تحميل رواية «ثأر الشيطان» PDF
بقلم سارة بركات
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ظلام .. مكان يملؤه الظلام على الرغم من وصول ضوء النهار لنوافذه ولكن ذلك أمر طبيعي بالنسبة للسجون .. سجون مظلمة بداخلها مجرمين بعضهم يملك قلبه ظلام دامس والبعض الآخر لم يلمسه الظلام حتى. كان السجناء يتحركون في صفٍ واحدٍ يتجهون صوب قاعة الطعام كالآلة التي تتحرك دون مشاعر ولكن مايشغل كل سجين منهم هو مايملكه خارج هذا السجن؛ فهناك من ترك عائلته وأطفاله وضحى بنفسه لأجلهم بسبب ضيق الديون، وهناك من سرق، وهناك من قتل و أيضًا هناك من سُجِنَ ظلمًا لإختلاف الأسباب .. ولكن غير كل ذلك كان هناك شيطان قوي مختبئ...
رواية ثأر الشيطان الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سارة بركات
كانت طائرته الخاصة تحلق في سماء القاهرة. كان يجلس بداخلها يطالع والدته النائمة بالكرسي المقابل له، يركز في ملامحها التي ذبلت وشاخت بسبب عوامل الزمن. مشاعره مذبذبة مابين الغضب والانتقام وأيضًا اللهفة والاشتياق. مشاعر مختلطة تعصف به من الداخل. يتمنى لو يخبرها أنه هو جواد طفلها البريء الذي تلوثت براءته وأصبح ذلك الشيطان الذي يجلس أمامها. أغمض عينيه يتنهد بعمق. يكفي في الوقت الحالي أن تكون والدته أمام عينيه والباقي سيتصرف به.
بعد مرور عدة دقائق كان يَجُر أمامه الكرسي المتحرك التي هي نائمة عليه، يسير بإتجاه باب الفيلا التي يسكن بها. استقبلته الخادمات واللواتي سيَبقين معها لخدمتها. وضعها على فراشها بحرص وجلس بجانبها يمسك بيدها. يريد أن يسألها عن الكثير والكثير. يعلم تمامًا أن كل أجوبة أسئلته عندها هي. يريد أن يعلم من فعل بها ذلك؟ ومن والده؟ وكيف تركهما هكذا طوال تلك السنوات؟ بداخله الكثير لكي يسألها عنه. ظل هكذا بجانبها يمسك بيدها، يمسد عليها بحنان تارة ويقبلها تارة أخرى. وأخيرًا قد تركها بعد أن قام بتقبيل مقدمة رأسها. خرج من غرفتها وقابل إحدى الخادمات وأردف بهدوء:
- خدوا بالكم منها كويس.
أومأت الخادمة تنفيذًا لأوامره ثم خرج من الفيلا. ليس لديه الشجاعة الكافية لكي يخبرها أنه طفلها. ستعلم أنه هو بمجرد استيقاظها، لأن الخادمات سيخبرنها بذلك وسيكون مستعدًا للمواجهة ولكن عندما تتريث في تفكيرها قليلًا.
كانت مرتدية منامة حريرية بحمالة رفيعة وممددةً على فراشها تنظر أمامها بشرود. لقد غاب عنها جواد كثيرًا. هل يُعقل أنه تركها للأبد؟ لا، إنها لا تستطيع العيش بدونه. يكفي ما خسرته لا تستطيع أن تخسره هو أيضًا. استفاقت من شرودها على صوت طرقات خفيفة على باب غرفتها. لم تُجِب ولم تسمح لأحدٍ بالدخول. تريد أن تبقى وحدها. ولكن الطارق لم ينتظر إذنها حيث قام بفتح الباب. تحولت ملامحها إلى الدهشة والسعادة عندما وجدت جواد يقف أمامها بملامحه الغاضبة والهادئة في آنٍ واحدٍ. ركضت صوبه لتدخل بين ذراعيه شاعرة بالسعادة.
- أخيرًا رجعت.
تشعر بالأمان وهي بين ذراعيه هكذا. ابتعدت عنه مسافات قليلة تطالعه بابتسامة لطيفة ارتسمت على ثغرها دون إدراكها عن ما ترتديه أمامه. كان يطالعها بهدوء. هيئتها الرائعة تلك ومنامتها الحريرية الناعمة وشعرها المنسدل على كتفيها وظهرها. لقد كان يتمنى مظهرها ذلك في بيتهما. كان لديه الكثير من الخيالات عندما كانت حياته تقتصر عليها فقط. ولكن الآن مع الأسف تغير كل شيء! أبعد عينيه عنها بصعوبة وتحدث بهدوء عكس العاصفة الهوجاء التي بداخله:
- غيري هدومك عشان رايحين للمحامي، المفروض إن في ميعاد النهاردة بخصوص وصية والدك.
هزت رأسها وهي تطالعه باشتياق. ولكنه تركها وخرج دون أن يتحدث بكلمةٍ واحدةٍ إضافية. بعد دقائق كانت تنزل على أدراج القصر وهي ترتدي ثوبًا أسود طويلًا بأكمامٍ. وكانت تلُفُ وشاحًا شتويًا لونه أسود حول ذراعيها لعلها تشعر بالدفء قليلًا من خلاله فعلى ما يبدو أن الطقس في الخارج بارد. ولم تضع أيٌ من مساحيق التجميل في وجهها. كانت ملامحها بريئة للغاية.
كان يطالعها بتركيز مع خطوة تقتربها نحوه. إنها مصرة على تحطيم حصونه دائمًا. توقفت أمامه وأردفت بابتسامة هادئة:
- أنا جاهزة.
هز رأسه ثم سبقها وتبعته في صمت. جلسا سويًا بسيارته وحل الصمت بينهما طوال الطريق. ولكن بداخلهما الكثير من الكلام والنقاشات. ظلا هكذا حتى وصلا إلى مكتب المحامي الخاص بالسيد بهجت.
في مكتب المحامي:
جلس الإثنان بمكتب المحامي يطالعانه ينتظران حديثه. كان جواد جالسًا بلامبالاة واضعًا قدمًا فوق الأخرى. يعلم جيدًا أنه سيحدث الكثير من الحدة بينه وبين شمس اليوم.
تحدث المحامي بابتسامة وهدوء:
- طبعًا أنا ماحبتش أعلن عن الوصية بتاعة بهجت بيه إلا لما تكونوا إنتوا الإتنين موجودين. ماينفعش حد يكون موجود والتاني لا. لإن الوصية دي إنتم أطراف أساسية فيها.
ظل جواد صامتًا ينتظره أن يلقي ما بجعبته. أما بالنسبة لشمس فقد أعطت كل حواسها لما سيقوله المحامي الآن.
تنهد المحامي وقام بفتح الوصية:
- صغاري الأعزاء. جواد وشمس. أكتب تلك الوصية وأنا أعلم تمامًا أنكما لن تخذلاني فيما سأقول. من المعروف أن شمس سترث مني كل شئ حسب شرع الله. ولكن هناك بعض الأشياء قد كتبتها بإسم جواد لأنه بمثابة بُني الذي لم أُنجبه.
ظلا يستمعان بهدوء لتوزيع التركة حيث أنه من المفترض أن بهجت قام بكتابة نصف ثروته لجواد والباقي لابنته. وعلى عكس توقعات جواد كانت ملامح شمس هادئة ومبتسمة كأنها ممتنة لوالدها لأنه أدخل جواد في حياتها.
- ونيجي على آخر بند في الوصية.
أراد جواد أن يخرج من المكتب لا يريد أن يسمع ماهو البند الأخير لأنه يعلمه تمامًا. حاول أن يتجاهل رسالة بهجت التي تركها له قبل موته. لا يستطيع أن يعيش مع ألم قلبه مرة أخرى. يستحيل.
- تعلمان جيدًا أن أمنيتي في الحياة كانت زواجُكُمَا والذي أتمنى الآن أكثر من ذي قبل أن يتم. أتمنى أن تتزوج بشمس يا جواد، لأنني لن أطمئن عليها مع غيرك. أنا أثق بك تمامًا أنك لن تخذلني.
توقف جواد وكان سيخرج ولكن أوقفه صوت المحامي:
- جواد بيه، أتمنى إنك تنفذ وصية بهجت بيه. كان دايمًا بيعتبرك أقرب حد ليه.
توقف جواد بمكانه لعدة ثوانٍ والتفت بهدوء للمحامي متجاهلًا نظرات شمس المعاتبة له وأردف بابتسامة غامضة:
- وهو كذلك.
ثم وجه حديثه لها صارًا على أسنانه:
- اتفضلي قدامي يا مدام شمس.
شعرت بثقل داخل قلبها بسبب ابتسامته الغير مُريحة تلك. استقامت من مقعدها وتبعته. غابت الشمس وحل محلها الظلام وأمطرت السماء مطرًا شديدًا. وكانت سيارة جواد مثل السيارات الأخرى ينلن من المطر نصيبهم في الطريق المزدحم. كانت شاردة تتساءل لماذا يتعامل معها هكذا؟ هل بتلك السرعة تغيرت طريقته معها لمجرد أن والدها سيقوم بتزويجها إياه رغما عنه؟
كان الصمت يخيم في السيارة والصوت المسموع هو صوت هطول الأمطار الشديدة بالخارج حتى قطع هذا الصمت صوتها الحزين:
- إنت مش مُجبر تتجوزني.
- أنا مابعملش حاجة غصب عني.
التفتت إليه تطالعه كان ينظر أمامه دون الالتفات نحوها.
- أومال ليه حسيت هناك إنك مُجبر تتجوزني؟
تحدث بوقاحة قاصدًا جعلها تتألم يطالعها بنظرات غريبة:
- كنت عايز أبقى أول راجل يلمسك. مابحبش أدخل على شغل غيري. بمعنى أصح مبحبش آخد حاجة مستعملة.
شعرت بتحطيم قلبها كيف يتحدث معها هكذا؟ لقد أشعرها أنها فتاة ليل تتنقل بين ذاك وذاك!!
أردفت بثبات مانعة إطلاق صراح عبراتها وهي تطالعه:
- انت مش مُجبر تتجوزني. وبعدين المفروض تسألني عن رأيي أنا إذا كنت عايزاك ولا لا؟
أردف ببرود:
- لو مكنتيش عايزاني يبقى مكنش زمانك حضنتيني النهاردة في أوضتك وانتي لابسة قميص النوم. أنا جاهز في أي وقت حتى لو بالجواز منك مافيش مشكلة. عشان وقت ماتعوزيني أكون موجود.
ظل يطالعها يتفرس ملامحها الحزينة يعلم أنها تحاول أن تقوم بالرد عليه بأي طريقة إنها شمسُه البريئة التي يعلمها جيدًا. توقفت السيارة بإشارة مرور وهنا انتهزت فرصتها لكي تخرج من السيارة وبالفعل خرجت وتحركت بين السيارات تَركُض واستسلمت لعبراتها حيث أنها انهارت تمامًا وهي تركض أسفل المطر الشديد ابتُل وشاحها وشعرها وجميع ثيابها وهي تبكي بانهيار. لا تدري أين تركض، لقد أصبحت يتيمة بالفعل. كانت تظن أنه مازال يُحبها، لقد خذلها كثيرًا. توقفت بأحد الممرات في الشوارع ووضعت يدها على موضع قلبها الذي ينبض شدة من ركضها وأيضًا من ألم قلبها وصرخت بألم لعل الألم الذي بداخلها يخرج مع صرخاتها تلك. ظلت تبكي أسفل المطر الذي يهطل بغزارة.
أثناء بكاءها انتبهت لمن ضمها من الخلف. كان هو. كانت رائحته التي تعلمها جيدًا. لم تلتفت له ولم تتحدث، ولكنه أجبرها على الالتفات إليه ثم أردف بهدوء والمطر الغزير يُبلل شعره الأسود:
- كل حاجة وليها سبب.
تجاهلت حديثه وأردفت ببكاء:
- أرجوك، قول إن الكلام إللي انت قولتهولي في العربية ده إنك ماتقصدهوش. جواد ماتصدمنيش فيك. ماتخلنيش أتأكد إني يتيمة بجد. أنا كنت معتمدة على وجودك في حياتي لإني من غيرك حياتي مش هيبقى ليها لازمة. أنا لحد الآن كويسه عشان متأكدة ومتطمنة إنك معايا.
أردف وهو يطالعها:
- جرحي منك لسه زي ماهو ياشمس. قلبي عايز يكسرك زي ماكسرتيني.
- غصب عني يا جواد، أنا مكنتش أعرف ولو كنت عرفت قبلها كانت حاجات كتير اتغيرت.
- كلامنا دلوقتي مش هيغير حاجة ياشمس، إللي حصل حصل.
ابتعدت عنه ولكنه أمسك بذراعها وقربها نحوه وأردف:
- يلا عشان أروحك.
أردفت بصراخ وبكاءٍ في آنٍ واحدٍ:
- ابعد عني أنا مش عايزاك، أنا بكرهك.
ظل متمسكًا بها حاولت ابعاده عنها بكل الطرق حتى أنها صفعته على وجهه ولكنه لم يكترث ظلت هكذا تقاوم حتى خارت قواها بين ذراعيه وظلت تبكي، وهو يربت على شعرها المُبتل.
كررت كلمتها مرة أخرى وهي تدفس وجهها في صدره:
- أنا بكرهك.
ابتسم وهي بين ذراعيه وشدد من ضمته لها، تنهدت بارتياح وتشبثت بجسدة أكثر، ظل يُرَدِد مهدئا إياها:
- كل حاجة وليها سبب. كل حاجة وليها سبب.
أردفت بصوت متحشرج:
- محتاجة أعرف أسبابك دي.
رفع وجهها بسبابته يطالعها بحب خفي:
- قريب هتعرفي. بس بعد جوازنا.
***
في مكانٍ آخر في دولةٍ خارج مصر:
كان ماتيوس يقف بمكتبه ينتظر الخبر الذي أقلق نومه منذ أن اختفت. اقترب منه أحد رجاله متحدثًا:
- لقد وجدناها. إنها بمنزله وجاءتنا أنباءٌ أيضًا أنه سيتزوج قريبًا.
أردف بشر:
- سوف أجعله يموت من القهر على زوجته. لن يهنأ بها ثانية واحدة.
***
كان فيليب يقوم باصطياد الغربان في غابةٍ ما. وعندما وقع غراب على الأرض اقترب نحوه وأخذ يبحث عن غيره ولكنه انتبه على إحدى الأشجار والتي تم حَفْرُ بعض الأسامي عليها وأيضًا رُسِم قلب يخرج منه سهمين كل سهم يشير لإسم. تنهد وارتسم الحزن على ملامحه وهو يتذكر زوجته الراحلة والتي لم يجمعهما سوى عدة أشهر بعد زواجهما ثم بعد ذلك أتاه خبر وفاتها!
كانت تقوم بالنحت على الشجرة بسعادة تملك قلبها فهي وأخيرًا اجتمعت مع حبيبها. ولكن قاطعها عن عملها ذلك هو ضمه لها وهو يقبل رأسها، تحدثت باللهجة المصرية بسعادة:
- سيبني بقا يا فيليب.
أجابها بلهجته المصرية المنكسرة قليلًا:
- مش هسيبك.
ثم أكمل بلغته:
- لا تتركيني مرة أخرى وأنا نائم هكذا لقد شعرت بالخوف عندما اختفيتي من جانبي.
التفتت إليه تطالعه بحب:
- متخفش، محدش هيخطفني منك يعني، طول مانا معاك يا فيليب أنا واثقة إني هكون في أمان.
قبل وجنتيها ثم قرب وجهه منها حيث أسند جهته على جبهتها هي الأخرى وأردف:
- سأموت لو اختفيتي مرة أخرى.
أجابته بلغته هو:
- لا تقلق حبيبي، أعدك أن لا أتركك أبدًا.
ثم عاد الإثنان ينظران للكلمات المحفورة على جذع الشجرة والمكتوب بداخل قلب قد نُحت عليها.
"Asia loves Philip"
استفاق من شروده في ذكرياته وانتبه لعبرته التي خرجت من مقلتيه. لقد مرت حوالي خمسٌ وثلاثون عامًا على فراقها يا الله يشعر أنه كالأمس. منذ فراقها لم يرى الشمس في حياته أبدًا. ظل مسجونًا في أحداث اليوم الذي توفت به.
انتبه على أحد رجاله يقف خلفه ويتحدث باحترام ووقار:
- يبدو أن السيد ماتيوس منشغلٌ في الفترة القادمة. حيث ترك بعض المناقصات المهمة، وقد وصلنا أنه سيذهب إلى مِصر في الفترة القادمة.
ارتسمت ملامح اللهفة والاشتياق عندما سمع إسم مصر والتي تذكره بالعديد من الذكريات عن زوجته المتوفاة والتي هي مصرية الجنسية.
فكر فيليب في حديث الرجل جيدًا ثم التفت متحدثًا إليه:
- راقبوه جيدًا وأَعْلِمونِي بجميع خطواته القادمة.
هز الرجل رأسه، تنهد فيليب وهو ينظر للشجرة مرة أخرى ثم عاد يرتدي عدساته الشمسية مرة أخرى وخرج من الغابة وخلفة باقي رجاله.
***
كانت تقف أمام مرآتها ترتدي ثوبًا أبيض ولكنه ليس بثوب زفاف إحترامًا لموت والدها الذي لم يُكمل شهرٌ على وفاته. لا تُصدق تمامًا أن اليوم هو عقد قرانها هي وجواد. لم تكن تعتقد أنها ستصل لذلك اليوم بتاتًا. وخاصة بعد حديث جواد الجريء لها في ذلك اليوم الممطر. ولكنه بعد ذلك أصبح لينًا قليلًا معها. يختفي كثيرًا ولكنه على الرغم من ذلك يقوم بزيارتها لكي تطمئن.
كانت صباح تقف بجانبها ترسم إبتسامة بشوشة على وجهها. سعيدة كثيرًا لأنها صديقة العروس. تعلم جيدًا أنهما لم يريدا أن يقوما بعمل زفاف ضخم بسبب وفاة السيد بهجت فقد إكتفيا بعقد قرانٍ يحضره المعارف فقط.
وقف جواد أمام غرفتها بالفندق شاردًا يشعر أنه في متاهة. كان يتمنى شيئٍا آخر مختلف. كان يتمنى لو يصرخ للعالم كله يخبره كنم أنه سعيد أنه سيتزوج شمسه ولكن الآن الوضع مختلف. تزوجت غيره وطلقها منه والآن هو سيكون زوجها. هل سيتغير شيء؟ هل ستتزوجه لأنها راغبة في ذلك؟ أم لأنها بحاجته فقط؟ هل تحبه؟ مشاعر مبعثرة تشوشه ولكنه استفاق عندما فُتِحَ الباب وكانت تقف أمامه بهيئتها الجميلة البريئة الهادئة. كم تمنى لو استطاع أن يقوم باختطافها بعد عقد قرانهما وذلك ماينوي على فعله وسيرمي الماضي خلفه. اليوم سيجتمعان.
أمسك بيدها مبتسمًا لها بهدوء وتحركا وخلفهما صباح تمشي بسعادة خلفهما. ظلا يسيران حتى وصلا عند المائدة التي سينعقد عليها عقد قرانهما جلسا وكان الشهود موجودين ومن ضمنهم صديقه عاصم. بدأ عقد قرانهما وفي غضون دقائق أصبحت شمس زوجته شرعًا وقانونًا. وبعد انتهاء عقد القران كان ممسكًا بيدها لم يتركها أبدًا، ولكن شمس كانت تشعر بالضيق قليلًا من فستانها، حيث أن هناك عقدة داخل الفستان تضايقها. انتبه لها عندما تركت يده حرك رأسه في استفسار. اقتربت منه تهمس له.
- هعدل الفستان وهاجي تاني.
هز رأسه وظل يلاحقها بعينيه حتى صعدت إلى غرفتها. التفت إلى عاصم الذي اقترب منه وبدأ حديثه:
- ناوي على إيه الفترة الجاية؟
أردف جواد بهدوء:
- هنشوف الأيام جاية وهنعرف إيه اللي مستخبي. وشكل الإجتماع بتاعهم قرب وهنشوف وقتها.
هز عاصم رأسه بجديه ثم وقعت عينيه على صباح التي تقف بجانب والدها ووالدتها تتحدث معهم. ربت جواد على كتفه جعل عاصم يلتفت إليه مرة أخرى.
تحدث إليه هامسًا:
- صباح لسه صغيرة.
أردف عاصم بسخرية:
- على أساس إن مراتك مش صغيرة هي كمان؟
عقد جواد حاجبيه ونظر إلى ساعته ولاحظ تأخير شمس.
- هرجعلك تاني.
ذهب إلى غرفتها وقامت بفتح بابها ولكنه تفاجأ بأنها غير موجودة بها. ذهب للحمام يبحث عنها ولكنه كان فارغًا. شعر أنه سيُجَّن أين هي؟!
عاد للغرفة مرة أخرى وانتبه تلك المرة للثوب الذي كانت ترتديه ولكن تلك المرة كانت تملأوه الدماء! اقترب من الثوب والتقطه يتحسسه بهيستيريا إن الدماء حديثة. وجد به ورقة كُتِبَت بها جُملة باللغة الإنجليزية.
- "See you soon in Russia, we wish you happy marriage"
صمت يحاول أن يستوعب ماحدث لقد حدث ماكان خائفًا من حدوثه ارتجف جسده عند ذلك الاستيعاب. لقد أخذوها منه! لقد حرموه منها! صرخ بإسمها بأقصى طاقة بداخله.
- لا. لا. شمس!
رواية ثأر الشيطان الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سارة بركات
كان يصرخ بقوة باسمها وهو يمسك ثوبها الذي كانت ترتديه قبل عدة دقائق والذي يمتلئ بدماءٍ حديثة.
اقترب منه عاصم يحاول أن يقوم بتهدأته ولكنه دفعه، يضم الثوب بهيستيريا شديدة.
كانت تقف عند باب الغرفة لا تستوعب مايحدث وتتساءل أين شمس؟ ولماذا ثوبها بيد جواد ولمن تلك الدماء؟
انهمرت عبراتها مصدومة بسبب ما حدث.
كان عاصم يقرأ الورقة الممتلئة بالدماء وآلمه قلبه على ماحدث.
بعد أن كان صديقه وأخيرًا سعيدًا بزواجه من حب حياته، أصبح الآن يبكي كالطفل عندما أخذوها من بين يديه.
أخرج عاصم هاتفه من جيبه.
- بسرعة عايز القوات تنتشر في المطار، في جريمة خطف تمت والمجرم هيهرب بره مصر.
ثم صمت قليلاً وأكمل وهو ينظر إلى جواد المصدوم لفقدان حبيبته.
- إحنا بنتعامل مع مافيا روسية.
أخبرهم بجميع التفاصيل وأرسل صورة شمس لهم.
وانتبه عاصم لهاتف جواد الذي يُصدر رنينًا عاليًا باستمرار ولا يتوقف.
اقترب عاصم من جواد مرة أخرى يحاول تنبيهه بالإجابة على هاتفه ولكنه لم يستجِب له.
عاصم بغضب:
- جواد أنا بكلمك.
لم يجِبه واضطر عاصم إلى صفعه بقوة لكي يستفيق.
طالعه جواد بعدم استيعاب ممزوجًا بصدمته.
عاصم بغضب:
- تليفونك.
أخذ جواد يتحسس جيبه بيده المليئة بالدماء ثم أخرج هاتفه منهم.
ثم قام بفتح الخط يستمع لما قيل له والذي زاد صمته كثيرًا.
أمسك بثوبها بقوة وعلا الغضب والكُره ملامحه.
ثم اعتدل يحاول الوقوف بسرعة وهو يمسك هاتفه يحاول الخروج ولكن عاصم أوقفه.
عاصم:
- في إيه يا جواد؟
ولكن جواد سحب يده بعنف وخرج من ذلك المكان وتبعه عاصم.
ولكن أوقفته صباح وهي تبكي.
صباح:
- أرجوك طمني على شمس يا حضرة الظابط؟
تنهد عاصم ثم أردف بهدوء:
- هعمل كل اللي أقدر عليه وهوصل ليها إن شاء الله.
توقف أمامها لعدة ثوانٍ لا يعلم ماذا يفعل، فبكاءِها ذلك يجعله يكره نفسه.
ولكنه قرر أن يذهب لكي يلحق بجواد والذي صعد سيارته وأصبح يقودها بسرعة شديدة وتبعه عاصم أيضًا بنفس السرعة حتى وصلا إلى الفيلا الخاصة به والتي لم تعد فيلا بل أصبحت مبنى مهجور بسبب الطلقات النارية الموجودة على جدرانه وأيضًا الجثث الملقاة حوله.
تقدم بثبات وهو يضغط بقوة على ثوبها ويذهب في طريقه لغرفة والدته والتي لم تعد موجودة بها.
تقدم نحو كُرسِيها المتحرك الفارغ والذي يوجد بها ورقة صغيرة.
أمسك وقام بقراءتها.
"I have my beloved back, don't even think of looking for her again or I will kill your wife."
"لقد استعدت حبيبتي ولا تفكر أن تبحث عنها مرة أخرى وإلا سأقتل زوجتك."
أخذ يتحسس الكُرسي بشرود بيدٍ وبيده الأخرى يضغط على ثوب شمس الذي مازال ممسكًا به حتى الآن.
عاصم:
- هما بيتكلموا عن مين؟
ذلك ما تساءل به عاصم وهو يقرأ الورقة الموجودة على الكرسي.
جواد بشرود:
- قصة قديمة.
ثم تركه وخرج من الفيلا يقصد المطار لكي يحاول أن يعيدهما قبل أن تكونا خارج مصر وتبعه عاصم.
ظل جواد يبحث عنهما في المطار ويجعل رجاله يراقبون كل شئ.
وأيضًا عاصم كان مع قواته يقومون بالتحقيق ولكن لم يصلوا لشيء.
مرت الأيام وكان جواد يقاوم ألمه في فقدانهما.
كان يبحث عنهما بهيستيريا، حياته كانت تقتصر على وجودهما بجانبه ولكن كيف يختفيان هكذا بعدما أصبحا معه؟
لم يترك أي مكان.
كان يتمنى أنهما لم يغادرا مصر ولكنه لم يجدهما.
بعد مرور سنة من الألم والمعاناة والحزن وأيضًا الرغبة في الانتقام.
في صباحِ يومٍ مشرقٍ بدولة روسيا.
استيقظت بتكاسل من نومها وشعرت بوجود شئ يطبق على صدرها.
انتبهت لوجود دفتر مذكراتها، ابتسمت عندما تذكرت أنها نامت دون أن تشعر وهي تكتب مذكراتها.
تنهدت وأخذت تفتح الكتيب تقرأ آخر ماكتبته.
الحوار مترجم من الروسية إلى العربية:
- في بعض الأحيان أشعر أنني لست أنا، أشعر أنني وحيدة بذلك العالم وليس لي أحد.
أشعر أنني في كل لحظة وكل يومٍ يمر عليّ قلبي يؤلمني بشده.
هناك شئ ما في الأرجاء يجعل قلبي يصرخ لطلب النجدة منه.
لا أعلم ماذا يحدث لي في الآونة الأخيرة.
ثم إن العم فيليب يتفاخر ويخبرني دائمًا أنني إمرأة ذو شأن لا يجب أن أحزن ويكفيني أنه عمي.
قهقهت بخفة عندما تذكرت حديثه معها أمس وهي تبكي بسبب عدم رغبته في الخروج مع صديقها في ذلك الوقت المتأخر من الليل.
