نظرت له هيثم. دخلت، فابتعدت خطوة للوراء بخوف. -جاي ليه؟ عايز مني إيه تاني؟ -وحشتيني. نظرت له بشدة لما قاله وتلك النبرة التي تعرفها. نظرت له ولعينيه الهادئة، ليست عينيه القاسية الباردة. -إيه اللي بيحصل؟ صمت قليلاً. نظر لها وقال: -أنا عرفت الحقيقة. تصدمت. يقصد إيه بالحقيقة؟ حقيقة إيه؟ هل يخدعها؟ -عرفت إنك ما خونتنيش. عرفت كل حاجة يا فنانة. نظرت له بشدة. كان هيثم راجع من برا وداخل على جناحه، قابل هايدي. لم يبالي وذهبت،
لكنها قالت: -خلاص هتتجوز؟ توقف. نظر لها ببرود. -بتقولي حاجة؟ -بقولك هتتجوز مريان. وقلبك اللي حب أفنان ولسه بيحبها، هتعمل فيه إيه؟ -خليكي في حالك. ذهب. وقفت أمامه. غضب كثيراً من رؤيتها. -ابعدي من وشي. -أنا ماشية. لقيت شقة وخلاص، هسيب القصر واتعقد براحتك. بس قبل ما أمشي لازم تسمعني وأقولك كل اللي أعرفه. -مش عايز أسمع منك حاجة. ذهب وهو يتخطاها، توجه لجناحه. -على الأقل اسمع لقلبك ولو لمرة واحدة.
توقف. نظرت له. ملامحه الباردة. -ارجع يا هيثم لنفسك. اسمع لقلبك اللي متحجر بسبب خوفك من الكل. خافت تكون بتحبها، بس انت حبيتها. ولما بتحب بتكون حنين مش قاسي، عشان كده حياتك بالشكل ده. نظر لها بحنق وضيق شديد. -عايزة إيه؟ -عايزك تسمعني قبل ما أمشي، واحكم أنت مع نفسك. صمت. -في اليوم اللي كنا في المستشفى، كنت مع والدك. كانت أيسل جالسة مع منير. تقول ببراءة: -أنت عيان؟ عندك إيه؟ كان منير يطالعها. نظرت لها هايدي.
-كانت بتسألني عن حضرتك وعايزة تشوفك. حطت أيسل يدها على جبهته. -جدو، أنت سخن. ابتسم بهدوء. -أنا كويس. -بجد هترجع البيت معانا؟ -آه. -وبابا هيجي كمان؟ صمت منير ونظر لها. عادت لخفوه. سعدت هايدي أنه بدأ في التعامل معها. لكن ذكر حسام جعله يتذكر أنها ابنته. حست أنه مش قابل وجودها هنا، وأيسل بس. فخرجت وهي تتركهم، أنت لم تكن مرحب بك لمجيئك على أي حال.
شافت هيثم جه ويتحدث مع عمه. جت تمشي كي لا يراها ويبغضها. لقت لؤي أمسك يد ريم ويهمس لها. -هي فين؟ -مين؟ -هتكون مين يعني. -ما جتش معانا. قعدت هناك. -يعني هي في القصر دلوقتي؟ -آه. بتسأل ليه؟ سمعت همسهم الغريب، وخصوصاً لؤي اللي تعرفه لسبب مجهول. لقيته بيمشي ويغادر قبل الجميع. استغربت وحست إن فيه شيء.
-لما روحت كنت قبلكو وسمعت صوت أفنان بتصرخ باسمك. وقتها اتخضيت. كان صوت لؤي وإسلام عالي وكانوا بيزعقوا لبعض. طلعت أشوف في إيه، لقيتكم جيتوا وسمعنا صوت لؤي بعد كده بالكلام اللي بيقوله. وطلعنا شفنا اللي حصل. كان هيثم صامت ينظر لها بتعجب، لكن البرود يجتاح وجهه. -يعني إنتي عايزة تفهميني إن لما طلعت شفتهم مع بعض وهو فوقها، ده مش عادي، وإن لؤي لف الحوار ده؟ -عارفة إنه مش دليل على إنك تصدق. -ولا هصدق.
نظرت له ليصير عليها ويقول: -انتو الاتنين شبه بعض قوي. ليكِ حق تدافعي عنها، بس معدتش المغفل بتاعك زمان. -عمرك ما كنت مغفل يا هيثم. نظر لها لما قالته، وكانت تمتص جبروته. -عمري ما شفتك مغفل في يوم، بالعكس، إنك كنت نضيف من جواك. الغلط كان مننا مش منك. -الغلط كان مني عشان استعملت قلبي. -القلب دايماً هو الصح. متحاسبش نفسك على زمان. بعتذرلك على اللي عملته. ومهما عملت مش هكفر عن غلطي في حقك، بس... بس أفنان ملهاش ذنب.
جمع قبضته بضيق. -هي بنفسها اللي اعترفت بخيانتها ليا. اتصدمت هايدي. -أفنان مستحيل تعمل كده. -وأنا بقولك عملت. قالت إنها خنتني. تخدعيني طول الوقت ده؟ -أكيد فيه حاجة غلط أو اتهددت. افتكر ضغطه عليها إنه مش هيسيبها غير أما تعترف. -أفنان حبيتك بجد. يمكن قلبك بيقولك كده، بس بتتجاهله. وأنت متعرفش تجاهلك ده هيكلفك إيه. أنا متأكدة، متأكدة إنها ما خونتكش. -ضيعتِ لي وقتي. نظرت له بشدة مما يقوله، وكأنه لا يستمع لها. جه يمشي.
-أنت لو خسرت أفنان، هتبقى دي أكبر خسارة ليك يا هيثم. أنا عملت اللي عليا وهمشي. يا ريت تدور ورا الحقيقة. أنا متأكدة إنك أنت اللي قادر تكشف براءتها. ذهب ولم يبالي بما قالته. تنهدت هايدي. لما قالت ليس شيئاً. ذهبت لتأخذ أغراضها لترحل. قعد هيثم وهو بيفك أزرار قميصه ويريح ظهره للخلف. افتكر كلام هايدي عن ريم ولؤي. افتكر لما شافها في المطعم والكلام اللي قاله. فهل هايدي تكذب؟ لأنه رأى خيانتهم. لكن لماذا ستكذب؟
افتكر ريم يومها وهي تقول إنه جاء ليأخذ الفيزا. "دور على الحقيقة، أنت اللي قادر تكشف براءتها." كانت ريم في أوضتها والضيق ظاهر عليها. سمعت طرقات على الباب. راحت وفتحت وهي تقول: -أنا مش قلتلك يا لؤي م... سكتت لما لقيته هيثم. الذي نظر لها من نطق لؤي بهذه النبرة. خافت من رؤيته. -هيثم. شافت خوفها. دخل. نظر للغرفة. جلس وقال: -شكلك مضايقة قوي. توترت. نظر لها ببرود. خافت من نظرته. -خير يا هيثم، في حاجة؟ -اقعدي. عايزك.
