تحميل رواية «ثأر الشيطان» PDF
بقلم سارة بركات
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ظلام .. مكان يملؤه الظلام على الرغم من وصول ضوء النهار لنوافذه ولكن ذلك أمر طبيعي بالنسبة للسجون .. سجون مظلمة بداخلها مجرمين بعضهم يملك قلبه ظلام دامس والبعض الآخر لم يلمسه الظلام حتى. كان السجناء يتحركون في صفٍ واحدٍ يتجهون صوب قاعة الطعام كالآلة التي تتحرك دون مشاعر ولكن مايشغل كل سجين منهم هو مايملكه خارج هذا السجن؛ فهناك من ترك عائلته وأطفاله وضحى بنفسه لأجلهم بسبب ضيق الديون، وهناك من سرق، وهناك من قتل و أيضًا هناك من سُجِنَ ظلمًا لإختلاف الأسباب .. ولكن غير كل ذلك كان هناك شيطان قوي مختبئ...
رواية ثأر الشيطان الفصل الأول 1 - بقلم سارة بركات
ظلام .. مكان يملؤه الظلام على الرغم من وصول ضوء النهار لنوافذه ولكن ذلك أمر طبيعي بالنسبة للسجون .. سجون مظلمة بداخلها مجرمين بعضهم يملك قلبه ظلام دامس والبعض الآخر لم يلمسه الظلام حتى.
كان السجناء يتحركون في صفٍ واحدٍ يتجهون صوب قاعة الطعام كالآلة التي تتحرك دون مشاعر ولكن مايشغل كل سجين منهم هو مايملكه خارج هذا السجن؛ فهناك من ترك عائلته وأطفاله وضحى بنفسه لأجلهم بسبب ضيق الديون، وهناك من سرق، وهناك من قتل و أيضًا هناك من سُجِنَ ظلمًا لإختلاف الأسباب .. ولكن غير كل ذلك كان هناك شيطان قوي مختبئٌ في عرينه، لا يعلم أحدٌ سبب بقاءه في ذلك السجن حتى اليوم.
في غرفة مظلمة ينبعث من نافذتها نور الصباح كان الصوت المسموع بها أصوات أنفاسه الثقيلة، كان يقوم بعمل تمارينه الصباحية القاسية، تمارين تُبرز عضلاته القوية بشدة .. من يراه يتمرن هكذا يعتقد أنه يقوم بتعذيب نفسه، ولكنه مُعتاد على ذلك.
إنتهى من تمارينه ثم إعتدل وأخذ ثيابه النظيفه وإتجه صوب المرحاض ليستحم ليزيل عن نفسه عناء مافعله بجسده .. قام بتشغيل المياة وإنسابت على جسده بالكامل .. وبعد أن إنتهى إرتدى ثيابه ثم خرج من المرحاض متجهًا نحو مائدة الطعام.
كان هناك شابًا يتحرك بشرود ولم ينتبه للشخص الذي بجانبه والذي إصطدم به بقوة.
"مش تِفَتَّح يا أعمى؟"
أردف السجين بغضب.
"أنا آسف جدًا مانتبهتش."
إقترب منه السجين ولم يقبل إعتذاره وقام بلكمه بقوة وكاد أن يلكمه مرة أخرى ولكن أوقفته يد الشيطان الذي أردف بهدوء.
"ماتمدش إيدك على حد هنا طول ما أنا موجود."
"هتعمل إيه يعني؟ خوفت أنا."
أردف السجين بسخرية. أما بالنسبة للشاب فقد أردف بخوف من ذلك السجين.
"جواد بيه إبعد عنه ده هيأذيك."
إبتسم جواد نصف إبتسامة وهو يرى ذلك السجين قد إتسعت إبتسامته أكثر.
"اسمع كلام الكتكوت الصغير وبطل لعب مع الكبار."
كاد أن يضع السجين يده على ذراع جواد ولكنه أمسكها بقوة وقام بثنيها خلف ظهره في نية منه لكسرها .. شعر الرجل بألم شديد .. وأردف جواد بهدوء مبالغ فيه.
"بكرر كلامي مرة تانية، ماتمدش إيدك على حد طول ما أنا موجود."
ثم دفعه على سجينٍ آخر بقوة، وإبتعد ليجلس على مائدة الطعام بجوار ذلك الشاب الذي لُكِمَ منذ قليل.
"شكرًا لحضرتك، أنا آسف إني دخلتك في مشاكلي."
ربت جواد على كتفه بهدوء دون أن يتفوه بكلمة ثم شرع يتناول طعامه.
كان السجناء حوله إما بعضهم صامت أو آخرون يضحكون ويدردشون، وأثناء تناوله للطعام شعر بخطوات سريعة خلفة. نظر لصورة معكوسه على الصحن الذي بجانبه وبحركة سريعة منه رفع ذراعه يمسك بها يد الشخص الذي كان يقترب نحوه من الخلف ممسكًا سكينًا كان ينوي بها أن ينهي حياته.
إلتفت للشخص الذي كان يحاول أن يقتله للتو كان ذلك السجين الذي لكم الشاب. حرك جواد رأسه يمينا ويسارًا وقام بخلع ذراعه الذي يحمل السكين. صرخ السجين بألم ولم يكتفِ بذلك بل كسر أصابعه التي تُمسك بالسكين. تألم السجين وكان يحاول أن يبتعد عن ذلك الشيطان ولكن هيهات.
قام جواد بأخذ السكين من يده ثم غرسها بقدمه بقوة. صرخ الرجل بألم شديد أمام أعين كل السجناء ولكن لم يفعل أحدٌ شئ بل كانوا يشاهدون مايحدث في صمت. ثم ضرب وجهه بالطاولة التي أمامه مما جعل السجين يفقد وعيه. وضع السجين على كرسي ودفس وجهه بصحن ممتلئ بالطعام ثم عاد يجلس مرة أخرى ليكمل طعامه بهدوء. وأيضًا عاد السجناء لإكمال تناولهم للطعام.
بعد أن انتهى من تناول طعامه عاد لزنزانته الإنفرادية، أخذ يبحث عن هاتفه لكي يرى شيئًا به ولكنه إنتبه أن هناك إشعارًا على هاتفه برسالة مرسلة إليه من رئيسه بالعمل أو بالأخص الشخص الوحيد الذي وقف بجانبه منذ الصغر ومن يومها وهو عاهد نفسه أن يكون يده اليمنى وأن يبقى بظهره دائما.
"الفترة دي بيجيلي تهديدات يا جواد، حاسس إني اتورطت في مصيبة .. أنا خايف على شمس حاول تطمن عليها في أقرب وقت .. خايف يكون جرالها حاجة من بعد ما اتجوزت من تلات شهور كلمتني فترة وبعد كده أخبارها إنقطعت عني ومن وقتها وهي مباقتش بتظهر ومش عارف أوصلها."
أغمض عينيه بقوة يحاول أن يأخذ نفسًا عميقًا يهدئ من روعه. "شمس" صاحبة ذلك الاسم تطارد أحلامه دائما وتخطف أنفاسه أيضًا بمجرد التفكير بها؛ لدرجة أنه قد ابتعد عنها حتى ذهب إلى مكان لا يستطيع أن يصل له أحدٌ فيه بعد أن تزوجت ولكن ها هو القدر يجمعه بها مرة أخرى.
قام بعمل بعض الإتصالات وأصدر بعض الأوامر ثم إرتدى ثيابه ببرود يتجهز لأن يخرج من تلك الزنزانة. خرج منها ثم من السجن بهدوء وثبات فمن يجرؤ أن يمنع الشيطان جواد عن خروجه من السجن دون تصريح؛ فهو مجرد زائر أو شخصٌ مقيمٌ به فكل من في السجن يكن له الإحترام والتقدير.
شيطانٌ يمشي بهدوء مرتديًا حُلته السوداء وتوقف حينما توقفت أمامه سيارة سوداء ضخمة.
"جواد بيه .. حمدالله على السلامة."
نظر جواد لحارسه الشخصي وهز رأسه ثم ركب سيارته والتي كان ينتظره رجلا يعرفه بداخلها. قدم له صورةً لفتاة ذات بشرة حنطية ووجهها به نمش وعينيها بلون آشعة الشمس جعلت قلب جواد يدُق كعادته.
"شمس هانم من وقتها إختفت وده كان آخر ظهور ليها."
الصورة تُظهِر أنها كانت تقضي عطلة صيفية. وقع عينيه على الشخص الذي يحتضنها بقوة والذي يُدعى زوجها.
"زي ماحضرتك شايف الصورة كانت من شهر العسل و...."
قاطع كلماته نظرات جواد الشيطانية وعاد يطالع شمس التي بالصورة مرة أخرى يحرك أصابعه الطويلة والجذابة على وجهها الجميل وظل يطالع إبتسامتها تلك. تنهد متذكرًا ضحكاتها البريئة واللطيفة والناعمة تلك أيضًا.
منذ شهورٍ عديدةٍ مضت:
كانت تركض على أدراج القصر بشعرها الكستنائي وتحمل كتبها لأنها على مايبدو أنها متأخرة على جامعتها كالعادة. ركضت نحو غرفة الطعام وهنا قفزت على قدم والدها الستيني تقوم بإحتضانة بقوة متجاهلة جميع الحرس الموجودين بالقاعة ومن بينهم جواد الذي يقف خلفه بشموخ بقوة.
"صباح الخير يا بابي."
ضحك بهجت على طفولة إبنته اللطيفة.
"مش كبرنا على الحركات دي ولا إيه يا شموسة؟"
ضمته بقوة وهي تنظر في عينيه.
"أنا عمري ما أكبر طول ما أنا لاقية الدلع الحلو ده."
ثم إستقامت وإعتدلت وهي تمسك بكتبها.
"هحتاج أمشي أنا بقا عشان متأخرة جدًا."
أردف بهجت بتعجب.
"بالسرعة دي؟"
تنهدت وهي تقوم بتعديل ثوبها الأصفر المليء بالورود السوداء.
"متأخرة على الجامعة انت عارف إن النهاردة أول يوم في آخر ترم وأخيرا هتخرج، بس عشان ده أول يوم لازم ألِّم شلتي الفاسدة حواليا كالعادة."
قهقه بهجت من تلقائيتها تلك.
"ماشي يا حبيبتي أنور السواق مستنيكي بره."
قبلته على وجنته قبلة رقيقة وحينما كانت تعتدل تقابلت نظراتها مع جواد الذي ينظر لها ببرود. ذلك لوح الثلج الذي لا يهتم ولا يبالي لأحد. دائمًا ما تطلق عليه ذلك اللقب. ولكنها لم تهتم له وكادت أن تتحرك. إلتفتت لوالدها مرة أخرى.
"أنا هتأخر على فكرة."
"رايحة فين؟"
ذلك ما أردف به بهجت بتساؤل وهو يترك طعامه.
"هنزل المول هشتري شوية حاجات مع أصحابي."
"طيب لما تخلصي كلية كلمي جواد يجيلك عشان يبقى معاكم هو والرجالة."
نظرت بضيق نحو جواد الذي يطالعها بهدوء.
"لا بلاش جواد أصحابي بيخافوا منه."
سمع جواد ضحكات مكبوته من الرجال خلفه ولكنهم صمتوا عندما طالعهم بنظرة شيطانية. وما ضايقها أكثر هو صمته وعدم رده عليها بل رد على والدها.
"أوامرك يا بهجت بيه."
ثم نظر جواد نحو الفراغ لم يعِرها إهتمام. تضايقت أكثر من إبتسامة والدها تلك.
"بابي لو سمحت، أنا مش عايزاه ييجي."
تنهد بهجت مردفًا بإستسلام.
"ماشي يا شمس .. هشوف أي حد يجيلك."
ابتسمت بسعادة وطالعت جواد بإنتصار. لم يبالِ لها. شعرت بالضيق مرة أخرى ولكنها رحلت لكي لا تفتعل المشاكل، فمزاجها اليوم جيد لا تريد أن تُعكره بسبب جواد. ركبت السيارة وبدأ السائق بالتحرك.
بعد خروجها أردف بهجت بإبتسامة هادئة لجواد وهو يطالعه.
"معلش يا جواد لو طلبت منك تروح معاها، إنت عارف إني مابعرفش أثق في حد غيرك، الكل عارف إنك مش حارس شخصي، أنت دراعي الليمين في كل حاجة."
أردف جواد بهدوء.
"كلمتك سيف على رقبتي حتى لو هبقى جليس أطفال، طالما دي أوامرك أنا هنفذها."
إبتسم له بهجت بامتنان يتذكر وقوف جواد الدائم بجانبه لقد كان إبنه الذي لم يُنجبه قط. هو طوال حياته تمنى لو يكون لديه إبن ولكن الله رزقه بإبنته الجميلة تلك والتي يحمد الله على وجودها، ولكن تلك العنيدة يصعب التعامل معها حقًا. يخاف عليها كثيرًا. ظل جواد ينظر له بإبتسامة هادئة يراقب ملامح وجهه حتى أردف.
"عايزني أروحلها، صح؟"
هز بهجت رأسه وهو يتنهد.
"شمس كل حاجة بالنسبالي ومابعرفش آمِن لحد غيرك في أي حاجة تخصني، روح معاها المول وخد رجالتك معاك."
"أوامرك."
مر بعض الوقت وتوقفت السيارة أمام باب الجامعة. خرجت منها شمس مرفوعة الرأس وعلى وجهها ملامح الغرور والتكبر. دخلت الجامعة وهي تتحدث بالهاتف مع إحدى صديقاتها.
"إنتِ فين؟"
"أنا بالكافيتيريا يا شمس، عم انطرك."
أغلقت الهاتف ثم بدأت بالبحث عن صديقتها والتي تدعى "مرام" سورية الجنسية ويلقبونها ب "روما". دخلت الكافيتيريا تبحث عنها حتى وجدتها. كانت ذات بشرة حنطية وشعر أشقرٍ أجعد قصير وترتدي بنطال جينز وسترة قصيرة دون أكمام. توقفت شمس عندما رأتها تجلس مع شاب يبدو أنه زميلهم بالجامعة. إقتربت منهما قليلًا وكان حديثهما على مسمعها.
"إيه، كيف بلشت؟"
"كنت بجرب حظي وأهي ضربت معايا."
إنتبهت روما على إقتراب شمس منها.
"شمس حبيبتي."
إعتدلت روما ووقفت تحتضنها بقوة، وبادلتها شمس بقوة.
"يا الله، أنا كتير اشتقتلك الشهرين ياللي مروا حسيتهم دهر في غيابك رفيقتي."
إبتعدت شمس عنها وإبتسمت بحب.
"وإنتِ كمان وحشتيني أوي يا روما."
ثم صمتت تشير بطرف عينيها للشاب الجالس. تحدثت روما بإستيعاب.
"يا ويلي شو نسيت، هاد ساجد رفيقنا هون بالجامعة بس أنا بعرفه عن طريق الشغل .. ساجد هاي شمس أقرب رفيقه إلي."
إبتسم ساجد وإعتدل وإقترب يصافحها.
"إزيك يا شمس؟، سعيد إني إتعرفت عليكي."
"شكرًا."
ظل يطالعها كثيرًا أما شمس فقد ابتسمت بهدوء لذلك الشاب، شابٌ طويل ذو ملامح رجولية جميلة يبدو عليه بعض الإرهاق ولكن على ماتعتقد أن ذلك بسبب العمل لأن روما ذكرت قبل قليل أنهما يعرفان بعضهما عن طريق العمل. أبعدت يدها عن يده بهدوء.
ثم وجهت حديثها لروما تتهرب من ذلك الشاب الوسيم.
"يلا نمشي باقي البنات مستنيينا."
تركاه بعد أن ودعاه وعندما خرجتا من كافيتيريا الجامعة بدأت شمس بالتحدث.
"كنتم بتتكلموا في إيه؟"
"كان بيحكي عن بداية شغله بالمجال إللي بشتغل فيه، بس تعرفي إنو شب كتير غني."
"بجد؟"
"إيه، مايعرف ليش عم يشتغل وهو مالو محتاج مصاري."
لم تهتم شمس بأن تسأل عن عملهما أو عن حياته الشخصية وظلتا تسيران حتى إقتربا من باب الكلية.
"لَك ماقِلتي، وينُن البنات؟"
أردفت بتأفف.
"ياشيخه ماتعوجيش لسإنك كده إتكلمي مصري بتعقديني مابفهمش حاجة منك وبجمع الكلام بالعافية عشان برستيجي مايروحش، إتكلمي معايا مصري أسهل بدل ما أخليكي تريقة الجامعة كلها يا روما في إيه؟"
"اخ منك إنتِ ياشمس، أنا مش بعرف أحكي مصري كتير بس حاضر هلغبط بينه وبين السوري كِرمالك .. هلأ فين البنات؟"
"داخلين عليهم أهوه."
إقتربتا حيث تقف مجموعة من الفتيات يضحكن بأصواتٍ عالية ولا يهتممن أنهن بالجامعة. حيوا بعضهن ومن مظهر تجمعهن ذلك كان يبدو أن شمس هي قائدة ذلك الجمع. إقتربت إحدى الفتيات نحو شمس كانت ترتدي عدسات طبية ومن مظهرها يبدو أنها فتاة من الطبقة المتوسطة.
"شمس، إزيك؟"
نظرت لها شمس بإبتسامة هادئة.
"ازيك يا صباح؟ أخبارك إيه؟"
قامت صباح بتعديل عدساتها الزجاجية ثم تحدثت بإحراج لأن باقي الفتيات ينظرن لها بسخط، ولكن مايهمها الآن هو أن شمس قامت بالرد عليها وأيضًا مازالت تتذكر إسمها، رائع!
"أنا الحمدلله بخير، أنا قعدت أتصل بيكِ كتير في الأجازة ماكنتيش بتردي عليا، أتمنى إنك تكوني بخير."
كانت الفتيات حول شمس يسألون أنفسهم الكثير من الأسئلة، كيف تتحدث معها شمس هكذا؟.. كيف أعطتها المجال من الأساس أن تأتي وتقف معهن هكذا؟
"ممكن أكون مانتبهتش للموبايل وقتها، بس شكرًا إنك افتكرتيني."
كادت أن تتحدث ولكن قاطعتها شمس بتحدثها إلى الفتيات.
"يلا بينا يا بنات نخرج، حاسة الجو بقا يخنق أوي."
"فعلا، عندك حق."
شعرت تلك الفتاة المدعوة بصباح بحزنٍ شديد ثم راقبتهم وهم يخرجون من الجامعة. أردفت بحزن محدثة نفسها.
"ممكن هي مش قادرة تتكلم فعشان كده هي مشيت."
كانت تبرر لشمس طريقتها تلك ثم دخلت المحاضرة. أردفت إحدى الفتيات لشمس.
"إنتِ بتطيقي المعاملة إزاي معاها بجد؟"
أردفت بلامبالاة.
"بتساعدني في المذاكرة والإمتحانات."
أردفت أخرى بملل.
"ربنا يعينك على المعاملة مع الأشكال دي."
نظرت شمس لهن جميعًا قليلاً ولكنها لم تُجِبهم. قضت الفتيات يومهن دون حضور أي محاضرات تُذكر بل قضوه بالكامل في سياراتهن يتحركن بلا هدف. بمرور الوقت.
على جبلٍ مرتفع قليلًا في مدينة المقطم، كانت شمس تجلس بسيارة روما تنظر بشرود أمامها ولكنها إستفاقت من شرودها ذاك عندما أعطتها روما السيجار التي بيدها.
"خِديلك دِخان."
حاولت شمس أن تقوم بالتدخين ولكنها سعلت بشدة.
"صعبة أوي، لا مش قادرة."
"جَرْبِي بس."
دخنت قليلًا ولكن بصعوبة ولم تستطع إكمالها وأعادتها لها مرة أخرى. حركت روما رأسها يمينًا ويسارًا مردفة بسخرية.
"فرفورة إنتِ يا شمس."
"ماتعودتش على كده."
"بيصير حبيبتي في يوم."
وأكملت روما تتعاطى الدخان. إلتفت لها شمس تطالعها.
"بتشربوا الحاجات دي إزاي؟ أنا شايفة إن البنات كلها..."
أشارت نحو باقي الفتيات وهن يجلسن بسياراتهن يقمن بالتدخين. "... إتعودوا يشربوا الحاجات دي، في حين إن من كام شهر بس كانوا زيي كده."
"مابعرف كيف أحكيلك، بس أنا والبنات كنا عم نتقابل كتير في الأجازة واتعودوا، هو بس الموضوع محتاج جرأة وتعود مش أكتر، بس إنتِ خايفة من والدك .. شو بعملك أنا؟"
إعتدلت ثم بدأت التفكير بوالدها.
"لا مش خايفة منه طبعا، بابي بيحبني ومش بيرفض أي حاجة أنا عايزاها."
"يبقى خَلَص، ليش عم بترفضي؟"
"هقولك، أنا بحس إن الحاجات دي مش لينا ..دي للرجالة."
"بتعرفي شمس، أحيأنا بشعر إنك بريئة كتير، وأحيأنا بشعر إنك متلنا هيك ما إلِك أهل يسألوا فيكِ."
كادت أن تتحدث ولكنها إنتبهت لشئ لم تنتبه له قبلًا، أردفت شمس بصراخ وهي تشير لأنفها.
"إنتِ عملتي بيرسينج إمتى؟"
"عَاجْبِك؟"
"طبعا عاجبني، عملتيه إمتى؟ وإزاي تعمليه من غيري؟ إنتِ عارفة إن كان نفسي فيه من بدري."
"خَلَصْ بنروح سوا وبسويلك واحد."
"إتفقنا."
"إمتى بدنا نروح عالمول؟ كل هاد الوقت عم ننطر إن وقت الجامعة يخلص."
أخذت شمس تطالع هاتفها تنظر للوقت.
"خلاص قربنا، يلا نتحرك وهما أكيد هيستنوني."
"ليس عم ننطرهم ياشمس؟"
"لإن بابي مايعرفش إني مابحضرش محاضرات، فمش عايزاه يزعل لو اكتشف ده، عايزة أخلص الجامعة على خير."
"أنا بحكي إنو ليش عم ننطر رْجال ميشان يحرسونا، نِحْنَ مو أطفال ياشمس."
"دي تعليمات بابي."
تأفأفت روما ولكن شمس إبتسمت بهدوء متذكرة حديث والدها دائمًا بأنه يخاف عليها ولذلك تقوم بتنفيذ تعليماته. تقصد بعض تعليماته لأنها متهورة قليلًا. إنتبهت عندما أخرجت روما سيجارًا مختلفة عن التي كانت تتعاطاها قبلًا.
"تاخدي واحده؟"
"لا طبعا."
قهقهت روما وهي تقوم بالتدخين وبدأت بتحريك سيارتها. ثم بدأت باقي السيارات بمتابعتها. بعد عدة دقائق وصلت الفتيات للمركز التجاري المقصود. وأخذت شمس تبحث حولها عن حرس والدها الشخصي. حتى وجدتهم يقفون بعيدًا. أشارت لهم بأن يتقدموا ولكنه فتحت عينيها على مصراعيها عندما ظهر جواد أمامها. تلعثمت عندما رأته.
"جواد."
"شو؟"
إلتفتت روما تنظر برعبٍ للوح الثلجي الذي يقترب نحوهن.
"شو هالمصيبة هاد! بَعدُوه عنَّي، رَح يِكشفني .. دِخان السجاير كِلُه مْعَبَى بِتْيَابِي."
إبتعدت روما تقف خلفهن. ضيق جواد عينيه بشك من حالة تلك الفتاة السورية الخائفة. ثم عاد ينظر لكل الفتيات اللواتي تغيرت ملامحهن أيضًا.
"إنتِ قولتي إنه مش هييجي."
أردفت شمس برجفة خفيفة عندما تقابلت عينيهما بصمت.
"هو فعلا مكنش هييجي، بس بابي شكله غير رأيه من غير مايقولي."
توقف أمامهن بهدوء مريب لبضع ثوانٍ ثم إقترب نحو شمس التي كانت تقف جامِدة. كانت المسافة بينهما قليلة يطالعها بتركيز ولكنها بدلًا من أن تخاف منه أن يُكشف أمرها رفعت رأسها بغطرسة وغرور تطالعه في المقابل.
"من يظن نفسه هذا حتى يكون مصدر خوفها؟"
هدأت ملامح جواد ثم أردف.
"هنبدأ من فين؟"
أردفت بغرور.
"خليك ورايا وخلاص."
أخذ نفسًا عميقًا يحاول أن يهدِئ من روعه لأن طفلة صغيرة من تقوم بإصدار الأوامر. ثم هز رأسه. تحركت من أمامه وتحركت خلفها الفتيات وكانت روما تحاول أن تختبئ بينهن ولكن جواد إنتبه لذلك الوشم الموجود على كتفها من الخلف. كان وشم على هيئة ثٌعبان. عَقِد جواد حاجبيه وهو يطالع ذلك الوشم.
كانت الفتيات يتمسكن بشمس التي تحاول أن تكبت ضحكاتها.
"إنتوا بجد خايفين منه؟"
"إنتِ مش شايفاه عامل إزاي؟ تحسيه رئيس مافيا."
قهقهت شمس متحدثة بسخرية.
"جواد؟! رئيس مافيا!.. إتكلموا في حاجة منطقية شويه .. قال رئيس مافيا قال."
في الوقت الحالي:
كان جواد يقف أمام مخزن أسلحة يتجهز جيدًا لمهمته التي خرج من السجن لأجلها ثم سيعود لسُباتِه مرة أخرى بعد أن يجدها. كان يقف خلفه مجموعة من الرجال يتجهزون أيضًا وبعد أن إنتهى.
"عنوان المكان وصل يا زعيم."
نظر جواد جيدًا للموقع الذي ينظر إليه. يبدو أن الوغد يحب المناظر الطبيعية لكي يقوم بإختيار المالديف أنسب مكان للخطف! حان الآن إنتهاء وقت شهر العسل.