هزت رأسها بيأسٍ ثم خرجت من فراشها بتكاسل ووضعت مذكراتها على الكومود بجانب الفراش وذهبت للحمام لتستحم وتتجهز ليومٍ جديدٍ في حياتها.
كان فيليب يجلس في غرفة إجتماعات ضخمة في قصره ويتحدث بهدوء لجميع الجالسين أمامه والذي من بينهم ماتيوس.
فيليب:
- الإجتماع سيُقام بإحدى القاعات المعروفة بروسيا.
صمت قليلًا ثم استأنف.
- ولكنه سيكون مختلفًا قليلًا، سيرتدي الجميع قناعًا للوجه لأننا نريد أن نحتفظ بهوية من يعملون معنا حول العالم، وذلك ليس اقتراح بل هو أمر.
هز الجميع رؤوسهم إمتثالًا لأمره.
فيليب:
- يمكنكم أن تذهبوا الآن لا أريد من عزيزتي أن تستيقظ وتجدكم هنا.
أردف فيليب بتلك الجملة بوقاحة.
ماتيوس بتساؤل وخبث:
- لم نكن نعلم أن لديك حبيبة أيها العجوز الوقح؟
صمت فيليب يطالعه بهدوء ثم أردف:
- ليست حبيبتي إنها إبنة أخي.
ماتيوس بذهول:
- هل عاد أندريه؟
فيليب بابتسامة باردة ونظرة تحذيرية:
- لا ابنته فقط من عادت، ولا تنسَ نفسك وأنت تتحدث معي مرة أخرى.
ثم نظر للجميع وأشار لهم برأسه أن يرحلوا.
رحل الجميع وتوقف فيليب أمام حائط زجاجي في تلك الغرفة ينظر أمامه بشرود.
يتذكر ذكريات مر عليها عقود ذكرياتٍ لن تُنسى أبدًا.
تنهد بثقل وأغمض عينيه قليلًا ولكنه انتبه لمن احتضنته من الخلف.
ابتسم بحب ثم أردف:
- صباح الخير صوفيا.
صوفيا:
- صباح الخير عمي.
ثم قبلته على وجنته، التفت للخلف يطالعها بهدوء فهي ومع الأسف تذكره بزوجته الراحلة.
يوجد الكثير من الصفات المشتركة بينها وبين زوجته.
فيليب:
- إلى أين تذهبين؟
صوفيا بهدوء:
- لدي دروس رقصٍ اليوم، وبعدها أفكر أن أذهب لأقابل دانييل بعدما أنتهي.
فيليب بضيق:
- ذلك الفتي مرةً أخرى؟
صوفيا:
- عمي أريد أن أخبرك شيئًا واحدًا، أقسم لك أن دانييل لديه حبيبته هو فقط صديقي.
نخرج معًا فقط ليس إلا.
فيليب:
- لما لا تخرجين مع فتاةٌ مثلك؟ هذا أفضل لك؟ ثم لا تأمني للرجال مهما حدث.
حتى المتزوجون عزيزتي، الغالبية منهم يخونون زوجاتهم مع صديقاتهم، إنهم يمثلون مقولة إمرأةً واحدةً لا تكفي، انتبهي لنفسك.
اقتربت منه ثم همست:
- لا تقلق؛ فإن معي رذاذ الفُلفل والصاعق الكهربائي ابنة أخيك ليست أي فتاة.
فيليب:
- وأنا أثق بكِ يا فتاة.
ثم قبل مقدمة رأسها وقام بضمها بقوة.
- أحبكِ كثيرًا.
صوفيا:
- وأنا أيضًا.
خرجت من القصر وأوصلها رجال فيليب حيث ستذهب.
أما بالنسبة لفيليب فقد أرسل رسالة من هاتفه يحدد فيها موعد الإجتماع الخاص بزعماء المافيا في العالم وسيتم الفصح عن العنوان قبل الإجتماع بثلاث ساعات.
في مصر:
في قصر جواد (قصر السيد بهجت سابقًا):
كان يقسو على جسدة في التمارين القاسية حتى أصبحت عضلات جسده قاسية جدًا.
تغيرت ملامحه إلى الأسوأ انتشرت الهالات السوداء حول عينيه.
مرت سنة ولم يتحدث كثيرًا منذ إختفاءهن.
فقط كل مايفعله خلال تلك السنة العمل والبحث عنهن وفي النهاية لا يستطيع إيجادهن.
انتبه لوصول رسالة نصية على هاتفه باللغة الإنجليزية تُفيد بموعد وعنوان الإجتماع والحضور يكون بقناعٍ على الوجه.
عقِدَ حاجبيه بغضب، ها قد حان اللقاء فقد مرت فترة طويلة وهو يخطط لنهايتهم وسيُمحِيهِم جميعًا حتى لو في ذلك موته أو سجنه مدى الحياة سيقتلهم كلهم.
قام بالانتهاء من تمارينه القاسية وخرج من الغرفة يقوم بالتواصل مع أحدٍ ما ثم أردف.
- هسافر روسيا الفترة دي إلغوا أي إجتماعات لمدة شهر كامل.
ثم أغلق الهاتف وذهب لغرفة نومه هو وشمس ودخل الحمام ليستحم ويتجهز للسفر.
دخل الحمام الزجاجي و قام بفتح صنبور المياة والذي جعل المياة تُصَّبُ عليه من جميع الجهات.
استند على زجاج الحمام بكفي يديه وأغمض عينيه بإرهاق وهو يحاول الهدوء.
ثم ومن أين له الهدوء وقد اقترب موعد لقاءه مع حبيبته ووالدته.
أخذ نفسًا عميقًا يتذكر ويتأمل ملامح شمس التي غابت عنه وعن قلبه كثيرًا.
لقد اشتاق لها كثيرًا، لماذا يحدث شيئًا يفرقهما عندما يجتمعان؟
لقد أقسم عندما يجدها لن يتركها ترحل أبدًا.
ارتسمت إبتسامة ضعيفة على وجهة وهو يتذكر شجارهما الأخير.
ظل هكذا شاردًا يتذكرها بملامحه المظلمة.
وبعد أن انتهى من حمامه قام بتجهيز جواز سفره وأيضًا حقيبة ملابسه.
وقام بحجز رحلة لروسيا عن طريق الإنترنت والتي ستكون بعد ساعتين.
مرت الأيام وكان جواد يحاول أن يُدرِسَ الأماكن بروسيا بمفرده.
ولكن أثناء دخوله الفندق انتبه عندما لاحظ أن هناك أحدٌ ما يراقبه.
لم ينتبه لملامحه ولكنه تظاهر بأنه لم ينتبه إليه وصعد للطابق الذي توجد به غرفته وسار في ممر الغرف.
وكان يسمع وقع خطوات خلفة وفجأة التفت للخلف وهو يمسك عياره الناري مستعدٌ لإطلاق النار.
عاصم:
- ده أنا.
إهدى يا جواد.
كان عاصم يقف أمامه يرفع يديه.
عقد جواد حاجبيه بغضب:
- إنت بتعمل إيه هنا؟
عاصم:
- بقالك فترة مختفي وعرفت من شركتك إنك لغيت إجتماعاتك كلها عشان مسافر روسيا وجيت وراك.
أعاد جواد عياره الناري إلى سترته واتجه نحو غرفته وفتح الباب وتركه مفتوحًا لعاصم.
عاصم:
- لحد إمتى هتفضل كده؟
تساءل عاصم بشفقة على حال صديقه.
جواد بفحيح:
- لحد ما أجيب حقي منهم كلهم.
عاصم:
- مش هتعرف لوحدك.
أنا لازم أكون معاك عشان أساعدك.
مش هتقدر عليهم لوحدك، ده إنت حتى ماجبتش رجالتك معاك يا جواد!
انت مستني إيه؟ ترجعلي ميت؟
لم يُجبه.
عاصم:
- طب على الأقل رد عليا؟
ماتحسسنيش إني حيطة بالنسبالك.
خلي رجالتك ييجوا هنا عشان يقدروا يحموك.
جواد بهدوء:
- إنت سايب شغلك ليه؟
عاصم:
- لا مش سايب شغلي، أنا فعلا في شغلي.
طالعه جواد باستفهام وأردف عاصم بتوضيح:
- الوزارة باعتيني هنا عشان أحقق ورا المافيا الروسية.
مصلحتنا مشتركة.
جواد بسخرية:
- يعني مش جاي ورايا زي ماقولت.
عاصم بإبتسامة هادئة:
- إنت هدفي التاني يا جواد متنساش إنك واحد منهم، والسنة اللي عدت دي انت نفذت أغلب مخططاتهم الغير قانونية.
إتسعت إبتسامة جواد وهو يسمع تهديد صديقه المباشر له.
جواد:
- متنساش إن أنا مش محتاج أتعاون مع حد عشان أبقى مُجرم، أنا مُجرِم من زمان وانت عارف ده كويس.
ظل الإثنان يتحديان بعضهما بالنظرات ولكن قاطع نظراتهما تلك صوت رنين هاتف جواد.
التقط هاتفه ينظر من المتصل ولكنه كان ذلك الأحمق الذي يُدعى ساجد.
قام بفتح المكالمة.
ساجد:
- أيوه يا زعيم، جبتلك شوية معلومات فلة أوي.
ارتسم الخبث على ملامح جواد وهو يسمع تلك المعلومات المفيدة بالنسبة لمخططه وطالعه عاصم بتعجب ولا يدري مع من يتحدث.
يوم الإجتماع:
صوفيا:
- هل أنتم مِثلي؟ هل ستكونون سعداء عندما يكون عمكم هو رئيس زعماء المافيا الروسية؟ أعتقد لا؛ فأنا من موقعي هذا أخبركم أن ذلك أشدُّ خطورة.
اليوم سأحضر حفلة تضم جميع زعماء المافيا.
خائفة؟ أجل. ولكن ليس منهم.
أنا خائفة لأن قلبي يدُّق بعنف فأنا أخاف التجمعات.
ولكن لا بُد من ذلك فأنا وريثة عمي وأبي.
أغلفت دفتر مذكراتها متنهدة بعمق وبدأت تستعد لتلك الحفلة وحرصت على أن تكون أنيقة حتى القناع الذي سترتديه سيصرخ من الأناقة أيضًا.
في المساء:
كان فيليب يرتدي حُلة سوداء تُظهر أناقته وجاذبيته كرجل ستيني ولكنه يبدو كرجل أربعيني بسبب جسده القوي.
فقط ما يُظهر أنه عجوز هو شعره الأبيض الذي به بعض الخصلات السوداء.
أمسك بقناعه الأسود الذي يخفي وجهه بالكامل وقام بارتداءه واستعد للخروج من الغرفة التي هو بها ليتابع حضور الضيوف والذين جميعهم يرتدون أقنعة ولم يكونوا جميعهم رجالًا فقط بل نساءًا أنيقاتٍ أيضًا من مختلف الجنسيات.
جميع من بالقاعة ملامحهم مبهمة بالنسبة لغيرهم ولكن ملامحهم معروفة بالنسبة لفيليب فهو يعرف هوية جميع من بالقاعة.
كل شخص له علامة مميزة يعرفهم بها.
كان الجميع يتوافد لداخل القاعة ويشربون مشروباتهم التي يطلبونها وكان يتابعهم فيليب بعينيه ويقف خلفه رجاله.
دخل القاعة بحُلته السوداء الرائعة المتناسقة على جسده كليًا وهو يرتدي قِناعًا أسود يُخفِي نِصف وجهه.
اقترب من الجَمعِ عندما أشار لهم رجل ذو شعرٍ أبيض يقف على بداية درج كبير في القاعة يرتدي قناعًا أسود يٌخفي وجهه بالكامل.
الحوار مترجم من الإنجليزية إلى العربية:
الرجل ذو الشعر الأبيض:
- سيداتي وسادتي.
مرحبًا بكم في الإجتماع المنتظر.
في تلك اللحظة تقابلت نظرات فيليب مع جواد الذي عقِد حاجبيه.
طالت النظرات بينهما لعدة لحظات ولكن استأنف فيليب حديثه بالمخططات القادمة الخاصة بالمافيا الروسية والتي تشمل جميع عمليات الإجرام على مستوى العالم من تجارة بالأعضاء والدعارة و الأسلحة والمخدرات وإلخ.
فيليب:
- جميعكم هُنا ضيوفي وأعزاءٌ على قلبي، وكل شخص في هذه القاعة له مكانةٌ قويةٌ في بلده وأنا أثقُ تمامًا بأننا سنحقق مانريد في الفترات القادمة بل سننتشر أكثر وأكثر.
ومهماتكم ستُرسل كما هي ككُل مرة ولا يوجد تغييرٌ في ذلك، وبالطبع تتساءلون لماذا الجميع يرتدي أقنعة، لأنني أريد الحفاظ على هوياتكم، أريد نجاحًا باهرًا للمافيا الروسية والتي ستكون قريبًا عالمية والآن لتبدأ الحفلة.
بدأت الموسيقى وأصبح الجميع يتراقص ويشربون كل ماهو مُحرم.
أما جواد كان يشعر بالإشمئزاز مما يحدث حوله يريد في الوقت الحالي أن يجد زوجته ووالدته.
اقتربت نحو عمها تضمه بابتسامة جميلة.
انتبه جواد لتلك الفتاة التي اقتربت من الرجل الذي كان يتحدث منذ قليل.
كانت ترتدي ثوبًا أبيض مصنوعًا من الستان بدون أكمام وترتدي قناعًا أبيض يخفي نصف وجهها على شكل فراشة.
انتبه عندما نزل للأسفل وهو ممسكًا بيدها.
ظل جواد يراقبه كالصقر وهو يقف جانبًا طوال الحفل ولم ينتبه لماتيوس الذي يرتدي قناعًا ذو لونٍ أزرقٍ ويتحكم في ذاته بصعوبة لمنع نفسه من قتل جواد لكي لا يُكشَف.
كان فيليب يراقص صُوفيا والتي كانت سعيدة وتشعر أنها حُرة فهي دائمًا ترى حريتها في الرقص.
كان الحفل موسيقاه صاخبة.
كل ما يُرى صورة للأشخاص الموجودين به وضحكات منسجمة.
انتبه فيليب عندما أرادت سيدة ما الرقص معه وسمحت له صوفيا بالرقص معها.
التفتت للخلف وكادت أن تذهب لتشرب بعض المياة ولكنها اصطدمت بمن كان يقف خلفها.
كان شابًا ذو بنية عضلية قوية عيناه سوداوتان كالصقر نظراته تحكي حكاية لن تُروى أبدًا يبدو على هيئته القوة والغموض.
كانت نظراته لها قوية على الرغم من لين ملامحه.
صوفيا بالروسية:
- أعتذر لم أكن أقصد الإصطدام بك.
جواد بعدم فهم من لغتها وتحدث الإنجليزية:
- أستميحكِ عُذرًا؟ ماذا تقولين لم أفهم شيء.
ابتسمت الفتاة وتحدثت بمثل لغته:
- أنت إنجليزي؟ رائع.
ولكنه لم يبدِ أي رد فعل لأنه لم يسمعها بسبب صخب الموسيقى ولم يتحدث.
حمحمت الفتاة وحاولت أن تغير نبرة صوتها لدرجة عالية قليلًا لكي يسمعها.
صوفيا:
- أعتذر لم أكن أقصد أن أصطدم بك.
صمت جواد قليلًا وهو ينظر في عمق عينيها.
أما هي فقد تعجبت نظراته تلك ولكنه أردف بصوت رخيم جذاب:
- في الواقع أنا من تعمدت أن أقف خلفك.
ابتلعت صوفيا بتوتر ولكنها لم تستطع أن تتحدث.
تغيرت الموسيقى بالقاعة وأردف جواد بهدوء:
- هل تسمحين لي بتلك الرقصة؟
تريد أن ترفض ولكنها تشعر بدقات قلبها القوية التي تخبرها بأن لا ترفض.
إن قلبها يخبرها أن ترقص معه وتتركه يطلق العنان لها.
هزت رأسها له في توتر، أمسك بيدها يقبلها برقة تحت أعين فيليب الذي يتابع ما يحدث بهدوء مُبالغٌ فيه.
واقترب نحو ساحة الرقص.
وضع يده على خصرها يقربها نحوه ووضع مقدمة رأسه على خاصتها ليسمحا للأعين بالتحدث.
داعب خصلة من شعرها الأسود كانت موجودة قرب وجهها.
كانت تتنفس بسرعة من توترها بسبب حركاته البسيطة تلك والتي تجعل قلبها ينتفض.
يكفي لمساته لها وهما يتراقصان ولكنهما لم يكونا يتراقصان فعليا بل كانا قريبين فقط يتحركان حركاتٍ بسيطة.
أعينهما كانت تتحدث بالكثير من علامات الإستفهام تحت أقنعتهما.
رفع جواد يديه من فوق خصرها ووضعها على كتفها يلتمسهما برقة وهما يتحركان ببطئ وهدوءٍ في القاعة.
أما هي فقد شعرت بأنها قد نسيت كل دروس الرقص التي تعلمتها في الآونة الأخيرة وهي بين يديه القويتين تلك.
ظلا هكذا متناغمين في الرقص بهدوء متناسيان العالم حولهما.
ومع قُربَ إنتهاء رقصتهما، أمسك جواد بيدها بقوة وسحبها خلفه يبتعد بها عن ساحة الرقص حتى أصبحا في شرفة القاعة.
قربها نحوه لدرجة الالتصاق وظلا ينظران لبعضهما بأعينٍ تلمع ولهفة واضحة في أعينهما.
ظلا هكذا ثابتين في مكانهما.
رفع جواد يديه ببطئ نحو قناعها يريد إزالته ولكن قاطعه صوته:
فيليب بإبتسامة:
- إنني محظوظٌ كثيرًا، أرى أنكما قد تقابلتما لقد وفرتما علي عناء لقائكما ببعض.
رواية ثأر الشيطان الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سارة بركات
كان جواد عاقدًا حاجبيه أسفل القناع وهو يطالع فيليب الذي يقترب منهما بهدوء.
ابتعدت صوفيا عنه عندما استوعبت أنها قد ذابت بين أحضانه وشعرت بتوتر وهي تطالعه تارة وتطالع فيليب مرة أخرى.
"كنت أتمنى أن نتقابل منذ زمن سيد جواد."
كان جواد يطالعه بثبات ولم يُجِبه. اقترب فيليب من صوفيا يمسك بيدها متحدثًا:
"أريد أن أُعرِفكَ على إبنة أخي، صوفيا ستكون وريثتي في كل شيء."
تقابلت نظرات جواد مع صوفيا التي تلمع عينيها أسفل قناعها.
"تشرفت بك سيد جواد."
لماذا شعرت أنه تنهد؟ اقترب منه فيليب أكثر حتى أنه أصبح يقف أمامه مباشرة ومد يده لكي يصافحه وأردف بابتسامة:
"أعتذر لم أقُم بتقديم نفسي لك منذ البداية، أنا أُدعى فِيليب."
كان جواد صامتًا لم يُبدِ أي ردة فعل، ولكنه بعد ثوانٍ قليلة صافح فيليب الذي اتسعت ابتسامته.
"أتمنى أن يجمع بيننا الكثير من العمل في الفترة القادمة سيد جواد لأنني وبصراحة لدي فضول في أن أتعرف على الشيطان الذي خالف أوامري."
لم تفهم صوفيا علامَ يتحدث فيليب، ولكن يبدو أنه يحاول أن يُثير استفزاز جواد لأن عضلات فكه قد برزت.
"ولكنني قد سامحتك بعدما أعطيتك دَرسًا بسيطًا لكي لا تعصِني مرة أخرى، أو كما تقولون بالمصرية.. "قرصة ودن"."
تعجبت صوفيا من تحدث فيليب للغة أخرى بطلاقة ويبدو أن اللغة عربية. أما جواد فضغط على يد فيليب بقوة وأردف بتهديدٍ مُبهم بالمصرية:
"عمر ماحد فكر يقف قدامي إلا وخسر كل حاجة."
كان فيليب ثابتًا على الرغم من ضغط جواد على يده بقوة، ولكن بعد ثوانٍ بسيطة من نظرات التحدي بينهما ترك جواد يد فيليب وأردف بابتسامة مريبة وهو يتحدث الإنجليزية:
"تشرفت بلقائك سيد فيليب، وسأنتظر أن توافيني بالأعمال التي ستجمعنا."
ثم التفت لصوفيا التي تنظر بأعين تلمع كأنها منبهرة به.
"تشرفت بلقائك آنسة صوفيا."
ثم تركهم وغادر الشُرفة. أما فيليب فقد تنهد بعمق بعدما خرج جواد وأردف:
"غريب!"
"بأي لغة كنتما تتحدثان؟"
تحدث فيليب بابتسامة جميلة:
"كنا نتحدث المصرية."
ابتسمت صوفيا لأنها تعلم أن زوجة عمها الراحلة كانت مصرية، وكم عمها يحب المصريين بشكل عجيب! وليس ذلك أيضًا، فهو كل فترة يذهب إلى مصر يختفي هُناك يزور أهراماتها ويغرق في ثقافتها. استفاقت عندما أمسك بيدها.
"هل أنتِ بخير؟"
"بالتأكيد أنا بخير، هل هناك شيءٌ ما بي؟"
"لأ، أنا فقط أطمئِنُ عليكِ، هيا لنكمل إستمتاعِنا بالحفل."
"حسنًا، ولكنني سأذهب لدورة المياة أولًا لضبط بعض الأشياء في مظهري."
"حسنًا عزيزتي أنا في انتظارك."
ابتسمت له وذهبت في اتجاه دورة المياة. أما بالنسبة لفيليب فقد عاد للحفل واقترب منه ماتيوس الذي يرتدي قناعًا أزرق.
"عجبًا لك يا فيليب، إن الحفل رائع، ثم إن فكرة الأقنعة تلك جديدة! وفي ذات الوقت غامضة، وفي ذات الوقت الحراسة التي بالخارج التي تجمع من الحاضرين أسلحتهم وهواتفهم قبل الدخول خطوة ليست موجودة على البال، لقد أمّنتَ كل شئ لكي لا يحدث غدرٍ من أحدهم."
أردف فيليب بهدوء وهو يطالع ماتيوس:
"ذلك قليل مقارنة لما في داخل عقلي، ثم إنني أثق في أعواني جيدًا وأعلم الخونة أيضًا، فأنا في كل الأحوال حريصٌ في كل شيء."
"رائع."
أكمل فيليب حديثه مع ماتيوس واجتمع مع بعض الرجال يتحدثون في أمورهم في الحفل. أما بالنسبة لصوفيا فقد كانت بالحمام تقف أمام المرآة بدون قناعها تقوم بضبط أحمر شفاهها وأيضًا تقوم بضبط شكل شعرها الأسود الذي صبغته حديثًا. ابتسمت لذاتها في المرآة وارتدت قناعها وقامت بفتح الباب الخاص بدورة المياة، ولكنها تفاجأت بمن يقف أمامها.
عادت إلى الخلف بهدوء. أما هو فقد دخل دورة المياة وأغلق الباب خلفه.
"عُذرًا سيد جواد، يبدو أنك مُخطئ في دورة المياة."
أردف جواد بهدوء:
"لا، أنا لستُ مخطئًا أبدًا، فأنا هنا لأجلكِ."
ظل يتقدم بخطواته بهدوء وهي تبتعد بذات الهدوء حتى أصبح الحائط خلفها.
أردف جواد بهمس:
"هل تقابلنا مِن قبل؟"
صوفيا بهمس من وقفتهما تلك في دورة مياة السيدات:
"لا أعتقد ذلك."
ظلا صامتين تمامًا وهما يطالعان بعضهما. رفع جواد يده نحو شعرها يلتمس خصلتها السوداء المتمردة بالقرب من وجنتها يلعب بها قليلًا.
شعرت صوفيا بالضعف وأردفت بصوت شبه مسموع:
"سيد جواد عُذرًا منك أريد الذهاب."
أردف بصوت مهزوز:
"من الممكن أن أكون قد نسيت ملامحك، نسيت ملمس خصلة شعرك، نسيت رائحتك، ولكنني أبدًا لا يُمكنني أن أنسى نظرات عينيكِ التي تطارد أحلامي."
لم ينتظرها أن تتحدث ورفع يده نحو قناعها وقام بانتزاعه بهدوء. لمعت عيناه كأنه كان سيبكي وتحولت ملامحه من الغضب إلى الاشتياق وقام بنزع قناعه هو الآخر. نبض قلب صوفيا عندما رأت وجهه يبدو أنه مألوفًا كثيرًا بالنسبة إليها، ولكنها لا تتذكر أين قابلته. ذاكرتها مشوشة كالعادة. استفاقت من شرودها به على صوته المهزوز:
"عملوا فيكِ إيه يا شمس؟"
طالعته بعدم فهم وأردفت بتوتر من قربه:
"أنا أعتذر لم أفهم ماتقول سيد جواد، ثم إن عمي ينتظرني يجب أن أذهب."
حاولت أن تدفعه بعيدًا عنها ولكنه كان ثابتًا يطالعها بنظرات غريبة بالنسبة إليها، نظرات جعلتها تشعر بالقشعريرة.
جواد بهمس:
"وحشتيني."
ولكنها لم تفهم شيء. وما أنقذها هو قدوم بعض الفتيات لدورة المياة. أخذت القناع من يده وارتدته وابتعدت عنه تخرج من دورة المياة. أما هو فقد لمعت عيناه بالدموع. كانت ملامحه تدل على إرهاق عاشق مخذول يوجد في بلاد غريبة لا يعلم عنه أحد حتى حبيبته التي أتى لأجلها لم تتعرف عليه.
ارتدى قناعه وخرج من دورة المياة يسير خلفها في الممر الي القاعة بملامح غاضبة يقسم أنه سيحرقهم جميعًا سيفعل بهم الأسوأ على الإطلاق. نيران قلبه تزداد ولا تقل أبدًا. كان يعتقد أنه عندما يتقابل مع شمسه أي زوجته ستركض نحوه تختبئ في أحضانه بدلًا من الهرب منه إلى أحضانِ رجل غريب.
كانت تهرول في مشيتها لتهرب منه ومن المشاعر القوية التي اجتاحتها. وعندما خرجت من الممر ذهبت نحو فيليب تمسك بيده وتبتسم للضيوف أو بمعنى أدق للمجرمين الموجودين بالقاعة.
عادت الموسيقى تنتشر بالقاعة مرة أخرى. وتلك المرة صرخت شمس بصخبٍ عندما رأت أن عمها أتى بالمغني المفضل لها.
قامت بضمه وأردفت:
"أنت الأفضل على الإطلاق."
ثم هرولت نحو مغنيها تشير له وهو يشير لها في المقابل. وكل ذلك تحت أعين جواد الذي لا يتخيل أحد مدى غضبه. تقابلت عين فيليب مع جواد الغاضب الذي وقف جانبًا يطالع صوفيا. عقد فيليب حاجبيه وطالع صوفيا المستمتعة بالأغنية التي يغنيها مغنيها المفضل.
اعتدل جواد في وقفته عندما اقترب أحد الرجال من شمس يطلب منها الرقص. وللعجب أنها وافقت. اقترب جواد نحوهم وأشار للرجل أن يعطيها إياه. وبالفعل قام الرجل بلفها بيده والتقط شريكة أخرى يراقصها واستقرت شمس بين أحضان جواد تطالع تلك الأعين الغاضبة على مقطع الأغنية:
"I don't deserver this, you look perfect tonight"
أكملا رقصتهما ببطء وبعد ثوانٍ انتهت الأغنية وقام المغني بغناء أغنية أخرى. كانت تتساءل عن سبب الغضب الذي تراه في عينيه، ولكن مع وقع الموسيقى والأغنية تاهت في عينيه مرة أخرى وتركته يتحكم بخطواتهما في الرقص إذ أن رقصتهما كانت هادئة ليست مثل الجميع.