جلست بجانبه، مبتعدة عنه. فهو أصبح مخيف. -نعم. -لؤي لما رجع القصر، كان فرصة إيه؟ توترت لذكر الأمر. نظر لها ولاحظ تعبيراتها. -يعني إيه؟ -قلتي إنه كان جاي ياخد الفيزا. جاي أسألك بنفسي عشان ما سألتكيش يومها. الكلام ده كان صح؟ -آه. منا أكدت يومها. سكت وهو ينظر لها. أومأ بتفهم. فكيف ظن أنها بالفعل بريئة؟ سخر من نفسه. جه يمشي. -هيثم. مسكت ريم ايده. -هيثم. نظر لها وليدها. -أفنان بريئة. بصلها بشدة مما تقوله. بكت وقالت:
-معدتش قادرة أسكت من الحمل اللي عليا، خصوصاً لما عرفت أخويا حاول يعمل إيه فيها. -إنتي بتقولي إيه؟ -أفنان ما خونتكش. لا هي ولا إسلام. هما الاتنين مظلومين. استغرب جداً من اللي بتقوله. -أنا مش فاهم حاجة. -لؤي...
لؤي السبب. معرفش ليه عمل كده. أنا في الأول كنت معاه. كان خطته يوقع مبينكم عشان تبعد عنها وتخرجها من حياتك زي ما دخلتها عشان أقرب منك. بس معرفش إنه بيعمل كده عشانه هو. كان يشوفك، يظهر لك صورة وحشة عنها، بس أفنان كانت دايماً تصده. لما شاف حبك ليها، قرر ياذيها بيك ويكرهك فيه. لم يصدق ما يسمعه. -يعني إيه والفيديو والشات اللي في تليفونها؟ -الفيديو مش حقيقي. هو مركب صورتها. دي واحدة تانية.
-وأنا أعرف منين إنه حقيقي ولا كذب؟ الفيديو معدش معايا. أنا كسرت تليفون يومها. -استنى. ذهبت. مسكت تليفونها وأدتهوله. -أنا معايا الفيديو. خده واتاكد بنفسك. خده منها. -أنا والله ما كنت أعرف نيته وإنه هو اللي قلبه لكده. -إنتي اللي نزلتِ الفيديو بتاعها؟ -والله مانا. وأنا هعمل كده ليه؟ -إنتي اللي معاكي نسخة منه. مين غيرك عايز يأذيها؟ -لا صدقني. أنا مهما كان بنت، مستحيل أدمرها كده. -إنتي هتعمليهم عليا؟
أنا عارف إنك ما بتطيقيهاش. -وأنا مهتم بيها ليه؟ -مليكيش دعوة. -لا ليا. لو ما كنتش أنا، كان زمانك اتكشفت وهيثم عرف إنك كدبت عليه وأفنان بريئة. لما سمعتهم بيخططوا يوقعوك، قلتلك عشان تاخد حذرك. -إنتي لو ما كنتيش قلتي كده، أنا كنت انتهيت. -عشان كده بسألك، أنت جيت يومها للقصر ليه وأنت عارف إن مفيش حد غيرها؟ -جيت لها. -وإسلام إيه اللي دخله وكنتوا في الأوضة إزاي؟
أنا قلتلك ابعدها عن هيثم، بس مش لدرجة دي. كان ممكن يمنعها لولا عمي إنه واقف معاها وحاشو عنها، كان ممكن يقتلها فيها. قلتلك نزلها من نظره وبعدها، بس مش لدرجة الخيانة وتقع إسلام ابن عمتنا معاها. -ما كنتش هسمح له ياذيها. نظرت له وقالت: -لؤي مالك؟ أنت حبيتها؟ -آه حبيتها. هي نضيفة. ولما كانت بتصدني، شدتني ليها أكتر. فكرك أنا كنت بعمل كده عشان... لا ده عشاني أنا. أنا اللي مش عايزها معاه. إنتي وحبك الغبي مش فارقلي.
بصتله بصدمة وقالت: -أنت بتقول إيه؟ كنت بتستغلني؟ -آه. -أنت كنت جاي هنا بتعمل إيه؟ صمت. نظرت له وقالت: -قولي كنت هنا بتعمل إيه وهي موجودة؟ -حاولت آخدها. اتصدمت من ما يقوله أخوها.
-قلت لها تيجي معايا. هقدرها ومش هضربها زي ما بيعمل. مش هشك فيها، لأني عارفها. قلت لها نهرب سوا، ومستعد أبعد عن العيلة دي خالص عشانها. عيلة مفككة. بس هي بغبائها رفضت. رفضتني أنا، وأنا كنت مستعد أنتقملها منه. في الوقت ده، عايز أعاقبها أو استغليت إن مفيش حد هيسمعها وقربت لها. نظرت له بشدة. ليقول بضيق: -بس نسيت إسلام. اللي لو ما كانش دخل، كان زماني خدت اللي عايزة. -إنت اتجننت؟ إزاي تعمل كده؟
دنتا ليكِ أخوات بنات، مش خايف يترد لك فيهم؟ مخفتيش من اللي بتعمله فيها؟ -لا مخفتش. ولسه لحد دلوقتي عايزها أكتر من الأول، وهاخدها. اتصدمت. -مش هسمحلك يا لؤي. -من إمتى الجنية دي؟ مش بتكرهيها؟ افتكرت جملة أفنان في الوقت ده إن مفيش بينهم عداوة.
-كان بيني وبينها هيثم. ده سبب مؤهلي ليها، بس هي ما عملتليش حاجة. بالعكس، حمتني وما قالتش إن أنا اللي وقعتها من على السلم. كدبت عليا عشاني. حسيت إني قليلة، وإن أفنان فعلاً اللي تليق لهيثم، وطيبة وهتعوضه. كان نفسي أكون زيها، مفيش الغل اللي جوايا. كان ليه حق لما اختارها. -بس هو خسرها. طلقها وبعدوا لابعد حد، إنه مش طايقين يبصوا لبعض. -بسببك. -ضميرك صحي لما لقيتيه راح لمريان وما جالكِش. كأنه يواجهها بالحقيقة.
