تحميل رواية «ثأر الشيطان» PDF
بقلم سارة بركات
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ظلام .. مكان يملؤه الظلام على الرغم من وصول ضوء النهار لنوافذه ولكن ذلك أمر طبيعي بالنسبة للسجون .. سجون مظلمة بداخلها مجرمين بعضهم يملك قلبه ظلام دامس والبعض الآخر لم يلمسه الظلام حتى. كان السجناء يتحركون في صفٍ واحدٍ يتجهون صوب قاعة الطعام كالآلة التي تتحرك دون مشاعر ولكن مايشغل كل سجين منهم هو مايملكه خارج هذا السجن؛ فهناك من ترك عائلته وأطفاله وضحى بنفسه لأجلهم بسبب ضيق الديون، وهناك من سرق، وهناك من قتل و أيضًا هناك من سُجِنَ ظلمًا لإختلاف الأسباب .. ولكن غير كل ذلك كان هناك شيطان قوي مختبئ...
رواية ثأر الشيطان الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سارة بركات
في روسيا:
كانت جالسة في فراشها تنظر أمامها بشرود لا تدري ما سبب ذلك الشعور الذي تشعر به الآن. لقد بقي جواد معهم لعدة أيام فقط، ولكن لماذا تشعر أنه قد بقي معها زمنًا طويلاً؟ لماذا تشعر أن هناك شيء خفي بينهما لا تستطيع قراءته حتى الآن؟
استفاقت من شرودها عندما سمعت طرقات باب غرفتها. دخل فيليب بابتسامة هادئة واقترب نحوها يجلس بجوارها.
"ألن تخبرينني عن الشجار الذي دار بينكما؟"
"لا أرغب بالتحدث لأنه لم يحدث شيء بالفعل عمي."
"إذا لماذا أشعر أنه حدث أمر ما هدم كل شيء بينكما؟"
طالعته صوفيا بتعجب وأردفت:
"كل شيء بيننا؟! أنا وجواد لم يكن بيننا شيء، لماذا تتحدث هكذا عمي؟"
"لا شيء، ولكنني أشعر فقط أنكِ معجبة به."
ظلت صوفيا تطالعه وكان يبدو عليها علامات التردد.
"هل هناك شيء تريدين أن تخبرينني به؟"
"أنت سبب شجارنا عمي."
"كنت أتوقع ذلك، أخبريني ماذا حدث؟"
روت له ما حدث. وبعدما انتهت، أردف فيليب بهدوء:
"خلافي مع جواد لا علاقة له بكما."
"لكن عمي..."
قاطعها بهدوء واستأنف:
"إنه مُحق."
"ماذا!"
"أجل، إنه مُحق. أنا من أرسلت الرجال في المرة الأولى. وعندما يرى جواد أن رجالي من يقومون بمهاجمته مرة أخرى سيكون رد فعله أكبر من ذلك يا صوفيا."
ظلت صامته وهي تطالعه وتشعر بضيق في صدرها.
"لم أحب طريقته معك عمي."
ابتسم فيليب وأمسك بيدها برفق وأردف:
"وأنا أحببت شعوركِ ذلك حبيبتي، ولكن لا تُنهي علاقتكِ مع أحد بسبب أي شخص طالما أنتِ لم تري من ذلك الشخص سوءًا، وخاصة جواد."
هزت رأسها وأردفت:
"كنت أتوقع أن يكون لك ردة فعل قوية منك عندما أمسك بك."
صمت فيليب قليلاً ثم أردف:
"لا أعلم لمَ لم ألقنه درسًا، ولكن هناك شيء ما أوقفني لا أدري ماهو."
"لماذا أشعر أنك تقوم بمعاملته كأنه أحد أفراد العائلة؟"
صمت فيليب قليلًا وأردف:
"ربما لأنه يذكرني بشبابي، وأحيانًا أشعر أنني أريد أن أُربت على كتفه وأخبره أن كل ما يفعله هو الأفضل للجميع."
ثم قهقه فيليب بخفة على شعوره السخيف ذلك ثم استأنف:
"يجب أن ترتاحي عزيزتي، فإنكِ لم تنامي جيدًا منذ أن ذهب."
إحمرَّ وجهها خجلاً من حديثه وابتسم لخجلها ذلك وكاد أن يخرج من الغرفة.
"عمي."
وهو يلتفت إليها:
"نعم؟"
"لقد أخبرني جواد أن من يفعل كل ذلك هو أحدٌ قريبٌ منك، هل من الممكن أن يكون ما يقوله صحيحًا؟"
صمت قليلاً وابتسم:
"صدقيه عزيزتي، فإن أقرب أصدقائي هم ألد أعدائي."
ثم خرج من غرفتها وأغلق الباب خلفه واختفت ابتسامته وهو يتذكر على مدار الثلاثين عامًا الماضية حجم الغدر الذي تعرض له من الجميع، حتى أصبح يثق تمامًا بأن لا أحد أهلًا للثقة. ولكن ذلك الجواد عندما ظهر أمامه شعر أنه سيقوم بتغيير ذلك المفهوم عنده. شعر أنه يتحدث مع نفسه وكان يخبره بكل أسرار عملهم أيضًا وهو يثق تمامًا أنه لن يفعل به شيئًا، على الرغم من أنه يثق أن جواد له علاقة قوية مع الشرطة بسبب صديقه الشرطي، حتى وإن فعل لن يستطيع أحد الاقتراب منه أبدًا.
هز فيليب رأسه بنفي وأردف بصوتٍ عميق وملامح مبهمة:
"أنت أول شخص ستأتي الخيانة منه يا جواد."
لا يدري لما تُحزنه تلك الفكرة على الرغم أنه لا يوجد بينهما صلة قرابة، ولكنه يجب أن يكون على وضع الاستعداد الدائم؛ فالحرب ستكون قريبة.
....................................................
وفي مصر، مرت الأيام وكان جواد يتابع حالة جدته عن بُعد. وعندما اطمئن أنها بخير وعادت إلى منزلها بسلام وحولها أبناؤها وأحفادها، عاد باطمئنان إلى القاهرة الكبرى ليُكمل باقي مهامه. وكان أولها لقاءه مع عاصم.
في شركة جواد:
كانا يُطالعان بعضهما، ولكن عاصم من تحدث بتعجب:
"DNA!! إنت مُتخيل حجم الكلمة اللي انت بتقولها؟"
كان جواد شاردًا لا يستطيع أن يُجيبه. كان باله منشغلًا كثيرًا بالعديد من الأسئلة ويتمنى كثيرًا أن يكون كل ذلك غير صحيح.
"جواد، إنت بتتكلم بجد؟ إيه اللي يخليك تفكر إنك تعمل DNA لعينة منك وعينة من زعيم المافيا الروسية؟!"
أردف جواد بتفكير:
"فلنتغاضى عن إن والدتي كانت متجوزة واحد روسي إسمه فيليب، واللي المفروض إنه متوفي من قبل ما أتولد. وخلينا نتغاضى برده عن إن اسم زعيم المافيا الروسية هو فيليب. بس أنا مش هقدر أتغاضى عن الشبه اللي بينا."
ثم استأنف وهو يطالعه متحدثًا بعدم فهم:
"إنت مُتخيل حجم الكارثة اللي أنا فيها، صح؟"
ظل عاصم يُطالعه بهدوء. إنهم حقًا في موقف لا يُحسدون عليه.
"لا إن شاء الله لا، ده هيبقى عقوق آباء ده لا!!!"
ظل الإثنان صامتان. ثم استأنف عاصم:
"هي النتيجة المفروض هتطلع إمتى؟"
أردف جواد بإرهاق وهو يغمض عينيه ويستند بظهره على كرسيه:
"بُكرة."
"يا برودك يا أخي، مالك بتتكلم براحة كده ليه؟"
فتح جواد عينيه وأردف:
"أنا قلقان أكتر منك."
"تمام، خلينا نتفق على حاجة."
"إيه هي الحاجة دي؟"
"إن مهما كانت النتيجة إنت هتفضل معانا مش هتنحاز للمافيا دي أبدًا."
طالعه جواد بغضب:
"أنحاز لإيه يا عاصم؟! أنا وانت هدفنا واحد، والدليل العملية اللي تمت هنا في مصر تبع المافيا الروسية."
أردف عاصم بهدوء وتوضيح:
"عارف وواثق فيك، وعلى فكرة إنت كسبت ثقة الوزارة بالحركة دي، بس اللي أقصده إن حتى لو هو طلع باباك ماترجعش عن خطوتك معانا."
طالعه جواد كأنه يحمل همومًا كثيرة على عاتقيه.
استأنف عاصم حديثه:
"ليه سايب شمس عندهم هناك لحد دلوقتي؟"
"مش عارف، بس حسيت إن هناك أأمن مكان ليها، رجوعها لمصر دلوقتي مش هيفيدها بحاجة."
"إنت راميها وسط النار، مش خايف من حركة غدر؟"
"لا مش خايف."
"تفتكر مين اللي خطف مامتك؟"
وهو يطالعه:
"حد قريب من فيليب وقريب أوي، هوصله وأنا عارف إزاي، متقلقش."
صمت الاثنين قليلاً ثم تحدث جواد بعد ذلك:
"عندي مقابلة مع حماك بعد شوية."
ابتسم جواد عندما قال تلك الكلمة وشعر عاصم بالإحراج وأردف بغرور:
"مش محتاج واسطة منك على فكرة، مركزي ومكانتي في المجتمع تخلي أي حد يوافق عليا."
بمكر:
"اللي يشوفك بتتكلم كده ميشوفكش وانت بتجري ورا صباح السنة اللي عدت دي كلها! لا وكمان هي اللي كلمتني إني أكلم باباها في حين إن إنت صاحبي معملتهاش!"
ظل عاصم يرمُقه بغيظ وأردف:
"طب يا خويا أما نشوف هيوافق ولا هيرفض."
"متقلقش هيوافق."
كاد أن يتحدث ولكن أوقفهما صوت طرقات الباب. ودخل والد صباح بثيابه البسيطة وأردف بابتسامة:
"مساء الخير جواد بيه، أؤمرني كنت عايزني في حاجة؟"
"أكيد طبعًا، اتفضل."
ثم التفت لعاصم وأردف:
"شوف هتعمل إيه في الموضوع اللي اتكلمنا فيه ده."
باستفسار وعدم فهم:
"موضوع إيه؟"
عقد جواد حاجبيه وهو يطالعه واستوعب عاصم ما يقوله:
"اه تمام."
ثم خرج من المكتب. استقام جواد من مقعده واقترب من والد صباح والذي يُدعى "منير" يقوم بتحيته.
"انت بتقوملي مخصوص يا جواد بيه؟"
"وهو أنا لو مقومتش ليك أقوم لمين؟ اتفضل."
جلس السيد منير على أريكة في غرفة مكتب جواد وجلس جواد بجانبه بعدما اتصل بعامل البوفيه لكي يصنع لهما كوبي قهوة.
أردف منير بإحراج وابتسامة:
"والله يا جواد بيه كل ده ملهوش داعي، إنت خيرك سابق."
"لا أبدًا دي حاجة بسيطة."
طالعه جواد بابتسامة وأردف:
"إيه الأخبار كلكم تمام؟"
"الحمدلله على كل حال."
ظل جواد صامتًا وهو يُطالع ذلك الرجل الطيب يفكر كيف سيخبره بذلك الأمر.
أردف منير بتوجس:
"خير يا جواد بيه قلقتني؟ سكوتك مش مطمني."
"لا أبدًا كل خير إن شاء الله."
أخذ نفسًا عميقًا ثم أردف بابتسامة هادئة وهو يتذكر حديثه مع السيد بهجت عندما كان يتقدم لخطبة شمس:
"في صديق ليا متقدم لصباح."
ظل منير يُطالعه بهدوء.
"وبعدين؟"
"هو يبقى صاحبي وكنت حابب آخد رأيك لو حضرتك موافق طبعًا."
باستفسار:
"انت بتسألني أنا عن رأيي؟ حضرتك إنت اللي شايف إيه؟ أوافق ولا أرفض؟ انت عارف أي قرار يخص صباح أو حد من عيالي بلجألك علطول لإنك زي أخوهم الكبير، فده يعتمد على قرارك إنت لإني واثق في حضرتك، وطالما ده حد تبعك وحضرتك تعرفه شخصيًا أنا معنديش مشكلة."
"يعني نقول مبروك؟"
"أكيد طبعًا."
.........................................
كان عاصم يجلس بسيارته يفكر بأمر جواد. لا يُصدق تمامًا بفكرة أن جواد سيبقى معهم حتى بعد معرفته أن فيليب من الممكن أن يكون والده، لأنه يعلم جواد جيدًا. إنه يفتقد لعائلته كثيرًا. كان طفلًا صغيرًا يريد عائلة مثله مثل غيره من الأطفال في الملجأ ولكن حظه لم يُحالفه.
منذ سنواتٍ عديدة مضت:
كان جالسًا بفراشه متكورًا ويومًا عن يومٍ يرى عدد الأطفال يقل في الملجأ الذي هو به. لا يدري هل هناك خطبٌ ما به؟ أم أن العائلات لا يرونه من الأساس؟ ثم لما لم تأتِ والدته حتى الآن؟ أغمض عينيه وبدأ بالبكاء. انتبه عاصم له عندما كان يلعب مع باقي الأطفال في الملجأ. رآه جالسًا وحده لا يتحدث مع أحد. اقترب منه بابتسامة بريئة وأردف:
"إنت قاعد لوحدك ليه؟"
طالعه جواد ببكاء ولم يُجبه وعاد يدفن رأسه بين يديه. جلس عاصم بجانبه وأردف:
"انت بتعيط ليه؟"
اعتدل جواد ونظر إليه بأعين حمراء من البكاء:
"هو أنا وحش؟"
طالعه عاصم بعدم فهم ثم أردف باستفسار طفولي:
"ليه بتقول كده؟"
"ماحدش جه أخدني حتى ماما مجتش، هي كده مباقتش عاوزاني؟"
أردف عاصم بعدم فهم طفولي:
"انت اتفقت معاها على إيه؟"
"إنها هترجعلي."
"خلاص اسمع كلام ماما وبعدين كلنا هنا مستنيين ماما تيجي تاخدنا إحنا كمان، كلهم قالولنا كده."
هز جواد رأسه ثم أخذ نفسًا عميقًا لكي يهدأ ولكنه انتبه ليد عاصم أمام عينيه. رمقه بهدوء ووجد عاصم يمد يده إليه وهو يبتسم.
"تعالى نلعب سوا إحنا محتاجين واحد كمان معانا في اللعبة."
تردد جواد وأمسك يده ببطء واستقام من فراشه وذهب ليلعب مع الأطفال مثل سنه. هو وعاصم، والذي بعد مرور سنوات بسيطة قامت عائلة ثرية ومكانتها معروفة في البلد بكفالته. أما جواد فقد بقي وحده في النهاية حتى هرب يومًا ما من الملجأ وبطريقة ما تقابل الاثنان سويًا بعد سنوات عديدة، ولكن كل واحدٍ منهما حياته كانت مختلفة عن الآخر! أحدهما أصبح ضابط والآخر أصبح مُجرمًا مُحترفًا في تجارة الأسلحة! واستطاع ذلك المجرم كسب ثقة الدولة والأعداء أيضًا.
في الوقت الحالي:
أردف عاصم بهدوء وهو يردد بثقة:
"هيرجع عن قراره أكيد لو طلع أبوه."
وضع رأسه على المقود بيأس وهو يفكر. لا يدري ماذا سيصبح الأمر حينئذٍ، ولكن يا ترى هل سيكون بجانبه أم سيقف بجانب العدالة تلك المرة! لأن كل المرات السابقة كانت يساعده ويحاول أن يجعل الوزارة ترجع عن قرارها في إلقاء القبض على جواد.
.......................................................................
في اليوم التالي:
كان جواد مستندًا بظهره على سيارته فوق جبل المقطم ويرتدي عدساته الشمسية السوداء ويمسك بيده مظروفًا مغلقًا والذي يحتوي على نتيجة تحليل ال DNA. كان يُطالع ذلك المظروف بتوتر ولأول مرة يشعر بالخوف هكذا. ابتلع بصعوبة وقام بفتحه بتوتر. حتى أمسك الورقة التي بداخله وقام بفتحها ليرى النتيجة. دقيقة فقط مرت وقد ارتعشت يداه وهو يمسك بالورقة. كان يحاول أن يتماسك ولكنه لم يستطع! الحقيقة مؤلمة حتى وإن كانت مجرد فكرة فألمها ليس مثل كونها أصبحت حقيقة! إنه والده الذي أنجبه من صُلبه! عروق وجهه برزت وهو يحاول أن يقاوم شهقاته ولكنه لم يستطع. تنهيدة ألم مع بكاء مكتوم خرجت من فمه. بكاء يعبر عن حرمان سنوات من عائلته كان يتمناها لنفسه! وليس ذلك فقط بل كان يتمنى يومًا ما أن ينادي أحدهم ب "أبي" ولكن لم يُحالفه الحظ. والآن والده حي لكنه ليس مجرد شخص عادي! إنه مُجرمٌ خطير! نظر ليديه الاثنتين بحزن. يا الله! لقد سلم والده إلى القانون بيديه هاتين.
رواية ثأر الشيطان الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سارة بركات
كان ينظر للسماء بشرود وهو على قمة الجبل. لا يدري كم من الوقت قد مضى وهو على حالته تلك، عيناه دامعتان ويُحْكِمُ قبضته على الورقة التي بها نتيجة الـ DNA.
تنهد بحُزنٍ وهو ينظر حوله، ثم عاد ببصره إلى السماء وأغمض عينيه بإرهاقٍ، كأنه قد فاض به الكيل. لقد كان يُفكِّر كثيرًا أن ينسحب من تلك المعركة. ولكن كيف؟ كيف يترك والدته بين يد المجهول؟ وكيف يترك والده والذي اكتشف للتو أنه على قيد الحياة؟ وكيف يتركُ شمسه؟!
يشعر أنه الوحيد في هذه اللُعبة الذي يُمسك بأطراف ثلاثة خيوط. ولكن يتم سحبهم في عكس اتجاهه ويسحبونه خلفهم على الرغم من مقاومته، محاولاً جذبهم نحوه. وهؤلاء الثلاثة هم والديه وشمس، والعدو المجهول هو من يقوم بأخذهم منه. وأيضًا الذي تسبب في كل ما يحدث في حياته منذ البداية.
تنهد باستسلام حينما سمع آذان الفجر، وأخذ نفسًا عميقًا وركب سيارته وذهب لأحد المساجد وأدى صلاة الفجر، ثم خرج وهو يقوم بالاتصال بالمطار ليقوم بحجز تذكرة لأقرب طائرة ذاهبة إلى روسيا، والتي في نهاية اليوم الذي بدأ للتو.
اقترب من قصر السيد بهجت (سابقًا) وهو يفكر تلك المرة كيف سيتصرف مع والده وشمس، وأيضًا كيف سيبحث عن والدته. لا يوجد وقت للاستسلام، هو لم يعتَد على ذلك يومًا ما، وخاصة أن عائلته من يتعرضون للخطر.
ولكنه توقف عندما وجد عاصم يقف أمام القصر ينتظره.
خرج جواد من سيارته واقترب من عاصم العاقد حاجبيه وهو يقترب منه.
"بكلمك مش بترد وقلقتني عليك."
أردف جواد بهدوء:
"أنا معنديش وقت لكلامنا ده ياعاصم، أنا محتاج أنام شويه عشان راجع روسيا النهاردة."
أردف عاصم باستفسار:
"النتيجة طلعت يا جواد؟"
ظل جواد يطالعه قليلًا ثم أردف:
"أيوه طلعت."
"طب إيه؟؟ ساكت ليه؟ ده انت حتى ماقولتليش النتيجة عشان نتصرف أو عشان نفهم إيه اللي هيحصل بعد كده؟!"
أردف جواد بعدم استيعاب:
"أقولك ليه؟ وانت مالك أصلا؟"
عاصم بعدم استيعاب هو الآخر:
"انت بتهزر صح؟ انت ناسي إن فيليب ده من أعداءنا؟ ناسي إننا شغالين أنا وانت مع بعض عشان نساعد السلطات في روسيا إنها تمسكه؟!"
أمسك جواد برأسه يقوم بفركها لأنه يشعر بالغضب والنعاس لقلة النوم في آنٍ واحد.
"مش ناسي، أنا بس حابب أفكر وأفهم اللي أنا فيه."
عاصم باستفسار:
"أفهم من كده إن النتيجة إيجابية؟!"
هز جواد رأسه وهو شارد. وأردف عاصم بتحذير:
"جواد، أنا بحذرك.. أنا مش كل شويه هستغل سلطتي إني أخرجك من أي كارثة انت بتعملها، المرة دي هي الناهية!!"
أردف جواد بغضب:
"ومين قال إن أنا محتاجلك انت وسلطتك.. هيفيدوني بإيه؟ انت اللي بتتحرك.. انت اللي بتستغل سلطتك من غير ما ألجألك.. كل مرة يا عاصم انت اللي بتتصرف من نفسك!"
عاصم بعدم استيعاب:
"وده ملفَتش نظرك لحاجة يا جواد؟!"
ظل جواد صامتًا وأخذ نفسًا عميقًا وأردف:
"لفت نظري لحاجات كتير يا عاصم، وهو إنك مش مجرد أخ! انت صاحب عمري اتربينا وكبرنا سوا في الملجأ.. بس لما الموضوع يمس عيلتي يبقى شكراً، أنا مش محتاجلك لا انت ولا سلطتك دي.. الموضوع ده فيه عيلتي! انت فاهم؟ عيلتي اللي أنا بدور عليها من سنين.. لمرة واحدة حس بيا لإني مش هسمحلك انت وأتباعك تدمرولي كل اللي كنت بسعى علشانه!!"
عاصم بعدم فهم:
"أنا وأتباعي!! يا أخي ده أنا حلفت قسم إن مهما كان المجرم مين مش هنام إلا لما أمسكه! انت كده بتدمرني في شغلي!"
جواد بهدوء:
"ده انت مش أنا! أنا مجرم يا عاصم ولا نسيت؟! أنا تاجر سلاح! تقدر تتوقع مني أي حاجة حتى القتل!.. لكن انت؟ ظابط نضيف محترم حالف قسم ماشي عليه.. مكانتك كبيرة في الداخلية! أنا تحت وانت فوق، هو ده الفرق بينا! أنا في القاع زي مابيقولوا وانت في القمة!"
هز عاصم رأسه بتفهم وأخذ نفسًا عميقًا وأردف:
"يعني خلاص كده! دي النهاية؟"
أردف جواد بتوضيح:
"سميها زي ماتسميها."
ابتعد عاصم من أمامه ثم ركب سيارته وتحرك من أمام القصر تحت أعين جواد حتى اختفى. تنهد جواد بحزن ودخل القصر وعقله منشغل كثيرًا فيما سيحدث عندما يعود لروسيا. ولكنه قرر أن يأخذ قسطًا من الراحة فإن جسده وعقله منهكين تمامًا بسبب قلة النوم.
في روسيا:
كان فيليب يجلس مع أحد معاونيه من زعماء المافيا بأحد المطاعم الراقية.
"لقد اشتقنا للعمل القوي الذي اجتهدنا به في العالم الماضي سيد فيليب، لا أعلم منذ عودة ابنة أخيك وأنت تبقي النار خامدة! هل أنت قلق عليها؟"
طالعه فيليب بهدوء ثم أردف:
"لا، ابنة أخي تستطيع الدفاع عن نفسها جيدًا، ولكن لنقل أنني أقوم بتحضير أكبر مخطط لم نقم به قبلًا، لا ندري هل سنكون بحاجة أعضاء المافيا حول العالم أم سيقوم به عدة أشخاص أو شخص واحد فقط."
تساءل الرجل باستفسار:
"شخص واحد؟ أتساءل من سيكون المحظوظ الذي سيحصل على تلك المهمة."
ظل فيليب شاردًا يفكر فيما سيحدث في الأيام القادمة، حتى قاطع تركيزه اقتراب أحد رجاله نحوه وهمس بالقرب من أذنه يخبره بشيء مهم جدًا.
"لقد آتتنا بعض الأخبار أن السيد جواد قد قام بتسليم أوراق مهمة تخص المافيا، والخبر الأهم أن تلك الأوراق أتت من مكتبك يا زعيم!"
طالع فيليب الرجل الذي يحدثه للتو لعدة لحظات ثم هز رأسه يسمح له بالرحيل، ثم عاد يطالع الشخص الذي يجلس معه.
"أضمن لك أنني سأقوم بإختيار ذلك الشخص بعناية شديدة جُوِي! ولكن يجب أولًا أن أنتهي من التخطيط لذلك الأمر."
ثم عاد يرتشف فنجان قهوته بهدوء شديد.
بعد مرور عدة ساعات، كان جواد يخرج من مطار روسيا يقود إحدى السيارات بسرعة البرق في طريقه إلى قصر السيد فيليب. وبعد أن وصل، نزل من السيارة ودخل القصر بعدما سمح له حرسه بالدخول. دخل القصر واتجه نحو مكتب فيليب بعد أن ترك حقائبه خارج. ثم دلف إلى المكتب.
تقابلت عيناه مع عيني فيليب الذي يطالعه بهدوء وهو جالس على كرسي مكتبه. اقترب جواد منه بهدوء، وفي ذات الوقت أردف فيليب بابتسامة هادئة:
"حمدا لله على سلامتك سيد جواد، لقد افتقدناك كثيرًا في رحلتك تلك."
كان جواد يتفرس ملامحه بهدوء، يريد أن يتحدث معه ويخبره أنه ابنه، ولكن كيف سيصدقه إذا لم يأتِ بوالدته أولًا؟ فقط يريد أن يطالع والده هكذا، والده؟! تلك الكلمة غريبة كثيرًا بالنسبة إليه، لم يشعر بمشاعر تلك الكلمة قط. تعجب قليلًا من تحدثه معه بالروسية، ألم يكونا يتحدثا بالمصرية سويًا؟
"الله يسلمك."
ذلك ما تحدث به جواد بابتسامة لم يرها أحد قط، ولكن فيليب لم يأبه لتلك الابتسامة.
"أومال فين شمس؟"
فيليب:
"ذهبت للصالة الرياضية لتتمرن."
"إنت مقموص مني من آخر مرة صح؟؛ فعشان كده بترد عليا بالروسي؟"
لم يجبه فيليب بل ظل يطالعه بهدوء. تنهد جواد ثم أردف بثبات وهو يجلس على كرسي أمام مكتبه:
"اعتبرني بردلك جزء من اللي شوفته بسببك."
ذلك ما تحدث به جواد ولكن بنية منه أن ينهي الخلاف بينه وبين فيليب، والذي تحدث بالمصرية تلك المرة بحرص:
"مش مقموص منك ولا حاجة، وبعدين انت نسيت المخزن اللي حرقتهولي."
أردف جواد بابتسامة غريبة:
"ده أقل رد عندي، أنا لسه شايل كتير جوايا."
ثم قام بتغيير الموضوع الذي يتناقش به معه وأردف:
"طب طالما مش مقموص مني.. في حاجة شاغلة بالك أكيد؟"
صمت فيليب لعدة ثوانٍ ثم أردف:
"في بس بعض الأمور شاغلة بالي بفكر فيها ده غير اجتماع زعماء المافيا."
صمت جواد لعدة لحظات ثم تساءل:
"هيكون إمتى؟"
طالعه فيليب بملامح مبهمة:
"بعد يومين."
"تمام."
