إنها خدعة بصورة ما يا تمارا!؟ ما تتحدثين عنه يشبه الزواج الإلكتروني، هكذا دون حب، دون خطبة وبهدلة؟ قلت لك يا عوني الساعة تختار لنا ونحن نشعر بذلك. صمت للحظة مفسحاً لأفكاري أن تترتب، ما تخبرينني به تمارا أكبر من أن يصدقه عقلي. اسمعي، قلت وكأنني وجدت السر، الأمر بسيط يتم الزواج حسب العمر عن طريق شهادات الميلاد، أي أن لك عمر ما يقابله.
ليس هكذا يا عوني، هناك فتيات وشبان يحضرون لحفل العرس كل ثلاثة أشهر ولا يصيبهم الدور، بعضهم تعدت أعمارهم الأربعين عام. إنها قوانين مجحفة، ظالمة! إذا كان الأمر حقيقي لماذا لا يجد كل شخص رفيقه الروحي الخاص به. لأنه غير موجود أصلاً. أنهيت كلامي بضيق. موجود يا عوني، لكنه تهرب عن الحفل رفضاً للقوانين، لشكل الوليف الروحي الذي يشعر بوجوده قبل يوم من الحفل!
أتدرين لماذا يصر أولئك الأشخاص الذين لم يصبهم الدور على الحضور كل ثلاثة أشهر والوقوف بعزلة في حفل العرس؟ صراحة لم أعد أعرف شيئاً! يحضرون هنا كل عرس على أمل أن تكون الشرطة قد قبضت على وليفهم الروحي الهارب. يترقبون بكل لهفة لحظة القصاص، عندما يصرخ القاضي، خائن، فتسلب فترة الخيانة وتضاف لوليفه وما تبقى من عمر يسلب منه حتى الموت أمام عينيه. تقصدين الفترة التي هرب خلالها من العرس وحتى القبض عليه؟
بالضبط يا عوني، من عمر العشرين عام وحتى لحظة القبض عليه تضاف تلك الفترة لعمر وليفه إلا في حالة واحدة! وأنا أتأفف قلت أكملي. إذا كان ذلك الشخص غير موجود أصلاً بمدينة الساعة أو أن الساعة لم توافق على زواجه بعد، فمن هذا المنطق يمكن أن يتعدى عمره العشرين دون زواج، بل والسادسة والعشرين مثل أورا ابنة صاحب الشرطة! مالها؟ أورا كل عرس تقف بحفل العرس وتخبر القضاة أن رفيقها الروحي لم يظهر بعد حتى تعدى عمرها السادسة والعشرين!
لماذا لا تتزوج أي شخص آخر؟ لا يمكن، مستحيل، ستحل عليها لعنة الساعة، ستصبح خائنة ومطارَدة طوال حياتها حتى يتم القبض عليها. ثم همست، أغلبنا سعداء بما حدث لأورا، تلك الفتاة متكبرة، رعناء وشريرة. كنا قد وصلنا بائع الخبز، ابتاعت تمارا الكثير من الأرغفة ورفضت محاولاتي لدفع الثمن من عمري. بداخل ذهني كان هناك العديد من التساؤلات التي تتصارع متدافعة، لماذا يقام عرس الساعة منتصف الليل؟
من هم الرهبان، القضاة، كيف يعلمون تلك الحقائق الغيبية؟ كنت قد وصلت لحالة من الشك جعلتني أسألها، كيف يتم اختيار الرهبان؟ الرهبان تختارهم الساعة يا عوني! يولد كل راهب وعلى يده ختم الساعة، ذلك الختم الذي يعني أنه مؤهل لتنفيذ إرادة الساعة بأرض الساعة وأنه تم تشريفه ليكون ابن الساعة. قلت يبدو أنهم يتمتعون بقدرات خاصة! الأمر بدا ممتعاً لما راحت تمارا تشرح بانسجام.
الرهبان يقيمون بالمعبد المقدس بالقطاع الثامن من أرض مدينة الساعة، قطاع مغلق ومحظور، يمتلك مساحة شاسعة من الأراضي الزراعية والحقول والغابات، إذا تجرأ أي شخص على دخوله غير عمال المعبد وهم موشّمون أيضاً بختم الساعة يتم سلب أعمارهم على الفور بعد أول خطوة داخل القطاع تلقائياً! الرهبان يمكنهم سلب العمر بسبب أو دون سبب، يمكنهم منح العمر أو الحكم ببراءة مجرم مدان ولا يستطيع أي شخص الاعتراض.
