بللت شفتيه المتشققة بالماء، ثم منحته شربة صغيرة. كانت فريده استعادت وعيها وطلبت مزيد من الماء. تنقلت بين فريده واخيها حتى استعادوا وعيهم. ركنت للصمت دقيقة وأنا أتابع تفتح الحياة بداخلهما. "مرحباً." لوحت بيدي وقلت، "لو أخبرتكم كيف أحضرت الماء لاتهتموني بالجنون! لم يبدِ أي منهم أدنى اهتمام بي. كنت كحثالة يتسلى بإلقاء أحجار صغيرة فوق مياه البحر. "وصلنا مدينة أبناء الساعة." قلت لأخرجهم من صمتهم.
خيم الصمت واستمر زهاء دقيقة. فتحت فريده فمها كتعبير عن عدم الفهم وهي تمسح المكان بعينيها. "هناك." وأشرت أسفل التلة. لكن فريده كانت بحالة لا تسمح لها برؤية أي شخص غيري. كان أحمد عبد الهادي قد نهض بمكانه وانتصبت أذناه كفأر وكلها شوق لسماع أخبار مفرحة. "هيا بنا، الحاجز ينتهي بعد عشرة أمتار ثم يوجد درب ترابي يهبط لوادي شاسع. مائتي متر ونصل أطراف مدينة أبناء الساعة." "كيف وجدتها؟ " سألتني فريده.
"جميلة." أجبت. وكل ما بعقلي تلك الفتاة اليافعة التي التقيتها. "أقصد، كل ما وجدته مجموعة أكواخ قديمة تضاء بالكيروسين." شبك أحمد عبد الهادي أصابعه المتشنجة بهدوء قبل أن يقول: "تريد أن تخبرني أن مدينة أبناء الساعة هي مجموعة أكواخ قذرة، متعفنة؟ "لا أدري." أجبت وأنا أقدم أظافري. "لكن كيف عرفت أنها مدينة أبناء الساعة؟ "لأن الفتاة التي التقيتها ابتاعت لكم الماء بدقائق من عمرها! "فتاة؟ رائع!
رن الصوتين بأذني دفعة واحدة كصرير جرس مدرسة عشوائية. "أجل، فتاة." قلت وأنا أخاطب فريده. "طالما العملة هناك الوقت، فنحن بالمكان الصحيح يا عوني." قال أحمد عبد الهادي بنبرة منشرحة. قالت فريده وهي تحك رأسها: "نحن بالمكان الصحيح، لكن مدينة أبناء الساعة بعيدة عن هنا. المكان الذي وصل إليه عوني يشبه ضواحي المدن بعالمنا الذي قدمنا منه." ثم أردفت بثقة: "عندما تشرق الشمس سنرى أسوارها." ارتأيت أنهما استعادا وعيهما. "هل نذهب؟
" سألتهم. ردت فريده بنبرة لم أفلح في الإحاطة بها: "ليس الآن، غداً. أنا منهكة جداً ولن أستطيع أن أبارح مكاني! "القرية على بعد عشرة أمتار! " زعقت باستنكار. وضع أحمد عبد الهادي يده على كتفي وضغط عليه بإشارة أن لا أجادلها. أدبرتهم ظهري وألقيت بنفسي على الرمال. دون أن ينتصب طوله، زحف أحمد عبد الهادي بجوار فريده. تركتهم يتهامسون وكان الضيق قد تملكني. ثم سرحت بتقسيم تلك الفتاة البيضاء. إنها بنفس عمري تقريباً أو تصغرني بعام.
عيونها لوزية، شفتيها ملتفة للخارج. يميل جسدها للنحافة. لديها شامة أعلى شفتها العلوية من الناحية اليمنى. وجهها برونزي اللون. لها شعر طويل يعدي الخصر. وكلماتها تخرج من فمها مستوية مثل الفاكهة الطازجة. أرادت تنورة زرقاء لامعة ضيقة وقصيرة، قميص أحمر قصير الكمين. تهت بداخل الحلم وتقابلت جفوني. إذا كان للنوم مزية واحدة، فأنه يأتي حين لا نطلبه. لم أدري بنفسي إلا شقشقة عصافير الصباح وصوت سباب فتى أحمق لأخته.