كان الاثنان يطالعان بعضهما بهدوء، أحدهما يتحكم بمشاعره من اللهفة يريد أن يخبره بالحقيقة ولكن كيف؟ ما الدليل؟ مجرد ورقة؟ سيكون من السهل تزوير مثلها، وخاصة أن والدته بالنسبة لفيليب قد توفت في بداية زواجهما، ولكنه سيتحمل قليلًا مرور الأيام حتى يعيد والدته إليهم مرة أخرى. أما الآخر فهو يتحكم بالغضب الذي يسري بداخله نحو الجالس أمامه، يريد أن يقتله بعد أن تأكد من المعلومة التي آتته اليوم، لا يريده أن يبقى على قيد الحياة. كاد فيليب أن يتحدث ولكن انتبه الاثنان لدخول صوفيا إلى القصر وهي تحمل حقيبتها الرياضية خلفها، كان يبدو عليها الإرهاق الجسدي لدرجة أنها لم تنتبه لوجود جواد الذي اعتدل من مقعده عندما رآها وخرج من مكتب فيليب. كادت أن تصعد أدراج القصر لتذهب إلى غرفتها، ولكن أوقفها صوته.
"hey little princess!"
"مهلاً أيتها الأميرة الصغيرة!"
التفتت ببطء ولم تصدق ما تراه عينيها، إنه يقف أمامها. كانت تعتقد أن علاقتهما انتهت عندما رحل! ولكنه قد عاد. كان يطالعها بابتسامة هادئة. اقتربت نحوه بخطوات مترددة حتى توقفت أمامه وأردفت بهدوء:
"كنت أظن أنك لن تعود."
"أذهب وأترك ما هو ملكي؟!"
لم تفهم ما يقصد، ولكنها لوهلة شعرت أنها المقصودة بتلك الكلمة!
أردف جواد بهدوء وهو يطالع كل إنش بها:
"يبدو أنكِ مرهقة، أنتِ تحتاجين للراحة، ولكن كوني على علم أنني وأنتِ لدينا موعد على العشاء اليوم، ولكن تلك المرة..."
وجه نظراته نحو فيليب وأردف:
"دون وجود ضيوف متطفلة تقطع علينا موعدنا."
ابتسمت صوفيا من كلماته تلك، يبدو أنه يشاكس فيليب الذي عقد حاجبيه للتو.
"حسنًا."
كادت أن تصعد للأعلى ولكنه أوقفها بابتسامة:
"لا ترتدي أي ثوب عارٍ.. أريده محتشمًا من فضلك."
التفت إليه تطالعه تحاول إخفاء ابتسامتها وهزت رأسها وصعدت للغرفة. عاد جواد يلتفت إلى فيليب وتساءل:
"أحط شنطتي فين؟ ولا أنا مش مرحب بيا هنا؟"
أردف فيليب بهدوء:
"إعمل اللي انت شايفه مناسب، طالما مراتك في بيتي اعرف إنك مسموحلك تعمل أي شيء."
ثم نادى فيليب أحد رجاله وأمره بحمل حقيبة جواد الذي كان أن يصعد لغرفته.
"على فكرة وجودك مهم في الاجتماع."
هز جواد رأسه وتساءل:
"أومال فين أخوك؟"
أجاب ببساطة:
"بيستمتع بوقته."
هز رأسه بتفهم ثم صعد للغرفة تحت أعين فيليب التي تتحدث بالكثير!
في المساء:
كانا يجلسان على طاولة مستديرة تحت ضوء الشموع في مطعم ضخم، ولكن تلك المرة كانا وحدهما في المطعم كله حيث منع دخول زبائن غيرهم!، وأيضًا استعار جواد رجال فيليب الذين يقومون بحراسة القصر وجعلهم يقومون بحراسة المطعم مداخله ومخارجه. تناولا العشاء في هدوء، ثم بعدها تم تشغيل الموسيقى الناعمة في المطعم، وأخذ جواد بيدها لكي يرقصا سويًا. كانا يطالعان بعضهما في المقابل في لحظة حميمية كتلك أنستهما الدنيا. ثم أردفت صوفيا بهدوء:
"من أنت؟"
أغمض جواد عينيه ووضع مقدمة رأسه على خاصتها وأردف:
"أنا مجرد شخص متطفل بحياتك، شخص لا يمتلك صفات الرجل المثالي الذي تتمناه أي امرأة، وأيضًا لست ذكيًا كفاية لمعرفة كيفية التعامل مع المرأة."
قهقهت صوفيا وأردفت باعتذار:
"أعتذر إذا تضايقت مني حينها، ولكنك أخرجتني عن شعوري لأنني شعرت أنك تقوم بإجباري على شيء، ولكنني لم أعلم أنك كنت خائفًا علي."
ظلا يطالعان بعضهما بهدوء، ثم أردف وهو يلتمس وجنتها الناعمة:
"لا بأس.. لقد انتهى الأمر."
نبض قلبها بقوة أكثر من ذي قبل وأردفت:
"جواد."
"نعم؟"
"أريد أن نجلس، من فضلك."
أبعد يديه عنها وأردف متفهمًا ارتباكها وخجلها:
"هيا بنا."
ثم عادا يجلسان وهي تأخذ نفسًا عميقًا كأنها قد تحررت لأنه كان يأسرها بلمساته تلك. هزت رأسها بقوة لعلها تستفيق قليلًا، ولكنها انتبهت على سؤاله.
"مرت أسابيع على معرفتنا ببعضنا، ولكنني لا أعلم عنكِ شيء يا صوفيا، لمَ لا تخبريني عنكِ قليلًا؟"
أردفت صوفيا بتعجب:
"أخبرك عني!"
أردف جواد وهو ينظر في عمق عينيها:
"لماذا تتعجبين هكذا؟ أنا أريد أن أتعرف عليكِ أكثر."
صمتت صوفيا قليلًا ثم أردفت:
"أنا أحب الرقص.. الرياضة.. تعلم اللغات، ثم لا أعلم شيئًا آخر غير ذلك."
"ماذا؟"
ارتبكت قليلًا وصمتت لعدة ثوانٍ ثم كررت حديثها:
"أنا لا أعلم عني أي شيء غير ذلك."
كان يطالعها بهدوء يحثها على أن تكمل حديثها.
"حقيقة لا أعلم من أنا.. هو عام واحد فقط بنيت به عالمي هذا، لكن ما قبل ذلك لا أعلم من أنا، ولكنني أقوم بإقناع نفسي دائمًا بأنني صوفيا ابنة أندريه وقريبة السيد فيليب. أوتدري يا جواد؟ لقد حاولت أن أذهب لطبيب نفسي لعلي أجد الدواء.. حاولت أن أتذكر مع الطبيب أي شيء لربما يكون شيئًا نفسيًا هو ما جعلني أفقد ذاكرتي، ولكنني لم أصل إلى أي نتيجة! فقط صمت تام.. ذاكرتي لا تعرض أي شيء.. حتى لغتي التي لا أعلم ماهي لا أتذكرها.. لا أعلم ما الذي حدث لي، ولكن كل ما أتذكره أن جسدي كان به آثار تعذيب وكان هناك سيدة تساعدني في الهرب من مكان لا أتذكر ماهيته! ولكنني ركضت دون توقف حتى قابلت عمي فيليب."
كور جواد يديه بغضب شديد ثم أردف وعضلات فكه تشتد:
"لا تتذكرين أي شيء؟"
"لا.. ولكن كل ما يراودني في الآونة الأخيرة أحلامًا مزعجة، هل عقلي الباطن هو من يصور لي تلك الأحلام؟ أم أنها من واقع حياتي السابقة؟"
"ما هي؟"
أخذت نفسًا عميقًا ثم أردفت:
"أنني أركض في غابة كبيرة لا يوجد لها نهاية خائفة وأبكي.. فقط أركض دون توقف."
شعرت بالخوف قليلًا لتذكرها ذلك الحلم، ضمت نفسها بذراعيها كأنها تقوم بحماية نفسها، ثم استأنفت:
"كل ما أريد إخبارك عنه هو أنني حزينة! لقد تركتني عائلتي أو أيًا من كنت أبقى معهم.. لم يبحثوا عني.. ظللت أنتظر عامًا كاملاً ولكن لم يأتِ أحد، تركوني وحيدة في هذا الظلام الذي أغرق به."
انهمرت عبرة من مقلتيها، ولكنها انتبهت لجواد الذي ركع على ركبتيه أمامها وأمسك بذقنها الناعم لكي يرفع وجهها.
"لماذا لا تضعين في عقلك أنه من الممكن أن يكونوا قد بحثوا عنكِ ولم يسأموا أبدًا."
أردفت ببكاء:
"لو كانوا فعلوا ذلك يا جواد لكانوا أمامي الآن."
ظلت تبكي لعدة ثوانٍ ولكنها طالعته بعدم فهم عندما تحدث:
"إنهم أمامك الآن حقًا."
"ماذا تقصد؟"
كان يطالعها في عمق عينيها ثم أخرج هاتفه من جيبه ليأتي بشيء ما، ثم جعل شاشة الهاتف أمام عينيها. كانت صورة لهما وهما بعقد قرانهما، كانا مبتسمين وسعيدين، كان يقلب أمامها في الصور لعلها تتذكر أو تعلم أن جواد القابع أمامها هي كل ما تملك! الذي لم يتركها للحظة واحدة! الذي تألم كثيرًا في غيابها!
أخذت منه الهاتف تنظر إلى الصور الموجودة به لا تصدق. إنها هي التي بالصور! هل ذلك يعني!... كانت عينيها دامعتين وهي تطالع تلك الصور.
أردفت بارتعاش وبكاء وهي تطالعه:
"ماذا تعني تلك الصور؟ هل نحن... هل نحن متزوجان!"
كان جواد يطالعها بأعين دامعة لحالتها تلك.
"نحن متزوجان حقًا، صوفيا.. أنتِ زوجتي التي لطالما عشقتها ولم أعشق سواها."
رواية ثأر الشيطان الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سارة بركات
هل ما يقوله حقيقي؟ لماذا سيكذب والصور التي تراها أمامه الآن هي دليل صادق على حديثه؟ ثم بدون أي دليل، قلبها يخبره أنه صادق تمامًا. يكفي أن نظراته متعلقة بها. يا الله، لقد أرادت دائمًا شخصًا يطالعها هكذا. كيف لم تر ذلك منذ أن قابلته؟ الآن قد فهمت سبب غيرته التي لم يكن لها سبب بالنسبة إليها من قبل، ولكن الآن قد أدركت السبب، إنها تكون زوجته!
لم تشعر بدموعها التي تنهمر لأنهما نسيا العالم تمامًا وهما يطالعان بعضهما هكذا. اعتدل جواد وجعلها تقف ثم قربها نحوه وقام بضمها بقوة. تنهيدة قوية خرجت من فمها كأن هناك شيئًا فقدته لمدة طويلة جدًا وقد وجدته الآن عندما أصبحت بين ذراعيه. هناك مشاعر قوية ومختلطة أيضًا تشعر بها. هل ذاتها القديمة كانت تفتقد جواد لتلك الدرجة؟
استفاقت عندما انتبهت لحديثه.
– أنا أعتذر.. أعتذر بسبب خذلاني لكِ وأيضًا لعدم بقائي معكِ لإنقاذكِ ممن فعل بكِ ذلك. لا أستطيع تخيل كم الصرخات التي كنتِ تصرخينها في غيابي والتي كان مجرد تخيلها يجعلني لا أنام أبدًا. لا أستطيع تخيل كل ما مررتِ به. لقد تذوقت طعم المرارة بفقدانك. آسف حبيبتي، كل ما حدث أنا السبب فيه لأنني كنت مقصرًا في أمنك. لقد أخذوكِ مني في ذات المكان الذي كنت به. لقد خطفوكِ مني وأنتِ بين يداي حبيبتي.
رفعت رأسها لتطالعه في عينيه. يا الله، إن عينيه دامعتين!
– جواد، لا تقلق، أنا بخير.
ذلك ما تحدثت به بتأثر، ولكنه أردف بصعوبة:
– صوفيا هي التي بخير، ولكن شمس؟ أين شمسي؟ أين حبيبتي؟ لقد غابت في عالم مظلم ولم تعد بعد. غابت حياتي عني. الفتاة الوحيدة التي كانت كل شيء لي لم تعد إلى الآن. أنا تائه، أشعر أنني أتخبط في الظلام، لا أستطيع إيجادها. إنني حتى لا أسمع صوتها وهي تناديني. أنا خائف.
كان يتحدث بعينين دامعتين وتشتت في آن واحد. ثم استأنف وهو يضع مقدمة رأسه على خاصتها:
– لقد تعبت كثيرًا ولا أستطيع الحياة بدونك يا شمس. أنتِ كنتِ عائلتي الوحيدة يا شمس.
– كفى جواد، أنت تكسر قلبي بكلماتك تلك.
انطلق تأوهًا من فمها ليجعله يطالعها بقلق وهو يرى معالم الألم على وجهها! ابتلع غصته وأردف بقلق:
– ماذا بكِ؟
ترددت قليلًا ثم أردفت بلامبالاة:
– إن قدماي تؤلماني قليلًا، التدريب كان قاسيًا على قدماي اليوم.
أمسك بيدها وجعلها تجلس على كرسيها برفق. وأردف باستفسار:
– أي ساق؟
– اليمنى.
ركع أرضًا وأمسك بساقها اليسرى بهدوء. بغتة، مما جعلها تشعر بالإحراج والخجل في آن واحد وهي تحاول أن تسحب ساقها من يديه، ولكن شدد مسكته ولكن برفق ثم أردف:
– ثقي بي.
ثم استسلمت لترى ماذا سيفعل. ضغط برفق على عدة أماكن بساقها حتى تأوهت. علم المكان الذي يؤلمها وقام بدلكه بيديه بهدوء ورفق حتى شعرت بأن عضلة ساقها التي تؤلمها قد خف ألمها. تنهدت بارتياح وأردفت بتعجب وهي تطالعه:
– لقد زال الألم!
تحدث بابتسامة هادئة:
– لا شكر على واجب.
ثم اعتدل حتى أصبح يقف أمامها وأردف:
– يبدو أنكِ قسوتِ على نفسكِ اليوم في تمارين الساقين لأنه ليس من المنطقي أن يكون التمرين ذاته قاسيًا إلا إذا لم تكن قدماكِ معتادتين عليها. ومن الواضح أنكِ رياضية حبيبتي، فذلك ليس سببًا منطقيًا. المنطقي بالنسبة إلي أنكِ من الممكن أن تكوني قد أخطأتِ العد أو حملتِ وزنًا ثقيلًا عن المعتاد ففاجأتِ به عضلات ساقيكِ أو أنكِ لم تقومي بتمارين الإحماء منذ البداية.
صمت قليلًا ثم استأنف:
– هل كان هناك شيء يضايقكِ؟
رفعت رأسها تطالعه بصمت تام. حرك رأسه يحاول أن يفهم صمتها أمام سؤاله ذلك. هل تنوي أن تخفي شيئًا ما؟
أردفت بهدوء:
– لا شيء، ولكنني لم أنتبه أن الوزن ثقيل في تمرين اليوم.
تساءل ببساطة:
– ما السبب؟
حاولت أن تتهرب منه وأردفت بسرعة:
– جواد، لمَ تقوم بالتحقيق معي؟ لا يوجد شيء.
اقترب منها وانخفض بجذعه العلوي نحوها حتى أصبح وجهيها قريبين.
– قولي الصدق، لا أريد سوى الصدق.
أردفت وهي تطالعه في عمق عينيه:
– كنت أشعر بالضيق لأنك لم تهاتفني أو حتى لم تحاول التواصل معي بأية طريقة. شعرت وقتها أننا لا شيء. ثم لم أشعر بنفسي سوى وأنني أقوم بمجهود عالٍ في الصالة الرياضية حتى أنني قد نسيت الوقت ونسيت أنني أقوم بحمل أثقال ثقيلة جدًا. كنت فقط أريد أن أرهق نفسي في الرياضة بدلًا من إرهاق عقلي في التفكير بك.
ظل صامتًا يطالعها لعدة ثوانٍ ثم أردف:
– أرجوكِ لا تكرري ذلك مرة أخرى، لأنكِ لا تعلمين أنني حتى مهما تحدثت عن ما بداخلي لن يساوي شيئًا من مشاعري الحقيقية نحوكِ.
ابتلعت بتوتر من قربه ذلك ثم أردفت:
– حسنًا.
ابتسم بهدوء وقام بتقبيل مقدمة رأسها ثم أردف:
– فتاة جيدة.
واعتدل وهو يربت على شعرها بابتسامة. تعجبت من تلك الحركة ولكنها نوعًا ما أحبت اهتمامه بها وأيضًا قلقه عليها. أردفت بعد صمت دام لثوانٍ وهما يطالعان بعضهما.
– بما أننا زوجان، هل نعلم عن بعضنا كل شيء؟
– لماذا تسألين هذا السؤال؟
– لأنني أريد أن أعلم كيف تقابلنا سابقًا، وأيضًا أريد أن أعلم عنك كل شيء؛ وذلك حق لي بالطبع بما أنني لا أتذكر أي شيء.
ظل يطالعها لعدة ثوانٍ ثم أردف:
– ولكنكِ لم تكوني تعلمين أي شيء عني.
تحدثت بتعجب:
– كيف؟
– فلنقل أنه سابقًا لم تكن هناك فرصة لتعلمي عني أي شيء.
طالعته في عمق عينيه وأردفت بهدوء:
– والآن أنا أريد أن أعرف عنك كل شيء يا جواد.
تنهد بعمق ثم عاد يجلس على كرسيه. صمت لعدة ثوانٍ لا يعلم كيف يبدأ بالحديث عن نفسه. هل يبدأ منذ ميلاده؟ أم ما قبل ميلاده؟ أم منذ لقائهما؟ شعرت بحيرته وأردفت:
– جواد.
رفع عينيه ينتظر حديثها.
أردفت باطمئنان:
– أخبرني فقط بكل شيء.
تحدث بهدوء:
– ولكن أعتقد أنه لن يسرك سماع ما سأقوله.
أردفت بابتسامة:
– جربني.
أخذ نفسًا عميقًا ثم وأخيرًا تحدث جواد عما بداخله. الماضي المؤلم. بدايةً من مولده لأنه لا يعلم قصة والده ووالدته كيف كانت. سرد كل شيء لها لم يترك أي تفصيلة يتذكرها. عاش مع والدته وهو يراها تتعذب من شخص لم يره لأن القبو الذي ولد به كان مظلمًا وقت تعذيبها وأيضًا كانت تقوم بإخفائه خلف ظهرها لكي تأخذ كل الضرب ولكي لا يصيبه أي خدش. تحدث عن تركها إياه في القاهرة في أحد المباني. تحدث عن ذهابه للملجأ وكم كان وحيدًا هناك. تحدث عن صديقه عاصم الذي قابله في الملجأ. تحدث عن هروبه من الملجأ وهو في عمر الثالثة عشر بعد استغلاله انشغال العاملين به في حفل ضخم كان مقامًا به.
منذ عدة أعوام مضت:
كان يركض دون توقف في شوارع مصر القديمة يتعثر في الطرقات تارة ويصطدم بالمارة تارة أخرى تائه لا يعلم أين وجهته وأيضًا يشعر بالبرد القارس. ظل يسير دون وجهة معينة حتى انتبه لأحد الأشخاص النائمين بأحد الشوارع الجانبية. كان الشخص نائمًا أسفل غطاء ثقيل وكان بجانبه غطاء آخر ولكنه لا يستخدمه. اقترب جواد نحوه ينظر لذلك الغطاء يريد أن يتدفأ أسفله. كان محرجًا أن يقوم بإيقاظ الشخص النائم يستأذنه في أخذ الغطاء ولكن البرد كاد أن يقوم بتجميده ولا يضمن هل سيوافق الشخص النائم أم لا. أخذ يلملم الغطاء بهدوء ثم ركض قبل أن يستيقظ الشخص النائم. واختبأ في مكان بعيد قليلًا بعدما ركض مسافة ليست بصغيرة وهو يحمل الغطاء الثقيل. أخذ يبحث عن أي شيء ملقى بالشوارع حوله ليقوم بفرشه على الأرض حتى وجد قطع أخشاب سليمة بعض الشيء كانت ملقاة بإهمال بجوار محل أحد النجارين الموجودين بالقرب منه. يبدو أن صاحب تلك القطع لا يريدها وما طمأنه أكثر هو أن بعض الأشخاص يأخذون منها. ذهب وأخذ لوحًا كاملاً يكفي جسده الصغير وسار به يعود إلى الشارع الذي ألقى به الغطاء. وضع اللوح على الأرض لكي يحميه من برودتها ونام عليه بصعوبة بسبب خشونة ولكن تحمل لأجل النوم فقط. يريد أن يريح جسده قليلًا. نام واستيقظ على آذان صلاة الفجر وذهب لأحد المساجد القريبة منه لكي يتوضأ وأثناء وضوئه قام بشم رائحة جسده والتي لم تعجبه تمامًا وشعر أنه لا يصح أن يصلي وهو بحالته الرثة تلك. انتبه أحد الأشخاص الذين يقومون بالوضوء معه على حالته.
– في حاجة يابني؟
أردف جواد بحزن:
– ريحتي وحشة وشكلي مش أحسن حاجة بس أنا عايز أصلي بس مش حابب أصلي كده.
ابتسم الرجل بهدوء ثم أردف:
– طبيعي تحس الإحساس ده لأننا أكيد لازم نقابل ربنا بأفضل هيئة.
تنهد جواد باستسلام ولكن الرجل أردف:
– ممكن أساعدك تاخد دوش سريع بس مش بالمياه دي عشان هي باردة. تعالى معايا البيت هو هنا جنب الجامع بصراحة ملحقتش أتوضى هناك لإني الحمدلله لسه راجع من الشغل فجيت على هنا علطول.
هز جواد رأسه وهو يبتسم له وذهب خلف الرجل الذي سمح له بدخول بيته لكي يستحم. لم يأخذ جواد وقتًا طويلًا في الاستحمام ثم خرج وهو يرتدي نفس ثيابه السابقة ولكنه تفاجأ بالرجل يحمل بيده ملابسًا نظيفة.
– ده لبس ابني هو في إعدادي هييجي مقاسك إن شاء الله وخده ليك أنا مش عايزه.
شعر جواد بالامتنان الشديد نحو ذلك الرجل ثم عاد للحمام ليرتدي تلك الثياب النظيفة ثم خرج من الحمام وتبع الرجل للمسجد ليحضرا صلاة الفجر، وبمجرد أن انتهى جواد من أداء الصلاة خرج بسرعة دون أن يتحدث إلى أحد ولكن كل ما قاله للرجل قبل أن يذهب هو كلمة "شكرًا" وركض الرجل خلفه لكي يلاحقه ولكنه لم يستطع أن يجده. عاد لينام حيث كان مستسلمًا لما سيحمله اليوم القادم له.
في وقت الظهيرة:
استيقظ جواد على ركلة قوية في معدته وصوت غليظ يقول:
– قوم ياض!
قام جواد بفتح عينيه بصعوبة ولكنه لم يفق بعد وشعر بالألم أكثر عندما ركله الرجل مرة أخرى. فتح عينيه واعتدل بسرعة وهو ينظر للشخص الذي أمامه.
– إنت تبع مين؟ وإيه اللي جابك في منطقتي؟
هز جواد رأسه نافيًا لا يستطيع التحدث من صدمته بما يحدث له. أما الشخص الذي يقف أمامه كان يرتدي ثيابًا رثة وممزقة من الواضح أنه متسول والذي ثبت ذلك هو علامة السكين الموجودة بوجهه.
– ماتنطق ياض.
– أنا معرفش حد، أنا هربت من الملجأ عشان أدور على ماما، وجيت على هنا عشان أنام بس أنا معرفش حد.
طالع المتسول هيئته وأيضًا للغطاء الملقى جانبًا. ثم أردف:
– الغطاء ده إنت سرقته صح؟
أردف وهو يهز رأسه بارتعاش:
– أخدته من صاحبه معرفتش استأذنه لإنه كان نايم و….
أكد المتسول سؤاله بصوت مقزز:
– سرقته؟
أردف ببكاء:
– اه سرقته.
– شاطر، عايز مكان تنام فيه صح؟
هز رأسه بسرعة وأردف الرجل بخبث:
– عندي المكان.
أخذه الرجل للمكان المذكور والذي لم يكن سوى مخزن به الكثير من الأطفال والذين يبدو من مظهرهم أنهم متسولين أيضًا لأن هيئتهم غير لطيفة بالمرة وشعر بالخوف أكثر عندما رأى بعض الأسلحة الصغيرة التي يحملونها معهم ولكنه انتبه على الرجل المتسول والذي يلقب بالمعلم أمين يضع يده على كتفه مردفًا بغلظة:
– ماتبقاش خرع كده أومال، إنت لسه شوفت حاجة. متخفش دي شوية تهويشات ولسه يا ما هتشوف.
بقي جواد ذلك المراهق البريء مع هؤلاء المتسولين ولكن مع الأسف تلوثت براءته على مر السنوات بسبب العالم الذي وقع به دون أن يدري فقد كان يسرق مع باقي الأطفال والمراهقين ويقوم بالتسول وأيضًا يقوم ببعض الأنشطة التي تخصه والتي يخفيها عن رئيسه ألا وهي تجارة السلاح وفي يوم ما.
كان جواد آنذاك في عمره الخامس والعشرين وهو يقف أمام المعلم أمين الذي يعطيه بعض التعليمات الهامة بصوت غليظ ولكن لين قليلًا:
– بص يا جواد الموضوع ده مهم أوي والناس الكبرة عايزين ينجزوه ويخلصوا الموضوع ده في أقرب فرصة ولو نجحنا فيه هناخد فلوس ونقب على وش الدنيا، وأنا بقولك ده ليه؟ عشان إنت اللي على الحجر وهتنجزني.
عقد جواد حاجبيه وهو يطالعه ينتظره أن يكمل حديثه. استأنف أمين حديثه:
– في راجل مضايق شوية ناس أكابر في السوق بتاعهم، عايزين يقرصوا ودنه.
أردف جواد باستهزاء:
– هنقرص ودنه إزاي؟
– الله ينور عليك، حلو السؤال ده. بص ده.
ثم أخرج أمين من جيبه عيارًا ناريًا جعل جواد يحاول التحكم في غضبه.
– إنت بس هتهوش عليه و……
قاطعه جواد بغضب:
– أذية مش هأذي حد، عايز تأذي حد شوف غيري.
ضحك أمين مردفًا باستهزاء:
– جرا إيه يا روح أمك؟ إنت فاكر نفسك مين؟ ده انت أخرك طلقتين وتموت لولا إن أنا صابر عليك عشان شايفك واد حلوانجي وذكي. إنت نسيت ياله إني خليتك الكُل في الكُل هنا وخليت الكُل يمشي بأمرك ولا إيه؟
أردف جواد بضيق:
– مانستش بس قتل لا.
– بس أنا مقولتش إنك هتقتله أنا قولت إنك هتهوش عليه يعني هتضربه طلقة في رجله أو دراعه حاجة بسيطة يعني وكلها كام يوم وهيخف وهيبقى زي الحصان ولا كأن جراله حاجة.
صر جواد على أسنانه بقوة:
– من الواضح إنك مفهمتنيش. أي حاجة فيها أذية لحد مش هعملها. انت فاكرني قاتل مأجور ولا إيه؟ شوف غيري يعملك الهبل اللي انت عايزه ده.
أردف أمين باستهزاء:
– هعديها المرة دي بس عشان العشرة اللي بينا يا جو. لكن المرة الجاية فيها رقبتك.
ثم استعجل أمين أحد الأشخاص لكي يتقدم نحوه.
– واد يا موسى. تعالى هنا ياض.
– اؤمرني يا معلم.
