ارتدت فريدة بظهرها للخلف وعلاها الاشمئزاز. لا يمكنني أن أصدق ذلك أبداً. كيف ماتوا بتلك الطريقة؟ لكن الأحداث مضت متسارعة. تم اقتياد فوج آخر وتم إصدار حكم فقد العمر عليهم. ترنحت أجسادهم وسقطت أرضاً. هلل الحشد واختفينا بين الأصوات الزاعقة. في ما تبقّى من الليل لم أرَ إلا الأجساد المترنحة تتساقط ميتة.
قرعت أجراس عملاقة بصوت أصم آذاننا. انطلقت الأبواق والدفوف تصدح. انهالت جموع لا متناهية من فتيان وفتيات نحو ساعة العرس. الكل يعلم طريقه ويركض نحوه. اصطفت الفتيات بصف طويل بمحاذاتهم. الشباب يفصل بينهم مسافة قدرها عشرة أمتار. صمت كل من بالساحة. لم يعد يُسمع إلا صرير الرياح التي ترفرف أعلاماً تحمل صورة الساعة فوق المسلات وصفيرها بأحد الأبراج المرتفعة. "ماذا ينتظرون؟ " سألت تمارا.
"إشارة الساعة، دقتها. عندما ينتصف الليل سيعرف كل شاب وفتاة وليفه الروحي." كان الكل من حولنا يترقب. بعض العائلات لديها فتية أو فتيات بالساحة ينتظرون أقرانهم. كان القلق بادٍ على ملامحهم.
نطق راهب بالعد التنازلي من عشرة لواحد. قبل أن تدق الساعة بمنتصف الليل تماماً. استمر صوت دق الساعة لدقيقة كاملة. وعندها بدأت حالة أول عرس بالساحة. انطلقت فتاة يافعة تجاه أحد الشبان مهرولة. فركض نحوها قبل أن يصله بمترين. انطلقت الزغاريد والأفراح. ثم توالت الزيجات. شاب يقصد فتاة، فتاة تقصد شاب. يمسكون بيد بعضهم ويقفون تحت قبة الساعة.
استمر ذلك الأمر أكثر من ساعة. حتى اصطف الفتيان والفتيات زوجين، زوجين أسفل قبة الساعة. ظلت هناك فتاة وحيدة بمنتصف الساحة. وعلى ما يبدو كانت مشهورة. كان البعض يسير إليها ويصرخ: "هذه أورا، أورا! كنت قد سمعت ذلك الاسم من قبل. فلكزت تمارا الشاردة. "أورا؟ "ابنة صاحب الشرطة." "آه تذكرت الآن. لماذا تقف هكذا وحيدة بعد أن تزوج الجميع؟ "اصمت يا عوني. على ما يبدو هناك مصيبة."
قبل أن يشرع القاضي بتلاوة قسم الزواج بأرض مدينة الساعة. رفعت أورا يدها وصرخت: "سيدي القاضي، وليفي الروحي موجود هنا لكنه لم يتقدم نحوي. لم ينزل الساحة أصلاً." "متأكدة؟ " سألها القاضي. وكانت أول مرة نسمع فيها صوته الجهوري. "تعلم سيادتك أن هذا الأمر يجري بدمائنا. كم أن الراهب يعلم ذلك." حملق القاضي بالراهب الصامت. فأومأ له بالإيجاب.
طلب القاضي رئيس الشرطة الذي كان يعلم ما عليه فعله. انتشر الحرس بأروقة ساحة الساعة بسرعة. عالقين كل الطرق والمنافذ التي تؤدي للخروج. استغرق الأمر أكثر من ساعتين. حتى تم إخضاع كل قاطني مدينة الساعة الحاضرين للفحص. ولم يتبقَّ إلا العامة. والنغول. جرح فحص العامة أيضاً. بعدها سمح للنغول بالرحيل.
عندما خرجنا من بوابة الساعة. كان الصبح قد انبلج. وأشرقت شمس حارقة من الشرق صافعة وجوهنا. الأشجار، العشب الأصفر واحالت الأرض لبقعة ساخنة. كانت الأسئلة لا تتوقف. وتمارا ترد على قدر استطاعتها. "كل ما في الأمر أن وليف أورا زوجها كان حاضراً بالساحة ولم يتقدم نحوها. كان جالس بالقرب لكنه لم يرغب بها. ذلك يعني أنه خائن ومصيره الموت." "لكنهم فحصوا كل الأشخاص المشتبه بهم." شرحت فريدة. قبل أن تردف: "لكنهم لم يعثروا على شيء."
حدقتها تمارا بابتسامة وهي تقول: "ليس الكل. كان هناك النغول والغوغاء. السناتريين ربما كانوا حاضرين بعضهم أيضاً." "لكنها ابنة صاحب الشرطة. أحد السادة المرموقين. ولم يتقبل عقله ولا عقلها أن وليفها قد يكون نغل أو غريب. شعوري يقول إنه أحد الأنغال! وأنا أطوح ذراعي وقد تملكني الحنق قلت: "أريدك أن توضحي لي ذلك؟ تنهدت تمارا. قالت: "يعني من الممكن أن تكون أنت أو حتى أحمد عبد الهادي! "وهل ذلك ممكن يا تمارا؟
قالت: "من زمن بعيد. قبل ثلاثين عاماً. قبل أن أولد أنا أو أنت. أخبرتني والدتي أن ذلك حدث مع شخص غريب كان قد حضر للتو لمدينة الساعة. وللمصادفة كان وليف والدة أورا قبل أن تتزوج صاحب الشرطة بأمر الرهبان." "وماذا فعلوا به؟ "قتلوه. حكموا عليه بالموت بفقد العمر على خشبة الساعة." ضحكت تمارا وهي تقول: "لكن لا تقلق. أنا لن أسمح أن يحدث لك ذلك يا عوني."
اتفقنا أنا وأحمد عبد الهادي على العمل بمدينة أبناء الساعة. فلم يكن ممكناً أن نضيع مزيداً من العمر دون مقابل. عندما وصلنا الأكواخ المتلاصقة. ودعت أحمد عبد الهادي لأخذ قيلولة صغيرة. وعندما مشيت تجاه كوخي. صرخت فريدة بغيظ: "لماذا لا تذهبون الآن؟ أم تنتظرون مني أن أعمل بدل منكم؟ "لن تفقدي دقيقة واحدة قبل أن تلتقي رفيقك الروحي يا فريدة. أعدك." قلت بنبرة ضاحكة. صكت الباب بوجهي ومضت بصمت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!