رأيت شعاع الشمس خارج الحاجز الضبابي. ركلة أحمد عبد الهادي في خصيتيه بعنف. استيقظ. أشرقت الشمس من تلقاء نفسها. استيقظت فريدة على صراخ أحمد أخيها. وبدأ وجهها كبائعة ورد عندما رأت أشعة الشمس. قطعنا تلك العشرة أمتار قبل أن نتوقف خارج الحاجز الضبابي. لوحت فريدة بيدها كزعيمة فريق كشافة وهي تقول: "هناك." كالمغناطيس تحركت عيوننا تلقائياً تجاه يدها. كانت أسوار عملاقة مرتفعة وممتدة إلى ما لا نهاية.
"تلك هي مدينتنا." وضحت فريدة. كانت تبعد ميلين ونصف تقريباً عن تلك القرية. مسيرة نصف ساعة سيراً على الأقدام. "تلك الأكواخ هي جيوب المدينة الخارجي." كنت قد مللت توضيحاتها غير المنتهية. لذلك نزلت الدرب الترابي لأسفل ولم أتوقف إلا بالوادي الشاسع. لوحت لهم وصرخت: "هيا انطلقوا! تدافعوا خلف بعضهم نحوي. "غرباء، غرباء! " صرخ طفل يلعب على العشب وابتسم لنا. خلال سيرنا خلال الوادي سمعنا كثيراً كلمة غرباء.
"كيف يعلم أولئك الأوغاد أننا غرباء؟ حدقت فريده طويلاً بملابسي ولازت بالصمت. لم أتلقى رداً وسررت بذلك. دلفنا بين الأكواخ وسرت همهمة ما لبثت أن اختفت. كنت أحاول تذكر مكان كوخ الفتاة عندما سمعت: "ترغبون بطعام؟ " سألني رجل وهو يجذب كم قميصي. سمعت فريدة الكلمة وأرخت عنقها نحوي. "نعم نرغب." أجبته. طلب منا أن نتبعه فدلفنا خلفه كوخ كبير. أشار إلى مصطبة من الطين وهو يقول: "اجلسوا من فضلكم."
لفت انتباهي فتاة صغيرة لم تبلغ التاسعة من عمرها تئن وهي تتلوى على حصير من القش. إلى جوارها ثلاثة أطفال يلعبون باستمتاع ويلطخون وجوه بعضهم بالوحل. "طعام فقط؟ أم طعام وماء؟ "ماذا تقصد هنا بالضبط؟ " سأل أحمد عبد الهادي بنبرة قتالية. دون أن أرفع عيني عن الفتاة الصغيرة التي تصرخ من الوجع، أشرت بيدي لأحمد أن يصمت. قلت: "كلاهما، من فضلك." "نحن لا نملك نقود؟ " اندهشت فريده. "قلت لكم العملة هنا الوقت." وحدقت لفريده أن تصمت.