عقد جواد حاجبيه بغضب وخرج من المكان ولكنه ظل طوال الليل يتقلب في نومته يفكر بالشخص الذي سيؤذونه غدًا يحاول مرارًا وتكرارًا أن ينام ولكنه لم يستطع حتى حل عليه الصباح وتَبِع ذلك الشاب الذي يدعى موسى إلى المكان الذي يذهب إليه حتى وصل إلى منطقة بالقاهرة يبدو عليها الرقي وانتبه لوقوف موسى أمام فيلا ولكن في الجهة المقابلة لها وذلك لوجود حافلة مدرسية تقف أمام الفيلا مباشرة وأخذ ينتظر كأنه ينتظر خروج شخص ما. طالع جواد الفيلا قليلًا لأنه كان يقف بركن بجانب الفيلا ذاتها وما كان يخفيه هو وقوف الحافلة ولم ينتبه له موسى ولكنه انتبه على خروج فتاة مراهقة أو طفلة لم يستطع أن يحدد ماهيتها ولكنها كانت جميلة لم يرى مثل جمالها سابقًا أو هو اعتقد ذلك، ولكنها لطيفة بشعرها الكستنائي الناعم. انتبه على ثيابها يبدو أنها ذاهبة لمدرستها ولكنه انتبه لخروج رجل ما خلفها.
– شمس، استني.
أوقفها ذلك الرجل ووضع بحقيبتها شيئًا ما ثم قبله من وجنته وركبت الحافلة التي تحركت وابتعدت عن الفيلا وهنا انتبه جواد لموسى الذي أخرج سلاحه يحاول التصويب على ذلك الرجل ولكن جواد لم يشعر بنفسه سوى وهو يركض نحو الرجل بسرعة لكي يحميه. ثانية. كانت ثانية واحدة هي الفيصل. لم تصب الرصاصة السيد بهجت المستهدف ولكنها أصابت ذراع جواد.
رواية ثأر الشيطان الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سارة بركات
تفاجأ موسى من ظهور جواد أمامه فجأة ولم يستطع أن يفعل شيء سوى أن يهرب. كان جواد يقبض بيده على ذراعه بألم وانتبه للرجل الذي تحدث معه بذهول وهو يركع أرضًا ليساعده، ويسأله العديد من الأسئلة التي لا علاقة لها ببعض، وذلك بسبب صدمته مما حدث للتو.
- إنت كويس؟ في إيه؟ إيه اللي حصل ده؟ مين ده؟ وليه يعمل كده؟
أردف جواد بهدوء وألم في آنٍ واحد:
- معرفش.
أردف الرجل بقلقٍ من حالته تلك:
- طب تعالى أوديك المستشفى حالا.
جواد بنفي ودوار:
- لا .. مستشفى لا.
ولكنه فقد وعيه بسبب فقدانه للكثير من الدماء. طلب بهجت المساعدة من بعض الأشخاص الذين مروا بجانبه وساعدوه ليحملوا الشاب الذي أنقذه للتو وذهب به إلى المشفى.
بعد مرور يومٍ كامل:
قام بفتح عينيه بهدوء لأنه كان يشعر بالدوار والرؤية كانت ضبابية. يسمع فقط صدى لصوتِ صفيرِ جهازٍ بجانبه. حرك رأسه نحو مصدر الصوت ببطء ودوار للأيمن ورأى ملامح غير واضحة لشخص يقترب منه ويتحدث.
- أخيرًا فوقت، قلقتني عليك.
ظل عدة ثوانٍ في حالة الدوار تلك ولكنه استفاق من تلك الحالة شيئًا فشيئًا ووضحت ملامح الشخص الواقف بجانب فراشه. كان رجلًا بشوشًا يبتسم له بهدوء.
أردف جواد بإرهاق:
- أنا فين؟
أردف بهجت بابتسامة:
- إحنا في المستشفى.
اعتدل جواد من سريره ولكن أوقفه بهجت:
- إنت محتاج ترتاح.
- ليه جبتني هنا؟
- إيه اللي مخوفك كده.
أردف جواد بضيق وإرهاق:
- أنا مبخفش.
ابتسم بهجت بهدوء ثم أردف:
- متقلقش إحنا في مستشفى حد معرفة ليا، ده لو قلقان طبعًا من موضوع البطاقة الشخصية.
طالعه جواد بهدوء ولكن بهجت استأنف حديثه:
- ماتقلقش قولتلك، أنا لما لقيت إن مفيش بطاقة في جيبك عرفت أنا هروح فين ودلوقتي اللي يهمني إنك تقوم بالسلامة.
كان جواد يطالعه باستفسار لماذا هو طيب لتلك الدرجة؟ ألن يسأله عن سبب وجوده أمام فيلته؟ ألن يسأله عن ماحدث؟ ولكن استفاق على صوته.
- مش عايزك تفكر كتير، كل اللي انت محتاجه دلوقتي هي الراحة التامة.
أعاده بهجت ينام على الفراش مرة أخرى ثم جلس على كرسيه الذي كان بجانب الفراش مرة أخرى ورفع سماعة الهاتف الخاص بالغرفة وتحدث مع أحدهم.
- المريض فاق ممكن تيجو تطمنوني على صحته؟
همهم ثم أغلق الهاتف ثم تقابلت عينيه مع جواد الذي يطالعه بهدوء وتعجب في آنٍ واحد، ولكن بهجت ابتسم له ابتسامة مطمئنة وربت على يده بحنان أبوي وتساءل:
- إسمك إيه بقا؟
صمت جواد قليلًا ولكنه أردف قائلا:
- جواد.
بهجت بابتسامة:
- اسم جميل، وأنا بقا اسمي بهجت تقدر تعتبرني زي والدك بالظبط.
طالعه جواد بتأثُّر وكاد أن يتحدث، دخل فريق طبي للغرفة ليطمئن على صحته. وبعد أن انتهوا وطمأنوا بهجت على حالته ظل جواد صامتًا ولكنه تحدث بشرود:
- كانوا عايزين يقتلوك، الشاب كان بيصوب على قلبك مش أي مكان تاني.
بهجت بتعجب:
- هما مين؟ أنا مليش أعداء أنا دايمًا في حالي.
نظر إليه جواد ثم أردف:
- ممكن ده يكون اللي مضايقهم منك .. إنك في حالك.
ظل بهجت صامتًا يُطالعه ثم أردف:
- بص أنا مش هسألك على أي حاجة ولا هقول إيه اللي جابك عندي لإني واثق إن ربنا سبحانه وتعالى بعتك ليا في الوقت المناسب ولولاك كان زمان بنتي يتيمة.
- ربنا يباركلك فيها.
- يا رب، دلوقتي كل اللي محتاج أعرفه منك الشخص اللي حرَّض على قتلي عشان أقدر أوصل ليه وأقدم فيه بلاغ.
قهقه جواد بإرهاق ثم أردف:
- انت طيب أوي يا أستاذ بهجت، بلاغ إيه بس؟ إللي يعمل كده بيبقى شخص واصل أوي.
أردف بهجت بهدوء:
- طول ما ربنا معايا أنا مش هخاف من حد أبدًا.
تعجب جواد من ثقته الزائدة تلك من أين أتى بها؟ ولكنه استفاق على صوته:
- متخافش يا جواد أنا معاك، وزي ماقولتلك اعتبرني زي والدك ومن النهاردة إنت دراعي الليمين .. قُولِّي بس إنت على المكان ومتقلقش أنا هتصرف.
تنهد جواد بعمق يفكر هل يُخبره بمكان أمين؟ هل من الممكن أن يضره؟ أسئلة كثيرة هاجمت عقله في تلك اللحظة لأن كل خطوة سوف يُقدِم عليها تُعبِّرُ عن تغييرٍ كبيرٍ في حياته وذلك بالطبع ما عاشه منذ الصغر كان يعيش في جحيم وكان يتنقلُ دائمًا من جحيم إلى جحيمٍ آخر. ماذا سيفرق إذًا وهو لم يرى يومًا هنيئًا بحياته؟ أغمض عينيه بهدوء ثم أخبر بهجت بعنوان أمين الشخص الهارب من العدالة والذي قام بخطف الكثير من الأطفال ويحرِّض على القتل وتجارة المخدرات وأيضًا تجارة الأعضاء!
.........................................................
مرت الأيام وكان جواد يستعيد صحته أولاً بأول أثناء مكوثه بالمشفى وكان يتابع خبر إلقاء القبض على الشخص الذي يُدعى أمين وأعوانه ومن خلالهم وصلوا لعدد كبير من رجال الأعمال الفاسدين والذين تم إلقاء القبض عليهم. تنهد تنهيدة عميقة تدل على كم الألم والأذى النفسي الذي عان منه بسبب ذلك الرجل! انتبه على صوت طرقات على باب الغرفة. أغلق التلفاز ونظر لباب الغرفة الذي دخل منه بهجت بابتسامة كبيرة ولكنه لم يكن وحده بل كانت بجانبه ابنته الصغيرة التي شردَ بها جواد للمرة الثانية.
- أحب أعرفك بشمس بنتي اللي مليش غيرها، وده بقا يا شمس أبيه جواد هيبقى معانا من النهاردة.
ابتسمت له ببراءة لم يدري لما رقَّ قلبه لابتسامتها تلك ومدت يدها الصغيرة له تصافحه. حاوط كفها يدها الصغيرة بكف يده الكبير.
- ألف سلامة عليك يا أبيه يا رب تقوملنا بالسلامة في أقرب وقت.
كان جواد متعجبًا لقولها تلك الكلمة له حتى تعجب أنها صدرت من بهجت أيضًا.
بهجت باستفسار:
- مالك مستغرب كده ليه؟
أردف جواد بانزعاجٍ بعض الشيء:
- دي بتقولي يا أبيه!
قهقه بهجت ثم أردف:
- لازم عشان احترام السن. شمس عندها عشر سنين يا جواد.
كانت ملامحه تبدو عليها الإنزعاج خيبة الأمل لأنه كان يظنها أكبر قليلًا. مرت الأيام وخرج جواد من المشفى وتم إنشاء أوراقٍ رسمية بلقبٍ وهميًّا بمساعدة السيد بهجت الذي اشترى له شقة لكي يبدأ فيها حياته ومن هنا بدأ جواد حياته كشخصٍ مستقل يعمل في تجارته السرية وأيضًا يقوم بتعويض ما فاته في التعليم وأيضًا يُساعد السيد بهجت في بعض أعماله ويستمر بزيارتهم في الفيلا باستمرار ثم القصر أيضًا وذلك بعدما انتقلوا إليه وقام جواد بشراء تلك الفيلا. ولكنه كان جاف المعاملة قليلًا مع شمس وخاصة عندما أصبحت مراهقة؛ فقد كان كثير التحكم بها دون أن تدري ما السبب لفعله ذلك وزاد الأمر عن حده حينما دخلت الجامعة.
......................................................
في الوقت الحالي:
كان يطالعها بهدوء وهي تستمع لقصة حياته. كانت تشعر بالانزعاج بسبب ما عاشه وأيضًا أثناء سرده لها كل ماحدث كانت تبكي. تنهدت وطالعته بهدوء:
- أكمِل لماذا توقفت؟ أين أبي الآن؟ ألستُ أنا شمس صحيح؟ كيف تزوجنا؟ هيا أخبرني.
روى لها كل شيء وهو طلبه لها بالزواج سرًا من أبيها دون أن تدري. أخبرها عن تمردها وأنها تزوجت شابًا آخر رُغمًا عن أبيها. أخبرها بكل شيء. كانت تبكي. إنها يتيمة! توفى والدها وجواد كان هو عائلتها الوحيدة. ثم إنها تشعر أنها كانت أنانية كثيرًا في حق نفسها وفي حقه. ثم هل بعد كل ما رآه منها مازال يُحبها؟ لمَ تزوجها؟
- لماذا تزوجتني؟
ذلك ما أردفت به دون وعي. تعجب من سؤالها ذلك. من المفترض أنها قد التمست حبه ومشاعره نحوها عندما روى لها ماحدث في الماضي وحتى عندما قابلها. كاد أن يتحدث ولكنها استأنفت بعقلانية كأنها تسأل نفسها:
- فتاة بذلك الغرور والعجرفة كيف لك أن تظل تُحِبَها حتى بعدما رأيته منها؟
- لم تكوني في وعيك، ثم إنكِ كنتِ بحاجة إليَّ دائمًا دون أن تقولي.
- لماذا بقيت بجانبي؟ لو كان أحدًا غيرك حدث له ذلك لدعس قلبه ورَحل.
صمت جواد قليلًا يحاول البحث عن إجابة هل يُخبرها بكل شيء؟
- جواد أنتَ تُخفي عني شيئًا على الرغم من أنني كنت أريدُ منك الصِدق فقط.
تنهد بعمقٍ ثم أردف يُلقي ما بجعبته:
- إن فيليب يكون والدي الحقيقي.
صُعِقَت عندما أخبرها بالحقيقة.
- أتمزح؟
- أنا لا أمزح في أشياءٍ كتلك مطلقًا وإجابتي على سؤالك، لماذا ما زلت متمسكًا بكِ على الرغم من أنني رأيت بكِ كل ذلك، هو أنكِ تُذكرينني بوالدتي، التي كانت عائلتي الوحيدة وذلك لا يُنفي تمامًا سببي الرئيسي وهو حبي لكِ.
أردفت بتشتت:
- كيف؟ هل زوجة عمي الراحلة هي والدتُكَ أنت؟ لا أستطيع أن أصدق، لقد توفت بعد أشهرٍ بسيطة من زواجهما.
أردف جواد بصعوبة:
- لا صوفيا، إن أمي مازالت على قيدِ الحياة.
- يا الله! كيف؟!! وعمي؟ إنه حزينٌ كثيرًا على فقدانها، كيف تفعل به ذلك جواد!
دمعت عينيها وهي تتذكر حزن فيليب الذي ينظر بشكل دائم إلى صورة زوجته والذي ظل مُخلصًا طوال حياته. لقد عاش على ذكرى أشهرٍ بسيطة لمدة عُمرٍ كامل.
- لذلك أخبرك بهذا الآن.
طالعته باستفسار ولكنه استأنف حديثه:
- أنا أريد مساعدتك صوفيا.
أخبرها بما وصل إليه حديثًا وهو معرفته بأن فيليب والده ومحاولاته الكثيرة في استرجاعه لوالدته ولكنها كانت تختفي.
- أريدُ أن أصل بأي ثمنٍ إلى ذلك الحقير والذي كان سببًا في إختطافكِ مني أيضًا، تلك الرسالة لن أنساها لقد أخذكما سويًا في آنٍ واحدٍ صوفيا.
ظلت تطالعه بهدوء ثم أردفت باستيعاب:
- جواد! لقد نسيتُ أن أخبرك بشيءٍ من الممكن أن يكون هامًا بالنسبة إليك.
تساءل بحيرة:
- ماهو؟
- هناك سيدةٌ ما قد ساعدتني بالهرب من المكان الذي كنتُ محتجزةٌ به.
نبض قلبُ جواد بقوة على أملٍ أنها من الممكن أن تكون والدته وأردف بلهفة:
- حاولي أن تتذكري جيدًا كيف كانت تبدو. أرجوكِ صوفيا.
حاولت أن تتذكر السيدة جيدًا ثم أردفت:
- ذات بشرة بيضاء شاحبة وشعر أسودٍ طويلٍ لكن به بعض الشعيرات البيضاء جسدُها ضعيفًا للغاية.
صمتت قليلًا تحاول أن تتذكر شيئًا آخر ولكنها استأنفت باعتذار:
- أعتذر ذلك كل ما أتذكره.
دمعت عينا جواد وهو يسمع عن والدته ثم قام بفتح هاتفه وأتى بصورةٍ قديمة لوالدته قد قام بتصويرها خِلسة عندما كان يقوم بزيارة جدته وأردف بصعوبة:
- هل هذه هي؟
أخدت منه الهاتف لترى صورةً لشابةٍ في بداية العشرينات وحاولت أن تُقارنها بمظهر وهيئة السيدة في الوقت الحالي وجدت أنهما متطابقان لولا عوامل الزمن على السيدة الأخرى.
- أجل إنها هي جواد.
حاول أن يتحكم في عبراته ولكنه لم يستطع، استقامت صوفيا من مقعدها فور أن رأت انهياره واقتربت منه:
- هل أنتَ بخير؟
هز رأسه نافيًا قامت بضمه بقوة تُربِت على ذراعه بحنان وبعد عدة ثوانٍ ابتعد عنها بهدوء وهو يأخذ نفسًا عميقًا ثم أردف بخشونة:
- يجب أن نذهب.
- لماذا؟
نظر حوله ثم أردف:
- لقد حلَّ الصباحُ صوفيا، ويجب أن تنامي.
استوعبت أنهما لم يشعرا بمرور الوقت. هزت رأسها وأخذت حقيبتها وأمسك بيدها يخرجان من المطعم. وقف بسيارته أمام قصر فيليب وقبل أن تخرج من السيارة أمسك جواد بيدها مردفًا بهدوء:
- صوفيا.
التفت إليه تًطالعه:
- كل ما أخبرتكِ به اليوم هو سرٌ بيننا، لا يجب أن يعلم فيليب أنني ابنه أو أن زوجته حيّة على الأقل الآن.
- لماذا؟
- لا أريد أن يؤلمه قلبه مرة أُخرى عليها، يكفي ما عاشه طوال تلك السنوات. علمه أنها ميتة أهونُ عليه من علمه أنها مُختَطَفة طوال تلك الفترة ولا يستطيع إيجادها.
صمتت قليلًا ثم أردفت:
- حسنًا، ماذا ستفعل الآن؟
- سأتركها لله، لا تقلقي لقد اقتربت على إيجاد أمي.
تحدث بآخر كلمة بابتسامة لطيفة.
- أتعلم أنني أثق بك، صحيح؟
- أجَل أعلم.
كانا يُطالعان بعضهما وهما بالسيارة ثم قام بتقبيل يدها وأردف بحب:
- أنا سعيدٌ كثيرًا لأنكِ بجانبِي حبيبتي، كلها أيامًا قليلة وستعود إليكِ ذاكرتكِ أنا على يقينٍ بذلك.
طالعته في عمقِ عينيه وأردفت بتأثر:
- أتمنى ذلك كثيرًا، لأنني أريد أن أتذكر كل ما بيننا جواد، لا يكفيني أن تُخبرني عما مضى.
- لا تقلقي.
نزلا من السيارة ثم دخلا للقصر وهما يُمسِكان بيد بعضهما ويبتسمان بتفاؤل وصعدا على أدراج القصر وظلا يسيران في ممر الغرف حتى توقفا أمام غرفتها. استندت بجسدها على الباب وهو كان يقف أمامها يطالعان بعضهما.
- أتمنى أن تكوني قد سعدتِ برفقتي اليوم.
- بل أنا من أتمنى ذلك جواد.
أمسك بوجهها بين يديه ثم أردف:
- ومن ذاك الذي لا يسعد ببقاءه بجانبكِ شمس؟
رقَّ قلبها عندما ناداها بذلك الإسم وأردفت بتأثر:
- ذلك الإسم له إيقاعٌ مُختلف عليّ عندما تُناديِني به، يجعل قلبي يدُقُّ الطبول.
- مُجرد إسمٌ يفعل بكِ ذلك، فما بالك بصاحبة الإسم ألم تتساءلي عن ماتفعله بي؟
ارتبكت وشعرت بالخجل من حديثه ذلك أخذ جواد نفسًا عميقًا يحاول أن يقوم بتغيير الموضوع:
- أريدُ أن أطلُبَ منكِ شيئًا.
- ما هو؟
- تعلمي المصرية، أريد أن نتحدث بها. أشعر أنني في غربةٍ طالما أتحدثُ بلغةٍ غيرها.
أردفت بابتسامة:
- حسنًا سأتعلمها.
التمس ذقنها يُمرر اصبعه على شفتيها برفق ثم أردف:
- هناكَ بعض اللحظات التي كنت أتمنى أن نعيشها أنا وأنتِ سويًا وسيكون لها وقعها الخاص على قلبينا لذا..
قام بتقبيل مقدمة رأسها واستأنف:
- سأنتظر عودة ذاكرتكِ لكي نعيش تلك اللحظات سويًا لأول مرة.
إحمر خدَّيها ووضع مقدمة رأسه على خاصتها وأردف بصوتٍ مُنخفض:
- تُصبِحين على خير، شمسي.
ابتعد عنها وذهب لغرفته؛ أما هي فقد كانت تشعر أنها كالمُغيبة ولكنها استفاقت عندما دخل غرفته ودخلت غرفتها أيضًا وهي تلتمس خديها وابتسمت بسعادة وأخيرًا وجدت عائلتها والتي تتمثل في جواد.
........................................
في اليوم الذي يليه وهو يوم الاجتماع، كان جواد يرتدي حُلته السوداء المتناسقة على جسدة بشكلٍ مثالي ويستند بجذعه على مكتب فيليب الذي يُطالِعَهُ بهدوء. أما بالنسبة لأندريه فكان لا يهتم، فهو اجتماعٌ وسينتهي.
جواد بضيق:
- لماذا إجتماعٌ كهذا سيُقامُ هنا؟
أردف فيليب بلامبالاة:
- وماذا لدي لأخسره؟ ثم إن لأ أحد يجرؤ على فعل أي شيء لأي أحد يخُصُّني، لا تقلق.
طالعه جواد بضيق، بداخله الكثير من الدلائل التي تنفي كلام فيليب ولكنه فضَّل الصمت.
انتبه الثلاثة على دخول أحد رجال فيليب يُخبرهم بأن الضيوف قد أتوا. استقام فيليب ويعقبه أندريه واعتدل جواد وتبعهما ليدخل قاعة الإجتماعات الضخمة والتي كان يجلس بها العديد من الرجال والنساء الذين يبدو عليهم الإجرام والثراءِ الفاحِش وعلى جسدهم الكثير من الوشوم! فهم زعماء مافيا بالطبع.
وقف الجميع إحترامًا لفيليب الذي دخل القاعة بحٌلته الأنيقة وكانت سوداء بالكامل حتى القميص الذي يرتديه بالكامل والذي زاد جاذبيته شعره الكيرلي المتوسط الطول ذو اللونِ الأبيض المُختلط بالأسود وبجانبه أخيه أندريه ذو الشعر البُنيَّ القصير ويرتدي حُلةً بنيةَّ اللون وقميصًا أزرق وبنطالاً بُنيِّ مصنوع من القُماش. أشار فيليب لهم بالجلوس ثم جلسوا وجلس جواد بجانب فيليب على جانبه الأيمن وأندريه كان على جانبه الأيسر.
تحدث فيليب بابتسامة:
- أهلا بكم أعزائي زُعماء المافيا العالمية، سعيدٌ كثيرًا باجتماعنا الضخم هذا وأتمنى ألا يكون آخر إجتماع فلدينا كثير من الأعمال لفعلها سويًا. وقبل أن نبدأ إجتماعنا المهم ذاك أريدُ أن أعرفكم بشابٍ ساعد المافيا الروسية بشكل كبيرٍ في الآونة الأخيرة وسيكون له دورٌ كبيرٌ أيضًا في الفترة القادمة. السيد جواد من مِصر أرجوكم رحبوا به.
رحب به جميع الزعماء الموجودين بالقاعة وكان من ضمنهم ماتيوس الذي يتحكم بغضبه بقوة وهو يُطالِعُ جواد الجالس بجانب فيليب، ولكن بَهُتَت ملامحه عندما تقابلت نظراته مع جواد الذي يُطالعه بهدوء.
رواية ثأر الشيطان الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سارة بركات
كان يطالعان بعضهما لعدة ثوانٍ فقط ولكن ماتيوس شعر أنها دقائق.
تنهد بارتياح عندما ابتعد جواد بعينيه عنه حيث أنه كان يُطالع جميع الموجودين بالقاعة.
تحدث فيليب:
- هذا الإجتماع قمت به لأن هناك الكثير من الخطط التي شغلتني في الآونة الأخيرة والتي أريدُ تنفيذها بالطبع ومن مشتملاتها مهمة قويةٌ جدًا، ولن أستطيع تنفيذ تلك المهمة دون استشارتكم أعزائي.
تساءل أحدهم:
- ماهي؟
ابتسم فيليب وأردف:
- ذهب!
طالعه الجميع بهدوء، ولكن فيليب استأنف:
- سنسرق ذهبًا يخص مجموعة دول في وقتٍ واحد.
تعجب جواد من حديثه وكان يريد أن يعترض ولكنه فضَّل أن يصمت حتى النهاية.
- كيف ذلك يا زعيم؟
ابتسم فيليب وأجاب:
- الآن في روسيا وأثناء حديثنا ذلك، الأمن القومي يقوم بغلق أبواب خزائنه على أطنانٍ من الذهب لا حصرَ لها..
صمت قليلًا يراقب ملامحهم الهادئة ثم استأنف:
- والتي سنقوم بسرقتها.
صمت الجميع يطالعونه بذهول ومتعجبون لما يقولون. سيسرقون ذهبًا وليس من أي أحد! بل من الأمن القومي!
- ولكن يا زعيم؟ كيف سنفعلها؟
ابتسم فيليب بابتسامة هادئة ثم أردف:
- لا تقلقوا كلابنا داخل الشرطة كُثُر، ولكن أنا لدي مشكلة.
تلك المرة تساءل ماتيوس:
- ماهي؟
تقابلت عينيه مع خاصتي فيليب الذي تحدث بهدوء:
- لدينا الخطة .. لدينا التنفيذ ... الفريق الذي سيقوم بتلك الخطة سيكون شخص من كل دولةٍ في تلك القاعة وذلك الآن لا يهمني ... بل يهمني هو الهرَب؟؟ كيف سنهرب بالذهب إذا تم اكتشافنا؟
في تلك اللحظة حبس الجميع أنفاسهم ينتظرونه يكمل حديثه. أردف فيليب بهدوء:
- عندي فكرة أظن أنها بدائيةٌ قليلًا ولكنها ستكون مثمرة .. وقت الهرب سنحتاج خطة بديلة ... أو بالأحرى تمويه وذلك لكي نستطيع أن نهرب، نريدُ عدة أشخاص يقومون بالتضحية لأجل المافيا العالمية وستأخذ عائلاتهم الكثير من الأموال وذلك في حالة القبض عليهم.
عقد جواد حاجبيه بضيق من التقزز الذي يحصل أمامه كيف يعتبرون كل ذلك عادي وطبيعي؟ أغمض عينيه بضيق من تفكيره ذاك! ظل من بالغرفة يتشاورون في تلك الخطة حتى أعطوه الموافقة.
أردف فيليب بابتسامة شريرة:
- إذا مرحبًا بكم في أقوى سرقة على مر التاريخ!
هز جواد رأسه بيأس بسبب مايحدث ولكنه انتبه على تحدث فيليب.
- ولكن لن تتم تلك السرقة بشكل جيد إذا لم يكن قائدها قوي! لذا قمت باختيار قائد الفريق من الآن والذي سيكون السيد جواد بالطبع!
التفت للجميع يُطالعون جواد الذي صُدِمَ من حديث فيليب ويطالعه بذهول! ولا يستوعب مايحدث! حتى أنه شعر أنه لا يستطيع التحدث إنه في موقف لا يُحسَد عليه هل يعي والده ما يفعله به؟ إنه يرميه بين النيران. أردف فيليب بهدوء:
- إذا كان لدى أحدٌ أي اعتراض فليخبرني؟
لم يتحدث أحد ولكن ماتيوس كان يبتسم فقط.
- إذَا لقد انتهى الإجتماع أعزائي، سأنتظر منكم الأعضاء الذين سينضمون للفريق وأخبروني بالجديد خلال الأيام القادمة!
انتهى الإجتماع ورحل الجميع ولم يتبقى سوى ماتيوس الذي ظل جالسًا يُطالع فيليب وجواد بهدوء.
أردف فيليب باستفسار:
- إلى ماذا تنظر ماتيوس؟
أردف ماتيوس بابتسامة:
- لا أظن أن تلك المهمة ستنجح، لا أصدق كيف فكرت بشيء كهذا هل فكرت في حجم المخاطرة التي من الممكن التعرض لها؟
فيليب بهدوء:
- لا يوجد لك أي حق في الإعتراض ماتيوس لأنه بمجرد نهاية الإجتماع فلن أستمع لأي أحد.
أردف ماتيوس بشفقة:
- أشفق عليك كثيرًا فيليب، فمن يراك الآن ويقارنك بالماضي لن يصدق أحدٌ ما تفعله.