كان الإثنين يشعران بكلمات تلك الأغنية التي تذبذب المشاعر وعلى أساسها تحرك جسدهما.
الحب يمكن أن يؤذي، الحب يمكن أن يؤذي في بعض الأحيان
Loving can hurt, loving can hurt sometimes
ولكن هذا هو الشيء الوحيد الذي أعرفه
But it's the only thing that I know
عندما يصبح الأمر صعبًا، فأنت تعلم أنه قد يصبح صعبًا في بعض الأحيان
When it gets hard, you know it can get hard sometimes
إنه الشيء الوحيد الذي يجعلنا نشعر بأننا أحياء
It is the only thing makes us feel alive
نحتفظ بهذا الحب في صورة
We keep this love in a photograph
لقد صنعنا هذه الذكريات لأنفسنا
We made these memories for ourselves
حيث لا تغلق أعيننا أبدًا
Where our eyes are never closing
القلوب لا تنكسر أبدا
Hearts are never broken
والوقت متجمد إلى الأبد
And time's forever frozen still
حتى تتمكن من الاحتفاظ بي
So you can keep me
داخل جيب الجينز الممزق الخاص بك
Inside the pocket of your ripped jeans
أبقيني أقرب حتى تلتقي أعيننا
Holding me closer 'til our eyes meet
لن تكون وحيدا أبدا
You won't ever be alone
وإذا جرحتني
And if you hurt me
لا بأس يا عزيزتي، الكلمات فقط هي التي تنزف
That's okay, baby, only words bleed
داخل هذه الصفحات، أنت فقط تمسك بي
Inside these pages, you just hold me
وأنا لن أتركك تذهب أبدا
And I won't ever let you go
انتظرني حتى أعود إلى المنزل
Wait for me to come home
أوه، يمكنك أن تناسبني
Oh, you can fit me
داخل القلادة التي حصلتِ عليها عندما كنت في السادسة عشرة من عمرك
Inside the necklace you got when you were sixteen
بجوار نبض قلبك حيث ينبغي أن أكون
Next to your heartbeat where I should be
احتفظ بها في أعماق روحك
Keep it deep within your soul
وإذا جرحتني
And if you hurt me
لا بأس يا عزيزتي، الكلمات فقط هي التي تنزف
Well, that's okay, baby, only words bleed
داخل هذه الصفحات، أنت فقط تمسك بي
Inside these pages, you just hold me
وأنا لن أتركك تذهب أبدا
And I won't ever let you go
عندما أكون بعيدًا، سأتذكر كيف قبلتني
When I'm away, I will remember how you kissed me
تحت عمود الإنارة في الشارع السادس
Under the lamppost back on Sixth street
أسمعك تهمس عبر الهاتف
Hearing you whisper through the phone
"انتظرني حتى أعود للمنزل"
"Wait for me to come home"
ابتسم فيليب لا يدري ماخطب ذلك الثنائي الغامض، لكن مايراه الآن هو مشاعر قديمة قد ذكرته بزوجته. لقد كان مثل جواد هكذا عندما كان في مثل عمره أو أصغر قليلًا. اختفت ابتسامته لأن سعادته مع حبيبته لم تدوم. كانا يتحركان برومانسية مع الأغنية متناسيان العالم حولهما يضع يده على خصرها ويده الأخرى تمسك بيدها.
أردفت بصوت مهزوز:
"من أنت؟"
كان ينظر لها بأعين تلمع في المقابل:
"أنا الشيطان جواد.. عاشق ولهان وقع في حب طفلة بريئةٍ من أول نظرة!"
قرب مقدمة رأسه منها واستأنف:
"أقسمتُ على حمايتها من أي أحد، وها أنا أُجدِدُ قسمي لكِ بأنني سأحميكِ من أي أحد."
صفق الجميع بحرارة بعدما انتهى المغني من الأغنية وأشار لهم بأنه سيرحل. ابتعد جواد عنها مسافة قليلة.
وفي مكانٍ ما بالقاعة كان ماتيوس يتحدث مع أحد الحاضرين بالقاعة وذلك الشخص كان يرتدي قناعًا بٌني اللون:
"أأنت متأكد أنه يقوم بإغوائها في نية منه للتقرب من فيليب؟"
"لا تقلق سيد ماتيوس، ما أخبرت جواد أمس به بالضبط هو أن فيليب لديه إبنة أخ يمكنه أن يتقرب منه من خلالها ويحقق إنتقامه منه لأن فيليب هو من بالصورة وليس أنت سيدي."
"رائع ساجد، ذكرني بأن أعطيك مكافأة."
"يكفي أن تكون راضيًا عني سيد ماتيوس وأن تحقق انتقامك من سيد فيليب."
وصلت شمس السيارة بعدما فتح جواد باب السيارة الخاص بها لها. يريد أن يضمها بين ذراعيه ويكسر عظامها من شوقه لها ويهرب بها للفندق الآن ويجعلها زوجته شرعًا وليس قانونًا فقط، ولكن ما يمنعه من كل ذلك أنها لا تتذكر من هو! ماذا حدث لها جعلها تنساه هكذا وتنسى كل شيءٍ عنهما؟
"شكرًا على تلك الرقصة سيد جواد."
"لا تعتادي على ذلك."
عقدت حاجبيها وهي تطالعه بعدم فهم من جُملته تلك.
"تفضل معنا سيد جواد."
ذلك ماتحدث به فيليب بسخرية عندما وجد جواد يقف عند باب السيارة الخاص بصوفيا. التفت يطالعه.
"أقصد أن السيارة ستتحرك، كيف ستتحرك وأنت مستندٌ عليها؟"
ابتعد جواد عن السيارة بهدوء شديد متحدثا بتبجح:
"أين تمكث؟"
أردف فيليب باستفسار:
"في ماذا ستفيدك إجابتي؟"
همهم جواد متحدثًا بمماطلة:
"بصراحة لا يوجد معي الكثير من المال وأنا أبحث عن مكان أمكث به فكنت أتساءل لو يمكنني أن أمكث بمنزلك سيد فيليب وبما أنه ستجمعنا الكثير من الأعمال في الفترة القادمة أظن أن تلك فرصة مناسبة سنكون أمام بعضنا تمامًا لن تحتج أن تحدد معي موعد للقاءنا ثم إنك يمكنك توفير فاتورة هاتفك بسبب غلاء الرسائل النصية أسمع أن تكلفتها عاليةٌ هنا."
قهقه فيليب وهو يطالعه، ولكن ملامح جواد كانت حادة وجادة، كأنه يتحداه ويجبره أنه سيمكث عنده رغمًا عنه.
أردف فيليب بالمصرية:
"وانت فاكر بقا إني هصدقك؟"
أردف جواد بهدوء:
"لا مش هتصدقني ده حقك طبعا.. بس أنا عندي أسئلة كتير عايز أعرف إجابتها منك قبل ما أقتلك."
اختفت ابتسامة فيليب وحاول التحكم بغضبه وضغط بيده على عياره الناري الذي أخفاه في سترته. وجواد أيضًا فعل ذات الشئ في استعدادٍ منه للقتال.
لم تفهم شمس علامَ يتحدثان أو ماذا يقصدان، ولكنها لاحظت الجو المشحون بينهما.
"أنا مش بتهدد، إنت عارف إنت بتكلم مين؟ أنا كان ممكن دلوقتي أقتلك من غير أي تفكير."
ذلك ما أردف به فيليب بغضب.
أخرج جواد عياريه الناريين يصوبهما نحو فيليب الذي دُهش مما حدث، وأيضا رجاله الذين أخرجوا أسلحتهم أيضًا يصوبونها على جواد.
فزعت شمس عندما رأت مايحدث وكادت أن تخرج من السيارة.
تحدث فيليب بقوة:
"إبقي بالسيارة صوفيا."
وأشار للسائق السيارة بالتحرك. أغلق السائق السيارة تمامًا وتحرك بها بعيدًا يوصلها للمنزل تحت صرخاتها وأمرها له بالعودة ولكنه لا يستمع إليها فقد ينفذ أوامر فيليب.
كانا يقفان أمام بعضهما يصوبان أسلحتهما على بعضهما. فيليب ورجاله يصوبون أسلحتهم على جواد الذي يصوب سلاحيه على فيليب.
أردف فيليب:
"أعجبتني شجاعتك يا فتى."
"لا يهمني إطراءُك الآن.. أنا أريد معرفة لماذا قمت باختطاف زوجتي مني؟"
أردف فيليب بعدم فهم:
"زوجتك؟ من؟"
جواد بغضب:
"صوفيا تكون زوجتي."
رفع فيليب حاجبيه بدهشة وأردف بهدوء:
"إن صوفيا تكون إبنة أخي وليست زوجة أحد."
جواد بغضب وهو يقوم بتجهيز إطلاقه للنار وكذلك فعل رجال فيليب.
"أنت تكذب، لقد أخذت زوجتي مني وليس كذلك فقط بل أخذت أمي أيضًا."
أشار فيليب لرجاله بيده أن ينزلوا أسلحتهم وأردف بهدوء:
"يبدو أن هناك سوء تفاهم. أنا لم أفعل أيًا من ذلك.. ثم إن تلك ليست من شيمي أنا لا أختطف النساء."
جواد باستهزاء بالمصرية:
"قالوا للحرامي إحلف."
تحدث فيليب بتأكيد وصدق بنفس اللغة:
"أنا معملتش حاجة من دي، ولو محتاج أشرحلك على الرغم من اللي عملته ده وتستحق القتل عليه فأنا ممكن أشرحلك.." أكمل بغضب: "نزل سلاحك."
ظلا يطالعان بعضهما لعدة ثوانٍ، وفي النهاية أنزل جواد عياريه الناريين.
أردف فيليب بهدوء:
"ستبقى معي بالقصر لكي أعلم قصتك مع صوفيا وأيضًا بشأن العمل بيننا."
جواد بتأكيد:
"حسنًا، ولكن هذا لا ينفي أنك مُجرم وسأقتلك يومًا ما."
وصلت القصر وعندما خرجت من السيارة صعدت لغرفتها تحاول أن تقوم بمهاتفة عمها بتوتر وقلقٍ لكي تطمئِن عليه، فيبدو أن جواد ذلك ما هو إلا شخصٍ مؤذٍ ووقح ومتبجح أيضًا. ماذا ستنتظر من شخصٍ يعمل بالمافيا؟ مُجرِم! أكيد أنه كان يحاول التقرب منها في الحفل لكي يستفز عمها لأن بالطبع عمها لديه الكثير من الأعداء. ظلت تهاتفه حتى أجاب على الهاتف.
"عزيزتي."
"عمي هل أنت بخير؟"
"نعم عزيزتي لا تقلقي سأعود بعد قليل."
"أنا في إنتظارك."
كان عاصم يحاول الوصول لجواد عبر الهاتف ولكنه لا يُجيب يريد أن يطمئِن عليه. كان يريد أن يذهب معه للحفل ولكنه كان قلقًا من أن يتم كشف أمره. انتبه لوصول رسالة على هاتفه.
"أنا لقيت شمس.. هرجع بيها لما آخد حقي."
من المفترض أن تطمئِنه الرسالة ولكنها أقلقته أكثر. كان يعتمد على جواد في المحاولة الوصول للمافيا الروسية وترك الباقي للقوات المصرية ولكن جواد أخفَي كل شيءٍ عنه لأنه يعتبر الأمر صراعٌ شخصي وجواد لن يصمت ولن يتوقف. سيحرقهم جميعًا.
قام عاصم بإرسال رسالة نصية إلى أحد جهة الإتصال.
"جواد إختار الطرف اللي هيبقى معاه ومع الأسف إختار الطرف الغلط."
وبعد عدة دقائق آتاه الرد:
"هيتم إرسال بعض القوات لمساعدتك في القبض على جواد وأعوانه من المافيا الروسية."
تنهد عاصم بحزن لأنه مع الأسف مُجبر على تنفيذ أوامر الجهات العُليا.
رواية ثأر الشيطان الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سارة بركات
خرج جواد من سيارته بعدما أوقفها خلف سيارة فيليب. هذه المرة كان بدون قناع. نزل فيليب من سيارته هو الآخر بدون قناعه. وقف جواد أمامه ينظر إلى وجهه بهدوء.
"تاخد صورة؟ مش بتقولوا كده بالمصري؟"
أردف جواد بابتسامة: "لا مش حابب أحتفظ بصورة لأشكالك."
كظم فيليب غيظه من ذاك المستفز وأردف بالإنجليزية بضيق مكتوم: "تفضل ادخل القصر."
أردف جواد بالإنجليزية: "من بعدك سيدي، فأنا لا أثق بك فمن الممكن أن تطعنني في ظهري! فتلك هي شيمكم."
ظل يطالعه لعدة ثوانٍ ثم دخل القصر وتبعه جواد الذي كان ينظر حوله يتأمل القصر الضخم الذي دخله للتو. تقابلت عيناه مع عينيها وهي تقف على مقدمة سلالم القصر. كانت تنزل على الدرج بهرولة ولهفة. ابتسم جواد منتظرًا أن تأتي لكي يضمها، ففتح ذراعيه. ولكن ابتسامته قد اختفت عندما دخلت بين ذراعي فيليب.
"لقد خفتُ كثيرًا عليك."
ربت فيليب على ظهرها بحنان أبوي: "لا تقلقي فأنا بخير، لن يستطيع أحدٌ فعل أي شيء بي."
تفاجأت صوفيا عندما أمسكها جواد من ذراعها يُبعدها عن فيليب.
أردف جواد بضيق: "هذا يكفي."
سحبت ذراعها بقوة من يده وأردفت بغضب: "كيف تفعل ذلك لعمي فيليب؟ من تظن نفسك يا هذا؟"
تحدث فيليب بهدوء: "صوفيا حبيبتي، توقفي."
"هي ليست حبيبتك."
ذلك ما تحدث به جواد بغضب وهو ينظر إلى فيليب. تعجبت صوفيا من حديث جواد ثم أردفت بغضب: "كيف تتحدث هكذا إليه يا هذا؟"
لم يُجِبها وكادت أن تتحدث مرة أخرى ولكن قاطعها فيليب بهدوء: "صوفيا، عودي إلى غرفتكِ. لدي عمل مع السيد جواد نريد أن نُنهيه."
صوفيا بذهول من رد فعل فيليب: "ببساطة هكذا؟ ذلك الشخص منذ عدة دقائق كان يرفع سلاحه في وجهك والآن تخبرني أن لديك عمل معه؟"
فيليب: "سأقوم بتوضيح الأمور لكِ فيما بعد، اذهبي إلى غرفتكِ الآن."
طالعت جواد بتحدٍ. أما هو فقد عقد حاجبيه وهو يطالعها في المقابل. صعدت لغرفتها دون إضافة كلمة واحدة. وبعد أن صعدت، أشار فيليب لجواد أن يتبعه لغرفة ما. وبعد عدة دقائق، كان جواد يجلس أمام فيليب في غرفة مكتبه.
فيليب بهدوء: "أخبرني ما عندك بخصوص صوفيا."
"أنا من لديه حق السؤال هنا، كيف قابلت شمس؟"
"وكيف أضمن أنها هي زوجتك؟"
أخرج جواد هاتفه وقام بتشغيل مقطع فيديو يخص عقد قرانهما.
تنهد فيليب وصمت لعدة ثوانٍ ثم تحدث: "كنتُ في زيارةٍ لشخصٍ عزيز عليّ. وبعد أن انتهيت وفي طريقي للعودة للقصر، خرجت فتاة في الطريق صدفةً مما جعل سائقي يصدمها. جئت بها هنا إلى القصر مع فريق طبي، والذين اكتشفوا أن تلك الفتاة تعرضت لتعذيب قوي، لأن جسدها كله كان مليئًا بالكدمات، وأيضًا كان هناك آثار لسوطٍ على ظهرها بالكامل."
تنهد فيليب بصعوبة متذكرًا تلك الآثار جيدًا. أما بالنسبة لجواد، فقد كانت حالته غريبة. يريد أن يقتل من فعل بها ذلك. شيطانه يسيطر عليه الآن، يريد أن يقتل فقط. حاول التحكم بغضبه وأردف: "وكيف أصدق أنك أنت لم تفعل بها ذلك؟ فبالنهاية أنت من تركت لي تلك الرسالة ككل مرة."
فيليب بعدم فهم: "عذرًا، ماذا تقصد؟"
أردف جواد وهو يصر على أسنانه بغضب ويطالعه بغضب جحيمي: "ما أقصده سيد فيليب، أنك الوحيد الذي يتحدث باسم المافيا الروسية لأنك الزعيم! ويوم اختطاف زوجتي تركت لي رسالة، وأيضًا تركت لي رسالة عندما قمتَ بخطف والدتي. وما هي علاقتك بوالدتي لأن ما تركته لي يُظهر أن هناك معرفة قوية بينكما."
أردف فيليب بصدق مع عدم تركيزه على الجزء الذي يخص والدة جواد: "صدقني، إن الرسالة الوحيدة التي تركتها لك باسم المافيا الروسية هي عندما أرسلنا قواتٍ لتهديدك بحبيبتك للتوضيح لك بأننا قريبين منك. ذلك ما كان بأوامري، وذلك عندما عصيتَ أمري وأخفقت في مهمةٍ أوكلتُها لك."
أردف جواد بسخرية: "هل تعلم من هي حبيبتي التي كان سيقتلها رجالك؟ كانت صوفيا غاليتك. ثم إنني ما زلت لا أصدقك. متى قابلت زوجتي؟"
فيليب: "في الخامس عشر من كانون الثاني."
جواد بضيق: "قل الشهر الميلادي، فأنا لا أفهم عن أي شهر تتحدث."
فيليب بتوضيح: "الخامس عشر من يناير."
"أتعلم لماذا لا أصدقك؟"
فيليب عاقدًا حاجبيه بضيق: "لماذا؟"
أردف جواد بسخرية بالمصرية: "عشان عجوز زيك هيكون بيخرف وعنده زهايمر وقليل لما يفتكر حدث عبيط بالنسباله زي ده."
صمت فيليب قليلًا ثم أردف: "إنك مُحق، ولكن ذلك التاريخ مميز بالنسبة إلي، فهو ذكرى وفاة زوجتي وكنت عائدًا وقتها من المقابر."
أردف جواد بلامبالاة: "مش مصدقك برضه."
"وأنا مش مجبر أخليك تصدقني. أنا بحكي لك عن اللي حصل."
أردف جواد بغضب: "فين الدليل؟ عايز الدليل اللي يثبت إنك ما عملتش حاجة لمراتي."
فيليب: "حسنًا، لك ذلك."
تحرك فيليب من كرسيه وقام بالبحث في عدة ملفات على حاسوبه المحمول، وكان جواد يتابعه بعينيه. وبعدها قام بتشغيل شاشة ضخمة في الغرفة وقام بتشغيل فيديو.
كان يُظهر سير سيارة فيليب في طريقٍ بين الغابات حتى خرجت شمس أمامه فجأة. حاول السائق أن يوقف السيارة وأوقفها، ولكن كان قد اصطدم بها. قبل الاصطدام، كان مظهرها واضحًا حيث أنها كانت ترتدي ثوبًا للنوم، ولكنها كانت مليئة بالدماء وجسدها به كدمات كثيرة. نزل السائق وفيليب من السيارة، وتوقفت سيارات الحرس خلفهم. واقترب فيليب من شمس يتفقد حالتها، وبعدها قاموا يحملها لداخل السيارة وتحركت السيارة بسرعة كبيرة. ثم توقف الفيديو.
استأنف فيليب: "تلك المقاطع جمعناها من مراقبة الطرق. كنت أبحث أيضًا عن من فعل بها ذلك، لكنني لم أستطع أن أصل لشيء. ولكن بعد حديثك الآن، تيقنت أن من فعل ذلك هو شخصٌ بداخل المافيا قد سولّت له نفسه أن يقوم بإرسال الرسالة باسم المافيا الروسية."
كان ينظر للشاشة بشرود. لا يستطيع نسيان مظهرها في الفيديو. كانت تائهة، تبحث عن ملجأ يأويها. يبدو أنها كانت تبحث عنه. يؤلمه قلبه كثيرًا عليها. كيف؟ من الذي سولّت له نفسه بفعل ذلك في زوجته؟ يقسم أنه سيفعل به ماهو أشد من القتل. كان فيليب يتابع ملامح جواد الغاضبة بسبب ما رأى. ظلا صامتين قليلًا حتى تحدث جواد بشرود: "ليه شمس بقت صوفيا؟ ليه اديتلها هوية مش هويتها؟"
فيليب بهدوء: "عندما استيقظت صوفيا كانت صامتة. أتيت لها بالكثير من الأطباء النفسيين والمعالجين. كنت أعتقد أنها فقدت النطق منذ البداية، ولكن ما اكتشفناه أنها قد نسيت كل شيء، حتى لغتها الأصلية، كأنها طفل وُلد مرة أخرى ويحتاج من يقوم بتعليمه التحدث. لا نعلم هل حدث ذلك فعلًا بسبب شيءٍ ما فعل بها ذلك أم حالة نفسية؟ في ذلك الوقت كان أخي هنا وحاول معها أن تتحدث وساعدها في ذلك. وتكون شخصًا آخر جديدًا معنا يُدعى صوفيا، التي تعتقد أن والدها يكون أندريه وأنا عمها. وبالطبع من وقتها نفعل أي شيء لأجل سعادتها. إنها ابنة أخي الذي أصر على حمايتها وإبقائها هنا بدلًا من إلقائها في بيت للرعاية أو مشفى تحت بند فتاة مجهولة الهوية تم العثور عليها؟ هل كنا مخطئين؟"
هز جواد رأسه بنفي وظل صامتًا يفكر في تحركاته القادمة.
"أشعر بما تريد التحدث به، لذا لا داعي لأن تشكرني."
ذلك ما تحدث به فيليب بثقة.
أردف جواد ببرود: "وهشكرك ليه؟ أنتم السبب في اللي أنا فيه من البداية، أنتم السبب في اللي حصل لمراتي من البداية."
تعجب فيليب من حديثه، ولكن جواد استقام من مقعده بغضب: "لولا ال**** و ال ***** اللي تبعكم خلوها مدمنة مخدرات مكنش كل ده حصل. أنتم السبب في كل اللي حصلنا، وأنا أقسمت من وقتها إني هفضل وراكم لحد ما أوصلكم، ووقتها كلكم هتقعوا في إيدي واحد واحد. هتدوقوا من نفس الكاس اللي هي داقته، وأول واحد حصل فيه كده اللي هو عمل فيها كده، والتانية سبقتوني وقتلتوها، والتالت قتلته برده قبل ما أوصله. كل فرد في العصابة دي بلا استثناء هيشرب من نفس الكاس، وأنت كان عليك الدور بس مع الأسف اللي شفعلك وجودها معاك وإنك ساعدتها وفضلت جنبها إنت وأخوك. ألا بالمناسبة، هو فين؟"
فيليب بتحذير وهو يحاول أن يقوم بتجميع بعض الكلمات المصرية ليتحدث بها: "إنت عارف إني سايبك تتكلم كده عادي في حين إني ممكن أقتلك حالا؟"
"أنا مش محتاج منك تهديد، أنا عارف أنا بعمل إيه كويس. أنا جاي آخد حقي منكم كلكم."
ظل الاثنان يطالعان بعضهما بتحدٍ، ولكن جواد تحدث بضيق: "أنا محتاج أنام، فين أوضتها؟"
"ليه؟"
"دي مراتي!"
تحدث فيليب بهدوء: "تحتاج صوفيا وقتًا على معرفتها للحقيقة، إنها تحتاج تمهيدًا لما يحدث لأجل صحتها النفسية. مع مرور الأيام وتعارفكما سويًا يمكنك أن تصارحها بالحقيقة لكي تتقبلها، لأن حالتها النفسية سيئة جدًا، لا أستطيع أن أجعلها تعيش نفس الحالة التي كانت عليها منذ أن قابلناها أول مرة."
هز جواد رأسه.
"لقد أمرتُ بتجهيز غرفة لك، ويوجد بداخل خزانتها بعض الثياب لتقوم بتبديل ملابسك. ستصطحبك إحدى الخادمات إلى تلك الغرفة، وفي الصباح الباكر سنكمل حديثنا بشأن ما سيحدث مستقبلًا."
أتت الخادمة تنتظره، وكاد أن يخرج جواد من الغرفة.
"وبالمناسبة، إن أخي أندريه في لوس أنجلوس حاليًا يقود مجموعة من المافيا هناك. سيأتي خلال الأيام القادمة لأنه كما قال لقد اشتاق إلى ابنته العزيزة وكثيرًا."
حاول جواد التحكم في غضبه بسبب فيليب الذي يحاول استفزازه بحديثه، ولكنه لم يقم بإجابته وذهب للغرفة التي سيبقى بها. ولكن كيف سيأتيه النوم وهو يعلم أن يفصله وبين زوجته وحبيبته عدة جدران بسيطة؟ ظل هكذا مستيقظًا طوال الليل يفكر بحديثهما غدًا وكيف سيتحدثان. بالتأكيد لقد تحدثا في الحفل، ولكن الآن الأمر مختلف، سيبقى معها بنفس المنزل. كيف سيعاملها كأنها شخص عادي وهي زوجته التي من المفترض أن تبقى في أحضانه كل ليلة؟
***
في صباح اليوم التالي:
خرجت صوفيا من الحمام بعدما انتهت من الاستحمام، تفكر بذلك الشخص الغريب الوقح الذي يدعى جواد، الذي سولت له نفسه أن يرفع السلاح في وجه عمها. ثم لماذا تركه عمها حيًا حتى الآن؟ ماذا حدث؟ قامت بارتداء ملابسها وخرجت من الغرفة لكي تتناول الفطور. وعندما دخلت قاعة الطعام، تفاجأت بوجود جواد يجلس بجانب فيليب يتناقشان في شيء هام على الحاسوب المحمول. انتبه فيليب لوجودها وابتسم مغلقًا الحاسوب.
"صباح الخير صوفيا، هيا اقتربي عزيزتي، رحبي بضيفنا السيد جواد."
اقتربت نحوهما بهدوء وجلست على كرسي عند المائدة تحت أعين جواد التي لم تبتعد عنها لحظة واحدة. يتمنى لو يقترب منها الآن يضمها بين ذراعيه، ولكنه سيصمد قليلًا. إن حبيبته الآن معه ويجب أن يصمد لحمايتها، وأيضًا لكي يصل إلى والدته التي لا يعرف طريقها حتى الآن.
"كيف له أن يكون ضيفنا وقد رفع سلاحه في وجهك أمس؟"
ابتسم فيليب وأردف بتوضيح: "حدث سوء تفاهم عزيزتي، ثم إنني والسيد جواد أصبحت تجمعنا الكثير من الأعمال المشتركة. صحيح سيد جواد؟"
أجاب جواد بفتور وهو يطالعها: "أجل بالطبع."
ظلت صامتة قليلًا تحاول فهم ذلك التغير المدهش بينهما. فبعدما كانا يرفعان أسلحتهما في وجه بعضهما بالأمس، إنهما الآن يجلسان بجوار بعضهما يتناقشان في الأعمال. ابتسمت بهدوء ثم أردفت: "أهلاً بك سيد جواد، أتمنى أن تعجبك الإقامة في قصرنا."
أردف جواد بهدوء بالمصرية وهو ينظر في عمق عينيها: "طالما إنتِ موجودة هنا ومعايا أكيد هتعجبني."
طالعته باستفسار من حديثه لأنها لا تفهم في لغته شيئًا.