رواية ثأر الشيطان الفصل الثاني 2 - بقلم سارة بركات
في جزيرة رائعة الجمال تدعى "المالديف" في منزل صغير رائع الجمال من الخارج ولكن حينما نُلقي عليه نظرة من الداخل نجد أنه ليس بجميلٍ، بل بشع نظرًا لما يفعله ساكنه بداخله .. كانت مُلقية على الأرضية الباردة بوجهٍ مليءٌ بالكدمات وليس وجهها فقط، بل جسدها أيضًا به علامات تعذيب أرهقتها وأضعفتها .. ترتدي فقط ثوبٌ أسودٌ قصير دون أكمام يقرب لثياب النوم .. كانت تتنفس بثقل تحاول أن تعتدل ولكن الضربات التي أخذتها من زوجها الذي خذلها وظهرت حقيقته بعد الزواج مباشرة منعتها من ذلك .. تحاملت وإستندت بركبتيها المتورمتين على الأرض ووقفت بصعوبة محاولة تحمل ذلك الألم الذي يفتك بجسدها بالكامل .. وقع بصرها على السلاسل الحديدية المعلقة على جدران الغرفة التي بها .. شعرت بالخوف وتمنت أن تهرب ككل مرة تهرب بها ولكن تلك المرة تتمنى أن لا يستطيع الوصول إليها .. وصل إليها صوت المياة في الحمام إستنتجت أنه يأخذ حمامًا لكن من مِن المفترض أن يأخذ حمامًا؟؟ هو أم هي؟
"لا وقت لذلك السؤال الآن، شمس" كانت تتحدث بينها وبين نفسها "هذه الفرصة العاشرة لكِ لكي تهربي من ذلك الحقير"
إلتفتت وإتجهت نحو باب المنزل ولكنه مغلق بإحكام تأففت وتحدثت بين نفسها مرة أخرى
"يبدو أنه قد تعلم من آخر مرة .. إذا لنبحث عن طريقةٍ أخرى"
إتجهت نحو إحدى النوافذ الخشبية وجدت أن الفرق بينه وبين الأرضية الخارجية ( الرمال) ليست كبيرة كأي منزل، بل أغلب المنازل هنا صغيرة تتكون من طابقٍ واحد على الأقل والمقصود هو المنازل القريبة من الشاطئ.
هتفهت بهمس:
"مش مشكلة أنا كده كده متدغدغة، مش هتيجي على دي، وحتى لو لو هموت المهم إني هبعد عنه ومش هشوف وشه تاني."
ثم ألقت بنفسها من النافذة ووقعت على الرمال .. حمدت الله أنها لم تتألم كثيرًا وإعتدلت لتقف وبدأت بالركض حافية القدمين وشعرها يتطاير خلفها .. تركض بسرعة شديدة لا تريد أن تنظر خلفها .. تركض دون وجهة معينة .. لا تعرف أي شخص على تلك الجزيرة .. وحتى لو أوقفت أحدهم سيعيدونها لزوجها .. يا الله كم تتمنى أن تتخلص منه، هي فقط عروس! .. كانت عروسٌ تقضي شهر عسلها الذي طالت مدته ولا تعلم متى ينتهي مع زوجها ومعشوقها الذي أحبته ببراءة .. ولكنها لم تكن تعلم أن كل ذلك سيحدث .. تتذكر كم كانت عنيدة في إختيارها له وأنها تحدت والدها لأجله .. هبطت عبرة من مقلتيها لتذكرها كل ذلك، لقد وقع والدها أرضًا يومها وكاد أن يصيب بجلطة بسبب عِندها معه .. ولكنه في النهاية رضخ لأجلها .. لقد كانت غبية وعنيدة و أنانية .. لقد إختارته على والدها .. وقفت تلفظ أنفاسها بصعوبة وبدأت بالبكاء بنحيب بقلبٍ مؤلم، لقد جرحت والدها .. وتتمنى لو يجتمعا مرة أخرى حتى تخبره كم تحبه وكم هي نادمة على مافعلته به .. حتى لو لآخر مرة.
إنتهى من حمامه وإرتدى ملابسه وبعد أن إنتهى ذهب للغرفة التي كانت بها ولكنه لم يجدها .. تنهد ساجد بضيق من تلك الغبية المُدللة .. يبدو أنها هربت للمرة التي لم يعد يذكر كم هو عددها، خرج من المنزل ليبحث عنها ولكن تلك المرة لن يمر الأمر على خيرٍ بتاتًا.
وصل اليخت الذي يحمل جواد ورجاله ... كان الطقس باردًا .. لا يصدقون من ذلك الأحمق الذي يقضي شهر عسله هنا في ذلك الطقس .. بدأت السماء تُمطر بشدة وإتجه جواد ورجاله نحو الوجهة المرسلة إليه .. إفتحموا المنزل الخشبي الصغير ولكنهم لم يجدوا أي أحدٌ به .. نظر جواد حوله يتفحص ذلك المنزل .. ترك السلاح الذي بيده جانبًا وبدأ يستكشف المكان حتى دخل غرفة صغيرة توقف بها عندما رأى ما بداخلها .. سلاسل حديدية و سوط! إلتفت ينظر للمكان أكثر .. هناك أدوات تعذيب! .. وآثار دماءٍ أيضًا .. إحمرت عينا جوادُ بغضب وخرج من تلك الغرفة يجعل رجاله يلاحقوه .. إنتبهوا لآثار الأقدام بالخارج كانت أثار قدميها الحافيتين وضع جواد يده على موضع أقدامها ثم إنتبه لآثار حذاء رجالي كان يلاحق تلك الآثار ... لاحق تلك الآثار أيضًا ولكن أسرع من أي أحد .. كانت بين الأشجارِ في الغابة الخاصة بتلك الجزيرة والمطر كان يجعلها تتحرك بقدميها العاريتين بصعوبة والبرد القارس يؤلم جسدها بشدة ذهبت نحو أرض رطبة وإنزلقت بسبب المياة ووقعت أسفل تلك الغابة وتلوث جسدها وثوبها بالوحل وصرخت بألم إثر وقعتها تلك وجُرحت قدماها ولم تعد تستطيع أن تتحرك أو تهرب مرة أخرى .. إنتبه ساجد لتلك الصرخة لكونه قريبًا منها وتحرك إتجاه ذلك الصوت حتى دخل الغابة .. غرُبَت الشمس وكان جواد قد إقترب من الغابة ولكنه توقف لأنه لا يعلم كيف يسير .. حتى إنتبه لصوت أحدهم يناديها .."شمس."
عقد جواد حاجبيه ودخل الغابة يتبع ذلك الصوت .. إرتجفت شمس بذعر عندما سمعت صوت زوجها .. تتمنى أن تموت الآن ولا تقابله مرة أخرى حاولت أن تتحامل على نفسها مرة أخرى ولكنها لم تستطع حاولت أن تختبئ بين الأشجار تدعوا الله أن لا يجدها.
توقف ساجد بمنتصف الغابة يبحث عنها بعينيه .. حتى جاءت عينيه على أرضية رطبه بها آثار إنزلاقٍ حديثةٍ .. إبتسم بشرٍ وأخيرًا وجدها.
أردف بخبث وهو يلتف حول المكان الذي هي به:
- تعرفي يا شمس، أنا فعلا حبيتك عشان كنتِ غير كل البنات، كنتِ هادية وشقية وبتحبي تغامري والكل بيتمنى يبقى معاكِ، شباب الجامعة كانوا بيتكلموا عنك دايمًا إنك رافعة مناخيرك للسماء وماحدش عارف يوصلك، بس أنا أخدتها تحدي إني هكسر غرورك ده....
- تفاجأت به يقف أمامها وهو ينظر لها بشر ..- وبقيتي أهوه زي الكتكوت المبلول خايفة تشوفي خيالي أو تلمحيني حتى.
كادت أن تتحرك ولكنه أمسك بشعرها بقوة .. صرخت بألم وأمسك برقبتها بقوة .. كانت تحاول أن تتنفس ولكنها كانت تختنق ..
- لازم أشوف حِجة أقولهم بيها مراتي ماتت إزاي؟ فكري معايا.
كان مستمر فيما يفعله وهي تحاول أن تلتقط أنفاسها ولكنها كانت تختنق .. تفاجأت بضربة قوية على رأس ساجد جعلته يتوقف عما كان يفعله بها وصرخ بألم .. كانت رؤيتها مشوشة نظرًا لإختناقها .. كانت تستنشق بصعوبة .. وعندما وجدت أن ساجد قد تركها ركضت دون أن تنظر خلفها .. لا تعلم أن جواد من قام بضرب ساجد .. إلتفت ساجد ينظر للشخص الذي يقف خلفه .. لم يكن شخصٌ عادي بل كانت ملامحه لا تبشر بالخير .. كان غاضبًا..
أردف ساجد بإستفسار:
- إنت مين؟
لم يُجبه جواد بل لكمه بقوة وأوقعه أرضًا حاول ساجد أن يقاتله أيضًا ولكنه جسد جواد كان أقوى .. سدد له اللكمات بقوة حتى لم يعد هناك مكانٌ سليم في وجهه .. لم يكتفِ جواد بذلك، بل كسر ذراعه الأيسر وأيضا كسر أصابع ذراعه تلك .. ظل يضرب رأسه بقوة لم يرى أمامه .. بل كان فقط يتذكر على ماذا كانت تحتوي تلك الغرفة .. يتخيل كيف صرخت في كل لحظة كانت تعاني بها .. أبعده أحد رجاله من قتل ساجد الذي فقد وعيه وأصبحت حالته يائسه ..
- إهدى يا زعيم، هتقتله.
إستفاق جواد عما كان يفعله وظل ينظر حوله يبحث عنها بعينيه .. ولكنه تذكر أنها ركضت ..
- خدوا الكلب ده معاكم شويه وهنمشي.
ركض حيث كانت تركض شمس .. كانت تركض دون توقف غير مبالية لجسدها الذي يصرخ من الألم تحاول أن تلتقط أنفاسها جيدًا .. ولكنها تفاجأت بمن يمسك بها من ظهرها .. صرخت بقهر تحاول الفكاك منه تُكمِل هربها منه ..
- شمس.
لم تسمعه من صراخها .. ظلت تصرخ كثيرًا ليبتعد عنها ولكنه لم يبتعد وجعلها تلتف لتنظر له ... هدأ صراخها الهيستيري وتحدثت بكلمة واحدة ..
- جواد.
هدأ جسدها كأنها وجدت الخلاص وأغمضت عينيها تستلم لتلك الراحة التي تناديها، إلتقطها جواد بين ذراعيه .. كانت مستكينة ونائمة بين ذراعيه كان ينظر لها بهدوء .. لملامحها التي لم تعد كآخر مرة رآها بها .. تمنى لو يكون لديه الحق بضمها وتحطيم عظامها بضمته لها .. تمنى لو يقوم بلمس شعرها الكستنائي الذي لطالما عشق رؤيته ورائحته .. تمنى لو يلمس تلك الشفاة يعاقبها على مافعلته به طوال تلك الأشهر الماضية .. ولكن لا .. كل ذلك لا يجوز، أغمض جواد عينيه يأخذ نفسًا عميقًا لكي يهدأ من تلك المشاعر التي إجتاحته وإعتدل واقفًا وهي بين ذراعيه القويتين................................................في صباح اليوم التالي:كانت تجلس في حمام غرفتها بقصر والدها تنظر أمامها بشرود والخادمات تقُمن بتحميمها من ذلك الوحل الذي كان يملأ جسدها وثيابها .. كانت جميعهن يشفقن عليها مما رأوه بجسدها .. آثار تعذيب مبالغ بها .. لو كان أحدٌ غيرها تعرض لذلك التعذيب كان قد مات .. أكد عليهن جواد أن لا يخبرن أحدٌ بما حدث لها .. ولن يتحدثن فجواد وإن كان الذراع الأيمن للسيد بهجت فهو له فضلٌ عليهن جميعًا بعد الله.إستفقن عندما تحدثت بإرهاق وصوت مبحوح..
- بابي فين؟
أجابتها إحدى الخادمات:
- بهجت بيه لسه مايعرفش إن حضرتك هنا، هو حاليا في الشركة.
أغمضت عينيها تتنهد بإرهاق، ولكنها قامت بفتحهما عندما أردفت إحداهن:
- جواد بيه مقالش لحضرتك عن إللي حصل لبهجت بيه؟
نظرت لهن بإستفسار، أكملت الخادمة:
- بهجت بيه مريض بالقلب ومابلغش حد حتى جواد بيه بس جواد بيه عرف بطريقته وبلغنا إننا نحاول نهتم بصحته على قدر المستطاع، أنا قولت أبلغ حضرتك عشان.......
لم تُكمل الخادمة حديثها ناظرة لهيئتها تلك، هزت شمس رأسها تتذكر أنها السبب في كل ماحدث لوالدها في الفترة الأخيرة من مشاكل صحية .. توقفت إحدى الخادمات عن عملها عندما كانت تقوم بتنظيف ذراعها الأيمن .. نظرت لشمس بفزع لوهلة ثم عادت تُكمِل عملها كأنها لم ترى شئ.بمرور الوقت كان جواد يقف أمام غرفة شمس تهمس إليه تلك الخادمة التي كانت تساعدها في الإستحمام .. نظر لها جواد بهدوء بعدما سمع ماقالته .. أشار لها بأن تذهب ثم دخل غرفة شمس دون أن يطرق الباب .. كانت تقف عند نافذة الغرفة تنظر أمامها بشرود ولكن ما لفت إنتباهه أنها ترتدي ثوبًا صيفي، وليس ذلك فقط .. بل يُظهر جميع كدمات جسدها الذي هلك من كثرة التعذيب .. شعر أن وتيرة غضبه ترتفع في كل مرة يتذكر فيها تلك الغرفة والتي قام بحرقها هي والمنزل بأكمله قبل أن يرحل بشمس من تلك الجزيرة ... تقف مُرتعشة أمام النافذة تتابع سقوط الأمطار بحزن وشرود تتذكر ماحدث لها منذ ساعات وكيف تم إنقاذها وكيف عادت لمنزل والدها أيضًا؛ فبالنهاية هي من جنت على نفسها لأنها أردات ذلك المختل منذ البداية، إستفاقت على صوت خطوات هادئة تتقدم نحوها ببطئ .. خطواته التي تعرفها جيدًا إلتفتت ووجدته يقف أمامها بهيئته الطاغية، عيناه هادئتان وفي ذات الوقت ماكرتان لا تعلم ما الذي يدور بداخل عقله، إنه الشيطان الذي كان موجودًا بجانبها دائمًا منذ الصغر؛ فهو ذراع والدها الأيمن وليس ذلك فقط إنما يكون بمثابة إبنه الذي لم ينجبه، الشخص الذي يضحي بنفسه دائمًا لأجل والدها، شعرت بالبرد القارس عندما ظل يطالعها هكذا؛ فهو كالعادة بارد كبرود فصل الشتاء لا يتحدث كثيرًا بل يعمل أكثر، يختفي كثيرًا ثم يظهر فجأة من حيث لا تدري، تتذكر كيف كانا .. كان ظلها الحارث، ولكن الآن أصبح كل شئٍ مختلف، وضع يده في جيب مِعطفة الأسود يقاطع تلك النظرات مردفًا بهدوء وبرودٍ في آنٍ واحد:
- أنا مابلغتش بهجت بيه بإللي حصل ده، هو هييجي هنا وهيتفاجئ بمجيك ممكن نقول جاية زيارة .
كانت تشعر بالبرد القارس أثناء حديثه ذلك كأنه قد طعنها بقلبها.
- غيري هدومك دي وحاولي تداري الكدمات إللي في وشك بأي طريقة.
إنتبهت لعروق عنقه البارزة بشدة أثناء حديثه لها لماذا تشعر دائمًا أنها تثير إشمئزازه، لماذا يكره رؤيتها أمامه؟ وجدته يلتفت لكي يرحل ولكنها أردات أن تعبر له عن إمتنانها:
- جواد.
توقف معطيًا إياها ظهره ..
- شكرًا إنك أنقذتني.
تجاهلها ثم خرج من الغرفة .. هبطت عبرة من مقلتيها عند خروجه من الغرفة، لا يطيق النظر في وجهها .. يبدو أنها قد أساءت له أيضًا مثلما أساءت لوالدها .. إنتفضت عندما عَلا صوت الرعد بالخارج .. وذهبت لتقوم بتبديل ثيابها لثياب شتوية ..كان جواد يقف خارج الغرفة مستندًا على جدارها يمنع نفسه من العودة إليها مجددًا والصراخ في وجهها ومعاتبتها على مافعلته به دون أن تدري، ولكن لا .. لم يعد لذلك فائدة .. تنهد تنهيدة عميقة وإبتعد عن غرفتها رن هاتفه والمتصل كان يخبره بعودة السيد بهجت للقصر .. أغلق الهاتف وأمر الخدم بإعداد طاولة الطعام لأجله كما أمرهم بإخبار السيدة شمس بإقترابه ايضًا.توقفت سيارة السيد بهجت أمام القصر، خرج من السيارة متجهًا للداخل وخلفه رجاله .. ولكنه توقف مكانه عندما وجد جواد يقف في باحة القصر ينتظره بإبتسامة هادئة ..
- جواد!
أردف السيد بهجت بإسمه بلهفة واقترب منه يضمه بقوة ..
- وحشتني يابني، أخيرًا شوفتك.
تفوه جواد بإبتسامة:
- ماقدرتش مبقاش موجود لما تحتاجني.
أردف بهجت بلوم:
- يعني جيت عشان كده بس؟
كاد أن يجيبه ولكنه أوقفه صوتها..
- بابي
إلتفت بهجت نحو ذلك الصوت الذي لا يصدق أنه سمعه .. كانت تهبط على سلالم القصر بهدوء كانت إبنته الصغيرة .. لا لم تعد صغيرة كانت إمرأة هادئة .. هبوطها على السلالم هادئ ليس كقبل زواجها .. هل أصبحت عاقلة بعد أن تزوجت من تُحب؟ هل كان مخطئًا في حقها حقَا؟ .. لم يشعر بنفسه سوى وهو يقترب منها يقوم بإحتضانها بقوة .. ظهرت معالم الألم على وجهها لأن والدها يضغط على كدماتها دون أن يدري .. قاطع لحظتهم تلك جواد الذي أردف بهدوء:
- أنا طلبت منهم يجهزوا الأكل عشان تقضوا دقايق لطيفة سوا في زيارة مدام شمس دي.
إبتعد عنها بهجت ينظر لجواد بإستفسار، أردف جواد بوضوح:
- مدام شمس جاية زيارة ساعتين وهتمشي.
تعجبت شمس من قرار جواد ذلك، ثم وإلى أين ستذهب؟ لا يوجد لها ملجأ الآن سوى منزل والدها.. إلتفت بهجت إلى شمس مرة أخرى..
- معقولة يا شمس؟ جاية تعطفي عليا بساعتين بس؟
كادت أن تتحدث ولكن قاطعها جواد:
- مدام شمس كانت مسافرة للندن تكمل شهر عسلها مع زوجها إللي مش عارفين هيخلص إمتى.. بس أصرت إنها لازم تعدي عليك الأول.
إلتفت بهجت إليها ينظر لها بحزن، وأردفت ترضخ لرأي جواد الذي لا تعلم مراده:
- معلش يابابي .. ماتقلقش مش هتأخر عليك هما كام يوم بس وهرجعلك.
أردف بهجت بإستفسار:
- جوزك فين؟ مجاش معاكِ ليه؟
نظرت لجواد ثم عادت تنظر لوالدها مرة أخرى تحاول البحث عن كذبة تخبره بها حتى وجدتها أردفت بهدوء:
- بيخلص شوية أوراق في المطار .. هو بيسلم عليك.
هز بهجت رأسه وهو يطالعها بهدوء ..
- طيب يا حبايبي يلا ناكل.
أماء جواد بهدوء وسبقهم لقاعة الطعام .. تعجبت شمس أن تلك هي المرة الأولى التي ينضم فيها جواد لهم في تناول الطعام .. إستفاقت عندما أمسك والدها بيدها بحب أبوي وأمسك بوجهها الممتلئ بمساحيق التجميل التي أخفت كدمات وجهها بجدارة .- كنتي وحشاني أوي يا شمس، وبتوحشيني دايمًا .. ماتنسينيش يا حبيبتي.
أماءت له بإبتسامة منكسرة وجذبها خلفه لمائدة الطعام بدأ الثلاثة بتناول الطعام بهدوء وكانت شمس تشعر بإرهاق ودوارٍ مُفاجئ .. ولم يخفى ذلك عن عين جواد الذي كان يتابع كل ما تفعله .. كان يطالع كل إنشٍ بها .. إلتفت ينظر لبهجت الشارد والحزين بتفكيره ..
- بهجت بيه، في حاجات كتير محتاج أنا وحضرتك نتكلم فيها بس بعد ما مدام شمس تمشي.
نظر له بهجت بإستفسار، ثم أردف جواد بهدوء:
- بخصوص الرسالة إللي حضرتك بعتهالي.
- تمام.
عادوا يكملون طعامهم ..بعد أن إنتهوا من تناول الطعام، كان شمس جالسة بحانب والدها في قاعة الجلوس و تنظر له بشرود ثم أردفت:
- أنا آسفة يابابي على كل حاجة وحشة عملتها في حقك.
تعجب بهجت من حديثها ذلك ..
- ليه بتقولي كده؟
حاولت أن تتحدث وتخبره عما عاشته ولكنها لم تستطع ..
- مافيش يا حبيبي، أنا بس كنت محتاجة أقولك الكلام ده، خايفة تبقى زعلان مني بسبب أي شغب حصل مني زمان.
أمسك بوجهها بيديه ينظر لها بحب أبوي ..
- إنتي ماتعتذريش، إنتي تعملي إللي إنتي عايزاه.
مازال يدللها حتى بعدما فعلته له، قاطع لحظتهم تلك الخادمة التي تمسك بيدها الهاتف:
- زوج حضرتك على التليفون بيستعجلك.
نبض قلبها برعب هل عاد ساجد مرة أخرى؟؟؟ ألم يتولى جواد أمره كما كان يفعل مع أي شخص يؤذيها؟ .. أغمضت عينيها تحاول أن تبدو هادئة أمام والدها .. وإلتقطت الهاتف متحدثة بإرتعاش:
- ألو.
- أنا مستنيكي بره يلا عشان هنمشي.
كان جواد هو المتحدث وبعد أن أنهى حديثه أغلق المكالمة الهاتفية.
أردف بهجت بإستفسار:
- في حاجة يا حبيبتي؟
هزت رأسها نافية
- لا مافيش، أنا همشي دلوقتي، ساجد مستنيني في المطار.
ضمها بقوة بين ذراعيه ..
- هتوحشيني، إبقي كلميني يا شمس.
- حاضر يابابي.
كادت أن تقف ..
- إستني هخلي حد يوصلك.
أوقفته مردفة بتلقائية:
- جواد معايا، هيوصلني.
بعد أن خرجت من القصر، كان بهجت ماكثًا بمكانه يتعجب من وجودها هي وجواد سويًا منذ متى وهما سويًا من الأساس؟؟! .. كيف عاد جواد من مكان إختفاءه وكيف عادت شمس أيضًا في نفس اللحظة؟ كيف كان جواد يتحدث مكان شمس منذ عدة دقائق كأنهما يخفيان شيئًا ما.صعدت السيارة بجانب جواد والذي تحرك دون كلمةٍ واحدة ..
- هنروح فين؟
لم يُجِبها وإستمر في هدوءه ذلك .. شعرت بالإرهاق يشتد عليها والدوار يجتاحها أيضًا وشعرت أنها تحتاج لشيءٍ ما .. ولكنها تجهله .. تشعر أنها تريد دواء أو مادةٍ ما لا تدري ماهي.
- جواد أنا تعبانة، أنا مش عارفة أنا فيا إيه.
كان هادئًا لا يتحدث أبدًا .. صرخت عندما إستفزها صمته..
- جواد رد عليا.
توقف جواد بسيارته فجأة والتي أصدرت صوتٍ عالٍ عند توقفها .. وأردف بغضب ممسكًا ذراعها الأيمن كاشفًا عن آثار إبر ..
- ده إللي فيكِ يا شمس.
لم تنتبه لتلك الآثارِ قبلًا هذا يعني أنها قد حُقِنَت في ذراعها الأيمن عدة مرات ولكن بماذا؟؟ عاد جواد لهدوءه وقام بتشغيل سيارته مرة أخرى ..
- جواد إحنا رايحين فين؟ رد عليا أرجوك.
لم يُجِبها وأكمل طريقه حتى توقف أمام مكانٍ ما بعد عدة دقائق .. إلتفتت شمس تنظر لذلك المكان الغريب الذي توقف به جواد .. وصُدمت عندما وجدتها مصحة لمعالجة الإدمان.
- إنت جايبني هنا ليه؟ إمشي من هنا.
عندما لم تجد أي إجابة منه خرجت من السيارة تحاول الهرب منه ولكنه نزل خلفها ولاحقها ليمسك بها .. صرخت تحاول أن تبتعد عنه ..
- إبعد عني .. سيبني.
كان يجذبها عنوة عنها وحملها بين ذراعيه يقوم بتسليمها للرجلين اللذان يقفان أمام المصحة أمسكا بها يكتفانها صرخت بقهر وتنظر في عينيه
- لا، جواد!!!!!
رواية ثأر الشيطان الفصل الثالث 3 - بقلم سارة بركات
كان يجلس بسيارته أمام المصحة بملامح شيطانية وكل ما يشغل تفكيره الآن هو أنها أصبحت مُدمنة بسبب ذلك الحقير. لقد أطفأها، لم تكن تلك شمسها التي كانت تُنير قلوب الجميع بسبب ضحكاتها ومشاكساتها. لم تكن تلك مشاغبتها، بل الموجودة تلك الآن ماهي إلا نسخة ميتة من شمسها.
منذ أشهر عديدة مضت:
كانت الفتيات بالمول التجاري يقمن بالتبضع وكان جواد ورجاله خلفهن. كانت شمس قد اختارت العديد من الثياب بجوارها صديقتها روما والتي اختارت بعض الثياب لنفسها أيضًا. ذهبت شمس لإحدى غرف تبديل الملابس لكي تقوم بتجربة تلك الثياب تحت أعين الشيطان الذي يراقبها في صمت، وكانت صديقتها بالغرفة المجاورة لها. جربت قطعة قصيرة ثم خرجت لكي تُريها لروما ولكنها لم تنتهي بعد من تجربة الثياب التي قامت باختيارها. اقتربت من صديقاتها اللواتي لم ينتهين من اختيار الثياب بعد لكي تسأل عن رأيهن، ولكن ما منعها من الاقتراب منهم هو وقوف جواد أمامها بملامح غاضبة.
"إنتِ فاكرة نفسك رايحة فين؟"
أردفت بلامبالاة: "وإنت مالك؟"
أردف ببرود: "ارجعي مكانك، واللبس ده مش هتاخديه معاكِ."