كاد فيليب أن يرد عليه ولكن تحدث أندريه بدلًا عنه:
- ماتيوس لا حاجة لنا بالحديث عن الماضي؛ فما مر قد مر، نحن الآن نريد أن نُنجز أعمالنا قدر المستطاع وبأقل الخسائر.
كانوا يتحدثون ولكن جواد كان يطالع ماتيوس بهدوء يتفرس ملامحه ثم حرك رأسه لليمين محاولًا التركيز على شيءٍ ما وذلك عندما قام ماتيوس بضبط ياقة قميصه بيده اليسرى تلك الشامة الموجودة في كفه! لقد رآها في ذلك اليوم!
عودة لأحداث حفل المافيا الروسية:
كان جواد يدخل القاعة مُرتديًا قناعه الأسود، يمشي بين الحشود الموجودين ذوي الهويات المجهولة بسبب أقنعتهم. ولكنه يعلم هوية واحدة في تلك القاعة على الرغم من محاولة تخفيه بشكل جيد لكن لا سيعرفه من بين ملايين لأنه قد قصد فعل ذلك به حتى يصل إلى ما يريد في ذلك اليوم بالتحديد ولكي يراقبه جيدًا ليعلم مع من يعمل! ذو القدمين العرجاء وصاحب اليد اليُمنى المقطوع أصابعها *ساجد*. كان يقف وسط القاعة يتحدث مع أحد الرجال والذي يبدو عليه أنه مهم نظرا لوجود بعض الرجال المقنعين حوله ذلك الرجل كان يوجد على يده اليُسرَى شامة! ظل يراقبهم دون أن ينتبهوا له وذلك لأنهم لن يعلموا هويته اسفل ذلك القناع.
عودة للحاضر:
أردف ماتيوس بهدوء:
- لا أندريه أنا أرفض حديثك ذلك، كيف يمكن أن ينساني صديقي وتريد مني ان أتعامل معه كأني لا أعرفه! لقد باعني صديقي ولم يسمح لي بأن أقف بجانبه، في أصعب أوقاته و....
أردف فيليب بهدوء:
- في عالمنا ماتيوس يجب أن نقطع أيدينا لكي لا تكون عونًا لأعداءنا ضدنا يومًا ما. أنا ليس لدي أصدقاء. عملنا هو من يجمعنا سويًا. ومايجعلني لا أقتلك بسبب تعليقاتِك وتغطرسك هو أن أيامنا تلك تغفر لك، ووجودك بجانبي غفرَ لك، لكنني أكرر حديثي لا صداقة ولا أبوه ولا أخوةٌ أيضًا في عالمنا، هذا هو قانوننا وإذا أردت الإنسحاب منه فمبارك لك مقدمًا.
حمحم ماتيوس ثم أردف:
- لم أقصد ذلك و...
تدخل أندريه وأردف بهدوء:
- لا نريد حديثًا إضافيًا. لقد شرفَنَا وجودك لذلك الوقتُ القصير عزيزنا ماتيوس.
حمحم ماتيوس ثم استقام من مقعده وخرج من القاعة تحت أعين جواد الذي يراقبه بعينيه بحِرص وجُملة واحدة تتردد بداخله..
"أقربُ شخصٍ لك هو المشتبه الأول به"
وكل الأدلة تُشير إلى تورط ماتيوس. بعد خروجه من القاعة ظل جواد جالسًا مكانه بجانب فيليب وأيضًا أندريه بقي معهم.
- إزاي تاخد قرار يخصني من غير ماترجعلي؟
ذلك ما قاله جواد وهو يحاول كتم غضبه من فعلة فيليب والذي أردف ببرود دون أن ينظر إليه:
- لازم تعرف إنك من ساعة مبقيت من ضمن أفراد المافيا الروسية ليا الحق في إني أوجهلك مهام بدون إذنك. إعتبر نفسك موظف في شركة وأنا بديلك تاسك عشان تنفذه، وأنا متوقع منك أعلى آداء.
أردف جواد بغضب:
- اللي إنت بتتكلم فيه حاجة والواقع اللي إنت بتفرضه عليا ده حاجة تانية!، إنت عايزني أسرق!!
- أنا مقولتش إنك هتسرق. أنا قولت إنك قائد الفريق! ده غير إنك إنت اللي هتحرس نصيبي من الذهب.
حاول جواد كبت غيظه وإنفجاره ثم استغفر الله وأردف بهدوء مصطنع:
- تمام. بس ده اشتراك في سرقة.
- إخلي مسئوليتك. حاول تراقبهم من بعيد وتساعد على نجاح المهمة وتحافظ على نصيبي مش أكتر.
ذلك ما تحدث به فيليب بلامبالاة. نفخ جواد بضيق ثم خرج من القاعة. ظل فيليب صامتًا ويجلس أندريه بجانبه يطالعه في صمتٍ تام!
- أنا متنازل عن حصتي في الذهب أندريه وسأسامح في أي تلفيات من الممكن أن تحدث في نهاية المهمة!
بمرور الوقت:
كانت آسيا تجلس بفراشها تنظر أمامها بشرود فهي دائمًا هكذا في كل الأوقات. كل ما تفعله تفكر بإبنها وزوجها أيضًا. انتبهت على دخول ماتيوس للغرفة واعتدلت بسرعة تحبس أنفاسها وتحاول التحكم في اشمئزازها وخوفها منه في آنٍ واحد.
- مرحبًا عزيزتي.
لم تُجِبه واقترب يستنشق رائحة شعرها وأغمضت عينيها باشمئزاز وجلس أمامها. قام بتشغيل هاتفه على تسجيل صوتي وأول ما سمعته هو صوت فيليب الذي دقَّ قلبها بشدة عندما سمعته:
- سنسرق ذهبًا يخص مجموعة دول في وقتٍ واحد.
ظلت تستمع إلى مخطط سير الخطط عبر التسجيل الصوتي وانتبهت إلى الجملة التالية.
- ولكن لن تتم تلك السرقة بشكل جيد إذا لم يكن قائدها قوي! لذا قمت باختيار قائد الفريق من الآن والذي سيكون السيد جواد بالطبع!
طالعت آسيا ماتيوس بتعجب مما تسمع! وأردفت:
- ماذا؟ هل يقصِد جواد؟ بُنَيّ؟
- أجل كما سمعتي عزيزتي. يبدو أن السيد فيليب يريد قَتْلَ ثمرة حبكما.
طالعته بعدم استيعاب ثم أردفت:
- أنت تكذب.
- لا تلك المرة لا أكذب آسيا، لقد جُنَّ فيليب كثيرًا في الآونة الأخيرة. أو بمعنى آخر جنَّ عندما توفيتي، لقد نسي نفسه.
- ألم تسأل نفسك من يكونُ السبب؟
أردف بابتسامة كبيرة:
- أنا بالطبع ولي الفخر في ذلك. أنتِ لا تعلمين كم أكرهه كثيرًا. كم أتوق لمنصبه ذلك. ولكن صبرًا سأنال كل شيء وذلك عندما يقوم فيليب بقتل إبنه لن يقف أحدٌ أمامي وقتها.
ثم ضحك. ضحك كثيرًا. واعتدل وخرج من الغرفة وتركها تبكي بسبب ماسمعته من فيليب!
- جواد حبيبي.
عادت بذكرياتها ليوم عقد قران جواد.
كانت تجلس بكرسي هزازٍ في الغرفة التي تبقى بها في فيلا في مصر وتقوم بضم دُمية طفلها بقوة؛ فمنذ أن أتت وذلك الشخص الذي أتى بها يقوم بوعدها دائمًا أنها ستقابل ابنها جواد ولكنه لا يأتي به هو فقط يأتي لزيارتها ليطمئن عليها. انتبهت على دخول خادمتين للغرفة ويبدو أنهما جنسيتها ليست مصرية وتلك كانت أول مرة تراهما يبدو أنهن بدأن عملهن هنا حديثًا. كانا يتحدثان باللغة الإنجليزية أمامها.
- إن عقد قران السيد جواد اليوم، لا أصدق أن ذلك اليوم قد أتى.
تحدثت الأخرى بابتسامة:
- أنا سعيدة حقًا لأجله لطالما كان السيد جواد جيدًا مع الجميع إنه يستحق الأفضل دائمًا.
- مهلا! ذلك ما تحدثت به آسيا لتقاطعه حديثهما.
- ماذا تقولون؟ فرح من؟
- فرح السيد جواد سيدتي.
أردفت بتعجب وعدم فهم:
- كيف سيتزوج بُني وهو لا يزال طفلًا صغيرًا؟
تعجبت الفتاتان من قولها ذلك ولكن أردفت إحداهن:
- سيدتي إننا نتحدث عن السيد جواد والتي تكون صورته في ذلك الإطار الزجاجي.
التفتت تُطالع ذلك الإطار المُعلق على الحائط. تُطالع هيئته. تُطالع كل شيئٍ به وهنا تذكرت. استفاقت آسيا من صدمتها. حيث أن ذكرياتها كلها كانت متعلقة فقط بوعدها أنهما سيتقابلان لا شيء فقط غير ذلك. كان لقائها طفلها هو أملها الوحيد في الحياة! تذكرت! تذكرت كل شيء!! استقامت آسيا بإرهاق وسارت بخطىً هادئة وهي تحاول أن تتعكز على أي شيءٍ بجانبها. يا الله! إنها حقًا أمًا سيئة جدًا! كيف لم تنتبه للتشابه الكبير بينه وبين فيليب زوجها المتوفي... كيف؟! كادت أن تقع ولكن أسندتها الفتاة التي كانت قريبة منها وأجلستها بهدوء على كرسيها المتحرك.
- انتبهي سيدتي.
كانت ترتجف وتبكي بقهر وهي تضم دميته بقوة وكل ما تقوله:
- جواد حبيبي.. إزاي ماشمتش ريحتك اللي فضلت حافظاها سنين؟! إزاي ماحستش بيك!! إزاي كنت عامية لما أنت كنت قدامي الوقت ده كله!!
ظلت تبكي بقهرٍ على إهمالها في حقه وأنها حُرِمَت من أفضل اللحظات التي ممكن أن تعيشها بجانبه! فعلى الرغم من ظروفها القهرية إلا أنها ترى دائمًا أنها أمًا سيئة!
رواية ثأر الشيطان الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم سارة بركات
كانت تجلس بفراشها تتصفح هاتفها ولكنها انتفضت عندما دخل جواد غرفتها دون استئذان.
وما فاجأها شعرت بالخجل الشديد بسبب فعلته تلك ودخوله المفاجئ للغرفة.
ترددت في أن تلمس شعره ولكنها فعلتها بعد عدة ثوانٍ من التفكير وملست على شعره الأسود بهدوء.
أغمض عينيه بإرهاق على لمساتها تلك كأنه كان تائهًا لفترة طويلة جدا وقد وجد ملجأه أخيرًا بعد معاناة.
حاولت أن تتحدث ببعض الكلمات المصرية التي تعلمتها خلال اليومين الماضيين لأنها لغةٌ سهلة التعلم.
"مالك؟"
تحدث بإرتياح وعينيه مغلقة.
"مش عارف، حاجات كتير جوايا متلخبط بسببها وكمان مباقتش فاهمها. وكل اللي ببقى محتاج أعمله وقتها إني أخدك وأهرب بيكِ على مصر وأنسى كل حاجة فاتت. بس لا لازم أكمل إنتقامي من اللي عمل فيكِ كده."
أردفت بتأثر.
"إحكيلي وأنا هسمعك، أنا معاك يا جواد، إيه اللي حصل خلاك تايه كده؟"
قام بفتح عينيه واعتدل وجلس بجانبها على فراشها وأمسك بيدها وأردف بهدوء وهو يطالعها في عمق عينيها.
"فيليب باعتني مهمة خطيرة يا عالم هقدر أخرج منها ولا لا."
كانت تطالعه باستفسار تنتظر منه أن يُكمل حديثه.
"باعني أسرق أطنان من الدهب من الأمن القومي في روسيا."
طالعته بذهول وكادت أن تعتدل لتخرج من فراشها ولكنه أمسك بيدها بقوة يمنعها.
"إنت سامع نفسك بتقول إيه؟ لازم يعرف إنك ابنه، عشان يخاف عليك من أي حاجة ممكن تأذيك."
تحدث جواد بهدوء.
"إهدي ياشمس، هيعرف في الوقت المناسب، بس دلوقتي أنا محتاج أفكر معاكِ حاسس إني تايه."
طالعته في المقابل واقتربت منه حتى أصبحت المسافة بينهما منعدمة والتمست لحيته البسيطة بيدها.
"لا متعملش كده، تعالى نهرب يا جواد."
أغمض عينيه وهو يستند بمقدمة رأسها على خاصتها وأردف.
"كان نفسي .. بس مينفعش لازم أكمل اللي أنا بعمله ... انا خلاص قربت أوصل، خلاص النهاية قربت."
كانت تشعر بالخطر يقترب منه وأردف وهي تحاول منع عبراتها من النزول.
"ليه بتعمل ده كله؟"
قام بفتح عينيه وابتعد عنها مسافة بسيطة ثم أردف.
"عشانك .. حتى لو فيها موتي بس المهم عندي إنك تكوني في أمان، تعرفي .. أنا كنت فاكرك نقطة ضعفي بس إتضح إنك الحرب كلها يا شمس! الحرب اللي وصلتني لكل حاجة أنا كنت مفتقدها في حياتي .. أنا محتاج أكمل عشان أوصل للنهاية."
كانت تبكي بسبب حديثه ذلك ثم أردفت بالإنجليزية.
"لم أكن أعلم أن شمس محظوظة لتلك الدرجة لأن لديها شخصٌ مثلك يعشقها كثيرًا."
أغمض جواد عينيه مرة أخرى ثم عاد يُقرب مقدمة رأسه من خاصتها وأردف.
"أنتما الإثنتين واحدٌ بالنسبة إلي .. ما تبقى فقط هو أنكِ تحتاجين تذكر الماضي حبيبتي."
"أنا خائفة من التذكُر! أشعر أن هناكَ جحيمًا عشته لذلك لا أستطيع تذكر الماضي."
طالعها بحزن وقام بضمها بقوة بين ذراعيه وأردف.
"لا تخافي؛ فأنا بجانبك عزيزتي!"
ظلت هكذا تبكي بين ذراعيه وهو يربت بهدوء على ظهرها حتى انتبه الإثنان لصوت يُصدر من هاتفها، وابتعدت عنه بتذكر وهي تغلق ذلك التنبيه.
"في إيه؟"
طالعها باستفسار وأردفت بتوتر وخجل في آنٍ واحد.
"ميعاد الجيم."
اعتدلت من فراشها واقتربت من خزانة ملابسها وهي تشعر بالإحراج من وجوده في غرفتها ولعله يفهم أن تلك رسالة له لكي يخرج من الغرفة.
اعتدل من فراشها ثم اقترب منها حتى توقف خلفها قبل رأسها وهو يمسك بكتفيها بيديه ثم أردف.
"تحبي أوصلك؟"
التفتت للخلف تطالعه ثم أردفت بتوتر.
"استريح إنت، حساك مُرهق من التفكير وأنا مش هتأخر."
هز رأسه وهو يطالعها ولكنها ظلت تنتظره لكي يخرج من الغرفة ولكنه لم يخرج.
حمحمت بإحراج ثم أردفت.
"ممكن تخرج محتاجة أغير هدومي."
ابتسم بهدوء ثم خرج من الغرفة دون أن يتحدث بكلمة إضافية.
أما بالنسبة إليها فقد تنهدت بارتياح عندما خرج وبدأت بتغيير ثيابها.
دخل غرفته وقام بتغيير ثيابه وجلس بفراشه وهو يفكر بالعديد من الأشياء.
كيف سيقوم بتنفيذ تلك المهمة؟ كيف إذا لم تنجح مهمته؟ شمس! كيف ستعيش بدونه؟ والدته؟ من سيجدها؟ هل ستظل حبيسة طوال عمرها؟!
العديد من الأفكار السيئة هاجمته ولكنه هز رأسه نافيًا وعقد حاجبيه يتمنى أن كل ما هو قادم سيمر!
استلقى بجسده على فراشه يغمض عينيه قليلًا ولكن عقله يعمل ويفكر!
***
خرجت من غرفتها ونزلت على أدراج القصر وكادت أن تخرج من بابه.
تقابلت مع فيليب الذي خرج من قاعة الإجتماعات بهدوء وخلفه أندريه.
"مرحباً عزيزتي."
تحدث أندريه بتلك الجملة وهو يقترب منها.
أما فيليب فقد ظل صامتًا وهو يطالعها.
تساءلت بهدوء.
"ماذا هناك عمي؟"
"لا شيء عزيزتي .. إلى أين تذهبين؟"
طالعته حقيبة الظهر التي ترتديها ثم أردفت بعدم فهم.
"من الواضح أنني ذاهبة إلى الصالة الرياضية، هل تريد مني شيئًا ما."
"لا شيء! أنا فقط كنت أُلقي التحية عزيزتي."
وابتسم ابتسامة هادئة وهو يطالعها.
"حسنًا عمي إلى اللقاء."
ظل يطالعها وهي تخرج من القصر وانتبه لتساؤل أندريه.
"لماذا كنت تنظر إليها هكذا، أخي؟"
أردف فيليب ببساطة.
"لأنها زوجة جواد، ويؤلمني ضميري الذي يجعلني أحزن بسبب أنني سأقوم بقتل زوجها."
التفت لأندريه وهو يبتسم بهدوء ثم استأنف.
"ولكن هكذا هي الحياة أخي .. يومٌ لك ويومٌ عليك!"
***
ركبت سيارتها في الخلف وقام السائق بالقيادة وذلك تحت أعين الرجال الذين يراقبونها من على بُعد مسافات.
وقاموا بتصويرها وارسال الصورة إلى ماتيوس!
الذي خرج من غرفة آسيا في مصحة مجهولة في روسيا وهو يبتسم.
وأخيرًا نال مراده وانقلبت آسيا تمامًا على فيليب!
يشعر بنشوة الانتصار عندما تركها وهي تبكي في غرفتها وتلعن فيليب الذي ينوي أذية ابنها!
انتبه لهاتفه الذي يُعلن عن وصول رسالة.
قام بفتح الصورة التي وصلته للتو وعقد حاجبيه عندما وجد أنها صورة لشمس زوجة جواد أمام قصر فيليب!
أتته معلومة حالية انتبه لها وهي:
"صوفيا قريبة السيد فيليب."
شعر ماتيوس بالغضب الشديد حيث أن وجود تلك الفتاة بالقرب من فيليب دليلًا على نهايته لأنها من الممكن أن تتذكر كل شيء.
أجرى اتصالًا هاتفيًا لرجاله الذين يراقبونها وأمرهم.
"أقتلوها، فورًا!"
ثم أغلق الهاتف وهو ينتظر خبر وفاتها على أحَّر من الجمر!
وصلت أمام الصالة الرياضية ونزلت من السيارة وودعت سائقها.
دلفت إلى الصالة وقامت بتغيير ثيابها في غرفة تبديل الملابس.
ووضعت حقيبتها الخلفية في خزينة صغيرة في الغرفة وأغلقت عليها بالقفل.
حملت زجاجة المياة التي تخصها وأخذت هاتفها وهي ترتدي السماعة اللاسلكية تستمع لبعض النغمات الإنجليزية للفنان الذي تحب السماع إليه وأيضًا لفنانة مشهورة أيضًا.
وقفت على آلة السير الرياضية وبدأت بالتحرك سريعًا لعدة دقائق بسيطة ثم ركضت عليها وهي تستمع لنغماتها المفضلة منعزلة عن العالم حولها.
ظلت تركض لعدة دقائق ثم أوقفت الآلة عندما انتهت من عدد الدقائق التي حددتها.
أخذت منشفتها تقوم بمسح وجهها وذراعيها وشربت المياة والتفتت لكي تذهب للآلة التي تليها ولكنها انتبهت على خلو الصالة الرياضية من الأشخاص!
تعجبت لأنها قبل أن تركض كانت الصالة مليئة بالكثير من الأشخاص.
شعرت بالتوتر فهي تشعر أن ذلك الهدوء المفاجئ ليس خيرًا أبدًا.
أوقفت الأغاني التي تستمع إليها تحاول أن تدرُس ذلك الهدوء وأخذت تبحث عنهم ولكنهم إختفوا فجأة!
شعرت بخيفة في نفسها وأن داخلها يخبرها أن تهرب الآن وخاصة عندما سمعت صوت أقدامًا هادئة.
ركضت بسرعة واستطاعت أن تختبئ في غرفة تغيير الملابس وأغلقت الباب خلفها بهدوء.
وأصبحت تتحرك للخلف وهي تطالع باب الغرفة حتى انتبهت لخيالات في الخارج ورجل يتحدث.
"يجب أن نجدها في أسرع وقت ونقتلها."
زاد خوفها لأن إحساسها صحيح! هناك أحدٌ يريد قتلها! ولكن لم؟!!!
أخذت هاتفها وقامت بمحاولة الاتصال بجواد الذي كان نائمًا بفراشه ولكنه فتح عينيه عندما رن هاتفه وأجاب بنعاس عندما وجدها شمس.
"أيوه يا حبيبتي؟"
ولكنها كانت تتحدث بهمس وارتعاش وبالإنجليزية.
"جواد، أنقذني .. إنهم يريدون قتلي!"
ولكنها أغلقت بسرعة عندما كان أحدهم يحاول فتح باب الغرفة.
انتفض جواد من فراشه عندما تحدثت هكذا ولم يشعر بنفسه سوى وهو يخرج من القصر بمنامته!
ركب سيارته بسرعة وتحرك بسرعة القصر تحت أعين فيليب الذي تعجب من خروجه المفاجئ وأيضًا بمنامته!
وأمر رجاله بملاحقته ليعلم ما السبب!
بعد مرور وقت قصيرٍ جدا وصل جواد إلى الصالة الرياضية في أسرع وقت وأصدرت عجلات سيارته صريراً عاليا عندما توقف أمامها جعل المجرمين الذين بداخل الصالة ينتبهون لما يحدث بالخارج.
قام بفتح حقيبة السيارة الخلفية وأخرج منها رشاشًا آليًا ودخل الصالة وأصبح يتنقل بداخلها بخفة.
كان يبحث عنهم بعينيه بترقب لكي يجدهم وبالفعل وجد مجموعة منهم يبحثون عن أحدٍ وخمن أنهم يبحثون عن شمسه.
صوب الرشاش على أقدامهم ووقعوا أرضًا وصوت الطلقات جعلت المتبقين بالصالة كلها يقتربون نحوه وإختبأ عندما أطلق أحدهم النيران نحوه وأخذ نفسًا عميقًا يتنقل لكي يُصيبَهم.
حدث عراكٌ وصدامٌ كبيرٌ بينه وبينهم مما جعل رجال فيليب يشتركون معه في تلك المعركة يقاتلون معه.
وعندما وجد رجال ماتيوس أن عدد العدو أصبحَ كبيرًا بعضهم هرب والآخرون قاموا بالانتحار لكي لا يحاول أحدٌ الوصول إلى معرفة مع من يعملون.
لم يهتم لكل ذلك بل كان ما يهمه هو البحث عن شمس.
خائف! نعم خائفُ كثيرًا من فكرة أن يصيبها أذى.
أخذ يناديها بقلق وصوتٍ عالٍ قليلًا.
"شمس."
كانت تختبي أسفل إحدى الأرائك الموجودة في غرفة تبديل الملابس ولكنها انتبهت عندما سمعت صوت جواد يناديها بعد هدوء طلقات النيران التي انتشرت فجأة في المكان.
خرجت بلهفة تركض نحوه ببكاء.
قام بضمها بقوة وهو يتنهد بارتياح.
ظلا هكذا لعدة دقائق لأنهما نسيا العالم من حولهما.
وفي نفس الوقت يهاجم شمس شيٌ ما بذاكرتها.
شيءٌ مشوش ولكنه يبدو شيطاني.
سوط! أدوات تعذيب! صرخات تملأ قبوٌ مظلم! هل تلك صرخاتها هي؟!
استفاقت عندما ابتعد جواد عنها يطالعها في عمقِ عينيها.
"إنتِ بخير متقلقيش."
ظلت تطالعه بصدمة شديدة مما حدث لها للتو وأيضًا من تلك الرؤية الغريبة!
هل تشخيص طبيبها النفسي كان صحيحًا؟ هل عقلها هو من رفض ان يتذكر أي شيء من كثرة المآسي والألم والخذلان التي عاشتهم في حياتها سابقًا والتي لا تتذكر أي شيءً منهم من الأساس!
أغمضت عينيها وهي تبكي وعادت تختبئ في أحضانه مرة أخرى.
كان يُربِتُ على ظهرها وهو يطالع الأسلحة التي كانت بحوزة الرجال الذين كان يهاجمونه.
كانت أسلحته هو! أسلحته التي قام ببيعها للمافيا الروسية.
في المساء:
كان يجلس مع فيليب في مكتبه ويطالعه بهدوء.
"محتاج نتكلم على المكشوف شويه."
أردف فيليب بتعجب.
"أنا اللي أتكلم على المكشوف!"
"أيوه مظبوط .. الأسلحة اللي أنا اديتهالكم .. ليه كانت مع اللي كانوا بيهاجموا شمس!"
أردف فيليب ببساطة.
"ماحنا وصلنا قبل كده إن اللي بيعمل الكلام ده جوا المافيا بتاعتي."
أردف جواد بهدوء.
"وليه مدورتش عليه لحد دلوقتي؟ ليه موصلتلوش؟"
أردف فيليب بابتسامة.
"إنت بتستجوبني؟"
"لا مش بستجوبك أنا عايز أعرف إيه اللي بيحصل! لو كنت اللي بتعمل ده كله قول!"
"وأنا قولتلك إن مش أنا اللي بعمل كده."
غضب جواد بشدة وأردف بصراخ.
"أومال مين؟؟ هاه؟؟ شخص ليه نفس سُلطتك، يقدر ياخد الأسلحة الخاصة بيكم! يتصرف بيها على هواه! إنت فاكرها لعبة يا فيليب! نوع الأسلحة دي كانت خارجة ليكم إنتوا وبس!! ليكم دي يعني فريقك إنت يا فيليب! وارد يكون أقرب الناس ليك هو اللي بيعمل كده! ممكن يكون أخوك! ممكن يكون أقرب أصدقاءك!"
أكمل فيليب بالنيابة عنه.
"وممكن يكون إنت يا جواد."
طالعه جواد بغضب ولكن فيليب أخذ نفسًا عميقًا واستأنف بهدوءٍ قاتل.
"فاهم وجهة نظرك، إن الخيانة ممكن تيجي من أقرب الناس ليك .. متقلقش! من جهة الأسلحة فأنا عارف إن فريقنا هو اللي شغال بيها، بالنسبة للناس اللي هاجموكم أنا هعرف هويتهم في أقرب وقت عشان أوصل للي عمل كده في شمس."
عقد جواد حاجبيه بضيق من طريقة حديثه تلك وكاد أن يخرج من مكتبه.
"جواد."
التفت يطالعه بضيق، ولكن فيليب أردف بتنبيه.
"المهمة بعد يومين .. الفريق بيجهز خلاص هتتعرف عليهم في بداية المهمة وبعدها ولا كإنكم تعرفوا بعض."
طالعه جواد بهدوء ثم خرج من الغرفة دون أن يوجه إليه أي كلمة إضافية.
كانت ترتعش وهي تجلس بفراشها تحاول أن تتذكر ماضيها ولكنها لا تتذكر أي شيء!
تلك الصور المُخيفة التي لا تترك عقلها هل عاشتها بالفعل؟!
انتبهت عندما دخل جواد للغرفة وجلس بجانبها على فراشها وقام بضمها يربت على ظهرها بهدوء.
"متخافيش خلاص عدا."
"لا معداش .. مفيش حاجة عدت! حاسة إني بتسحب للظلام أكتر ... مباقتش حاسة بالأمان طول مانا بتنفس."
