الفصل 17 | من 33 فصل

رواية ثلاث صرخات وحدها لا تكفي الفصل السابع عشر 17 - بقلم اسماعيل موسي

المشاهدات
25
كلمة
2,318
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 52%
حجم الخط: 18

علينا أن نحمل الجثة! شمرنا أقدام بناطلينا وغصنا في الماء حتي وصلنا. حملنا الجثة بين أيدينا نحو بقعه بعيدة عن الماء، أنزلناها على الأرض باحترام. وأنا أضع يدي على أنفي من رائحة العفونة. من أين أتت تلك الجثة؟ سألت دون أن أوجه كلامي لأحد. مما لا شك فيه، سفينة غارقة وحملت الأمواج تلك الجثة تجاه الشاطئ. يجب أن ندفنه. قالت فريدة. الآن؟ أجبت باستنكار.

إكرام الميت دفنه يا عوني. بقايا ذلك الشاب تستحق دفنًا لائقًا يليق بتلك النهاية المأساوية! لكن، لا نمتلك فأسًا، معولًا؟ يمكننا أن نحفر بأيدينا خلال الرمال المبتلة. وضحت فريدة وهي تزأر. قلت، لكن المياه ستتلفها؟ بكل حال، وطبقًا للظروف المعتادة، حتى لو حفرنا القبر بين الصخور الوعرة فإن الدود سيلتهم الجثة. شرح أحمد عبد الهادي بحكمة.

شرعنا نحفر القبر بأظافرنا وشفرات الحجارة. وضعنا الجثة وكلنا عليها التراب. بعدها لم تكن لدينا رغبة بالنوم. أشعلنا الحطب وجلسنا حول النار صامتين. بالصباح عندما ارتفعت الشمس رأينا بقايا حطام السفينة. الأخشاب التي وصلت الشاطئ، بعض الملابس، وساري السفينة المربوط به علم أحمر. كيف تحطمت برأيكم؟ سألت. اصطدمت بحاجز بحري. الصخور المتوارية أسفل مياه البحر. أبناء الشيطان. ردت فريدة. أبناء الشيطان؟ استفهمت.

البحارة يطلقون على تلك الصخور التي لا يستطيعون رؤيتها وتخرق سفنهم "أبناء الشيطان" يا عوني. قرأت ذلك في "عمال البحر" لهوجو. حملنا أمتعتنا والقلق بادي على ملامح أحمد عبد الهادي. ذلك اليوم سرت أنا بالمقدمة. كان الشك واللوم قد ضرب عقلي. أنا من تسبب في كل ذلك. كان يمكنني أن أخوض مغامرتي بمفردي دون أن أورط فريدة وأحمد عبد الهادي معي.

بعد مسيرة نصف يوم اتضح أن الاستمرار بمسارنا الحالي حدود شاطئ البحر مستحيل. تكاثرت الصخور وتكالبت لتسد طريقنا وتحتضن البحر. الأمواج ترتطم بها بلا هوادة ورزازها يحلق عاليًا ليصفع وجوهنا. علينا أن نغير طريقنا. قلت. لكن المخطوطة لم تذكر ذلك يا عوني؟ من قال إن الكتب تذكر كل شيء؟ تمنحنا رؤس الفكر وعلينا أن نكمل الباقي. بهدوئها المعتاد رمتني فريدة بنظرة إعجاب استقرت بصدري.

سنلتف حول التلة ونسير بمحاذاة البحر بحيث تفصل بيننا الصخور وعندما نجد بقعة ممهدة نعود لطريقنا مرة أخرى. قطعنا دربًا ممهدًا طرقته الأقدام قبلنا. اصطدمنا بالصحراء الجرداء. بيداء لا أول لها ولا آخر. نسير بمحاذاة التلال ولن نضل طريقنا. قلت ذلك وأنا أتقدمهم. لكن حتى بعد مضي ثلاثة أيام متواصلة من السير بالنهار والتخييم بالليل لم نجد أرضًا سهلة تصلنا بالساحل.

اليوم السادس عندما انطلقنا كان كل منا يفكر كما تقول المخطوطة. تبقى يوم واحد حتى نصل الميناء حيث تنقلنا سفينة لتلك المدينة الغامضة، مدينة أبناء الساعة. لكن كما هو واضح أن التلال تزداد ارتفاعًا كلما تقدمنا بالسير ولا أي شخص عاقل يتصور أنه من الممكن أن يتسلق تلك الصخور الوعرة المسننة. إنها محاولة فاشلة ستؤدي للموت دون شك.

كان اليوم السادس أوشك على نهايته عندما لاحظنا ضبابًا خفيفًا يسبح حولنا. وكلما تقدمنا كان الضباب يزداد كثافة لكن لا يحجب الرؤية. إنه ضباب البحر يا أحمد، لا تقلق. ولماذا لم يظهر ذلك الضباب إلا الآن فقط؟ سألت فريدة. ليخفف عنا لسعات الشمس. قلت بنبرة مبتسمة. أنا متشائم. قال أحمد عبد الهادي وهو يحك حاجبه. وكانت أول كلماته منذ مدة طويلة. قلت بنبرة ودية، منذ متى وأنت غير متشائم يا أحمد؟

إنه مجرد ضباب لن يلبس أن يزول فور شروق الشمس. أقسم بحلول الغد سيتبدد الضباب وتلسع الشمس مؤخرتك السخينة ويتعرق إبطك وتصبح رائحتك كريهة لا تطاق. بدرت ابتسامة قلقة من أحمد عبد الهادي بينما لاذت فريدة بالصمت. ليس من عادة فريدة أن تصمت. صمتها، شرودها ينبئني بمصيبة وشيكة. لكن شكوكي سرعان ما تبخرت مثل بخار مياه الصيف. ألم يلاحظ أحدكم أي شيء غريب؟ سألت فريدة. هناك. وأشارت بيدها للضباب.