وضعت الخادمات الطعام على المائدة وبدأوا بتناول الطعام، ولكن صوفيا كانت تشعر بالتوتر بسبب مراقبة جواد المستمرة لها. لم يزح نظراته من عليها تمامًا. لماذا تشعر أنه يريد أن يأكلها بدلًا من الطعام الذي أمامه، أو أنها شيئًا يخصه هو فقط؟ وعند هذا التفكير، احمر وجهها خجلًا. سيئة صوفيا، أنتِ سيئةٌ كثيرًا. ثم أنتِ لا تنكرين أنه وسيم جدًا، ولكن تذكري أنه شخص متبجح فقط ليس إلا.
ابتسمت لحديثها مع نفسها وابتسم جواد دون أن يشعر لابتسامتها تلك. يعلم أنها تحدث نفسها. تُرى هل تفكر به؟
بعد مرور عدة دقائق، كانوا يقومون بشرب القهوة في المكتب وكانت صوفيا جالسة معهم، والتي أردفت بتنهيدة: "ثم ماذا؟"
فيليب بتفكير: "أظن أن أعواننا في مصر سيقومون بتلك المهمة."
"أنا أظن العكس."
تدخل جواد بحديثه وهو يطالع شمس.
فيليب باستفسار: "لماذا؟"
"لأنه ببساطة الشرطة المصرية دقيقة جدًا في تلك الأمور. لن يستطيع مصري فعل ذلك، بل من الممكن أن يقوم شخص آخر بفعلها، ولكن بشرط أن يحمل جنسية أخرى لأن ذلك سيكون بالنسبة لمصر هو مجرد سائح، وبالعكس ستقوم الشرطة بحمايته."
"إذا، ماذا تقترح بكيفية سير المخطط؟"
همهم جواد بتفكير وهو يطالع شمس التي تشرب قهوتها بهدوء وتطالعه في المقابل.
"زوج وزوجة يقضيان عطلتهما الصيفية في مصر ويقومان بزيارة الأهرامات. وهنا تبدأ عملية التبديل. في الهرم الأكبر لن يتم التشكيك بأمرهما، إذ هما سيخرجان من الهرم يحملان بعض الآثار الصغيرة. سيعتقد الجميع أنها مجرد تذكار سياحي. ولكي يتم تصديق الأمر قليلًا، سيتم وضعها داخل أغلفة تقوم بتغيير شكلها. ولكي يمران من خلال أجهزة الكشف في المطار أثناء عودتهما، ستكون السيدة حامل أو ستمثل أنها كذلك منذ البداية، أي منذ أن تخرج من مطار روسيا تكون حامل وحتى عودتها لروسيا مرة أخرى. وستضع الآثار بداخل البطن المصطنعة، وبذلك لن تدخل المرأة خلال جهاز المرور لأنه ممنوع على الحوامل المرور من خلاله. وأيضًا سيحرص المصريون على أن يكونا السائحين مرتاحين. هكذا نحن المصريون نحب أن نرحب كثيرًا بضيوفنا ونكرمهم على حساب راحتنا، ولكنه يكون بسعة صدر أيضًا، نكون سعداءً لذلك. فإكرام الضيف واجب علينا ونحن أهل كرم."
كان فيليب وصوفيا يطالعانه بتعجب من فكرته الجهنمية تلك! إنه رهيب كيف أن تخطر له فكرة كهذه. رشف جواد قهوته وما زال يطالع صوفيا، يرى انبهارها بفكرته تلك.
"ذكرني أن أقوم بترقيتك."
أردف جواد ببرود: "مش مهم، كلها فترة بسيطة وهرجع بمراتي ووالدتي لمصر وهخرج من المافيا دي."
نفخ فيليب بضيق من عجرفته تلك ثم أردف:
"ولكن كيف سيتحركون داخل مصر؟"
رشف بعضًا من قهوته ثم أردف: "أحد من أعوانك في مصر سيفعلها، ولن يكون ساجد."
عقد فيليب حاجبيه:
"لماذا؟"
"لأنه خائن منذ البداية والخائن لا أمان له. إنني أراقبه منذ البداية وأعلم أنه خائن وأقوم بتضليله أيضًا في بعض المعلومات حتى يعطيني ما أريد بالضبط."
طالعه فيليب باستفسار، وأيضًا صوفيا كذلك. وكاد فيليب أن يتحدث ويعرف ما أخبره به ساجد، ولكن صوت هاتف صوفيا قاطعه. التقطت صوفيا هاتفها تقوم بالإجابة عليه.
"أوه، لقد نسيت تمامًا يا دانييل. حسنًا، حسنًا، أنا آتية عزيزي."
نظر جواد لفيليب باستفسار بعدم فهم لأن صوفيا كانت تتحدث الروسية.
"عذرًا عمي، أنا ذاهبة لأقابل صديقي."
ثم نظرت إلى جواد وأردفت باعتذار باللغة الإنجليزية: "أعتذر سيد جواد على مقاطعتكما، ولكن فكرتك رائعة. سأضطر إلى ترككما لكي تكمل بدوني."
اعتدلت وخرجت من المكتب. أما بالنسبة لجواد، فنظر إلى فيليب:
"كانت تتكلم مع مين؟ ورايحة فين؟"
نظر فيليب إليه قليلًا ولم يتحدث، ولكن جواد أردف بغضب: "كانت بتكلم مين؟"
بعد مرور عدة دقائق:
خرجت من القصر بعدما قامت بتغيير ثيابها ووجدت جواد يقف بجوار سيارته.
أردفت بتعجب من وجوده أمامها: "سيد جواد، مرحبًا بك. ماذا تفعل هنا؟ أليس من المفترض أنه يوجد عمل بينك وبين عمي لكي تكملوه."
أردف جواد بهدوء: "لقد طرأ لي عمل مهم واضطررت للذهاب. ثم ها قد تقابلنا صدفة. هل يمكنني إيصالك؟"
"لا شكرًا، سائقي سيوصلني."
واقتربت من السيارة الخاصة بها، ولكنها وجدت بها مشكلة، حيث أن الإطارات الخاصة بالسيارة بها يحتاجان للصيانة، ولكن ليس لديها وقت لذلك فهي متأخرة كثيرًا على موعدها مع دانييل.
"ماذا هناك؟"
سألها جواد عندما لاحظ ردة فعلها تلك.
"يبدو أنني نسيت فحص سيارتي صباحًا، إن الإطارات بها ثقب كبير."
"إنني تحت أمرك آنسة صوفيا، يمكنني إيصالك."
"أشعر أنني أقوم بتضييع وقتك."
أردف بابتسامة: "لا، هذا يُسعدني كثيرًا، فأنا أريد البقاء معك وقتًا أكثر."
شعرت بالتوتر عندما قال جملته تلك، وأمسكت بيد حقيبتها بتوتر واضح. قام جواد بفتح باب المقعد المجاور لعجلة القيادة ينتظرها أن تصعد العربة. اقتربت نحوه ببطء وصعدت السيارة، وهو أغلق الباب خلفها بابتسامة وركب في مقعد القيادة وبدأ بالتحرك.
تحدث جواد وهو يعطيها هاتفه:
"قومي بفتح الموقع لتحديد الطريق."
"حسنًا."
قامت بفتح الموقع له وتشغيل الاتجاهات وأعطته إياه مرة أخرى. بعد مرور عدة دقائق.. وقف جواد بسيارته أمام مكان ضخم للمشروبات.
صوفيا بابتسامة وهي تطالعه: "شكرًا لك سيد جواد على إيصالك لي."
ثم ترددت كثيرًا في فعل تلك الخطوة، ولكنها قامت بها ولا تدري ما السبب، حيث قامت بتقبيل وجنته وخرجت من السيارة. أما هو، كان قد شعر أنه تائه، وقام بوضع يده على موضع قبلتها. طوال حياته لم تعطِهِ شمس قبلة وهي واعية، وهي الآن تقبله وهي غير واعية؟!
رواية ثأر الشيطان الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سارة بركات
استفاق من شروده عندما دخلت ذلك المكان ونزل من سيارته وبخطوات ثابتة وهادئة دخل المكان خلفها.
وجدها تقترب من أحد الشُّبَّان تُصافحه مصافحة الأصدقاء وقام بضمها وهي مبتسمة. أما جواد فكان الغضب والغيرة يشتعلان بداخله بشدة لأن زوجته بين ذراعي شخصٍ غيره. اقترب نحوها بسرعة البرق يُبعدها عنه من خلال امساكه لذراعها.
أردفت صوفيا بدهشة:
- سيد جواد؟ لماذا أتيت خلفي هل نسيتُ شيئًا ما بالسيارة؟
كاد أن يتحدث ولكن دانييل من تحدث بضيق:
- من هذا صوفي؟ ولماذا يمسك بكِ هكذا؟
كادت أن تتحدث ولكن جواد من تحدث:
- ومن أنت أيُّها المتشبه بالنساء لكي تقوم بضمها؟
- ألا تعلم مع من تتحدث يا هذا؟ اتركها إن صوفي تخصني.
أردف جواد بغضب:
- لا دي تخصني أنا يا روح أمك.
وقام بلكمه بقوة في وجهه وصرخت صوفيا، وكاد أن يُكمِلَ عليه ولكنها أوقفته بغضب:
- سيد جواد لماذا تفعل ذلك؟ إن دانييل شريكي في الرقص.
- إذا كان شريكًا لكِ إذًا لماذا يضُمكِ بين ذراعيه؟
صوفيا بضيق:
- من أنتَ لتتحدث معي هكذا؟ من تظن نفسك؟ ثم إننا هنا في بلدِ التحضر ولسنا في البلد المتخلفةٍ التي أتيت منها.
أمسك بوجهها بيده وأردف بفحيح:
- نعم .. أنا من البلد المتخلفة والتي من أولى أولوياتها أنها تُحافظ على شرف المرأة بأية طريقة .. وتؤمن بأن المرأة هي مثال العِفَّة والطهارة على عكس مابنته أفكاركم ومعتقداتكم نحو المرأة وكان سببكم الوحيد هو أنكم بلد حضارة .. وإذا كنتِ تعتقدين أن التحضر أن تكوني بين ذراعي كل شخصٍ تقابلينه فأنتِ في بلادي المتخلفة تلك يعتبرونكِ عاهرة.
كادت أن تصفعه بقوة ولكنه أمسك بيدها بقوة وأردف بغضب:
- هل آلمتكِ الكلمة كثيرًا لتلك الدرجة؟ ألستِ متحضرة كفاية لأن تتقبلي آراء الغير؟ أم أن حديثي لم يُعجبكِ لأنني على حق؟
ظلا ينظران لبعضهما بتحدٍ ثم أردفت بمكر واستهزاء:
- عجبًا أنك لم تتزوج حتى الآن! حقيقةً أُشفقُ كثيرًا على من ستتزوج بك لأنها ستتزوج معتوهًا مثلك .. أنت حتى لا يوجد بك أي صفات من صفات الرجل المثالي الذي تتمناه أي إمرأة .. لست ذكيًا كفايةً لمعرفة كيف تتعامل مع إمرأة.
ثم صمتت لثوانٍ ثم أردفت بكلمةٍ يمقتها كثيرًا ..
- أكرهُك.
ثم ابتعدت عنه وأمسكت بيد دانييل تتحداه وخرجت من المكان؛ أما هو فكان يقف بمكانه مشدوهًا لقد جرحته بعدما أخبرها بما بداخله بصدق وهما في طريقهما إلى هنا.
منذ عدة دقائق:
قامت بفتح الموقع له وتشغيل الإتجاهات وأعطته إياه مرة أخرى، ونظرت للخارج بشرود وشعرها الأسود يتطاير بسبب تيار الهواء، كان يطالعها بطرف عينيه أثناء قيادته للسيارة .. كانت جميلة كالعادة بالطريقة التي دائمًا تسرق قلبه بها.
- أوتعلمين؟
ذلك ما أردف به جواد أثناء انشغاله بالقيادة، التفتت إليه تطالعه باستفسار.
- كل هذا لا يليق بكِ.
- ماذا تقصد سيد جواد؟
أردف جواد بابتسامة بسيطة:
- لماذا تُصرين على قول سيد جواد؟ أنا فقط أًدعى جواد.
كانت تشعر بالحيرة قليلًا ثم أردفت:
- لأنني لا أعلم جيدًا من أنت لذلك أناديك هكذا.
ابتسم نصف ابتسامة ثم أردف:
- مع الأيام ستعرفينني جيدًا وستنادينني جواد أو حب....
صمت قليلًا ثم استأنف:
- سنترك اللقب للأيام.
ابتسمت ابتسامة سرقت قلبه، تاه في ابتسامتها تلك ولكنها تحدثت.
- هيا أكمل حديثك سيد جواد، ما الذي لا يليق بي؟
- مايحدث .. ماتفعلينه .. أشعر أن هذا ليس أنتِ.
أردفت بعدم فهم:
- ماذا يحدث وماذا أفعل أنا؟
- أقصد وجودكِ في المافيا الروسية، ذلك لا يليق بفتاة جميلة مثلك.
شعرت بالخجل من إطراءه ذلك ثم أردفت:
- أنا فقط أساعد عمي في إعطاءه بعضًا من آرائي التي من الممكن أن تساعده ولكنني لا أريد أن أنخرط في تلك الأمور الآن .. أنا فقط أحبُّ الرقص وأنا أفعل ما أحب.
طالعها باستفسار واستأنفت:
- أنا أتعلم الرقص .. جميع أنواع الرقص .. أشعر أن بداخلي فتاةً أخرى تريد الخروج، والرقص مايجعلني أشعر بتلك المشاعر وأعطيها الحرية لتخرج.
صمتت قليلًا ثم أردفت بشرود:
- أشعر أن هناك جزءٌ مدفونٌ بداخلي والرقص هو مايجعله يخرج.
كان جواد يطالعها بحب إن شمس هي التي بداخلها .. شمس الشقية التي تحب المغامرة هي أيضًا كانت تحب الرقص .. كانت دائمًا ترقُصُ خِلسَةً في غرفتها عندما كانت مراهقة وكان يراقبها عن بُعد بشغف مراهق وقع في حب تلك المراهقة المتهورة. استفاق عندما تساءلت.
- هل يُمكنني أن أسألك في شيءٍ ما؟
- تفضلي.
صمتت قليلًا ثم أردفت:
- لما لم تتزوج حتى الآن؟
أردف باستفسار:
- لماذا تسألينني ذاك السؤال هل يوجد شيءٌ ما؟
- لا أنا فقط أشعر أنك تكبُرُني كثيرًا أعتقد أنك قريبًا من سن عمي فيليب .. أعتقد أنك أربعيني صحيح؟
- أربعيني؟! وقريبًا من سن فيليب أيضًا؟ ذلك العجوز!!.
أردفت صوفيا بحرص:
- ماتتحدث عنه هو عمي سيد جواد.
أردف جواد بتنهيده:
- ما أقصده هو أنني صغيرٌ بالسن لستُ كبيرًا لتلك الدرجة ..
ثم صمت قليلاً وأردف باستسلام:
- حسنًا، لقد قاربتُ على الأربعين.
ابتسمت بهدوء ولم تتحدث.
- لم تلك الإبتسامة؟
- لا شيء، في بعض الأحيان أشعر أنكَ مرحٌ قليلًا لأنني ومنذ أن قابلتك وأنا أشعر أنك تريد قتل كل من يتحدث إليك.
ابتسم بهدوء واكنه لم يتحدث.
- لم تُجِبني على سؤالي بعد.
نظر في عمق عينيها للحظة قبل أن ينظر أمامه يكمل تركيزه في القيادة:
- لم أتزوج حتى الآن لأنني لم أجدها.
- من هي؟
- فتاة أحلامي.
أتمنى من كل قلبي أن تجدها سيد جواد.
عودة:
استفاق من شروده ووجد كل من بالمكان يطالعونه بشفقة ولكنه تحكم بغضبه وخرج من المكان وقام بقيادة سيارته يذهبُ لمكانٍ ما وأثناء قيادته قام بالإتصال بفيليب:
- أعطني رقم هاتف صوفيا.
أغلق فيليب معه وأعطاه رقم هاتفها وظل يهاتفها عدة مرات ولكنها لم تُجِب، أرسل لها رسال نصية.
"في المرة القادمة يجب عليكِ أن تفكري جيدًا في كل كلمة ستقولينها لي."
ثم ألقى هاتفه جانبًا بغضبٍ.
كانت صوفيا جالسة بجوار دانييل في شقته تنظر أمامها بشرود تتذكر ماحدث بينها وبين جواد .. لماذا كان يتحدث إليها هكذا؟ لماذا قلل من شأنها كإمرأة؟ هي لم تفعل شيئًا خاطئ، وتلك الرسالة النصية التي أرسلها لها ماذا يقصد؟ هل سيقتلها؟؟
انتفضت عندما أمسك دانييل بذراعها يتحسسها.
- هل أنتِ بخير؟
أبعدت ذراعها عنه بهدوء وأردفت:
- أنا بخير، إذا ماذا كنت تريد أن تُخبرني؟
اقترب دانييل منها لدرجة الإلتصاق.
- لقد انفصلت عن حبيبتي مساء أمس ومنذ ذلك الحين وأنا أشعر بأنني تائِهًا .. صوفيا، أنا بحاجة إليكِ.
رفع يده يلعب بخصلة من شعرها ولكن صوفيا ابتعدت عنه قليلًا وأردفت:
- دانييل، أنا لستُ مُسَكِنًا لك .. وأبعد يديك عني.
أنزل دانييل يديه وأردف بهدوء:
- حسنًا .. حسنًا لا تقلقي، يبدو أنكِ متوترة بسبب ماحدث خذي ذلك المشروب سيهدأكِ قليلًا.
ومن غضبها شربت المشروب كله دون حتى أن تنظر إلى ماهيته، وبعد عدة دقائق شعرت بالقليل من الإرهاق والنعاس.
- يجب أن أرحل.
أمسك دانييل بذراعها يمنعها.
- إلى أين تذهبين؟
- أريد العودة إلى المنزل.
- إبقي معي قليلًا.
كان يلمس جسدها لمسات مقززة وهي كانت تحاول منعه ولكن إرهاقها كان يجعلها ضعيفة. قامت بفتح حقيبتها بصعوبة وقامت برش وجهه برذاذ الفلفل.
دانييل بصراخ:
- أيتها العاهرة اللعينة.
أخذت بسرعة الصاعق الكهربائي عندما اقترب منها أكثر وقامت بصعقه ووقع أرضًا. أمسكت هاتفها والنوم يغلبها واتصلت بآخر رقم كان يحاول الإتصال بها وكان رقم جواد والذي أجاب مُسرعًا.
جواد بضيق:
- نعم؟
أردفت بنعاس:
- سيد جواد، أرجوك.
ولكنها لم تتحدث بعد ذلك والمكالمة تُرِكَت مفتوحة.
وقف بسيارته بعدما أصدرت صريرُا عاليا وهو يوقفها وقام بالاتصال بفيليب.
- أعطني أي عناوين تخصُّ ذلك المدعو دانييل.
- ماذا هناك جواد؟
- لا شيء أريد عناوينه فقط.
- حسنًا.
وبعد عدة دقائق كان دانييل استفاق من الصدمة الكهربائية التي تعرض لها وكانت صوفيا نائمة بجوارهِ أرضًا.
- غبية.
ذلك ما أردف به دانييل عندما اقترب نحوها وكاد أن يشرع فيما سيفعله بها ولكنه فزع عندما أُطلقت النيران على باب شقته حتى إنكسر مقبض الباب، دخل جواد الشقة وملامحه تحمل أكبر معاني الغضب. اقترب من دانييل الذي كان سيفر هاربًا عندما رآه ولكنه أطلق الرصاص عليه من بندقيته التي يحملها بين يديه وأصابه في قدمه مما جعل دانييل يقع أرضًا وهو يصرخ بقوة. اقترب نحوه وانقض عليه باللكمات. كان لا يرى أمامه من كثرة الغضب وهو يفكر كثيرًا هل قام بإنقاذها؟ هل أتى في الوقت المناسب؟؟ بعدما انتهي منه وغاب عن الوعي هرول نحوها بلهفه وخوف.
- شمس.
كان يحاول إيقاظها ولكنها لا تستيقظ ولكن كان تنفسها منتظم مما يدل على أنها نائمة يبدو أن ذلك الوضيع قد أعطاها شيئًا. قام بحملِها بين يديه ووضعها في سيارته وعاد لشقة دانييل وحمله أيضًا وقام بإلقاءه في صندوق السيارة.
نبضات قلبها تتسارع تركض في غابة كثيفة حتى انقطعت أنفاسها وهي تهرب منه .. تهرب من ذلك المخادع الذي خدعها بإسم الحب .. بين الأشجار تركض وتحاول أن تبقى صامته لكي لا يسمع صوت أنفاسها لأنها تعلم أنه سيأتي لها ليقتلها. ثم أصبح الحلم أسود وبعدها شعرت بأن هناك من يحملها ويضمها في آنٍ واحدٍ.
استيقظت وهي تتنفس بسرعة كبيرة تشعر بأنها كانت تركض في ممر طويل جدا لا ينتهي. ما هذا الحلم الذي عاشته؟ تشعر أنه حقيقي. نظرت حولها ووجدت نفسها بفراشها في قصر عمها. ظلت عدة دقائق تتذكر ماحدث. كانت قد تشاجرت مع السيد جواد وبعدها تركته وذهبت مع دانييل في شقته.
- غبية!
ذلك ما تحدثت به لنفسها ولكنها لا تتذكر ماذا حدث بعد ذلك. وكيف أتت إلى القصر؟ استفاقت عندما فُتِحَ باب الغرفة وكان فيليب من دخل.
- عمي، ماذا حدث؟
- حَمدًا لله على سلامتك، لقد خِفتُ كثيرًا عندما أخبرني السيد جواد بما حدث.
- السيد جواد! ماذا حدث عمي؟
- إن السيد جواد أنقذك من بين يدي ذلك الشاب السيء الذي يُدعى دانييل لقد حذرتك سابقًا من ذلك الشاب صوفيا، وأنتِ لا تنصِتين إلى أبدًا.
أردفت صوفيا بعدم فهم:
- إذا جواد هو من أتى بي إلى هنا؟
- أجل.
ظلت صامته تشعر بالهزيمة أمامه لقد كانا يتشاجران بسبب دانييل وفي النهاية إتضح أنه كان محقًا. لكن لا هي ليست مخطئة. كانت تتعامل بحُسنِ نية مع دانييل ولكن كان ذئبًا مفترسًا كغيرة من الرجال. ثم أين هو دانييل؟
انتبهت عندما دخل جواد غرفتها وقامت بسرعة بإخفاء الظاهر من جسدها. عقِدَ جواد حاجبيه بسبب فعلتها تلك ووجه حديثه لفيليب:
- ماذا تفعل هنا؟
عقد فيليب حاجبيه أيضًا:
- أطمئن على إبنة أخي.
جواد باستهزاء:
- حسنًا، من فضلك أخرج لدي الكثير لأتحدث به مع إبنة أخيك!
خرج فيليب دون أن يضيف كلمة أخرى أما بالنسبة لجواد فقد جلس على فراشها ينظر أمامه بشرود لبعض الوقت.
أردفت صوفيا بجفاء:
- ماذا تريد؟
- هل فعل لكِ شيء؟
ذلك ما تحدث به جواد بهدوء وهو ينظر في عمق عينيها.
- لا أعتقد .. أتذكر أنني قد بخخت رذاذ الفلفل في عينيه و صعقته بصاعقي الكهربائي ووقع أرضًا.
همهم ولكنه لم يتحدث يفكر في الكثير من الأمور.
- أين هو؟
- ليس لكِ شأن في أن تعرفي أين هو، المهم أن تتعلمي من خطأكِ.
صوفيا بغضب:
- أنا لستُ مخطِئة.
أردف جواد بغضب:
- بل مخطئة، كيف تذهبين إلى شقةِ شابٍ أعزب وحدكِ؟
اعتدلت وتركت فراشها واقتربت منه بغضب بثوب نومها العاري:
- مُجددًا؟! ستتحدث مجددا عن معتقداتك المتخلفة أمامي؟! ثم من سمح لك يا هذا أن تتدخل في حياتي هاه؟
أمسك بكتفيها العاريين وقربها نحوه وأردف بهدوء:
- أعذركِ لأنكِ لا تفهمين شيئًا ولكن لا تمنعيني في أي شيءٍ يخصك بعد الآن، لأن ذلك لن يحدث أبدًا صوفيا.
أردفت بغضب وصراخ وهي تحاول الفكاك منه:
- أكرهُك.
نظر لهيئتها الصارخة تلك لعدة ثوانٍ ثم أردف وهو يحاول منع نفسه من تقبيلها وإتمام زواجهما الآن:
- وأنا أيضًا .. ولا ترتدي تلك الملابس مرةً أمامي أو أمام فيليب أو أي رجل آخر هل فهمتِ؟
كادت أن تتحدث وتصرخ في وجهه ولكنه ابتعد عنها بصعوبة وخرج من الغرفة ووجد فيليب أمامه.
- إذا كنت تريدها أن تُحبك مجددًا لا تفعل ذلك معها، إنها تكرهك جواد!
أردف جواد بالمصرية:
- مش مهم .. هي مش واعية للي بيحصلها .. لما الذاكرة ترجعلها هتفتكر إننا بنحب بعض وهنرجع زي الأول وأحسن.
فيليب بالمصرية:
- ولكن إنت يا جواد مش مساعدها على كده، بل إنت بتعقد الأمور أكتر، إنت كده بتخليها تبعد عنك وفرصتك إنك تساعدها في رجوع ذاكرتها بقا صعب .. حاول تكون ليَّن معاها البنات بييجوا باللين والود والمحبة والتفاهم مش الغصب! وطول مانت بتؤمر هي هتعنِد قُصادَك .. والعِند بيخرِب العلاقات.
أردف جواد بعصبية:
- يعني المفروض أعمل إيه دلوقتي؟
فيليب بعقلانية:
- هقولك تعمل إيه، بس لازم تسمع كلامي كله وتنفذه بالحرف الواحد.
جواد بغضبٍ وسخرية:
- أنا أنفذ كلامك إنت؟ إنت هتفهم إيه أكتر مني؟
فيليب باستفسار وتعجب:
- هي إزاي قدرت تحبك بأسلوبك الهمجي ده؟!
كاد أن يغضب جواد ويثور ولكن أوقفه فيليب وأردف مؤكدًا:
- هتسمع كلامي بالحرف الواحد وهتخليها تحبك من تاني تمام؟
ظل فيليب عاقدًا حاجبيه بغضب أمام جواد الغاضب أيضًا والذي لا يعجبه حديث فيليب ولكن عاد يفكر بشمس وفي طريقة أيضًا لمساعدتها في عودة ذاكرتها.
جواد باستسلام:
- موافق.
فيليب بابتسامة وهو يقدم يده لجواد:
- اتفقنا.
ظل جواد ينظر ليده قليلًا ولكنه قام بمصافحته أيضًا.
رواية ثأر الشيطان الفصل السادس عشر 16 - بقلم سارة بركات
في مكان معزول في روسيا، وفي غرفة بيضاء بداخل مبنى ضخم لا يوجد بها سوى نافذة واحدة محاطة بالقضبان الحديدية، كانت آسيا، صاحبة البشرة البيضاء الشاحبة ذات الشعر الأسود المختلط ببعض الشعيرات البيضاء، تجلس على فراشها وتنظر أمامها بشرود.
خرجت من شرودها ذلك عندما فتح باب الغرفة ورأته يدخل. تحولت ملامحها إلى الذعر وعادت للخلف بهدوء حتى التصقت بحائط الغرفة بجانب الفراش.