بتولون لا يتزوجون ولا ينجبون ذلك ضمان لحيايدية قراراتهم ولا يتعدى عددهم الستة. إنهم الحكام الحقيقيون لمدينة الساعة ولكل واحد منهم قسم وجناح خاص به. ثم أنهت كلامها بقول، كل ما يصل إلينا عنهم مجرد حكايات تناقلتها الألسن فنحن لا نراهم إلا يوم عرس الساعة عندما يصدرون القرارات. على فكرة؟ قالت تمارا وهي تنظر نحوي، هناك عرس الليلة يمكنني أن أصطحبك لهناك! موافق طبعاً قلت بسعادة، مع تمارا أنا لا أمانع الذهاب إلى الجحيم ذاته.
وصلنا بائع الفاكهة، كان شاب نحيف يعلو وجهه دمامل متقيحة، البثور منتشرة بوجهه كسوسة الخشب. بدر منه ابتسامة مقيتة وهو يرمق قوام تمارا ولاحت أسنانه الصفراء المتعفنة. وضعت تمارا خلفي ووقفت أمامه، يمكنك أن تحملق بي أنا؟ لم يرد الشاب، أولاني لامبالاته، وضع الفاكهة بالسلة، دفعت أنا هذه المرة الثمن من عمري! كنت قد أوليت تمارا ظهري وعندما التفت وجدتها ترمقني بنظرة إعجاب مستعرة مفضوحة.
كان مضى وقت طويل وكان علينا العودة، لذلك سلكنا طريقاً مختصراً موحلاً، مليئاً بالحفر القذرة. سبقتنا لورا بالعودة راكضة نحو الكوخ، عندما وصلنا كانت فريدة واقفة على باب كوخها حاشرة خصرها بين يديها واحد حاجبيها مرفوع. دلفَت تمارا للداخل لتعد لنا الطعام وكانت فريدة تحلق بي. عوني لو سمحت أحتاجك في كلمة. رميت أحمد عبد الهادي المكتوم فوق كومة من قش الشعير. أطلب الإذن فأومأ لي برأسه دون أن يتحدث. لماذا تأخرت؟
قالت، أين قضيتم كل ذلك الوقت؟ قبل أن أرد أردفت، يقع على عاتقي أن أذكرك دوماً سبب وجودنا هنا، البحث عن عمك والرجوع إلى مدينتنا، لم نحضر هنا لنزوة عابرة يا عوني. بنبرة خجلة أردفت، إذا كنت تبحث عن علاقة كان يمكنك أن تفعلها بسهولة هناك بمدينتنا قبل أن تلطخنا معك بالوحل. رفعت يدي بتذمر، ما الذي جعلك تعتقدين ذلك بحق الله؟ ثم أنت لست وليّة أمري! لست وليّة أمرك فعلاً لكن لدينا مهمة وعلي أن أذكرك بذلك!
شكراً لك، قلت ذلك وأنا أوليها ظهري! تجمعنا حول الطعام، التهمت أنا وأحمد الطعام بنهم بينما كانت فريدة تأكل بصمت شاردة تحملق بفراغات جدار القش المقابل لها. بالمساء سأذهب لمشاهدة عرس الساعة، ألقيت الكلمة وأنا لا أنتظر ردهم. حفلة؟ خاطبني أحمد عبد الهادي متسائلاً. أجل حفل الساعة حيث يعاقب المجرمون ويتزوج فتيان وفتيات الساعة. متى تبدأ الحفلة؟ سألتني فريدة وكانت قد انتبهت للتو.
يبدأ حفل الساعة حدود العاشرة وعندما تدق الساعة الثانية عشر ليلاً يبدأ عرس الساعة. أجابت تمارا آخذة بناصية الحديث. كانت فريدة تستمع لها وهي تحدق نحوي بابتسامة ودودة تائهة. الليلة تبدأ رحلتنا إذا. قالت فريدة. أي رحلة؟ سألتها تمارا.
رحلتنا يا عزيزتي. ردت فريدة بنبرة متزحلقة تحمل أكثر من معنى. لم نحضر هنا للإقامة. أردفت فريدة، كل غايتنا البحث عن عم عوني ونعود مرة أخرى. نحن لا نخطط مطلقاً للإقامة بتلك المدينة القميئة المتعفنة! سرحت نظرة حيرانه من عيون تمارا نحوي سرعان ما وارتها. كيف ستعودون لمدينتكم؟ لا أحد يستطيع الخروج من مدينة أبناء الساعة! مثلما دخلنا. قالت فريدة، لقد تركت علامات خلال الطريق خلفنا! علامات؟ سألتها.