أردفت بضيق: "ماحدش سمحلك إنك تتحكم في حياتي وفي إللي أنا هلبسه."
ابتسم نصف ابتسامة: "والدك اللي سمحلي."
استأنف بصوت هادئ وفحيح في الوقت ذاته: "ارجعي للبروفة، وأي لبس قصير اختارتيه إنسي إنك تجيبيه."
ظل الاثنان يطالعان بعضهما بتحدٍ، ولكن الفائز بالنهاية كان جواد، حيث استسلمت شمس وعادت لغرفة تبديل الملابس لكي تقوم بمراجعة الثياب التي اختارتها. وفي ذات الوقت كانت تشعر بالضيق أنه يصدر الأوامر في حقها. نفخت بضيق لأن أغلب الملابس، وإن كان جميعها، كانت قصيرة. ولكنها فكرت بخبث أنها ستُظهر له أنها قد أخذت بالفعل الملابس الطويلة. أخذت تجرب جميع الملابس في غرفة تبديل الملابس ولم تخرج، وبالطبع أعجبوها كلهم حيث أن جسدها كان نحيفًا ولكنه أنثوي منحوت بشكل مثالي. تنهدت وأخذت الثياب وخرجت. مثلت اللامبالاة، وفي ذات الوقت خرجت روما أيضًا.
أردفت شمس بضيق: "لسه فاكرة؟"
أردفت روما بتعجب: "شو في؟ أنا شو عملت؟"
تمتمت شمس بضيق: "ماعملتيش حاجة."
كان جواد يقف مع رجاله يتابع تحركات شمس وهي تتحدث مع تلك السورية. لَمَحَ ذلك الوشم مجددًا وظل ينظر إليه بغموض. وقفت الاثنتان وخلفهما باقي الفتيات لكي يقمن بدفع ثمن الثياب التي قمن بشراءها. وبعد أن انتهوا، ودعت الفتيات بعضهن، وكانت شمس تقف مع روما أمام سيارتها تتحدثان بعد أن وضعت ثيابها في سيارة جواد.
"شو راح تعملي اليوم؟"
أردفت شمس بملل: "مافيش، مش هعمل حاجة، وإنتِ؟"
"وأنا كمان ما راح أعمل شي."
صمتت روما قليلًا ثم أردفت: "شو رأيك بتيجي عندي بيتي و نضل سوا لحتى الجامعة بُكرة؟"
تحمست شمس قليلًا ولكنها تأففت: "لا، بابي مش هيوافق."
فكرت روما قليلًا ثم اقترحت: "شو رأيك باجي أنا ونجرب الِتْياب سوا."
سعدت شمس كثيرًا باقتراحها ذلك.
"تمام جدًا، استني هبلغهم إني هركب معاكِ عشان مستنيني."
هزت روما رأسها بابتسامة لطيفة. ذهبت شمس تقف أمام جواد تتحدث بهدوء: "أنا هركب مع صاحبتي، هي هتبات معايا النهاردة."
عند آخر كلمتين كانت تتحدث بسعادة وحماس جعلت ملامح جواد تهدأ وهو يطالعها، وأومأ لها بهدوء. أما هي فقد عادت لصديقتها التي لم يبعد جواد عينيه عنها لدقيقة واحدة، وفي ذات الوقت كانت روما تشعر بالخوف من جواد بسبب نظراته الغامضة تلك.
"يلا بينا."
ركبت شمس بجانبها وتحركت روما بسيارتها ويتبعها جواد برجاله حتى وصلت لقصر والدها. دخلت الفتيات القصر وخلفهم الرجال يحملون الثياب التي قامتا بشراءها، وخلفهم جواد الذي كان يتحدث بهاتفه. قبل أن تصعد شمس لغرفتها مرت على والدها في غرفة مكتبه أولًا.
"بابي."
استقام من مقعده وقام بضمها بقوة.
"حبيبة بابي، طمنيني عملتي إيه؟ جبتي كل إللي عجبك؟"
أردفت بابتسامة وهي تنظر في عمق عينيه: "أكيد طبعًا يا حبيبي."
اقتربت شمس من روما تمسك بيدها لتعرفها على والدها: "دي روما يابابي، صاحبتي السورية إللي كلمتك عنها كتير."
صافحها بهجت بابتسامة أبوية لطيفة: "إزيك يا روما؟"
أردفت روما بابتسامة: "كتير منيحة، كيفك إنتَ عمو؟"
ابتسم بهجت وأردف بهدوء: "الحمدلله بخير، أتمنى تكونوا انبسطتوا يابنات."
أجابت شمس بسعادة: "أكيد طبعًا يابابي."
دخل جواد الغرفة واقترب من بهجت يتحدث بهدوء: "هتحتاج مني حاجة قبل ما أمشي؟"
"تعبتك معايا يا جواد."
ابتسم جواد بهدوء. وأثناء خروجه من الغرفة تقابلت عينيه مع روما التي تنظر له بترقب، ولكنه تجاهلها وخرج. تحدثت شمس بعد خروج جواد: "بابي، روما هتبات معايا النهاردة."
أردف بهجت بترحيب: "أكيد طبعًا تنور، هخلي الخدم يجهزولها أوضة."
"لا هتبات معايا في أوضتي يا بابي."
"إللي تشوفيه يا حبيبتي."
ضمته بقوة قبل أن تخرج تحت أعين روما التي تنظر لهما بهدوء، ثم أمسكت شمس بيدها وخرجتا سويًا من الغرفة. دخلتا الغرفة وقامتا باستخراج ثيابهن، وكانت شمس سعيدة بأنها قد خدعت جواد وبالنهاية أخذت الثياب التي تعجبها دون أن يعلم. عندما كانت شمس ترتدي ثوبًا قصيرًا تفاجأت به ممزقًا. صرخت بفزع وأمسكت باقي الثياب القصيرة وجدتها ممزقة أيضًا، لا تصلح للإرتداء. فزعت روما من مظهر ثياب شمس وركضت تبحث في ثيابها هي الأخرى ظنًا منها أنه قد تم خداعهم، ولكنها تنهدت بارتياح عندما وجدت أن ثيابها سليمة.
صرخت شمس بغضب: "جواد!!!!"
كان جواد يقود سيارته مبتسمًا بهدوء وملامحه تدل على الارتياح الشديد. أمسكت شمس بهاتفها تقوم بإرسال رسالة له.
"إنت إزاي تعمل كده في هدومي؟؟ إنت مالك بيا وبحياتي؟ أنا بكرهك."
وصلته رسالتها، وقرأها بهدوء ولكنه لم يُجبها.
"كيف بيعمل هيك يا شمس؟"
أردفت بغضب: "البيه فاكر إنه هيقدر يتحكم في حياتي.. أما وريته مبقاش أنا شمس."
"شو راح تعملي يعني؟"
"هشوف وقتها هعمل إيه."
جلست روما بجانبها تتنهد، ثم صمتا قليلًا.
"بتِعرفي يا شمس، انا حبيت علاقتك بوالدك كتير."
ابتسمت بهدوء ثم أردفت: "أنا وبابي مالناش غير بعض من بعد ما مامي اتوفت وهو من وقتها بيحاول يعوضني عنها."
"إنتي كتير محظوظة يا شمس، أنا بيبقى صعب عليا أشوفهم حتى. إنتي أكيد عارفة إني عشت عمري كله بأمريكا وأنا جيت على هون لكن الاتنين سفرهم كتير حتى اختاروا إنهم يضلوا بأمريكا وعم يبعتولي في الأجازات."
اقتربت منها شمس تضمها بقوة: "إنتِ أقرب واحدة ليا يا روما، أنا بعتبرك زي أختي.. خليكي عارفة ده كويس وأنا موجودة وبابي موجود لو محتاجاه في أي حاجة هيكون جنبك، المهم ماتحسيش إنك لوحدك."
"شكرا ياشمس، إنتي كتير لطيفة وأنا بدي إنك تعرفي إنك أقرب رفيقة إلي."
قاطع حديثهما رنين هاتف روما والتي أجابت فورًا.
"إيه كوتش؟"
المتحدث على الطرف الآخر أجاب.
"أوك، بكون عندك بمعادي."
ثم أغلقت هاتفها وتقابلت عينيها مع عين شمس التي تنظر لها بترقب.
"شو في؟"
"إنتي كنتي بتكلمي مين؟"
"هاد الكوتش تبعي، عم أتدرب سباحة."
صرخت شمس بحماس: "ماقولتليش ليه؟ كنت رحت معاكِ."
تحدثت روما ببساطة: "خلص بتيجي معي من بكرة شو رأيك؟ أنا ما رح أروح الجامعة بدي أروح على السباحة علطول."
"إشطا."
سهرت الفتاتان تتحدثان سويًا حتى غلبهما النوم.
في صباح اليوم التالي:
كانت تدندن ببعض النغمات بسعادة وهي تهبط على أدراج القصر مرتدية ثوبًا أزرق طوله يصل لبعد الركبة ببعض الشيء، وهو من الأثواب المحظوظة التي لم يقم جواد بتمزيقها لها، وخلفها روما. ذهبت تقبل والدها ويتناولان طعام الفطور، وتنهدت بارتياح عندما لم تجد جواد أمامها.
قبلت والدها من وجنتيه متحدثة: "صباح الخير يا بابي."
"صباح النور يا حبيبتي."
جلست على المائدة وجلست بجانبها روما، والتي افتقدت تمامًا ذلك الجو العائلي.
أردف بهجت بابتسامة لروما: "صباح الخير يابنتي، أتمنى تكوني نمتي كويس."
"صباح النور عمو، إيه نمت كتير منيح."
بدأت الاثنتان بتناول الطعام، وبعد أن انتهت شمس.
"بابي أنا ممكن أطلب منك طلب؟"
"إيه يا حبيبتي؟"
"أنا عايزة أشترك في تدريب سباحة مع روما."
تحدث بهجت باستفسار وعدم فهم: "أكلم لك كابتن تيجي تدربك هنا إنتي وروما يعني؟"
"لا بابي، أنا هروح نادي مع روما ونتمرن هناك."
تعجب بهجت: "ليه نادي وفي هنا بسين؟!"
"أنا بحس إن هنا سجن، لكن أنا عايزة يبقى في ناس حواليا وأتعامل معاهم وكده مبقاش لوحدي أنا وروما."
أردف بهجت بعدم اقتناع: "إللي يريحك، اعملي إللي إنتِ حباه يا حبيبتي، هتروحي بعد الجامعة؟"
"لا الميعاد بعد شويه، وقبل ما تتكلم.. صباح باخد منها المحاضرات وهي كده كده هتيجي قريب هنا تشرح لي وتساعدني في المذاكرة."
"ماشي يا حبيبتي ابقي سلميلي عليها لما تشوفيها، ومحتاج إنك تهتمي شويه بالجامعة يا شمس."
"حاضر يابابي."
قامت بتقبيله وأشارت لروما بأن يتحركا، وبالفعل تحركا بسيارة روما. وقبل أن يذهبا للنادي قامت شمس أولًا بشراء زي للسباحة، ولكنه كان عاريًا بعض الشيء، وذهبت هي وروما في اتجاه النادي. وقف جواد بسيارته أمام نادٍ معروفٍ يبحث عن أحدٍ ما بداخله حتى قابله.
"جواد، أنا هنا أهوه."
ابتسم جواد واقترب يصافح صديقه والذي يُدعى عاصم.
"عامل إيه يابني؟"
"الحمدلله، فينك كده؟ بتختفي كتير أوي يا جواد."
"غصب عني، إنت أخبارك إيه؟ والشغل أخباره إيه؟ كويس؟"
تنهد عاصم تنهيدة بسيطة ثم أردف: "من إمتى الشغل بيكون كويس؟ إنت عارف الطاحونة إللي ببقى فيها صبح وليل وأحيانًا الشغل بيتطلب مني إني أبات برا."
"ربنا يوفقك."
"آمين.. إنت بقا فينك كده؟ لسه ماتجوزتش يا جواد؟؟ معقولة؟! ده إنت في النص التلاتينات."
صمت جواد قليلًا ثم أردف: "لسه مالقتهاش وبعدين إنت عارف إن شغلي رقم واحد بالنسبالي."
"ربنا يوفقك."
كاد جواد أن يتحدث ولكنه انتبه لفتاة تشبه شمس رآها من على بُعد أمتار. تلك الأحاسيس والمشاعر التي يشعر بها دائمًا عندما يرى شمسها. هل هي هنا فعلاً؟ أم يُهيأ له فقط أنه يراها؟ من المفترض أنها بالجامعة الآن. ماذا ستفعل هنا؟ وما أكد له أنها هي، هو وجود تلك الفتاة السورية معها.
ربت على كتفه مردفًا: "معلش يا عاصم هنتقابل وقت تاني."
"في إيه؟"
اختفى جواد من أمام عاصم الذي وقف بذهول مما حدث للتو. لم يتقابلا لسنوات والآن يتحدث معه لعدة دقائق ثم يذهب، هكذا فقط، ولكنه برر لنفسه أنه من الممكن أن يكون طرأ له عمل مهم.
اقترب جواد من الممر الذي سارت به شمس ووجد لافتة تشير إلى أنه طريق المسبح. عقد حاجبيه باستفهام من وجودها هنا. دخل ذلك الممر ودخل قاعة المسبح. نظر حوله يبحث عنها ولكنه لم يجدها. تنهد بارتياح، يبدو أنه كان يحلم. كاد أن يخرج من القاعة ولكنه تجمد بمكانه عندما رآها. رآها ترتدي ملابس سباحة عارية.
"المايوه كتير حلو عليكِ ياشمس.. كتير عم ينطقك."
"هو فعلا جامد أوي وعجبني."
تحولت ملامح جواد إلى ملامح شيطانية كان يتفحصها من رأسها لأخمص قدميها. ساقيها عاريتان، بطنها عارية، فقط المُختبئ مؤخرتها وصدرها! فقط!!! قامت شمس وروما بعمل بعض الإحماءات قبل أن تنزلا المياه. وهنا اصطدمت شمس بأحدهم.
"أنا آسف."
التفتت شمس لمن اصطدم بها وكان زميلها بالجامعة، ذلك الفتى المدعو بـ ساجد.
"مافيش مشكلة."
"ساجد! إنت هون؟"
"روما إزيك؟"
رحبا ببعضهما كثيرًا، لكن شمس كانت تراقب مظهره المهندم ولباقته في التحدث معهما، وإبتسامته تلك.. ابتسامته اللطيفة.. كان شابًا لطيفًا.
"شمس."
استفاقت عندما نادتها روما.
"ساجد رفيقنا بالجامعة ماعم تتذكريه؟"
"أكيد فاكراه، إزيك؟"
صافحها بفتور.
"إزيك يا شمس؟"
"كويسه الحمدلله."
"أستأذنكم أنا يابنات كان نفسي أقف معاكم بس ورايا شغل."
"إيه ساجد، بشوفك."
"باي روما، باي شمس."
أشارت له الفتاتان بالوداع، وكانت شمس تتابع حركاته وهو يخرج من القاعة. وهنا تقابلت عينيها مع عيني جواد التي لا تبشر بالخير أبدًا. ولكنها تماسكت وأظهرت البرود وتجاهلت وجوده، يكفي ما فعله بثيابها.
نزلت المسبح مع روما ووقف أمامهما بالمياه رجل كان يتحدث معهما ويشير لهما ببعض الكلمات، ومن الواضح أنه الذي سيقوم بتدريبها. رجل!! رجلٌ سيقوم بتدريبها؟؟ سيلمسها! كان المسبح فارغًا بعض الشيء، كانت فقط روما وشمس من يسبحان، لأنهما ببداية اليوم. عندما أمسك المدرب بكتفي شمس توقف جواد أمام مرأى بصرهما.
"اطلعي."
"لا."
أردف جواد بغضب: "أنا مش هكرر كلامي تاني."
نفخت شمس بضيق.
"شو بَك جواد!"
"اخرسي إنتِ خالص."
خرجت شمس من المسبح واقترب منها جواد يمسك بذراعها بقوة.
"سيبني."
"امشي قدامي يلا."
أردفت بحنق: "أغير هدومي طيب."
ابتعد عنها وتركها تذهب للحمام لتغيير ثيابها. التفت جواد نحو روما التي تطالعه وهي تتمرن، ولكنه تجاهلها. خرجت شمس التي ارتدت ثوبها الأزرق بسرعة. أمسكها من ذراعها وخرجا من قاعة السباحة. وكانت شمس تتأفف تحاول أن تبعده عنها ولكن بنيته القوية كانت لا تساعدها في ذلك إطلاقًا. جعله تركب سيارته عنوة عنها وركب بجانبها وبدأ بقيادة السيارة وصمت. ولكنها لم تصمت.
"أنا مش عيلة صغيرة عشان تعاملني بالأسلوب.. ده إنت مين أصلا عشان تعاملني أنا كده؟?"
لم يُجبها ولم يكترث لما تقول.
"أنا هقول لبابي على إللي إنت عملته النهاردة ده، مش هيعديها أنا واثقة من كده.. مش كفاية إنك قطعت فساتيني؟"
ظل هكذا صامتًا حتى وصلا للقصر. ولكن لحسن حظ جواد كان بهجت قد خرج لشركته. أخرجها من السيارة وهو يمسك ذراعها بقوة يجذبها خلفه حتى وصلا لقاعة المسبح الخاصة بالقصر. ولكنه كان مستمرًا بالمشي نحو المسبح.
"جواد! .. إنت هتعمل إيه؟!"
توقف بها على حافة المسبح ثم قربها منه وأردف بهدوء: "مش عايزة تتعلمي السباحة؟؟ اتفضلي.. عند البسين أهوه! .. ولا إنتِ خايفة؟?"
"أيوه هتعلم إزاي؟ لازم كابتن."
أردف جواد بهدوء: "بهجت بيه بقا يعرف إن إللي كان بيمرنك راجل مش واحدة ست؟"
"مالكش دعوة بيا يا جواد.. إنت فاكر نفسك مين عشان تتحكم بحياتي؟ .. إنت يا دوب واحد شغال عند بابي.. لا إنت قريبي ولا تعرفني أصلا وحتى لو روحت قولتله إن إللي كان بيدربني راجل.. فيها إيه يعني??"
أردف جواد بغضب: "فيها إنك متربتيش."
دفعته بقوة بغضب ولكن لم يتحرك من مكانه بسبب قوته البدنيه وقوة الدفع جعلتها تعود للخلف فتعرقلت بحافة المسبح ووقعت في المياه ولكن ذلك المسبح هو أعمق بقليل عن المسبح الآخر.
"جواد!!!"
كانت تحاول أن تسبح ولكنها كانت تغرق. قام بخلع سترة حلته السوداء وحذاءه وألقى بنفسه في المسبح خلفها. أصبحت أسفل المياه. تقابلت نظراتها هي وجواد الذي أخذها بين ذراعيه لعدة لحظات ثم ارتفع بها إلى سطح المياه. سبح بها حتى وصل إلى سلم المسبح وجعلها تصعد وهو صعد أيضًا متحدثًا بهدوء وهو يأخذ سترته وحذاءه معطيًا إياها ظهره.
"من بكرة هتيجي كابتن تدربك هنا والتزمي بحضورك في الجامعة."
ثم خرج من القاعة دون أن يسمع ردها. أما هي كانت تريد أن تصرخ به مرة أخرى. "من تظن نفسك؟؟ زوجي!!"
***
في الوقت الحالي:
توقف جواد بسيارته أمام قصر السيد بهجت وأخذ نفسًا عميقًا يهدئ من روعه ولكي لا يظهر على ملامحه شيء.
دخل القصر واتجه نحو غرفة المكتب. ووقف أمامه بهدوء.
"كنت محتاج نتكلم في التهديد إللي حضرتك بتتعرضله."
هز بهجت رأسه نافيًا: "أنا إللي محتاج أعرف الأول إيه إللي بيحصل من ورا ظهري؟ في حاجة إنت وشمس مخبيينها عليا يا جواد؟"
لم يتحدث جواد بكلمة وظل يطالعه بهدوء.
"جواد رد عليا."
"أرد أقول إيه يا بهجت بيه؟ من كتر التهديدات إللي بتتعرضلها بقيت شاكك في كل إللي حواليك، مش لاقي رد بصراحة."
تنهد بهجت بصعوبة ووضع يديه على رأسه يفكر.
"إنت لسه بتعاقبني؟ صح؟"
ثم عاد ورفع رأسه يطالع جواد: "إنت بتعاقبني عشان خلفت وعدي معاك في جوازك إنت وشمس.. بتعاقبني إنك ساكت ومبقتش زي الأول معايا وكمان اختفيت عشان مش حابب تتعامل معايا."
أردف جواد ببرود: "الموضوع مالهوش علاقة يا بهجت بيه، أنا كان ورايا شغل مهم... ومهما حصل مافيش حاجة تأثر على علاقتنا.. حضرتك في مقام والدي."
استقام بهجت من مكتبه وأردف برجاء: "طب بما إنك لسه بتعتبرني زي والدك.. أنا محتاج أعرف بنتي مالها، شمس مش كويسة خالص."
كان يتحدث وهو يتنفس بصعوبة وانتبه جواد لذلك.
أمسك جواد بيديه وأجلسه على كرسي قريب منه وجعله يشرب بعض المياه لكي يهدأ.
"ماتقلقش شمس كويسة.. أنا حاطط عيني عليها وهي مسافرة مع جوزها."
هز بهجت رأسه ثم أردف بحزن: "كان نفسي تكون إنت جوز بنتي يا جواد، أنا حاسس إن حياتنا كلها اتلخبطت من بعد ما خلفت اتفاقي معاك إنكم هتتجوزوا بعد ما هي تخلص دراسة.. أنا ماكنتش هعرف أطمن عليها مع حد تاني غير معاك."
ارتكز جواد أرضًا على ركبتيه ممسكًا بيد بهجت متحدثًا بابتسامة هادئة: "أنا بخير وشمس بخير دلوقتي، صحتك دلوقتي مهمة عندنا كلنا بالدنيا دي، لازم تحاول تخلي الزعل والندم ما يأثروش عليك، الشباب هنا بيقولوا إنك مش بتاخد أدويتك، ليه؟"
لم يجد بهجت ردًا لكي يجيبه ولكن جواد ابتسم وأردف بهدوء: "عمومًا أنا الفترة دي هكون معاك، هكون في الفيلا بتاعتي أي وقت تحتاجني فيه هكون عندك.. بالنسبة للتهديد إللي إنت كلمتني عنه إيه إللي حصل؟"
أمسك بهجت بهاتفه ليريه الرسائل التي جاءته من أرقام غير معروف هوية صاحبها. ظل جواد يبحث في الدردشة حتى توقف أمام صورة فتاة. ولم تكن أي فتاة بل كانت تلك الفتاة السورية ملقاة أرضًا ومكتوب على الرسالة.
"بنتك هي إللي عليها الدور."
أردف جواد وهو يطالع بهجت: "مافيش رسايل تانية جات من بعد دي؟"
"لا مافيش، أنا قلقت على شمس بسبب الرسالة دي عشان كده بعتلك علطول، ومعرفش مين دول؟ وإيه إللي بيحصل؟"
ربت جواد على يديه مردفًا بهدوء: "ماتقلقش.. أنا هشوف الموضوع، زي ما اتفقنا خد أدويتك ونام كويس."
هز بهجت رأسه بهدوء. أما جواد فقد استقام وخرج من غرفة المكتب بملامح شيطانية.
رواية ثأر الشيطان الفصل الرابع 4 - بقلم سارة بركات
كانت تجلس في باحة القصر مع روما تقُصُّ لها ماحدث بضيق شديد.
- فاكر نفسه مين عشان يتعامل معايا كده؟ إنساني همجي ومستفز.
أردفت روما بتنهيدة:
- بعتقد بَيِّك هو ياللي سمحله يعمل متل هيك معك.
تأففت شمس وهي تتابع دخول مدربة السباحة لباحة القصر.
- ده حتى إداله كل الصلاحيات.
أردفت روما بهمس مسموع لشمس:
- لَك شو هالجمال حتى متفنن بإختيار أتباعه امنيح.
تابعت شمس نظراتها لكي تعلم عن ماذا تتحدث وجدتها تتحدث عن بعض رجال جواد الذين يتمتعون بجاذبيه غريبة.
- بودي جارد يا روما! آخرك تبصي لبودي جارد!
إستفاقت روما عندما أردفت شمس بما تحدثت به للتو:
- مو بقصد .. بس أنا عم إحكي إنه......
قاطعتها شمس مردفة بضيق:
- مش لازم نجيب سيرته أكتر من كده دمي محروق، مش كفاية إنه باعت البودي جاردس بتوعه يحرسونا.
أردف روما بإستفسار:
- ليش؟ شو هو عَم يشتغل؟
كادت أن تجيبها شمس ولكن قاطعهم توقف أمامها المدربة تبتسم لهم بهدوء:
- إتأخرت عليكم؟
كانت شمس تطالعها بهدوء تقيم جمالها ذلك .. إن روما مُحقة إنه حقًا يتفنن في إختيار متابعيه.
أردفت روما بمرح:
- لا حبيبتي، جِيتي بوقتك، إيه شو بتعلمينا اليوم؟
بدأت المدربة تتحدث عن برنامج التدريب لليوم ثم تحركت الفتيات الثلاث للمسبح الخاص بالقصر.
***
في صباح اليوم التالي:
كانت شمس وروما تجلسان في كافيتيريا الجامعة يشربان مشروبهما الصباحي ويتحدثان في بعض الأشياء ولكن قاطع حديثهما روما التي رفعت يدها بإبتسامة كبيرة متحدثة:
- ساجد.
إقترب ذلك الشاب المدعو بساجد وجلس معهما على ذات الطاولة:
- إزيكم يا بنات؟
- كتير امنيحة..
أردفت شمس وهي تطالعه بهدوء وخجل فتاة واضح:
- الحمدلله.
إبتسم لها ساجد، وأردفت روما بحماس:
- إيه، إنت شو أخبارك؟
- الحمدلله، كله تمام.
أردف بتلك الكلمة وهو يطالع شمس الخجلة في مكانها، رنَّ هاتف روما والتقطته تنظر لمن يتصل بها ثم أردفت:
- بعتذر منكم .. دقايق وبرجع.
- إتفضلي.