أردف ماتيوس بلوعة وهو يقترب:
- اشتقت إليكِ كثيرًا آسيا.
أردفت بارتعاش:
- أرجوك، ابتعد عني.
- اهدأي حبيبتي، لن أؤذيكِ. أنا فقط جئت لأطمئن عليكِ.
كلماته لها لم تجعلها تهدأ، بل جعلتها تشعر بالخوف أكثر. اقترب منها كثيرًا حتى أمسك بيدها يقبلها، ولكنها اشمأزت منه وأبعدت يدها عنه بسرعة، وأردفت باشمئزاز وخوف في آنٍ واحد:
- أنا أكرهك كثيرًا يا ماتيوس، ابتعد عني.
ولكنه لم يبتعد، بل أمسك بخصلة من شعرها يقوم باستنشاق رائحتها. ابتلعت بخوف. أردف بهدوء وهو مغمض عينيه يمسك شعرها:
- أنا أكرهه كثيرًا يا آسيا. لقد أخذكِ مني مرة، ثم أتى ابنه ليأخذكِ مني مرة أخرى! لكن لا.. لن يستطيع أحدٌ أن يأخذكِ مني حبيبتي، نحن لبعضنا منذ أن تقابلنا.
أردفت بغصة:
- أنت مريض يا ماتيوس.
أردف بتأثر وهو يطالعها:
- لا، أنا لست مريضًا. أنا فقط أحببتكِ. وإذا أخذكِ مني أحدٌ سوف أقوم بقتله. أتعلمين ما يغضبني؟ أن ابنكِ وزوجكِ قد تعاونا سويًا في أعمالهما.
تحولت ملامحها للدهشة وأردفت بارتعاش:
- كيف؟! هل.. هل فيليب حي؟
- أنتِ مسكينة يا آسيا. لقد عشتِ طوال حياتك تبكين على الأطلال، بينما هو حي يُرزق ويعبث مع الأخريات بعدما قام بتزوير وفاته لكي تبتعدي عنه.
أردفت ببكاء:
- أنت كاذب، إن فيليب لا يمكنه تركي وحدي.. إن فيليب يحبني.
- لا عزيزتي.. إن فيليب قد ترككِ وحدكِ بإرادته. ولو كان يحبكِ لكان بحث عنكِ طوال الثلاثين عامًا الماضية. لكن يبدو أنه مستمتع بحياته بدونك.
انهمرت عبراتها بغزارة، واستأنف ماتيوس حديثه:
- لا تحزني حبيبتي، سأقتله هو وابنه لأجلكِ.
طالعته بذهول وأردفت بصراخ:
- لا.. لا تفعل.. أرجوك.. اقتلني أنا بدلًا منهما.. اتركهما أرجوك.
أردف ماتيوس بابتسامة واستفزاز:
- وفري صراخكِ هذا، عاجلًا أو آجلًا فقد اقتربت نهايتهما حبيبتي.
قبل مقدمة رأسها بهوس. أما هي فقد دفعته بضعف، ولكنه ابتسم وأردف:
- سآتي لكِ مرة أخرى.. سأترككِ لكي ترتاحي قليلًا.
ثم خرج من الغرفة، وتركها تبكي بحرقة بسبب خوفها على زوجها وابنها. تشتت تفكيرها عندما أخبرها ماتيوس بأن فيليب حي. كيف؟ كل تلك السنوات كانت تظنه متوفيًا، لا بل هو توفى بالفعل. كيف يكون حيًا ويتركها ولا يبحث عنها؟ كيف؟ ألا يعلم كم عانت بعد وفاته؟ لكن لا، إنها لن تصدق ماتيوس، إنه بالتأكيد يكذب. إن فيليب لن يتركها مهما حدث. ما بينها وبين فيليب ليس مجرد زواج! إن بينهما عشقٌ كبيرٌ لم ينتهِ!
أغمضت عينيها تسمح لتلك العبرة بالنزول عندما أتى على بالها كيف التقيا.
**منذ ثلاثين عامًا:**
كانت تقف بابتسامتها اللطيفة في مطار القاهرة تحمل لافتة بأسماء السائحين الروسيين اللذان سترافقهما طوال رحلتهما في مصر، وتلك طبيعة عملها كمرشدة سياحية. تتذكر جيدًا كم وصاها رب عملها عليهما، يبدو أنهما مهمان كثيرًا، وتذكرت حديثه الذي لا يذهب من ذهنها تمامًا:
- لازم زيارتهم لمصر تعجبهم يا آسيا، لازم تكوني متعاونة معاهم وفاهماهم وتساعديهم، متحسسيهمش إن فيه صعوبة في زيارتهم هنا.
تمتمت بهدوء لنفسها:
- كلها كام يوم وهيمشوا وهاخد إجازة لطيفة.
انتبهت عندما خرج المسافرون من المطار، ورفعت اللافتة لعلهما يلاحظانها، وذلك لأنها لا تعلم ما هو شكلهما حتى الآن. انتبهت لشابين ينظران للافتة وهما يقتربان منها. أحدهما كان شعره أشقر قصير، كان متوسط الطول، ملامحه كانت عادية، كان أملسًا، بشرته بيضاء. وأما الآخر، فكان شعره أسود يميل للون البني مجعدًا أو كما يقولون في أيامنا الآن "كيرلي". كان شابًا طويلًا قليلًا، ملامحه كانت هادئة، بشرته قاتمة، ذو شارب ولحية غير كثيفين، كان جسده ممتلئًا بالعضلات ولديه وشم عند كتفه لكنه غير ظاهر كله بسبب القميص الأبيض الناصع الملتصق بعضلات جسده. كانت شاردة بذلك الشاب ولم تنتبه لحديث الآخر لها.
- مرحبًا آنسة، أنا ماتيوس وهذا فيليب.
ظلت تُحملق في ذاك الشاب الجذاب الذي يُدعى فيليب، والذي ابتسم لها ابتسامة جذابة أظهرت أسنانه ناصعة البياض عندما لاحظ نظراتها تلك. استفاقت وشعرت بالإحراج عندما انتبهت أنه يبتسم لها.
- آه.. أهلًا بيكم.
أردف ماتيوس باستفهام:
- عفوًا، ماذا تقولين؟ هل تتحدثين الروسية؟
أجاب فيليب بدلًا عنها:
- بالطبع عزيزي ماتيوس، إنها تتحدث الروسية. لقد أخبرنا الرئيس بذلك. مرحبًا آنسة.. أنا فيليب.
مد يده يصافحها. ابتسمت بتردد وصافحته هي أيضًا بيدها، والتي هي صغيرة جدًا بالنسبة ليده الضخمة بارزة العروق. شعرت أنه يحتويها بيده. علت ملامح الاستفهام وجهه عندما أمسك بيدها وشعر بشعورٍ غير مفهوم. انتبه الاثنان عندما قدم ماتيوس يده ليصافحها هي أيضًا.
- مرحبًا بكِ.
أردف بتلك الكلمة بابتسامة بلهاء. أما هي فقد أخرجت يدها من يد فيليب، التي شعرت أنها هجرته فجأة بفعلته تلك، عندما أبعدتها عنه وصافحت ماتيوس بشكل رسمي مردفة بابتسامة:
- مرحبًا بكم في مصر، أنا أُدعى آسيا. سأرافقكم طوال الرحلة لكي أرشدكم لكل الأماكن التي تريدون الذهاب بها هنا.
أردف ماتيوس بابتسامة:
- نحن فقط نريد الذهاب إلى..
ولكن قاطعه فيليب بهدوء وهو يطالع الجميلة التي أمامه:
- ستسعدنا كثيرًا رفقتكِ لنا آنسة آسيا. أوتعلمين، نحن نريد أن نعرف الكثير عن مصر ومعالمها السياحية.. سنبقى هنا لشهر تقريبًا، وأريد في ذلك الشهر أن نزور كل معلمٍ سياحي بها.
أردفت آسيا بالمصرية بصوت مسموع، ولكنهما لم يفهما ما تقوله:
- يعني مش يومين تلاتة؟ شهر! يعني هشتغل شهر من غير ما آخد إجازة!
فيليب باستفسار:
- عذرًا، ماذا تقولين؟
آسيا بابتسامة:
- لا شيء. سأكون سعيدة جدًا بمرافقتكما أيها السيدان. هيا اتبعاني.
التفتت للخلف ونفخت بضيق، ثم ذهبت نحو السيارة التي سيتحركون بها طول تلك المدة. كان فيليب وماتيوس يسيران خلفها وهما يحملان حقائبهما، وتحدث ماتيوس بتعجب:
- لما أخبرتها أننا سنبقى شهر؟ مهمتنا لن تستغرق يومين يا فيليب.
أردف فيليب بابتسامة:
- هل تمزح؟ نأتي لمصر مرة بالعمر ولا نعلم متى سنأتي مرة أخرى، وتقول لي يومين؟ سأختلق حجة نخبر الزعيم بها.. ولكننا سنستمتع قليلًا، فمن الواضح أن مصر جميلة جدًا.
قال آخر كلمة وهو يطالع آسيا التي تشير لهما بأن يركبا السيارة، والتي تنتظرهما. تحركت السيارة بعدما ركبا. كانت آسيا تجلس بجانب السائق مرتدية عدساتها الشمسية وتنظر للطريق بجانبها بشرود، فهي هكذا عندما تركب أي سيارة تشرد بالطرقات. ولم تنتبه لفيليب الذي يجلس خلفها يراقبها ويراقب شرودها، وأيضًا شعرها الذي يتطاير خلفها بسبب فعل تيارات الهواء. وصلا بعد عدة دقائق لفندق ضخم ونزلا من السيارة وتبعاها لداخل الفندق. أخذت مفاتيح الغرف من الاستقبال في الفندق واقتربت نحوهما، تعطي كل واحدٍ منهما مفتاحًا، وأردفت بابتسامة:
- تلك مفاتيح غرفة كلًا منكما. يمكنكما أن تستريحا اليوم، وأنا سآتي في صباح الغد لاصطحابكما إلى الأهرامات.
أردف ماتيوس باهتمام:
- وأين ستكونين أنتِ؟ ألن تبقي معنا هنا؟ كنت أعتقد أنكِ قمتِ بحجز غرفة معنا.
ولكنه تأوه بصوت غير مسموع لها عندما ضغط فيليب على قدمه.
آسيا بإبتسامة:
- شكرًا لاهتمامك سيد ماتيوس، ولكنني لدي منزل.
فيليب باستفسار:
- كيف سنتصرف هنا دون وجودكِ معنا؟ فلنفترض أنني أريد الذهاب بعد قليلٍ لمكان ما، كيف سأفعلها؟ أليس عملك هو أن ترافقينا في جميع الأماكن التي نود الذهاب إليها؟
تشعر أنه يضغط عليها كثيرًا بكلماته تلك، ولكنها أردفت:
- سيد فيليب، لدي عائلة تقلق عليّ إذا غبتُ كثيرًا. من الممكن أنني إذا اختفيت ساعة واحدة دون أن أخبرهم أين أنا، سيعتقدون أنني قد اختُطفت. أعدكم أنني سأكون معكم بداية من الغد، ثم إنني لن أترككم سوى اليوم فقط.. يجب أن ترتاحا قليلًا.
ظلا ينظران لبعضهما قليلًا، ثم أردف فيليب بهدوء:
- حسنًا آنسة آسيا، عمت مساءً.
ثم التفت للخلف وأمسك بذراع ماتيوس ليجعله يلاحقه.
أما بالنسبة إليها، فقد أخذت نفسًا عميقًا عندما تركاها وأردفت:
- ماتعصبيش نفسك يا آسيا، هما ممكن بس عشان حاسين إنهم تايهين فبيتكلم كده. أنا فعلاً مكنش ينفع أقولهم إني حاجز أوضة هنا فعلاً عشان خوفت من اللي اسمه فيليب ده، هو آه حلو وقمور بس..
استفاقت مما تقول عندما انتبهت أنها تغازله! تنهدت ثم انتظرت قليلًا، وبعدها صعدت خلفهم بعدما تيقنت أن كل واحدٍ منهما دخل غرفته. دخلت غرفتها هي أيضًا وارتمت بجسدها على الفراش تُغمض عينيها بارتياح. ولكن بعد عدة دقائق.. انتبهت أن هناك طرقات على باب غرفتها. اعتدلت وذهبت لتفتح الباب وصُدمت عندما وجدت فيليب يقف أمامها وأردف بابتسامة:
- يبدو أنكِ قمتِ بتغيير رأيكِ بسرعة.
كادت أن تتحدث محاولة تبرير وجودها هنا، ولكنه أردف بدلًا عنها:
- أو من الممكن أن نقول أنكِ كذبتِ منذ البداية.
- سيد فيليب، كيف تقول ذلك؟ أنا لستُ كاذبة.
- آنسة آسيا، لقد علمت منذ أن قابلناكي أنكِ ستبقين معنا بنفس الفندق.. لقد رأيت حقيبتكِ موجودة بجوار حقائبنا عندما وصلنا إلى الفندق، ناهيك عن ذلك، لقد انتبهتُ لوجودِ مفتاحٍ ثالثٍ بين يديكي.. لماذا تكذبين إذا؟
ظلت تطالعه بإحراج، لقد تم ضبطها كالطفلة الصغيرة التي قامت بسرقة حلوى لمجرد أنها تريد تذوقها.
- أريد أن تخبرينني لماذا؟
- لقد قلقت منكما.. إنكما ترعبانني.. يبدو من مظهركما أنكما لستما مجرد سائحين، أشعر أنكما مجرمان.
ظل يطالعها بهدوء، ولكنه أردف بابتسامة:
- تُعجبني صراحتكِ تلك، لكن لا تقلقي، إننا مجرد سائحين نريد رؤية معالم مصر فقط ليس إلا.
ظلت تطالعه في المقابل بعدما طمأنها. لقد كذبت، إنها لا تراهما هكذا، بالأخص هو.. إنه شابٌ لطيف، جميل.. وسيم!
- دعينا نتفق على شيءٍ ما.
آسيا باستفسار:
- ماهو؟
فيليب بابتسامة:
- إننا رِفاقُ رحلةٍ ستدوم لعدة أيام، لا نريد سوى أن تنتهي رحلتنا بسلام.
هزت رأسها واستأنف:
- حسنًا، سعدتُ بلقائكِ آسيا.
طالعته باستفسار، ثم أردف:
- لا نريد أن يكون هناك رسمياتٌ بيننا، فنحن كما ذكرت أننا رِفاق رحلة.
- حسنًا.. فيليب.
نطقت اسمه بتوتر. أما هو فلا يدري ماذا حدث له عندما نطقت اسمه.
- عمت مساءً.
- عمت مساءً.
كاد أن يذهب، لكنه عاد يقف أمامها مرة أخرى وأردف:
- لقد سمعتُ أن الفندق يُقيم حفلة بعد ساعتين، ما رأيكِ أن نحضرها؟
أردفت بتعجب:
- كيف علمت ذلك؟
فيليب بإبتسامة:
- أنا لست جاهلًا يا آسيا، فأنا أتحدث الإنجليزية بطلاقة.
حمحمت بإحراج، ثم أردفت:
- إذا أردت أن تحضرها أنت والسيد ماتيوس فلتذهبا، ولكنني أحبذ أن ترتاحا قليلًا.
- ماذا؟ إن ماتيوس نائم، ثم أنا أقصد أن نذهب سويًا أنا وأنتِ، ما رأيك؟
شعرت بالخجل والإحراج في آنٍ واحدٍ، ثم أردفت بتوتر:
- فيليب، نحن في مصر ولسنا في روسيا، ثم إنني لست فتاة تخرج مع شابٍ لا تعرفه.
- ماذا تقصدين؟ ثم ألم نتفق منذ دقائق أننا رفاق رحلة، ذلك يعني أننا أصدقاء، ثم يمكن أن تعتبريها أنها جزءٌ من عملك، فأنا أريد حضور الحفل.
صمتت قليلًا مرتبكة، لا تدري ماذا تقول له.
- ما رأيك؟
آسيا بإستسلام:
- حسنًا، سأتجهز.
فيليب بإبتسامة:
- هذا رائع، وأنا أيضًا سأتجهز. سأنتظرك هنا بعد ساعتين أمام باب غرفتك، إلى اللقاء.
ثم تركها ورحل. وأردفت بتعجب:
- قدام باب الأوضة؟! ده ناقص يدخلها غصب عني، الأجانب دول عليهم دماغ غريبة.
ولكنها أغلقت الباب وذهبت للحمام لكي تزيل عن جسدها إرهاق السفر، فهي بالطبع ليست من القاهرة، هي من الإسكندرية وأتت إلى هنا لأجلهما، ولأن أيضًا طبيعة عملها تعتمد على سفرها للقاهرة دائمًا، فهي تعتبر من سكانها أيضًا.
**بعد ساعتين:**
كان فيليب يقف أمام بابها مرتديًا بنطالًا أسود وقميصًا أسود يلتصق بجسده بسبب عضلاته القوية. فتحت آسيا باب غرفتها وكانت مرتدية ثوبًا ذو لونٍ أحمر دون أكمام يصل لما بعد ركبتها بقليل، وقد تركت العنان لشعرها مما زاد إعجاب فيليب بها. كان يطالعها بهدوء، ولكنها أردفت:
- هيا، يجب أن ننزل.
هز رأسه ولكنه ظل واقفًا مكانه. وشعرت بالتوتر بسبب نظراته تلك، والتي تشعر أنها تخترق روحها ولا تدري لماذا.
- سيد فيليب، يجب أن تتحرك لكي أستطيع أن أخرج من الغرفة.
استفاق فيليب وابتعد عنها وهو يحمحم مردفًا:
- أعتذر.
ابتعد من أمام الغرفة يفسح لها المجال، وخرجت من غرفتها ونزلا سويًا وذهبا لمسرح الفندق، والذي يوجد به الحفل، حيث يغني به العديد من الفنانين المصريين.
**بعد انتهاء الحفل:**
كانا يسيران في ممر الغرف.
فيليب بإبتسامة وضحك:
- كان الحفل رائعًا، ولكنني لم أفهم أي شيء مما كانوا يقولون.
آسيا بإبتسامة:
- لا تقلق، سأجعلك تتحدث المصرية بطلاقة خلال هذا الشهر لكي لا يجعل الآخرين منك أضحوكة، فأنت سترى أعجوبة هنا في الشعب المصري.
صمت فيليب قليلًا وهو مبتسمًا، ثم أردف:
- يبدو أنكِ تحبين بلدكِ كثيرًا.
آسيا بإبتسامة:
- لِمَ لا أحبها؟ إنها بلدي، لا ملجأ لي سواها.
توقفا أمام غرفتها وأردف:
- وأنا أيضًا أريد أن أُحبها.
ظلا يطالعان بعضهما لبعض الوقت، ثم أردفت آسيا ببعض المرح:
- ستحبها كثيرًا عندما تتحدث مع شعبها وتتعامل معهم، إن المصريين يتميزون بخفة دمهم.
تحدث فيليب وهو ينظر في عمق عينيها:
- ألا يكفيني أنتِ؟
شعرت بالتوتر بسبب سؤاله ذلك، ولكنها اعتبرته سؤالًا عابرًا وأردفت:
- كفاك أسئلة كثيرة يا فيليب، يجب أن تنام جيدًا لأننا سنبدأ رحلتنا في صباح الغد.
هز فيليب رأسه وأردف:
- حسنًا، نتقابل غدًا.
دخلت غرفتها وهو توقف لعدة دقائق يحاول أن يفهم ماذا يحدث له، ولكنه بداخله يعلم أنها مجرد فتاة جميلة يقابلها مثل أي فتاة أخرى قبلها.
**في صباح اليوم التالي:**
كان ثلاثتهم يقفون أمام الفندق ينتظرون السيارة، وكان فيليب وماتيوس يمسكان حقيبتان كبيرتان.
أردفت آسيا باستفسار:
- لماذا تمسكان حقائبكما؟ نحن سنتنزه ولن نسافر.
أردف فيليب:
- لا تقلقي، نحن نخاف على أشياءنا.
أردف ماتيوس باستفسار يقوم بتغيير الموضوع:
- أخبريني مجددًا، أين سنذهب آنسة آسيا؟
- سنذهب لنتناول طعام الفطور أولًا، ثم سنأخذ جولتنا في الأهرامات، ثم بعد ذلك إلى قلعة صلاح الدين الأيوبي، وبعدها سنتناول طعام الغداء.
وصلت السيارة وصعدوا إليها، وبعد عدة دقائق كانا يجلسان معها في مطعمٍ لا يعلمان ماهيته، وينظرون للأشخاص حولهم بتعجب.
فيليب بإستفسار:
- ماذا سنأكل؟
أردفت آسيا بابتسامة:
- فول وطعمية.
ماتيوس بإستفسار:
- ماهذه الأكلة؟
- إنها أكلة مصرية شعبية نتناولها في الفطور.
- حسنًا.
أما فيليب فقد ابتسم ولم يُزد. وأتى طعامهما. أردفت آسيا بتحذير:
- لا أريد أن تأكُلا كثيرًا لأن معدتكما لن تتحمل الكثير منه، وكُلا مثلي.
هزّا رأسيهما وبدءا بتناول الطعام مثلهما. وكانت آسيا تتناول الطعام وهي تستمع لأغنية للمغنية القديرة أم كلثوم، قد بتشغيلها صاحب المطعم على الراديو.
وبعد أن انتهوا، ذهبوا للأهرامات، وكانت آسيا تشرح لهما كل شيءٍ هناك. وأثناء الشرح همس فيليب لماتيوس:
- حاول أن تقوم بإشغالها.. سأقوم بإتمام المهمة وسأعود.
هز ماتيوس رأسه وتركهم. فيليب حاملًا الحقيبتين، وتعجبت آسيا بسبب رحيله.
- أين ذهب؟
ماتيوس بإبتسامة:
- لقد ذهب إلى الحمام، سيأتي بعد قليل.. ماذا كنتِ تقولين؟ أكملي.
كانت تشعر أنهما غريبا الأطوار. وذهب فيليب يقابل أحدهم خارج منطقة الأهرامات، وأخذ يسأل المارة باللغة الإنجليزية حتى وصل لفندقٍ قريبٍ من تلك المنطقة وقابل أحد تجار المخدرات، حيث أنه ستحدث عملية مبادلة.. مخدرات مقابل الكثير من الأموال. وقام فيليب بتلك العملية بذكاء ونجح بها، وتم الاحتفاظ بالبضاعة في مكان يخص ذلك التاجر حتى موعد سفر فيليب وماتيوس.
انتهى فيليب من عمله مع ذلك الرجل وعاد للأهرامات مجددًا بدون أي حقائب. وكانت آسيا تشعر بالقلق بسبب تأخره. لقد تأخر ساعتين، أي الوقت الذي من المفترض أن تنتهي فيه زيارتهم للأهرامات.
- لا تقلقي، سيعود. ثم ألم أخبركِ كم أنني سعيدٌ عندما علمت أنكِ ستقيمين معنا بنفس الفندق؟
طالعته بتعجب.
- لقد أخبرني فيليب بأنكِ ستبقين معنا بالفندق.
ذلك ما أردف به ماتيوس بابتسامة وهو يطالعها. ولكنها عادت للحديث مرة أخرى بقلق:
- أخاف أن يكون الطعام الذي تناولناه قد سبب له مشكلة.
كاد أن يتحدث، ولكن فيليب قد اقترب منهما.
- أين كنت؟
أردف فيليب بهدوء:
- لقد كنتُ في الحمام، ثم حدثت مشكلة عند المدخل وكنت هناك..
أردفت آسيا بضيق وهي تقاطعه:
- قبل أن تتحرك، أخبرني أين ستذهب، لأنني مسئولة عنكما وعن رحلتكما.
صمت فيليب قليلًا ثم أردف:
- أنا أعتذر لأنني لم أخبركِ.
وكأنه قد أراحها بتلك الكلمة، وأردفت:
- لقد انتهى وقتنا هنا، فلنذهب.
ثم تركتهما وتابعتهما. وأردف ماتيوس بهمس غير مسموع لفيليب:
- هل تمت المهمة؟
فيليب بابتسامة:
- لا تقلق.. لقد فعلتها.
- ألا يفترض بنا أن نعود؟
- إذا أردت أن ترحل فلترحل أنت، لكن أنا..
ظل يطالع آسيا قليلًا، ثم أردف:
- سأبقى لشهر.
- حسنًا، سأبقى معك.
وكان ماتيوس أيضًا ينظر لآسيا بإعجاب خفي. ذهبوا معها إلى قلعة صلاح الدين الأيوبي، وبعد ان انتهوا من زيارته ذهبوا لتناول الغداء، والذي كان مفاجأة بالنسبة إليهم، فقد كان اسمه كشري. مرت الأيام وكان يزداد تقرب فيليب من آسيا بسبب وجودهما سويًا طوال الوقت، بسبب زيارتهم للمعالم الأثرية في مختلف محافظات مصر.
**وفي يومٍ ما في القاهرة:**
كان فيليب يقف بشرفة غرفته في الفندق ينظر للسماء بشرود، يفكر بتلك الفتاة التي شغلته منذ أن أتى إلى مصر. تنهد ثم خرج من الغرفة في نية منه للذهاب إلى غرفتها أيضًا، ولكنه وجد ماتيوس يقترب نحو غرفتها.
- ماتيوس؟ إلى أين تذهب؟
ارتبك ماتيوس، ولكنها أردف مسرعًا:
- كنت أريد أن أسأل آسيا بخصوص شيءٍ ما.
فيليب باستفسار:
- ماهو؟
بسبب تردده، اشتعل الغضب بداخله.
- وما شأنك أنت؟ أريد أن أذهب إليها فقط لأمرٍ يخصنا سويا أنا وهي.
اقترب فيليب منه ممسكًا بياقته وأردف بغضب:
- إن الأمر كله يخصني أنا أيضًا.. لأن آسيا تخصني أنا، هل فهمت؟ إنها لي.
ماتيوس بضيق:
- ماذا؟ منذ متى يحدث ذلك؟
- منذ أن آتينا. ماتيوس، وإياك أن تقترب منها مرة أخرى، وإلا سأقتلك، وأنا لا أمزح في ذلك الشأن.
ظل يطالعه بغضب وابتعد ماتيوس عنه وعاد لغرفته. وظل فيليب بمكانه في ممر الغرف يتعجب لما تحدث إلى صديقه هكذا؟ ولماذا قال عنها هكذا؟ ولكن ما يعلم أنها قد سرقت قلبه منذ أن تقابلا. أخذ نفسًا عميقًا ثم وقف أمام غرفتها يُطرقها بهدوء. فتحت باب الغرفة وابتسمت عندما وجدته أمامها وأردفت بالمصرية:
- محتاج مني حاجة؟
أردفت ببعض الكلمات المصرية البسيطة التي علمته إياها في الأيام الماضية:
- تيجي نتمشى شوية؟ محتاج أتكلم معاكِ.
فكرت قليلًا ثم أردفت بابتسامة:
- انتظرني 10 دقايق، سأتجهز.
وأعادتها بالمصرية مرة أخرى لكي يتعلمها:
- استناني عشر دقايق هجهز نفسي.
هز رأسه قائلًا وهو يحفظ تلك الجملة بداخل عقله:
- سأنتظرك.
**بعد مرور عدة دقائق:**
كانا يسيران بجوار بعضهما في شوارع قريبة من الأهرامات، تلك الشوارع كانت بها احتفالات يحضرها السياح والمارة.
