذا حين نقله لوالده أثناء البيعة؟ مستحيل. "حتى بعد ما باعه ما سابهوش في حاله. بعتله ناس يسرقوه وهو راجع."
بصتله بصدمة كبيرة. قال: "بتقولي إيه؟ "اللي سمعته. ده اللي حصل. الفلوس دي كانت هتسد ديونه مش أكتر. بس أبوك استكترها عليه. خلاه يركع مكسور ومدمر. وليلتها مات بحسرته. ساب مراته وبنته يكملوا في الدنيا دي لوحدهم. لحد أما أمي هي كما حصلته لما خلى ممرضة تخطفني وتبعدني عنها." "لا." "صعب عليك تصدق حقيقة أبوك." "أنا عارف إنه مش ملاك وممكن يعمل كده بس ميقتلش. أبويا ميعملش كده يا أفنان صدقيني." صرخت في وجهه وقالت:
"بس هو عمل اللي أسوأ منه. اتمتع بفلوس مش بتاعته ولا همه. وأنا بتمرمط. تعرف إيه إنت عن حياتي ها؟ عايش وسط الغنى وقصور وشركات. عشان تيجي تعايرني بيهم. اللي هو أصلًا حق." نظرت لها. وكانت تقصد حين كان يذكرها به وبها. أمسكت رأسها بشدة وقالت: "زهقت من الحقائق والكدب والخداع اللي بقيت محاطة بيها. زهقت منكم ومن نفسي ومن حقيقتي اللي عرفتها وزادتني وجع." نظر لها من دموعها ولحالتها.
"أبوك اللي مسؤول عن اللي أنا فيه. وإنك تيجي تشوف إن ليك فضل عليا." دمعت عينه وهو يرى حزنها. قرب منها. قال: "بس أنا مقولتش كده." "لا قولت. وعملت اللي أسوأ منه. أنا لو فتحت اللي فات هكون بفتح جرحي وبزيد كرهي ليك. أنا من غبائي إزاي رجعتلك." بصلها بشدة. فهل نادمة على عودتها إليه؟ "عايز إيه تاني؟ مش عرفت اللي عايزاه وأنا مين؟ أنا وانت أعداء. افهم بقى. تقدر تبعد. أنا حكيتلك الحكاية."
"أن مرجعتكيش عشان أعرف انتي مين. آه عرفت إنه يعرفك ويعرف عيلتك وخريت. لآني محبيتش أعشمك. كنت عايز أعرف أنا الأول." قرب منها وهو يرى دموعها. قال: "والله ده كان سبب صغير من ضمن أسباب إني أرجعك. وهي إني بحبك." "الحب لوحده مش كفاية. الحب لحالتنا حاليًا هو أذى نفسي لينا احنا الاتنين." بصلها بشدة. عادت خطوة للوراء وهي تبتعد عنه وتقول: "مينفعش نبقى مع بعض. مش هقدر أرجع معاك تاني بعد كل اللي عملته."
"بس أنا حاولت عشان أخليكي تمسحيني. ليه بتفكري اللي فات دلوقتي؟ نظرت له وقالت: "مين قالك إني نسيت عشان أفتكر." بصلها بصدمة. وقد ابتلع كلامه. كيف لم تنس؟ كيف عاشت معه إذا؟ "ثم إني مسامحتكش أصلًا. وانت عارف ده كويس. قولتلك يومها هحاول. بس مقولتش إني سامحتك." "وأنا قولتلك هساعدك. شوفتي مني حاجة تزعلك؟ اتغيرت واتعلجت عشانك. خليكي معايا. أنا مليش ذنب باللي عمله." "ذنبك إنك ابنه." نظرت له. ابتعدت عنه وقالت:
"ابن الراجل اللي قتل عيلتي وخطفني من أمي. مش هينفع أكون معاك ويجمعنا بيت واحد تاني. هكون شايفاك هو. هفتكر حزنهم هما شايلين عمي. وأنا بنفسي اللي نستهم وعايشة مع مدمرهم." "أنا مش هو."
"بس انت كما أذيتني. أذيتني أوي يا هيثم. منستش بس حاولت أتأقلم عشان مظلمكش. واتضح إن أنا المظلومة. أنا اللي بتظلم دايما. سواء منك لو من أبوك. روح حاسبه متحاسبنيش. لأن أنا خلاص عرفت اللي كان ناقصني. حقيقتي وحق أبويا وأمي اللي هرجعه بنفسي من أبوك ومن كل اللي ظلمهم. وظلمني." كان يطالعها. التفت وتركته وهي تمضي لطريقها الذي لا تعلم نهايته وإلى أين سيأخذها.
