سألتني فريدة، لماذا أنت مصر كل هذا الإصرار على العثور على تلك الفتاة يا عوني؟ لأنها ساعدتني دون أن تطلب مقابل. أنا مدين لها بخمس دقائق على الأقل. لولاها لكنت أنت وهذا، وأشرت لأحمد، ميتين الآن. ثم أردفت بلا مبالاة: كما أنها جميلة جداً أيضاً. جمدت كلماتي قسمات فريدة وكل ملامحها الجميلة. زمّت شفتيها بضيق قبل أن تقول: أريد أن أراها إذاً؟ وأنا أكثر منك، قلت وأنا أمسح الأكواخ بعيني.
سنسير هكذا بلا خطة، بلا هدى، قال أحمد عبد الهادي وكأنه استعاد وعيه للتو. إذا كانت العملة هنا الوقت، يمكننا أن نبتاع كوخين ثم نقصد المدينة لنبحث عن عمل وربما البحث عن عمك إذا كان لا يزال حي. لم أكن أستمع له ولا أدرك ما يقول. فهناك من بعيد جداً لمحتها تجلس أمام كوخها. سرت نحوها وعندما لمحتني، بدرت منها ابتسامة. صباح الخير، قلت. صباح الخير، تفضلوا. لكني لا أمتلك دقائق مجانية، قلت وأنا أبتسم وعيني تحدق بعينيها الرائعتين.
جذبتني لورا للداخل. قالت: لا تخف، إنها فتاة جيدة، أنا أعرفها. تعرفينها الآن؟ صرخت باستنكار. أنا منذ الصباح أترجاك أن تدليني لمكان إقامتها. اف! وكيف لي أن أعلم أنها تمارا. خلفي كانت فريدة تعاين الفتاة، تحدق بها بطريقة غريبة وعلى شفتيها ضحكة ساخرة. نحن لا نملك الوقت يا عوني، لدينا الكثير لنفكر به. تمارا ستساعدنا، قلت دون أن ألتفت نحوها.
سبقتنا لورا للداخل. كانت تمارا تقف بجواري. فريدة وأخيها خلفنا. أرى أنك استنفذت الكثير من عمرك منذ حضرت هنا، يمكنني أن ألحظ ذلك، قالت تمارا وهي تتفحصني. كيف عرفت؟ سألتها. نحن شعب الساعة، تلك عملتنا. وحدنا نعلم ذلك دون جهد. جلسنا على حصيرة من القش وقدمت لنا تمارا طعام وشراب. كانت جلستها بجواري وفريدة بالجهة المقابلة وكانت لا تزال تحدق بها. ما اسمك؟ سألتني تمارا. عوني، قلت وأنا ألتهم قطعة خبز كبيرة. أين ستقيمون؟
تعلمين أننا حضرنا للتو وكنا نتطلع لمساعدتك. يمكنكم الإقامة هنا معي، قالت تمارا وهي تقبلني بطرف عينها. لا! سنبتاع كوخين، زعقت فريدة بنبرة منفعلة. أخبرينا فقط كيف نفعل ذلك. هل يمكنني الإقامة معك هنا حتى أتمكن من بناء كوخي الخاص؟ بكل تأكيد، ردت تمارا. هكذا؟ بكل بساطة؟ سخرت فريدة، ثم حدجتني بنظرة ملؤها غل وحنق. رفعت تمارا يديها. لا يوجد بقوانين مدينة أبناء الساعة ما يمنع ذلك.
تبسمت بداخلي. نسيت التعب، الإنهاك، التشتت والرعب. نسيت نفسي والحاجز الضبابي، الجثث المتعفنة التي مررت بينها. رغبت أن أقضي كل صباحاتي مع تلك تمارا الجميلة. يبدو أنك نسيت لماذا قدمنا إلى هنا يا عوني. لا يا فريدة لم أنسي. أنا أعيش معها كحثالة متشرد. سأدفع أجري، عوضاً عن كوخين سنبتاع كوخ واحد ونوفر النفقات. فكرة جيدة، وأومأ أحمد عبد الهادي برأسه.
أصرت فريدة على ابتياع كوخ ملاصق لكوخنا ودفعت من أجله ضعف عدد الدقائق المطلوبة. مع أن تمارا نصحتها بكوخ أقل سعراً إلا أنها كانت مصرة ودفعت ثمنه من عمرها. حل الليل. كان الجو عتمة. اختفت المصابيح الزيتية، لم يتبق إلا أضواء مدينة أبناء الساعة الزاهية تتلألأ كنجوم مهيبة.
كان جسدي يؤلمني من العمر الذي فقدته فجأة لكن عقلي كان منشغلاً بلا سبب. مجرد رؤية تلك الأضواء كان يزعجني. كان أحمد عبد الهادي يتلوى بأردافه بجواري حيث قضينا ليلتنا خارج الأكواخ. أشفقت عليه وأنا أرى حالته المزرية وطيب خاطري فكرة أنه يمكننا أن نعيش هنا بسعادة، نتمتع بحياتنا ونعود لمدينتنا بكل بساطة. فكرت بتمارا، عيونها، جمالها، نبرتها. تمنيت أن تمضي الدقائق والساعات بسرعة حتى تنتهي الليلة وأقيم عندها.