ابتعد عنها مسافات قليلة ليطالعها في عمق عينيها.
"قولتلك، متقلقيش طول مانا معاكِ يا شمس."
ولكنها ظلت صامته وحزينة.
انتبه لتوترها ذلك وأردف بابتسامة هادئة.
"ايه رأيك، نعملنا نعناع يروق أعصابنا شويه؟"
هزت رأسها وخرج من الغرفة وبعد عدة دقائق عاد مرة أخرى وأعطاها كوبها عندما جلس بجانبها على الفراش وأخذ يشرب كوبه.
أردفت باستفسار.
"كنت بتعمل إيه عند فيليب؟"
أردف جواد بتنهيدة.
"بيبلغني بميعاد المهمة."
"إمتى؟"
"بعد يومين."
طالعته بتأثر ولكنه أردف بابتسامة.
"متقلقيش هتعدي."
يوم المهمة:
فوق قمة أحد الجبال في روسيا بالقرب من مكان السرقة:
كان جواد يقف أمام مجموعة من الأشخاص مختلفي الجنسيات من الدول العربية والدول الأجنبية.
يبدو أن الأوغاد قد استولوا على العالم بالفعل!
وبالطبع على ذكر ذلك فوالده هو أكبر وغد لأنه زعيم تلك المافيا الغبية!
أغمض عينيه بضيق يحاول منعَ نفسه من إلقاء السُباب في حق والده لأن ذلك لا يجوز.
يتذكر دائمًا قول الله تعالى "وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا" الإسراء {23}.
انتبه لقرب أحدهم نحوه يقدم يده له ليصافحه.
كان يبدو عليه أنه شابٌ عربي.
"مرحباً أنا أُدعى إيهاب!"
صافحه جواد بالمقابل وأردف.
"جواد."
تحدث إيهاب بدهشة.
"يا لطيف إنتِ عربي؟!"
تحدث جواد بابتسامة.
"لا، أنا مصري!"
عقد إيهاب حاجبيه بعدم فهم وأردف.
"المصري يعني عربي ياخَي عَ كِل حال اتشرفت بمعرفتك، أنا خيّك من لبنان."
"أهلا بيك."
أخذ جواد نفسًا عميقًا يحاول التحكم بتوتره لأنه من المفترض أن ينتبه لنجاح تلك المهمة فهو من سيُشرِف عليهم.
نظر لجميع الشاحنات المُلتفين حول الجبل كل شاحنة تخص زعيمًا في كل دولة تخص كل شخص هنا.
وبالطبع شاحنة فيليب كانت موجودة أمامه ويفكر كثيرًا بالاستسلام والعودة.
"إذا، ماذا سنفعل الآن؟"
تحدث بتلك الجملة شخصٌ إيطالي يُدعَى إنزو.
طالع ساعة يده ثم أردف.
"الآن!"
توزع الجميع كل واحدٌ على شاحنته وبجانب كل شخص سائق الشاحنة لأن المطلوب من كل شخصٍ مسئولٌ عن شاحنته البقاء داخل الشاحنة من الخلف مع الذهب الذي سيتم سرقته!
كانت شمس قلقة كثيرًا منذ خروج جواد فقلبها يؤلمها بشدة.
خرجت من غرفتها لتشرب القليل من المياة وانتبهت لدخول فيليب لقاعة الإجتماعات وخلفه أندريه!
تعجبت هل يُدِير اجتماعًا الآن!!
ولكنها لم تهتم بسبب قلقها على جواد.
دخلت المطبخ وشربت كوبًا من الماء وبدلًا من أن تصعد ظلت جالسة به تُهدئ من روعها وتتمنى أن كل شيء سيكون على ما يرام مثلما طمأنها زوجها!
كان المكان كما أخبره فيليب.
المكان هادئ الحراسة موجودة ولكنهم كلاب المافيا وليسوا من الأمن الوطني!
ولذلك سمحوا لهم بالمرور.
قاموا بفتح غرف الخزائن الخاصة بالذهب وكانت غرفًا ضخمة جدا بداخلها الكثير من أطنان الذهب!
ذُهِل الجميع عدا جواد بحجم الذهب الذي بتلك الغرف!
وقاموا جميعا بمحاولة حمل الذهب على الناقلات الصغيرة التي معهم.
كل شخص يجمع نصيب زعيمه من الذهب وبعد إن انتهوا وضعوا الذهب بالشاحنات.
وبالطبع كان فيليب يراقب كل مايحدث من خلال الكاميرات المزروعة في الشاحنات والمكان أيضًا فقد إخترق كاميرات المكان بواسطة هاكر عالمي!
كان يجلس مع أندريه في قاعة الإجتماعات التي بها شاشة عرضٍ ضخمة ويتحدث بهدوء.
"لقد اقتربنا."
تحركت الشاحنات ماعدا شاحنة فيليب التي كان بها مشكلة في قِفل الباب الخلفي والذي انكسَرَ فجأة.
"جواد صاير شي؟"
ذلك ماتحدث به إيهاب وهو يصعد لشاحنته من الخلف.
هز جواد رأسه وأكمل عمله يحاول إصلاح ذلك القفل.
خرج إيهاب من الشاحنة واقترب نحوه يساعده.
"مالوش داعي."
"نحنا إخوات يا زلمي!"
"هيدا مكسور وما بيتصلح، معي بديل!"
عاد لشاحنته وأعطاه قفلٌ آخر.
"شوف معي، هيدا القفل مارَح يسكر معك كتير منيح متل الأصلي بس بيفي بالغرض."
هز جواد رأسه وعاد إيهاب ليصعد إلى شاحنته من الخلف ويغلق على نفسه من الداخل وتحركت شاحنته.
تنهد جواد وطالع القفل الموجود معه وكاد أن يصعد للشاحنة في ذات الوقت.
ابتسم فيليب بشر وضغط على زرٍ جعل صافرات الإنذار تنطلق من ذلك المكان.
عقد جواد حاجبيه بضيق مما حدث للتو! ولكنه صعد بسرعة عندما اقترب جيش الأمن نحو المكان بأسلحتهم.
أغلق على نفسه من الداخل مثلما فعل الآخرين وتحركت الشاحنة بأقصى سرعة.
كان فيليب يضحك وكان أندريه يطالعه بهدوء لا يُعجبه الأمر تمامًا ولكن يجب أن يحدث ذلك فجواد خائن.
خرجت شمس من المطبخ وأثناء صعودها لغرفتها انتبهت لضحكات فيليب المستمرة مما جعلها تنزل على الدرج مرة أخرى واقتربت من قاعة الإجتماعات لكي ترى ما يحدث!
قامت بفتح الباب فتحاتٍ بسيطة لتراقب ما يفعلون.
انتبهت لتلك الشاشة الضخمة التي تتوسط القاعة.
وظهور جواد بها.
ذُهلت مما رأته إنه يراقبهم!!
رأت مطاردة الأمن القومي للشاحنة التي بها جواد ولكن السائق كان ماهرًا بالهرب واستطاع الابتعاد عنهم كثيرًا.
تنهد جواد بعمق فتلك المهمة صعبة جدا وأخذت منه كامل طاقته.
يكفي الأثقال التي حملها والتوتر الذي عاشه بداخل تلك المهمة!
والأهم أنه لم يعلم أحدٌ هويته لو كانوا رأوه لكان في كارثة حقًا!
انتبه عندما حدثه فيليب من خلال اللاسلكي الموجود بسترته.
"جواد!"
"المهمة ماشية تمام؟?"
زفر جواد بتوتر وأردف وهو يلتقط اللاسلكي.
"يعتبر خلصنا."
قهقه فيليب بقوة وتعجب جواد من ضحكاته تلك.
"في إيه؟ إيه اللي يضحك مش فاهم؟"
أردف فيليب بابتسامة.
"في حاجة مهمة جدًا عايزك تعرفها وهي إن نهاية المهمة دي عبارة عن نهايتك .. مع السلامة يا جواد."
زادت ضربات قلبه يشعر أن هناك من قام بطعنه في ظهره بقوة للتو وأردف بصدمة وعدم فهم.
"فيليب! تقصد إيه؟!"
ولكن لا يوجد أي رد من فيليب الذي اختفي صوته تمامًا.
وفجأة اهتزت الشاحنة التي كان موجودًا بها بعدما سمع تفجيرًا بأحد عجلاتها الخلفية وانقلبت الشاحنة رأسًا على عقب حتى وقعت في بحيرة عميقة جدا!
في تلك اللحظة دخلت شمس الغرفة وهي تصرخ.
"لا تفعل ذلك أرجوك!"
تحدث أندريه بحدة.
"صوفيا ابتعدي لا دخل لكِ بذلك."
بدأت شمس بالبكاء.
"أرجوكم، إنه لا يستحق كل ذلك!"
ثم التفتت إلى فيليب الذي كان يطالعها بابتسامة.
"أرجوك عمي! إن جواد لا يستحق!"
اقترب منها فيليب وتحدث بقوة.
"لا إنه يستحق الأسوأ .. الخائن نهايته الموت ولكن بطريقتي أنا."
انهمرت عبراتها من مقلتيها لقد وعدت جواد أنها ستحفظ سره ولكنها لا تستطيع أن تتركه للموت وأردفت ببكاء.
"كيف لأبٍ أن يقتل ابنه؟ كيف تفعل ذلك بطفلك الذي أنجبته من صُلبك؟"
طالعها فيليب بعدم فهم وتشتت في آنٍ واحد!
"ماذا تقولين؟!"
أردفت ببكاء شديد.
"إن جواد يكون ابنك."
شعر أنه سيُجَن! أمسكها بقوة من كتفيها يصرخ بها.
"من أين جئتِ بتلك الترهات صوفيا؟!"
"إنني لم أكن بعلاقة قط سوى مع زوجتي الراحلة والتي لم تُنجب أبدًا."
ظلت صامته وهي تبكي يجب أن تخبره كل شيء.
"لا، إن زوجتك على قيد الحياة فيليب."
في تلك الأثناء كان جواد يصارع أسفل المياة داخل الشاحنة من الخلف والتي بدأت المياة تدخل إليها شيئًا فشيئًا.
كان يطرق على الزجاج الفاصل بينه وبين مقعد السائق ولكن السائق لا يستجيب.
تأكد جواد بأنه فقد حياته.
أخذ جواد إحدى سبائك الذهب الثقيلة يحاول أن يكسر بها ذلك الزجاج المتين ولكن مع الأسف هو لا ينكسر.
حاول أن يكسر القُفل ولكنه كان لا ينكسر ولا يستطيع أن يجد مفتاح القفل لأنه وقع منه أسفل المياة.
حمل اللاسلكي مرة أخرى وهو ينادي.
"فيليب! رد عليا!"
ظل ينتظر إجابته ولكنه لم يُجِبه.
انتبه فيليب على صوت جواد الذي عاد مرة أخرى وهو يناديه ولكنه كان متجمدًا.
لا يفهم شيئًا يحاول ربط الأحداث لكن لا يوجد أي سبب منطقي لحياة زوجته !!
على الرغم من وجود تشابه قوي بينه وبين جواد.
انتبه مرة أخرى على صوت جواد والذي تلك المرة تحدث بهدوء.
"فيليب."
ترك فيليب كتفي شمس التي تبكي بقهر على زوجها وعاد للاسلكي يحمله بارتعاش ولا يفهم ماذا يحدث يشعر أنه قد شُلَّ تمامًا.
وتلك المرة اشتعلت مشاعر الأبوة بداخله عندما سمع جواد مرة أخرى.
"بابا، سامعني!"
رواية ثأر الشيطان الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم سارة بركات
تحدث جواد بتلك الجملة عندما شعر أن تلك آخر مرة سيتحدث بها مع والده. فاض به الكيل وهو يطالع ارتفاع منسوب المياه في الشاحنة من الخلف، أثناء جلوسه على مرتفع عالٍ من سبائك الذهب، وذلك لكي يكون لديه وقت أطول في البقاء على قيد الحياة.
كان فيليب يتمسك بقوة باللاسلكي ولم يخرج من صدمته حتى الآن. فقط مشاعر مضطربة بداخله، يقوم بتجميع الأحداث من الماضي حتى الآن. بدايةً من حريق المنزل!
انتبه عندما أخذ أندريه اللاسلكي من يديه.
"جواد."
انتبه جواد لمن يتحدث.
"معاك أندريه، حاول تدور حواليك على أي مصدر خروج!"
أردف جواد باستسلام.
"مفيش أي مصدر خروج."
قام أندريه بالضغط على عدة أزرار، فهو يعلم تمامًا الطريقة التي صُممت بها تلك الأقفال، ثم أردف بعدما انتهى.
"قِفل العربية يا جواد هيفتح ببصمة إبهامك! جرب دلوقتي."
أغمض جواد عينيه بقوة ثم قام بفتحهما.
"القفل اللي كان معايا اتكسر مش عارف إزاي! خلصنا كل حاجة وخرجت لقيته مكسور! كان سليم لما وصلت المكان!"
أردف أندريه باستفسار.
"أومال الباب مقفول بإيه؟!"
ابتلع جواد غصته عندما أدرك الفخ الذي وقع به! لقد قام أحدهم بكسر القفل عمدًا!
"قِفل عادي، بس المفتاح مش لاقيه وقع في المياه."
أردف أندريه بهدوء وهو يحدق في وجه فيليب الشاحب.
"حاول تنزل تدور عليه.. أنا عارف إنها صعبة بس هتلاقيه."
قام جواد بإغلاق اللاسلكي وهو يطالع الشاحنة التي إمتلأ نصفها بالمياه. نزل ببطء للأسفل وقام بالسباحة يبحث بعينيه عن المفتاح. انتبه لوجوده في فراغات موجودة بين بعض السبائك. سبح للأسفل وأخذه بيده وصعد للأعلى لكي يلتقط أنفاسه، ثم قام بحبسها مرة أخرى وسبح أسفل المياه مرة أخرى ليقوم بفتح القفل. ولكن للمفاجأة! القفل لم يُفتح! غضب جواد بشدة ثم عاد للسطح مرة أخرى ليجلس حيث كان.
في تلك الأثناء، كان ماتيوس يبتسم بشر وهو يتحدث بالهاتف مع إيهاب.
"لا تقلق، اعتبره في عداد الأموات فقد أعطيته المفتاح الخاطئ."
قهقه ماتيوس بشر ثم أردف.
"إن لك مفاجأة كبيرة جدا عندي! لقد فعلت ما رفضه بنو جنسك وأنت تستحق هديتك!"
أردف إيهاب بابتسامة شرير.
"وأنا في انتظارها!"
عند جواد:
أمسك باللاسلكي مرة أخرى لكي يتحدث مع أندريه.
"أندريه، لقيت المفتاح بس مبيفتحش!"
في تلك الأثناء اقتربت شمس تلتقط اللاسلكي من أندريه وهي تبكي.
"جواد حبيبي، حاول تخرج من هناك بأي طريقة.. مينفعش ده يحصل، مينفعش دي تبقى النهاية بينا."
أردف جواد بحب.
"متقلقيش يا شمس هخرج من هنا بأي طريقة، أنا وعدتك وأنا قد وعدي."
"سامحني يا جواد.. أنا قولت لفيليب على كل حاجة."
صمت جواد ثم أردف بابتسامة.
"مفيش مشكلة يا حبيبتي، متقلقيش عليا هجيلك تاني."
هزت رأسها كأنه يراها ثم صمت جواد قليلًا وهو يُطالع الشاحنة حوله بتركيز، ثم وقعت عينيه على شيءٍ ما بالخارج. ثم أردف.
"بابا؟!"
ارتجف قلب فيليب حينما سمع تلك الكلمة منه مرة أخرى. ولكنه كان متسمرًا غير قادر على الحراك.
"فيليب سامعني!"
اقترب يمسك باللاسلكي بارتعاش وأخيرًا تحدث.
"نعم؟"
ابتسم جواد بهدوء وهو يطالع الشاحنة حوله ثم أردف.
"الأحبال دي متينة قد إيه؟"
تحدث فيليب بهدوء.
"مش فاهم سؤالك."
توقف جواد راكعًا في مجلسه لأنه وصل لسقف الشاحنة وهو يُخرج سكينًا حادًا صغيرًا من جيبه (مطوه) ويقترب من أحد الأحبال التي تمسك جيدًا وتمنع السبائك من الوقوع.
"يعني لو حبيت أقطع الأحبال اللي ماسكة السبائك هتتقطع بسكينه عاديه؟"
أجاب فيليب بهدوء.
"أيوه بس حاول تركز عليها بقوتك شويه! الأحبال دي صعبة."
"متقلقش."
"هتعمل إيه يا جواد؟"
ولكن جواد تجاهل سؤاله ثم أردف بابتسامة كأنه يراه.
"شوية وراجعلك."
ثم أغلق جواد اللاسلكي واقترب نحو جهة من الأحبال وقام بمحاولة قطعها بإستخدام أقصى طاقته بذراعيه الإثنتين مما جعل عروقه تبرز بقسوة.
وبعد صعوبة قام بتقطيع جُزء وتبقى جُزء أخير وهو الجزء الأسهل! لأن ما يُحكم ثبات تلك السبائك العديدة كانوا جهتين والآن انقطعت واحدة وتبقت الأخرى حيث أنها هي الجهة الوحيدة الآن التي تُمسك بالسبائك. سبح نحوها وذلك نظرًا لإمتلاء الشاحنة بالمياه وتَبَقى رُبعُها تقريبًا. كان هناك سهولة في تقطيع الجهة المتبقية وأمسك جواد بقوة بسلاسل حديدية موجودة في أعلى سقيفة الشاحنة.
وبمجرد انفلات الأحبال الأخيرة تفككت السبائك والتي كانت تعتبر معلقة في الشاحنة. ولكن قوة سقوطها تلك سحبت الشاحنة لأسفل البحيرة بقوة ما سبب اصطدامٌ قويٌ جدًا في الشاحنة من الخلف بسبب صخرة كبيرة موجودة أسفل المياه ونتج عن ذلك الاصطدام تَحَطُّم باب الشاحنة!
سبح جواد بقوة في المياه بعدما خرج من الشاحنة. ثم ارتفع لسطح المياه ليلتقط أنفاسه بقوة كأنه قد عاد للحياة مرة أخرى! حاول أن يتنفس بعمق وهو ينظر في أعماق البحيرة ثم أخذ يسبح بداخلها مرة أخرى ليقترب نحو السائق المتوفى داخل الشاحنة لكي يقوم بإخراج جثته من المياه. قام بفتح بابه بصعوبة وأمسك بالسائق وصعد به لسطح المياه.
ثم خرج بصعوبة من البحيرة وذلك بعدما أمسك بأحد جذور الأشجار القريبة منها لكي يصعد للخارج من خلالها. وبعدما صعد ارتمى وهو يتنفس بعمق نظرًا للمجهود الذي قام به وبجانبه جثة السائق المتوفى. اعتدل وقام بوضع الجثة جانبًا لجعلها تستند على أحد الأشجار ثم أخذ يركض بقوة في الطريق الذي هو به لكي يذهب للطريق الخارجي لكي يستقل أي سيارة ستقابله. وبالفعل ركب مع إحدى العائلات لكي يأخذوه في طريقهم!
كانوا جالسين يُطالعون اللاسلكي بذهول متعجبين من تأخيره بحديثه معهم! هل... هل... هل حدث له شيءٌ سيء؟ لما كلهم متسمرين هكذا في أماكنهم؟ أمِن حجم المفاجآت والصدمات التي عاشوا بها للتو؟
كان فيليب يداه ترتعشان ثم ارتمى على كرسيه يحاول أن يلتقط أنفاسه يقوم بتعديل رابطة عنقه! يشعر أنه سيموت! كيف يفعل ذلك؟ لماذا يؤنبه ضميره هكذا؟ لا لا لا.. إنه ليس ابنه. لا لا يمكن أن يكون كذلك ولكن شمس قالت أن آسيا على قيد الحياة. بكى بنحيب عندما تذكر يوم وفاتها. اليوم الذي مات فيه معنويًا. لقد تحول من سيءٍ إلى أسوأ!
حاول أن يهدأ، يمكن أن يكون هُناك عدم توضيح في شيءٍ ما لا يُمكن أن يكون كل ما عاشه مجرد رماد! لقد مرت سبعة وثلاثون عامًا على وفاتها أو هو من ظن ذلك. طالع يديه الإثنتين بعدم فهم وهو يحاول أن يلتقط أنفاسه. انتبه أندريه لحالته تلك وأسقاهُ كوبًا من المياه بهدوء. كان حقًا يرتعش. ربت أندريه بهدوء على ذراعيه. أما شمس كانت تبكي بهيستريا وهي تُطالعهما. كل ما يهمها الآن هو أن يعود جواد والآن! لا تستطيع أن تتخيل حياتها بدونه!
لا.. بعد أن هدأ فيليب قليلًا من حالته تلك طالع شمس بأعين حمراء من البكاء وأردف وهو يقترب منها بوهن.
"أرجوكِ صوفيا، حبًا بالله إذا كنتِ تعلمين أين توجد آسيا أخبريني."
ظلت تطالعه وهي تبكي ولكنها لم تتحدث. وجن جنون فيليب وأردف بغضب وهو يمسك ذراعها بقوة.
"أخبريني أين هي؟؟! أم أن تلك حيلة منكِ أنتِ وجواد لكي أتراجع عن فكرة قتله؟!"
أمسكه أندريه من ذراعه يبعده بقوة عنوة عنه وأردف.
"إهدأ فيليب! أنت لست بحالة جيدة."
أردف فيليب بغضب وهو يسحب ذراعه منه بقوة.
"أصمت أنت! إن حديثي معها."
عاد يمسكها مرة أخرى بقوة قد آلمتها ولكنها أردفت وهي تبكي بقهر.
"أنا لا أتذكر."
طالعها بعدم فهم وذهول من إجابتها تلك! وأردف بتشتت.
"ماذا تعنين بأنكِ لا تتذكرين؟؟!"
أردف ببكاء.
"كل ما أعلمه أنها من أنقذتني لكي أهرب مِن مَن قَام بخطفي، لقد كانت في ذات المكان الذي كنتُ أنا به."
صُعِق! نعم صُعِق هل هي مخطوفة! هل كل ما تقوله صوفيا صحيح!! كادت أن تتحدث ولكنهم جميعًا انتبهوا لدخول جواد للقصر بثيابه المبتلة!
صرخت شمس بإسمه عندما رأته وركضت نحوه حتى استقرت بين ذراعيه تضمه بقوة. كانت تبكي بقهر وهي تضمه بقوة.
"ماتسبنيش تاني يا جواد! أنا مش هقدر أعيش من غيرك."
رَبَت جواد على شعرها بحب وفي ذات الوقت يُطالع فيليب الذي يطالعه في المقابل بغضب لا يُمكن التحكم به. ابتعدت عنه تطالعه بحب لتطمئن أنه بخير.
"متقلقيش يا حبيبتي أنا كويس."
قال تلك الجملة وهو يلتمس ذقنها برقة بابتسامة لطيفة ولكن بملامح مرهقة نظرًا للمجهود القاسي الذي قام به أسفل المياه.
ابتعدت شمس قليلًا جانبًا عندما رأت نظرات جواد وفيليب لبعضهما. وكل ما تحدث به فيليب كان.
"آسيا فين؟"
طالعه جواد بهدوء لا يعلم كيف يُجيبه على سؤاله هذا! ولكنه أردف بهدوء.
"معرفش."
اقترب فيليب نحوه بغضب ولكن أندريه توقف بسرعة بينهما في المنتصف.
"ابعد أندريه."
أردف أندريه بغضب مكتوم من تصرف أخيه.
"إهدى يا فيليب وفكر بعقل!"
أردف بغضب شديد.
"هما خلوا فيها عقل!!! مراتي اللي بقالها سبعة وتلاتين سنة ميتة وفجأة يقولولي إنها عايشة؟! ومش بس كده ده بيقولوا إن ده... *أشار على جواد* .. يبقى ابني أنا! .. عايزني أتصرف إزاي وإنت مش في مكاني!!"
كاد أندريه أن يتحدث ولكن جواد من تحدث بدلاً عنه.
"نقدر نعمل تحليل DNA زي ما أنا عملت لما شكيت في الموضوع.. تعالي نعمل التحليل عشان تتأكد."
طالعه فيليب بغضب ولكنه أردف بكلمات آلمت قلب جواد.
"ميهمنيش، اللي يهمني إني أعرف مراتي فين طالما هي لسه عايشة، ده اللي يهمني وبس! عايز أعرف مين اللي عمل فيها كده وأنا هخليه يتمنى الموت بدل المرة مليون مرة بس مش هناولهاله."
أردف جواد بعد صمت دامَ لعدة ثوانٍ يحاول استيعاب وَقعَ الكلام على آذانه.
"آخر مرة خطفوها مني في الفيلا ومن وقتها مش بلاقيها بس أنا قربت و....."
"دورك انتهى لحد كده أنا هوصل لآسيا بطريقتي.. أنا هحرق الأرض كلها عشان ألاقيها."
ثم صعد فيليب لغرفته ليقوم بتجهيز نفسه لكي يخرج ويجد طريقة ليجد بها آسيا. كان جواد يمكانه غير مستوعب ما حدث كان يتوقع تصرفًا آخر عندما يعلم فيليب أنه ابنه ولكنه قد خذله! ولكنه برر أن صدمة معرفته بالحقيقة قد جعلته يتصرف هكذا وأكيد عندما يهدأ سيضمه ويربت على كتفه ويقول له مرحبًا بك بني.
هبطت عبرة من مقلتي جواد جاهد أن يُخفيها ولكنه لم يستطع وقام بمسحها بسرعة لكي لا ينتبه له أحد. التفت أندريه يطالع جواد ثم أردف.
"كان في حاجة جوايا بتقولي إنك من لحمي ودمي بس أنا كنت غبي ماسمعتش للي جوايا لإن ببساطة فيليب محبش غير آسيا ومتجوزش غير آسيا ومتلمسش غيرها! الموضوع بالنسبالنا مش منطقي، اعذر فيليب يا جواد هو بس في صدمة إن آسيا لسه عايشة بس صدقني لما يفوق هياخدك في حضنه."
ظل جواد يُطالعه بهدوء و هز رأسه بهدوء وربت أندريه على كتفه بابتسامة.
"Welcome to our crazy family."
ابتسم له جواد ابتسامة سطحية وانتبه الجميع عندما نزل فيليب على أدراج القصر وكاد أن يخرج منه. أردف جواد بهدوء.
"مش هتلاقيها."
التفت فيليب له يطالعه بغضب.
"أنا مش إنت!"
ابتسم جواد بإرهاق وأردف.
"تعرف إيه أنا معرفوش؟"
"أنا أعرف كتير! وأعرف مين اللي ليه مصلحة في إنه ياخد مراتي مني، الموضوع قديم بس هو لسه صاحي جواه وأنا هوريه!"
"مين؟"
أردف فيليب بابتسامة شيطانية مجنونة.
"مش مهم مين! المهم إن أنا هقدر أجيبها! وهوصل لمكانها انت متعرفش أي حاجة عن حياتي أنا ومراتي فماتتدخلش."
"أنا ابنها وده حقي."
أردف فيليب بغضب.
"وأنا جوزها."
أردفت شمس بغضب من طريقة فيليب.
"إنت إزاي كده!! إزاي بتعامل إبنك كده كإنه جاي من الشارع؟"
أردف أندريه بصرامة.
"صوفيا، صوتك ميعلاش على عمك."
صرخت شمس في وجهه وهي تطالعه.
"هو مش عمي! .. وانت مش أبويا! .. انتوا كتر خيركم قعدتوني عندكم لكن أنا.. أنا ماليش غير جواد البني آدم اللي هو بيعامله وحش!"
"ده انتوا طابخينها سوا بقا؟ طلعتي عارفة تتكلمي مصري وطلعتي عارفة إنه جوزك."
ذلك ماتحدث به فيليب وهو يطالعها بغضب هي وجواد.
"مسمحلكش."