رحلت روما وتبقت شمس التي تجلس أمام ساجد، ينظر لها بهدوء، كان يُمسك بيده كوبًا به مشروبه الصباحي يرتشف منه بضع رشفات ثم أردف:
- أنا بقالي فترة بشوفك، بس أنا لحد الآن معرفش غير إسمك.
كانت تٌبعِد عينيها عنه لا تريد أن تتحدث فهي خجلةٌ كثيرًا من كونهما يجلسان وحدهما.
- سمعاني؟
نظرت إليه بإستفسار مصطنع:
- إنت بتكلمني؟
أردف وهو يشير إلى مقاعد الطاولة الفارغة التي يجلسون بها:
- أكيد بكلمك، أظن مافيش غيرنا هنا لوحدنا.
- سوري ما أخدتش بالي، كنت بتقول إيه؟
- بقولك إننا لحد الآن بنتقابل كتير صدفة بس أنا معرفش بس غير إسمك، أنا متشوق إني أعرف أكتر عنك.
حاولت أن تجد كلامًا تتحدث به إليه ولكنها شعرت بحرارة شديدة في خديها تدل على شدة خجلها.
- تعرفي إنك جميلة جدا، وأجمل بنت هنا في الجامعة؟ وبصراحة أنا المرة دي تعمدت إني أجي النهاردة الجامعة عشان أشوفك وأقعد أتكلم معاكي، زهقت من النظرات إللي بينا ومحتاج أخد خطوة ناحيتك.
إبتسمت شمس بهدوء ثم أردفت:
- بمعنى؟
- يعني أنا مُعجب بيكي، ومحتاج أتعرف عليكي أكتر عشان يبقى في بينا حاجة رسمي فيما بعد، وإحنا قريبين من سن بعض فهيبقى سهل إننا نفهم بعض.
قهقهت شمس بخفة ثم أردفت تلك المرة بجدية دون خجل:
- وإنت ضمنت منين إن أنا وافقت؟ مش يمكن شايفاك زيك زي دول كلهم.
وأشارت على جميع الشباب الموجودين بالكافيتيريا حولها والمقصد أنها لا تريد أن ترتبط بأي أحدٍ من الجامعة.
- مش يمكن أنا غيرهم كلهم؟
أردف بتلك الجُملة بثقة عالية لا تعلم من أين أتى بها .. هو بالتأكيد وسيم ورائع ويبدو من مظهره أنه مهندم .. ويبدو أنه ثري كما أخبرتها روما قبلًا .. يبدو مُختلفًا قليلاً عنهم كما قال، كادت أن تتحدث ولكنه قاطعها مردفًا:
- بكرة الساعة عشرة بليل نتقابل في ******، وهستناكي.
وغمز لها وإستقام من مقعده في ذات اللحظة التي عادت بها روما إلى الطاولة.
- ساجد، لَوين رايح؟
- خلصت إللي جاي عشانه.
أردف بتلك الجُملة وأشار لها ثم رحل، طالعت شمس بتعجب ثم أردفت:
- شو بيقصد؟
أخذت شمس نفسًا عميقًا ثم أردفت بهدوء:
- عايز يقابلني بكرة.
صرخت روما بحماس وتعجبٍ في آن واحد:
- إحكي إللي صار يلا.
قصَّت لها شمس عن حديثهما الذي كان قبل ثوانٍ معدودة ثم أردفت روما:
- إيه شو هالجمال، ساجد كتير شاب امنيح، خلوق أنا اتحدثت معه كتير أحيانًا بشعر إنه مو من هاد العالم، بحس إنه عايش بعالم آخر هو ماله متل شباب اليوم.
- يعني أعمل إيه؟
- إعطي لَإِلك فرصة وإتقابلوا، الشاب كتير جِدِّي، وبصراحة أنا أحيانًا بشعر إنك عم تباديلة المشاعر نفسها.
شعرت شمس بالخجل من حديثها ونظرت أمامها لم تُعَلِق على ما قالته وإستأنفت:
- أعمل إيه طيب؟ أجيبها لبابي إزاي؟
- ماني فاهمة عليكي شمس، تقدري تقولي أي شيء، ممكن تحكي إنك رَح تكوني معي.
- بس أنا متعودتش أكذب.
- شو؟ شمس أنا ليه عم بحس إنك ما مريتي بحب مراهقة من قبل؟
أكدت لها شمس سؤالها ذلك مردفة بهدوء:
- أنا فعلا ماجربتش ده قبل كده، جواد من كتر ما كان بيتدخل في حياتنا زيادة عن اللزوم كان بيبعد عني أي ولد كان يقرب مني لمجرد الزمالة كمان.
- إيه هادا هو جواد، أنا كتير صرت عم أكرهه عم يتصرف كإنك إنتِ إللي بنته مو بَيِّك أونكل بهجت.
نظرت إليها شمس قليلًا ثم أردفت:
- إنتِ عندك حق، خلاص أنا هقول لبابي إني هخرج معاكي.
- كتير امنيحة.
كادت أن تتحدث شمس ولكن قاطعها صوت:
- شمس، ممكن أتكلم معاكي شويه؟
كانت تلك الفتاة زميلتها والتي تُدعى صباح، طالعتها روما لثوانٍ ثم إلتفتت لشمس بإبتسامة:
- بشوفك شمس، أنا عندي موعِد.
أومأت بهدوء وإبتسمت روما لصباح:
- تشاو.
عقدت صباح حاجبيها وهي تطالع هيئتها ثم عادت تطالعه شمس:
- إزيك؟
- كويسه.
ذلك ما أردفت به شمس بلامبالاة وهي تأخذ رشفة من كوبها. جلست صباح بجانبها وحاولت شمس الإبتعاد عنها قليلًا:
- أنا جهزتلك المحاضرات إللي فاتتك في الكشكول ده، شوفيهم كده ولو في أي حاجة تانية إنتِ محتاجاها أو وقفت معاكِ قوليلي.
- أوكِ، محتاجة كام؟
أردفت صباح بإبتسامة هادئة:
- أنا مش محتاجة منك حاجة خالص غير إنك تذاكري، وتبطلي تخرجي مع إللي إسمها روما دي.......
كانت صباح تحادث شمس بحسن نية كلهفة صديقة تريد مصلحة صديقتها، ولكن قاطعها صوت شمس العالي.
- ماتتدخليش في حياتي وخليكِ في حالك، وإنتِ مين إنتِ عشان تحكمي على روما صاحبتي؟ إنتِ تعرفيها؟ تعرفي حياتها؟ تعرفي ظروفها؟ لا ماتعرفيش يبقى خليكِ في حالك أفضل.
شعرت صباح بالحزن والإحراج في آن واحدٍ لأنه بالإضافة لإهانة شمس لها كان جميع من بالكافيتيريا يطالعونها بسخرية.
- أنا آسفة.
ثم خرجت من الكافيتريا راكضة وهي تبكي؛ أما بالنسبة لشمس فقد تأففت لأن تلك المدعوة صباح قد عكرت مزاجها الجيد أخذت أشياءها ثم خرجت من الجامعة في نية منها للذهاب للمنزل؛ أما بالنسبة لصباح فقد كانت تبكي وهي تجلس بركن من أركان إحدى الكليات بالجامعة إلتقطت هاتفها وهي تبكي وطلبت رقمًا معين ووضعت الهاتف على أذنها تنتظر الرد حتى أتاها صوته.
- ألو.
- جواد بيه.
- أيوه يا صباح معاكِ.
أردفت ببكاء:
- أنا إعتبرتها أختي وأنا بكلمها وبنصحها إنها تبعد عن البنت إللي إسمها روما دي، مالحقتش أكمل كلامي وإتكلمت معايا بأسلوب مش كويس، نفسي أفهم هي ليه مش قادرة تتقبلني في حياتها؟ أنا بحاول أساعدها بحاول أبقى جنبها بس هي لسه مش شايفاني يا جواد بيه، أنا بعِز شمس وبحبها عشان شايفاها بريئة مقارنة بالبنات إللي هي مصاحباهم غير كده ماكنتش قربت منها.
أردف جواد بهدوء:
- ماتزعليش، هي شمس مش قادرة تميز الصح من الغلط دلوقتي، بس مسيرها في يوم هتفهم.
- إمتى؟ حضرتك دخلتني الجامعة الجميلة دي وإللي كانت من أحلامي في يوم من الأيام وطلبت مني أبقى جنبها وأساعدها في المذاكرة والمحاضرات، وكمان بجيلها البيت بهتم بمذاكرتها، وأنا بالنسبالي الموضوع مختلف أنا بعتبر شمس زي أختي فعلا .. وبعمل ده من قلبي .. بس أنا تعبت من المعاملة دي، أنا عارفة إن أنا هنا عشانها بس أنا تعبت يا جواد بيه.
تنهد جواد بيأس من تصرفات شمس:
- تمام يا صباح، أنا هشوف الموضوع ده، إنتبهي إنتِ لدراستك وسلميلي على والدك وماتقلقيش.
- شكرا لحضرتك.
أغلقت صباح المكالمة الهاتفية مع السيد جواد؛ الرجل الذي يعمل والدها عنده فهم في البداية كانوا من الطبقة الفقيرة وكانت معيشتهم صعبة كثيرًا، ولكن منذ أن عمل والدها عنده وقد إرتفع مستواهم المعيشي وأصبحوا من ضمن الطبقة المتوسطة .. كان مثلها الأعلى كانت تراه دائمًا مع والدها منذ صغرها .. كان حلمها في يومٍ ما أن تتزوج شخصًا مثله أو تتزوجه هو، هزت صباح رأسها نافية .. تُذكر نفسها أن جواد أدخلها تلك الجامعة لتتعلم ولكي تهتم بشمس، الفتاة الوحيدة التي يهتم بها جواد في هذا العالم .. قامت بمسح عِبراتها أسفل نظارتها الطبية وقامت بتعديلها تأخذ نفسًا عميقًا وكادت أن تعتدل لتقف، إنتبهت لوجود تلك الفتاة المدعوة بروما تقف مع شابٍ ما والذي يكون ساجد ولكنها لا تعلم من هو من الأساس ولا تعلم إسمه لأنها لم تراه قبلًا في هذه الجامعة، تجاهلت وجودهما سويًا وذهبت لكي تحضر محاضراتها المتبقية.
***
في مساء اليوم التالي:
كانت ترتدي ثوبًا من اللون الأزرق وتركت شعرها الكستنائي منسابًا فوق ظهرها، تهبط على أدراج القصر بترقب تبحث بعينيها عن والدها حتى وجدته جالسًا مع أحد رجال الأعمال في باحة القصر يضحكان سويًا ويدردشان قليلًا. إقتربت منه بإبتسامة مصطنعة تحاول أن تتقن الكذبة التي ستخبره بها الآن.
- بابي.
إلتفت بهجت لصغيرته وتعجب من أنها ترتدي ثوبًا وتضع بعضًا من مستحضرات التجميل على وجهها.
- رايحة فين يا حبيبتي؟
- هروح أقابل روما هنخرج ساعة أو ساعتين كده وهرجع تاني.
نظر بهجت لساعة يده ثم أردف بتعجب:
- الساعة تسعة ونص، إنتِ من إمتى بتخرجي بليل كده، هكلم جواد يوصلك.
أردفت بتأفف دون مراعا للضيف الموجود:
- لا مش عايزة جواد يوصلني ولا عايزاه في حياتي أصلا، بطَّل تدخله في حياتي، ده بيتحكم فيا بشكل مقزز .. بلاش يا بابي تخليني أزعل .. وبعدين أنا مش هروح بعيد، في كافيه ناحيتها هقعد معاها فيه وهرجع علطول.
طالعها بهجت قليلًا بهدوء ثم أردف:
- ماشي، بس ماتتأخريش.
- ميرسي يا بابي.
قبلته من وجنته ثم خرجت، أما بالنسبة لرجل الأعمال الذي كان معه أردف بإستفسار:
- هو جواد بيه وحضرتك علاقتكم ببعض إيه؟
إبتسم بهجت مردفًا بهدوء:
- جواد إن شاء الله هيكون جوز بنتي .. هي مسألة وقت لسه هفاتح شمس في الموضوع قريب.
- بجد؟ ألف مبروك.
- الله يبارك فيك، الموضوع لسه ما أعلناش عنه، كان الإتفاق بيني وبين جواد بشكل مبدأي، بس لما شمس تخلص جامعة هنشوف الأمور هتوصل لإيه.
- بالتوفيق.
ثم أكمل بهجت دردشته مع صديقه؛ أما بالنسبة لشمس فقد تنهدت بإرتياح بعدما كذبت على والدها وتحركت بسيارتها من أمام القصر وذهبت لتقابل ساجد، كانت متوترة طوال الطريق تفكر عن ما ستتحدث به معه وأين ستؤول الأمور؟ .. كيف تتعامل معه من الأساس هي تبدو ظاهريًا بالنسبة للجميع جريئة وقوية لكنها بداخلها تشعر أنها هشة خائفة. أخذت نفسًا تحاول أن تُهدئ من روعها. إنه ليس فتًى سيء .. إنه زميلها بالجامعة .. ظلت تُذكر نفسها بذلك حتى وصلت للمكان الذي أخبرها به ... كان عبارة عن مكانٍ راقٍ بالقاهرة الجديدة. كان هناك .. كان يقف متأنقًا وينتظرها. إقتربت منه بإبتسامة لطيفة وهادئة وبادلها الإبتسامة عندما لاحظ إقترابها.
- إتأخرت عليك؟
- لا أبدًا.
سارا قليلًا وكان هو الذي يتحدث عن نفسه .. عن حياته .. عن عمله الظاهري وهو أنه يتابع جميع أعمال والده؛ أما هي فقد كانت صامته هادئة خجلة .. فتلك أول تجربة تخوضها.
- وإنتِ؟
إنتبهت إليه عندما وجه حديثه لها.
- كلميني عن نفسك.
أردفت ببضع كلماتٍ بسيطة:
- شمس عندي واحد وعشرين سنة، ماليش غير بابي وصاحبتي تبقى روما.
سأل بتعجب:
- بس كده؟!
أجابت بفضول:
- هو في إيه تاني أتكلم عنه؟
- بتحبي إيه؟ بتكرهي إيه؟
إبتسمت شمس بهدوء ثم أخبرته بما تحب وتكره. يبدو أنه مهتمٌ بها كثيرًا هذا رومانسي حقًا. شعرت بتخبط في مشاعرها بسبب الخجل الكبير الذي تشعر به. مر الوقت وهما يدردشان سويًا.
بعد عدة دقائق:
كانا يجلسان في كافيتيريا راقية. وكان ينظر في عمق عينيها وتلك المرة أمسك بيدها بقوة، حاولت أن تُبعِدَ يده عنها ولكنه تحدث بهدوء:
- ماتخافيش.
- مش خايفة طبعا، بس مش بسرعة كده.
- ليه مش بسرعة؟ أنا معجب بيكِ وإنتِ بتبادليني نفس المشاعر.
لم تجد ردًا لتُجيبه، إبتسمت بخجل.
أردف ساجد بأعين لامعة:
- أوعدك يا شمس إنك هتعيشي أجمل أيام حياتك معايا.
***
في الوقت الحالي:
كانت تطرق على باب غرفتها في المصحة بغضب وصراخ:
- خرجوني من هنا، أنا مش حابة أبقى هنا.
لم يُجِبها أحد وصرخت قهر، ظلت هكذا لأيام لم يبالي أحدٌ لصراخها. ثم وأين جواد؟ بعد أن تركها هنا لرم يأتِ لو لمرة لكي يراها، لا تصدق حتى الآن أنها مُدمنة على الممنوعات. حتى الآن تتساءل كيف ومتى حدث هذا؟ لا تصدق أن ساجد فعل بها كل ذلك. لقد كانت حمقاء صدقته ووقعت في غرام ذلك الكاذب الحقير. ولما تُلقي اللوم على ساجد من الأساس؟ هي من سمحت لكل ذلك بأن يحدث لها.
***
في مستودعٍ مُظلمٍ كان جواد يقف أمام ذلك الشخص المُلقى أرضًا. كان وجهه مليئًا بالكدمات وجسده به بعض الكسور. ألقى أحد رجال جواد دورقٌ من المياة على رأس ساجد والذي إستيقظ مفزوعًا من غفلته وأيضًا من ثلوجة الطقس بالإضافة إلى البرد القارص الذي يشعر به الآن بسبب المياة الباردة التي أُلقيت عليه أيضًا.
كان جواد يطالعه بهدوء وهو فزعٌ هكذا، ورجاله يمسكون به بقوة لكي لا يهرب منهم.
أردف جواد بهدوء:
- مطلوب منك تعمل حاجة بسيطة وقصادها هتاخد حريتك.
نظر له ساجد بإنتباه كأن مفتاح خروجه هو إتفاقه مع ذلك الشخص الذي يقف أمامه. تقدم نحو جواد أحد رجاله يعطيه بعض الأورق.
- دي أوراق طلاقك من شمس.
عقد ساجد حاجبيه. ولكن جواد إستأنف حديثه بهدوء:
- هتوقع على الورق ده كله، ومش هتسيب ورقه واحدة.
هز ساجد رأسه بتعب نظرًا لأن يده اليُسرى مكسورة. قدم أحد الرجال الأوراق لجاسر وقام بتوقيعها كلها ولم يكن هناك أي مكانٍ في الورق يُطلب فيه توقعه إلا ووقعه. أخذ رجل الاوراق منه ووقف خلف جواد الذي يطالع ساجد بنظرة شيطانية.
سأل ساجد بإرهاق:
- إنت مين؟
لم يُجبه ولكنه قام بخلع معطفة الأسود وأخذه منه أحد رجاله. أما بالنسبة للرجال الذين يمسكون بساجد فقد تركوه وإبتعدوا عنه.
- أنا لما هخرج من هنا ويعرفوا إللي إنت عملته فيا مش هيسيبوك. إنت ماتعرفش أنا مين؟
أردف جواد بلامبالاة:
- مايهمنيش أعرف.
لم يستطع ساجد أن يتحدث ولكنه إنتبه عندما وقف جواد أمام حائط معلقٌ به بعض الأدوات أخذ من بينهم سكينٌ حاد. إبتلع ساجد ريقه بصعوبه وهو يراقب إقتراب جواد منه.
- إنت وعدتني إنك هتخرجني من هناك بمجرد ماهوقع الأوراق.
رفع جواد حاجبيه بدهشة ثم أردف بإبتسامة شيطانية:
- أنا فعلا قولت كده بس ماوضحتش إنك هتخرج من هنا وإنت مش واقف على رجلك.
كاد ساجد أن يهرب ولكن أمسكه رجال جواد مرة أخرى وجعلوه يقف أمام جواد الذي يشمر عن ساعديه وهو يُمسك السكين.
- هسألك في سيناريو يخص حياتك مع شمس، كنت بتعذبها إزاي؟
صرخ ساجد بقوة عندما طعنه جواد بقوة في قدمه اليسرى. وقع أرضًا يصرخ بألم. أتى له أحد رجاله بسكينٍ آخر، وإرتكز جواد على قدميه وهو يطالع ساجد المُلقى أرضًا.
- ليه أخدت مني روحي؟
نظر له ساجد بإستفسار بين ألمه وهو يستند بيده اليمنى على الأرض ولكنه صرخ بقوة مرة أخرى عندما قطع جواد أصابع يده اليمنى بالسكين الآخر.
- هيقتلوك. هيقتلوك.
كان يصرخ بتلك الكلمات من شدة ألمه، إبتسم جواد بشر وأردف:
- ييجوا. ينوروا. أنا مستنيهم.
ظل ساجد يتلوى بألم وهو يطالع جواد الذي تغيرت ملامحه الهادئة لملامح شيطانية، خائف منه كثيرًا لم يكن يتوقع أن كل ذلك سيحدث. إستأنف جواد حديثه:
- دلوقتي. هسألك سؤال أخير مطلوب منك تجاوبني عليه.
كاد ساجد يطالعه وهو يبكي من شدة ألمه ويرجوه أن يتركه لحاله:
- البنت السورية. إللي إسمها روما، موجودة فين؟
أخبره بعنوان المكان الذي هي به على الفور دون تردد وهو يصرخ ويتلوى من ألمه.
ربت جواد على رأسه متمتمًا بهدوء:
- برافو عليك، شاطر.
ثم توقف وأخذ الأوراق من أحد رجاله بهدوء وذهب نحو الباب وأردف قبل أن يخرج:
- إكسروا رجله التانية وإرموه في أقرب صفيحة زبالة.
صرخ ساجد بفزع وهم يقومون بسحبه نحوهم ثم خرج جواد من ذلك المستودع وصوت ساجد يُدوى في المكان.
***
بمرور الوقت:
كان جواد يقف أمام مبنى سكني في حيٍ راقٍ وخلفه رجاله، صعد هو ورجاله وقاموا بتحطيم باب شقتها ولكن عندما دخلوا الشقة كانت رائحتها بشعة كثيرًا، أخرج جواد منديلُا من جيبه ووضعه على أنفه، وبحث عن روما في الشقة حتى وجدها مٌلقاة أرضًا ولكنها لم تكن حية بل كانت جثة هامدة متعفنة!
رواية ثأر الشيطان الفصل الخامس 5 - بقلم سارة بركات
كان يقف أمام جثة روما الملقاة أرضًا. خلفه ضباط الشرطة وفريق الطب الشرعي يحققون في تلك الجريمة المرتكبة. جثة فتاة سورية الجنسية في الثالثة والعشرين من عمرها. سبب الوفاة طلق ناري في الصدر. كما أنه تم حقنها قبلها بمادة من الممنوعات القوية.
ظل يفكر كثيرًا. من خلف كل هذا، ذلك الفتى الذي تزوجته شمس وتلك الفتاة السورية لم يكونوا إلا سوى عروس متحركة يتم تحريكها لتنفيذ الأوامر فقط.
استفاق جواد من شروده على صوت صديقه عاصم:
- وصلت إمتى؟
أردف جواد بهدوء:
- زي مانت شايف جيت لقيتها كده.
أردف عاصم بهمس مسموع لجواد:
- كنت جاي تعمل إيه يا جواد؟ مش قولتلك تبعد عن الطريق ده وكان في عهد منك إنك تمشي سليم.
طالعه جواد ثم تفوه ببرود:
- أنا طول عمري ماشي سليم. بس إللي يقطع طريقي مش هيشوف مني غير كل شر.
تنهد عاصم بضيق:
- اه إنت هتقولي. إنت ماسيبتش في الراجل إللي إنت حبسته عندك ده حته سليمة. إنت تحمد ربنا إنه لسه عايش.
طالعه جواد بضيق. استأنف عاصم كأنه فهم نظراته تلك:
- حاضر مش هخلي حد يراقبك تاني. أنا بس قلقان عليك. إنت بقالك شهور متغير وفي إتفاقات كتير بينا يا جواد. ماتقصرش رقبتي قدام الوزارة.
أردف بشرود وهو ينظر لجثة روما:
- ماتقلقش. كل حاجة هتخلص قريب.
تنهد عاصم بإستسلام:
- تمام. خليني معاك للآخر.
- هتحتاج مني حاجة قبل ما أمشي؟
- لا تمام كده. ولو إحتجت أعرف منك معلومات زيادة عنهم أكيد هتصل بيك.
هز جواد رأسه بهدوء ثم خرج من المكان. بعد مرور وقت بسيط، توقفت سيارته أمام المصحة النفسية لكي يقوم بزيارتها.
كان يقف أمام باب غرفتها الذي فُتح بواسطة الممرض الذي كان يقف أمام الباب.
أردف جواد بهدوء:
- هتأخر شويه. إقفل علينا الباب.
هز الرجل رأسه والذي نفذ أمره بعد أن دخل جواد للغرفة. كانت تضم جسدها بقوة تقرب ركبتيها نحو صدرها وهي تجلس على فراشها مستندة على الحائط تنظر أمامها بشرود.
أردف جواد بهدوء:
- شمس.
التفتت نحوه بلهفة وأردفت بأعين دامعة:
- جواد.
اقتربت منه وقامت بضمه بقوة لكنه لم يبادلها أي شيء. ابتعدت عنه قليلًا تنظر في عمق عينيه وأردفت بأمل:
- إنت جاي عشان تخرجني من هنا صح؟
لم يجبها وقدم لها الأوراق مردفًا بهدوء:
- وقعي الأوراق دي.
أردفت بإستفسار:
- إيه دي؟
أردف ببرود وهو ينظر في عمق عينيها:
- أوراق طلاقك من جوزك.
لعدة ثوانٍ لم تستوعب ما قاله للتو وطالعته بإستفسار، ولكنه لم يتحدث بكلمة إضافية. أخذت منه الأوراق بيدٍ مرتعشة تطالعها وأخذت منه القلم ووقعت الأوراق. وقدمتها له مرة أخرى بعدما انتهت.
- يلا نمشي من هنا. أنا مش حابة المكان ده.
- أنا جاي هنا عشان أسألك كام سؤال.
أردفت بعدم استيعاب:
- يعني إيه؟ يعني مش هتخرجني من هنا؟
تجاهلها مستأنفًا:
- البنت إللي إسمها روما دي، ماشكتيش في تصرفاتها لما كنتم أصحاب؟ أو حاولت مثلا إنها تجرك لطريق معين؟ تعرفي كانت بتتواصل مع مين؟ أو هي عرفتك إزاي؟
تجاهلت جميع أسألته تلك وأردفت بإرهاق:
- أرجوك. أنا عايزة أخرج من هنا مش قادرة أستحمل.
لكنه ظل صامتًا يطالعها بهدوء. اقتربت منه أكثر مكررة حديثها بصراخ وتقوم بضرب صدره بقوة:
- خرجني من هنا يا جواد.
كانت تبكي وهي تقوم بضربه بقوة ولكنه أمسك بيدها يمنعها من أن تكمل ما تفعله.
- أنا بكرهك.
أردفت بتلك الكلمة بصراخ، وانهارت تبكي بين ذراعيه. ربت على ذراعها متحدثًا بهدوء:
- أنا عايزلك الأحسن. مش هينفع تخرجي من هنا دلوقتي. لازم تتعالجي الأول. وعايزك تتطمني إن ساجد ده مش هيقرب ناحيتك تاني. بس أنا دلوقتي محتاجك تساعديني. عايزك تجاوبي على أسئلتي يا شمس عشان أقدر أوصل للي عمل كده فيك.