لورا قررت التخلي عني أخيراً ووجدت بتمارا الأم والأخت التي كانت تفتقدها. فتحت عيني مبكراً دون أن يشعر أحمد عبد الهادي. كانت لدي رغبة مستعرة بالحديث مع تمارا وكان علي أن أجد الكلمات التي تليق بحديث يجمعني بها. دلفت للداخل وجدتها نائمة ضامة لورا لحضنها. وقفت أراقبها وهي نائمة. لتتأمل الوجه الحقيقي لأي امرأة عليك مباغتتها وهي مستيقظة للتو. جلست على مصطبة بقربهم دون أن أنبس بكلمة. صالبت قدماي على هذا الحال لكم من الوقت؟
لا أدري. ارتفعت الشمس بكبد السماء وتخللت خصائص القش بأشعتها الذهبية لتواقع وجه تمارا وتنجب منه حفر فضية. تنحنحت تمارا عندما لسعت الشمس وجهها وانقلبت للجانب الآخر متحاشية أشعة الشمس التي كانت قد بدأت تؤذي عينها مولية إياي ظهرها. ضمت ركبتيها لصدرها فتكورت مؤخرتها الطرية. عوني ماذا تفعل هنا؟ خاطبتني فريدة بنبرة متسائلة لا تخلو من الريبة. التفت نحوها بفزع، كالذي مسك بجرم.
أنا، أنا لا أفعل شيئاً. استيقظت من مدة وحضرت لأرى لورا. كانت تمارا استيقظت على حديثنا وبدت مرتبكة كأنها ترى رجلاً لأول مرة في كوخها. عوني أنا جوعانة، يمكننا أن نبحث معاً عن طعام. يا فريدة لماذا نبحث عن طعام؟ تمارا هنا تعرف كل شيء. لوت فريدة وجهها بغضب. قالت وهي تجز على أسنانها: سأنتظر بكوخي إذا. وأنا أتطلع إليها وهي تغسل وجهها. تمنيت أن أكون أحد القطرات الساقطة من على وجهها على الأرض. أنا جاهزة، هي بنا.
سرت بجوارها خطوات قبل أن ترتطم بي لورا من الخلف وهي تركض. سأذهب معكم. شرحت لي تمارا حدود القرية الواسعة، أماكن الخدمات التي سيكون علي استعمالها، أقسام القرية أيضاً: تغول الساعة، المنطقة الحمراء، العامة، السنتر يون. علمت أننا لسنا أول الوافدين نحو مدينة الساعة. الكل يدخل يا عوني لكن لم يشاهد ولا شخص واحد يخرج منها.
عليكم أن تبحثوا عن عمل يا عوني. لا يمكن أن تستمر حياتكم هكذا. كل شيء هنا من العمر، بالنهاية لن تجدوا ما تنفقونه وينتهي بكم الأمر جثث متعفنة داخل الحاجز الضبابي. ألا تساعدينني؟ سأفعل على قدر استطاعتي. أنا أعمل عند أسرة غنية داخل المدينة. ابتسمت تمارا قبل أن ترد. يعني لديهم الكثير من العمر، مئات السنين اكتسبوها من التجارة أو بطرق غير مشروعة. حتى هنا طرق غير مشروعة؟
هنا يوجد كل شيء يا عوني. قطاع طرق، لصوص يسرقون العمر، يجبرونك على التخلي عن عمرك بالقوة. والشرطة؟ سألتها. أنا لم ألحظ وجود للشرطة هنا. الشرطة لا تعير أمثالنا أدنى اهتمام. هناك قرى كثيرة أخرى غيرنا تحيط بمدينة الساعة.
أسعار المنازل باهظة داخل المدينة لذلك يلجأ الفقراء والمعوزون مثلنا إلى خارج المدينة هرباً من تلك التكاليف المرتفعة. مع ذلك عندما تقبض الشرطة على أحد أولئك المجرمين فإن القضاة والرهبان يحكمون عليه بفقد العمر. يحدث ذلك كل ثلاثة أشهر بعرس أبناء الساعة. عرس الساعة؟ قلت وأنا أحدق بها بنظرة رخوة. أجل يا عوني. عن طريق التوافق العمري. الساعة هي من تختار الأشخاص بالترتيب الزمني.
خاوصت عيني لأؤكد لها أنني لم أفهم شيئاً. بدرت منها ابتسامة رائعة. قلت: يارب سلم. الكل هنا يتبع قوانين الساعة يا عوني. لسنا نحن طبعاً، فنحن نغول وعامة. أقصد كل المقيمين داخل أسوار مدينة أبناء الساعة.
يجتمع الفتيان والفتيات الذين تعدت أعمارهم العشرين عام. يقفون صفين متوازيين في ساحة العرس وعندما يدق عقرب مدينة الساعة الضخم ويشير لمنتصف الليل يعرف كل شاب وفتاة رفيقه الروحي. القضاة والرهبان يعلمون أيضاً. يسير كل شاب تجاه فتاته وتسير كل امرأة نحو بعلها بكامل إرادتها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!