نعم علامات إرشادية خلال سيرنا. قلت لك على أحدنا أن يتذكر السبب الحقيقي لوجودنا هنا. صرخت لورا: سأذهب معكم! قبلتها فريدة وضمتها لحضنها، طبعاً يا حبيبتي، أنا وعوني لن نتخلى عنك. قالت تمارا: مستحيل! وتبدلت ملامحها، لم تعد راغبة بمواصلة الحديث. مر الليل فوق القرية وألقى وشاحه الأسود عليها وبدت أكواخ القرية المتناثرة بمصابيحها الزيتية نجوماً بسماء مظلمة.
كان أهل القرية قد ارتدوا ملابس الأعياد والأفراح وتوافدوا على بوابة مدينة الساعة القريبة بينما تلكأنا نحن لبعض الوقت ريثما انتهت فريدة من زينتها. بطريقنا نحو البوابة استوقفني رجل مسن بمعالم عشوائية كان يمضغ عشبة تتكور. انحنى ووضع يديه فوق ركبتي، سامحني يا رئيسنا كنا ننتظر وصولك لكن السناتريين غدروا بنا! رفعته من على الأرض، قلت، آسف لكني لا أعلم ماذا تقصد، لست الشخص الذي تقصده! مضينا نحو البوابة
وسمعته يصرخ خلفنا باضطراب: عندما يبزغ نجم أركازيا ستعرف الحقيقة. وصلنا البوابة المفتوحة الساعة التاسعة ليلاً كانت المدينة مضيئة كشعلة حرب، وكان لها سور طويل ومرتفع تتخلله أبراج الحراسة المحصنة بالمتاريس والتي يقف داخلها جنود بأجساد ضخمة وقسمات وجه مخيفة.
سمحوا لنا بالدخول دون عناء ولا تفتيش، دلفنا من البوابة إلى فسحة كبيرة ذات أرضية من الجص، على مقربة لاح ميدان تشعب الطرق انتصب خلاله تماثيل خرافية من الجير والحجارة لكائنات خرافية، بشر وحيوانات!
أوقفت تمارا حوذيين وطلبت منهم توصيلنا لساحة العرس، جلست أنا وتمارا ولورا بإحداهم بينما استقل أحمد عبد الهادي وفريدة العربة الأخرى. رفع الحوذيين سياطهم فرفرت في الهواء قبل أن تلسع الجياد التي هبت راكضة وسمعنا طقطقة حوافرها على الطريق الصلب. ستصل قبل الموعد، لا تقلق. طمأنتني تمارا. بصعوبة دلفنا للداخل وجلسنا جوار بعضنا أعلى الناحية اليمنى من الساحة.
كانت المدرجات من الحجارة المطلية باللون الياقوتي تطل على باحة واسعة لا تكاد ترى الجالسين بالطرف الآخر، الأرضية من الجص الأزرق والأحمر. بكل ركن من أركان الساحة تنهض مسلة مرتفعة عليها ساعة ضخمة من الذهب تحمل نفس الشكل. منتصف الساحة، أسفل مدرجات السادة وتحت قبة مزخرفة من الفضة والياقوت والذهب جلس القضاة والرهبان، إلى جوارهم من باب سري كان يخرج الحرس يقتادون المجرمين لينالوا عقابهم.
يصطف المجرمون مقيدين بالسلاسل في صف واحد، يبدأ حارس يجلس على مقعد أمامه طاولة ودفتر يذكر بصوت واضح اسم كل مدان وجرمه، بعدها يطلق القاضي الحكم إذا لم يكن للرهبان رأي آخر. بالبداية كانت الجرائم صغيرة وعقوبتها تتراوح بين فقد ستة أشهر إلى عشرة أعوام. كان القاضي يصدر حكمه فيظهر الأثر فوراً على جسد المدان، ينحف جسده، يبيض شعره، ينحني ظهره، يسقط أرضاً لعدم قدرة الجسد على تحمل فقد العمر الفجائي.
بعد كل حكم، يهلل العامة وتصيح بغوغائية مزعجة، ثم بدر صوت موسيقي حماسية مجلجلة من بوق عملاق، اقتاد الحراس صف طويل من المجرمين وقفوا بمنتصف الساحة. زعق الحارس الجالس على المقعد بنوع الجريمة فأصدر القاضي حكمه بفقد العمر، راحت الأجساد تتساقط خلف بعضها متلاحقة وقد أصبحت هيكل عظمي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!