ابتعدت عنه قليلًا وهي تنظر في عمق عينيه مردفة باستفسار:
- طب إيه علاقة روما بالأسئلة إللي إنت بتسألهالي دي؟ إيه علاقتها كمان باللي حصل لي أصلا؟
- لإن روما هي السبب كله في اللي حصلك.
طالعته بتعجب وذهول في آن واحد. كيف؟ إنها صديقتها! لا لم تكن كذلك بل كانت أختًا لها. يبدو أن هناك سوء تفاهم.
أردفت بعدم تصديق:
- روما تبقى صاحبتي مالهاش علاقة بإللي حصلي يا جواد. دي كانت أقرب حد ليا. مكنش في حد غيرها بيسمعني ويحس بيا. دي كانت بتطمني وبتاخدني في حضنها لما ببقى متضايقة أو مخنوقة. أنا وهي كنا واحد يا جواد. كنا بنبات سوا مع بعض. كانت بتنام جنبي على سريري. استحالة صاحبتي أنا تعمل فيا كل ده!
كانت تطالعه وهي تدافع عن صديقتها والتي بالتأكيد لن تؤذيها يومًا ما.
استأنفت بذهول وعدم تصديق:
- صح يا جواد؟ مش روما مستحيل تعمل فيا كده؟ إنت شايفنا كنا دايمًا سوا. أنا عرفتها على بابي. خليتها تعتبره باباها هي كمان.
أردف جواد ببرود وهو ينظر في عمق عينيها:
- صاحبتك دي طلع وراها حوار هي وجوزك.
سقطت عبرة من عينيها وأردفت بإرتعاش:
- إزاي؟
- إنت إللي هتقدري تجاوبيني. أنا محتاج إجابتك على أسئلتي. أنا محتاج أعرف أتصرف مع مين يا شمس؟
نطق بإسمها بتأثر وهو ينظر في عينيها. ارتجف قلبها بسبب نظراته تلك ولا تدري ما السبب. حاولت أن تبحث في عقلها عن أي ذكرى تتعلق بعمل روما المزعوم. ثم أردفت:
- أيوه قابلت حد قبل كده أخدت منه حاجة.
منذ أشهر عديدة مضت:
كانت تقف بجوار سيارة روما تتحدث مع ساجد عبر إحدى وسائل التواصل الاجتماعي. ولكنها انتبهت عندما خرجت روما من سيارتها بعد أن قامت بإجراء مكالمة هاتفية. اقترب نحوهما شاب بدراجته النارية ولكنها لم تستطع أن ترى ملامحه جيدًا بسبب ارتدائه للخوذة فلم يقم بإزاحتها عن رأسه. نظرت للدراجة النارية وقد أعجبتها. هي تعلم ذلك النوع جيدًا وتخيلت أن ساجد هو من يقود الدراجة وهي تجلس خلفه وتضمه. ابتسمت على سذاجة خيالها وانتبهت ليد الشاب الذي يقدم الطرد لروما. كان هناك جرح سكين على معصم يده! ولكن الجرح يبدو أنه قديم لأنه لم يلتئم وترك تلك العلامة. عقدت حاجبيها ولكنها لم تهتم وطالعت روما التي تبتسم للطرد الذي في يدها. كان عبارة عن صندوق لم تستطع شمس أن ترى ما بداخله لأنه كان مغلقًا بإحكام.
أردفت شمس بإستفسار:
- إيه ده يا روما؟
أردفت بإبتسامة وهي تطالعها:
- حاجة جيالي تبع الشغل.
تساءلت شمس بملل:
- وهو الشغل ده هيفضل غامض كده بالنسبالي يعني؟ إنت وساجد ساكتين كده مابتنطقوش. بتشتغلوا إيه؟
استأنفت باستنكار وهي عاقدة حاجبيها:
- تجار مخدرات؟
قهقهت روما ثم أردفت بابتسامة وهي تطالعها:
- شغالين في التسويق يا شمس.
- تمام.
في الوقت الحالي:
- ده إللي أنا فاكراه.
أردف وهو يقدم لها هاتفه:
- هاتيلي نوع الموتوسيكل إللي الشاب ده كان راكبه.
بحثت عن نوع دراجة معين حتى ظهر أمامها صورة نوع الدراجة.
- كانت دي بالتحديد.
كان ينظر للدراجة ذات اللون الأزرق بهدوء. وقام بتحميل الصورة على هاتفه. والتفت ليخرج ولكنها أمسكت بيده.
- جواد، ماتسبنيش هنا لوحدي.
كانت عبراتها تسقط وهي تتحدث. طالعها بملامح مبهمة. ألم يحن الوقت لكي يضمها بقوة بين ذراعيه؟ ها هي الآن أصبحت مطلقة! ألم يحن الوقت أن ينتقم من تلك الشفاة الصغيرة التي لطالما تمنى أن يتذوقها؟ ولكن لا، جرحه منها أعمق مما يتصوره أحد. لقد أحبها للحد الذي لا أحد يستطيع أن يتخيله وقابل ذلك الحب جرحًا كان حجمه أضعاف ذلك الحب. لم ولن يُشفى قلبه منها. كيف؟ كيف فعلت ذلك بقلبه؟ كيف أحبت ساجد؟ كيف لم تحبه هو وخاصة أنه كان أمامها طوال الوقت. كان متواجدًا في كل الأوقات. كان يحميها دون أن تطلب حمايته.
استنزف الكثير من طاقته في تلك العلاقة التي لم يكن لها مستقبل من الأساس.
تحدثت مرة أخرى عندما لاحظت شروده بها:
- جواد.
استفاق من شروده على صوتها. أما هي فقد استأنفت باستفسار:
- هو أنا زعلتك في حاجة؟ أنا حاسة إن في حاجة كبيرة أوي أنا عملتها وإنت زعلان بسببها.
صمت قليلاً ثم أردف بهدوء:
- راجعي حياتك تاني يا شمس.. راجعي كل حاجة عملتيها وشوفي إنت زعلتيني ولا لا.
- جواد أنا مابحبش الألغاز. أنا محتاجة أعرف منك إنت لإنك عمرك ماهتخبي عليا حاجة.
تغيرت نبرة صوته للحدة قليلاً:
- جبتي منين الثقة دي؟
اقتربت منه قليلاً ثم أردفت بهدوء وهي تنظر في عمق عينيه:
- مش عارفة. بس كل إللي أنا عارفاه يا جواد إن لو كل الناس إللي أعرفها اتفّقوا على أذيتي حتى لو كان بابي ذات نفسه. إنت الوحيد إللي عمرك ماهتتغير وهتحميني وهتفضل معايا.
كان يطالعها بهدوء ولكنه رد على حديثها ذلك بخروجه من الغرفة دون أن ينطق كلمة واحدة. انهمرت عبراتها لأنها تشعر بالخذلان بالفعل! يبدو أن جواد مُحق حقاً. يبدو أن روما وساجد اتفقا عليها ووقعت في مصيدتهما مع الأسف. اقتربت من الباب ووضعت مقدمة رأسها تستند بها عليه وهي تبكي. وفي ذات الوقت كان جواد ما زال يقف بالخارج مستنداً بظهره على الباب. ابتعد عن الباب قليلاً ينوي الرحيل ليكمل أعماله ولكنه عاد وتوقف أمام الباب مرة أخرى يضع يده على مقبض الباب يريد الدخول لكي يضمها بقوة بين ذراعيه. يريد أن ينسى ما حدث منها. يريد أن ينسى خذلانها له. آه لو تعلم كم عشقها لبكت ندمًا على ما سببته له ولكن لا. إنه لا يرضى لها الحزن يكفي ما عاشته.
منذ أشهر عديدة مضت:
كانت شمس تحاول أن تقوم بمراجعة محاضراتها لأن الامتحانات قد اقتربت ولكنها كالعادة لم تفهم شيء. انتبهت على بعض الرسائل التي أُرسلت إليها من ساجد. كانت رسائل رومانسية وفكاهية في آن واحد. كانت سعيدة جداً أنها قابلت إنساناً لطيفاً مثله. وبعد عدة ساعات انتهت من دردشتهما وقامت بغلق دفتر المحاضرات. خرجت من غرفتها وهي تدندن بسعادة. ثرية. تمتلك حبيب ثري. لديها والدها يحبها كثيراً. لديها روما توأم روحها. ماذا تريد بعد؟ إنها الحياة المثالية التي تتمناها أي فتاة في الحياة. لم تنتبه للذي يقترب نحوها حتى اصطدمت به وهو توقف يطالعها بهدوء. عقدت حاجبيها بضيق ورفعت رأسها متحدثة بضيق:
- مش شايفني ماشية قدامك؟
أردف جواد بهدوء متجاهلاً ذلك الموقف:
- رايحة فين؟
تعجبت من سؤاله ذلك ونظرت حولها تطالع منزلها ثم عادت تنظر له متحدثة باستنكار:
- أفندم؟ إنت بتسألني أنا رايحة فين؟ وكمان في بيتي؟
ظل صامتاً ينتظر ردها وظلت هي تتحداه بنظراتها حتى استسلمت وأردفت بضيق:
- هقعد مع بابي شوية.
همهم ثم تساءل بهدوء:
- أخبار مذاكرتك إيه؟
أردفت بضيق:
- وإنت مالك؟
ثم تحركت من أمامه ولكنه أمسك بذراعها لكي يجعلها تقف أمامه مرة أخرى وكرر سؤاله مرة أخرى ولكن بنبرة جادة:
- أخبار مذاكرتك إيه؟
أردفت باستفزاز من طريقته تلك وهي تُبعد ذراعها من يده:
- مش بذاكر.
- ليه؟
تأففت بضيق ثم أردفت:
- أنا حرة. براحتي. مش حابة أذاكر.
ثم تركته ورحلت ولكنه تلك المرة لم يوقفها. دخل غرفتها وظل يبحث في دفتر المحاضرات حتى وجد أنها بالفعل قد حاولت المذاكرة ولكنها قد فشلت. وجدها على بعض المحاضرات بكلمات تعبر عن عدم فهمها لتلك الجمل والمصطلحات المذكورة أمامه. تنهد ثم أخذ نفساً عميقاً يفكر فيما سيفعله لأجل أن تفهم تلك المحاضرات لأن امتحاناتها قد اقتربت ولا يريدها أن ترسب. يريدها فقط أن تنجح كي يتزوجها مثلما اتفق مع السيد بهجت سابقاً. لا يعلم كيف يحتمل بعدها هكذا. يريدها أن تُنهي دراستها في أسرع وقت. إن الانتظار مُتعب حقاً بالنسبة إليه. التقط هاتفه وطلب رقم صباح وانتظر عدة ثوانٍ لكي تُجيبه وقامت بالإجابة بالفعل:
- ألو.
- مساء الخير يا صباح. إزيك؟
أردفت بهدوء:
- بخير الحمدلله يا جواد بيه.
ظل جواد صامتاً لا يدري كيف يتحدث أو كيف سيخبرها بما يريد أن يقوله.
- ممكن تيجي لشمس البيت تشرحيلها؟
أردفت صباح بنفي شديد:
- أنا آسفة لحضرتك يا جواد بيه. الفترة دي مش هقدر أتعامل مع شمس بعد إللي حصل منها.
تنهد بإستسلام ثم أردف:
- ممكن أطلب منك خدمة طيب؟
- أكيد.
أردف بصعوبة:
- هحتاج منك تشرحيلي أنا.
رواية ثأر الشيطان الفصل السادس 6 - بقلم سارة بركات
حمحم جواد ثم أردف بهدوء:
- في شوية كلمات واقفين قدامي محتاجك تشرحيهملي.
لا ما قاله حقيقي، حمحمت بإحراج لأنها شعرت بإحراجه، تعلم أنه يعشق شمس وهو في وضعٍ حرِج.
أردفت بإستسلام:
- خلاص أنا هذاكرلها.
أردف جواد بنفي:
- لا ماتقلقيش هعرف أذاكرلها، إنتِ بس هتوضحيلي الحاجات إللي مش هفهمها.
هزت رأسها بيأس وتمنت لو يرزقها الله بشخصٍ مثل جواد.
- لا يا جواد بيه، خلاص أنا هذاكرلها، أنا خلاص مش زعلانة منها.
تنهد جواد بإرتياح كأن هناك حِملٌ ثقيل قد أزيح من فوق أكتافه.
واستأنفت بهدوء:
- هكلمها دلوقتي وأتفق معاها على مواعيد شرحي ليها.
أردف جواد بإبتسامة كأنه يراها:
- شكرا يا صباح، إنتِ جدعة وتستاهلي كل خير.
- شكرًا لحضرتك على كل حاجة عملتهالنا وبتعملهالنا.
أغلق الإثنان المكالمة الهاتفية بينهما وبدأت صباح في البحث عن رقم شمس لكي تهاتفها، وجدته وقامت بالإتصال بها.
كانت شمس تجلس في حجرة المعيشة وهي تشعر بالضيق أنها لا تفهم شيء من دروسها، إنتبهت على رنين هاتفها رفعت حاجبيها بتعجب وهي ترى إسم صباح على شاشة هاتفها.
حمحمت بهدوء وأردفت بغرور وهي تُجِيب:
- نعم؟
- بصي أنا ماليش دعوة بصاحبتك أنا بس نصحتك وإنتِ ماتققدبلتيش النصيحة خلاص ماليش دعوة، أنا بكلمك عشان أشرحلك أكيد في حاجة واقفة قدامك.
كانت شمس ترقص بداخلها من السعادة وأردفت بكبرياء مزيف:
- على فكرة مش محتاجاكي، المحاضرات كلها سهلة.
- شمس، أنا حافظاكي أكتر من نفسك وكمان في المذاكرة. أراهنك إنك مش عارفة تفهمي حاجة فيهم.
صمتت شمس ولا تعرف كيف تُجيبها واستأنفت صباح حديثها باستسلام:
- هكون عندك من بكرة الصبح وأهي فرصة فاضل أسبوعين على الإمتحانات هنعرف نلم فيهم المنهج سوا.
- أوك.
أغلقتا سويًا وقفزت شمس من سعادتها غافلة عن جواد العاشق الذي يراقبها ويراقب سعادتها تلك.
همس بينه وبين نفسه:
- هانت يا شمس، قريب هتبقي في حضني.
في صباح اليوم التالي:
دخلت صباح القصر وهي تقوم بتعديل عدساتها الطبية، قابلت السيد بهجت أثناء خروجه، وتوقف متحدثًا معها بترحابٍ شديد:
- منورة يا صباح، ليه كنتي غايبة عننا كل ده؟
أردفت بإحراج لطيبته اللطيفة تلك:
- ظروف، غصب عني يا عمو.
- ليه يا حبيبتي في إيه؟ إنتوا كويسين طيب؟ لو محتاجاني أتدخل قوليلي بس.
أردفت بتردد:
- شكرًا لحضرتك، بس مشاكل عادية في حياتي وكده والحمدلله حليتها.
- تمام يا حبيبتي ربنا يكرمك، شمس فوق في أوضتها.
- اه فعلا يا عمو الخدم قالولي.
- تمام يا حبيبتي تسمحيلي أسيبك بقا وأشوف شغلي.
- خد بالك من نفسك يا عمو.
خرج من القصر وخلفه رجاله أما هي؛ فقد صعدت على أدراج القصر تقصد غرفة شمس الضخمة، طرقت عدة طرقات بسيطة على باب غرفتها حتى سمحت لها بالدخول.
دخلت صباح الغرفة دون أن تبتسم ولكن إبتسامة شمس لها أنستها ما سبب حزنها منها وإبتسمت دون وعي منها؛ فهي أيضًا تحب إبتسامة شمس فتاة لطيفة تحبها ولكن رفقتها مع تلك الفتاة التي تُدعي روما وأيضًا باقي الفتيات في المجموعة يجعلونها غريبة بعض الشيء، لكن بالنسبة إليها شمس تستحق الأفضل دائمًا.
أردفت شمس بإبتسامة:
- إتأخرتي خمس دقايق بحالهم، يلا بقا نبدأ عشان نلحق نخلص في الأسبوعين دول.
أردفت بإبتسامة تطمئنها:
- إن شاء الله هنخلص.
بدأن بالمذاكرة، مرت الأيام وبدأت إمتحانات شمس والتي كانت لطيفة بالنسبة إليها؛ فكالعادة شرح صباح ينقذها دائما في الوقت المناسب.
وفي خلال تلك الأيام كان ساجد يهاتفها دائمًا يخبرها بكلامه المعسول الذي يغسل عقلها به حتى أتى آخر يوم.
كان ساجد جالسًا بمكانٍ ما يفكر في شئ حتى آتته مكالمةٌ هاتفية:
- نفذ، إنت اتأخرت كتير.
همهم ثم أغلق الهاتف وقام بمهاتفة شمس.
- خلصتي إمتحان؟
كانت تقف مع روما وهي تبتسم بسعادة:
- اه خلصت خلاص.
- طب إيه رأيك نتقابل؟ محتاج أشوفك أوي.
شعرت بالخجل ثم أردفت بنبرة لطيفة:
- حاضر هجيلك، نتقابل فين؟
- هبعتلك المكان علطول.
أغلقا مكالمتهما سويًا وتنهدت بسعادة، وانتبهت لحديث روما:
- إي؟ شو في؟
- رايحة أقابل ساجد دلوقتي.
- يا روحي على هالجمال، سعادتك كتير حلوة يا شمس.
- يلا باي همشي أنا.
كادت أن تذهب ولكن أوقفها صوت صباح:
- شمس.
إستدارت شمس لتطالعها بإستفسار، إقتربت منها صباح بإبتسامة:
- مالحقتكيش بعد اللجنة، نزلتي مع البنات علطول وسبتيني، عملتي إيه في الإمتحان؟
أردفت ببرود:
- كان تافه أوي.
أردفت صباح بسعادة:
- طب الحمدلله.
صمتت قليلًا مترددة فيما تقول ثم أردفت:
- بصراحة كان نفسي نخرج أنا وانتِ بعد الإمتحان.
- شو! شمس مو فاضية حبيبتي، وراها شي أهم.
إلتفتت صباح لروما تتحدث بضيق:
- أنا وجهت كلامي لشمس مش ليكي.
- أنا وشمس واحد حبيبتي.
كادت أن تُجيبها ولكن شمس من تحدثت:
- مش فاضية يا صباح بصراحة واه معلش نسيت، إستني.
ثم بحثت في حقيبتها عن شئٍ ما حتى أخرجت بعض النقود ووضعتها بيدها:
- شكرا على تعبك في المذاكرة معايا، باي يا بنات.
رحلت شمس وتركتها بين باقي الفتيات اللواتي يُطالعنها بسخرية؛ أما هي فقد كانت تشعر بالصدمة من فعلة شمس تلك، تعطيها نقودٌ في يدها! هل تظنُها متسولة؟
- إذا كان بدك مصاري من البداية خبرينا يا بنت لا تنحرجي.
ثم قهقهت روما وقهقهن معها باقي الفتيات وتركنها تبكي بسبب ذلك الشعور الذي شعرت به للتو.
دخلت شمس أحد المطاعم وظلت تبحث عنه حتى وجدته يجلس على كرسي يخص إحدى الطاولات، إقتربت منه بإبتسامة خجلة وجلست أمامه.
- وحشتيني.
- وإنت كمان.
- بصي أنا جبتك هنا عشان وحشتيني وكمان عشان حاجة تانية.
طالعته بإستفسار واستأنف:
- بصي يا شمس، أنا بحبك وإنتِ أكيد بتحبيني صح؟
هزت رأسها بإبتسامة حالمة.
- طب ليه مانتجوزش؟
تعجبت من ذلك السؤال بينما أوضح ساجد جديثه قليلاً:
- يعني أقصد، أنا وإنتِ بنحب بعض ومع بعض بقالنا فترة حلوة، أنا عايز أتجوزك بصراحة، موافقة؟
تحدثت بتوتر وخجل:
- إنت فاجئتني بصراحة.
كرر ساجد سؤاله مرة أخرى:
- موافقة ولا لا؟
أجابته بتلعثم:
- أكيد موافقة.
إتسعت إبتسامة ساجد وبرقت عيناه ظنتها أن سبب ردود أفعاله تلك هو حبه لها ولكنها لا ترى ما بداخله.
- خلاص أنا هكلم والدي وإنتِ كلمي والدك واتفقي معاه على ميعاد أجيلك فيه، إيه رأيك؟
- أوك تمام.
أمسك بيدها بقوة مردفًا بحبٍ مزيف وهو ينظر في عمق عينيها:
- هتتحدي العالم كله عشاني؟
أومأت بإبتسامة وخجل.
- وأنا كمان هعمل المستحيل كله عشان تبقي ملكي.
في المساء:
كان السيد بهجت يجلس مع جواد في حديقة القصر يتحدثان:
- حضرتك هتفاتح شمس إمتى في موضوعنا؟ هي خلاص كده خلصت إمتحانات.
- لما ترجع إن شاء الله، ماتقلقش ماحدش هياخدها منك، أنا مش شايفها مع غيرك أصلا يابني.
ربت بهجت على كتفه بإبتسامة أبوية وإنتبه الإثنان لإقتراب شمس منهما.
أردف بهجت:
- تعالي يا حبيبة بابي، كويس إنك جيتي دلوقتي، عايز أتكلم معاكِ في موضوع مهم جدًا.
أردفت شمس بهدوء:
- وانا كمان محتاجاك في موضوع.
أردف بهجت بإبتسامة:
- نبدأ بيكِ، في إيه؟
طالعت جواد الذي يجلس بجوار والدها ينظر لها بهدوء وبإبتسامة هادئة في ذات الوقت.
- مش قُدام جواد.
قهقه جواد بسبب أنه شعر أنها خجلة من وجوده، كان أن يتحرك ليتركهما سويًا ولكن تحدث بهجت:
- إنتِ عارفة إن جواد زي إبني بالظبط وبعدين لسه في حاجات كتير محتاجين نتكلم فيها وجواد موجود لإنه شئ مشترك بينا إحنا التلاتة.
لم تُركز في حديثه وقررت أن تبدأ حديثها:
- بابي، أنا وزميلي في الجامعة بنحب بعض، وهو عايز ييجي يتقدملي، ممكن تحددلي ميعاد؟
أشلاء! قلبه تحطم إلى أشلاء ولو كان تحطم القلب له صوت؛ لسمع العالم كله صوت تحطم قلب جواد الذي لطالما تمناها، أيُعقل أن هناك شخصٌ آخر قد سبقه وسرق قلب حبيبته قبله؟!!!
توقف بهجت بمكانه وأردف بضيق:
- إيه إللي بتقوليه ده ياشمس؟ من إمتى الكلام ده بيحصل من ورا ظهري؟ إنسي خالص الكلام ده.
تعجبت شمس من حديث والدها لم تكن تتوقع ردة فعلته تلك أردفت بضيق غافلة عن ذلك العاشق الجريح:
- ماتحسسنيش إني عملت جريمة يا بابي، أنا وزميلي بنحب بعض فيها إيه يعني؟ ده أنا كنت فاكرة إنك هترحب بالموضوع ده.
أكد السيد بهجت حديثه بضيق:
- وأنا بقولك تنسي الكلام ده خالص، ماينفعش يا شمس، ماينفعش.
كاد أن يُكمل حديثه ويقوم بتوضيح السبب، ولكنها قاطعته بصراخ وبكاءٍ في آنٍ واحدٍ:
- هو إيه إللي ماينفعش؟؟ أنا مش عيلة صغيرة، أنا كبيرة كفاية إني أختار شريك حياتي واستحالة إنه يكون من اختيارك إنت، بجد يا بابي .. إنت .. إنت خذلتني.
إستدارت وابتعدت عنهم وهي تبكي في نية منها للخروج من القصر ولكن جواد أمسكها من ذراعها، حاولت إبعاد ذراعها عنه وأردفت بصراخ:
- ابعد عني، أنا بكرهك طول عمري بكرهك .. بكره تدخلك في حياتنا .. بكره حبه ليك .. بكره وجودك نفسه .. إنت شخص ماعندكش كرامة عشان فرضت علينا وجودك في حياتنا.
لم تنظر داخل عينيه بتمعن، لم تشعر به يومًا ولن تشعر، هكذا هي دائمًا عمياء القلب، ترك ذراعها وابتعدت وخرجت من القصر كاد أن يتبعها رجاله ولكنه أوقفهم بإشارة من يده.
لم ولن تشعر به أبدًا. كفى جواد. كفى.
كانت روما تجلس في منزلها تتعاطى الممنوعات ولكنها استفاقت على صوت طرقاتٍ على باب منزلها، توقفت واتجهت نحو الباب لترى من الطارق، عقدت حاجبيها ثم قامت بفتح الباب لها، كانت شمس تبكي وعندما رأت روما أمامها إنفجرت من البكاء وضمتها بقوة مردفة ببكاء ونحيب:
- بابي خذلني يا روما، طول عمره بيحب جواد وبيسمعله لكن أنا لا، شايفني دايما طفلة صغيرة.
- اخ منه جواد هادا، روقي حبيبتي راح يكون كِل شي امنيح.
أغلقت باب المنزل وذهبت بها لغرفتها لكي تستريح وبالطبع لم تنتبه شمس للممنوعات الموجودة على الطاولة في غرفة المعيشة بسبب حالتها تلك.
بعد عدة دقائق كان شمس تنظر أمامها بشرود.
- إي؟ إنتِ امنيحة؟
أومأت شمس بهدوء ثم أردفت:
- شكرا يا روما، ماليش غيرك ألجأله.
- لا تقولي هيك شي يا بنت، مافي هادا الكلام بيناتنا.
- أنا بحبك أوي يا روما وبتمنى إن صحوبيتنا تفضل مستمرة.
إبتسمت روما بهدوء ثم صمتت قليلًا تطالعها ثم أردفت:
- بتعرفي يابنت إني عم بغار.
أردفت شمس بتساؤل:
- من إيه؟ وليه؟
- منك.
رفعت شمس حاجبيها بدهشة، واستأنفت روما حديثها:
- عندك أبوكي عم يحبك كِل هادا الحب وعندك هاد البيت الدافي، كِل طلباتك عم بتيجي لإلك بدون تعب، لكن أنا ياشمس، ما ضل لإلي غير هادا البيت الصغير وإمي وأبي مو عايشين معي، كنت أحسدك دايمًا إنك عندك أب متل عمو بهجت، كْتير يحبك ويخاف عليكِ، يمكن نقول هاي هي الحياة مو عادلة بالمرة.