ذلك ما أردف به جواد بهدوء وهو يطالعه واستأنف بتوضيح.
"شمس عرفت كل حاجة من يومين بس وكانت عايزة تحكيلك بس أنا اللي رفضت كنت مدي لنفسي وعد إني أجيبلك آسيا لحد عندك!"
ذلك ما أردف به جواد بصوت مهزوز وهو يطالع والده الذي يطالعه ببرود لثوانٍ معدودة. التفت فيليب لشمس يُجيب على سؤالها.
"عايزة إجابة لسؤالك؟ اللي هو إزاي بعامل إبني كإنه جاي من الشارع؟ أنا هجاوبك.. ببساطة ومش هتكسف منكم، أنا كنت بتمنى أعيش إحساس لما مراتي تيجي تقولي إنها حامل! أو إني أروح معاها عند الدكتور نتابع الحمل! أو إني أشيله بين إيديا بعد ما تولده وأشوفه بيكبر قدامي عيوني!.. *ثم تحدث بغضب كبير* .. انتوا متخيلين إنتوا طالبين مني إيه؟؟ طالبين مني أصدق إن شاب في السن ده يبقى ابني.. لا مش شاب ده داخل على الأربعينات! ومش بس كده! ده الشخص اللي خان ثقتي فيه وسلمني للبوليس وهو بيضحك في وشي!! إنتوا مستوعبين!، دلوقتي أنا مطلوب مني إيه؟؟!!! مطلوب مني أتخلي عن كل أحلامي اللي اتمنيت اعيشها مع مراتي ومبادئي اللي عشت عليها سنين كتير وأصدق وأتعامل إنه ابني وأخده في حضني! ده اللي انتوا متوقعينه!!!!"
هز فيليب رأسه بيأس وإرهاق وقام بمسح عبرة خرجت من مقلتيه رغمًا ثم أردف بهدوء.
"أنا آسف يا جواد ماتستناش مني أكون الأب اللي كنت تتمناه! في أقرب وقت لم حاجتك وارجع لمصر انت ومراتك.. مبقاش مرحب بيكم هنا! أما بالنسبة لآسيا؛ فأنا هرجعها بطريقتي."
ثم خرج من القصر واستقل سيارته ولاحقه أغلب رجاله الذين يقومون بحراسة القصر. تنهد أندريه بضيق ثم أردف وهو يُطالع جواد.
"متصدقش كلامه، ده الدمعة فرَّت من عينه بجد؟ هو بس محتاج يهدى ويستوعب حجم الصدمة اللي هو مش مصدقها أصلا! إنت متخيل من صدمته مصممش يعمل تحليل DNA؟! ده راح جري يدور على آسيا!"
ظل جواد يُطالعه بهدوء ثم وجه حديثه لشمس.
"يلا نمشي ياشمس، أنا حاجز أوضة في فندق و...."
قاطعه أندريه بإصرار.
"مفيش الكلام ده! متتضايقش من كلمتين فيليب قالهم! اطلعوا بس وارتاحوا متقلقوش شوية وفيليب هيبقى كويس."
هز جواد رأسه وأخبره بمكان وجود جثة السائق. ثم قام أندريه بإرسال باقي الرجال المتواجدين في القصر ليُخفوا آثار الجثة. صعد جواد وشمس لغرفته وجلس بفراشه وهي بجانبه تُمسك بيده. أما هو فقد كان ينظر للفراغ. لم يكُن يتوقع أن يحدث كل ذلك ولكنه مُحق حتى هو لا يعلم كيف سيتعامل والده فيما بعد أو كيف ستكون الحياة بينهما. لم يعيشا لحظاتٍ أبوية سعيدة من قبل! لديه كل الحق! كيف سيتعامل فيليب معه على أنه ابنه؟ تنهد جواد بصعوبة وتقابلت عينيه مع شمس التي وضعت يدها تلتمس وجنته وتبتسم بحب وهي تطالعه وأردفت بهدوء.
"معلش هو بس مصدوم! ده فيليب."
أردف جواد بابتسامة هادئ وأردف.
"لحقتي تقعدي معاه سنة وحفظتيه."
هزت رأسها وأردفت.
"هو حقيقي من أحسن الشخصيات اللي ممكن تقابلها هو بس في حالة صدمة متزعلش منه."
"وأنا مش زعلان.. أنا بس بفكر."
أردفت بحيرة.
"بتفكر في إيه؟"
احتدمت ملامح جواد وهو ينظر للفراغ مرة أخرى.
"بفكر آخد حقي إزاي في اللي حبسني تحت المياة."
اعتدل من جلسته وأردف.
"أنا هروح مشوار مهم، هحتاجك تكوني مع أندريه وأنا على ما أرجع يكون فيليب رجع هو كمان."
تحدث بتلك الجملة وهو يقترب من خزانة ملابسه ويخرج ثيابًا نظيفة ليستحم.
"تمام."
تحركت ببطء وهدوء نحو باب الغرفة ولكنه أمسكها من ذراعها يقربها نحوها ليقبلها من مقدمة رأسها ثم أردف.
"متقلقيش عليا أنا كويس."
استندت برأسها على صدره وأغمضت عينيها وبعد عدة دقائق ابتعدت وهي تبتسم بهدوء.
"هستناك."
"مش هتأخر، أوعدك."
خرجت من الغرفة بابتسامة جميلة؛ أما هو فقد دخل الحمام ليأخذ حمامًا منعشًا وبعدها قام بارتداء ثيابه وتحرك بسيارته من أمام القصر.
كانت شمس جالسة مع أندريه الذي يُطالعها بهدوء. وكانت مُحرجَةً كثيرًا منه وأردفت باعتذار.
"أنا آسفة لو عليت صوتي عليكم.. أنا مستحملتش أشوفه بيعامله كده مهما كان السبب إيه."
ابتسم أندريه وهو يُربت على يدها بحنان أبوي.
"ماتقلقيش هو الموقف نفسه صعب علينا كلنا.. فكل ردود الأفعال اللي حصلت النهاردة دي مش هتفرق قد ما عيلتنا اكتملت."
ابتسمت له بامتنان بينما أندريه تحدث.
"تعرفي ياصوفيا..."
طالعته بتنبيه. وحمحم مستأنفًا.
"تسمحيلي أناديكي بصوفيا."
أردفت بابتسامة.
"مفيش مشكلة، اتفضل."
استأنف أندريه وهو يُطالعها.
"أنا مبسوط جدا من اللي حصل ده، متستغربيش.. بس أنا مبسوط عشان هبقى معاكِ دايمًا."
طالعته بعدم فهم ولكنه أردف مستأنفًا محاولًا التحكم في حزنه.
"أنا لما عاملتك كإنك بنتي فده كان فعلا نابع من جوايا، أنا كان عندي بنتي كانت جميلة زيك كده كانت في سنين حياتها الأولى، بس هي ماتت بسبب مرض خطير! ولما شوفتك فكرتيني بيها وقتها حسيت إن بنتي رجعتلي وإني لقيت عوضي فيكِ، فاتمسكت بيكِ كإنِك نجاتي في الحياة، وده الجانب المُظلِم اللي جوايا واللي مش قادر أحكي لحد عنه، بس أنا حكيتلك."
كادت عبراته أن تنزل ولكنه تحكم في ذلك بل كان متأثرًا فقط بالماضي واستأنف.
"عشان كده أنا فاهم إحساس فيليب.. اللحظة اللي حد قريب منك يطلع عايش بعد ما تكوني عيشتي على كذبة إنه مات وأخد روحك معاه بتلاقي نفسك اتجننتي كإنك كنتِ على أمل إنه يبقى عايش فعلا!"
هزت شمس رأسها وأردفت.
"فهمت حضرتك."
اعتدل أندريه وأردف.
"أنا محتاج أطلع أوضتي شويه وهنزل على الغداء."
هزت رأسها وبالفعل تركها وصعد لغرفته. أما بالنسبة لشمس فقد كانت تشعر بالضيق بسبب ما حدث اليوم بالكامل. تنهدت بثقلٍ وأمسكت برأسها تشعر بألم في رأسها وفي ذات الوقت تفكر في طريقة تساعد فيليب وجواد أن يكونا على وفاق. استفاقت من شرودها ذلك عندما انتبهت على صوت هاتفها يُصدرُ رنينًا مستمرًا، وأجابت على الهاتف.
"ألو."
"آنسة صوفيا؟"
"نعم هذه أنا، من معي؟"
"كان هناك طلبًا طلبتيه عبر الإنترنت منذ عدة أيام.. أنا الآن أمام القصر للتسليم."
"حسنًا سأخرج."
خرجت من القصر وأخذت تبحث عن من ينتظرها بعينيها ولكنها لم تجده. خرجت خارج بوابة القصر تبحث عنه وجدته يقف على بعد مسافة يبدو أنه يتحدث بالهاتف. أشارت له واقتربت نحوه وحينما كانت على بُعد خطواتٍ منه.. خرج بعض الرجال من بين الأشجار وقاموا بتكميم فمها. حاولت أن تصرخ وتقاومهم ولكن خارت قواها وفقدت وعيها.
كان جواد يُطرق على باب شقة مجهولٌ صاحبها حتى قام بفتح باب الشقة للطارق وتفاجأ بلكمة قويةً في وجهه. اعتدل إيهاب وهو يُطالع جواد بعدم استيعاب.
"إنت بعدك عايش لهلّق؟"
اقترب جواد منه بغضب وهو يغلق باب الشقة خلفه.
"مفاجأة مش كده؟ مين اللي بعتك يا كلب عشان تخلص مني؟"
ولكن إيهاب لم يتحدث وظل يبتعد خطوات للوراء، ولكن جواد اقترب منه يُمسكه من تلابيبه متحدثًا بغضب جحيمي وهو يلكمه مرة أخرى.
"مين؟!"
ولكنه لم يُجِبه وقام جواد بضربه بقوة حتى أصدر إيهاب أنينًا.
"مين؟!!"
ذلك ما هدر به جواد بغضبٍ وصراخٍ مرة أخرى.
أردف إيهاب بألم وهو يُغمض عينيه.
"ما بقدر إحكي… رح يقتلني إذا عرف إني قلتلك."
"وأنا هقتلك قبله لو ماقولتليش هو مين."
تنهد إيهاب بألم وأردف بنبرة مرتجفة.
"ماتيوس هو اللي كان بدّو يقتلك… واللي فهمتو إنّو ناوي يقتلكن كلكن."
ظل جواد يُطالعه عندما سمع إسم ذلك الشخص! صديق فيليب هو من فعل ذلك!! لحظة! إثنان! ثلاثة!!! حتى استوعب ما فعله... ماذا فعل؟؟ إن رجال فيليب ليسوا بالقصر! حيث أنهم لاحقوه حيث ذهب! والباقي ذهبوا تبعًا لأوامر أندريه، وشمس وأندريه همُ الوحيدين الموجودين هناك!! لم يُشعر بنفسه سوى وهو يركض خارج الشقة يركض بأقصى سرعته ليركب سيارته ليذهب إلى قصر فيليب.
في ذات الوقت:
كان فيليب يقف أمام قصر ماتيوس يُطالعه بهدوء. وكان رجاله يحيطون القصر بسرية تامة. يُملي عليهم حرصهم على مراقبته جيدًا في الفترة القادمة، حيث أنه قد وصل للتو بعدما خرج ماتيوس من قصره مباشرة! أغمض فيليب عينيه يتذكر جيدًا اليوم الذي تقابل فيه مع شمس لأول مرة. طريق الغابة، حيث أن بداية ذلك الطريق يؤدي إلى المدينة التي يوجد بها قصر ماتيوس. أغمض عينيه بقوة يحاول التحكم بغضبه من أن يقتل ماتيوس. إنه الوحيد المشكوك به الآن لأن يوجد بينهما موقفٌ قديمٌ لم ينساه سيُريه من العذاب ألوان ولكن ليس قبل أن يجد آسيا! انتبه عندما آتته مكالمة هاتفيه من أحد رجاله.
"وصل السيد ماتيوس إلى مكانٍ مجهول الهوية يبدو أنها مصحة نفسية، ولكن أتاه خبرٌ ما حيث لم يُكمل خمس دقائق في ذلك المكان وخرج منه مُسرِعًا."
"أعطِني العنوان."
وبعد عدة دقائق:
كان فيليب يقف أمام تلك المصحة يطالعها بريبة! أمن الممكن أن يجد شيئًا هُنا ذات صلةٍ بآسيا؟ أخذَ نفسًا عميقًا ودخل المكان يبحث بعينيه عن شيءٍ يَدُلُه عليها.
أخذ يفتح كل أبواب الغرف الموجودة بتلك المصحة ولكنه لم يجد أي شيء! صعد للطابق العلوي وأخذ يبحث في الغرف التي به أيضًا ولكن لا يوجد بها شيء! كلهم مرضى نفسيين بالفطرة! ولكنه انتبه لغرفة متبقية في نهاية الرواق. اقترب نحو الغرفة ببطئ شديد ووقع قلبه في قدمه عندما سمع صوت دندنة يعلمها جيدًا. دق قلبه بعنف وهو يفتح باب الغرفة خائفًا مما سيراه! كانت تجلس على كرسيها تنظر للفراغ بملامحها الباهتة والتي شاخت باكرًا عن المعتاد! بسبب ما رأته بحياتها وسوء التغذية كان هو العامل الأساسي لما حدث لها، كانت تدندن دندنتها المفضلة والتي حفظتها منذ الصغر. تلك الدندنة كانت تغنيها قبل رحيلها عنه! هو يتذكرها جيدًا يتذكر ضمتها الأخيرة له. وقعت عينيه عليها ولم يصدق. إنها هي! إن آسيا موجودة أمامه!! يا الله إن هذا حقيقي!! ارتعش فيليب وهو يقترب بخطوات هادئة لم تنتبه لها حتى توقف بالقرب منها وهو يُطالعها بذهول! أردف بهمس سمعته. تعلم صوته جيدًا صوته الذي لم يَغِب تمامًا عن عقلها!
"آسيا."
صُدِمَت عندما سمعته ورفعت رأسها ببطئ وطالعته وأردفت بعدم استيعاب.
"فيليب!"
رواية ثأر الشيطان الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم سارة بركات
كان يقف أمامها مشدوهًا لا يصدق أنها حية!
كانا يطالعان بعضهما بتعجب وذهول!
وفي ثانية! مرت ذكرياتهما أمام عينيهما!
رقصاتهما، ضحكاتهما! وأيضًا تواجدهما بين ذراعي بعضهما.
لم يستطع فيليب أن يسيطر على عبراته التي خرجت من مقلتيه بهدوء وهو يطالع هيئتها تلك، هيئتها الحزينة والضعيفة!
ماذا حدث لها؟ لماذا جسدها هزيلًا؟!
آخر مرة كانا سويًا كانت صغيرة لطيفة جميلة وكثيرة الضحك!
والآن هي مازالت جميلة ولكنها شاحبة!
اختفت لمعة عينيها واشراقتها.
اقترب فيليب بخطوة نحوها ولكنها اعتدلت بإرهاق من الكرسي حتى توقفت وابتعدت خطوة مماثلة للخلف نحو الفراش بخوف شديد مما جعله يتعجب من ردة فعلها تلك!
ولكنه لم يأبه لذلك واقترب أكثر ولكنها صفته بقوة على وجهه ولكنها كانت ضعيفة بالنسبة إليه، وأردفت بصراخ:
- إبعد عني.
توقف ثانية يحاول أن يستوعب ما فعلته ولكنه لم يهمه ذلك الأمر، واقترب رغمًا عنها ويضمها بقوة بين ذراعيه لترتفع قدماها على الأرض.
كاد فيليب أن يكسر ضلوعها بسبب اشتياقه لها، لأول مرة كان يبكي كالطفل الصغير بنحيب عالٍ:
- آسيا.
ذلك ما أردف به بين بكاءه؛ أما هي فقد كانت تبكي بنحيب وفي ذات الوقت تحاول أن تبتعد عنه ولكنه لم يترك لها أي فرصة للخروج من بين ذراعيه لأنه لم يشعر بالعالم حوله، يشعر أنه قد غاب عن العالم عندما ضم الإنسانة الوحيدة التي طالما تمنى أن يراها.
أخذ يستنشق عبيرها وأردف بصوت ضعيف ومُرهق:
- وحشتيني أوي، أنا كنت بموت من بعدك.
- محدش يعرف أبدًا اللي أنا مريت بيه في حياتي يا آسيا.
- أنا حياتي كانت وحشة أوي من غيرك.
- متبعديش تاني أرجوكِ مش هقدر أستحمل أعيش نفس الحياة اللي أنا كنت فيها دي من غيرك.
- اااه.
- أنا كبرت يا آسيا.
- كبرت من غيرك.
لم تتحدث وظلت صامته تبكي في صمت فقط تُعيد ذكرياتها التي مرت سابقًا على مخيلتها من بعد اختطافها وأخذ عقلها يترجم كل ما حدث لها، والذي كان سببه الرئيسي فيليب! زعيم المافيا الروسية!
أغمضت عينيها بقوة تقوم بجمع قوتها.
حينما هدأت موجة المشاعر تلك بداخله ابتعد بوجهه عنها ليطالعها تقابلت نظراتهما.
كان يطالعها بعشق أما هي كانت تطالعه بغضب.
عَقَدَ حاجبيه بتعجب من ردة فعلها تلك وكاد أن يتحدث ولكنها دفعته للخلف ليبتعد عنها بجسده واستطاعت فعل ذلك وأرفت:
- إنت عايز مني إيه!!!
تعجب من كلماتها تلك! ألا يجدر بها أن تبادله هي أيضًا؟
ألا يجب أن تخبره أنها أيضًا اشتاقت إليه؟
انتبه عندما استأنفت بصراخ:
- فين ابني؟
طالعها بعدم فهم ولكنها استأنفت بصراخ:
- فين جواد ابني؟؟
- عملت إيه في ابني يا فيليب؟
لم يجد فيليب الكلمات المناسبة لكي يتحدث بها لأنه يحاول استيعاب ما يحدث في حياته.
الآن زوجته على قيد الحياة! ولكنها تتحدث الآن عن جواد والذي تصفه بابنها! متى أنجبته؟؟ هل هو والده حقًا كما كان يزعم من دقائق؟
استفاق من شروده ذلك عندما قامت بضربه بقوة على صدره لعله يجيبها ويُريح قلبها.
قلب الأم المكلوم على ابنها!
- انطق عملت في ابني إيه؟
كانت في حالة هيستيريا بسبب غضبها وخوفها على ابنها ولكنه أمسك كفي يديها بقوة يمنعها من استمرارها في ضربه له.
وأردف بعدم فهم:
- آسيا.
- في إيه؟
ولكنها نظرت في عينيه بقوة وأردفت بصراخ:
- أنا بكرهك.
- ابعد عني متلمسنيش!
صُدِم! نعم صُدِمَ من كلماتها تلك.
حاول أن تُخرج يداها من قبضته ولكنها لم تستطع لأنه كان قويًا عنها.
- آسيا، اسمعيني.
تجاهلت كلماته تلك، وأردفت بانهيار:
- أرجوك!
- سيب ابني عايش أنا مليش غيره.
- خد حياتي قصاد حياته.
- لكن جواد لازم يعيش.
كان يتعجب من طريقة حديثها تلك.
منذ متى وهي تتحدث هكذا؟ ولماذا تتحدث بتلك النبرة؟
يأخذ حياتها مقابل حياة جواد!! ماذا تظنه؟
ألا تدري أن قلبه عاد ينبض بالحياة لمجرد سماعه أنها على قيد الحياة؟؟
انتبه عندما وضعت مقدمة رأسها على صدره بهدوء وهي تبكي لأنها شعرت بالدوار وقدماها لم تعد تحملانها!
لقد خارت قواها وجسدها قد خانها وأغمضت عينيها وهي بين ذراعيه.
حاوطها بذراعيه لكي لا تقع، طالعها بحزن بسبب حالتها تلك!
طالع جسدها الضعيف الهش مرة أخرى!
واشتعلت نيران الغضب بداخله بسبب حالتها تلك وما فعله ماتيوس به وبها ويقسم أنه سيذيقه أشد أنواع العذاب لدرجة أنه سيتمنى الموت ولكنه لن يناله.
صعد جواد لسيارته مسرعًا وتحرك من أمام المبنى الذي يبقى به إيهاب وأثناء تحركه كان يحاول الإتصال بشمس ولكنها لم تُجب.
تَفاجأ باتصال أندريه.
وأجاب بلهفة:
- ألو.
- أندريه.
- شمس كويسه؟
ولكن أندريه تحدث وهو يلهث:
- في ناس خطفوها من قدام القصر يا جواد!
- وأنا بجري وراهم بالعربية حاول انت بس تيجي لطريق ****
هز جواد رأسه وتحرك صوب المكان الذي أخبره أندريه به.
كان أندريه يقود سيارته بسرعةٍ كبيرةٍ وهو يلاحق السيارة التي بها شمس.
لا يستطيع أن يفسر المشاعر التي شعر بها عندما انتبه وهو في غرفته أن شيئًا ما يحدث خارج القصر ورأى أن شمس يتم إختطافها.
شعر أن ابنته تموت مرة أخرى أمام عينيه.
لا.
لن يسمح بذلك أبدًا.
ضغطَ على بدّالة الوقود بقوة فانطلقت السيارة بسرعة حتى أصبح بجانب السيارة التي توجد بها شمس.
طالع السائق بغضب واتجه نحوه لكي يصدمه بسيارته وبالفعل اصطدمت السيارة ولكن السائق تحكم بها وطالع أندريه بغضب وأصبح الإثنان يتسابقان ولكن أندريه أخرج عياره الناري وأخذ يطلق على السائق طلقات متعددة ولكن السائق كان يتفاداها بتحركاته بالسيارة.
تفاجأ أندريه بالسيارات السوداء التي خرجت في منتصف الطريق وأصبحوا يلاحقونه هو.
استطاع السائق أن يبتعد بالسيارة عن أندريه الذي كان ينظر لكل السيارات التي تحاول أن تحيطه.
تقدمت سيارة لتصبح أمام أندريه وواحدة بجانبه الأيمن وأخرى عند جانبه الأيسر وواحدة رابعة خلفه.
يشعر أنه قد حُوصِرَ تمامًا.
فكر بضيق قليلًا ثم قام بمد ذراعه اليُمنى للمقعد الخلفي لكي يحمل أحد بنادقه يضعها على بدالة الوقود ويثبت وقوفها على البدالة من خلال كرسيه، وقام بأخذ أحد الأربطة وقام بربطها بعجلة القيادة وبجزءٍ من السيارة لكي يقوم بتثبيت السيارة على الطريق لكي لا تنحرف.
انتقل من كرسي القيادة وقام بتدخين سيجاره البُنِي وابتسم وهو يحمل رشاشين بيديه وصعد لسقيفة السياره بمنتصف جسده وذلك عندما فتح نافذتها العلوية.
أخذ يطلق النيران على السيارات من حوله وأيضًا كان يُصيبُ الرجال الذين يحاولون إطلاق النار عليه.
كان صامدًا وهو يقوم بتفجير السيارة التي كانت تسير خلفه.
ابتسم بشر والسيجار في فمه وعاد يقوم بإطلاق النيران على الرجال الذين يحاولون قتله في السيارات الأخرى ولكنهم لم يصمدوا وانحرفت السيارات عن الطريق بسبب موت سائقيها وانفجرت إحداهما أيضًا والثالثة انقلبت رأسا على عقب بعدما انحرفت عن الطريق أيضًا.
التفت أندريه وهو يطالع السيارة التي تسير أمامه والتي تبقت بعد أن سارت مسافة بعيدة عن السيارات المتبقية.
كاد أن يُطلق النيران عليها ولكنه انتبه للسيارة التي خرجت من طريق جانبي وأخذت تسير في الطريق بجانب سيارته.
كان بها طفلين يجلسان في المقعد الخلفي ويبدو أن والدتهم من كانت تقود السيارة كانت جميلة! بأعينها الدامعتين تلك! فيروزتيها رائعتين.
شعرها الأسود كان يطير خلفها بسبب الهواء.
طالعها أندريه أثناء سير سيارتها بجانبه وانتبهت له وهو يبتسم لها ويقوم بالإشارة لها بيده بـ*مرحبًا*.
كان الأطفال يُطالعانه بانبهار فقد كان ذلك الرجل في هيئة بطلٍ من أحد الأفلام الأكشن التي يشاهدونها.
- يا الله إن لديه عضلات ضخمة!
- أريد أن أُصبح مثل هذا الرجل يا أمي.
كانت تُطالعه بين عبراتها ولكنها لم تهتم وأغلقت زجاج سيارتها.
استفاق أندريه عندما أطلق أحد الرجال الرصاص على سيارته.
جز على أسنانه بغضب والسيجار في فمه وخاصة عندما رأى أن الأطفال قد انتبهوا لما يحدث.
رفع رشاشَهُ مرة أخرى وقام بالتصويب على الرجل وأصابه في كتفه، وبسبب صوت طلقات النيران تلك خرجت السيارة التي كان بها الأطفال عن الطريق خوفًا مما يحدث.
وتوقفت الأم بالسيارة بجانب الطريق تُطالعه بذهول وخوف.
أردف أندريه بصوت عالٍ بجملة يقصد وهو يرفع ذراعًا لها يودعها:
- سأعود بعد قليلٍ يا جميلة!
تحدثت بذهول وعدم فهم:
- يا الله.
- لقد كَثُرَ المخلتون عقليًا تلك الأيام!
وعاد أندريه يُطلق النيران على السيارة التي تسير أمامه حتى انحرفت عن الطريق وانفجرت.
أخرج السيجار من فمه وهو يأخذ نفسًا عميقًا.
وطالع الطريق حوله كانت السيارة التي بها شمس قد اختفت تمامًا.
الأوغاد!
لقد ألهوه تمامًا عن اللحاق بها.
نزل من سقيفة السيارة وعاد لعجلة القيادة يُزيل البندقة وأيضًا الأربطة وأخذ يُهدئ سُرعة السيارة رويدًا رويدًا.
وعاد بالسيارة مرة أخرى حيث يوجد أحد الرجال الذي استطاعوا الخروج من السيارة الأخيرة قبل أن تتفجر بصعوبة وتوقف أمام الرجل المُلقى أرضًا ويلفظ آخر أنفاسه.
وضع أندريه السيجار في فمه مرة أخرى وحرك جسده بقدمة لكي يصبح على ظهره وتحدث:
- إلى أين تأخذونها؟
كان الرجل يطالع السماء بصمت لا يجيب.
فزمجر أندريه بغضب:
- هيا يا أحمق، إفعل شيئًا صحيحًا قبل أن تموت؟!
ولكن الرجل التقط آخر أنفاسه ولم يُخبره عن أي شيء.
أغمض أندريه عينيه بغيظ وهو يزمجر:
- أوغاد!
انتبه لهاتفه الذي يُصدِرُ رنينًا عاليًا:
- أيوه يا جواد!
- اطلع قدام شويه هتلاقيني علطول.
انتبه أندريه للسيدة التي تقف وبجانبها طفليها وتتحدث في الهاتف يبدو أنها تطلب النجدة.
عَقَدَ أندريه وتساءل:
- هل ضايقها أحدٌ في شيء؟!
اقترب نحوها ووجدها تعود للخلف وهي تقوم بإخفاء أطفالها المبهورين به خلفها.
أخذت شيئًا ما بالسيارة وأمسكت بعصا بيسبول تلوح بها بخوف حقيقي:
- لا تقترب!
- سأقوم بضربك!
طالع أندريه عصا البيسبول بسخرية ثم طالع الرشاش الذي بيده وأردف وأخفاه خلف ظهره:
- لا تقلقي يا جميلة!
- إن حربي ليست معكِ.
خرج طفل من خلفها وهو يقول بحماسٍ شديد:
- أمي، إن هذا الرجل رائع أريدُ أن أُصبِحَ مثله!