تركته في صمته لا يقدر على إيقافها. يراها وكأنها تسلب منه ولا يتحدث لصدمته. من يكن بالنسبة إليها؟ عدوها. كان منير في غرفته مع والدته. انفتح الباب. علم أنه هيثم الذي كانت عيناه مدمعة حمراء بغضب. "انت عملت كده؟ عرف أن أفنان عرفته كل شيء. قربت الجدة منه. قالت: "هيثم اهدى." "أهدى؟ بعد اللي سمعته واهدى؟ طب لو أنا هديت أفنان تعمل إيه باللي عرفته؟ مقدرة حجم الأذى لما تعرف ده عن أبوها وأمها." قال منير بهدوء: "قالتلك إيه؟
نظر له هيثم بشدة. قرب منه. قال: "الحكاية كلها عرفتها. بس مش منك. منها. وأنا شايف دموعها وهي بتصرخ بأني ابن أكتر واحد أذاها من وهي طفلة. ما ارتكبتش ذنب عشان يحصلها كده. حكتلي عن أبوها واللي عملته فيه يا منير زهران. عشان بس توصل للوصله. أذيت ناس كتير وأكبرهم كمال. كمال اللي مات ودمرت عيلته بسببك." التف منير وهو يعطيه ظهره بجمود. لكن الحزن يخترقه. والندم يظهر عليه.
"كان معاك حق لما تخبر عليا. لأنك كنت عارف إني هكرهك. انت مستحيل تكون أب. معندكش قلب." سالت دمعة من عينه. نظرت له والدته. قالت بحدة: "هيثم متنساش إنك بتكلم أبوك." "لا ده مش أبويا. ده الراجل اللي دمر حبيبتي في كل لحظة لي حياتها. تعرفوا إيه إنتو عن المعاناة اللي عاشتها؟ جوز أمها كان بيقرب منها وأمها تضربها. كانت بتشتغل من صغرها على ناس لا تعرفهم ولا هما يعرفوها. عاشت في معاناة. واحد دلوقتي بتعاني بسببك يا منير."
نظر له وهو يدير له ظهره. قال: "معاك حق. هي أكبر ذنب هتشيله عمرك كله. وممكن ربنا ميغفرلكش. لأن اللي عملته ميتغفرش. مبالك لما فكرت إنها ممكن تغفرلك." "الندم جوايا من زمان." نظر له هيثم. لأنه تحدث: "مندمتش دلوقتي. أنا من زمان وأنا بدور عليها عشان ألاقيها وأرجع لها حقها." "ولما لقيتها جوزتهالي. دي أكبر غلطة عملتها. أنا مش هسامحك عليها. لأنك خليتني أحبه." نظر له وهو يتحدث بصوت مبحوح: "حق إيه اللي بتتكلم عنه؟
حق كمال ولا حق أمها ولا حق أفنان؟ أي حق؟ هي لو دورت عن حقوقها هيكون ليها أكبر من كده بكتير. عشان تقربها منك وتأذيها. فلوسها بطريقة غير مباشرة دخلتنا في لعبتك اللي مش هتخلص غير بنهايتها." نظر له واردف بحزن: "أديتهالي وخدتها مني. بعدت عني بسببك." "كنت عايز أقربكم من بعض. لأن مسيرها يجي يوم وتعرف وتدور على حقها. وتيسير يملأ دماغها تنتقم مني فيك منك. حاولت أحميك وإنك تحبوا بعض بحيث أنا أعرف أكون أنا هدفها. مش انت."
"بس أنا كمان أذيتها. هي ليها حق عندي. وافتكرتهولي معاك." بصله منير بشدة. قال: "بتقول إيه؟ "بقت شايفاني عدوها زي زيك. رجعت تكرهني. بتبص لي كأنها بتبصلك إنت. وبتقول إني السبب في معاناتها. وهي بعيدة. ولما بقت معايا استمريت بإني أأذيها. بس ليه تعمل كده في الناس؟ ليه تعمل كده في اللي آمن لك وصاحبك؟ عشان فلوس وتكبر مكانتك. انت إيه؟ شيطان." قال الجدة بحدة: "هيثم." قرب من والده الذي كان صامتًا والحزن يملأه. وقف
قدامه وقال له بحزن ورجاء: "رجعها لي. أرجوك. مش هقدر أعيش من غيرها." "هيثم." "كنت عايز الفلوس بس. أنا مش عايز غيرها. ليه خدتها من أمها؟ ليه خليتها تخطفها وتبعدها عنها؟ مكنتش هتعاني كده وهي معاها." اتسعت عين منير بشدة. أمسكه وقال: "قولت إيه؟ كان تيسير جالسًا في بيته. نظر. وجد أفنان تدخل. وكانت في حالتها الصادمة. تقترب منه بخطواتها البطيئة. "رحتيلها؟ نظرت له لأنه عرف. قال: "قولتلك ليا عيون عليكي." "من امتى وانت متابعني؟
"يوم ما شفت آمال." "تعرفها منين؟ "لما عرفت بخطفك واختفاء الممرضة دي. عرفتها من المستشفى وطاردتها عشان أقتلها." بصتله بشدة. ليكمل: "بس منير ساعدها وخفاها عشان موصلهاش. بس القدر خلاني ألاقيها وأعرف إن ليها بنت في سنك. يومها أما شفتك ملامحك مكنتش غريبة. واخدة من والدتك وكمال. كأني بشوفهم هما الاتنين." "عشان كده عرّيتني؟ "كنت عايز أشوف الحرق اللي كان دليل إنه إنتي بمكانه ودرجته. عرفت إنك لسه عايشة. فبقيتي هدفي."