شعرت شمس بالشفقة عليها وقامت بضمها وأردفت بتأثر:
- إنتِ أختي يا روما، إنتِ الوحيدة إللي أنا حبيتها وارتحتلها وعايزاها دايمًا معايا، عشان كده أنا جيتلك لما لقيت الدنيا ضاقت بيا.
لم تُجيبها روما ولكن كان هناك عِبرة تتساقط من مقلتيها وهي بين أحضان شمس.
كان بهجت مستلقيًا على فراشٍ بإحدى المستشفيات وبجانبه جواد الذي ينظر أمامه بشرودٍ.
كانت عينيه حمراوتين كأنه كان يبكي لأيام ولكنه لم يُذرف دمعة واحدة ولكن قلبه من كان ينزف.
- شمس.
إنتبه جواد على همس السيد بهجت بإسم إبنته.
إقترب نحوه بهدوء وأمسك بيده، إستيقظ السيد بهجت من النوبة التي إجتاحته فجأة بعد خروج شمس من القصر:
- شمس فين يا جواد؟ أنا عايز بنتي ترجع لحضني من تاني، أنا مش قادر على فراقها، هعملها إللي هي عايزاه، سامحني يا جواد. سامحني.
كان السيد بهجت يبكي وكان جواد يطالعه بقلب مجروح.
يبدو أنه قد خسر المعركة التي كان يهيأ له أنه سيكون الفائز فيها في النهاية.
تنهد بعمق وجعل المشفى تقوم بالإتصال على شمس والتي فزعت عندما سمعت بخبر وجود والدها في المشفى وذلك اليوم كان اليوم الذي ترك جواد فيه شمس و السيد بهجت.
مرت الأيام وأصبحت الحالة الصحية للسيد بهجت بخير واجتمع مع والد ساجد واتفقا على موعدٍ لزفافهما وكان الموعد قريبًا جدا.
كان السيد بهجت يحاول الوصول إلى جواد ولكنه اختفى تمامًا لم يعرف له طريق!
حتى أتى يوم الزفاف.
كان البعض فيه سعيدًا لقرب الوصول إلى هدفه والبعض الآخر متوتر.
وتلك كانت حالة شمس التي تقف أمام مرآتها تنظر لهيئتها بتوترٍ وسعادة في آنٍ واحدٍ، تنهدت بعمق تحاول أن تقوم بتهدئة أنفاسها.
ذلك اليوم كانت تتمناه كثيرًا منذ الصغر كانت تتخيل دائمًا أنها عروسٌ جميلة وها هي قد حققت أحلامها.
أجمل زفاف وأجمل طلة. إنها الملكة اليوم.
إنتبهت على دخول والدها للغرفة لكي يصطحبها إلى قاعة الزفاف ويقوم بتسليمها لزوجها.
تعلقت بذراعه بإبتسامة سعيدة ولا تعلم أن تلك ستكون آخر إبتسامة تُرسم على وجهها.
كان جواد يجلس في قصره مشعث الشعر وينظر أمامه بشرود ممسكًا بيده عيارٍ ناري، ينظر لكل شئ محطمٌ حوله بالقصر.
لقد تدمرت أحلامه، تدمر كل شيء.
الفتاة التي أحبها منذ صغرها اليوم ستكون لشخصٍ غيره.
تنفس بثقلٍ وتناول هاتفه يتصل برقم أحدٍ ما.
ظل الهاتف يصدر رنينًا حتى سمع صوت صديقه على الطرق الآخر.
- جواد، أخيرًا عاش من سمع صوتك أنا قولت إنك نسيتني من بعد ما مشيت آخر مرة.
تحدث جواد بضياعٍ تام:
- عاصم.
- نعم يا جواد؟ في إيه مالك؟ إنت كويس؟ صوتك ماله؟
- أنا هقتلها، ماينفعش تبقى لغيري يا عاصم.
عقد عاصم حاجبيه بسبب حديث صديقه وقام بتجهيز نفسه لكي يخرج وحاول أن يُهدئ صديقه في ذات الوقت:
- إهدى يا جواد، أيًا يكن سبب إللي إنت فيه. إنت أكيد نفسيتك مش مظبوطة دلوقتي. حاول ماتاخدش أي قرارات وإنت في الحالة دي.
- هي ليه عملت فيا كده؟؟ بعد كل ده وماحستش بيا أنا؟ ليه؟؟ ده أنا كنت موجود جنبها وقدامها طول الوقت.
- إهدى طيب يا جواد، قول طيب أساعدك إزاي؟
أردف جواد بشرود:
- إسجني.
- أسجنك إزاي؟؟ إنت مش مجرم يا جواد.
- لا أنا مجرم. أنا تاجر سلاح يا عاصم. هحاول ألفق لنفسي أي تهمة ودي حاجة سهلة، بس المهم إني أتسجن ولا إني أبقى قريب منها.
- إنت طول عمرك ماشي صح، عشان كده كنت جايلك آخر مرة اتقابلنا فيها، في صفقة كبيرة الوزراة عايزة تعملها مع شركتك.
أردف جواد متحدثًا بشرود متجاهلاً حديث عاصم:
- يا تسجني، يا أقتلها.
كاد أن يتحدث عاصم ولكن جواد أغلق المكالمة الهاتفية.
إعتدل جواد وخرج بهيئته تلك من قصره متمسكًا بعياره الناري.
قاد سيارته وذهب للمكان الذي يُقام به حفل زفاف شمسه.
خرج من السيارة ووقعت عينيه عليها وهي تبتسم وتتأبط ذراع ساجد تنظر له بعشق، لم يلاحظه أحد لأنه كان يقف بعيدًا عنها.
رفع يده يصوب العيار الناري نحوها ولكنه توقف عندما شعر بعيار ناري مصوبٌ نحو رأسه وأردف عاصم بحدة:
- نزل سلاحك يا جواد، نزل سلاحك.
لم يستمع له جواد وجهز عياره الناري وكاد أن يصيبها.
- نزل سلاحك بقولك، إنت مطلوب القبض عليك يا جواد.
- إبتسم جواد وأنزل سلاحه ونظر نحو شمس التي جلست بسيارة ساجد وودعت جميع الحضور.
في الوقت الحالي:
كان جواد يقف بجانب شخص يحمل حاسوب يبحث عن شئٍ ما.
حتى أردف ذلك الشخص بحماس:
- أنا خلصت.
أخرج قائمة مطبوعة بها بعض الأسامي.
- دول الناس إللي اشترو الموتوسيكل ده في خلال السنادي.
- تعرف تجيبلي صورهم يا جاسر؟
أوما جاسر وفي خلال دقائق بسيطة أعطاه صورهم الشخصية.
كان ينظر لصورهم لعله يبحث عن الريبة والشك في ملامحهم.
حتى توقفت عينيه على شخصٍ ما ملامحه غير مُريحة بالمرة.
- شكرًا يا جاسر.
- شكرًا لحضرتك إنت يا جواد بيه.
إبتسم جواد بهدوء ثم ذهب حيث العنوان المكتوب أمامه.
بعد مرور بضع دقائق كان يقف أمام منزلٍ في حيٍ قديمٍ بالقاهرة الكبرى، سأل أحد الأشخاص عن عنوان ذلك الشخص دله رجل على مبنى سكني متهالكٌ بعض الشئ.
- موجود في الدور الأرضي.
شكره جواد ثم دخل ذلك المبنى ووقف أمام باب الشقة وطرق عليه بهدوء.
فتحت له شابة في عقدها الثالث.
- أفندم؟ حضرتك عايز مين؟
- ده بيت سيد عبدالغفور؟
نظرت الشابة لهيئة جواد الراقية وظنت أنه رب عمل زوجها:
- أيوه هو يابيه، إتفضل يا أهلا وسهلا نورتنا يابيه. يا سيد. يا سيد إصحى.
نظر جواد نحو الأطفال الذي يصدرون الشغب في تلك الشقة المتهالكة.
- إتفضل يا بيه إستريح.
واستمرت في مناداة وجها لكي يستيقظ، جلس على مقعدٍ متهالكٍ ينظر لهؤلاء الأطفال.
إنتبه لطفلة صغيرة تقترب نحوه وتبتسم له يبدو أنها في عمرها العاشر.
ذات العمر الذي قابل به شمسه. كان عمرها عشر سنوات.
إنتبه على صوت رجل ناعس يتحدث بتعجرف:
- إيه يا ولية؟ هو ماحدش عارف ينام في البيت ده؟ مين عايزني؟
أنهى جملته عندما رأى جواد أمامه وفي لحظة تأكد جواد من أنه هو الشخص الذي يبحث عنه بسبب جرح السكين الموجود على معصم يده.
ركض الرجل بسرعة وخرج من المنزل يهرب من جواد الذي قفز من النافذة المفتوحة وتوقف على قدمه بالحي.
كان الرجل يركض وهو يلهث وكان يلاحقه جواد بسرعة، حتى وصلا مكان مزدحم في القاهرة.
كان الرجل يصطدم بالناس أثناء هربه من جواد المُصِر على اللحاق به.
حتى خرجا من ذلك المكان المزدحم واقتربا نحو طريق السيارات السريع، كان جواد حريصًا على ألا يصطدم بالسيارات وسرع من ركضه أكثر حتى إقترب من ذلك الرجل وكاد أن يُمسك به ولكن الرجل صُدم بسيارة صدمة قوية ووقع على الطريق ميتًا.
رواية ثأر الشيطان الفصل السابع 7 - بقلم سارة بركات
كان يقف أمام جثة ذلك الرجل الذي يُدعى سيد المُلقاة أرضًا، وخلفه ضباط الشرطة يقومون بتغطية الجثة. انتبه لحديث صديقه الغاضب:
"مش اتفقنا إنك مش هتعمل حاجة غير لما تعرفني؟ برضه للمرة التانية يصادف إنك في مسرح جريمة في نظر للقانون."
أردف جواد بشر:
"قولتلك إللي هيقطع طريقي مش هيشوف مني غير كل شر."
أردف عاصم بهدوء:
"يبقى لو وصلت لحاجة تعرفني، أنا زي ما أنت شايف بحقق ورا كل إللي بيحصل، أي معلومات توصلك لازم تبلغني بيها عشان هتساعدني في القضية دي جدا."
"بس أنا شايفك مش بتتحرك، أنا مش عارف أنام من غير ما آخد حقي منهم، أنا دماغي شغالة أربعة وعشرين ساعة عشان أعرف أوصلهم."
تنهد عاصم بصعوبة وأردف بهدوء:
"أنا فاهم ومقدر إللي حصل بس إحنا محتاجين خيط نوصلهم من خلاله، وده إللي أنا شغال عليه.. بلاش يا جواد تتدخل في شغلي، زي ما أنت دماغك شغالة أربعة وعشرين ساعة.. أنا كمان ببص في القضية دي ومش بنام، الموضوع مكلكع يا جواد، الناس دي عبارة عن شبكة كبيرة مش معروف أولها من آخرها."
شرد جواد في قوله قليلًا ثم تحولت ملامحه للغموض.
"تقدر تمشي من هنا يا جواد، أنا هستجوب أهل المتوفي وهحاول أعرف عن علاقاته."
كاد أن يمشي ولكن أوقفه عاصم مرة أخرى:
"جواد، أنا عايز أساعدك وعايزك تساعدني عشان أقدر أعمل ده.. أي معلومة توصلك بلغني بيها وماتتصرفش، أرجوك."
تجاهل حديثه ثم رحل، يفكر في الخطوة القادمة. فهو لديه كل الخيوط التي ستوصله إلى هؤلاء الأشخاص يومًا ما.. وعندما يحين اللقاء لن يترك أحدًا منهم حتى يقتص منهم على ما فعلوه بشمسه.
مرت الأيام على بهجت الذي عاد حزينًا مرة أخرى على فراق ابنته وتجاهلها له. أما بالنسبة لشمس فقد كانت تتحسن، وكان جواد يقوم بمتابعة حالتها الصحية والنفسية دون أن يأتي للمصحة. حتى مر خمسة أشهر على كل تلك الأحداث، وأتى اليوم الذي ستخرج فيه شمس من المصحة.
خرجت من غرفتها دون قيودٍ هذه المرة، تتنفس بإرتياح وبإبتسامة مرتعشة ترتسم على وجهها. تنظر حولها تبحث عنه بعينيها، لقد اختفى في الآونة الأخيرة ولم تعلم عنه أي شئ. الشخص الوحيد الذي وقف بجانبها وكان عونًا لها. سارت بضع خطوات خلف الممرضة التي تساعدها في الخروج، ولكنها توقفت عندما رأته.. كان هناك.. شامخًا قويًا وأيضًا غامضًا كما اعتادته دائمًا، يرتدي حُلةً سوداء راقية.. هذا هو جواد الأنيق الذي اعتادت أن تراه دائمًا. ابتسمت راكضة نحوه ودخلت في أحضانه.
"شكرا إنك جيت."
لم يُبادلها.. لم يُبادلها أي شئ والأدهى أنه لم يتحدث وظل صامتًا. ارتبكت وشعرت بالإحراج وابتعدت عنه متنهدة بإرتعاش بسبب إحراجها ذلك. قام بحمل حقيبتها وأردف بملامح خالية من أي تعبير:
"يلا."
هزت رأسها بإيماءة بسيطة ثم سارت بجانبه وهي تضم ذراعها اليُمنى بيدها اليسرى. وضع حقيبتها في سيارته ثم صعد السيارة وهي صعدت بجانبه دون أن تتحدث بكلمة. ظلا هكذا صامتين حتى توقفت سيارته أمام باب قصر والدها. التفتت تطالعه باستفسار:
"أنا جيت هنا ليه؟ بابي عرف؟ إنت قولتله حاجة؟"
أردف جواد بلامبالاة:
"لا، أنا ماتكلمتش في أي حاجة.. دي حاجة بينكم إنتوا الاتنين.. أب وبنته مع بعض أنا ماليش دخل في أموركم، أنا دوري خلص أنا رجعتك لبيت باباكي وإنتي كويسة وأنا وفيت بوعدي لبهجت بيه."
أردفت بشرود:
"بس أنا مش كويسه."
التفت يطالعها ولكنها استأنفت ببكاء:
"أنا فعلا مش كويسه يا جواد، أنا أقرب الناس ليا خذلوني، واحدة كانت بتحقد عليا ودمرتلي حياتي والتاني ضحك عليا ومثل عليا الحب وحبيته من كل قلبي، ده أنا اتحديت الدنيا كلها عشانه!!، إزاي يحصل معايا كل ده؟! أنا كنت بخاف أزعلهم.. كنت بخاف أعمل تصرف يضايقهم من غير ما آخد بالي، أنا كان عندي استعداد أقف جنبهم.. بس.. بس خذلوني! .. إنت إزاي شايفني كويسه بعد إللي أنا مريت بيه لحد دلوقتي؟؟ إزاي حكمت إني كويسه بعد ما حياتي ومستقبلي اتدمروا."
كان يقبض على يده بقوة يمنع نفسه من ضمها ونسيان ما فعلته به وأردف بجفاء:
"أنا ماليش علاقة بيكِ ولا بحياتك إنتِ حرة.. إنتِ إللي جبتِ لنفسك كل ده."
طالعته بتعجب من حديثه ذلك، وأردفت بعدم استيعاب:
"إنت ماكنتش كده."
تنهد بهدوء مكررًا حديثه بصيغة أخرى:
"حمدالله على سلامتك يا شمس هانم، أنا وفيت بوعدي لوالدك وهو إنك ترجعي بالسلامة، تقدري تنزلي من العربية."
كأنه ألقى بدورق ممتلئٍ بالمياه المثلجة فوق رأسها. شعرت بالإحراج وخرجت من السيارة. هرع إليها أحد حرس القصر لأخذ حقيبتها. كانت تطالعه بتأثر ولكنه تجاهلها ورحل.
"لا أعلم بما شعرت في تلك اللحظة التي تركني بها؟ الشخص الذي كنت على يقين أنه لن يتركني من بين الجميع وفي النهاية تركني ورحل. هل خذلني؟ أم أنني آذيته دون أن أدري؟"
وضعت يدها على قلبها الذي يؤلمها ولا تدري ما السبب، ثم دخلت للقصر وهنا تقابلت مع والدها الذي ينظر لها باشتياق وتعجب في آنٍ واحدٍ.
"شمس؟!"
لا تستطيع تفسير كم المشاعر التي احتاجتها عندما رأت والدها يفتح لها ذراعيه يحثها على الركض لكي يضمها. وبالفعل خارت قواها واستسلمت وركضت نحوه لكي تستقبلها ذراعيه بلهفة وقوة.
تركت العنان لعبراتها وبكت بنحيب عالٍ. استسلمت لآلامها، تريد أن تنهار قليلًا. ألا يحق للإنسان أن يستسلم وينهار قليلًا لكي يستريح من أعباء الحياة حتى لو لخمس دقائق؟! تعجب بهجت من حالتها تلك.
"مالك يا شمس؟ بتعيطي ليه؟"
تحدثت من بين شهقاتها بصعوبة:
"أنا اتطلقت."
طالعها بصدمة آلمت قلبها بسبب خوفها على حالته الصحية من ذلك الخبر. لا تعرف، هل تَقُصُّ عليه ماحدث لها أم لا؟
كان مصدومًا مما سمعه للتو، هل تطلقت! كيف! ابنته الصغيرة الرقيقة أصبحت مطلقة! ظل صامتًا هكذا لعدة ثوانٍ. شعرت شمس أنهم دقائق طويلة وأردفت ببكاء:
"بابي، إنت ساكت ليه؟ أنا آسفة بجد.. أنا غلطانة.. ياريتني كنت سمعت كلامك من الأول، أنا بس غلطتي الوحيدة إني حبيته وصدقته."
قام بضمها مرة أخرى يربت على ظهرها.
ابتعد قليلًا يطالعها وأردف بتردد:
"لو في إيدي أصلح إللي بينكم قوليلي، أنا جنبك."
هزت رأسها بالنفي بقوة:
"لا مش عايزة أرجع ليه أبدًا، كان صفحة سودة في حياتي وقطعتها خلاص."
ربت على رأسها متحدثًا بهدوء:
"ماشي أنا معاكِ.. قوليلي محتاجة إيه وأنا أعملهولك."
"أنا محتاجة أنسى كل إللي حصل معايا."
"هتنسي ماتقلقيش هتنسي..."
في المساء:
كانت تجلس في غرفتها القديمة تنظر أمامها بشرود. استطاعت أن تفلت من أسئلة والدها المتعددة عن سبب الخلاف الذي حدث بينها وبين ساجد لكي يتطلقا.. حتى أخبرته بحجة أنه يقوم بخيانتها. استفاقت من شرودها ذلك عندما دخل والدها الغرفة يجلس بجانبها على السرير يضمها بقوة:
"إيه إللي مصحيكي؟ مش قولتي هتنامي؟"
"ممكن أسألك سؤال؟"
"أكيد."
"هو ليه جواد مبقاش يعاملني زي الأول؟ إحنا ماكناش كده؟"
أردف باستفسار:
"شفتيه فين؟"
حاولت أن تبحث عن كذبة لكي لا تخبره أنها كانت بالمصحة.
"قابلته وأنا جاية في الطريق النهاردة، ماكلمنيش وعمل نفسه مش شايفني."
تنهد بهجت بحيرة. هل يخبرها أنهما كانا مخطوبان وكان سيُعلن عن خطبتهما تلك بعد انتهاءها من الجامعة؟
"سكت ليه يا بابي؟"
تنهد بإستسلام ثم أردف:
"عشان يا شمس مع الأسف إنتِ جرحتي جواد جدا، جواد كان متقدملك وأنا وافقت وكنا هنجهز للإعلان عن خطوبتكم وكنت هقولك كل ده طبعًا في اليوم إللي إنتِ قولتيلي فيه إنك عايزة تتجوزي ساجد."
صدمة! كان رد فعلها الوحيد هو الصدمة. لم تكن تتوقع ذلك.. هل كان جواد يحبها؟؟ كانت تعتقد أنه يقصد مضايقتها فقط ليس إلا. ارتعش جسدها من الصدمة تتذكر كل كلمة مؤلمة قالتها له.. تتذكر كم جرحته قبل زواجها.. لم تكن تعلم.
تداولت الكثير من الأسئلة في مخيلتها، ضيقه الشديد عندما ذهبت للسباحة وكان رجلاً من يقوم بتدريبها، هل تلك كانت غيرة منه؟؟ أم لم يكن تطفلاً منه كما كانت تعتقد؟؟ وضعت يدها على وجهها بحرج عندما تذكرت تمزيقه لكل الأثواب العارية التي قامت بشراءها من المركز التجاري. كل تلك كانت غيرة منه.. غيرة خطيب على مخطوبته! لم تشعر بالعبرة التي سقطت من مقلتيها. تتذكر نظراته لها.. همساته.. كل ذلك كانت تفسره بأنه متطفل يفرض عليها وجوده في حياتهم. أغمضت عينيها بقوة عندما تذكرت الكلام المؤلم التي أخبرته به يومها.
"أنا بكرهك طول عمري بكرهك.. بكره تدخلك في حياتنا.. بكره حبه ليك.. بكره وجودك نفسه.. إنت شخص ماعندكش كرامة عشان فرضت علينا وجودك في حياتنا."
تشعر بالضيق كثيرًا من نفسها. هل فعلاً جرحته بتلك الطريقة؟ كيف لم ترى أي شئ؟ هل كانت عمياء لتلك الدرجة لكي لا ترى حبه الواضح لها؟ غبية يا شمس أنتِ غبية. ولكن هناك سؤالٌ جعلها في حيرة من أمرها.. هل لو كانت تعلم حب جواد لها وكان أخبرها والدها بكل شئ قبل لقاءها بساجد، هل كانت ستقبله زوجًا لها؟ أغمضت عينيها متنهدة بحرقة مردفة بكلمة واحدة.
"نصيب."
كان بهجت يطالعها بحزن، لا يريد أن يعاتبها ولا يريد أن يتحدث بأي شئ. يكفي ما عاشته وتلك كانت نتيجة اختيارها. هل سيعاقبها هو أيضًا؟ لا.. لا يريد عقاب طفلته بل يريدها أن تهنأ في حياتها.
"وبعد ما عرفتي خلاص، ناوية على إيه يا شمس؟"
طالعته وأردفت بإبتسامة هادئة:
"جواد إنسان محترم وماشوفتش منه حاجة وحشة أبدًا، بس نصيبة مكنش معايا."
تحدثت بآخر كلمة بصعوبة ثم استأنفت بهدوء:
"أنا محتاجة أغير جو.. إيه رأيك أروح معاك الشركة الفترة الجاية؟"
تعجب لحديثها ذلك، تريد أن تذهب للشركة معه؟! انتبهت لتساؤلاته الواضحة في عينيه، تنهدت تنهيدة بسيطة ثم قامت بالتوضيح:
"محتاجة أعيش حياتي صح، محتاجة أشوف مستقبلي.. عايزة أنسى وأنا عارفة أنا هنسى إزاي."
لمعت عيناها بالدموع عند آخر كلمة. يستحيل أن تقصد ساجد بذلك الكلام.. ولكنها تقصد ماحدث لها في الآونة الأخيرة وأيضًا جواد.
كان يقف في مكان يملؤه الظلام يراجع بعض الأشياء ورجاله يقفون خلفه. نظر للطرف الآخر الذي يقابله في الجهة الأخرى والذي لم يكن سوى ساجد طليق شمس المقطوع الأصابع في يده اليمنى وأعرج القدمين. فلقد استغرق الأمر منه شهورًا في العلاج. كان يقوم بغلق حقائب الأموال ويقدمها لجواد الذي يقدم له في المقابل حقائبٌ كثيرة ممتلئة بالأسلحة من خلال رجاله.
"كده تمام يا.. يا جواد بيه."
أردف ساجد بسخرية وهو يطالع جواد الذي يقف شامخًا كعادته والذي أردف ببرود:
"لو ضحكت تاني هقطعلك صوابع إيدك التانية."
إختفت ابتسامة ساجد الساخرة وابتلع ريقه مردفًا:
"مبارك عليك الصفقة ومبارك علينا إنت يا جواد بيه."
هز جواد رأسه وخرج ساجد وخلفه رجاله من ذلك المكان.
أردف جواد بإشمئزاز:
"كلب."
اقترب أحد رجال جواد منه.
"العمل إيه دلوقتي يا زعيم؟"
أردف جواد بشر:
"إبتدت اللعبة وقريب أوي كلهم هيقعوا في إيدي."
رواية ثأر الشيطان الفصل الثامن 8 - بقلم سارة بركات
كان السيد بهجت يتجهز للخروج من قصره ولكن أوقفه صوتها.
إلتفت للخلف يطالعها كانت تنزل على أدراج السُلم ترتدي زيًا رسميًا وقامت بتصفيف شعرها الكستنائي على هيئة كعكة.
أردفت بإبتسامة باهتة:
- سوري إتأخرت.
أردفت بتساؤل:
- إنتِ رايحة فين؟
أردفت بتساؤل:
- مش إتفقنا إني هنزل الشركة معاك الفترة الجاية؟
- ماكنتش متوقع إنه هيكون النهاردة، كنت فاكرك تقصدي بعد أسبوع على الأقل عشان نفسيتك.
تنهدت تنهيدة بسيطة ثم أردفت بتوضيح:
- لا مش هقدر أقعد أسبوع لوحدي، أنا محتاجة أنسى زي ماقولت لحضرتك.
هز بهجت رأسه مقبلًا مقدمة وجهها.
- ماشي يا حبيبتي يلا بينا.
أمسك بيدها وخرج الإثنان من القصر وخلفه الحرس.
وبعد مرور عدة دقائق توقفت سيارة السيد بهجت أمام الشركة.
خرجت من السيارة ووقفت تطالع شركة والدها أو بمعنى أدق شركتها والتي طالما ترجاها والدها أن تتعلم إدارتها معه منذ أن دخلت الجامعة لكي تقوم بإدارتها بشكل رسمي بعد التخرج.
ولكنها مع الأسف أضاعت الكثير من الفرص في حياتها لو كانت فقط طاوعت والدها في كل مايطلبه منها دون أن تتصرف بطفولية ومراهقة لكان وضعها الآن مختلف.
تنهدت بإرتعاش وأغلقت باب السيارة.
تدخل الشركة بحرصٍ شديد تنوي أن تعوض ما فاتها يجب أن ترهق نفسها في العمل لعلها تنسى كل مامضى والذي نتج عن سوء إختيارها.