كنت مسروراً بدوري القيادي ومنبهراً بكيفية أدائي. "ساعة واحدة من عمرك." حدد الرجل. "وكيف أمنحها لك إن شاء الله؟ " سأل أحمد عبد الهادي بنبرة أقرب للسخرية. "وافق فقط وتحدث الصفقة." أجاب الرجل بخبث. قال أحمد: "وافقت ياعم." بعدها اهتز رأسه لحظة ورمشت جفونه وعاد لطبيعته. "تفضلوا الماء والطعام." بادرنا الرجل وهو يمد تجاهنا صنية نحاسية. مدت فريده يدها وكان قد سبقها أحمد عبد الهادي. وضعت أنا قطعة خبز بفمي وأنا أسألهم:
"ما تعاني تلك الفتاة؟ قال الرجل: "ليست ابنتي، لقد كسبتها! صعقتني كلماته، كيف تقول كسبتها؟ هي نحلة كيس شيبسي؟ تنهد الرجل بعمق، قال: "كان لي دين عند والدها ولم يستطع الإيفاء به فمنحني عمرها." "ماذا فعلت بها؟ " سألت فريده وقد فقدت شهيتها للطعام. "أخذته طبعاً، لديها ساعات معدودة وتموت." لمح الرجل الشفقة واللهفة في عيوني فسألني: "هل تريد إنقاذها؟ "نعم." قلت وأومأت برأسي عدة مرات.
"ادفع الدين إذا." قال وهو يحدق بعيني مباشرة. "كم؟ " سألته؟ "عام كامل من عمرك بعدها ستجري وتركض مثل أي طفل آخر." نقلت نظراتي بين الرجل والطفلة قبل أن أرد: "سوف أدفع! بدرت ضحكة من الرجل ومعه اهتزت رأسي مثل عطسة فجائية ورمشت عيوني. "تمت الصفقة." أجاب وهو يبتسم. سرت تجاه الطفلة التي استطاعت الوقوف واستعادة حيويتها. شابكت يدها بيدي وقالت: "شكراً لك، كنت على وشك الموت." قدتها نحو المصطبة لنجلس ونتناول الطعام.
فور رؤيتي هبت فريده مذعورة وقفزت فوق المصطبة وتراقص أحمد عبد الهادي مرتعباً. "أنت عوني؟ " سألني أحمد عبد الهادي. "هذا ليس وقت المزاح يا أحمد، قل مرحباً للطفلة! "لقد كبرت أنا لم أكد أعرفك، انظر للحيتك؟ شعرك خلف عنقك؟ "إنها أول مرة." وقهقه الرجل. وضعت يدي على لحيتي، كانت تشبه الأسلاك الشائكة. مررت أصابعي على شعر رأسي الأشعث وأنا أحدق بالرجل. "كبرت عام للتو دفعة واحدة، ماذا كنت تنتظر!
"وهل يحدث ذلك دوماً مع كل عمر نفقده؟ " سألته؟ "ليس دوماً، رغم ذلك فإنها تحدث مع أناس معينين، أنت مميز! فريده وأحمد عبد الهادي كانوا لا يزالون مرتعين غير قادرين على تصديق ما تراه أعينهم. "فقدت عام بلحظة! " استنكرت فريده. "وأنا أربت على كتف الفتاة قلت أنقذت تلك الفتاة الجميلة التي كانت تلوي من الألم هناك للتو؟ " سألني أحمد عبد الهادي وهو يشير للحصيرة القشية. هززت رأسي وأجبته: "أجل." بلعت فريده اللقمة التي تيبست بفمها.
"ما اسمك؟ " سألت الطفلة التي كانت تمسك يدي؟ "لورا." أجابت الفتاة بابتسامة بريئة. "أحمد؟ علينا أن نرحل فوراً." قال أحمد عبد الهادي. "إذا لم تكن لديك نية لفقد عمرك كله! قلت للورا: "هي اذهبي للعب مع الأطفال." حدقتني لورا بنبرة مندهشة: "أنا لن أذهب لأي مكان، مكاني معك، لقد أنقذت حياتي أنت بمثابة والدي الآن." قبلتها بحنو، قلت: "صغيرتي، نحن غرباء وليس لدينا مكان لنقيم به؟ كأنها فهمت ما أعني قالت: "لديك هذا." وأشارت لجسدي.