-إنتي لسه حقودة. عشان كده كدبتي يومها معايا. لو كنتِ ندمتي، ما كنتيش عملتي فيها كده. أنا وإنتي شركا. -أنا ما كنتش أعرف إنك حاولت تأذيها وتعمل فيها كده، وإلا ما كنتش سكتلك. -هتعملي إيه يعني؟ كل حاجة انتهت. أفنان مش هتبقى لهيثم، ولا هو هيبقى ليها. نظرت له. ذهب وتركها قلقة منه، نادمة. "والله هو ده اللي حصل." كان هيثم مصدوم، لا يصدق ما يسمعه منها وهي تبكي. -يعني إيه الكلام ده؟
-يومها حاولوا يكشفوه، بس أنا اللي عرفته لما سمعت جني وهايدي. -إنتي كدابة. كلكو كدابين. أنا شفتها نايمة وهو فوقها. سمعتيني؟ كان معاها في أوضتها على سريري. -معرفش إيه اللي حصل في اليوم ده، ولا إزاي شفناهم كده. أنا قلتلك اللي عرفته. مسكت يده وبكت وهي تقترب منه وتقول: -أنا آسفة يا هيثم. والله أنا عملت كده عشان بحبك، بس معرفش بالي هيعمله. صدقني. بعده عنها وسحب يده بضيق وهو لا يصدق ما تقوله. -بتحبيني؟ تقومِ تدمريني؟
إنتي متعرفيش أنا عملت فيها إيه. -أنا آسفة. عارفة إني غلطت. دفعها بعيداً عنه وذهب. بكت بحزن وندم. نزل هيثم سريعا، ركب سيارته وغادر. عمل مكالمة. -هبعتلك فيديو. تشوف لي حقيقته ولا لأ. أقفل المكالمة وأرسله. ليتأكد أن كلام ريم وهايدي صحيح. كان يقود، جائته مكالمة. رد. -الفيديو متركب. بس اتعمل بدقة عالية. اتفاجأت كثيراً. -إنت متأكد إن مش هي اللي في الفيديو ده؟ -آه طبعاً. ولقيت الفيديو الأصلي. واحدة كده شم.ال مش هي دي خالص.
قال التليفون وهو مش مصدق. لا يعلم هل يفرح أنها ليست هي، أم يحزن؟ يحزن على القادم وأنه خسرها. كان إسلام في شقته. سمع صوت جرس الباب. راح فتح واتصدم. -هيثم. دخل هيثم. نظر له إسلام. فكيف عرف مكانه؟ هل جاء ليحاسبه ويقتله كما يريد؟ لكن هيثم نظر له وقال بهدوء: -عايز أعرف الحقيقة. اتفاجأت من أدائه وماذا يقصد؟ لما يبدو طبيعياً عن آخر مرة رآه. -حقيقة إيه؟ -إيه اللي حصل يومها؟ احكي لي كل حاجة بالتفصيل.
تعجب كثيراً كيف غير رأيه فجأة. بل أخذ وقتاً كثيراً على أن يقول ذلك. -اتأخرت قوي. خشقفل الباب وجلس معه. -كنت قاعد في أوضتها زي عادتي. بس سمعت صوت عالي من أفنان وكانت بتزعق. استغربت لحد أما صوتها اتحول لصريخ. خرجت بسرعة وروحت لها. ولقيت لؤي بيهاجم عليها. ضاقت ملامح هيثم كثيراً وهو يجمع قبضته. ليكمل:
-بعدته عنها بس مكنش هامه وعايزني أبعد وأسيبه يكمل. مكنش طبيعي. بمجرد إني لفيت، ضربني على دماغي وفقدت وعي خمس دقايق. ولما فقت لقيتكم متجمعين. إنتوا بروحه اتهمتوني الباطل وبتكذبوا. وانتوا صدقتوا. حاولت أتكلم وأقولك الحقيقة، بس طبعاً محدش سمع لي. مكنتش مصدق اللي بيسمعه. مسك راسه اللي كان على وشك الانفجار من أحداث اليوم. وكسره الكلام اللي يربطهم. أكمل الآخر:
-يوم المطعم، كنا عاملين خطة عشان نوقعوا وجودك هناك. كان متوقع. عايزنا نسمعك كلامه. بس طبعاً هو قلب الطرابيزه عليها، وأنت عملت اللي عملته. وكان يقصد تحوله. افتكر كيف أمسكها ووضع السكينة على عنقها، وهي مسالمة له، ناصعة الحزن في عينيها، حتى جرحها من قسوته. "أسألك سؤال يا هيثم، لو كنت بتثق فيا، كنا هنوصل لهنا." لم يثق بها. لم يعطها فرصة لتبرر. كانت تصرخ باسمه في ذلك اليوم بأن يناجيها، وهو من قضى عليها. -أنا عملت إيه؟
قالها بضيق من نفسه وندم شديد. نظر له إسلام وأشفق عليه. نظر له هيثم. -شكراً يا إسلام. -على إيه؟ -إنك أنقذتها وأنا ما كنتش معاها. -ده واجبي. تخيل هيثم أفنان وهي تصرخ والآخر يقترب منها. تذكر ملابسها المبهدلة وشعرها المكشوف. لقد لمس ممتلكاته. حاول إيذاء حبيبته. احمرت عينه وقال: -هاخد روحه النهارده. رجع لؤي القصر وتوجه لغرفته. جلس وجد ريم واقفة عند باب غرفته. نظر لها. -عايزة إيه؟ كانت عينها مدمعة. -لؤي، اهرب.
استغرب من نبرتها. -مالك؟ -أنا آسفة. متزعلش مني. كانت تبكي. انصدم من اللي بتقوله وبكائها هذا. ليتسرب الخوف لقلبه. وقف وقال: -ريم، إنتي عملتي إيه؟ نظرت له ليدرك نظرتها وهي تحذر. انصدم. راح بسرعة فتح دولابه وخرج شنطته وهو يجمع أغراضه سريعاً. وقف هيثم بسيارته. دخل القصر مندفعاً. لحقه إسلام بقلق. نظره له الجميع وتفاجأت فاطمة حين رأت ابنها. نظرت لهيثم من شكله. خافت عليه منه. لكن استغربت كيف هم معاً. -محمد. -في إيه يا هيثم؟
-فين ابن أخوك؟ نظر إلى حمزة. -لسه راجع من برا. هو في حاجة. ذهب هيثم سريعاً. اتصدم لؤي لما سمع صوت هيثم. ساب كل اللي في إيده قبل ما هيثم يجي. مشي. بس اتفتح الباب بقوة في وجهه. انصدم. نظر له هيثم بغضب جحيمي وهو يقول، وسرعان ما أكال عليه بلك.مة قوية رنحته على سريره. -بتقرب لها يا ابن الـ.