دخلا الشركة سويًا وهنا توقف جميع الموظفين لإستقبالها بترحابٍ شديد ما عدا فتاة واحدة ظلت تنظر لها بضيق شديد ولم تكن سوى صباح التي آذتها شمس كثيرًا.
بعد أن رحبت شمس بالفتيات أيضًا إنتبهت على صباح التي تقف في ركن آخرٍ بالقاعة الرئيسية.
إبتسمت شمس بإتساع مردفة بلهفة:
- صباح!
إقتربت منها لكي تصافحها ولكنها تفاجأت من إبتعاد صباح وخروجها من تلك القاعة دون أن تتحدث معها بكلمة.
ظلت واقفة حيث هي تسأل نفسها العديد من الأسئلة، هل قامت بأذية صباح دون أن تنتبه أيضًا؟!، يا الله لقد آذيتي الجميع يا شمس.
تنهدت بإستسلام ولحسن حظها لم ينتبه أحدٌ لما حدث.
بعد دقائق معدودة، كانت تقف أمام غرفة مكتبٍ ضخمة تطالعها بإبتسامة كبيرة.
- إيه رأيك؟
- تحفة طبعا يا بابي.
إلتفتت إيه وقامت بضمه بقوة ثم إبتعدت تطالعه بحب.
أردف بهجت بهدوء:
- المكتب ده كنت مجهزه ليكِ من سنين، معلش هو مترب شويه الشباب هييجوا ينضفوه حالا .. بس المهم إنه عجبك.
- شكرا يا حبيبي.
- على إيه بس؟ دي شركتك بعد ما أموت يا حبيبتي.
طالعته بتأثر ولاحظت شعره الأبيض الذي زاد في الآونة الأخيرة عن ذي قبل.
هل تسببت في كل ذلك؟
إستفاقت من شرودها على صوته:
- في بنات لسه تحت التدريب وإنتِ هتبقي معاهم لحد ما الدنيا تظبط معاكِ ومعاهم صباح صاحبتك.
لاحظ حزنها وشرودها ثم أردف بتنهيدة:
- أنا مش عارف إيه إللي حصل بينك وبينها بس صدقيني .. صباح دي أكتر بنت جدعة إنتي صاحبتيها يا شمس، كفاية إنها كانت بتيجي تذاكرلك وبتضحي بوقتها عشانك.
هزت رأسها ثم أردفت:
- هي صباح جات الشركة هنا إزاي؟
إبتسم بهجت:
- جواد هو إللي دخلها الشركة بعد ماتخرجت علطول، جواد بيه يؤمر وأنا أنفذ.
أردف بالجملة الأخيرة بمزاح لإعتباره أنه في مكانة إبنه، ولكن شمس قد آلمها قلبها.
إهتمام جواد بصباح هل هناك شئٌ خلفه؟
هزت رأسها بنفيٍ بقوة.
هذا لا يهمها.
ما يهمها الآن هو أن تبحث عن ذاتها وهذه هي البداية.
عاد جواد إلى أعماله ولكن تلك المرة ليست الأعمال المعتادة له قبل أن يدخل السجن!، بل أصبح يتعامل مع المافيا من جميع أنحاء العالم و يُمدهم بالأسلحة دون عِلم الدولة بالطبع وهذه جريمة لا تُغتفر بالنسبة للقانون.
تدربت شمس واكتسبت الكثير من المهارات في إدارة الشركات حيث أنها بدأت تحضر بعض الصفقات مع والدها وكانت تتعلم من خبراته حيث أنها كانت في بعض الأحيان من تقوم بعمل بعض الصفقات وتنجح بها.
تعلمت كل شئ مع الفتيات المتدربات ومن بينهم صباح التي لم تكن تتحدث معها بتاتًا وذلك كان يُحزنُ شمس ولكنها كانت تشجع نفسها دائمًا أن كل ذلك لا يهُم.
من الممكن أن يكون ما يحدث هو فترة مؤقته.
نعم!
الألم فترة مؤقته ثم كُلَ شئٍ سيُنسَى بمرور الوقت.
بعد مرور سنة:
كان بهجت يسعل بشدة وهو يخرج من غرفته بالقصر.
إنتبهت شمس لسوء حالته وهي تخرج من غرفتها أيضًا.
- بابي مالك؟
سعل بهجت بشدة ولم يستطع أن يُجِيبها.
- بابي، إنت كويس!
هز رأسه وأردف بهدوء:
- أنا كويس مافيش حاجة، يلا ننزل الشركة.
كادت أن تتحدث ولكنه سعل بشدة.
- لا يابابي إنت مش كويس خالص شكلك واخد دور برد جامد، قولتلك إمبارح لازم تلبس هدوم تقيلة، الجو برد يا حبيبي.
أخذ نفسًا عميقًا وهو يربت على وجنتيها الناعمتان.
ينظر لها بحب عينيها.
عينيها التي تذكره دائمًا بوالدتها التي أحبها كثيرًا.
تلك الأعين التي تشابه لون ضوء الشمس، تلك الأعين كان قد تم إطفاؤها منذ سنة ولكن الآن إنهما يلمعان ببريقٍ غريب.
إن شمس التي أمامه الآن ليست إبنته المكسورة التي كانت تبكي وتخبره أنها قد إنفصلت!، إنها الآن أفضل سيدة أعمال في نظره، إنها إمرأة قوية تستطيع أن تدبر أمرها، لم تعد تحتاجه.
أردف بإرهاق:
- عندك حق، أنا كان لازم ألبس تقيل الجو كان تلج إمبارح، مافيش مشكلة ننزل الشركة وبعدها هظبط كل الأمور دي ماتشغليش بالك.
أردفت بصرامة مزيفة:
- مافيش شركة النهاردة يابابي إنت أجازة مَرَضِي، محتاج ترتاح شويه.
- بس يا شمس في صفقة مهمة و......
قاطعته بإبتسامة:
- هحضرها أنا يابابي، إرتاح إنت النهاردة.
طالعها قليلًا بهدوء ثم هز رأسه وأردف:
- أنا واثق فيكِ يا شمس.
قبلت يده وأردفت بحب:
- عايزاك تاخد بالك من نفسك هخلص كل حاجة وهكلمك أطمنك.
ثم تركته وخرجت من القصر.
ركبت سيارتها وتحرك بها السائق ويتبعها بعض الحرس.
بعد مرور دقائق وصلت للشركة.
قام أحد الحرس بفتح باب السيارة لها وخرجت منها بشموخ.
دخلت الشركة بثقة عالية ليس كأول مرة دخلت بها تلك الشركة وهي مطأطأة الرأس.
لا الآن الوضع مختلف، تعلمت الكثير في السنة الماضية تلك.
إبتسمت لكل الموظفين بترحاب وعندما إقتربت من صباح طالعتها مبتسمة لها بهدوء ثم ذهبت لغرفة مكتب والدها لمراجعة أوراق الصفقة.
أما صباح كانت تطالعها بإبتسامة دون أن تراها شمس.
على الرغم من عدم حديثهما إلا أن شمس قد أصبحت قوية، تغيرت كثيرًا وهي فخورة لما وصلت به؛ فهي قد علمت عن حالتها بسبب الشائعات التي إنتشرت في الجرائد منذ مدة وعن سبب طلاقها ولكن ما رأته صباح في شمس عند دخولها الشركة في أول مرة كانت منكسرة والآن هي قوية.
جلست شمس على كرسي المكتب بتنهيدة وإستندت بظهرها عليه لتستريح قليلًا وهي تراجع أوراق الصفقة التي بيدها وتقوم بدراستها جيدًا ولكنها شردت وأتى على بالها الشخص الذي أرهق روحها وطرد النوم من عينيها.
أخذت نفسًا عميقًا وألقت أوراق الصفقة جانبًا وقامت بفتح حاسوب والدها المحمول تبحث عنه لكي ترى أخباره؛ فهو منذ آخر لقاءٍ بينهما لم تراه مرة أخرى لقد إختفى تتابع أخباره فقط عبر وسائل التواصل الإجتماعي.
- جواد الجندي.
كتبت ذلك الإسم في خانة البحث ظهرت صوره الحديثة.
لقد أصبح جذابًا كثيرًا.
عيناه أصبحتا قاسيتان أكثر من ذي قبل.
نظراته في الصورة جعلتها ترتعش كأنه ينظر لها بالفعل.
إستفاقت على صوت هطول الأمطار الشديدة بالخارج، أغمضت عينيها وهي تفرك بهما ثم أغلقت الحاسوب.
إستقامت ووقفت عند حائط المكتب الزجاجي تطالع الأمطار وتنظر أمامها بشرود في وقتٍ واحدٍ.
تتذكر كلماتها له.
كلماتها التي تؤرقها ولا تجعلها تنام بشكل طبيعي كالباقين، كلماتها التي تعبر عن كرهها له.
إنهمرت عبرة من مقلتيها وهي تسأل نفسها هل هو بخير؟
لقد جرحت عاشقًا وليس شخص عادي، جرحت جواد الذي ظل بجانبها دائمًا.
وفي ذات المكان وذات التوقيت أسفل الجو الممطر ذلك، توقفت سيارة جواد أمام شركة السيد بهجت.
خرج من السيارة وخلفه بعض رجاله.
إبتسم للموظفين عندما رحبوا به وإتجه نحو مكتب السيد بهجت ليفاجأه؛ فمهما حدث فهو بعتبره كأبيه، يريد أن يمر عليه فقط ثم سيرحل مرة أخرى، بالطبع لم يجرؤ أحد أن يسأله ماذا يفعل هنا أو ماذا يريد؛ فجواد له الحرية في أن يأتي شركة السيد بهجت في أي وقتٍ يريد.
إقترب من مكتب السيد بهجت بإبتسامة وقام بفتح الباب بهدوء.
إختفت إبتسامته عندما رآها أمامه.
تعطية إياه ظهرها وهي تقف عند الحائط الزجاجي للمكتب.
أشار لرجاله بالرحيل ثم عاد والتفت إليها مرة أخرى يطالعها.
كان شعرها الكستنائي منسدلا على طول ظهرها.
ترتدي ثوبًا أسودًا مصنوعًا من القماش المحبوك أو المنسوج الذي يتميز بوبر ناعم وكثيف وبريق زخرفي (قطيفة).
أصبح جسدها متناسقًا أكثر عن ذي قبل.
إقترب نحوها بخطوات بطيئة و هادئة.
رائحتها تزداد مع كل خطوة يخطوها نحوها.
توقف خلفها وكان لا يفصل بينهما شئ سوى مسافات قليلة تكاد تكون منعدمة.
كانت تبكي ولكن رائحة عطره التي تتذكرها تسللت لأنفها تنهدت بإرتياح تستنشقها وأعادت رأسها للخلف قليلًا ولكنها إستقرت على صدر أحدًا ما!
إلتفتت لترى من خلفها وتفاجأت بوجوده أمامها.
أردفت بدهشه:
- جواد!
كان يطالعها بأعين تلمع.
يا الله لقد مرت سنة وهو يحاول تخطيها ونسيانها وعندما يراها أمامه ويسمع إسمه منها كل ذلك التخطي مر كأنه لم يحدث من الأساس!
أصبحت أجمل بكثيرٍ عن ذي قبل، أصبحت إمرأة ناضجة أكثر.
حمحمت بإحراج لأنها شعرت أن نظراته تلك تخترقها.
- إزيك؟
أردف بهدوء:
- كويس، أنا شايف إنك بقيتي أحسن.
إبتسمت من حديثه معها وأردفت:
- اه الحمدلله، كل حاجة بتعدي.
- كويس.
ظلا يطالعان بعضهما لبعض الوقت ثم أردف:
- بهجت بيه مش موجود ليه؟
- بابي واخد دور برد زمانه نايم دلوقتي عشان لو جربت تكلمه يعني هو مش هيرد ده إللي أقصده.
همهم جواد وهو ينظر في عمق عينيها.
- وإنتِ بتعملي إيه هنا؟
أجابت بإبتسامة وتلقائية:
- أنا بشتغل هنا بقالي سنة، وعايزة أقولك إني في خلال السنة دي كنت شاطرة وكسبت صفقات كتير أوي ولسه كمان قدامي صفقة كمان النهاردة.
هز رأسه بهدوء ثم طالع شفتيها المطليتان باللون الأحمر، وراجَعَ هيئتها مرة أخرى، ولكنه لم يتحدث بكلمة وكاد أن يخرج.
- جواد.
توقف معطيًا إياها ظهره، وأردفت بتأثر:
- سامحني.
لا تدري ماذا فعلت به تلك الكلمة الآن جعلت قلبه ينفجر للكثير من القطع هل ترى أن ما رآه بسببها سينتهي بتلك الكلمة؟
لقد تغير كل شئٍ شمس!
إلتفت لها يطالعها بهدوء:
- بتقولي حاجة يا مدام شمس؟
ماذا يقصد بتلك الكلمة؟
هل يقصد أن يذكرها أنها أصبحت غريبة عنه؟!
إقترب نحوها حتى إنعدمت المسافة بينهما.
- قولتي إيه؟ عيدي كلامك.
أردفت بتلعثم:
- سامحني يا جواد على إللي عملته فيك.
تساءل بهمس:
- والتمن هيكون إيه؟
تعجبت من سؤاله ذلك وأيضًا شعرت بالتوتر بسبب إنعدام المسافة بينهما تشعر أن أنفاسهما تختلط من أحاديثهما.
إبتلعت بتوتر وأردفت بعدم فهم:
- إنت عايز تسامحني بمقابل يا جواد؟!
أردف بتصحيح وثبات:
- إسمي جواد بيه يا مدام شمس، ياريت ماتشيليش الألقاب بينا، عايزاني أسامحك يبقى هيكون بمقابل.
تساءلت بإرتعاش وهي تُخفض رأسها بتوتر:
- إيه هو المقابل ده؟
رفع يده يلمس ذقنها الناعم ليرفع وجهها لكي تتقابل نظراتهما.
- ليلة، ليلة واحدة ممكن تغفرلك كل إللي عملتيه فيا يا شمس، ليله واحدة هتخليني أنسى إنك ماكنتيش في حياتي قبل كده.
ثانية.
إثنان.
ثلاثة.
كانت يده تمنع يدها من أن تصفعه على وجنته.
- إياكِ يا شمس، لو عملتيها هيبقى بموتك.
أنا مش جواد إللي إنتِ تعرفيه.
إياكِ تنسي نفسك وتتعاملي معايا على أساس إني واحد شغال عندك، أنا أشتريكِ وأشتري أبوكِ ذات نفسه.
كانت مصدومة مما تراه ومما تسمعه، إنه مُحِق هو ليس جواد الذي كان بجانبها.
إنه شخص آخر.
جواد الذي تعرفه لا يمكن أن يطلب منها طلبًا مثل ذلك.
أردفت بإشمئزاز:
- إنت حقير وبنى آدم قذر.
أردف بإبتسامة مستفزة:
- نتيجة عمايلك يا مدام شمس.
إبتعد عنها بضع خطوات واستأنف:
- عمومًا العرض لسه قائم لو حبيتي تغيري رأيك.
واتسعت إبتسامة وهو يطالعها من قدمها حتى رأسها قبل أن يخرج من الغرفة وتركها.
أما هي فظلت تقف تتابع خروجه بصدمة.
وبعد عدة دقائق استفاقت من صدمتها تلك متذكرة الصفقة التي تنتظرها.
اخذت نفسًا عميقًا تقوم بتعديل هيئتها وتزيد من وضع مساحيق التجميل لكي تبدو في أفضل طلة وخرجت من الغرفة.
بعد أن خرج جواد من الشركة إختفت إبتسامته وأمر سائقه بالرحيل يفكر بما حدث بينهما منذ لحظات.
لقد كانت بين يديه.
لما إنتظر موافقتها؟
لما عرض عليها ذلك من الأساس؟
لما لم يختطفها لكي يبقيا سويًا ويختفيان بعيدًا عن ذلك العالم الموحش الذي اختاره هو؟
إنها شمسه.
إنها حبيبته.
كل شئ بداخله يصرخ بالعودة إليها وإختطافها ولا يعلم أحدٌ عنها شيء.
ولكن لا حاول أن يقوم بتهدأة نفسه وبدأ يتابع أعماله عبر هاتفه ولكنه تذكر أمرًا ما!
إنها ذاهبة بهيئتها الصارخة تلك لكي تقوم بعمل صفقة!
كيف ترتدي مثل تلك الثياب وهو حي؟
بعد ثوانٍ أرصدة سيارة جواد صوت صريرٍ عالٍ يدل على توقفها وعادت السيارة من حيث تحركت وهو شركة السيد بهجت.
رواية ثأر الشيطان الفصل التاسع 9 - بقلم سارة بركات
يقولون أن الحب أعمى ولكن جواد لا يحب شمس فقط بل يعشقها!
كان في طريقه حيث سينعقد الإجتماع الذي ستقوم شمس بمناقشة صفقتها به، كان شاردًا وغاضبًا في ذات الوقت كيف يفعل بنفسه ذلك معها؟ ألا يكفي؟ يا الله لقد أرهقته ولكنه إكتشف أنه لا يستطيع البقاء حيًا بدونها، إستفاق من شروده على صوت هاتفه الذي يُعلن عن وصول رسالة نصية له، قام بفتحها يطالع محتواها.
"لم تقم بإتمام الصفقة السابقة بشكل جيد!، ولكننا نتمنى أن تنال هديتنا إعجابك"
عقد حاجبيه بغضب من تصرفات هؤلاء الأوغاد، طالع الوقت بهاتفه ووجد أنه متبقٍ فقط خمس دقائق للوصول إلى مكان شمسه.
دخلت شمس بأناقة أحد المطاعم الراقية مرتدية معطفها الأسود وسألت عن طاولة معينة ودلها أحد العاملين نحو طاولة يجلس حولها رجلين ينتظرانها وحينما لاحظا إقترابها نحوهم وقفا إحترامًا لها هزت رأسها بإبتسامة ترحب بهما كما رحبا بها وجلست أمامهم، أردف أحدهم بغزل ويُدعى "ممدوح":
"مكناش نعرف إن بنت بهجت بيه جميلة أوي كده؟ اه كنا بنشوف صورتك في المجلات والجرايد بس إنتى على الحقيقة أحلى."
إرتعشت إبتسامتها بسبب إحراجها وأردف الآخر بغزل مريبٍ والذي يُدعى "حسن":
"طبعا عندك حق .. وطليقها خسران عشان خسر إنسانة زيها."
ارتبكت واضعة يدها على رقبتها تدلكها ثم أردفت إبتسامة هادئة وواثقة:
"أنا جاية هنا عشان في صفقة المفروض نتناقش فيها بس لو حابين تتكلموا عني او عن حياتي فممكن نتفق على وقت تاني أفضل."
كادت أن تقف ولكن المدعو حسن أوقفها:
"آسفين ليكِ طبعا، مانقصدش إتفضلي."
هزت رأسها وقامت بفتح ملفات الصفقة وبدأت بمناقشتها .. كان ممدوح يركز في بنود الصفقة أما الآخر كان يطالعها وهو يرتشف قهوته .. يتابع حركاتها .. نظراتها .. ولكن نظراته لها لم تكن نظراتٍ بريئة بل كانت مفترسة كنظرات أي ذئب بشري .. ثانية .. ثانية واحدة وكانت قهوته تنسكب في عينيه جراء رفع يده الممسكة بالكوب من خلال جواد.
تحدث بصراخ وألم:
"عيني."
في ذات الوقت كان جواد يمسك شمس من ذراعها .. أردفت شمس بضيق:
"إنت بتعمل إيه هنا؟"
رد عليها بغضبٍ أكبر:
"أنا إللي المفروض أسأل السؤال ده، إنتِ بتعملي إيه هنا وسط الرجالة دي؟؟ واحد كانت عينه هتطلع عليكي بسبب لبسك وشكلك و.."
صمت لثانية بسبب غضبه واستأنف:
"ولا إنتِ كنتِ حابة بصاته ليكِ أصلا؟!!"
كادت أن تصفعه ولكنها صدمت عندما دفعها أرضًا بيده اليُسرى وأشهر عياره الناري بيده اليمنى في ذات الوقت نحو أحدٍ ما بالمطعم وبدأت أصوات طلقات النيران في المكان .. وكان رجال جواد من يطلقون النيران على رجالٍ آخرين غير معروف هويتهم أو تابعين لأي طرف لأنهم كانوا ملثمين.
"إستخبي تحت أي ترابيزة يا شمس."
أردف جواد بتلك الجملة بصوتٍ مرتفعٍ .. وبالفعل اختبأت تحت إحدى الطاولات بجانب سيدة تحتضن طفلها الرضيع وهي تبكي بخوف وفزع .. كانت تشعر أنها تائهة لا تدري ماذا يحدث حولها ... أصوات طلقات النيران لا تتوقف، وقعت عينيها على الرجلان اللذان كانت تجلس معهم كانا يختبئان برعب أسفل إحدى الطاولات .. كيف حدث هذا؟! في ثانيةٍ واحدةٍ كل ذلك حدث! .. ماذا يفعل جواد هنا؟ ماذا يعمل من الأساس؟؟ من هؤلاء!
إختبأ جواد نحو أحد جدران المطعم يلتقط سلاحان قذفه له أحد حراسه على بُعد .. أمسك بهما بقوة ثم خرج من خلف الجدار وبدأ بإطلاق النيران بالعيارين وهو يتحرك من زاوية لزاوية أخرى بالمطعم كان كل مقصده هو إصابة اليد أو القدم .. يبتعد عن المناطق التي بها أعضاء حيوية لكي لا يموت أحد وذلك ما فعله هو ورجاله حتى انتهت أصوات طلقات النيران بالمكان وتعالت أصوات سيارات الشرطة بالقرب من المطعم .. سمع صوت هاتفه يعلن عن وصول رسالة نصية أخرى .. التقطه وطالع الرسالة بغضب:
"تلك المرة الهدية كانت بسيطة، سننتظرك بحفل تجمع رؤساء المافيا في إيطاليا، سنُعلن عنه قريبًا"
انتبه عندما أخرج الرجال الملثمين الملقون أرضا مادة شربوها وفي غمضة عين كان جميعهم أمواتًا .. ألقى جواد أسلحته بضيق مما يحدث، يكرههم .. يكرههم جميعًا، إستفاق من تفكيره عندما سمع صوتها.
"جواد."
إلتفت للخلف رآها تبكي إقترب منها ورَكَع يطالعها .. ينظر لملامحها جيدًا يتأكد أنها بخير ولم يُصِبها أذى.
أردفت بارتعاش:
"مين دول؟"
كان يتمنى لو يضمها يطمئنها ولكنه أردف بعجرفة:
"مش عارف، ومايهمنيش أعرف."
بعد مرور عدة دقائق:
إستمرت التحقيقات بالمكان وتحدث الشهود عن الواقعة والتي من بينهم شمس أما بالنسبة لجواد فقد كان يقف مع صديقه يتشاجران:
"برده هتقول متعرفهمش؟! أومال أنا إللي أعرفهم؟! دول كانوا جايين يقتلوك يا جواد!! متعرفهمش إزاي؟"
"أنا قولت كل اللي عندي يا عاصم، واللي حصل ده حماية للناس اللي موجودة في المكان، يعني أسيبهم يموتوا لو طلقة جات فيهم بالغلط؟ وأظن إنك شوفت كل اللي حصل في الكاميرات في المكان."
"ماهي دي المشكلة يا جواد."
صمت عاصم قليلاً ثم أردف:
"ماشي يا جواد، بس صدقني لو المرة الجاية لقيتك في مكان فيه قلق .. حتى لو مجرد مكان إنت عديت منه أنا هحبسك."
أردف جواد ببرود:
"اعمل إللي تعمله."
ثم تركه واقترب من شمس يطبق على ذراعها يجرها خلفه.
"جواد."
لم يُجبها ولم يتحدث ولكنه أجبرها أن تركب معه داخل سيارته وأمر سائقه بالتحرك .. ظل طوال الطريق صامتًا وشاردًا ولكن في ذات الوقت يمسك بيد شمس بقوة أخرج هاتفه وطلب رقمًا ما وكان الطرف الآخر هو ساجد طليقها:
"أيوه يا بوص."
"وصل الكلام ده للزبالة بتوعك .. أنا جواد الجندي مابتهددش أبدًا .. وقريب جدا هنتقابل."
ثم أغلق بوجهة وظل صامتًا .. كانت تطالعه بهدوء ولكن بداخلها العديد من الأسئلة .. لقد تغير جواد كثيرًا عن آخر مرة .. أصبح ككتلة الثلج تمامًا .. لا أحد يعلم ماذا يجول بخاطره .. في السابق كان من السهل التقرب منه كان انسانًا بسيطًا على الرغم من غلاظته معها لكنه الآن أصبح صعبًا حتى في التحدث معه.
رن هاتف جواد يعلن عن رنين مستمر التقطه وكان السيد بهجت إبتسم جواد بهدوء وقام بالرد:
"ألو."
"جواد ابني إزيك؟"
"بخير الحمدلله، طمني عليك؟ أنا عديت عليك النهاردة انت مكنتش موجود"
سعل بهجت بقوة مما جعل من جواد يتعجب لأمره.
"أنا تعبان شويه واخد شوية برد .. هسألك سؤال وترد عليا."
"اتفضل."
"انت لسه بتحبها يا جواد؟"
في تلك اللحظة تقابلت عينيه مع شمس التي تنظر له بحزن وفي ذات الوقت بداخلها العديد من الأسئلة .. ونظر لأيديهما المتشابكة ولكنه تركها بجفاء ثم أردف متجاهلا سؤال السيد بهجت:
"إنت لازم تكشف."
"لا يا جواد مش عايز أكشف .. أنا محتاج أعرف إجابة سؤالي دلوقتي حالا."
أغمض عينينه بقوة متحدثًا بهدوء:
"ماتضغطش عليا، انت محتاج عناية طبية وأنا هبعتهالك."
قهقه بهجت بخفة متحدثًا:
"أنا خلاص أخدت جوابي منك، بتمنى تسامحني يابني، ومش لازم تيجي تزورني لإني عارف إنك مش عايز تيجي عندي هنا تاني عشانها."
"الكلام ده ميتقالش على التليفون يا بهجت بيه، انت والدي وماينفعش الإبن يزعل من أبوه."
"ماشي يابني."
"أشوفك على خير."
"إن شاء الله."
أغلق المكالمة وأرسل رسالة بإرسال فريق طبي لمنزل السيد بهجت للعناية به.