"لديك عمر كاف لابتياع كوخ وطعام وشراب، لا أحد يملك شيئاً هنا، الساعة تملكنا كلنا." كان ذلك الرجل يتابع حديثنا باهتمام. "يمكنني أن أترك لكم الكوخ لتعيشوا فيه، سأرحل أنا وأسرتي لمكان آخر." "طبعاً ترغب بمزيد من العمر؟ " سألته فريده. "بمدينة الساعة، قال الرجل، لا يوجد شيء بالمجان." "ادفع تدفع لك الساعة." جذبتني لورا فقوست ظهري وانحنيت نحوها. همست:
"هذا الرجل مستغل، شرير، إنه عفونة متحركة. سأدلك على كوخ أقل سعراً أو يمكنك بناء كوخك الخاص، لا أحد يملك شيئاً هنا." قلت: "أشكرك سيدي لكننا لن نقيم هنا." خرجنا من الكوخ. "لورا." ناديت عليها وكانت قد سبقتنا بالسير. "هل يوجد حلاق شعر هنا؟ "نعم يوجد يا عوني." أجابت دون أن تستدير نحونا. "عوني؟ " رددت فريده الكلمة وهي تضحك. ثم أردفت: "مبروك يا عوني أصبحت أباً." لم أعر فريدة أدنى اهتمام واصلت حديثي مع لورا.
"دلينا عليه يا عزيزتي." تناولت لورا يدي وقادتنا تجاه كوخ يقبع في أخر القرية قريب من الغابة. انتصب شاب ثلاثيني نحيل وعابس من على مقعد خشبي فقد أحد قوائمه. "أريد أن أشذب لحيتي وأحلق شعري، كم الكلفة؟ بعد أن رمق الشاب شعري ولحيتي قال: "ليس أقل من عشرين دقيقة." "موافق." أجبت. راح الحلاق يؤدي مهمته. "فريدة تقول أنت تتعلم بسرعة يا عوني، من ينظر إليك يعتقد أنك من سكان المدينة." وأنا شارد في تلك الفتاة التي على وشك مقابلتها.
شعرت بيد الحلاق تنحرف عن مسارها. "ماذا تفعل؟ " سألته؟ "أؤدي عملي! قلت: "اضغط على الجانبين واترك المقدمة أكبر! "نوع جديد من الحلاقة؟ " سألني! "فقط افعل ما أطلبه منك فقد أخذت الوقت! قال أحمد عبد الهادي بعد أن انتهيت: "ماذا سنفعل الآن؟ "علينا أن نبتاع كوخ أو نقوم بصناعته، أعرف شخص يمكنه مساعدتنا! "الفتاة التي التقيتها؟ " استفسرت فريدة. "أجل! ضيقت حاجبيها وعضت شفتها ولاذت بالصمت دقيقة ثم أردفت:
"علينا أن نجد طريقة لدخول المدينة، لم نأت لهنا للعب، نبحث عن عمل أيضاً! "مدينة الساعة تفتح أبوابها لكل من يرغب بها، لا مشكلة إطلاقاً في الدخول." كان واضحاً تماماً ويعني ما يقصد. كلما تعمقنا بالقرية نحو الغابة ازدادت كثافة الأكواخ وبدت أكثر عشوائية. تولت لورا قيادتنا حتى مررنا بطرقة ضيقة تحدها أكواخ مرتبة بعناية من كلا الجانبين. "منطقة البغايا." قالت لورا شارحة عندما لاحظت اندهاشنا. "هنا شباب ورجال يجلسون مع الفتيات."
تورّدت خدود فريدة وشعرت بخجلها فقلت بسرعة لأخرجها من ذلك الموقف: "اسمعي يا لورا، بالأمس قابلتني فتاة شابة تمتلك كوخ لكني نسيت مكانه، هل يمكنك أن تدليني على الكوخ؟ "صفها لي." ردت لورا. "بيضاء، لوزية العينين، جميلة ولها شعر طويل." حملقت بي فريده ويديها ترتعشان وبدا أن شيئاً بداخلها يؤرقها. "القرية كبيرة يا عوني، أنا لا أعرف تلك الفتاة." أجابتني لورا بتبرم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!