أردفت بإستفسار مرة بالروسية ثم يعقبها معناها بالمصري كما اتفقا:
- ماذا هناك؟.. مالك؟
أردف فيليب وهو يتابع تلك الاحتفالات:
- أنا أفكر، لمَ لم أسافر حتى الآن؟
- تقصد إيه؟
التفت لها يطالعها لأنه يفهم معنى ما قالته:
- كان من المفترض أن أزور مصر يومين ثم سأعود إلى روسيا، ولكنني غيرت رأيي بمجرد رؤيتك.
توقفت بمكانها وطالعته باستفسار. وتوقف هو أيضًا واقترب منها.
- لا أعلم ماذا حدث لي عندما رأيتكِ.. ولكنني تحججت بأي شيء للبقاء معكِ.
- فيليب، أنا..
قاطعها وأردف:
- لا أريد معرفة رأيكِ الآن.. فقط أريدكِ أن تفكري قليلًا بعلاقتنا وتعطيها فرصة.
صمتت وهزت رأسها. انتبه الاثنان لموكب زفاف يحدث في أحد الشوارع.
- هيا لأريكَ كيف تُقام الأعراس بمصر.
تبعهَا وذهبا للعُرسِ، ووجدا الرجال يرقصون مع بعضهم والنساء منفصلين عنهم. واقترب الرجال والنساء نحوهم يرحبون بهم عندما لاحظوا وجود سائحٍ بالعُرس. أخذوا بيده وقاموا بجعلهم يرقصون. وكان الاثنان سعيدين كثيرًا بتلك الجولة اللطيفة. وأخذ فيليب بيدها وهو يراقصها، ولكنه أراد أن يذهب بها بعيدًا عن تلك الاحتفالات. أخذ بيدها يركضان، مما جعلها تركض خلفه وهي تضحك وتبتسم، وكان يشاركها الضحك. وتوقف في شارع مُظلِم عند باب منزلٍ في ذلك الشارع، وجعلها تستند بظهرها على الباب واقترب منها لدرجة الالتصاق.
كانت تشعر بالضعف وهو قريبٌ منها هكذا.
فيليب بهمس ووجهه مقاربًا لوجهها:
- لا أستطيع الصمود أمامك، أنا أحبكِ يا آسيا.
كاد أن يقبِلها، ولكنها أبعدته عنها بضعفٍ تمنعه وأردفت:
- فيليب، نحن لسنا بروسيا، نحن بمصر.
- فليكن.
كاد أن يقبِلها مرة أخرى، ولكنها ابتعدت عنه وكادت أن تذهب، ولكنه أمسك بيدها يطالعها بتعجب، ولكنها أردفت بتشتت:
- هذا لا يصح يا فيليب.. لا يمكن أن أفعل ذلك.
- كيف لا يمكن؟ أنا أحبكِ يا آسيا، وأنتِ أيضًا تكنين لي المشاعر، ما الذي يمنعنا من التعبير عن حبنا لبعضنا؟
أردفت وهي تطالعه في عمق عينيه:
- إننا لسنا متزوجين.
- فلنتزوج إذاً، والآن.
تحدث بتلك الجملة وهو عاقدًا حاجبيه. كانت تطالعه بتعجب. هل ماسمعته حقيقي؟ إنه يريد أن يتزوجها!
- هل تمزح؟
- أنا لا أمزح في تلك الأمور.
- لكن كيف؟ لقد تقابلنا فقط منذ ثلاثة أسابيع!
- إذاً، لِمَاذا أشعر أننا قد تقابلنا منذ سنوات؟
ظلا يطالعان بعضهما بحبٍ، وأردفت آسيا بصوت مبحوح:
- السفارة المصرية.. نقدر نتجوز فيها.
وهكذا قد تزوج الاثنان، وعبَّر الاثنان عن حبهما لبعضهما بأفضل طريقة.
رواية ثأر الشيطان الفصل السابع عشر 17 - بقلم سارة بركات
استيقظت في الظهيرة وهي بين ذراعيه. قامت بفتح عينيها ببطء. شعرت أنها كانت تحلم، ولكن الحلم كان حقيقة، حيث كان يحيطها بذراعيه القويتين. تنهدت بارتياح وكانت سعيدة كثيرًا، حيث أنها لم تكن تتوقع أن كل ذلك سيحدث أثناء ممارستها لوظيفتها.
– بتفكري في إيه؟
نطق فيليب بتلك الجملة محاولًا التحدث بالمصرية وبنعاس.
ابتسمت بهدوء وأردفت:
– مكنتش مصدقة الحركة المجنونة اللي عملناها دي.
صمت قليلًا يطالعها بابتسامة وتحدث بلغته:
– وأنا أيضًا.
كان ماتيوس يبحث عن فيليب ولكنه لم يجده. حيث أنه طرق على بابه كثيرًا ولم يُجِب، وبحث عنه في الفندق بأكمله ولم يجده. أتى على باله فكرة أنه من الممكن أن تكون آسيا تعلم بمكان وجوده.
توقف أمام غرفتها وقام بطرق الباب عدة طرقات وانتظر قليلًا حتى فُتِحَ الباب. وما صدمه هو وقوف فيليب أمامه عاري الصدر وينظر له باستفسار.
ماتيوس بعدم استيعاب:
– ماذا تفعل هنا؟!
أردف فيليب بضيق:
– بل أنت ما الذي تفعله هنا؟
لم يستطع ماتيوس أن يتحدث بكلمة. وما صدمه أكثر هو ظهور آسيا خلفه وهي تتحدث:
– مين يا حبيبي؟
ولكنها توقفت عندما رأت ماتيوس أمامها وابتسمت:
– مرحبًا بك سيد ماتيوس.
صمتت قليلًا ولكنها استأنفت بخجلٍ واضح:
– لقد تزوجت أنا وفيليب أمس.. صدقني لم نستطع أن نُخبر أي أحد حتى عائلتي.. سيقتلونني أعلم.
قهقهت بخفة.
– ولكننا قد تزوجنا.
ظل ماتيوس صامتًا لم يستوعب حتى الآن زواج صديقه من الفتاة التي أرادها لنفسه. شعرت آسيا أنه قد تضايق وأردفت:
– سيد ماتيوس أنا أعلم أنك وفيليب أصدقاء ولكننا…
تحدث فيليب وهو يقاطعها:
– لماذا تُبررين له؟ نحن لم نفعل شيء سيء….
والتفت لماتيوس مردفًا بضيقٍ خافي:
– صحيح ماتيوس؟
ابتلع ماتيوس ريقه وأردف:
– مباركٌ لكما.
ظل صامتًا لم يفعل شيء بعدها.
– العُقبى لك.
ثم أغلق فيليب الباب بوجهه.
– ماذا فعلت فيليب؟؟ كيف تغلق الباب بوجهه؟
التفت إليها بابتسامة وهو يحملها بين يديه:
– تزعجني رؤيته قليلًا.. دعيني نُكمل ما كُنا نتحدث به.
****
تحرك ماتيوس بذهول في ممر الغرف وهو عائدًا إلى غرفته. كيف؟! كيف يأخذها منه؟؟ كان يعتقد أنه يريد اللعب بمشاعرها قليلًا عندما أخبره بأنها تخصه. لم يكُن يعتقد أنه سيتزوجها! كيف تزوجها؟ شعر أنه قد خسر التحدي أمام فيليب العنيد المغرور الذي يؤمن بأنه لا يمكن لأحدٍ هزيمته. ظهر الغضب الشديد في ملامحه وأردف:
– سأُريك يا فيليب من هو ماتيوس! سأُريك.
وقام بكسر كل شيء في غرفته وهو غاضب.
مرت الأيام وكان فيليب وآسيا يعيشان كأسعد زوجين. وعندما اقترب موعد رحيل فيليب كانت آسيا جالسة بفراشها تنظر أمامها بشرود وكان فيليب يقوم بتجهيز حقيبته ولكنه انتبه لشرودها. اقترب منها يُمسك يدها وأردف باستفسار:
– مالك؟
نظرت في عُمق عينيه وأردفت بحزن بالروسية:
– أنا خائفة كثيرًا. أشعر أنك لن تعود لأخذي فيليب! ثم إنني خائفةٌ من أقوم بمواجهة عائلتي وحدي.
ضغط على يدها برفق يهدأها:
– لا تقلقي حبيبتي، سأغيب عنكِ عدة أيامٍ فقط. سأقوم بضبط الأمور في عملي هناك وسأعود هنا لكي نبقى بعض الوقت ثم سأذهب بك إلى روسيا، ما رأيك؟
أردفت بحزن:
– هل من الممكن أن تقوم بتأجيل عملك قليلًا فيليب وتبقى معي قليلا؟ لا أُريد الإبتعاد عنك.
كان يُطالعها قليلًا وهو يفكر ولكنها أردفت:
– أرجوك حبيبي.
تنهد فيليب باستسلام وأردف:
– حسنًا.
قفزت بين ذراعيه بسعادة وهو قام بضمها بقوة. يشعر أنه لم يكن حيًا قبل أن يقابلها. لقد شعر بالحياة فقط عندما تقابلت عينيه مع عينيها في المطار! ثم ابتعدت عنه وأردفت:
– ماذا ستفعل بموعد عودتك؟
– لا تقلقي سأتصرف. ثم إنني أعلم أن الزيارة تكون ثلاثة أشهر هذا صحيح؟
– نعم! ولكنك تعتبر أنك حصلت على الجنسية المصرية حقك أن تبقى هُنا.
– لم تكتمل إجراءات الجنسية المصرية بعد وهكذا إذا يتبقى لي شهرين. ثم سأسافر لضبط أوراقك عندي وبعدها سأرسل لكِ لكي تكوني معي في روسيا ما رأيك؟
أردفت بابتسامة وسعادة:
– أفضل حل.
ثم صمتت قليلًا وأردفت:
– محتاجاك تتكلم مصري طول الوقت عشان تقدر تمارس اللغة بشكل كويس.
هز فيليب رأسه ثم أردف بتقطع في حديثه:
– بس مش هيكون واضح إني بتكلم مصري مكسر؟
كانت تطالعه بانبهار وهو يتحدث المصرية بشكل مفكك كالأطفال الذين يتعلمون التحدث في بداياتهم وأردفت بحب:
– هتبقى حلو أوي على فكرة وانت بتتكلم مصري مكسر.
قبل رأسها ووجنتها وأيضًا يدها وهي كانت مبتسمة بسعادة وهي تطالعه هكذا.
– ممكن أنا أطلب طلب بقا؟
– أكيد.
– في شغل محتاج أنفذه الأول بعد ميمشي ماتيوس من مصر.
آسيا بعدم فهم:
– تقصد إيه؟
– هغيب يوم ممكن بس هكون موجود بمصر. أنا مش هسافر روسيا. أنا بخلص شغل بسرعة وبرجع ليكِ.
– تمام ماشي هستناك.
بعد مرور وقت بسيط، في باحة الفندق كان فيليب يقف أمام ماتيوس الذي يطالعه بهدوء.
– ستعود أنت وسأرسل خلفك الصفقة التي ربحناها سويًا. وأخبرهم بزواجي وأنني سأعود بعد شهرين من الآن.
هز ماتيوس رأسه دون إصدار كلمة إضافية وكاد أن يذهب ولكن فيليب أمسك بذراعه وأردف باستفسار:
– أمازلت تشعر بالضيق بسبب ما حدث؟
أردف ماتيوس بابتسامة:
– لا يا صديقي، كنت أعتقد أنني مُعجبٌ بها ولكنني فهمت تلك المشاعر بشكلٍ خاطيء. ثم يكفي أنها زوجتك أنت، أي أنها بمثابة زوجة أخي.
تحدث فيليب بابتسامة:
– لا تحزن ماتيوس ستجد فتاتك المناسبة قريبًا لا تقلق.
وربت على كتفه.
أردف ماتيوس وهو يطالع يده التي على كتفه:
– مباركٌ لكَ مرة أُخرى.
ضمه فيليب وقام بتوديعه وركب ماتيوس مع السائق الذي كان يرافقهم طوال الرحلة لكي يوصله إلى المطار.
ثم ذهب فيليب بعدها للمخزن الذي قد أبقى به البضاعة وقام بنقلها بمساعدة سيارات نقلٍ ضخمة ونقلها لأقرب ميناء للقاهرة وهو ميناء الإسكندرية. وذلك لكي يتُم شحنَها إلى روسيا على حسب المُتفق سابقًا مع المافيا الروسية. وكل ذلك مُخطط له منذ البداية لكي لا يتم كشف أي شيء.
عاد فيليب للقاهرة مرة أخرى وبقي بها مع آسيا يومين آخرين في سعادة أيضًا ثم عادا بعدها سويًا إلى الإسكندرية.
كانت تمسك بيده بقوة وهي تقوم بطرق باب منزلهم والذي كان عبارة عن مبنى بسيط من طابقين بالقرب من شاطئ الإسكندرية و “كوبري استانلي”.
فُتحَ باب المبنى وكانت والدتها ذات الشعر الأسود الموجود به بعض الشعيرات البيضاء هي من قامت بفتحه. والتي ابتسمت بفرحٍ عندما رأت ابنتها الغائبة عنها لشهرٍ كامل. ولكن ابتسامتها اختفت عندما رأتها ممسكة بيدِ شاب يبدو من هيئته أنه ليس مصري!
– مين الواد ده؟!
شعرت آسيا بتوتر من طريقة سؤال والدتها.
آسيا:
– ممكن ندخل الأول طيب وهشرحلك؟
أفسحت المجال لها ببطئ وهي تطالعها. وكاد أن يدخل فيليب ولكنها وقفت أمامه تمنعه من الدخول.
آسيا:
– ماما معلش سيبيه يدخل.
ظلت والدتها ترمقة بنظرات شريرة كما اعتقد فيليب ولكنه دخل المنزل. كان يجلس مع آسيا في صالة الشقة الموجودة في الطابق الأول. وكانت شقة بسيطة جدًا مُريحة وهادئة.
انتبه عندما تحدثت والدتها:
– مش هتقولي بقا مين الواد ده؟
كادت أن تتحدث ولكن فيليب هو من تحدث بعد أن اعتدل من مقعده واقترب منها يمد يده ليصافحها:
– أنا فيليب زوج آسيا.
صُعِقَت عندما من حديث ذلك الشاب وأردفت بذهول.
– جوز مين؟! بنتي أنا؟؟
آسيا بهدوء:
– ماما هشرحلك.
– تشرحي؟؟!! تشرحي إيه يابنت ال***.
ثم أخذت نعلِها من قدمها وقامت بإلقاءه عليها. ولكنها أتت في فيليب الذي أخذ تلك الضربة في وجهه بدلًا منها.
اقتربت والدتها نحوها تنوي أن تقوم بجذب شعرها لكي تجعل منها صلعاء. ولكن فيليب هو من أمسك بيدها يمنعها:
– سيدة كريستين ممنوع أن تقومي بضرب إبنتكِ.
– نعم ياخويا؟ بيبرطم بيقول إيه ده؟
آسيا:
– يا ماما اسمعيني بقا وبلاش ضرب. وبعدين مانتي دايمًا متفهمة في كل حاجة، اشمعنا في الحاجة دي مش قادرة تتفهميني فيها!
– نعم ياختي؟ تتجوزي من غيري أنا واخواتك ومنعرفش نحضر الإكليل بتاعك!! وتقولي ليه مش قادرة أتفهمك! إنتِ أكيد بتهزري يا آسيا صح؟؟!
صمتت آسيا قليلًا تطالع والدتها التي اتضح الحزن على ملامحها.
– ماما.
اقتربت منها تحاول أن تمسك بيدها ولكنها أبعدتها عنها.
– أنا معملتش حاجة غلط. أنا اتجوزت بشكل قانوني.
لم تتحدث والدتها وكاد أن يتحدث فيليب ولكن آسيا من تحدثت.
– ممكن يا ماما نتكلم طيب بعيد عن فيليب.
رفعت والدتها حاجبيها من إسمه الغريب ذاك! اقتربت منها آسيا تُمسك بيدها مرة أخرى وأخذتها معها لإحدى الغرف وجلست أمامها.
– ماما.. صدقيني أنا حبيته ومش عارفة أشوف نفسي غير وأنا معاه. وحسيت إن روحي هتطلع لو هو بِعِد عني. أنا مستعدة أقضي باقي حياتي معاه.
أردفت والدتها بحزن وهي تنظر في عمق عينيها:
– طب وأنا.. إخواتك؟ مش مكتوبلنا نفرح بيكِ؟ ولا المفروض نعدي إنك خلاص اتجوزتي من غيرنا؟ المفروض نتقبل فِكرِك الحُر. مش كفاية مستحملين بُعدِك عننا تقومي ترجعيلي متجوزة!
قبلت يدها وأردفت:
– حقك عليا، أنا آسفة. بس صدقيني فيليب طيب وعسول أوي وهتحبوه خالص ده مفيش أطيب منه بجد.
ظلت والدتها تطالعها قليلًا ثم تنهدت باستسلام وأردفت.
– مش مقتنعة بكلامك. وعمومًا إنتِ حرة طالما اخترتي بإيدك إننا منبقاش معاكِ في القرار ده، إنتِ واختيارك.
آسيا بابتسامة:
– صدقيني عمري ماهندم إني اتجوزت فيليب، أنا بحبه أوي بجد.
كريستين بإمتعاض:
– أما نشوف.
اقتربت منها آسيا تقبل مقدمة رأسها وأردفت:
– وحشاني أوي يا ماما.
ابتسمت كريستين وربت على ظهرها بخفة وأردفت:
– وإنتِ كمان بس أنا زعلانة منك. ومش عارفة إخواتك هيتقبلوا الموضوع ده ولا لا.
أردفت آسيا بغرور:
– متقلقيش هما بيثقوا في اختياراتي.
– بس هيزعلوا.
– متقلقيش هتعدي وأنا هعرف أظبط الأمور معاهم. يلا بقا اطلعي معايا اتعرفي على فيليب عشان المنظر اللي شافنا بيه ده مينفعش خالص.
قهقهت وهي تسحبها من يدها خلفها. وقام فيليب بمصافحة كريستين وأيضًا قبل يدها.
وفي المساء:
عاد إخوة آسيا من عملهما وهما بيشوي وكيرلس أخويها اللذان يكبُراها سنًا وتفاجآ بوجود فيليب. وبعد معاناة ومتاقشات قوية وغضب ومحاولة إقناع آسيا بزواجها منه قد وافقا لأنها تحبه ولكنهما لم يرضيا بزواجها من أجنبي كانا يريدان أن تتزوج مصري.
بقيت آسيا مع فيليب في الشقة بالطابق العلوي وتطورت علاقتهما ببعضهما حيث صارا أكثر تعلقًا ببعض وأكثر حُبًا لبعض. وكان أهلها يعاملانهم معاملة حسنة. وبمرور الأيام أصبح فيليب صديقًا لأخواتها.
وفي يومٍ ما:
كانت تقف أمامه وتبكي.
– هتمشي وتسيبني؟
أردف فيليب بحب وهو يلتمس وجنتها:
– لازم أمشي آسيا، عندي شغل كتير وهحاول أجيبك عندي في أقرب وقت.
آسيا وهي تدفن وجهها في صدره:
– وانت فاكر إني هقدر أستحمل بُعدك عني؟
– ولا أنا كمان هقدر أستحمل، بس هي الظروف كده. محتاج أخلص شغلي وصدقيني هجيبك عندي مش هنبعد عن بعض كتير.
ثم ابتعد عنها قليلا يمسك وجهها بيديه:
– أنا بحبك.
– وأنا كمان يافيليب. ماتتأخرش عليا.
كاد أن يتحرك.
– أنا هاجي معاك المطار.
– بلاش يا آسيا نفسيتك هتتعب. أنا هروح لوحدي وصدقيني مش هتأخر عليكِ.
قبل يدها وهي تبكي وقام بضمها بقوة وبعدها خرج من المنزل وسافر للقاهرة لكي يذهب للمطار.
مرت الأيام وكان فيليب يُنجز أعماله ف المافيا الروسية وأيضًا كان يقوم بتجهيز أوراق زوجته لكي تأتِ إليه. وفي ذات الوقت كان يفكر أنه كان يكذب عليها طوال تلك الفترة، كيف سيخبرها إذا أنه عضو مهم في المافيا الروسية. ولكنه قرر أنه سيعترف لها بكل شئ بعد أن تأتي. كل ذلك كان يتم تحت أعين ماتيوس الذي يراقبه كالذئب الذي يريد أخذ كل شيء منه.
خطت قدميها أرض روسيا بعد غيابهما عن بعض شهرًا كاملًا ولكن ها هي قد أتت إليه. كانت تبحث عنه بعينيها بداخل المطار حتى وجدته وابتسمت بسعادة وركضت بإتجاهه وقفزت بين ذرعيه.
– وحشتني.
فيليب وهو يضمها بقوة:
– وإنتِ كمان يا حبيبتي وحشتيني.
ثم وضعها أرضًا وأمسك وجهها بيديه يطالعها بحبٍ دون كلمة.
– أنا جهزت لينا شقة نقعد فيها وأتمنى إنها تعجبك.
آسيا وهي تطالعه في عُمق عينيه:
– مش مهم المكان، المهم أكون معاك حتى لو هنقعد في الشارع.
وضع يده على فاهها يقول:
– متقوليش كده، إنتِ مقامك قصر مش شقة كمان. يلا بينا نروح شقتنا عشان إنتِ وحشاني جدا.
**في اليوم التالي:**
كانت تقف بالمطبخ تقوم بتحضير طعام الفطور لهما بابتسامة مرسومة على وجهها. ولكنها شعرت بالدوار لوهلة وكادت أن تقع الطنجرة من يدها. وانتبه فيليب لذلك عندما اقترب نحوها وحمل الطنجرة بدلًا عنها ووضعها جانبًا.
– مالك؟
وضعت يدها على رأسها ثم أخذت نفسًا عميقًا وأردفت:
– مفيش شوية إرهاق وتعب حاسة بيهم من وقت مانت سافرت.
فيليب بقلق وهو يبعد خصلة شعرها الملتصقة بوجهها:
– مكشفتيش ليه؟
– مش مستاهلة.
– لا مستاهلة. هروح الشغل وأرجع نكشف ماشي؟
هزت رأسها وقام بتقبيل يدها وتناولا طعام الفطور سويًا ثم ذهب لعمله المزعوم. أما هي كانت تضع يدها على بطنها تشعر بتقلصات وصاحبها شعورٌ بالغثيان. ذهب للمرحاض لكي تتقيأ ثم عادت للمطبخ مرة أخرى تحاول أن تهدأ وتفكر في تلك الأعراض. والتي بالتأكيد هي أعراض حَمل. وعند ذلك الشَك كانت سعيدةً كثيرًا.
انتبهت على صوت طرقات باب الشقة.
– أكيد نسي حاجة.
اقتربت نحو الباب وقامت بفتحه ولكنه لم يكن فيليب بل كان ماتيوس والعديد من الرجال.
آسيا بقلق:
– سيد ماتيوس ماذا تفعل هنا؟
…….
ولكنه لم يُجيبها. تحرك رجاله نحوها وقاموا بحملها على الرغم من مقاومتها وصراخها.
– ماذا تفعلون أيها الحمقى اتركوني.
ظلت تصرخ بقوة وتحاول أن تخرج من قبضتهم ولكنهم قاموا بضربها على رأسها بقوة مما جعلها تفقد الوعي.
بعد مرور عدة ساعات إقترب فيليب من المبنى السكني الذي يقطن به هو وآسيا يحمل في يده باقةً من الزهور ومعه العديد من الشوكولا. ولكنه تفاجأ من التجمع الهائل الموجود أمام المبنى وصُدم عندما رأي حريقًا بالمبنى. حاول الصعود للمبنى ولكن رجال الإطفاء منعوه بقوة. ظل فيليب يصرخ ويقاتلهم لكي يصعد لزوجته.
– اتركوني إن زوجتي في الأعلى. اتركوني.
ولكن لم يستجيب أحد حيث تجمع الرجال حوله وأوقفوه. كان فيليب ينظر للمبنى الذي تأكله النيران ويصرخ بقوة.
– آسيا!!!!!!!!!!!!.
رواية ثأر الشيطان الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سارة بركات
في مكانٍ مُظلمٍ يتخلله بعضٌ من أشعة الشمس من ثقوب سقف القبو، كانت مُكبلة بالسلاسل الحديدية وهي تبكي وتصرخ بشدة ولكن لا أحد يُجيبها، كأنها تُحدثُ نفسها.
كان يقف مصدومًا أمام المبنى المتفحم وعبراته لا تتوقف عن النزول. لا يصدق أنه لم يستطع أن يقوم بإنقاذها. يقولون أن الحريق قد حدث في الطابق الأول ثم انتشر في المبنى بأكمله. وقعت عيناه على الجثث المتفحمة، لا يستطيع أن يميزها من بينهم، جميعهم يتشابهون. لم ينتبه على ماتيوس الذي وضع يده على كتفه، التفت له فيليب بذهول ولكنه بكى كالطفل الصغير وارتمى بين ذراعي صديقه. قام ماتيوس بضمه بشدة ولكنه كان مبتسمًا لأنه وأخيرًا تخلص من الطرف الذي كان يوقفه عن فعل ما يريد، وهو وجوده مع آسيا.
مرت الأيام وكانت آسيا تصرخ في القبو الموجودة به ولكن لم يُجِبها أحد. ظلت هكذا عدة أيام بدون طعام حتى هزلت وأصبحت لا تقوى على الحركة. وفي يومٍ ما، كانت نائمة على أرضية القبو الباردة بوجهٍ شاحب. انتبهت على صوت أقدام بالقرب من سقف القبو. صاحب تلك الأقدام قام بفتح السقف ونزل القبو من خلال سُلم مصنوع من الأربطة، واقترب منها ونزل في نفس مستواها.
ماتيوس بهوس:
حبيبتي آسيا.
لم تقوى على التحدث لأنها متعبة للغاية.
أعتذر لغيابي عنكِ، فلقد كنتُ مشغولٌ مع زوجكِ بإقامة جنازتك ثم مواساته ومواساة عائلتك أيضًا في رحيلك.
وضع يده على وجهها يلتمسه ولكنها شعرت بالتقزز منه ولم تتحمل وقامت بالتقيؤ.
مُقزِزة.
ذلك ما قاله ماتيوس عندما رأي تقيؤها.
أرجوك.
ذلك ما قالته أثناء تقيؤها. ثم أردفت بصوت ضعيف:
أرجوك ماتيوس، إنه يموت.
ماتيوس بعدم فهم:
ماذا؟ لم أسمع جيدًا.
أرجوك، أنا بحاجةٍ للطعام، إن طفلي يموت فأنا لم أتغذى منذ عدة أيام.
أنتِ تحملين جنينه!!
ذلك ماتحدث به ماتيوس بغضب وقام بإمساك شعرها بقوة. صرخت بسبب فعلته تلك وقام بجعلها تقف رغمًا عنها وهو ممسكًا بشعرها. كانت تتحدث بألم وبصراخ:
أرجوك اتركني.
ولكنه صفعها بقوة جعلها تقع أرضًا من هزلها. ثم عاد للأرض مرة أخرى يقترب منها.
إذًا قد نجح في جعلكِ تحملين بطفله! ما رأيك إذًا في أن أقوم بمنافسته فأنا أفضل منه ولكنكِ لم تُعطيني أي فرصة.
اعتدلت بسرعة وأردفت بحذر:
لا لا، أرجوك، فقط دعني وشأني أنا وبُنيّ، سأبتعد يا ماتيوس صدقني، أرجوك.
ثم انفجرت في البكاء وصرخت بهيستيريا عندما رأته يقترب منها ولكنها لا تستطيع الهرب لأنها مكبلة في الحائط.
سأريكِ آسيا.
لا، لا أرجوك.