تعدل لؤي سريعاً. جه هيثم يلكمه. تفادى لكمة ليكيل عليه بلكمة. لكن هيثم مسك قبضته وهو يعتصرها ليلوي يده بقوة وكأنه سيكسرها. ثم ركله في تجويفه السفلي، يطيح به أرضاً متألماً مختنقاً. -فاكرها شبه الـ.اخة اللي تعرفهم. جاء الجميع وانصدموا من شجارهم وغضب هيثم الهائم. وكانت ريم خائفة على أخاها كثيراً. قرب إسلام بسرعة من هيثم الذي تقدم منه. -اهدأ يا هيثم. -ابعد من وشي. مش هرح.مه.
دفعه بعيداً عنه. اعتدل لؤي لينقض عليه هيثم ويكيل عليه باللكمات والجميع مصدوم ويحاولون إبعاده. اقترب محمد منه ليخرج ابنه من تحته. -ابعد عنه يا هيثم. فهمنا في إيه؟ قال إسلام: -سيبه يا هيثم. خلاص. وهم يحاولون إيقافه. لكمه لؤي بقوة. أبعده عنه وركض سريعاً للخارج. انصدم هيثم. جه يمشي. وقفه محمد. -اهدأ يابني. مش كده.
كان يعيقه ولا يستطيع الذهاب. زقه وجرى وراه وهو يتوعد له بالجحيم. نزل لؤي بسرعة وهو يهرب منه. أخذ سيارة وذهب. رآه هيثم فتوقف عن ركض. راح بسرعة لعربيته. ركب وراح وراه. قالت سهير ببكاء: -عجبك كده؟ ابن أخوك هيموت ابني في إيده. قالت جني: -هو في يا إسلام؟ إيه اللي بيحصل؟ صمت. قال منير: -متتكلم. هو سر. قال بضيق: -هيثم عرف إن أفنان بريئة، وإن لؤي اتهجم عليها في غيابه، وهو اللي لبسنا تهمة الخيانة. انصدم الجميع.
-الكلام ده بجد؟ أومأ إيجاباً. لتنظر له فاطمة وهي مش مصدقة. -وانت... إنت كمان بريء؟ نظرت له وقال: -أنا ما عملتش حاجة يماما. أنا ساعدتها. بعدته عنها. إنتوا صدقتوا كدبة. صمت محمد وهو ينظر له. ذهب هيثم وتركهم. نظروا إليه. دمعت عين فاطمة وقربت من ابنها. -سامحني يا إسلام. نظرت له. أمسكت وجهه وقالت بحزن وندم: -كان المفروض أصدقك وأكذبك. بس أنا خذلتك. متزعلش مني. -أنا عمري ما بزعل منك.
سالت دموع من عينها واحتضنته وهي سعيدة، تشعر بأنه ابنها على تربيتها له. قالت جني: -كلنا غلطنا في إسلام وأفنان. كان المفروض نسمعهم. قالت فاطمة: -حقك علينا. المهم إنك رجعت لي. ابتسم لها، فهي كل ما كانت تهمه. قربت ريم منهم. نظر إسلام لها، كانت تخفض عينيها. -آسفة. كانت تعتذر له. نظر لها. ذهبت وتركتهم وهي تفكر في لؤي وهل أخطأت بما فعلته.
جلس هيثم والندم يأكل قلبه. ويتذكر نظرتها له، تبرراتها وهي تحاول معه مالياً. كان يستغل حبها ويؤلمها، يكسر ويذل بها، لتأكده من حبها. كيف كان بهذه القسوة؟ لا يعلم. لما في هذا الوقت تذكر كلامها. "هيجي يوم وتندم، بس في اليوم ده أنا مش هكون معاك." لقد ندم. ندم كثيراً. وها هي لم تعد معه. لقد حطمها ودمر نفسه معها. "إنت بنيت ليك حياة مليانة بالشك، ودي هتعبك في حياتك قوي." "شك؟
أنا حبيتك. فتحت قلبي ليكي انتي، وده اللي خدتيه مني." "الحب مش كده. عشان تحب لازم تصدق وتثق. انت محبتنيش." "أنا أشرف منك. اللي بيخون دلوقتي هو إنت، وإن كان في حد خاين فانت الحد ده." دمعت عينه، وكأن وجهها يراه، يخنقه، تعاتبه، تصرخ في وجهه، ويدرك كم محقة. كم هو دنيء وهي النظيفة. "ملكش الحق إنت توجعني كل شويه بسبب اللي عيشته في ماضيك."
"روح حاسب اللي وصلوك للحالة دي. متحاسبنيش أنا. بس يومها أنا مش هكون معاك. إنت من النهارده صفحة واتقفلت. صفحة ندمانة إني فتحتها. هيجي وتطلب السماح مني، بس مش هتلاقيه، لأن أفنان اللي تعرفها هتكون ماتت." حس بالخوف الشديد أن يكون فقدها. أن تكون هي أكبر خسارة في حياته. "كل حاجة ظهرت." دمعت عينها، فقد أظهر الله حقيقتها. بصلها، وأنها لم تسعد. لتقول: -كويس. المفروض أعمل إيه؟ نظر لها. -أفنان. -لو قلت اللي عندك، تقدر تمشي.