"طالما والدك تعبان نزلتي ليه؟"
أردف بذلك السؤال بجفاء كادت أن ترد تقوم بالدفاع عن نفسها ولكنه تحدث بجفاء مستأنفًا:
"مالهوش لازمة خلاص قربنا نوصل."
لم تعد تفهم ماذا يحدث؟ لما يتحدث معها هكذا؟ أكل هذا لأنها قامت بجرحه؟؟ ولكن فاض بها الكيل.
أردفت بصراخ:
"هو في إيه؟ إنت ليه بتتعامل معايا كده؟"
علا صوته في المقابل وأردف بغضب:
"عشان إنتِ تستحقي كده، أنا شوفت بسببك حاجات كتير، أنا مكنتش كده يا شمس! .. أنا كل اللي أنا فيه ده بسببك إنتِ."
بكت وتحدثت بقهر:
"وأنا ماطلبتش منك تتدخل في حاجة تخصني، ماحدش طلب منك حاجة بجد! ليه جايب السبب كله عليا!!"
"فات الأوان .. الشخص إللي بيتعاقب على كل فعل إنتِ عملتيه في حياتك هو أنا."
"ليه؟؟! ليه ياجواد؟?"
أردف بتأثر وهو ينظر في عمق عينيها:
"عشان ... عشان..."
ولكنه صمت لم يعد يستطيع أن يتحمل وجودها بقربه يجعله يفقد السيطرة على مشاعره وعلى ذاته من الأساس .. توقفت السيارة أمام قصر السيد بهجت.
أردف جواد بهدوء:
"مبقاش ينفع نبقى سوا يا شمس .. أنا وانت مينفعش نبقى موجودين في حياة بعض .. أنا مش جواد بتاع زمان .. أنا دلوقتي شخص تاني مينفعش تبقي موجودة في حياته أصلا."
كادت أن تتحدث ولكنه أردف بدلًا عنها:
"اتفضلي انزلي اتطمني على والدك .. أتمنالك التوفيق في حياتك."
لم تكن تملك أي فرصة سوى أن تأخذ المتبقي من كرامتها وتخرج من سيارته دون النظر خلفها .. ولكنها على يقين جيدًا أن كل ذلك من صنع يديها، دخلت القصر أما هو فقد عمل مكالمة هاتفية لرقم مجهول وأردف بشرود:
"كانوا جايين يقتلوها .. كانوا عايزين ياخدوا مني أغلى حاجة عندي .. بس صدقني مش هيشوفوا الشمس في أيامهم الجاية، هحرقهم بالنار إللي في قلبي."
مرت الأيام وكثرت سفريات جواد لخارج مصر وكانت شمس تتابع أخباره من خلال وسائل التواصل الإجتماعي ولا تدري ما سبب سفره المستمر هذا؟ .. هناك شئ غير مفهوم في حياة جواد! وتساءلت أيضًا .. أين عائلته؟؟؟ من أي عائلة ينحدر جواد!! .. أين والده وأين والدته اكتشفت أنها لا تعلم عنه أي شئ .. زاد مرض السيد بهجت في الآونة الأخيرة وكانت شمس خائفة كثيرًا بسبب وعكته الصحية تلك التي لم يجد الأطباء لها سبب! .. وفي يومٍ ما كان السيد بهجت يقف في حمام غرفته يسعل بشدة وضع يده موضع فمه يحاول أن يهدأ ولكنه وجد نفسه يسعل دمًا .. ظل ينظر للدماء لثوانٍ ولكنه استفاق عندما سمع صوتها.
"بابي."
قام بغسل يده من الدماء بسرعة ومسح فمه بالمياه وأخذ نفسه عميقًا يحاول أن يظل ثابتًا وقويًا أمام ابنته.
خرج من الحمام بإبتسامة أبوية بشوشة واقترب منها يضمها بقوة.
"ايه يابابي؟ إنت كويس؟"
"الحمدلله يا حبيبتي، حبيبة بابي عاملة إيه النهاردة؟"
"أنا بخير الحمدلله طول مانت بخير، يلا عشان تاخد الدواء."
هز بهجت رأسه وجلس بفراشه بمساعدتها .. أعطته الدواء ثم قامت بضمه بقوة.
"هتعملي إيه دلوقتي؟"
"مافيش هقعد معاك شويه وبعدها هروح أنام."
"طب روحي نامي لإني محتاج أنام دلوقتي."
"ماشي يا حبيبي تصبح على خير."
قبلت مقدمة رأسه ثم أغلقت إضاءة الغرفة وخرجت منها، أخذ بهجت هاتفه وحاول الإتصال بجواد ولكن الرقم كان خارج التغطية .. بدأ سعاله يشتد وأرسل له رسالة نصيه لعله يراها فيما بعد.
في صباح اليوم التالي:
دخلت شمس غرفة والدها تبتسم بسعادة وقامت بإزاحة الستائر بمفردها لكي تنتشر آشعة الشمس بها، وتركت الخادمات طعام الفطور بالغرفة ثم خرجن، اقتربت شمس منه متحدثة بتفاؤل:
"يلا يا بابي قوم عشان تفطر."
ولكنه لم يُجِيبها.
"بابي بلاش دلع، قوم يلا عشان البنات حضروا الفطار وهو خلاص قرب يبرد ده أنا صممت إني أصحيك بنفسي"
ولكنه لم يستيقظ أيضًا .. أمسكت بيده ولكنها صعقت عندما وجدتها باردة وليست دافئة كالعادة قامت بهز جسده لكي يستيقظ:
"بابي أرجوك إصحى."
بدأ نحيبها عندما وجدته لم يستيقظ وصرخت بأعلى صوتها في القصر جعل الكل يركض على غرفة السيد بهجت.
كان جواد برفقة رجاله خارج مصر في دولة أجنبيه ينظر للمبنى الموجود أمامه والذي يتم إحتراقه كليًا .. كان ينظر بقسوة للمبنى الذي تلتهمه النيران بالكامل ثم أمسك بهاتفه وقام بفتحه ولم ينتبه للرسالة التي آتته وقام بكتابة رسالة نصية للرقم الذي أرسل له الرسالة السابقة قبل ذهابه للمطعم.
"واحدة بواحدة والبادئ أظلَم، في المرة القادمة ستكونون أنتم من تحترقون، تحياتي."
ثم أغلق هاتفه وابتعد عن هذا المكان بسيارته وبعد عدة دقائق أتت مكالمة له من هاتف أحد رجاله من القصر يريدون إخباره بشيء. أعطاه الرجل هاتفه وأخذ جواد الخبر الذي نزل على قلبه كالصاعقة! وهو موت السيد بهجت.
كانت آيات القرآن الكريم منتشرة في دار مناسبات يتم فيه عزاء السيد بهجت .. كانت شمس تنظر أمامها بشرود وعينيها مازالت تخرج منها الدموع حتى الآن .. كانت صباح تجلس بجانبها تمسك يدها بقوة ولكن شمس مغيبة العقل في عالم خاص بها .. وهو تخيلها لكل لحظة كانت بها مع والدها .. إبتسامته .. ضحكاته .. ضمته لها .. تشعر بإنحناءة غريبة في ظهرها! .. تشعر أنه لا يوجد أحد بجانبها .. لقد إختفى من كان يدللها ويستثنيها عن الآخرين .. اختفى داعمها وقوتها ولن يعود مرة أخرى .. مات السيد بهجت ولن يعود! .. كان جواد يقف يأخذ عزاء السيد بهجت ويصافح الموجودين بوجهٍ شاردٍ .. يتذكر كم مرة شجعه السيد بهجت على عمله وأن يظل دائمًا في الطريق المستقيم .. ظل جواد وشمس هكذا حتى انتهى العزاء واقترب جواد من مجلس السيدات لكي يأخذ شمس ويرحلا.
أردفت صباح عندما رأته يدخل المجلس:
"جواد بيه يا شمس جاي ياخدك."
رفعت شمس رأسها بأعين مليئة بالدموع متحدثة بنبرة مهزوزة:
"جواد."
استقامت بصعوبة بمساعدة صباح واقتربت منه ولم تشعر بنفسها سوى وهي ترتمي في أحضانه ويقوم بضمها بقوة. أردفت بنحيب:
"بابي مات يا جواد .. أنا ماليش غيرك، ماتسبنيش .. أنا مبقاش ليا حد غيرك ماتعملش زيه وتسيبني وتمشي يا جواد أرجوك."
ربت بحنو على ظهرها بيد وشعرها بيده الأخرى كحنان أبٍ على إبنته.
"سابني ومشي."
"ماتقلقيش، انا معاكي .. يلا نمشي."
هزت رأسها بتيه وحاوطها بذراعيه يقوم بمساعدتها في التحرك بسبب حالتها تلك وركبا سيارته .. كانت مستندة برأسها على كتفه طوال الطريق تنظر أمامها بشرود؛ أما هو فقد كان شاردًا يفكر كثيرًا بما سيحدث في الأيام القادمة فهو وبصعوبة كان يبتعد عنها لأجل مصلحتها .. ولكن الآن بعد رسالة السيد بهجت أصبحت شمس مرتبطة تمامًا به ولا يمكن أن يبتعدا تنفيذًا لوصية السيد بهجت آخر كلمات قد أرسلها له في رسالة نصية قبل وفاته.
" خلي بالك من شمس يا جواد .. إتجوزوا وعيشوا وانسوا اللي فات أنا عايز أموت وأنا مطمن على بنتي ومش هعرف أطمن عليها غير معاك."
رواية ثأر الشيطان الفصل العاشر 10 - بقلم سارة بركات
قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:60].
ماتنسوش اللايك
الفصل العاشر
في دولةٍ أجنبية وفي قصرٍ ضخم تحيطه الأزهار الملونة والأشجار .. كان يسير بإتجاه باب الخروج ويحيطه رجاله الذين يحملون الأسلحة ولكنهم لم يكونوا أي رجال بل كانت فرقة خاصة مدربة جيدًا وتوجد أوشمة مرسومة على أذرعهم .. يرتدون زيًا أسود وعدسات شمسية سوداء يبدو على مظهرهم الهيبة وسبب تلك الهيبة هو الشخص الذي يسير في حمايتهم .. رن هاتفه بإستمرار التقطه يقوم بالإجابة على تلك المكالمة ولكنه لم يتحدث في بدايتها علا وجهة ابتسامة غامضة ثم أردف بلغة البلد للشخص الذي يتحدث معه. (الحوار مترجم إلى اللغة العربية الفصحى)
- سيأتي إلينا في النهاية.
ثم أغلق المكالمة وأشار لأحد الحرس بالإقتراب منه.
- نعم سيد فيليب؟
- بلغ الخادمات بأنه سيكون لدينا ضيفًا مميزًا عما قريب، اجعلهم يقوموا يتجهيز القصر جيدًا لاستضافته.
أومأ الرجل رأسه ثم ذهب ينفذ ما أمره به .. خرج الرجل مع رجاله وركب سيارته التي يقودها سائقه وتمتم بهدوء وثقه:
- سنلتقي قريبًا يا جواد.
..................................
كانت مستلقية على فراش السيد بهجت تحتضن إطار صورته وتنظر أمامها بشرود بأعين تائهة، لا تصدق أنه لم يَعُد موجود! .. كيف ستمر أيامها بدونه إذا مرت من الأساس؟ .. لقد أصبحت وحدها في هذه الدنيا .. ماتت والدتها منذ صغرها والآن والدها، كيف ستعيش؟ .. يوجد بقلبها ألم كبير، تشعر أنها لا تستطيع التنفس .. كان جواد مستندًا بجسده عند باب الغرفة يطالعها بحالتها تلك .. لا يعلم كيف يواسيها .. ظل هكذا لساعات منذ أن عادا من الجنازة .. لم تأكل ولم تشرب أي شئ منذ توفى السيد بهجت .. استفاق من شروده على صوت هاتفه الذي يعلن عن مكالمة واردة ... أجاب على الهاتف دون أن تبتعد عينيه عن شمس:
- معاك.
عقد حاجبيه وأردف بتعجب وهو يبتعد قليلًا عن الغرفة:
- سرطان!.
- مع الأسف الحالة كانت متأخرة واكتشفنا إن بهجت بيه كان عارف، البقاء لله يا جواد بيه.
- شكرا لحضرتك، تعبتك معايا.
أغلق المكالمة وتنهد بصعوبة، كيف لم يخبره بهجت بحالته تلك؟! .. كان دائمًا يحمل سر بهجت لما لم يخبره أنه مصاب بالسرطان؟! .. عاد للغرفة ووجد الخادمات يحاولن أن يطعمن شمس ولكنها أبَت .. دخل الغرفة وأردف:
- سيبوها.
خرجن من الغرفة؛ أما هو فقد اقترب منها يجلس على الفراش بهدوء ثم تحدث:
- إنتِ ما أكلتيش من امبارح وده هيأثر عليكي بالسلب.
أردفت بشرود:
- أنا عايزة أموت.
عقد حاجبيه يحاول أن يكون هادئًا بسبب حديثها ذلك يعلم أنها حزينة، ولكن كلمتها تلك آلمت قلبه .. لن يستطيع أن يعيش بدونها أبدًا، قام بملئ ملعقة من الطعام يقربها نحو فمها متحدثًا:
- كلي عشان تتغذي.
لم تُجِبه ولم تتحرك ساكنة .. وضع الملعقة جانبًا على صينية الطعام ثم أمسك بيدها:
- تفتكري إن باباكي هيكون مبسوط وانتي حالتك كده؟
- بابي مات، أنا مش قادرة أتخيل حياتي من بعده.
ثم هبطت عبراتها تبكي مرة أخرى على والدها وأردفت بألم:
- إزاي يعمل فيا كده؟ إزاي يمشي ويسيبني؟ .. أنا مش قادرة، أنا قلبي بيوجعني.
وضعت يدها على موضع قلبها ثم عادت تطالع جواد ببكاء ..
- سابني يا جواد، وهو أصلا وعدني إنه عمره ماهيسيبني.
كان يفصل بينهما مسافاتٍ بسيطة، كان مترددًا .. يتمنى لو يقوم بضمها بقوة بين ذراعيه يهشم عظمها .. لطالما تمنى أن تنعدم المسافات بينهما، يتمنى أن يتذوق تلك الشفاة وها قد آتته فرصته! كانا تائهين يطالعان بعضهما .. مسافات قليلة .. فقط متبقٍ مسافات قليلة بينهما ولكن جواد ابتعد عنها على الرغم من رفض قلبه واصراره على تكسير أضلعها بين ذراعيه .. أما بالنسبة لشمس؛ فقد كانت تائهة لم تنتبه تمامًا لما كان سيحدث هي فقط تشعر أنها تحتاج جواد بجانبها لكي تستند عليه، إنتبهت له عندما عاد يقرب الملعقة من فمها ولكنها تلك المرة قامت بفتح فمها باستسلام وأخذ يُطعِمها وبعد أن انتهى من إطعامها كانت هناك بقايا من الطعام بجانب فمها اقترب منها بهدوء ووضع يده على وجنتها الناعمة يتحسسها بلطف والتقط تلك البقايا بإبهامه، كانت تطالعه بهدوء وتسأل نفسها العديد من الأسئلة، كيف لم تنتبه أن جواد كان يتعامل معها هكذا قبل أن تتعرف على طليقها؟ .. من كثرة تدخله في حياتها كانت تراه مجرد متطفل في حياتها، كيف لم ترى تعامله اللطيف معها؟ .. حاولت أن تتذكر كل مافات من حياتها .. كان تعامله لطيفًا معها ولكنها من كانت تراه مستفزًا لأنها لم تكن تريده في حياتها، غبية شمس!، استفاقت من شرودها عندما سمعت طرقات باب غرفتها .. دخلت صباح الغرفة وأردفت بابتسامة عندما رأت جواد يحمل صينية الطعام:
- إزيك يا جواد بيه؟
أردف بابتسامة:
- إزيك يا صباح جيتي في وقتك، هسيبك أنا مع شمس شويه.
هزت رأسها وعند إقتراب خروجه من الغرفة همس لها ..
- حاولي تخرجيها من اللي هي فيه.
إبتسمت ابتسامة مطمئنة له ثم خرج من الغرفة؛ أما هي فقد جلست أمام شمس تطالعها بهدوء ..
- إزيك؟
أردفت شمس بشرود:
- الحمدلله.
ظلت صباح صامته ولكنها كانت تبحث عن أحاديث تتحدث بها معها لكي تخرجها من حالتها تلك، ولكنها لم تفعل أي شئ سوى أنها قامت بضمها بين ذراعيها .. أغمضت شمس عينيها وظلت تبكي لبعض الوقت على فراق والدها وكانت صباح تقوم بتهدأتها حتى نامت بين ذراعيها .. كان جواد يقف في باحة القصر وحوله رجاله يُملي عليهم ما سيحدث في الفترة القادمة حتى قطع تركيزه رنين هاتفه المستمر .. قام بالرد على الهاتف ..
- لقيناها.
إحتدت ملامح جواد وعاد لقسوته السابقة كأن هناك أحدٌ قد أعاد إشعال جرحه مرة أخرى، ولم ينتبه لعاصم الذي دخل القصر.
كانت صباح جالسة بجانب شمس النائمة في الفراش تربت على شعرها بهدوء .. ظلت هكذا بجانبها لوقت طويل وحينما ملت اعتدلت من الفراش وخرجت من الغرفة وأخذت تتمشى في القصر قليلًا حتى توقفت عند باحة القصر لمحت جواد يقف مع شابٍ ما يتحدثان، كان عاصم يتحدث مع جواد بخصوص ماتوصل إليه ..
- إللي حصل في الفترة الأخيرة يا جواد ده طلع وراه عصابة كبيرة أوي لامه من كل الجنسيات .. مش عارفين مين دول؟ أو إيه غرضهم بس الهدف المبدأي واضح وهو تجارة المخدرات والسلاح.
كان جواد يطالعه بهدوء وهو يستمع لحديثه .. انتبه لوجود صباح ..
- اتفضلي يا صباح، محتاجة حاجة؟
التفت عاصم للخلف ينظر لمن يتحدث إليها جواد، ثم عاد ينظر إليه مرة أخرى ..
- هبقى أكلمك على التليفون نكمل كلامنا ... البقاء لله.
هز جواد رأسه ثم خرج عاصم من القصر أما جواد كان يطالع صباح بهدوء ينتظرها أن تتحدث أو تبرر سبب وقوفها بباحة القصر ..
- أنا بس مليت وقولت أتمشى شويه في القصر.
هز جواد رأسه ثم تساءل:
- شمس فين؟
- نايمة فوق.
- حاولي تفضلي معاها الفترة دي، لإني هحتاج أسافر بره مصر كام يوم ومافيش غيرك أقدر أثق فيه في وجود شمس معاه، لو ينفع تباتي معاها الفترة دي يبقى تمام.
- بس بابا.....
قاطعها بهدوء:
- ماتقلقيش من جهة باباكي، أنا هكلمه.
هزت رأسها أما هو فقد تركها وذهب للغرفة التي يبقى بها وبدأ بتجهيز نفسه للسفر.
بعد مرور بضع ساعات:
استيقظت شمس من غفوتها واعتدلت وتفاجأت ببقاء صباح بجانبها نائمة في الفراش .. اعتدلت من فراشها وذهبت للحمام لكي تستفيق قليلًا ثم عادت لفراشها مرة أخرى .. سمعت صوت طرقات على الباب ثم دخلت الخادمات للغرفة يحملن الطعام لها ..
أردفت شمس باستفسار:
- جواد بيه فين؟
إستيقظت صباح على إثر سؤالها ذلك وأجابت بنعاس:
- سافر بره مصر.
تمتمت بشرود:
- إزاي يمشي ويسيبني لوحدي؟!
أردفت صباح تطمئنها قليلًا:
- هو قالي إن في حاجة لازم يسافر مخصوص عشانها وشوية وهيرجع.
..............................
في إحدى الدول الأجنبية كان جواد يقف أمام مصحة للأمراض العقلية .. كان عقله يرفض تمامًا أنه سيجدها هنا .. لا .. بالتأكيد ليست هي .. دخل المصحة ودخل بعضًا من رجاله خلفه والمتبقين توقفوا بالخارج .. توقف أمام غرفة بيضاء وقام بفتح بابها، وأشار لرجاله بالبقاء خارجًا، دخل الغرفة وأغلق الباب خلفه، كانت هناك سيدة تحتضن دُمية قطنية لدُّبٍ صغير وكانت تنظر أمامها بشرود وتدندن بنغمةٍ للأطفال .. دندنة .. أذنه تعرفها جيدًا دندنة يستطيع تمييزها من بين كل الدندنات في العالم! .. ذلك الدُّب القطني البُنِّي يتذكره جيدًا .. ظهرت أمامه صورة مشوشة لطفلٍ يصرخ وإمرأه تصرخ بإسمه "جواد" .. ويقع الدب من يدِ الطفل وصراخ المرأة يستمر، تقدم نحوها ببطئ يشعر أن الدُنيا تضيق به حتى توقف أمامها .. كانت سيدة ذات شعرٍ بني يتخلله بعض الشعيرات البيضاء .. بشرتها كانت بيضاء كالثلج .. سوداء العينين ولكن ملأتهما التجاعيد .. تلك الملامح لم ينساها أبدًا .. أيعقل أنه قد مر أكثر من ثلاثين عامًا؟! .. اقترب منها أكثر ولم يتحدث ولكنه ظل يطالعها، انتبهت على وجوده وتوقفت عن الدندنة وطالعته باستفسار وأردفت بلغة أجنبية:
- من أنت؟
اهتزت مقلتا جواد وهو يطالعها هكذا وهي لا تعرفه .. كيف؟
- سيدة آسيا؟
تحدثت بعدم فهم:
- نعم أنا، من أنت؟
- لقد تعاهدنا على اللقاء وها قد نفذت وعدي لكِ .. لقد سافرت حول العالم كله لكي أجدكِ حتى وجدتكِ.
ذلك ما أجابها به جواد .. ظلت تطالعه ولكنها أردفت:
- أنا لا أتذكر من أنت، هل التقينا قبلًا؟
تجاهل سؤالها ثم أردف وهو يشير إلى الدمية التي بيدها وهو يعلم الإجابة مسبقًا:
- دمية من تلك؟
- إنها لطفلي جواد.
التمعت عينا جواد وتمنى لو يقبل قدمها الآن ولكنه ظل ثابتًا وركع أرضًا وأمسك بيدها:
- هل تستطيعين تحدث العربية؟! هل تتذكرين مِن أين أنتِ؟
نظرت إليه قليلًا تحاول أن تفهم مايقول وشعرت بتشتت ..
- ابتعد عني، أنا خائفة.
التمعت عيناه ثم أردف بحب:
- لا تخافي مني .. أنا صديقٌ لجواد.
تحدثت بلهفة وهي تبحث عنه بعينيها حولها:
- هل أنت جاد؟ أين هو؟ ثم إنك كبيرٌ قليلًا على أن تكون صديقة .. إن بُني في الخامسة من عمره فقط.
ظل صامتًا يطالعها بحزنٍ يقسم أنه سيجعل من فعل بها هكذا يدفع الثمن غاليًا.
أردفت بتوسل:
- أَجِبني أرجوك، أين بُني؟ لقد أخذوهُ مني .. لقد أخفوه عني .. لم يتبقى لي إلا دُميَته، أين صغيري.
- إهدأي، هو بخير لا تقلقي سوف آخذكِ له، إنه بمصر ثم إنه دائمًا يخبرني أنه يشتاق إليكِ كثيرًا .. إنه يريد رؤيتكِ أكثر منكِ.
- إذا خُذني معك إلى مصر تلك لكي أضمه بين ذراعي.
هز رأسه بابتسامة ثم أردف:
- سوف أقوم بتجهيز إجراءات خروجكِ من هنا، وسنعود سويًا إلى مصر.
كانت تبكي وهي تطالعه ومن سعادتها قامت بضمه بقوة .. شعر أنه عادَ طِفلًا صغيرًا بسبب ضمتها تلك، ضمتها أذابت كل الثلج بداخله، أشعرته أنه هشٌ تمامًا، كم اشتاق لها .. كم اشتاق لذلك الدِفئ الذي تمنى دائمًا أن يشعر به عندما كان طفل شوارع!.
................................
كانت شمس قلقة بسبب عدم إتصال جواد بها، هل يتركها هو الآخر؟ شعرت بالضياع ولكنها انتبهت على صوت صباح:
- ماتقلقيش هيرجع هو أكِّد عليا.
التفتت إليها ولكنها ظلت صامته لبعض الوقت ثم أردفت ..
- شكرا يا صباح على وجودك معايا هنا.
طالعتها باستفسار ثم أردفت:
- مافيش شُكر بينا إحنا زي الإخوات ياشمس أو ممكن أنا اللي بعتبرك زي أختي وأكتر.
أردفت بتساؤل:
- يعني مش زعلانه مني عشان اللي عملته فيكِ؟
تنهدت صباح ثم أردفت:
- مهما يحصل بينا فأنا بركن خلافاتنا على جنب وببقى جنبك.
تنهدت شمس ولم تتحدث ولكن طمأنتها صباح كأنها تقرأ مابداخلها.
- صدقيني يا شمس، جواد بيه بيحبك وعمره ماهيمشي ويسيبك
هزت رأسها..
...............................
في اليوم التالي:
ضرب بقبضة يده زجاج المكتب وأردف بغضب بلغته الأم:
- كيف يجدها؟ لقد قلت لكم أن تخفوها تمامًا عنهما.
تحدث أحد الرجال الواقفين أمامه:
- سيد ماتيوس نحن فعلنا مابوسعنا لكي لا يجدها السيد جواد والسيد فيليب، ولكن السيد جواد من وجدها أولًا.
اذهبوا من أمامي يا حثالة، ثم قام بإعادة ضبط شعره الأسود الذي يتخلله بعض الشعيرات البيضاء بيده التي تنزف .. ثم أمسك بإطار في غرفة المكتب كان به صورة قديمة لفتاة في الثامنة عشرة من عمرها ..
- آسيا حبيبتي، إنه يأخذكِ مني مرة أخرى ولكن نسخته المصغرة من تفعل ذلك، لن أسمح له بفعل ذلك حتى لو اضطررت لقتله.
.................................................................
هنتظر رأيكم وتحليلكم وتوقعاتكم وماتنسوش تقترحوا الرواية لأصدقائكم
كل سنة وانتم طيبين بمناسبة ليلة النصق من شعبان وقدوم شهر رمضان بحبكم كتير