ابتسم أندريه وغمز له بعينيه مردفًا:
- إذًا ستُصبح بطلًا في المستقبل يا صغيري ولكن إحذر أن تقترب من المسدسات والرشاشات إنها خطيرة للغاية فهي ليست لعبه!.
عاد أندريه للسيارة عندما انتبه لاقتراب جواد نحوه وقبل أن يركب التفت لها مرة أخيرة وقال بابتسامة جانبية:
- في المرة القادمة عندما نتقابل ستكون الزهور بيدي وليست الأسلحة يا جميلة!
تحرك بسيارته وهو يشير لجواد أن يلاحقه.
حتى توقفا أمام مفترق طٌرق.
قام أندريه بفتح نافذة سيارته وتحدث بصوتٍ عالٍ لكي يسمعه جيدًا:
- أنا واقف هنا مش عارف أنهي طريق اللي العربية دخلت منه.
كانت ملامح جواد غاضبه بسبب ماحدث!
- هروح أنا الطريق ده وانت روح التاني.
هز أندريه رأسه وتحرك الإثنان في الطريقان المختلفان لعلهما يجدا شمس.
كان فيليب يجلس في سيارته في المقعد الخلفي وبين ذراعيه آسيا الغائبة عن الوعي، كان يضمها بقوة ويملس على وجهها برفق.
يُقرب أنفه من أنفها ليتنفس أنفاسها.
أغمض عينيه وهو يستند بجبهته على خاصتها وأردف بتنهيدة مؤلمة:
- اه يا آسيا!
أمسك بهاتفه ليسأل رجاله عن مكان ماتيوس ولكنهم أخبروه بأنه لا يوجد له أثر!
لقد اختفى أثناء مراقبتهم له.
حاول التحكم بغضبه ولكنه لم يستطع وألقى السُبَاب بحقه وأصبح يُقسم بالكثير حينما يتقابلان.
وذلك سيكون قريبًا جدًا فلن يهرب منه ماتيوس طويلًا!
انتبه عندما وجد الكثير من محاولات الإتصال التي آتته وجدها من أندريه!
قام بالإتصال به وصُدم عندما علم بما حدث لشمس.
فرك وجهه بضيق وطالع آسيا مرة أخرى ولكن بحزن!
في المساء:
ظلام!
مكانٌ هادئٌ يسوده الظلام فقط ولكن يخترق ذلك الهدوء صرخات شمس القوية لكي يسمعها أحد ولكن لا حياة لمن تنادي!
لم تكن تستطيع أن ترى أمامها فالمكان مُظلِمٌ كثيرًا، تحاول أن تُحرر قيدها من تلك السلاسل الحديدية التي هي مقيدة بها ولكن يبدو أنها مُغلقة بإحكام!
سمعت صوت أقدام تقترب نحوها ولكنها لا تعلم من أين تأتي تلك الأقدام.
تفاجأت بالباب الذي فُتِحَ في سقيفة الغرفة ونزل على أدراجه رجل يبدو أنه في الستين من عمره!
وأردف عندما أصبح أمامها بعدما أضاء مصباحًا صغيرًا في الغرفة مما أظهرلها أنها موجودة في قبو!
أردف ماتيوس بابتسامة:
- مرحبًا بكِ صوفيا.
- أو أقول مرحبًا بعودتكِ شمس!
طالعته بعدم فهم فهي لم تراه قبلًا!
حاولت أن تعصر ذاكرتها قليلًا وتذكرت أنها رأته قبلًا في صورة مع فيليب منذ الصغر!
هل.
هل يكون صديقه!
ابتسم ماتيوس بشر عندما لاحظ نظراتها المرعوبة تلك!
وأردف:
- هل تتذكرين ما كان بيننا، عزيزتي؟!
كانت تُطالعه دون فهم!
لا تستطيع أن تتحدث فهي مذهولة من تلك الصدمة!
لقد خطفها صديق فيليب!
- يبدو أنكِ لا تتذكرين ولكن لا بأس سأقوم بتذكيرك.
ذلك ما أردف به ماتيوس وهو يُخرجُ جهازًا صغيرًا من جيب قميصه.
- أحب أن أُعرفك بأحدث أجهزة المخابرات الروسية!
- جهازٌ قادرٌ أن ينسيكِ من أنتِ وقادرٌ على إعادتها لكِ أيضًا.
همهم ماتيوس مُخبرًا إياها:
- بالطبع لديه بعض العيوب هو أنه يترك بعض الومضات في العقل الباطن ولكن لا بأس فهو يعمل بشكل جيد!
- وأنتِ كنتِ أول تجربة أخوضها بهذا الجهاز!
- كانت أفضل سرقة سرقتها من أحد ضباط المخابرات الذين قتلهم بيداي!.
ثم طالعها بخبث وأردف:
- حان الآن وقت استرجاع ذاكرتك، عزيزتي!
ظلت تصرخ وهو يقرب الجهاز منها حتى وضعه أمام عينيها وقام بتشغيله على وضع معين!
توقفت للحظات تسترجع كل ذكرياتها بداية من طفولتها حتى يوم محوه لذاكرتها بذلك الجهاز أيضًا.
ابتسم ماتيوس بشر عندما رأى نظرة الخوف والرعب عادت لعينيها مثل آخر مرة تقابلا بها وأردف:
- حسنًا عزيزتي فلنُكمل ما كُنا قد توقفنا عنده سابقًا منذ سنة!
بكت بقهر وصرخت بقوة:
- لا.
- لا.
- لا.
- جواد!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
رواية ثأر الشيطان الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم سارة بركات
وصل جواد إلى نهاية الطريق الذي سلكه ولكنه لم يجد أي أثر لها. انتبه لرنين هاتفه وكان أندريه المتصل.
"لقيتها؟"
تحدث جواد بخيبة أمل: "لا ملقتهاش!"
تنهد أندريه وهو يغمض عينيه بضيق وأردف: "أنا جايلك طيب."
أغلق جواد معه وقام بضرب المقود بغضب كبير، يشعر بالعجز لأنه لا يستطيع إيجادها هو حتى لا يعلم أين يمكن أن تكون. أتى على باله فكرة ثم قام بالتواصل مرة أخرى مع أندريه.
"أنا خلاص مقرب عليك."
ولكن جواد تحدث: "إيه الأماكن الخاصة بماتيوس ده؟ يعني ممكن يبقى موجود فين؟"
صمت أندريه يفكر قليلاً ثم أردف: "مش عارف، بس فيليب هو كان أقرب حد لماتيوس. ممكن يبقى عنده إجابة السؤال ده بس فيليب مش بيرد عليا من ساعة ما كلمته آخر مرة فمش عارف أوصله!"
"خلينا طيب نجرب نروح بيته؟"
"تمام يلا بينا."
قام جواد بقيادة سيارته ليتقابل مع أندريه في الطريق ويذهبا سوياً لمنزل ماتيوس.
أما بالنسبة لفيليب فقد كان يجلس بجوار آسيا بفراشه في القصر يطالع ملامحها جيداً وأيضاً يطالع هزل جسدها لا يصدق حتى الآن أنها أمامه. اقترب نحوها بهدوء وقام بلمس وجنتيها بيده يعبر عن اشتياقه لها ولنعومتها. اقترب بأصابعه نحو شفاهها الزرقاء والتي كانتا ذات لون زهري في الماضي. طالعها بحسرة لا يفهم شيء فقد توقف عقله تماماً يريد أن يعلم منها كل شيء.
استفاق من شروده على انتفاضة من آسيا وهي تبتعد عنه عندما شعرت بلمساته وأردفت: "ابعد عني."
أردف فيليب وهو يرفع يديها الاثنين يعبر عن استسلامه: "أنا مش هعمل حاجة! انتي بس وحشاني."
ظلت تطالعه بغضب مكتوم ولكنه كان يطالعها بحزن وأردف: "إيه اللي حصل يا آسيا؟ أنا مش فاهم حاجة، أنا حاسس إني تايه."
"كل اللي حصلي ده بسببك أنت.. أنا وجواد حياتنا بقت كده بسببك إنت يا فيليب."
ذلك ما تحدثت به آسيا بصراخ. لم يكن يستوعب ما تقول ولكنها استأنفت حديثها: "عايز تعرف إيه اللي حصل بالظبط؟؟؟ أنا هحكيلك يمكن أوجعك لكن وجعك عمره ما هييجي حاجة قصاد وجعي السنين دي كلها."
وأخذت تسرُدُ عليه ما حدث منذ أن قام ماتيوس بخطفها من شقتهما بعدما ذهب لعمله المزعوم.. حتى وجدها. ظلت تخبره بقصتها لكي يتألم فقط. وقد حققت مرادها. فقد تألم فيليب ولكن ألمه كان يفوق ألمها. بداية من إحساسه بالذنب وخيانة صديقه له وأيضاً بالعذاب الذي تلقته طيلة حياتها. وما كسر ظهره أكثر هو علمه باغتصاب ماتيوس لها عدة مرات ولكن لم يكفه ذلك بل كان يريد تعذيب جواد طفله الرضيع ولكن آسيا من قامت بحمايته بجسدها وأخذت كل العذاب بدلاً عنه. بكى. كان فيليب يبكي بقهر لا يستطيع أن يتخيل المزيد من المعاناة التي عاشتها آسيا والتي كانت تطالعه وهي تبكي وأردفت بصوت مهزوز: "عرفت خلاص؟ أنا عايزة ابني.. فين جواد؟"
لم يستطع فيليب أن يتحدث أو حتى ينظر في عينيها لقد شعر أنه حقير جداً فكل ذلك حدث بسببه. اعتدل من فراشه وكاد أن يخرج من الغرفة ولكن آسيا أردفت بصراخ: "ابني فين يا فيليب؟! عملت فيه إيه؟"
ولكن تحدث وهو يعطيها ظهره: "متقلقيش ابنك عايش."
ثم خرج من الغرفة والغضب الشديد يرتسم على ملامحه.
في القبو:
شهقت لكي تلتقط أنفاسها بعدما أخرجت رأسها من دورق المياه وأردفت برجاء: "أرجوك!"
ولكنه لم يستمع لرجائها وعاد يغرق رأسها في المياه مرة أخرى. لم تستطع أن تحرر نفسها لأنه مقيدة الجسد تماماً. ظل ماتيوس يتصفح هاتفه بيد واليد الأخرى تمسك رأسها بقوة تغرقها في المياه. قام بالتقاط صورة لها وهي في هذا الوضع وأرسلها إلى فيليب. وتلك المرة لعب ماتيوس على المكشوف لأنه وصلته أخبار أن فيليب قد وجد آسيا وبالطبع علم كل شيء. أرسل صورتها تلك على رقم فيليب ومكتوب بعدها:
"سأعطيك شمس مقابل آسيا، إنني أنتظر قرارك."
انتبه عندما هزت شمس رأسها بقوة أسفل المياه وأخرجت رأسها وهي تشهق بقوة وقرب رأسه منها: "لماذا تعافرين في تلك الحياة يا صغيرة؟ إنها لا تستحق كل ذلك."
كانت تلتقط أنفاسها بقوة لأنه لو كان تأخر ثانية واحدة لكانت فقدت حياتها.
"يكفي ذلك اليوم من المياه.. لندخل على مرحلة التعذيب بالكهرباء."
فتحت عينيها على وسعيهما. وسحبها خلفه عنوة عنها حتى توقف أمام كرسي بالكهرباء. وقام بفك قيد يدها المعقودة خلف ظهرها. وفي تلك اللحظة أمسكت شمس به تلف ذراعها حول رقبته في نية لقتله. ضحك ماتيوس بهيستيريا وهو يحاول الفكاك من قبضتها الضعيفة تلك. وبالفعل استطاع ذلك وابتعد عنها عدة خطوات. أما هي ابتعدت بهدوء بقدميها المعقودتين تستند على أحد جدران القبو. تحاول فك ربط عقدتهما بيد والآخرى تستند بها على الحائط وهي تطالعه. ابتسم ماتيوس بهدوء وهو يطالعها وأردف: "لقد أصبحتِ مختلفة شمس."
كانت تطالعه وهي تتنفس بسرعة تحاول فك قيدها بسرعة لكي تخرج من ذاك المكان المقزز بأية طريقة. طالعها وهي تقوم بفك ربط عقدة قدمها بيد واحدة ثم توقفت باعتدال تجهز نفسها لوضع الهجوم عليه. اقترب الاثنان لكي يتقاتلا بيديهما. كانت شمس ماهرة في الفنون القتالية. أردف ماتيوس بضحك وهو يتفادى ضرباتها: "ذاك الأحمق أندريه قام بتدريبكِ جيداً! إنني منبهرٌ حقاً، ألا تعلمين أنني أكره التحدي يا فتاة؟"
"وأنا أكره القذارة مثلك."
أردفت بتلك الجملة وهي ترفع قدمها اليسرى لتسدد ضربة مباشرة إلى وجهه بكل ما أوتيت من قوة. لكنه أمسك بقدمها واتسعت ابتساماته ببطء وأردف بهدوء: "ألا يوجد عندكِ ذرة احترام للكبار يا صغيرة؟؟! كيف ترفعين قدمكِ في وجهي؟"
حاولت أن تحرر قدمها ولكن قبضته كانت كالفولاذ. وفجأة سحب قدمها المرفوعة في الهواء بقوة مما جعلها ترتطم أرضاً وارتج جسدها وارتفع أنين مكتوم من بين شفتيها، ثم جاءتها ضربة قاسية على رأسها أدت إلى نزيف قوي في رأسها.
"حقيرة!"
تحدث ماتيوس بتلك الكلمة وهو يرمي عصا الهوكي جانباً وقام بسحب جسدها أرضاً وهو يمسك ذراعها حتى وصل إلى كرسي الكهرباء. وضعها على الكرسي وقام بتقييدها مرة. ووضع الجهاز حول رأسها وأمسك بجهاز التشغيل وقام بتشغيله. صرخت وهي تستيقظ من غفلتها التي كانت فيها تحاول التماسك. تقابلت نظراتهما. كانت تحاول أن تقاوم الكهرباء التي تتعرض لها دماغها. وبعد عدة دقائق قام ماتيوس بإطفاء الجهاز مما جعلها تخفض رأسها. التمس ذقنها ليرفع وجهها المليء بدمائها. كانت عينيها خاملة. تتألم؟ نعم تتألم! لقد أرهقها ذلك الحقير. تشعر أنها شبه مخدرة بسبب ما تعرضت له من تعذيب. تحدث ماتيوس بهمس: "كان ساجد مُحِقّاً، أنتِ تُيقظين السادية التي بداخل الجميع يا صغيرة."
بصقت شمس في وجهه مما جعله يغمض عينيه بتقزز وأردف وهو يمسك شعرها بقوة متجاهلاً صرخاتها وتأوهاتها وأردف بغضب: "والآن أنتِ تثيرين بداخلي غريزة قتلك."
وقام بضرب رأسها بالكرسي مما جعلها تفقد الوعي وتركها مكبلة بالكرسي ثم خرج من القبو وأغلق الباب خلفه.
دقائق.. فقط دقائق استيقظت وهي تطالع غرفة القبو بشرود. تتذكر جيداً هذا المكان. المكان الذي شهد على تعذيبها مراراً وتكراراً منذ أن تم خطفها في يوم زفافها. كانت فتاة سعيدة لأنها وأخيراً تزوجت من جواد. أغمضت عينيها بحسرة متذكرة حديث أندريه لها منذ سنة.
منذ سنة وفي ذات القبو:
كانت شمس مكبلة بسلاسل حديدية في أحد جدران القبو وشعرها الكستنائي يخفي نصف وجهها، ولكنها كانت خائفة. تبكي. تصرخ فقط باسم جواد. انتبهت عندما نزل ماتيوس من الأعلى وأردفت بالمصرية: "أرجوك! خرجني من هنا.."
كانت تترجاه ببكاء طفلة. تحدث ماتيوس بالإنجليزية: "لا أفهم المصرية يا صغيرة."
تحدثت شمس مرة أخرى بالإنجليزية: "أرجوك أخرجني من هُنا."
ضحك ماتيوس بهيستيريا وأردف: "لا أستطيع مع الأسف، يوجد ثأر قديم بيني وبين زوجك العزيز جواد وأريد أن أراه يبكي من الألم على فقدانك."
أردفت شمس ببكاء: "ماذا فعل جواد لك؟ إنه ليس شخص سيء."
"فعل الكثير مثل والده عزيزتي لقد أخذا مني كل ما أملك."
طالعته بعدم فهم وكادت أن تتحدث ولكنه استأنف: "ألا تعلمين يا صغيرة أن جواد يخدعك؟ ألم يخبرك عن والدته؟"
صُدمت عندما أخبرها بذلك. ضحك ماتيوس بشر وهو يطالع ملامحها المصدومة تلك.
"مسكينة."
اقترب منها أكثر يلتمس وجنتها. حاولت أن تبتعد بوجهها عنه ولكنها لم تستطع لأنها مكبلة. أمسك بوجهها بقوة وأردف: "هل تعلمين أيضاً أن كل ما حدث لكِ بسبب زوجك؟"
كانت تطالعه بخوف وبكاء واستأنف حديثه وهو يطالعها جمالها: "كان ساجد محقاً عندما أخبرني أنكِ جميلة."
وسعت عينيها بدهشة عندما سمعت اسم طليقها منه. ضحك ماتيوس بقوة وأردف: "ألا تعلمين يا صغيرة أنني أنا من أمرت روما وساجد بالتقرب منكِ؟ وذلك ليس لأجلكِ بالطبع ولا حتى لأجل والدكِ طيب القلب، أنا كنت أريد تدمير أي شيء يخص فيليب فأنتِ زوجة ابنه الذي لا يعلم بوجوده من الأساس، أو بمعنى آخر كنتِ أنتِ الفتاة التي أحبها طيلة حياته فلما لا أؤلمه قليلاً عليكِ؟"
لم تستطع أن تتحدث لأنها تشعر أنها في متاهة دائرية بسبب الحقائق التي تستمع إليها الآن. تنهد ماتيوس وأردف: "غيبة روما، تلك الفتاة عاطفتها كانت تؤثر على عملنا فأمرت بقتلها لأنني شعرت أنها ستجعلني أخسر ما خططت له لسنوات.. ولكن ساجد طليقك العزيز لم يخذلني أبداً لقد اخترت أنسب رجالي لكِ يا صغيرة!"
كانت تبكي دون أن تتحدث فكل تلك صدمات كثيرة تتوالي فوق رأسها. هل كل ما عاشته بسبب جواد! تحدث ماتيوس كأنه يقرأ أفكارها: "بالطبع زوجكِ هو سبب ما حدث لكِ، يكفي أنه ابن فيليب وليس ذلك فقط.. بل أخذ آسيا مني! فقررت أن أذيقه المر أيضاً بفقدانك."
أغمضت عينيها وهي تتذكر كم تعذبت على يد ذلك المهووس من جلد بالسوط وصعق بالكهرباء. لقد أذاقها ألوان العذاب وليس ذلك فقط بل لم تكن تأكل. سوى مرتين أسبوعياً. كان ذلك المجنون قاسياً جداً معها. كانت في حالة ذعر دائماً. استندت برأسها على الكرسي وشعرها الأسود ملتصق بوجهها بسبب دمائها التي جفت. انهمرت عبرة من مقلتيها وحمدت الله أنها مازالت على قيد الحياة.
كان جواد وأندريه يقفان أمام قصر ماتيوس الخالي حيث لا يوجد أي مخلوق به.
أردف أندريه: "من الواضح إن المجنون ده عرف إننا جايين!"
طالعه جواد بغضب ثم طالعا الاثنان المنطقة جيداً ولكن لا يوجد أثر حتى بعدما دخلا القصر وتفحصاه جيداً. بعدما انتهى الاثنان من البحث انتبها على اقتراب فيليب نحوهما وتلك المرة.. كان غاضباً. غاضباً كثيراً.
وأردف بهدوء شيطاني: "أين ماتيوس؟"
لم يجبه جواد ولكن أندريه هو من تحدث: "لا يوجد أحد هنا."
أشار فيليب لأحد من رجاله الذين كانوا يراقبون القصر بسرية تامة وتساءل: "ألم يأتِ بعدما ذهبت من هنا؟"
"لا سيد فيليب.. لم يأتِ وما تفاجأنا به هو أن كل من يعمل بالقصر قاموا بجمع أشيائهم وأخذنا نراقبهم لعل أحدهم يرشدنا إلى مكان تواجده ولكن اتضح لنا أن الكل ترك العمل في القصر."
ظل فيليب واقفاً أمام بملامح مبهمة وظل يفكر في أين يمكن أن يكون. طالع المنطقة حوله كانت فارغة. حاول أن يتذكر أي شيء أو أي معلومة ولكن لا لم يستطع. كان جواد صامتاً لا يتحدث إليه ولم ينظر إليه حتى كل ما كان يهمه هو البحث عن مكان شمس. قلبه كان يعتصر لأنه يشعر أنها تناديه لكي يأتي إليها ولكنه كان عاجزاً عن فعل ذلك.
"هنعمل إيه يافيليب؟"
ذلك ما تحدث به أندريه وهو يطالعه ولكن فيليب كان غارقاً في تفكيره. يتذكر الطريق الذي تقابل به مع شمس منذ عام حينما صدمها بسيارته. لا بد أنها محتجزة في ذات المكان الذي اختطفت به سابقاً ولكن أين؟ اقترب من سيارته وتبعه أندريه الذي أمسك بذراع جواد وأردف: "مش وقته قَمص دلوقتي! مراتك مخطوفة ولازم نلاقيها."
ركبا سيارة فيليب وتركا سياراتهما. قاد فيليب السيارة بأقصى سرعة لكي يذهب إلى الطريق المنشود. وبعد عدة دقائق توقف بسيارته عندما وصل إلى وجهته وكان بعضاً من رجاله خلفه يستعدون لأي مواجهة من الممكن أن تحدث. نزل فيليب من السيارة وتبعه جواد وأندريه يسيرون خلفه بين الغابات. حتى توقف فيليب فجأة عندما رأى الكثير من الرجال يقومون بحراسة منطقة ما بين الغابات. اختبأ الثلاثة وهم يراقبونهم. شغل جواد بالغضب عندما لمح ماتيوس يتحدث مع أحد رجاله ولكن أندريه أمسك ذراعه يمنعه من الاقتراب. أما فيليب فكانت حالته مختلفة. كان يريد شيئاً آخر. اسودت عيناه وهو يطالع ماتيوس الذي عاد لداخل منزله الموجود بين الغابات. عاد مرة أخرى وخلفه أندريه وجواد الغاضب والذي لم يتحدث معه بكلمة حتى الآن. قام فيليب بتجميع رجاله يتحدث في خطة ما ثم عاد يطالع أندريه وجواد مرة أخرى وأردف بملامح مبهمة: "هنحرك يلا."
جهز الجميع أسلحتهم ودخلوا الغابة مرة أخرى يقتربون نحو منزل ماتيوس مرة وقاموا بإطلاق النيران على رجاله وحصلت طلق ناري متبادل مع باقي الرجال المتبقين. وأثناء حربهم تلك نزل ماتيوس للقبو ليحرر شمس من الكرسي ليُمسك بها ويوجه سلاحه على رأسها. كانت مغيبة لا تستطيع الوقوف ولكنه كان يمسكها بإحكام ينتظر نزولهم بابتسامة. انتهت حرب المسدسات بينهم وبين الحرس وأخذوا يبحثون عن ماتيوس ولكنهم لم يجدونه في المنزل. عقد فيليب حاجبيه بغضب شديد: "راح فين؟!"
"كان هنا."
"بحثوا عنه في جميع أرجاء المنزل ولكنهم لم يجدوا له أي أثر."
خرج فيليب من المكان غاضباً وهو يضغط على مسدسه بقوة وتبعه أندريه للخارج. أما جواد فقد كان يقف بالداخل ينظر للمكان حوله قلبه يخبره أنها هنا. إن زوجته وحبيبته هنا قلبه لن يخطئ أبداً. تحرك بهدوء داخل المكان لعل يوجد به ممر سري خلف الحائط ولكنه لم يجد أي شيء. تحرك ببطء في المكان حتى توقف على أرضية فارغة. ضغط بقدمه بهدوء وجد تلك الأرضية عبارة عن خشب فقط وليست مثل باقي الأرضية في الغرفة. ضغط بقدمه على الأرضية مرة أخرى وتأكد بالفعل أن هناك ممر أسفل المنزل. أخذ يبحث في الأرضية عن وجود باب خفي به. حتى وجد مقبضاً صغيراً بأحد جوانب المنزل. التفت للخلف ينظر لفيليب الذي يتحدث مع أندريه ولكنه تجاهلهما وقام بفتح باب القبو بهدوء ونزل بداخله وتفاجأ بوجود ماتيوس أمامه وهو يمسك شمس يقوم بتصويب المسدس على رأسها.
"مرحباً بكَ سيد جواد!"
"اتركها."
ذلك ما تحدث به جواد بتحذير ولكنه لم يستمع إليه وظل على نفس وضعه. أردف جواد بغضب شديد: "أنزل سلاحك ماتيوس."
"لن أفعل."
ذلك ما تحدث به ماتيوس بابتسامة مستفزة وأردف: "كانت أياماً جميلة عشناها أنا وشمس سوياً.. واليوم أعدنا الذكريات عندما عادت ذاكرتها، أليس كذلك عزيزتي؟"
أردف بتلك الجملة بهمس مسموع ونظراته تتقابل مع نظرات جواد الذي شعر بالغضب ينمو بداخله أكثر.
همست شمس بصعوبة وهي تطالع جواد: "جواد، أنا خايفة."
كانت عينيها دامعتين تطالعه بنفس نظراتها عندما كانت صغيرة. كانت كالطفلة الصغيرة الذي لا يوجد لها سواه.
انتبهوا عندما نزل فيليب وأندريه للقبو وأردف أندريه بضيق: "أُترك ابنتي ماتيوس."
هز ماتيوس رأسه نافياً وأردف وهو يطالع فيليب: "أين آسيا فيليب لكي نقوم بالمبادلة؟"
في تلك اللحظة طالع الجميع فيليب الذي يطالعه بهدوء شديد ولكنه لم يجبه. أردف ماتيوس بغضب: "قلت لك أين آسيا؟"
"في جيبي!"
ذلك ما أردف به فيليب باستهزاء وهو يطالعه. أردف ماتيوس بغضب: "حسناً إذا أنت من اخترت!"
دفع شمس أمامه بقوة مما جعلها قريبة منهم وكادت أن تركض نحو جواد الذي ترك سلاحه واقترب نحوها ليضمها بقوة بين ذراعيه ولكن ماتيوس قام بإطلاق النار عليها دون تردد. ثانية.. كانت ثانية واحدة.. وكان أندريه هو من تأهب لأخذ الرصاصة بدلاً عنها. وبالفعل أصابته في صدره. وقع أرضاً واقترب فيليب منه بغضب وأخذ يقوم بضربه بقوة دون أن يشعر بالعالم من حوله حتى كاد أن يموت بيديه ولكنه توقف وأمسكه من تلابيبه يتحدث بغضب شديد: "أقسم بمن أحل القسم لأجعلنك تتمنى الموت في كل ثانية تمر عليك!"
ثم قام بضربه في رأسه جعلته يفقد الوعي ثم ركض فيليب نحو أندريه الذي أصيب في صدره ويحاول أن يتنفس بصعوبة. كانت شمس تبكي بجانبه وجواد يحاول أن يساعده على الوقوف. اقترب فيليب نحوه أيضاً واستطاعوا أن يجعلوه يقف على قدميه.
فيليب لشمس: "اطلعي نادي على الرجال فوق."
هزت رأسها بدون وعي وصعدت للأعلى وأتى الرجال بعد ثوانٍ ليحملوا أندريه ليخرجوه من القبو. أما بالنسبة لماتيوس فقد قام الرجال بتقييده في أحد جدران الغرفة بناءً على أوامر فيليب.