-عارفة إنك زعلانة مني. سامحيني على تأخيري. -أسامحك على إيه بالضبط يا هيثم؟ ها؟ أسامحك على إيه؟ لا فارق معايا عرفت الحقيقة إزاي، ولا إنت عدت فارق لي. شعر بالحزن. -حاسس بيكي. ابتسمت ساخرة. -إنت عمرك ما تحس بيا، لا قبل كده ولا دلوقتي. -أفنان، أرجوكِ اسمعيني. -وانت ما سمعتنيش ليه؟
طلبت منك دقيقة. دقيقة واحدة بس أشرحلك موقفي يومها. دقيقة تسمعني فيها أبرر لنفسي، بس إنت استكترتها عليا. برغم كده، ما سبتكش. جيتلك وأنت في وضع زبالة. حسيت باللي حسيت بيه. اسمعني لي. -عارف إني غلطت في حقك. -لا يا هيثم، إنت مجرمت فيا. فاكر يومها طلبت مني إيه عشان أوقفك؟ أوقفك تجرح في قلبي؟ ضاق هيثم من التذكر وهو يرى حزنها والندم يملأ قلبه. فقالت: -طلبت مني ليلة من غير أي رباط بينا. فاكر؟ حاولت تعمل فيا إيه؟
كان صامتاً، لا يتفوه بكلمة، وهو لا يقدر على مواجهتها من حزنها الذي يراه. -اخرج من هنا زي ما خرجت من حياتي. قربت، مسكت الباب. لكن دخل هيثم وأمسك يدها وسحبها إليه وهو يتوق عليها بذراعيه. اتصدمت أفنان، صاحت به وهي تقول: -بتعمل إيه؟ ابعد. دفعته بعيداً عنها لتبتعد. يقربها منه وهو يعانقها من الخلف. -سيبني. بتعمل إيه؟ جاي تكمل اللي ما خدتوش؟ ابعد عني.
كانت تضربه بقبضتيها بقوتها. وكان يتألم من صوتها ويقربها منه أكثر. وتحاول أن تبعده، لكنه لا يبعدها. استنشق رائحتها التي يعشقها واشتاق لها كثيراً. -اهدئي. أنا مش هاذيكي. -سيبني. أنا خايفة منك. أصابت جملتها المرعبة قلبه. حزن. وكانت تعتصر عينيها من غصة حلقها، وكأنها تنافر حزنها. قال بهمس: -عيطي يا أفنان. لو عايزة تعيطي، عيطي. مش همنعك.
صمتت. وبعد لحظة هدوء، شهقت وهي تأخذ نفسها بنشيج وتبكي بقهر. حزن كثيراً. لتبدأ ويتعالى بكاؤها. قال هيثم: -استحملتي كتير. عيطي. خرجي اللي جواكي. تعالى صوت أناتها. وكان يتألم كثيراً. -مش هنسى الشعور اللي حسستهولي. كانت تبكي وهو يتوجع من صوتها، يشعر برجفة جسدها. -ليه عملت فيا كده؟ قالت ذلك ببكاء. حزن كثيراً. وقال: -غبي. سامحيني يا حبيبتي. -عمر حد هيحبك قد الحب اللي حبتهولك. -عارف. وأنا كمان بحبك. صاحت به وهي تصرخ وتقول:
-كداب. -والله بحبك. عارف إني قسيت عليكي كتير. سامحيني. كان قلبه يوجعه من عيطها، وازاي طلب منها تعيط وهو أول حد هيتألم، وكأنه يعاقب نفسه بها. قال: -وقفي. قالها إليها وهي تبكي. ليردف: -ارجوكِ. مش قادر. وقفي عياط. -عمري ما هسامحك يا هيثم. قالت أفنان تلك الجملة، فأصاب قلبه الخوف والرعب من جملتها. -لو سجدت قدامي راكع، لو بيني وبينك دخول الجنة وإني أسامحك، مش هعملها. -إنتي بتسامحي؟ سامحيني المرة دي. -بكرهك.
أصاب قلبه خنجراً من تلك الجملة التي قالتها. دمعت عينه. -متقوليش كده، أرجوكي. -بكرهك بحجم الحب اللي حبتهولك. -لا يا أفنان، أرجوكي. -بكرهك.
شعر بأن قلبه يتمزق. ليدها تهدأ عن المحاولة في إبعاده وتصمت. لم تعد تبكي، لم تعد تصرح بتعاتها، أو يشعر برجفة جسدها وشهقاتها. تعجب كثيراً. وجد جسدها يثقل ويرتخي بين يديها، فأمسكها قبل أن تقع. لفها ليه، لقاها مغمضة عينيها وأسكنه. عرف أنها فقدت الوعي من بكائها. حملها على ذراعيه، قفل الباب ودخل. توجه لغرفة، اقترب من السرير وضعها عليه. نظر إليها عن قرب، كيف أذبل الحزن ملامحها، كيف جاءت إليها هالاتها السوداء، كيف نحفت أكثر من قبل. هل فعل بها كل ذلك؟
قرب من وجهها ليشعر بنعومة بشرتها ويقول بندم وحزن شديد: -أنا آسف. آذيتك كتير. مسك كوباية الماء ووضع بعض منها على يدها بيحاول يصحيها. حست بقطرات الماء. فتحت عينيها تدريجياً وهي بتفوق. بس لما شافته، اعتدلت على الفور وهي تبتعد عنه. -أنا بعمل إيه؟ -هنا؟ للحد رد فعلها والخوف منه. نظر لها. -اغمي عليكي فدخلتك. -اخرج من هنا حالاً. نظر لها. تنهد. وقف. اقترب منها. -أفنان. صرخت في وجهه وهي تقول: -برا. مش عايزة أشوف وشك.
دمعت عينه بحزن شديد. -والله بحبك. -وأنا بكرهك. -ادينا فرصة. فرصة أخيرة. -أحصل اللي حصل. -مفيش حاجة تقدر تصلحها. قرب منها برجاء. وقف أمامها. أمسك يدها. سحبتها. لطنه. أمسكها وقال: -عشان خاطري يا أفنان. متعمليش معايا كده. -مفيش ذرة رحمة جوايا ليك. اخرج. مش طايقة أشوفك ولا طريقة ريحتك. ضربت في صدره وهي تبعده عنها وتقول: -روح لمراتك الجديدة. مش كنت هتتجوز؟ جايلى ليه؟ ابعد عني. سيبني في حالي بقى. كفاية.
-مقدرتش أكون مع غيرك. عارفة إني غلطت في حقك وحق نفسي، بس والله كنت واحد تاني. واحد ما يعرفش هو بيعمل إيه. عايز بس يرضي غروره، يرضي كبريائه اللي اتكسر. مكنتش أنا، ولا دي قسوتي. نفرته من وجهها. أمسكها وجعلها تنظر له في عينيه. -بصيلي. هو ده هيثم اللي تعرفيه؟ أنا رجعت زي ما إنتي عايزة. هيثم حبيبك هو اللي بيكلمك دلوقتي. -أنا رجعت، بس بعد ما موتتني. -كل حاجة هتتصلح. ادينا فرصة تانية. -مستحيل. نظر لها. جت تبعد.