ولكنه لم يستمع لها ولا لرجائها واهتزت الجُدران بسبب صرخاتها بإسم *فيليب* أثناء إغتصابه لها بوحشية.
مرت أسوأ أيامها هكذا، يغتصبها ذلك الحقير تارة ويرمون لها الطعام كالحيوانات تارةً أخرى. ومع مرور الأشهر كان جنينها يكبُر في رحمها وكان هو أملها الوحيد أثناء مايحدث لها. كانت تتشبث به بدلًا من الإنتحار! صبرت على تعذيب ذلك الحقير الساديّ لها كثيرًا. كانت تشعر أن جنينها هو معجزتها في البقاء على قيد الحياة حتى الآن. وأنها لمُعجِزة أنه ظل برحمِها حيًا ولم يمت. لم تكن تعلم جنسُ المولود حتى أتى يوم ولادته! كانت مكبلة كعادتها في القبو ببطن منتفخة ووجهٍ شاحب وأعين تحيطها الهالات السوداء. أخذت نفسًا عميقًا ووضعت يدها على بطنها بإبتسامة مكسورة عندما تحرك جنينها بشكل ملحوظ في بطنها. انتبهت عندما فُتِحَ سقف القبو، التصقت بالحائط المُكبلة به بخوف عندما نزل ماتيوس وتحرك حتى أصبح أمامها وتحدث مبتسمًا وهو يطالع بطنها.
لدي خبرٌ رائعٌ لكِ أو فلنقل لي، مباركٌ لكِ لقد تحررتي من ذلك المدعو فيليب.
أردفت بارتعاش وعدم فهم:
ماذا؟
ألم تفهميني ياعزيزتي جيدًا؟ أم أن إحتباسكِ هنا جعلكِ تفقدين عقلك؟
ظلت تطالعه بكُرهٍ بين خوفها ثم بصقت في وجهه بقوة. اقترب نحوها بغضبٍ وأردف بقوة وهو يضغط على عنقها بقوة:
إن فيليب مات متأثرًا بوفاتكِ.
نزلت عبراتها من مقلتيها عندما سمعت ذلك الخبر وأيضًا بسبب ضغطه على عنقها. كانت تعتقد أن هناك فرصة ستجمعها هي وفيليب! ولكن كيف وهو ميت الآن؟ أغمضت عينيها تستسلم لاختناقها وهي تبكي. ولكن في تلك اللحظة شعرت بألم المخاض يقطع أحشائها، صرخت بأقصى طاقة لديها ونزلت منها المياة المحيطة بالجنين. ابتعد عنها ماتيوس بسُرعة يراها وهي تتألم ألمًا لم يرى مثله قبلًا. ولكنه لم يهتم، يشعر أنه قد أخذ كفايته منها. سيتركها تموتُ هنا. خرج من القبو وترك بابه مفتوحًا يستمتع بصرخاتها المتألمة. صرخت بقوة وهي تحاول أن تأخذ نفسًا عميقًا تحاول أن تساعد نفسها في الولادة. وبعد محاولات عديدة وصعبة استطاع الجنين الصغير أن يخرُج ويتحرر من الرحم الصغير الذي كان يقوم بتقييد حريته وأطلق صرخة تعلن عن حياته وحياتها من جديد.
في الوقت الحالي:
كان جواد جالسًا أمام فيليب يطالعه بضيق. أما بالنسبة لفيليب فكان يتحدث بهدوء تام:
عشان تقدر تسعد قلب أنثى، إتكلم بلغة الحب.
جواد بعدم فهم:
مش فاهم؟
صمت فيليب يفكر في ذكرى بينهما هو وآسيا ثم أردف:
ورد.
توقف جواد متحدثًا بضيق:
إيه التفاهة دي؟ ورد!.
فيليب بهدوء:
مش تفاهة على فكرة. لو محتاج تحافظ على علاقتك بزوجتك لازم تخليها تحبك من جديد، خليها تشوفك بشكل تاني خالص.
كاد أن يعترض ولكنه أردف بتحذير:
جواد، إحنا اتفقنا إنك هتحاول تصلح علاقتك بزوجتك بأي طريقة يعني هتخليها تحبك من تاني، وده هيساعدها في إن ذاكرتها ترجعلها. إنت كده بالشكل ده بتبعد عن هدفنا، إنت كده عايزها تكرهك أكتر.
ظل جواد صامتًا ولم يتحدث. وبعد عدة ثوانٍ أعاد فيليب حديثه.
ورد! شوكولا كتير، تشاركها في كل حاجة هي بتحبها.
كاد جواد أن يتحدث ولكن قاطعهما اقتراب صوفيا نحوهما وقامت بتقبل وجنة فيليب مما أشعل الغيرة في صدر جواد.
مرحباً عمي.
مرحباً عزيزتي.
لم تلقِ التحية على جواد وتجاهلته.
إلى أين تذهبين هكذا عزيزتي؟
ذاهبة لقاعة الرقص ولكنني أردت أن أمُرَّ عليك لكي أطمئنّ قبل أن أبدأ.
أردف فيليب بابتسامة:
أنا بخير، إذهبي عزيزتي.
ثم تحركت نحو قاعة الرقص وأغلقت الباب خلفها. كان جواد يقف يحاول أن يتحكم بأعصابه بسبب تجاهُلِها له. وكاد أن يتحرك ليذهب خلفها أمسكه فيليب من ذراعه وأردف:
إنت كده بتعمل عداء بينكم، تجاهَل تجاهُلهَا ليك هي زعلانة منك شوية.
مين قال إني رايح أتخانق معاها؟ مش انت قولت أشاركها في حاجة هي بتحبها؟
طالعه فيليب باستفسار ولكن جواد ابتسم بهدوء ثم خرج من الغرفة التي كانوا بها ودخل خلف صوفيا القاعة التي دخلتها والتي بدأت الموسيقى بها للتو.
وقفت تأخذ نفسًا عميقًا تغمض عينيها تحاول أن تجعل الموسيقى تصل لجميع حواسها لكي تشعر بها وترقصَ بحرية. ثم قامت بفتح عينيها وبدأت بالرقص بإحساسٍ عالٍ قليلًا. كان يقف خلفها يراقبها وهي ترقص هكذا بحرية. تلك الحرية كانت بداخل شمس من قبل. تلك كانت شمسه التي غابت عنه وأصبحت حياته ظلام. اقترب منها بخطواتٍ بطيئة ولف ذراعه حول خصرها بهدوء. التفتت بسرعة لكي ترى من خلفها ولكنها وجدت جواد يقف أمامها مُبهمة. رفع يده لها ليحثها على إمساكها وبالفعل أمسكت بيده وبدأ الإثنان يرقصان بشكلٍ متناغم بينهما كأنهما يعبران عن مشاعرهما من خلال تلك الرقصة. كل ذلك تحت أعين فيليب الذي يطالعهما بأعين تلمع وحزينة في آنٍ واحدٍ. وبعد أن انتهى الإثنان من رقصتهما كانت صوفيا تتنفس بقوة بسبب المجهود الذي فعلاه.
صوفيا:
متى تعلمت ذلك الرقص، أشعر أنكَ محترف.
أردف جواد بهدوء وهو يتذكرها عندما كانت ترقص أمام مرآتها في غرفتها منذ زمن:
كانت هناك فتاةٌ اخترقت عالمي وسرقت مني كل شيء حتى قلبي دون أن تنتبه وأغرقتني معها في طريقٍ لا عودة منه. تلك الفتاة هي من علمتني الرقص.
اقترب منها قليلا حتى أصبح ملتصقًا بها وهمس بصوت مسموع:
وأيضًا علمتني كيف أصبح حبيبها، عاشقها، أو كمان يقول الجميع *مهووسًا بها*. حياتي كانت كلها عبارة عن تلك الفتاة التي سرقت مني أحلامي. عندما كنت مستيقظًا كنتُ أراها وعندما أنام أحلُم بِها. لكنها لم تكن تعلم أنها أرهقتني. كانت كل شيء يا آنسة صوفيا. كانت شمسِي وليلِي. كانت تنَفُسِي الذي لا أقوى على العيش بدونه.
صوفيا باستفسار وتأثر:
كانَت؟
جواد بتأكيد وحُزن وهو ينظر في عُمق عينيها:
كانَت.
كانَت.
أين ذهبت؟
لا أعلم.
ظلا يطالعان بعضهما ولكنه ابتعد بهدوء بعد عدة ثوانٍ وأردف بابتسامة هادئة:
أتمنى أن أكون شريكًا رائعًا في الرقص. ثم إنكِ بحاجة للراحة قليلًا فلقد إنتبهت أن جسدكِ مازال يؤلمكِ من حادث أمس.
كاد أن يتحرك ولكنها أوقفته:
دانييل.. أين هو؟ ماذا فعلت به؟
أردف بابتسامة لطيفة وهو يلتفت إليها:
أرسلته في رحلةٍ بمساعدة صديقٍ ما وأتمنى أن تُعجبه الرحلة.
وفي تلك الأثناء في أسبانيا المكسيك، كان نائمًا بهدوء ولا يشعر بأي شيءٍ حوله حتى بدأ ينتبه للأصوات حوله شيئًا فشيئًا. كان صوت ضجيج وصراخ. اعتدل بصعوبة بسبب الضرب المُبرِح الذي تعرض له ما سبب الكدمات الصعبة والموجودة في جسده. أخذ يلتفت حوله وجد نفسه موجودًا في حلَبَةٍ حولها أسوارًا عالية وانتبه لما يرتديه، كان يرتدي زيًا باللون الأحمر. التفت للخلف عندما ضُرِبَ جرَس تلك الحلبة ووجد ثورًا يدخلُ الحلبة ويركض نحوه بقوة.
دانييل بصراخ:
لا.. لا. لا!!!!!!!!!!
في اليوم التالي:
كان جواد يقف بشرفة غُرفته في قصر فيليب وينظر أمامه بشرود. منذ أن أتى هنا وهو لم يتوقف عن التفكير في كيفية عودة زوجته إليه وأيضًا في البحث عن والدته. لقد تعبَ كثيرًا في البحث عنها منذ أن أتى ولكنه يعلم جيدًا ماذا يحدث حوله وخاصة في أمر فقدان والدته! الذي قام باختطافها هو نفسه من قام باختطافها منذ أن وُلد أو قبلها وهو نفسه من قام بإبقائها في تلك المصحة طول السنوات الثلاثون الماضية. سيصل له، سيصل له قريبًا وستكون نهايته على يده. كانت نظراته غاضبة وهو يفكر بأمر والدته. لقد عانت كل ما هو مُرٍ في حياتها. وفاة والده وأيضًا أمر اختطافها. ذلك كل ماجواد يعلمه لأنه يتذكر جيدًا ذلك المشهد الذي لن ينساه أبدًا.
كانت تركض وهي تلهث بقوة وتمسك بيده وهو يركض بجانبها محتضنًا دميته بقوة.
ماما، أنا مش قادر أجري أكتر من كده، ماما أنا تعبت.
التفتت آسيا له وهي تتنفس بسرعة وتنظر خلفها ثم حملته بين يديها وأخذت تركض ولكن الرجال الذين يركضون خلفها قربوا على الإمساك بها. إختبأت خلف شجرة وأخذت نفسًا عميقًا وأردف بهمس تتسائل:
إزاي عرف يوصلِّي في مصر؟ أنا عملت المستحيل عشان أعرف أجي هنا.
ثم طالعت طفلها الصغير ذو الخامسة من عمره وقامت بضمه بقوة. ثم سمعت حديث احدهم.
عندنا أوامر إننا نقتل ابنها ونرجعها للزعيم.
ضمته بقوة وهي خائفةٌ كثيرًا لا تدري ماذا تفعل. سيقتلون طفلها! لا لن يحدث هذا أبدًا. أخذت تبحث حولها ثم ركضت واقتربت نحو أحد المنازل القريبة من المكان الذي كانت تركض به واختبأت بمدخل مبنى منهم.
آسيا بابتسامة مطمئنة وهي تمسك وجنتيه بكلتا يديها:
جواد، حبيبي.
أردف بصوت طفولي:
نعم يا ماما؟
عايزاك تفضل هنا متخرجش أبدًا ماشي؟
ليه؟
اسمع كلامي يا حبيبي، عشان خاطري متخرجش من هنا.
حاضر.
كادت أن تذهب ولكنه تحدث.
ماما.
التفتت إليه تطالعه باستفسار:
توعديني إنك هترجعيلي؟ توعديني إنك هتيجي تاخديني تاني؟
قامت بضمه بقوة وأردفت:
أوعدك إننا هنتقابل تاني يا جواد، عايزاك متنسانيش.
لم يفهم حديثها ولكنه بكى كأنه قد حان وقت الوداع. ابتعدت عنه وهي تبكي أيصًا وأردفت وهي تقوم بمسح عبراته:
متعيطش، خليك قوي وشجاع عشان محدش يقدر عليك ويظلمك.
هز رأسه بطفولية وقامت بتقبيل وجنته ثم طالعت صليبها المعلق في عنقها وقامت بخلعه وأعطته إياه.
خليه معاك عشان ربنا يحميك.
هز رأسه بطفولية وأمسكه من يدها ووضعه في جيبه. وقدم لها دميته وهو يبكي وأردف ببراءة:
خليه معاكِ عشان ياخد باله منك.
قبلته مرة أخرى وضمته بقوة وأخذت دميته ثم خرجت ومن وقتها وهي لم تعد. كانت ينتظر أسفل الدرج في المبنى حتى حل الليل ولم تعد إليه والدته. خرج من المبنى يبحث عنها بعينيه الباكيتين حتى توقف أمام باب كان هناك أناسٌ ذوي لحية طويلةً يدخلون مبنىً ضخمًا مفتوحًا. كان ذلك المكان يصدر صوت به ذِكر كما إعتقد. كان الناس يطالعونه بتعجب واقترب نحوه أحدهم:
باباك فين ياحبيبي؟
لم يستطع جواد أن يتحدث لأنه يخاف التحدث مع الغرباء. إنه فقط يريد والدته. قال جملة واحدة بخوف وذلك بعدة كلمات بسيطة:
أنا عايز ماما.
اقترب منه رجل آخرٍ ذو لحية ويمسك بيده كتابًا يضعه بالقرب من قلبه كان مكتوب عليه كلمتين بشكل منمق وجميل وبيده الأخري وضع يده على كتفه:
متخفش، تعالى إدخل معانا المسجد لعل وعسى أهلك يلاقوك هنا.
هز جواد رأسه ودخل المسجد معهم وهو ممسكٌ بيد الشيخ بخوف ولكن هدأ قلبه قليلًا لأنه يتمنى أن تجده والدته هنا. بقي جواد في المسجد ينتظر أن تأتي والدته لتأخذه ولكنها لم تعد وأتى يومٌ ما كان يبكي بحُرقةٍ واقترب منه إمام المسجد عندما رآه يبكي.
مالك يابني؟ بتعيط ليه؟
ماما مرجعتش تاخدني.
طب ادعي ربنا إنها ترجعلك.
سأله جواد باستفسار طفولي:
إزاي؟
تعالى هعلمك.
وعلمه الشيخ الوضوء والصلاة. وكان كل يومٍ جواد يصلي بطفولية ويدعو الله أن تعود إليه والدته ولكنها لم تعُد حتى أتى يوم جلس أمامه أحد الشيوخ وأردف باعتذار.
كان بإيدينا نساعدك يابني بس لحد الآن ماحدش سأل عنك وكل يوم بننادي في الميكروفون في الجوامع في المنطقة دي والمناطق اللي حوالينا مفيش حد بييجي.
أردف جواد بطفولية بعدم فهم:
بس ماما قالتلي إنها هترجعلي تاني.
فكر الشيخ قليلًا ثم أردف بتنهيدة:
طيب لحين أما ترجع مش هينفع نومك على الأرض هنا في المسجد لازم تروح مكان تنام فيه على مرتبة حلوة.
أردف ببكاء:
بس أنا معرفش حد يا عمو.
ثِق فيا، وبعدين مش إحنا اتفقنا إننا طول ما بنصلي وبندعي ربنا يبقى مفيش قلق؟
هز جواد رأسه بطفولية.
طب ليه مخوف نفسك كده؟ طول ما ربنا معاك طول مانت هتبقى بخير. يلا تعالى معايا.
أمسك بيده وخرج من المسجد وارتدى حذاءه ووقف الشيخ به أمام ملجأ وتحدث مع مشرفة الملجأ ببقاءه لفترة لحين العثور على أهله.
في الوقت الحالي:
أغمض جواد عينيه بحزن ثم أخذ سلسال الصليب الخاص بوالدته من جيبه يحمله وأردف بحزن شديد:
أخدونا من بعض يا أمي.
ولكنه انتبه عندما طرق احد على باب غرفته وأعاد الصليب في جيبه مرة أخرى.
تفضل.
دخل فيليب الغرفة واقترب نحوه.
بخصوص دانييل.. أمره خلص خلاص.
هز جواد رأسه بهدوء وكان يطالع فيليب بهدوء غريب.
مالك؟
شكرا على إنك ساعدت مراتي.
فيليب بتعجب من شُكرِه:
العفو أنا معملتش غير الصح.
صمت فيليب قليلًا ثم أردف:
على فكرة العملية بتاعة مصر نجحنا فيها وده بفضلك.
ابتسم جواد بهدوء ولكنه لم يتحدث كان يُطالع الوقت في هاتفه.
تمام شكلك مشغول في حاجة، نبقى نتكلم وقت تاني.
همهم جواد ثم خرج فيليب من الغرفة أما جواد ذهب لحمام غرفته لكي يتوضأ لآداء فريضة المغرب وذلك لغروب الشمس ودخول وقت المغرب عليه.
رواية ثأر الشيطان الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سارة بركات
كانت تقف أمام خزانة ملابسها وهي ترتدي منشفة تغطي أغلب جسدها فقد انتهت من حمامها للتو وكانت حائرةً فيما سترتديه اليوم فهي تريد أن تخرج لتستنشق بعض الهواء قليلًا، لأنها قد سئمت البقاء في المنزل؛ فذلك الشخص المتطفل الذي يُدعى جواد يقوم بتقييد حريتها في منزلها! ومايضايقها أكثر هو صمت عمها وتقبله لما يحدث ولكنها لن تسمح له بذلك مرة أخرى لا تُنكر أن تصرفاته في الآونة الاخيرة معها قد أصبحت لطيفة نوعًا ما ولكن لا لن تنخدع بإبتسامته اللطيفة والجذابة تلك و..... هزت رأسها لعلها تستفيق من موجة المشاعر التي اجتاحتها تلك، ثم تنهدت وانتقت الثوب المناسب لها وارتدته وقامت بتزيين نفسها ثم خرجت من غرفتها اقتربت من باحة القصر وانتبهت لجلوس فيليب مع المدعو جواد في غرفة المكتب .. طالعتهما قليلًا تشعر أنهما يكونان فريق عملٍ ممتاز ثم طالعت جواد كان يبدو تركيزه واضحًا فيما يقوله عمها .. شردت في تفاصيل وجهه إنه وسيم، جذاب .. فكه البارز .. تفاحة آدم البارزة في عنقه .. جسده المليء العضلات القوي وعندما انتبهت أنها شردت به هزت رأسها بسرعة لعلها تستفيق من شرودها ذلك، شعرت بإحمرار وجنتيها وخجلها وعادت تطالعهما وهما يركزان فيما يقولان ولكن لحظة هناك شيءٌ غريب! لماذا يبدوان متشابهين هكذا؟؟ نفسُ الملامح!! أغمضت عينيها وقامت بفتحهما مرة أخرى تحاول أن تصدق ماتري، هي بالطبع تريد أن تقع في حب شخص يشبه عمها أو أباها ولكن ليس لدرجة أن تتخيل جواد يشبه عمها! وضعت يدها على قلبها لأنها شعرت بالحماس فجأة وهي تحاول أن تتعمق في ملامحهما .. لو كان لديها علم أن عمها لديه إبن بالطبع سيكون السيد جواد هو ابنه درجة التشابه بينهما غريبة! الفرق بينهما هو علامات السن على وجه عمها والذي على الرغم من سنه فقد إحتفظ بشبابه وصحته لم يكن مثل باقي الأشخاص في مثل عمره.
"إلى أين تنظرين يافتاة؟!"
فُتِحَت عينيها على وسعيهما عندما سمعت صوته والتفتت تطالعه بهدوء شديد كأنها تحاول استيعاب وجوده أمامها .. رجل أنيقٌ في بداية الخمسينيات ووسيمٌ أيضًا ذو جسدٍ منحوت يبدو مثل أخيه تمامًا في بنيته الجسدية ...
"أبي!"
أندريه بإبتسامة كبيرة وهو يقوم بفتح ذراعيه لها:- إلى أحضان أبيكي عزيزتي.
صرخت بحماس وركضت نحوه وقفزت بين ذراعيه وعلى صرختها تلك انتبه فيليب وجواد لما يحدث ..
صوفيا وهي تقبل أندريه من وجنته:- اشتقت إليك كثيرًا أبي.
- وأنا أيضًا عزيزتي.
خرج جواد قبل فيليب ليرى مايحدث ورأي ذلك المشهد الذي أغاظه كثيرًا وأسرع نحوهما لكي يُبعِدهما .. أمسك بذراعها يُبعدها عن أندريه الذي عقِدَ حاجبيه وهو يطالع من أبعدها عنه لعدة ثوانٍ ثم أردف بذهول..
"يا صاح لم أعرفك!! هل قمت بعملية تجميل؟"
وكاد أن يقترب منه ليقوم بضمه ولكنه انتبه لخروج فيليب من غرفة مكتبه وتوقف يتعجب الشبه الذي بين فيليب وذلك الشاب الذي أمامه ..
"أرى أنكَ أتيت أندريه، لدينا الكثير من العمل."
عقِدَ أندريه حاجبيه وأردف:- لقد غبتُ عنك لشهر ثم تخبرني بالعمل بمجرد رؤيتي، ألن تقم بالترحيب بي حتى يا أخي؟؟؟
اقترب فيليب منه يضمه بإبتسامة ثم ابتعد عنه وأردف:- أُعرِفُك بضيفي .. السيد جواد إنه أحد أهم أعضاء المافيا الروسية.
أندريه بتلقائية وذهول وهو يقوم بإمساك وجنتي جواد:- يا الله، إنه يشبهك كثيرًا فيليب، كنت أعتقد أنك هو.
أبعده جواد عنه بضيق وأردف فيليب بمأساة:- عُذرا سيد جواد على تلقائية أخي تلك فهو هكذا مع كل ضيوفي .. أخي الصغير للأسف ويجب أن أتحمله قليلًا.
أخذ نفسًا عميقًا ثم استأنف موجهًا حديثه لأندريه:- حسنًا كفانا مُزاحًا هناك الكثير من الأشياء أريد التحدث معك بها فلدينا الكثير لنفعله في أيامنا القادمة.
هز أندريه رأسه لفيليب وتقابلت عينيه مع خاصتي جواد الذي يطالعه بهدوء في المقابل .. دخل الإثنان لغرفة مكتب فيليب أما جواد فقد ظل واقفًا أمام شمس ولكنه كان في عالمٍ آخر يفكر في شيءٍ ما.
كانت تقف أمامه تطالعه ولكنها عادت إلى غرفتها في نية منها لتبديل ثيابها والبقاء مع والدها قليلًا، ولكنها توقفت عندما أمسكها جواد من يدها ..
"لماذا ترتدين ذلك الثوب؟ ألم تلاحظي أنه عارٍ قليلًا؟"
التفتت إليه تطالعه وأردفت بهدوء:- ليس من شأنك.
أردف جواد بتنهيدة:- لقد ظننت أن علاقتنا تحسنت قليلًا آنسة صوفيا.
أردفت بضيق:- لا لم تتحسن سيد جواد، ثم ليس لي شأنٌ في وجود علاقةٍ بيننا.
استأنفت بهمس وهي تقترب منه:- أم أنني قد أثرت بك؟
كانا يطالعان بعضهما في صمت ثم أردف جواد بهدوء وذكاء:- ألا تعلمين كم أنتِ جميلة؟
كادت أن تتحدث ولكنه استأنف:- ألا تخافين من رؤية أحد المجرمين لكِ فيؤذونكِ؟ ألا تخافين على والدكِ أو عمكِ ماذا سيحدث لهما إذا حدث شيئًا لكِ؟
وضع يده على ذراعيها العاريتين:- أوتعلمين شيئًا؟؛ حتي إذا حدث ذلك فأنا لا أسأم من اللحاق بكِ وسأكون خلفكِ حتى لو ذهبتي لآخرِ العالم سأظل ورائك وسأقتل كل شخصٍ سيفكر فقط أن يلمس خِصلةً من شعرك .. مُجرد التفكير يا صوفيا سأفعلها صِدقًا.
أردفت بعدم استيعاب وهي تطالعه:- لماذا؟ لماذا أنا؟
تأثرت ملامحه وهو يطالعها:- ألم تفهمي بعد؟
- لم أفهم ماذا؟
تحدث وهو يتذكر أول يومٍ تقابلا به كان في قصر والدها السيد بهجت:- منذ أن تقابلنا وأنا أشعر أنني يجب أن أبقى بجانبكِ وأقوم بحمايتكِ ولا أعلم ما السبب أو الدافع في فعل ذلك .. أعلم أنني قد أبدو متطفلاً قليلًا من وجهة نظرك ولكن تلك هي الحقيقة آنسة صوفيا.
أثناء حديثه ذلك كانت تتذكر أول مرة تقابلا بها في الحفل ووقتها شعرت بالأمان وهي بين ذراعيه ولم تكن تدري ما السبب ولماذا تنجذب إليه كثيرًا هكذا كأنها تريد الإختباء بين ذراعيه وألا تخرج منها أبدًا.. تنهدت بعمق وأردفت:- إنني ألتمس الصِدقَ في حديثك حقًا سيد جواد، إنك مُحِق يجب أن أراعي مشاعر والدي وعمي.
أردف جواد بابتسامة وهو يحيط وجنتيها بيديه:- ومشاعري أيضًا.
إحمرت وجنتاها وأردفت بتوتر:- سيد جواد.
- فقط جواد.
ابتعدت عنه بهدوء وكادت أن تعود لغرفتها ولكنه أوقفها ..
"ما رأيك بأن نذهب للعشاء اليوم بالخارج؟"
لم ينتظر ردها واستأنف:- سأنتظركِ هنا أمام القصر في العاشرة مساءًا أي بعد ثلاثِ ساعات من الآن.
ابتسمت وأكملت صعودها إلى غرفتها لكي تقوم بتغيير ثيابها .. كان جواد يتابعها بعينيه وهي تعود لغرفتها ويتذكر جيدًا كلمات فيليب
- البنت بتحب الرجل العقلاني الصريح اللي يبين إهتمامه بيها وهو بيتكلم معاها .. حتى في النظرة واللمسة لازم وانت بتكلمها تكون مسيطر لكل حاجة حواليكم حتى حواسها .. بتخليها تسرح فيك وتفكيرها بيك يزداد وبعد ماتلاقي دماغها لانت استغل الفرصة واعزمها على العشاء.
تنهد جواد بعمق وعاد لغرفة المكتب حيث كان فيليب و أندريه..
كان أندريه شاردًا وغير منتبهًا تمامًا لما يقوله فيليب ..
"أندريه، أخبرني ماذا يُشغِل عقلك؟"
أردف أندريه بشرود:- أوتدري فيليب اعتقدت لوهلة أنه إذا كنتَ قد أنجَبتَ طفلًا من آسيا لكان الآن في نفس عمر ذلك الشاب الذي يُدعى جواد.