"مش فاهمة." "أنا سعيت كتير لحد أما رجع اسم عيلة الفردواني من جديد. ارجع البيت اللي حجزو عليه بالاثاث بكل حاجة في مكانها. صبرت عشان بس انتقم لأخويا وأوقع منير. مش هتيجي انتي تبوظيلي ده يا أفنان ويخلي رباط مبينك وبين ابنه. فلازم الرباط ده ينتهي." بصت له. وقف قرب منها. قال: "اختاري. حقك وحق أبوكي وأمك ولا عدوك؟ بصت له من ما يخيرها. قالت: "قصدك هيثم؟
"كلامي واضح. بمجرد ما تختاري علاقتي بيكي هتحدد. بس انتي مش هتتأذي. لأني مقدرش أأذيكي. حتى لو اخترتيه." صمتت قليلاً. ولاحظ صمتها. لتقول: "عايزني أعمل إيه؟ كانت وكأنها تخبره أنها اختارت والديها وحقها ومعاناتها التي ستجعل كل من كان له يد بها أن يدفع ثمنها. "كويس. تعالي معايا." نظرت له. قالت: "على فين؟ "في حد لازم تشوفيه." ذهب. استغربت لكن تبعته. وهي تسير معه تنظر إلى أين هم متوجهون. ما هذا المكان؟
توقفوا أمام مخزن. فتح رجل الباب. دخل تيسير. نظر لها. فدخلت. سمعت صوت الباب يقفل. نظرت خلفها. ثم نظرت إليه. قالت: "احنا فين؟ "بصي قدامك." نظرت لتتسع عيناها بصدمة. حين رأت لؤي مقيد على كرسي. رفع وجهه إليها. "لؤي." سمعت صوته. نظر لها وانصدم من رؤيتها. قال: "أفنان." كانت مصدومة وهي تراه وخائفة. لكن ما تبدو الكدمات التي عليه. وكأنه تعرض للضرب. هل كان كل هذا هنا؟
تتذكر أن هيثم أخبرها أنه ليس لديه أثر ولا يزال يبحث عنه. فهو لا يعلم أن... أن تيسير من أخذه. "لؤي." "كنت الأول ناوي أخليه معايا لما شفته كرهه لهيثم. بس بعد اللي عمله. كان لازم آخد فعل تاني عشان يفكر هو بيعمل إيه ومع مين." نظرت له بشدة. فكيف عرف أنه تهجم عليها؟ وقالت: "انت عارف." "قولتلك متابعك. اثبتي صحة كلامك ليا دلوقتي." "كلام إيه؟ "إنك قادرة تاخدى حقك."
أخرج مسدس وأشار عليها. اتسمرت مكانها وهي ترى سلاح موجه عليها. ودقات قلبها تتسارع. خفضه تيسير. قال: "متخافيش." قرب منها. مسك يدها. نظرت له. وضعه في يدها. وقال: "اقتليه." اتسعت حدقتا عيناها بصدمة. قالت: "إيه؟ "سمعتي قولت إيه؟ كان هيقتلك. نسيتي. ده بردو أذاكي. خدي حقك منه." كانت مصدومة. نظرت إلى لؤي الذي انصدم هو الآخر. ينظر إلى عينها. فهو أخبرها أنه يعرف قاتلها. لكن ليس هو. يخبرها أنه ليس هو. فلا تقتله.
نظرت إلى تيسير الذي أشار بعينه إليها. قال: "لو سبتيه، هتدفعي تمن اختيارك." لتفهم معنى جملته. نظرت إلى لؤي. انصدم حين وجدها تقترب منه وتنظر له. ويدها ترتجف. لا تعلم إن كانت خائفة منه وتتذكر ما فعله أم ما ستفعله هي. "متعمليش كده يا أفنان." نظرت له بشدة من ما قاله. ليخفض رأسه ويقول: "عارف إني أذيتك. بس بلاش أموت. أرجوكي. اعرفي اللي بتعمليه."
لوهلة تذكرته حين كان بالفعل سيقتلها ويغتصبها. لكن حين أصبحت تحت يده امتنع وتركها. لم يفعل ذلك وتركها تعيش وتتنفس دون أن يأذيها كما يريد شيطانه. ماذا تفعل؟ هل تلوث يدها بدماء. بالقتل؟ دمعت عينها. نظرت إلى تيسير. قالت: "لأ." نظرت له. أخذ المسدس. وفي لحظة وجهه نحو لؤي. اتسعت عيناها. قالت: "هتعمل إيه؟ جت تقرب منه. تصنمت في مكانها. حين سابقته طلقاته النارية تخترق جسده. لتتسمر في مكانها من أصوات النيران والخوف يحتلها.
نظرت إلى لؤي الذي ارتمى بالكرسي كجثه هامدة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!