حط ايده عن أيسر صدره وقال: -متعمليش فيا كده. سامحيني المرة دي. -أسامحك على إيه يا هيثم؟ قالت ذلك بتساؤل. صمت. لتكمل: -أسامحك على إيه؟ ولا ع إيه؟ ولا ع إيه؟ على ضربك ليا؟ ولا إهانتك ليا طول الوقت وأنت بتعيرني بنفسي؟ أسامحك على طعنك ليا في شرفي؟ ولا على خيانتك ليا؟ إنت حل عني. مريضة. فاقدة الأمان من الكل. بسببك أنا بقيت هنا النهارده. مش كنت بتقول لي إنها غبية؟ غبية لإني بسامح وأعفو؟
ربنا ابتلينا بناس فاكرين الطيبة غباء والسماح ضعف. بس أنا عايزة أقولك إني مش هسامحك. هكذا قاعدتي ومش هغفر لك يا هيثم، لا دلوقتي ولا قدام. هتعيش بذنبى، بحق الوجع اللي سببتهولي. يدعي ربنا يديك أضعافه. كان يرى ما أوصله إليها والندم يأكل قلبه. -عارف ليه؟ -لأنك الوحيد اللي علمتني إزاي أكره. نظر لها بشدة. لتقول: -إنت أول واحد أنا بكرهه في حياتي. سالت دمعة من عينيه. -لا يا أفنان، أرجوكي.
-آه يا هيثم. مش هسامحك. ولو بيني وبينك دخول الجنة، مش هسامحك. سمعتني؟ اقترب منها بحزن. لهاتف في وجهه بصراخ وهي تقول: -متقربش. اخرج من هنا. نظر لها. لتصبح وهي تقول: -برا. حزن كثيراً. لتمسك رأسها وتردف بصوت ضعيف: -مش عايزة أشوفك.
أدرك أن لا محال للكلام بحالتها هذه. التف وغادر بهدوء، وتركها. جلست ووضعت وجهها بين كفيها وبكت. لم يعلم أن الأمر سيكون بهذا الشكل. والمواجهة صعبة على أن تتحمل رؤيته. أنه يغادر، لكن قلبه معلقاً معها. قلبه يفتك به ويصيح به غضب على ما فعله بمن أحبه. ذلك العقل لو استخدمه صحيحاً، لم أصبح هنا.
رجع هيثم القصر. دخل جناحه الذي لم يكن يقرب له من يومها، الذي كان يعيش معاها فيه. جلس والخيبة تملأ قلبه. ويتذكر كيف كانت مقابلتهم، كيف أثر عليها وفقدت وعيها بسببه، كيف أصبحت صحتها من ورائه. "أنا بكرهك يا هيثم. سمعتني؟ عمري ما هسامحك. ولو بيني وبينك دخول الجنة، مش هسامحك." سالت دمعة من عينه بصمت وهدوء. بينما قلبه يصرخ به غضباً ويعاتبه، وكأنه كرهه معه. قلبه أصبح يكرهه أيضاً. خفض رأسه بحزن.
-سامحيني يا أفنان. أنا فعلاً عايز السماح منك، وعارف إني مش هاخده. سامحيني. حس بحد يضع يده عليه. نظر، وجدها جدته. التي نظرت له. تكيأت وهي تجلس بجانبه وترى الحزن على وجهه. فتحت له ذراعيها. -تعالى هنا. دايماً بتواجه صعوبة في مشاعرك. هنا محدش هيسمعك. كانت وكأنها تحدث طفلاً، ليس رجلاً. فهي تراهم جميعاً أطفال. دخل هيثم في عناقها الدافئ، لكنه لم يستطع البكاء، وكأن النعمة البكاء حرمه الله منه. ليختنق. -أنا زبالة قوي.
-متقولش كده. -آذيت أكتر بن آدمة حبتني. جرحتها وذلتها. قلت لها كلام مفيش واحدة تقدر تستحمله. أنا أستاهل اللي بيحصلي. أنا خسرتها. -لو فعلاً بتحبها، حاول عشانها. البنت تستاهل. -بس أنا ما أستاهلهاش. أنا مقدرتش وجودها. هي استحملت كتير وعانت كتير بسببى. أفنان عمرها مهتسامحني على اللي عملته. -اللي بيحب بيسامح. وهي أكيد هتسامحك. ابتعدت عنها. ونظر لها. -تفتكري؟
-آه. بس إنت متسبهاش. وارجع يا هيثم. ارجع زي ما كنت. يمكن أما تشوف حقيقتك اللي ما ظهرتهاش، تحبك. تعرف إنك حنين ومش قاسي زي ما بتبين، وإن حبك غير، بس إنت اللي مانعه. متمنعهوش. وأظهر لها عشان تغفرلك. -مش هسيبها. هرجعها ليا، ولو هتكون هدفي العمر كله.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وربتت عليه. لأنه حسن قراره. سيزيح غشاوة عينيه ويستعمل قلبه. سيعود كما كان. كان يحرص قلبه ألا ينكسر من جديد، لكنه أصبح بالكامل لها. لن يستسلم معها كما لم تستسلم هي. سيعيدها إليه ويفعل المستحيل لتكون بين أحضانه من جديد. في اليوم التالي، كان طارق جالس مع أفنان. ينظر إليها. -إنتي كويسة؟ -آه. في حاجة؟ -لا. إنتي نسيتي إنك عايزة بطاقتك عشان السفر، ولازم تيجي عشان التأشيرة. -تمام. هنروح إمتى؟ -هتاخد وقت؟
-شكلك مستعجلة على السفر. -عايزة أبعد من هنا بأسرع وقت. -هيحصل. هاخدك بكرة. وأومأت له. وقف وغادر. لتعود لغرفتها بين جدرانها. تتذكر البارحة حين كان معها. أخذت نفساً. فهي ستغادر. سترحل وتترك كل شيء خلفها. جاء اليوم. وراحت أفنان. أتممت الأوراق وهي تأخذ الموافقة. تراهم وهم يمنحون جواز السفر. وكأنها ترى أن هناك من ينتظرها. قال طارق: -سألوكِ أسئلة كتير. -لا مش قوي. المهم إنها عدت على خير. -الحمد لله. هنروح مكان كده.
-مكان إيه؟ -هتعرفي. استغربت. مشيت معاه وهي لا تفهم شيء. لكن توقف حين وجدت عمر واقف وينظر حوله. وحين نظر لها ابتسم. نظرت لطارق. -كان نفسه يشوفك ويكلم والدتك كتير عنك. كان لازم يشوفك، خصوصاً لما عرف إنك هتسافري. صمتت. نظرت لعمر. اقتربت منه في هذه اللحظة وهي تريد عناقه. خافت حين تذكرت هيثم وأنه سيعنف معها وأنه محرم عليها. لكن فاقت وأدركت أنها تحررت. أنها تستطيع عناق أخيها. ذهبت إليه وعانقته. ليعانقها وهو يترك عكازه.