بعد مرور عدة دقائق:
كان فيليب يركض هو وجواد بجانب النقالة التي تحمل جسد أندريه الغائب عن وعيه حتى دخل غرفة العمليات. وكانت شمس تهرول خلفهم تحاول أن تجاريهم. توقف الاثنان بالخارج بتوتر وقلق. وأيضاً شمس كانت في مثل حالتهم تلك. انتبه جواد لحالتها تلك واقترب منها يتحدث بقلق: "شمس راسك."
ولكنها أردفت بهدوء لتطمئنه: "متقلقش يا جواد أنا كويسة.. أنا بس قلقانة على أندريه."
"متقلقيش هيبقى كويس، تعالي بس أطمن على جرحك."
هزت رأسها وذهب الاثنان من أمام غرفة العمليات. أما بالنسبة لفيليب فقد كان يطالعهما وخاصة جواد ولكنه التفت مرة أخرى ينتظر أن يطمئن على أخيه. يعلم أنها بسيطة ولكنه يريد أن يطمئن عليه لكي لا يتشتت أثناء وجوده مع ماتيوس في الفترة القادمة.
بعد مرور عدة دقائق:
كانت الممرضات يقمن بتنظيف جرح رأسها وقمن بإلصاق لاصق طبي عليه. تحدث جواد بعد أن خرجت الممرضات من الغرفة: "ماتيوس قال إن الذاكرة رجعتلك، الكلام ده صح؟"
أومأت وأردف جواد بقلق وهو يطالعها: "إنتِ كويسة؟"
أومأت مرة أخرى بهدوء ثم أردفت وهي تضغط بيدها على يده: "الحمد لله إني قدرت أتحكم في أعصابي لإني لو معرفتش كان زماني اتجننت لما افتكرت كل حاجة.. زي ما يكون أخدت فترة نقاهة في السنة اللي فقدت فيها الذاكرة دي، أنا شوفت اللي يشيب الراس."
أردف برجاء وهو يطالعها في عمق عينيها: "عمل فيكِ حاجة؟"
نفت برأسها. قرب يدها نحو فمه ليقبلها وأردف بحزن: "أتمنى تسامحيني! أنا السبب في كل اللي حصلك."
ظلت تطالعه بهدوء ثم أردفت: "مش ذنبك يا جواد.. مش ذنبك."
كاد أن يتحدث ولكن انتبه الاثنان للباب الذي فُتح وكان فيليب من يقف عند الباب: "مالوش لازمة وجودكم هنا في المستشفى، أنا هكون هنا جنب أندريه وانتوا خليكم في البيت..
صمت قليلاً ثم استأنف بنبرة يملؤها الخذلان: "مع آسيا."
ثم خرج من الغرفة دون أن يضيف كلمة أخرى وذهب ينتظر أمام غرف أندريه. كان جواد يحاول أن يستوعب أن والدته الآن موجودة في قصر والده. شعر بالتوتر كيف سيقابلها بعد تلك السنوات؟ هل ستقبله كما هو؟ هو لم يعد طفلها البريء الذي رأته سابقاً. انتبه على شمس التي أمسكت بيده وأردفت: "أنا حاسة بقلقك وتوترك ده.. اللي حصل مكنش بإيدك يا جواد.. تعالى نروح ونطمن على ماما آسيا."
هز رأسه واعتدل بهدوء يمسك بيدها لكي يخرجا من الغرفة. تقابلت نظرات جواد مع فيليب الذي كان يقف في آخر الممر الذي هم فيه. وركبا سيارة أتت لتوصلهما إلى القصر. كانت تبكي بقوة بسبب ما حدث بينها وبين فيليب. كيف يفعل بها ذلك؟ طوال تلك السنوات كانت تعيش مخلصة له. تحبه فقط. ولكن الآن اكتشفت أنها لم تكن تعرفه قبلًا. إنه الآن شخص مختلف. إنه زعيم المافيا الروسية.
انتبهت عندما دخلت فتاة شابة جميلة إلى الغرفة. طالتها آسيا بهدوء وابتسمت ابتسامة شاحبة عندما تذكرتها: "عزيزتي! هل أنتِ بخير؟"
اقتربت منها شمس وهي تضمها بقوة.
"أنا كويسه."
ابتسمت شمس وهي تطالعها وتتحدث المصرية بطلاقة.
"إنتِ مصرية؟"
ذلك ما تحدثت به آسيا بتعجب ثم أردفت عندما استوعبت أنها هنا في قصر فيليب: "إنتي ليكِ علاقة بفيليب؟ تعرفيه؟"
كانت شمس تطالعها وابتسمت وهي تمسك بيدها: "اه.. ليا علاقة بيه من قريب كمان."
طالتها آسيا باستفسار ولكنها استأنفت: "أبقى مرات ابنه."
عقدت آسيا مابين حاجبيها تحاول أن تستوعب ما تقوله الفتاة. ولكن قطع تشتتها ذلك هو دخول جواد للغرفة.
"ماما."
انتفض قلب آسيا ينبض بقوة على إثر تلك الكلمة التي لم تسمعها منذ ما يقرب الثلاثون عاماً وأخيراً سمعتها مرة أخرى. التفتت تطالعه بلهفة أم تريد أن تضم ابنها بقوة. وقد كان اقترب جواد منها يضمها بقوة. بكت آسيا قهراً وهي تبادله بقوة أيضاً.
"جواد حبيبي."
رواية ثأر الشيطان الفصل الثلاثون 30 - بقلم سارة بركات
نظلا هكذا لوقتٍ طويل، كُلاً منهما يضم الآخر بقوة.
يضم والدته التي حُرِم منها منذُ الصغر، وهي تَضم طفلها وعزيزها الوحيد الذي حملته في بطنها تسعة أشهر.
ابتعدت عنه مسافات بسيطة تُطالع ملامحه وجسده، لقد كَبُر وأصبحَ رجلاً قوياً. وهي تُطالعه هكذا، بكت. بكت بقهرٍ وضمته لها مرة أخرى. كانت تتمنى أن تراه وهو يكبر، كانت تتمنى أن تحضر كل شيء في حياته.
دمعت عيناه وهو يضم جسدها الضعيف، يا الله لم يَكُن يتخيل أن ذلك اليوم سيأتي، وقا قد أتى. ابتعد عنها بهدوء، يقوم بمسح عِبراتها ويقبّل يدها ومقدمة رأسها. وأردف وهو يطالعها في عمق عينيها:
- ماتبكيش يا أمي، كل حاجة هتكون تمام، إحنا خلاص مع بعض ومحدش هيفرقنا تاني.
أردفت ببكاء:
- كنت بتمنى أعيش معاك كل مراحل حياتك يا حبيبي، كنت بتمنى أشوفك وانت بتدخل المدرسة وبعدها الكلية، وتاخدني بإيدي لحد بيت البنت اللي اختارتها عشان نتقدملها، حتى إكليلك! كنت بتمنى أحضره.
صمت جواد يُطالعها بهدوء، ثم طالع شمس التي تقف جانبًا وتبكي في صمت، ثم عاد يطالع والدته مرة أخرى:
- إن شاء الله هعمل فرح قريب، نرجع بس مصر بعد ما نظبط كل حاجة هنا، وبعدها هتعيشي حاجات جديدة معايا أنا وشمس يا أمي.
أماءت أثناء بكائها. وأخرج جواد صليبها الموجود بجيبه ووضعه على كف يدها.
- كنتِ سبتيه معايا لحد مانتقابل تاني، وأديني أهوه برجعهولك، أي نعم معرفتش أرجعهولك في البداية لإني كُنت مُحرج أقولك إن أنا جواد.
طالعته بحب، ثم طالعت الصليب وأردفت:
- خليه معاك يا حبيبي.
ابتسم جواد ابتسامة بسيطة وأردف:
- صدقيني مش محتاجُه، ده بتاعك إنتِ وكان أمانه عندي ولازم يرجعلك.
طالعته بعدم فِهم، وأخذت تُمسك بيديه تبحث عن شيءٍ ما ولكنها لم تجده. أخذت تبحث في رقبته عن أي علامات صليب بها ولكنها لم تجدها أيضًا. وأردفت بعدم فِهم:
- أومال فين صليبك؟!
صمت جواد قليلًا ثم أردف بابتسامة هادئة بعدما قبَّل يدها:
- أنا اخترت يا أمي طريقي من البداية.. اخترت الطريق اللي شايف نفسي فيه.
ظلت تُطالعه لدقائق معدودة لا تفهم مايقول، ولكنه استأنف:
- في زياراتي المتقطعة لجدتي اللي متعرفش أصلا إني حفيدها، كانت دايما بتحكيلي عن بنتها المتوفية وإنها قد إيه عنيده.. وحرة في إختياراتها طالما ده مش هيأذيها.. كانت بتحكيلي قد إيه إنتي حرة في أفكارك وبتعرفي تقرري وتختاري، وأظن إني ورثت ده منك يا أمي، عشان كده بتمنى تتقبلي إختياري اللي استحاله يكون في نقاش فيه.
ظلت تطالعه بهدوء ولكنها ابتسمت بحب وقامت بضمه مرة أخرى وأردفت:
- أنا فخورة بيك.
تنهد بارتياح، وبعد ثوانٍ ابتعدت عنه وتساءلت بابتسامة وعينيها تلمع ببريقٍ يتذكره جيدًا:
- ماما كويسه وخيلانك كويسين؟
أردف بحب وهو يُطالعها:
- الحمدلله، إنتي بس وحشاهم ولازم نفاجئهم.. لازم يشوفوكي قُدامهم.
أماءت ثم عادت تُطالِعُ شمس التي كانت تقف جانبًا وأشارت لها بالإقتراب، وجلست أمامها وقامت آسيا بضمهما بقوة.
***
مرت الأيام، ومنذ حادث أندريه لم يَعُد فيليب إلى القصر، بل كان يبقى بجوار أخيه في المشفى حيث كان في غيبوبة. وظل بجانبه حتى استفاق أندريه وأصبح بخير.
كان فيليب يجلس على كرسي بجانب سرير أخيه في المشفى والممرضة تضع الطعام بجانب فراشه. وكادت أن تخرج، أردف أندريه بمزاح:
- تعالي أطعميني صغيرتي.
التفتت الممرضة له وأردفت بابتسامة:
- أعتذر، أنا لا أُطعِمُ الأطفال.
ثم خرجت من الغرفة. وأردف أندريه بضيق:
- كيف تتحدث معي هكذا؟
كان فيليب يُطالع أخيه بابتسامة ولم يتحدث.
- لماذا تضحك الآن فيليب؟! هل أعجبتك مُزحتها؟؟
تحدث فيليب بابتسامة:
- عزيزي، لماذا تشعر بالضيق هكذا؟ رفقًا بأعصابك، يمكن لمكان الرصاصة أن يُفتح والأطباء مشغولون تلك الفترة، لن يقوموا بمعالجتك مرة أخرى.
ظل أندريه يُطالعه وهو مضيق عينيه نحوه. ولكن أردف:
- كيف حال الجميع؟
أردف فيليب بلامبالاة:
- أعتقد هُم بِخير، كانت صوفيا تأتي أثناء غيبوبتك لتطمئن عليك وترحل هي وزوجها.
صمت أندريه قليلاً ثم استأنف:
- وذاك الحقير؟
طالعه فيليب بهدوء ولكنه لم يُجِبه.
- أجبني أخي، أين ذلك الحقير؟
- إن ذلك الحقير سيعيش نفس ماعاشته آسيا.. من الممكن أن أبدأ عملي معه اليوم أو غدًا.
- لماذا تبدو هادئًا هكذا أخي؟
أردف فيليب بابتسامة شيطانية:
- لأنني لن أرحمه.
أماء أندريه بهدوء. ثم انتبه لدخول أحدٍ للغرفة.. كانت هي! نفس السيدة التي كان معها طفلين عندما كان رجال ماتيوس يُطاردونه.
- أنتِ هي!
ذلك ما تحدث به وهو يُطالعها بذهول. ولكن تلك المرة كانت ترتدي زيًا طبيًا، هل هي طبيبة؟! ولكنها لم تُعطِ أي ردة فعل عندما رأته واقتربت نحوه تقوم بفحص جرحه. وكان فيليب يُطالع ذهول أخيه عندما رأى الطبيبة.
التفتت الطبيبة عندما لفيليب تتحدث إليه:
- إنه بخير، يمكنه أن يخرج في أي وقت سيد فيليب.
أماء فيليب بهدوء وخرجت الطبيبة من الغرفة. أردف أندريه بضيق:
- لقد تجاهلتني!
أردف فيليب باستفسار:
- من أين تعرف الطبيبة ماري؟
سرد عليه أندريه ما حدث بالتفصيل أثناء لقاءهما. وضحك فيليب بشدة من ماحدث.
- أضحكتني! ماري تفعل بك كل ذلك أخي!
عقد أندريه حاجبيه وأردف:
- أنا لي حق السؤال الآن، من أين تعرف أنت ماري؟
صمت فيليب قليلًا ثم أردف:
- أتعرف أنطوان؟
فكر أندريه قليلًا وأردف بتذكر:
- ذلك الحقير الذي أعطته المافيا الروسية ديونًا طائلة ثم هرب وترك كل شيء على عاتق زوجته وأطفاله!
أماء فيليب بهدوء وأستأنف أندريه بعدم استيعاب:
- مهلا! هل تلك هي زوجته؟!
- أصبت عزيزي.
غضب أندريه وأردف بضيق:
- لا.. لا ديون بعد اليوم على عاتقها.. سأجده وأقتله وأتزوجها بعد ذلك وأنا أعدُك بهذا أخي.
ابتسم فيليب وأردف:
- لا تقلق، لقد أزحت الديون عنها وحسابُنا فقط مع زوجها الحقير.
ثم اعتدل فيليب من مقعده وأردف:
- هيا بنا لنخرج من تلك المشفى، لقد آلمني ظهري بسبب المكوث بجوارك، أصبحت كالعجائز بسببك أخي.
قهقه أندريه وأردف:
- أنت من العجائز بالفعل، لكن أنا لا زلتُ شابًا وجميع السيدات يرتمين تحت قدمي.. ولن أرحل من تلك المشفى حتى تُخبرني ماري أنها تحبني.
ابتسم فيليب نصف ابتسامة وأردف بهمس:
- أخرق.
تحدث أندريه وهو يغلق إحدى عينيه ويطالعه بالعين الأخرى:
- لقد سمعتك.
أخذ فيليب يقوم بجمع اشياءه من غرفة أخيه. ولكن أندريه أوقفه باستفسار:
- لما لم تًعُد إلى منزلك؟ لماذا بقيت بجانبي؟
التفت فيليب يُطالعه:
- أنت أخي! كيف لي أن أتركك.
قهقه أندريه وأردف:
- فيليب لا يليق بك الكذب! لماذا لا تريد أن تذهب إلى القصر؟
صمت قليلًا ولكنه أردف:
- أنا لستُ جاهزًا لكي أبقى مع كلاهما بعد كل ماحدث.. أنا فقط أحتاجُ المزيد من الوقت، أراك قريبًا.
ثم خرج من الغرفة وهو يحمل حقيبته تحت أعين أندريه الذي يُطالعه بهدوء.
***
كان ماتيوس يصرخ بالقبو، لا أحد يُجيبه. كان مُكبلًا بالقيود الحديدية على أحد جُدران القبو. كان يبدو عَطِشًا وجائعًا، لقد تركوه هنا لأيام طويلة لم يستطع حسابها بسبب الظلام المنتشر حوله.
انتبه عندما سمع خطوات أحدٍ تقترب نحو باب القبو.
- أنا هُنا.. أخرجوني من هُنا.
وبالفعل فُتِحَ باب القبو ونزل منه أحدٌ ما وقام بإضاءة غرفة القبو. تفاجأ ماتيوس بوقوف فيليب أمامه يبتسم له بشيطانية.
- فيليب!
- مرحبًا بك عزيزي في أسوأ كوابيسك.
حاول ماتيوس ان يقوم بتحرير قيوده ولكنه لم يستطع. وأردف بصعوبة:
- فيليب أرجوك حررني وسأعطيك ثروتي كلها.
ولكن فيليب ظل يُطالعه بهدوء ولم يُجِبه ولم تتغير ملامحه أيضًا.
- فيليب لا تصدق آسيا.. لقد هربت معي.. هي من أخبرتني بذلك.. إنها لا تُحبُك صدقني.. وهي من تركت جواد وحده لأنها لم تُرد أن يذكرها أي شيء بك.. صدقني فيليب هي من خططت لكل ذلك.
أردف فيليب بهدوء قاتل:
- لا يهمني.
طالعه ماتيوس بصدمه ولم يستطع التحدث. ولكن بعد عدة ثوانٍ أردف بعجزٍ ووهن:
- يبدو أنك لا تصدقني ولكن يجب أن تعلم أنني جائع وأشعر بالعطش.. والأكيد أنك لن تترك صديقك هكذا صحيح؟
ظل فيليب يُطالعه بابتسامته تلك ثم أردف:
- بالطبع عزيزي، يجب أن تتغذى جيدًا لكي يقوى جسدك على تحمل ما ستراه.
ثم قام فيليب بالتصفيق بيده بهدوء جعل أحد الرجال ينزل للقبو بيده كوب ماء وصحنٌ به طعامٌ قليلٌ جدًا، ووضع الرجل كل ذلك على الأرض أمامه.
أردف فيليب بنصف ابتسامة:
- فلتأكل.
- قم بفك قيودي لكي أستطيع أن أأكل.
- لا.. فلتأكل كالكلاب عزيزي.. حاول أن تقرب فمك من الصحن والمياة ولا تقلق فإن القيود طويلة كفاية لكي تجعلك تتحرك في مكانك بحرية.
طالعه ماتيوس ولكنه لم يتحدث وظل ينظر للطعام القليل والمياة التي في الكوب قليلًا ولم يتحمل جوعه وعطشه ورضخ ونزل يقوم بلعق المياة والطعام. ابتسم فيليب بشر عندما حقق أول انتقام في بحر الإنتقام الذي يريد تنفيذه في حق ذلك الحقير الذي دمر حياته وأخذ منه أعز مايملك.
عندما انتهى ماتيوس من الطعام اعتدل في وقفته. وأردف فيليب بابتسامة هادئة وهو يُشمر عن ساعدية:
- والآن لنريحك قليلًا.
كاد ماتيوس أن يتحدث ولكن أوقفه لكمة فيليب القوية له وظل يلكمه في وجهه ويسدد الضربات في جسده حتى معدته مما جعل ماتيوس يتقيأ ما أكله منذ لحظات. أمسك فيليب بثيابه يقوم بجعله يعتدل ليقف قبالته وأردف بسخرية:
- من أين نبدأ الآن! لم يُعُد في وجهك مكان يمكنني أن أقوم بضربك فيه! فلننتقل إذًا للجزء المحبب على قلبك ماتيوس والذي تفعله مع جميع ضحاياك.
اقترب نحو سوطٍ مُعلقٌ على الحائط وأردف بإعجاب زائف:
- سوطٌ مصنوع من أرقى أنواع الجلد في العالم، يالك من سادي مخبول أيها الحقير.
آخر كلمة تلك خرجت منه بنيرة غاضبة وقام بجلدة بقوة على جسده ولم يحسب عدد الجلدات بل قام بجلده يريد أن يُخرِجَ مشاهد تعذيبه لزوجته من عقله ولكن لا.. إن الأمر يزيده إصرارًا في تعذيبه أكثر.
- سأجعلك تتمنى الموت ماتيوس ولكنك لن تناله أبدًا.
كان ماتيوس يصرخ بقوة من ألم جسده بسبب السوط الذي يصيب كل أجزاء جسده حتى وجهه. وبعد عدة دقائق كان فيليب يتنفس بصعوبة بسبب المجهود الذي قام به. ورمى السوط حانبًا عندما رأي أن ماتيوس كاد يفقد الوعي. اقترب منه وهو يصفعه على وجهه صفعات خفيفة:
- لا لا استيقظ عزيزي.. نحن فقط في البداية.. أنت لم ترى شيء بعد.
قام ماتيوس بفتح عينيه وأردف بصوت متقطع:
- إنها تكذب فيليب، أتصدق فتاة تعرفت عليها وتزوجتها خلال أشهرٍ بسيطة! .. أما أنا صديقك منذ مايقرب أربعين عامًا لا تُصدقني؟
أردف فيليب بغضب شديد جدا:
- لا أريد الإستماع لحديثك عن الماضي، إنما أريدُ فقط الإستمتاع برؤيتك تتعذب ماتيوس والآن.
أمسك برأسه ليجعله يعتدل في وقفته وأخذ ينظر حوله ووجد دلوًا كبيرًا من المياة وقرب رأسه من ذلك الدلو يُغرقه فيه. ظل مثبتًا يده على عنقه يمنعه من رفع رأسه حتى شعر أنه يموت. سحبه ليرفع رأسه من المياة وهو يتنفس بصعوبة ويسعل بشدة. كاد أن يموت حقًا وأردف بصوت متقطع:
- فيليب.. أرجوك! صدقني.. سأفعل كل ماتريد ولكن اتركني.
- لا لا لا عزيزي ماتيوس! كيف لي أن أترك صديقي الذي بيننا سنواتٍ كثيرةٍ هكذا بعد الذي فعله بزوجتي؟!
واستأنف بغضب شديد:
- هل نسيت نفسك يا هذا.
وقام بإغراقه مرة أخرى في الدلو. وظل فيليب يعذبه هكذا حتى انتبه لنزول أحدٍ في القبو ولم يكن سوى جواد الذي تحدث بضيق:
- أظن كفاية عليك كده.
طالعه فيليب بغضب وكاد أن يتحدث ولكن جواد قاطعه بابتسامة:
- الدور عليا.
كان جواد يُمسِك في يده سكينًا. وابتعد فيليب عن ماتيوس الذي رفع رأسه من المياة يتنفس بصعوبة ويُطالع جواد الذي يقترب نحوه وهو يُمسك بالسكين.
- لطالما أردتُ قتلك ياحقير بسبب ماجعلتني أشعر به ولكن لا.. إن قتلك لن يُفيدني بشيء بل يجب أن تبقى على قيد الحياة لكي أجعلك تُعاني.
كاد ماتيوس أن يتحدث ولكن جواد قام بقطع أصابع يده اليُمنى وطعنه عدة طعنات في قدمه ورمى السكين جانبًا وقام بضربه بقوة وهو يتخيل عذابه لشمس وصرخاتها بإسمه أثناء غيابه. ظل هكذا يقوم بضربه بقوة في جميع أنحاء جسده حتى فقد وعيه. وابتعد عنه جواد وهو يلهث بقوة.
وتقابلت نظراته مع فيليب الهادئ.
- بتبصلي كده ليه؟
- إيه اللي جابك؟
- جاي آخد حقي.
ظل فيليب صامتًا يُطالعه.
- بس أنا مش مرحب بيك هنا! .. ده حقي أنا ... حقي أنا وبس! .. حقي على السنين اللي ضاعت دي كلها وعلى الحياة اللي راحت مني! وعلى كل حاجة المفروض كنت أعيشها مع مراتي وابني .. اتفضل يا جواد ارجع أقعد مع مامتك أكيد هي محتاجالك.
أردف جواد بغضب:
- أنا مش عيل صغير عشان تؤمرني!
طالعه فيليب بهدوء وأردف:
- عندك حق! إنت فعلا مش عيل صغير.. أنت راجل كبير وعاقل؛ فبراحتك.. اعمل اللي تعمله.
ثم التقط فيليب السكين وقرب الدلو أكثر نحو ماتيوس.
- هتعمل إيه؟
ذلك ما تساءل به جواد عندما رأى أن فيليب يرمي بالمياه التي في الدلو على ماتيوس. مما جعله يفتح عينيه برعب. أردف فيليب بابتسامة هادئة وهو يُمسك بالسكين بقوة يُقرِبُها نحو ماتيوس:
- أتمنى يعجبك العرض يا جواد!
أردف ماتيوس بثقل:
- فيليب.. ماذا ستفعل؟! يا صديقي اتركني، أرجوك.
أردف فيليب بنظرة شيطيانية وهو يُطالع ماتيوس في منطقة ما من جسده:
- حقيقةً سأجعلك مخنثًا يا عزيزي.. سأمحي علامة الذكورة الوحيدة بك!
صرخ ماتيوس وهو يحرك جسده كثيرًا يمنع فيليب من الوصول إلى ما يُريد.
- يا حُراس!
ذلك ما أردف به فيليب بصوتٍ عالٍ مما جعل العديد من الرجال ينزلون للقبو مسرعين إمتثالاً لأوامره وقاموا بتثبيت ماتيوس يمنعون تحركه.
- أريدك أن تشعر بذلك جيدًا يا عزيزي.. بدون مُخدر.. بدون أي شي! فقط سكين يقطع أعز ماتملك وأنت بكامل وعيك.
أعطى فيليب السكين لأحد رجاله ووقف بجانب جواد يشاهد ما يحدث. أما بالنسبة لجواد فقد شعر بالتقزز وهو يرى مايحدث أمامه! صرخ ماتيوس بقوة عندما نفذ الرجل ماطلبه منه فيليب وظل يصرخ بقهر وكان ينزف بغزارة.
- ارحلوا.
ذلك ماتحدث به فيليب مما جعل رجاله يخرجون من القبو. كان ماتيوس يتلوى من الألم وفيليب يقترب منه بهدوء.
- سأتركك هكذا تتعذب على فقدان أغلى ماتملك حتى أعود لكي أقوم باستكمال عملي معك.
خرج فيليب من القبو وتبعه جواد الذي طالع ماتيوس لمرة أخيرة.
ذهب فيليب ليشرب كأس ماءٍ بداخل منزل الغابة الخاص بماتيوس. واقترب منه جواد الذي أردف بهدوء:
- مش هترجع قصرك؟
طالعه فيليب بلامبالاة وهو يشرب كأس الماء ووضعه بمكانه وظل صامتًا.
- فيليب أنا بتكلم!
- وأنا سامعك مش أطرش.
- أنا محتاج أصلح علاقتك إنت وماما ببعض.
أردف فيليب بتقزز:
- بلاش الأسلوب ده كلمة ماما على آسيا دي مش لطيفة منك أبدًا!
- ممكن أعرف انت ليه بتعمل فيا كده؟
أخذ فيليب نفسًا عميقًا تحدث بهدوء:
- أظن إني جاوبت على سؤالك ده قبل كده.. عشان أنا مش مقتنع بيك كإبن ليا يا جواد! .. أنا معشتش تفاصيل الحياة اللي تخليني أبقى ملهوف عليك! إنت كنت مُجرد صديق أو معرفة إتعرفت عليك في الفترة الأخيرة من حياتي.. بس بعد كده بقيت عدوي يا جواد! لإنك خُنتني، وكمان متطلبش مني أكون أب ليك بعد اللي شوفته منك لإن صعب أنسى خيانتك دي، إنت تحمد ربك إنك لسه عايش.
ظل جواد يُطالعه بهدوء وكاد أن يتحدث ولكن فيليب أوقفه بإشارة من يده وأردف:
- مش حابب أتكلم أكتر من كده! إتفضل ارجع لآسيا ومراتك.
ظل جوا د يُطالعه بهدوء ثم أردف ببرود:
- أنا فعلا مش هتكلم معاك تاني في أي تفاصيل تخص حياتي أو تخصك عمومًا! إنت متستحقش تكون والدي أنا كل اللي يهمني في الموضوع ده والدتي.
ثم خرج جواد من المنزل تحت أعين فيليب الذي قام بكسر الكأس بقوة حينما قام بقذفه بقوة نحو الحائط الذي أمامه.
***
في المساء:
عاد جواد للقصر وبداخله غضبٌ شديد بسبب حديث فيليب له. يبدو أنه قد خسر والده بالفعل! لم يكن يعلم أنه والده حقًا لو كان يعلم ذلك لما سلم كل الملفات التي تُدينه إلى الشرطة! صعد إلى غرفته يقوم بتجهيز أغراضه لكي يعود إلى مصر ويجبر والدته وزوجته على الرحيل من تلك الدولة!