صمت فيليب قليلًا وارتسم الحزن على ملامحه لتذكره آسيا .. كأن الألم قد زاد عنده لمجرد التفكير في ذلك الأمر .. إنه حتى لم يبقى معها سوى عدة أشهر ..
"إتأخرت؟"
ذلك ما أردف به جواد بالمصرية عندما دخل عليهما الغرفة وكانت ملامحه مبهمة وهو يطالعهما وأردف بوعيد:- تحذير ليكم إنتوا الإتنين للمرة الأخيرة .. إياك حد فيكم يفكر مجرد تفكير إنه يقرب منها مرة تانية، ماشي؟
تحدث أندريه بصدمة وعدم فهم لما يحدث:- أفندم؟
تدخل فيليب:- نسيت أعرفكم على بعض بجد، جواد زوج صوفيا أو بمعنى أصح شمس.
جواد بسخرية:- من الواضح إن العيلة دي شاطرة في المصري أوي.
أردف أندريه بخبث وهو يطالعه:- أغلب شغلي كان في مصر.
جواد بابتسامة مصطنعة:- مش هتفرق كتير، وأظن رسالتي وصلت ومش محتاج أكررها مرة تانية.
- حقك.
ذلك ما تحدث به أندريه وهو يطالع جواد بهدوء .. نفخ فيليب بضيق ..
"مش هنخلص، أظن إننا ورانا شغل مهم جدا محتاج نتكلم فيه أفضل من إننا نرمي لبعض كلمتين ملهومش لازمة، إجتماع زعماء المافيا لازم نحدده في أسرع وقت عشان في حاجات محتاجين نعلن عنها."
لم يفهم جواد مايقول ولكن أندريه هز رأسه وبدأ فيليب بالتحدث .. أما عند صوفيا فقد كان قلبها ينبض بشدة بسبب حديث جواد لها .. ولا تُنكِر أنه قد أثر عليها وعلى مشاعرها اتجاهه هي بالفعل تشعر بالإنجذاب نحوه منذ أن قابلته ولكنها كانت تشعر بالضيق عندما كان يتحكم بتصرفاتها .. ولكن الآن! إنه أصبح مختلفًا تمامًا عن ذي قبل، شخصٌ متفهمٌ كثيرًا يتحدث بعقلانية وهدوء .. هل من الممكن أن يكون هناكَ شيءٌ بينهما فيما بعد؟ وعند ذلك التفكير إحمر وجهها خجلًا.
بعد ثلاث ساعات:
كانت تقف أمام مرآتها تنظر لثوبها الأسود الذي ترتديه وتفكر هل من الممكن أن يتضايق جواد بسبب إرتدائها ذلك الثوب؟ أم سيمر الأمر على خير؟، شعرت بالتوتر لأنها ليس من المفترض أن تفكر هكذا فمنذ متى وهي تفكر بمشاعره؟ خرجت من غرفتها وهي تهبط على الدرج وشعرها الأسود يتطاير خلفها وعندما خرجت من القصر وجدته يقف أمامها بجوار سيارته مرتديًا حلة سوداء يبتسم لها اقتربت منه بتردد وقام بفتح باب المقعد الجانبي له .. جلست داخل السيارة وأغلق الباب خلفها ..
وجلس بجانبها عند مقعد القيادة. طالعها بابتسامة وأردف:- تبدين جميلة أكثر من ذي قبل آنسة صوفيا.
قامت بفرك يديها بتوتر في ثوبها ..- شكرًا لك.
ثم بدأ بالقيادة وبعد مرور عدة دقائق كان الإثنان يجلسان في مطعمٍ راقٍ يشربان مشروبًا باردًا.
"فكرة جيدة لعدم رغبتك في تناول النبيذ."
أردف جواد بهدوء:- أريد أن نكون واعيين ونحن نتحدث اليوم لذلك أخرجت ذلك الشيء من القائمة، ثم إنني لست من هواة الكحول وهو مُحرمٌ عليّ فلمَ أشربه؟
ابتسمت وأردفت بهدوء:- أحترم صراحتك تلك.
ابتسم جواد واقترب بجذعه قليلًا نحوها وهو جالسًا أمامها:- من الجيد أن هناك تفاهمٌ بيننا أوتعلمين شيئًا إن ذلك سيساعدنا قليلًا في المستقبل القريب.
صوفيا باستفسار:- ماذا تقصد؟
أردف وهو يطالعها في عمق عينيها:- أنتِ تعلمين مقصدي جيدًا.
وفي تلك الأثناء اقترب نادلٌ نحوهما كان يرتدي قناعًا للوجه مثله مثل غيره وضع النادل مشروبًا إضافيًا ثم رحل تابعه جواد بعينيه ولكن بعد ثوانٍ فقط تحدث جواد بصوتٍ عالٍ ..
"صوفيا اختبأي."
كادت أن تتحدث ولكن تعالت أصوات طلقات النيران حولهما وأخرج جواد عياريه الناريين والتفت لكي يقوم بالتصويب على من يقومون بمهاجمتهما.
مات أغلب الموجودين في المطعم وكانت صوفيا مختبئة أسفل الطاولة تحاول الإتصال بوالدها وعمها، وكان جواد يصوب على من يطلق النيران .. كانوا رجالًا ملثمين .. أوقع جواد البعض أرضًا وتحركت صوفيا بخفاءٍ وأخذت عيارًا ناري يخص أحدهم .. وكانت تساعد جواد حيث تطلق النيران معه .. وبعد أن انتهي جواد كان يتنفس بصعوبة لا يدري متى وكيف أتوا إلى هنا؟ لقد حدث ذلك بلمح البصر .. اقتربت منه صوفيا وهي تتنفس بصعوبة وهي تحمل عيارًا ناريًا بيدها ..
"هل انتهينا منهم؟"
ظل يطالعها بهدوء وكاد أن يتحدث ولكن تعالت أصوات طلقات النيران مرة أخرى .. والتصق الإثنين بظهر بعضهما يقومان بالتصويب محاولين أن لا تخترقهما أي رَصاصات.
أردف جواد بصوت عالٍ:- لما لاتنصتين لي صوفيا؟
أردفت بابتسامة:- أحب أن أثير غضبك قليلًا.
التفت الإثنان لبعضهما وأردف جواد بغضب:- أنتِ عنيدة، ستقتلين نفسكِ.
- دعني أجرب تدريبي على الأسلحة .. لقد كان والدي مستمتعًا بتعليمي، والآن أنا أشعر بشعوره ذلك.
- لقد أفسداكِ صوفيا!.
رفعت حاجبيها بعدم فهم ولكن جواد قام بدفعها جانبها وقام بالتصويب على من كان سيصوب على ظهرها، ثم أمسكها من ذراعها وخرجا من المطعم وبدأ بالتحرك بسيارته بأقصى سرعة وهما مُطاردان من فريق كامل من الأشخاص الملثمين .. وبعد عدة دقائق استطاع جواد الابتعاد عنهم ووصل لقصر فيليب وخرج من السيارة بغضب .. ودخل القصر وصوفيا تتبعه بعدم فهم .. دخل جواد مكتب فيليب وأمسكه من تلابيبه متحدثًا بغضب:- المرة دي كلابك معرفوش يقتلونا زي المرة الأولانية .. أنا هوريك مين هو جواد الجندي.
رواية ثأر الشيطان الفصل العشرون 20 - بقلم سارة بركات
كان فيليب مشدوهًا مما يحدث. يطالع جواد الغاضب أمامه ولكنه شعر بالغضب أيضًا وقام بإبعاد يد جواد عنه بقوة وأردف:
- إنت فاكر نفسك مين عشان تمسكني بالشكل ده؟
قام جواد بتكوير كف يده اليمنى ووضعه خلف ظهره وأردف بثبات وقوة وهو يطالعه في عُمق عينيه:
- أنا شخص عمرك ماهتقابل حد زيه، وبالنسبة للي حصل واللي انت كررته تاني مش هعديه.
تدخل أندريه بضيق وأردف:
- في حاجة اسمها عقل .. نتناقش ونفهم إيه اللي حصل؟
التفت جواد نحو صوفيا وأردف:
- أهي عندكم أهيه تقدروا تعرفوا السبب منها.
ثم تركهم وصعد لغرفته تحت أعين فيليب الغاضب جدًا.
التفت أندريه لصوفيا:
- حبيبتي، ماذا حدث؟
قصَّت لهم ماحدث بعدم فهم لأي شيء. دخل جواد غرفته وكان يبحث عن شيئًا ما في حقيبته. كانت حقيبة بلاستيكية صغيرة جدا. فتحها جواد بهدوء بعدما جلس على فراشه وقام بفتح كف يده اليمنى ليظهر بها بعضًا من خصلات شعر فيليب والتي استطاع جواد انتزاعها منه وبمهارة. وضعها بها وأغلقها بهدوء وأخذ نفسًا عميقًا. ثم أخذ أخرج هاتفه من جيبه بسرعة وأخذ يتصل برقمٍ ما:
- أريد أن أقوم بحجز طيران لمصر في أقرب رحلة.
قام بإعطائهم بياناته وقام بحجز رحلة طيران بعد ساعتين. قام بتجهيز حقيبته وخروج من غرفته ووجد أمامه صوفيا التي تطالعه بصدمة بسبب حقيبته التي يُمسكها.
- إلى أين تذهب؟
أردف بملامح مبهمة:
- أنا عائد حيث أتيت.
- صدقنِي جواد، إن عمي لم يأمر أحد بفعل شيءٍ لنا، كيف سيؤذينا؟
- لا يَهُم، لكن من الواضح أن من فعل ذلك يكونُ شخصًا قريبًا منه جدا، يجب أن ينتبه جيدًا.
ثم ابتعد عنها وأعطاها ظهره. أغمض عينيه يحاول التحكم بمشاعره. لا يريد الإلتفات للخلف، لا يريد أن يضعُف. هناك أشياءٌ مهمة أيضًا يجب أن يعود لمصر لأجلها. يخاف أن يضعف إذا التفت لأنه لا يدري ماذا سيفعل بهاّ! من المُحتمل أن يقوم بكسر عضمها من كثرة ضمه لها. كانت تأتيه الكثير من الأفكار وأولهما إتمام زواجهما، ولكنه استفاق لنفسه يريد فقط أن يُنهي ما بدأه. وأهمهم الوصول لوالدته ثم عودة حبيبته إليه! فإن كان فيليب والده كما يظُن فإنه بالتأكيد سيستطيع الوصول إليها. يجب أن يتأكد من ذلك أولا ثم سيعود وسيقوم بإحراق كل شيء! كان أن يتحرك خطوة ولكنها أوقفته.
- جواد.
التفت إليها يطالعها بهدوء. اقتربت منه وأردفت باستفسار وحزنٍ في آنٍ واحد:
- لماذا قمت باتهام عمي بفعل ذلك؟
أردف بغضب:
- لأنه كان سيقتلني ويقتلـ...
*صمت قليلًا ثم أردف*
لقد فعلها من قبل صوفيا في مصر بأحد المطاعم كان سيقتل شخصًا عزيزًا علي ثم أرسل لي خطابًا بعدها يُخبرني أن ذلك هو عقابي على عدم إتمام إحدى الصفقات بشكل جيد!
استأنف بقوة:
- من يحاول الإقتراب من أي شيءٍ يخصني يكون عدوي، أنا لا أثق به هو وأخيه وأي شخصٍ يعمل معهم.
ظلت تطالعه بهدوء وأردفت بثقة:
- إن عمي لا يمكنه أذيتي جواد، وأنا أثق به تمامًا ولكن على مايبدو أنك أنت من يجب ألا أثق به.
ابتسم جواد بحزن وهو يطالعها ثم التفت ورحل دون أن ينظر خلفه مرة أخرى. كانت تتابعه بعينيها وهي تشعر أن هناك خطبٌ ما. سارت خلفه بهدوء حتى خرج من القصر وشعرت أن قلبها يتمزق ولا تدري ما السبب. تريد أن تقول له لا تتركني! خُذني معك!
وعند تلك اللحظة هيطت عبراتها من مقلتيها وانتبه فيليب لها أثناء خروجه هو وأندريه من غرفة المكتب.
- صوفي، ماذا هناك؟
لم تلتفت إليه وهي تبكي ولكنها شعرت بالضعف عندما جعلها تلتفت إليه وبكت بقوة وألقت بنفسها بين ذراعيه تبكي فقط على رحيله الذي آلم قلبها ولا تعلم ما السبب.
ذهب جواد لغرفته بالفندق وترك حقيبته وأخذ بعض الأشياء المهمة ثم خرج من الفندق وذهب في طريقه إلى المطار. بعد مرور عدة ساعات هبطت الطائرة في مطار القاهرة الدولي، وخرج جواد من المطار وكان رجاله بانتظاره ولكنه تفاجأ بوجود عاصم أمامه أيضًا. وقف الإثنان أمام بعضهما لعدة ثوانٍ ولكن عاصم ابتسم وقام بفتح ذراعه له.
ضمه جواد وأردف:
- هحكيلك كل حاجة لما أرجع.
أردف عاصم باستفسار:
- رايح فين طيب؟
- إسكندرية.
عقد عاصم حاجبيه باستفسار وتابع تحدث جواد مع رجاله حيث أعطاهم حقيبتين صغيرتين وكل ما سمعه:
- دول عينتين لل DNA نتيجتهم تطلع في أسرع وقت.
هز رجاله رؤوسهم وركب سيارته والتي قام أحد رجاله بقيادتها. وضع يده يدلك المنطقة بين عينيه بهدوء وهو يقرأ الرسائل النصية التي قد وصلته في وقت محاولة هروبة هو وشمس من العصابة التي كانت تطاردهما في روسيا والتي كانت من أحد رجاله.
- جدة حضرتك نقلوها للمستشفى بشكل مفاجئ، واحنا بنراقب الوضع ومنتظرين أي نتيجة.
بعد مرور عدة ساعات وصل جواد للمشفى التي توجد به جدته ولكنه لم يدخل. ظل يراقب الوضع عن بُعد. التمعت عيناه عندما رأى خاله بيشوي يخرج من المشفى يبدو عليه أنه يحمل الكثير من الهموم على عاتقيه. فقد كان متوسط الطول ذو شعرٍ أبيض ممتلئٌ قليلًا إلى حدٍ ما. وعندما تأكد من خروجه خرج من سيارته ودخل المشفى في إتجاهه نحو غرفة جدته. ولكن قبل ذلك ذهب إلى غرفة ما وقام بالتنكر على هيئة مُمرض وارتدى قناعًا طبيًا يُخفي نصف وجهه، وذلك لوجود خاله كريلس وزوجته وأطفاله أمام غرفة جدته. وأثناء دخوله هز رأسه لخاله كريلس يُحيِيه ثم دخل الغرفة وأغلق الباب خلفه. كان جسدها الهزيل الواضح عليه التقدم في العُمر موصل بالأجهزة. اقترب منها وجلس بجانب سريرها يطالع ملامحها بتأثر أسفل قناعه. يقول الأطباء أن حالتها تسوء. لا يمكن أن تسوء قبل أن يُعيد إليها ابنتها. لا يُمكن.
قامت بفتح عينيها ببطئ وتقابلت عينيهما.
- جواد؟
قام جواد بانتزاع القناع الطبي وابتسم لها بهدوء.
أردفت بارهاق وألم:
- إيه يابني؟ فينك؟ بقالي فترة بروح السوق مش بتيجي تساعدني في الشيلة وتيجي تقعد معايا شويه تشربلك كوباية شاي لحد ما أحفادي يجولي. إنت مباقتش عايز تقابلني ولا إيه يا ولد؟
أخذ جواد نفسًا عميقًا وأردف:
- أعذريني يا ست كريستين، كان عندي شوية مشاكل.
أردفت باستفسار:
- وحليتها؟
هز رأسه نافيًا.
- متقلقش، هتتحل انت بس اصبر.
هز رأسه ثم ظل صامتًا يُطالعها.
- متبصليش كده عشان مضعفش، وانت راجل حليوة كده وأنا أخاف على نفسي.
قهقه جواد بخفة ثم عاد يُطالعها مرة أخرى.
- أيوه كده اضحك، محدش واخد منها حاجة.
تنهد جواد بعمق وأردف:
- عندك حق.
ظلت تطالعه بهدوء وهي صامته. ثم أردفت:
- بتفكرني ببنتي الله يرحمها وجوزها.
ظل منصتًا إليها وهي تتحدث.
- مش عارفة فيك منهم. ساعات بحسك مرة قالب عليه ومرة قالب عليها، معلش يابني يمكن من كتر مابنتي وحشاني بشوفها في كل اللي حواليا.
قهقهت بخفة ثم تألمت.
- إهدي.
- متخفش عليا.
ظل الإثنان صامتان قليلًا.
أردفت بإرهاق وهي تراه شاردًا هكذا:
- لقيتها؟
هز رأسه وأردفت بابتسامة:
- أنا مبسوطة عشانك أوي يابني، يا رب تلاقي السعادة معاها.
أردف بتأثر:
- دعوتك دي جميلة أوي.
انتبهت كريستين على الآذان يُرفع في مسجدٍ قريبًا من المشفى. وأردفت بصعوبة:
- وانت كمان ادعيلي دعوة جميلة وانت بتصلي يا جواد. ادعيلي أشوف بنتي لما أموت.
خرجت الدموع من مقلتيها.
- إنتِ محتاجة ترتاحي شويه، أشوفك وقت تاني.
ثم اعتدل وكاد أن يذهب:
- أشوف وشك بخير يابني.
التفت اليها وأردف بابتسامة:
- إن شاء الله.
خرج من الغرفة وهو يخفي وجهه ثم خرج من المشفى. جلس بسيارته وهو يحاول منع عبراته من النزول. لا يستطيع التحمل! لطالما حياته كانت هكذا! يعيش في خفاء لا يوجد لديه عائلة أو بمعنى آخر عائلته لا تعلم بوجوده تمامًا ولن يصدق أحد ذلك لأن الجميع يعلم أن آسيا قد ماتت قبل أن تُنجب أطفال. أخذ نفسًا عميقًا وذهب للمسجد للصلاة لعله يرتاحُ قليلاً. وبعد أن انتهى ظل جالسًا في المسجد يقرأ في المصحف الشريف قليلًا وفي ذات الوقت يدعوا لجدته من كل قلبه أن تُصبِح بخير. وبعد أن انتهى ظل في سيارته أمام المشفى عند البَحر يفكر بشرود يتذكر لقائه بجدته عندما مثَّل أنه يريد مساعدتها في حمل حقائب التسوق والتي بدأت صداقتهما من هنا. أبتسم بهدوء وهو يتذكر حنانها وعطفها عليه وأيضًا ربتها على كتفه عندما تشعر أنه ليس بخير. تلك المشاعر البسيطة التي عاشها مع والدته لفترة بسيطة فقط ولكنها ظلت على باله دائمًا لم تُمحَى من ذاكرته. يتذكر أن طفولته كانت تتلخص في حماية والدته له من شيءٍ ما وأيضًا هروبهما من دولة إلى دولة أخرى عن طريق البحار! لم يكن يعلم ممن كانا يهرُبَان ولكن صبرًا لكل وقتٍ آذان كما يقولون. شرب قهوته الفرنسيه وهو ينظر أمامه بشرود باتجاه البحر ولكن قاطع شروده أحد رجاله والذين تبعوه بعدما قاموا بتنفيذ مهمتهم وهو تقديم العينات لتحاليل ال DNA.
- جواد بيه.
التفت اليه وهو يطالعه باستفسار.
- آنسة صباح عايزة تكلمك.
التقط جواد منه الهاتف وأردف:
- إزيك يا صباح عاملة إيه؟
- بخير الحمدلله، وأخيرًا حضرتك ظهرت. أنا ماصدقت إن بابا قالي إنك رجعت من بره. حمدالله على السلامة.
أردف بابتسامة هادئة:
- الله يسلمك، أخبار الشغل معاكِ إيه؟ في حد من الزملاء بيضايقك؟
- لا بالعكس خالص كلهم متعاونين جدا الحمدلله.
- طب الحمدلله.
صمتت قليلاً وهو أيضًا ظل صامتًا ينتظرها أن تتحدث.
- لو عايزة تتكلمي في حاجة أنا موجود.
حمحمت بإحراج وأردفت:
- بص هو عاصم كان عايز يتقدملي وكده وأنا مُحرجة أكلم بابا فأعتقد إنت أحسن حل إنك تفتح مع بابا الموضوع وخاصة إنه بيعزك أوي وكان في بينكم عِشرة.
ابتسم جواد بهدوء ثم أردف:
- مافيش مشكلة أول أما أرجع القاهرة هكلمه إن شاء الله.
- إن شاء الله.
ظلت صامتة ثم أردفت بصوت متحشرج:
- كان نفسي شمس تبقى معايا في لحظة زي دي.
أردف جواد بابتسامة:
- إن شاء الله هتكون معانا.
................................................................
تجلس في غرفتها المنعزلة عن العالم وهي تنظر أمامها بشرود تفكر في ماضيها المؤلِم. كيف تمكنت من البقاء على قيد الحياة هكذا طبقًا لِمَا مرَت به؟ يا الله لقد واجهت الكثير من الصعوبات كان من الممكن أن تجعلها مجنونة ولكن صبرها كان لأجل طفلها وصغيرها الذي أعاد لها الحياة مرةً أخرى.
منذ أعوامٍ كثيرة مضت:
مرت أيام منذ أن وضعت طفلها وكان باب القبو مفتوحًا ولكنها لم تكن تستطع الصعود بسبب ارهاقها وألم جسدها بسبب الولادة وأيضًا كانت تقوم بإرضاعِ صغيرها دون أن تأكل شيء فلم يكن يوجد شيء تكسب قوتها الجسدية منه. كانت جالسة تقوم بضم صغيرها والذي قد نام بسلام بعد أن شَبِعَ من جوعه. وظلت تطالعه في ملامحه إنه يشبه والده كثيرًا. تنهدت بحزنٍ لأنها لم تتعافى من موت زوجها. الآن لم يتبقى لها سوى صغيرها. أما بالنسبة لعائلتها فهم لا يعلمون بوجودها لأنهم يعلمون بوفاتها. والذهاب إلى مصر بدون أوراق سيكون صعبًا كثيرًا حيث أنها ستسافر هاربة في سُفُنِ الشحن حتى لو أخذت أشهر وسنوات في رحلتها تلك ولكنها ستفعلها. الأهم هو أن تهرب من ذلك المُختَل. انكمشت في مكانها عندما نزل ماتيوس للقبو وابتسم ابتسامة خبيثة لها.
- يبدو أن وجودكِ هُنا قد أعجبكِ.
لم تُجبه ولكنها كانت تنظر لجواد بحنان ولا تنظر لماتيوس الذي أردف بغيرة:
- لقد حمِلتِي بنُسخة صغيرة منه. عيشي أيامك القادم معه فلن يبقى معكِ كثيرًا وريثُ فيليب ذاك.
طالعته بعدم فهم:
- ماذا تقصد بوريث فيليب؟
- ألا تعلمين أن زوجكِ الحقير ذلك كان سيصبح زعيمًا للمافيا الروسية في الأيام القادمة. والآن قد مات ومن المفترض أن وريثه ذلك الطفل و...
قاطعته آسيا بغضب:
- ماذا تقول عن زوجي يا هذا؟ إن فيليب كان شخصًا بسيطًا يعمل في شركة للهندسة! إن زوجي بعيدٌ تمامًا عن كُل ماتقول.
قهقه ماتيوس بخبث وهو يطالعها:
- الحقير. ألا تعلمين أنه قد قام باستغلالك عندما كُنَا في مِصر! كان يتركني معكِ ليكمل مهماتنا التي آتينا لأجلها ثم يعود ويتعامل كأن شيئًا لم يَكُن. قرر البقاء لشهر إضافي للبقاء معكِ عدة أيام فقط لأنه قد أُعجِبَ بكِ. مثلي!
أردفت بصراخ:
- كفاكَ كذِبًا. لقد سئمت من حديثك السيء عن زوجي. إياكَ ثم إياك أن تتحدث عنه هكذا مرة أخرى. ثم إنني أحبُ فيليب ولن أنساه أبدًا ومهما حاولتَ التحدث عنه بسوء لن أكرهه أبدًا.
شعر ماتيوس بالغضب كثيرًا. لاتزال تريد فيليب!
- هل مازلتي تحبينه؟
أردفت بتحدي:
- من قال أنني اكتفيت من حبِه؟ إن زوجي بقلبي ولن أنساه أبدًا.
شعر ماتيوس بالغصب يكبر داخله لأنها مازالت تُفضل فيليب عليه. أخذ سوط مصنوعُ من الجلد وتفاجأت مما فعل وقامت بوضع جواد خلفها وحاولت أن تحميه بجسدها وأخذت كل الجلدات التي كان يجلدها بها ماتيوس بغضب تحت صرخات وبكاء الرضيع في الغرفة.
ماتيوس بغضب:
- حسنًا إذا، يبدو أنكِ ستبقين هنا تحت إقامتي لمدة طويلة لا نعلم ماهيتها.
لم تكن تستطيع الحديث حيث أن جسدها كان ينزف بقوة وتنظر لطفلها الذي يصرخ وهي تبكي في صمت. خرج ماتيوس من القبو وقام باغلاقه خلفه وبكت بقهرٍ على ضعفها الجسدي فالولادة والحمل دون تغذية جيدة قد أخذا منها كل طاقتها. إنها تحتاج لفترة طويلة لإستعادة طاقة جسدها وذلك يستحيل بسبب ضعف غذائها.
في الوقت الحالي:
قامت بمسح عبراتها وهي تتذكر كم عانت بسبب ضعف جسدها وعدم قدرتها على حماية نفسها بل كل ماكانت تستطيع فعله هو حماية طفلها فقط. ظلت هكذا لأربع أعوام. تعانِي من ضعف غذائها لانها وبعد فِطامها لطفلها كانت تجعله يأكل طعامها البسيط لكي يشبع. طفلها المحجوز معها في ذلك القبو. تتذكر تلك السيدة العجوز التي أتت لتنظيف القبو والتي ساعدتها في الهرب من ذاك المكان بصعوبة بالغة ولكن مع الأسف قد انتهى الأمر بمقتل تلك العجوز بعد اكتشاف ماتيوس للأمر وظل بعد ذلك يلاحقها! ظلت تهرب منه عبر السُفُن المحملة بالبضائع والتي تذهب إلى دولة معينة كانت هكذا تتنقل عبر البحار مع جواد دون وجهة معينة تقوم بترجي المارة المتنقلون من مرفأ إلى آخر لكي يعطونها طعامًا تُطعِمُ طفلها إياه.
أردفت بحزن:
- أتمنى إنك تكون بخير يابني.
ثم عادت غائبة في ذكرياتها السيئة التي جعلتها تتذكر ماضيها وتتذكر كل شيء، وذلك عندما رأت ماتيوس يقوم بتعذيب فتاة شابة بقسوة بنفس القبو التي كانت به ولكنها تلك المرة ساعدتها على الهرب قبل أن يقتل تلك الفتاة وتتمنى أن تكون الفتاة قد وجدت عائلتها ولكنها تعتقد أن ذلك صعب لأن الفتاة كانت فاقدة للذاكرة تمامًا لأنه على مايبدو أن ماتيوس قد فعل شيئًا بعقل تلك الفتاة. كان هناك جهاز يُخفيه في إحدى حقائب عمله قد استعمله على عقل تلك الفتاة. هل يا تُرى إستخدم ذلك الجهاز على عقل تلك الفتاة؟ ذلك ليس بغريب على رجل مافيا مثل ماتيوس.
آسيا بتنهيد:
- ربنا معاكِ يابنتي وتكوني وسط أهلك.