-قلقت عليكي. كنتِ فين كل ده؟ -معلش. كان حصلي ظروف كده. -إنتي كويسة؟ -آه. مل حاجة هتتحل. -إنتي هتسافري يا أفنان؟ وتسبيني هنا لوحدي. -سامحني يا عمر. بس لو قعدت هنا أكتر من كده هتخنق. لازم أمشي. -بس أنا مش هشوفك تاني. -لا. هكلمك كل شوية. وإن شاء الله لما تكبر وكنت لسه هناك، هبعتلك تيجي. -بجد؟ ابتسمت وقالت: -آه بجد. بس إنت واظب على علاجك. -حاضر. نظر طارق إلى ابتسامتها. كانت ترسمها رغماً عنها رغم حزنها.
-كنت عارف إنه هو اللي هيغير لك مودك. نظرت له. قالت بامتنان: -شكراً. ابتسم وقال: -ما عملتش حاجة. تيجوا نتغدى سوا؟ -لا. نظر لها. قالت: -عايزة أروح بسبب المشوار ده. تعبت مرة تاني. أومأ لها ولم يعترض، كل لا يضايقها. أوصلها إلى العمارة. ذكرته وذهبت. لكن وهي تتقدم، توقفت حين رأت هيثم واقف مسند على سيارته أمام العمارة. حين نظر لها اعتدل وكأنه كان ينتظرها. نظرت أمامها وذهبت للداخل. لحق هيثم بها. -أفنان، اوقفي.
لم ترد عليه وأكملت سيرها. مسك يدها. -اسمعيني. فلتت يده من يده. -متلمسنيش. نظر لها. شعر بالحزن. -حاضر. ممكن نتكلم؟ -مفيش حاجة نتكلم فيها. -لا فيه. اللي بينا مش قليل. -اللي بينا... هو في حاجة بينا أصلاً؟ -عارف إنك زعلانة مني وليكي حق. -إنت غلطان يا هيثم. أنا مش زعلانة منك. أنا مش طايقة أبص في وشك، فما بالك وقوفك معايا. أصابت كلماتها الحزن في قلبه. اقترب منها. وقف أمامها. -أنا بحبك. كانت الكلمة تؤثر بها. قرب يده من يدها
وهو يلمسها بحزن وحب ويقول: -والله العظيم بحبك. ارجعي لي. -إنت بتحلم يا هيثم. نظر لها بشدة. -معقول مفيش ولا ذرة حب جواكي ليا؟ -لا. أصابت كلمتها قلبه كخنجر يمزقه. لتردف: -إنت اختيار غلط ندمانة عليه. بحاول أصلحه. هرميك ورا ضهري وأشوف حياتي بعيد عنك، زي ما إنت شفتها. -أنا ما كانش ليا حياة بعدك. لا قبل كده ولا دلوقتي. كنت بمثل الجمود عشان جرحي كان كبير. والله ما كان أنا، ولا كنت عايش أصلاً. أنا كنت بموت ومازلت بموت.
-يبقا موت كمان وكمان. نظر لها. سحب يدها وانصرفت بعيداً عنه، تتركه في صدمته وخيبته. ألم تعد تحبه حقاً؟ هل كرهته؟ ألم تعد تريده؟ البتاع وستتركه؟ إنه لن يستطيع العيش من دونها. ذهب، اقترب من سيارته. نظر إلى شقتها ويتمنى رؤيتها. تنهد ودخل سيارته وغادر. كانت أفنان واقفة عند النافذة ورأته وهو يغادر. سالت دمعة من عينها، فقد انتهوا. ليمضي كل منهم بطريقه بعيداً عن الآخر.
ومرت الأسابيع. وجاء اليوم. جهزت أفنان حقيبة سفرها وأخذت ما يلزمها. نزلت وكان طارق ينتظرها. أخذ حقيبتها. شكرته. ركبت وذهبو وهم متوجهين للمطار. نظر لها وهي تنظر من شباك النافذة، وكأنها تترك بقايا أجزائها التي تملمت وتغادر. وصلوا المطار. نزلوا ودخلوا. قال طارق: -هسلم الورق. اقعدي هنا عقبال ما أرجع. -ماشي. ذهب. جلست. نظرت حولها. جاء طارق بعدما انتهى. -يلا. -خلصت؟ -آه.
ذهبت معه. وضعوا الحقائب وتوجهوا ناحية التفتيش لدخول الطائرة. وحين جاء دورها، وجدت ضابط يوقف الآخر عن تفتيشها وينظر ويقول: -إنتي أفنان محمود؟ استغربت. -آه. -اتفضلي معانا. نظرت لكارق الذي تعجب. -على فين؟ -هتعرفي. يلا. ذهبت معه وهي لا تفهم شيء. ذهب طارق معها، لكن الشرطي الآخر منعه. كانت أفنان تسير ولا تعلم أين تذهب. دخلوا لغرفة مكتب. لتجد شخصاً جالساً. نظر لها واتصدمت لما لقيته هيثم. -انتقل الشرطي.
-مدام أفنان، زي ما حضرتك طلبت يا هيثم بيه. نظرت له بشدة. -مدام مين؟ ابتسم هيثم. اقترب منها وضمه إليه وقال: -عايزة تسافري من غيري برد؟ نظرت له بحنق. اقتربت ببعدته. وهي تقول: -إيه اللي بيحصل هنا؟ قرب هيثم منها وقال: -يلا نرجع البيت يا حبيبتي. قربها منه. قالت بضيق: -ابعد. بعدته، بس قربها أكتر وهمس في أذنها: -امشي معايا بدل ما أخرج ورقة عرفي المزورة وعليها إمضتك. اتصدمت. ابتسم. نظر للشرطي وقال: -شكراً ليك.
وابتسم الشرطي وقال: -ده واجبنا. نورتنا يا هيثم بيه. أخذ أفنان وخرج. كانت متضايقة وتحاول إبعاده وإنزال يده من عليها. -وقفي المسرحية السخيفة دي. -عجبتني. -ابعد. أنا ورايا طيارة. -سفرك اتمنع. نظرت له بصدمة. -يعني إيه؟ -يعني مفيش خروج من البلد دي، سواء فرنسا أو غيره. لم اصدق ما تسمعه. دفعته بقوة بعيداً عنها. -خليهم يسبوني أمشي. -مستنيكي في الطيارة. وكان يقصد طارق. -ملكيش دعوة. -عايزة تبعدي عني؟ عايزة تسافريني وتسبيني؟
-آه. إنت السبب الرئيسي. عمري ما كنت هفكر في السفر إلا بسببك. الأرض اللي إنت واقف عليها بتخنقني منها. ثم عايزني أقعد لك؟ فإيه؟ أقعد عشانه؟ ده إنت حتى دراستي وقفتها. -هرجعك. ولو عايزة جامعة غيرها هدخلكها لك. -أنا مش عايزة حاجة منك. سمعتني؟ عايزك تبعد عني وبس. -مش هقدر. -ليه مش هقدر؟ عملتها يبقى تكمل. وسيبني في حالي بقى. كفاية لحد هنا. كفاية. أنا تعبت. شعر بالحزن من نبرتها. قرب منها. وقف أمامها. -إنتي حالي يا أفنان.
نظرت له. واردف: -من غيرك كنت ضايع. ولو سبتيني هضيع. سامحيني أرجوك. عايز السماح منك بس. -عايزني أسامحك؟ لظت عينه ببريق من الأمل. وأومأ إيجاباً. -قوي يا أفنان. هعمل أي حاجة قصاد إنك تغفري لي. -ابعد عني. انصدم من طلبها. -بتقولي إيه؟ -سيبني أعيش. وأنت شوف حياتك. -أي حياة دي اللي يراها؟ يريد أن يخبرها أنها حياته وتسارقها منه. حزن كثيراً. -مش هقدر. ولا هسمحلك تبعدي عني. نظرت له. ليكمل: -أنا آسف. مش هقدر أعمل كده.
قالت بحنق: -وأنا مش هسامحك. دمعت عينه. ذهبت وتركته مهموماً، فقد أضاع فرصة مسامحتها لأنانيته وحبه. فهو لا يستطيع الابتعاد عنها. رجعت أفنان الشقة. وكان الضيق على ملامحها. وتتساءل أين طارق الآن؟ هل رحل وتركها؟ إنه من كان يهون عليها هذه الوحدة. لقد تمنت أن تخرج من هنا. وها قد حكم عليها بالموت. وكأنها ستظل في عرينه مدى الحياة. راحت تشرب. رن تليفونها. كانت تحسبه طارق. بس وجدته عمر. ردت عليه. -إيه يا عمر؟ -سافرتي ولا لسه؟
شعرت بالحزن من التذكر أنها لسه هنا. -إنتي في طيارة؟ صوري لي نفسك والسحب. -أنا لسه في مصر. ما سافرتش. -إيه ده بجد؟ ليه؟ -حصل مشاكل. معرفتش أسافر. -يعني تقعدي معايا؟ غيرتِ رأيك. صمتت ولم ترد. فهو سعيد وهي من يحمل قلبها هماً كجبل. سمعت صوت جرس. -هروح أشوف مين. -ماشي. ذهب. وفتحت الباب. وتثمرت مكانها. وتتسع عيناها. -لؤي. نظرت لوجهه. -حبيب القلب اللي عمل فيا كده. -إنت إيه اللي جابك هنا؟ -جايلك إنتي يا أفنان.
نظرت له بشدة. قالت الباب سريعاً في وجهه. لكنه أوقفه ودفعها وهو يدخل رغماً عنها. فوقعت وصرخت. خاف عمر الذي لا يزال على الخط. -أفنان. أفنان. لم ترد. نظر للمكالمه. أغلقها وقال في الهاتف: "وأحضر رقم". كان هيثم في سيارته. رن تليفونه. رد. -إيه يا عمر؟ -هيثم. الحق أفنان. توقف هيثم بالسيارة فجأة. -أفنان مالها؟ -كنت بكلمها في التليفون. قالت إن في حد جا لها. بس سمعتها بتصرخ.
اتصدم هيثم. أنهى المكالمة. وأقل السيارة على الفور وهو يتوجه إليها. مسك تليفونه ورن عليها. لكنها لم ترد. -لا يا أفنان ردي. -عايز إيه؟ اخرج من هنا. -أنا بحبك. لسا عند كلامي. تعالي معايا. نبعد عنهم. هتغير عشانك ومش هكون عيل. هبقى راجل وأصونك. تفت في وجهه وهي تقول: -أنا بكرهك زيك زيه. -أنا عملتلك حاجة تأذيكي؟ -كل ده ومعملتش حاجة تأذيني؟ أنا كده النهارده بسببك. -يومها قلتلك إني نظمت. لما لقته بيضربك. قلتلك تعالي نهرب سوا.
-وأنا مش هعمل كده. -يبقا تستحملي اللي يحصل لك. تقدم منها. نظرت له بصدمة. -إنت بتعمل إيه؟ -أنا هربت. سبت عيلتي وهيثم بيدور عليا. مش هممني كل ده قدك، بدام عايز يموتني، يبقى أخد اللي عايز يموتني لسبب. -إنت مجنون. واعتدلت سريعاً وركضت لداخل. أمسكها لؤي وقربها منه. -هيثم خانك. افهمي بقى. عايزة ترجعي له؟ -ابعد عني. سيبني. اقترب منه وكانت تبعد وجهها. ركلته من الأسفل فتألم. طلعت تجري. دخلت أوضة وقفلت الباب بسرعة.
-افتحي يا أفنان. هكسره عليكي. ضرب الباب بقوة. فخافت كثيراً. سمعت صوت رنين تليفونها. بصت له. ولقيته هيثم. ردت سريعاً وهي مرتعبه. -ه... هيثم. الحقني أرجوك. -في إيه؟ إنتي كويسة؟ -لؤي... لؤي بيحاول... وانفتح الباب بقوة. فصرخت. -هيثم. اتصدم هيثم. أنهى المكالمة وزاد السرعة وقال: -هقتلك يا لؤي. والله محد هيرحمك. لم مستها. وقعت أفنان. بصت له بشدة. تقدم منها. ركضت، لكنه أمسكها من قدميها وقربها منه وهو يصبح فوقها.
-ابعد. حرام عليك. سيبني. اقترب منها وهو غير مستمع لها ولصراخها وهي تحاول إبعاده وتستنجد ولا أحد يناجيها. وصل هيثم. نزل من عربيته ودخل وهو بيجري إليها. وصل شقتها. وكان الباب مفتوح. دخل نظر حوله. لم يكن هناك صوت. كان الهدوء يعم. أسرع بخوف ودخل غرفتها وانصدم. تثمر في مكانه. وقدم له لا تحمله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!