حدقت أنا وأحمد خلال الضباب بنظرات ملئها رعب وتوجس. كان الظلام محدقًا ولم نرى أي شيء. أنا لا أرى أي شيء. زعق أحمد عبد الهادي وهو يرفع كتفيه بغضب. ولا أنا. وضربت ساقي بيدي. ماذا رأيت؟ سأل أحمد عبد الهادي أخته بنبرة جادة لكن مرتعشة. لا شيء. هيئ لي أني رأيت ما يشبه علامة وإشارة طريق. على كل حال سنخيم هنا الليلة وعندما يحل الصباح سنستكشف تلك العلامة.

تناولنا طعامنا ورقدنا بجوار الحطب الذي يطقطق ويخرج من أطرافه عصارة رمادية. غفونا جوار النار. قبل الفجر غمرنا الضباب والصقيع واختفينا خلاله. استيقظت وأطرافي متجمدة من البرد. ورغم قرب المسافة إلا أنني استطعت رؤية فريدة وأحمد عبد الهادي بالكاد. زحفت نحوهم برعب. لكزت أحمد في كتفه. أفيق، استيقظ نحن في ورطة. بغبش وهو يفرك عينيه. نهض أحمد عبد الهادي. مسح الأرجاء بعينه قبل أن تتلاقى عيوننا مرة أخرى.

أرجوك أخبرني أن تلك المخطوطة حقيقية وليست من اختراع عقلك اللعين. خاطبني أحمد عبد الهادي بنبرة متوسلة. أقسم لك يا صديقي أني أخبرتك الحقيقة كاملة، كل حرف، كل كلمة. فكر أحمد عبد الهادي وهو يحك ذقنه بإبهامه. لماذا لم يأخذ عمك المخطوطة معه؟ كيف عرف الطريق وحده؟ ذلك أمر سهل يا أخي ربما نسخها. أجبت بتوتر. ما الذي يحدث هنا؟ زعقت فريدة وهي ترتعش. كانت أول مرة ألمح الخوف في عينيها.

كنت ظننت أن تلك الفتاة صخرة لكن لكل فتاة قدرة على التحمل تعادل كرهها للرجال. كما ترين يا عزيزتي، نحن غارقون في الضباب. وضرب أحمد عبد الهادي رأسه. متى حدث ذلك؟ ونحن نيام طبعًا. قبل أن تفكر أو تسأل قلت، المخطوطة اللعينة لم تذكر أي شيء حول ذلك. ربما علينا العودة. بادرنا أحمد عبد الهادي فجأة وكأنه أمر مقرر. لماذا تكبدنا كل تلك المشقة يا أخي؟ عوني؟ أختك ليست هي الحاضرة معنا. توشك أن تفقدها.

من فضلك الزم الصمت ودعنا نناقش تلك المسألة العائلية بيننا. لم تعجبني نبرة أحمد عبد الهادي. فأنا لم أجبره على تلك الرحلة. ثم إن روعي وقلقي على فريدة لا يقل عنه. أنا أعتبرها مثل أختي. سنظل هنا لمدة يوم آخر. ربما حينها ينقشع ذلك الضباب ابن الزانية وتتضح الرؤية. لم أعلق على كلام أحمد عبد الهادي. كنت أحمل بصدري غضبًا لا متناهيًا من طريقة كلامه الهجومية.

حتى لا نضيع من بعضنا وقد اقشعرّت أبداننا من البرد جلسنا متجاورين والشك يجلس معنا، يسير، يلف ويدور. عوني؟ نعم! أرجوك لا تغضب من أحمد. إنه لم يقصد ذلك. ارتفع الأدرينالين فجأة في ذهنه واندفعت الكلمات دون تفكير. ثم أسرت لي بأذني. أنا لا أشك أنه تبول ببنطاله. أردفت بنبرة ممازحة. بدرت مني ابتسامة مغتصبة ولذت بالصمت. أظلمت الدنيا وأصبحت الرؤية مغبشة. عسس ليل، أشباح، أطياف.

وضعت الحقيبة أسفل رأسي وغططت في النوم. سمعت شخير أحمد عبد الهادي يشبه نقنقة الضفادع. وكانت فريدة راقدة إلى جواره ملتصقة به. سحبت ورقة وقلم. حاولت أن أتخيل أنني أكتب وأنا مغمض العينين. كتبت الرسالة مثلما تمكن لي. دسستها في جيب أحمد عبد الهادي. حملت حقيبتي فوق ظهري ورحلت. التصقت بصخور التلة حتى لا أتيه وتقدمت للأمام وأنا أتعثر كل فترة.

من حقه أن يخشى على أخته من الخطر. لو كنت مكانه لفعلت ذلك. الآن يمكنه العودة. مسيرة نصف يوم بطريق الرجوع، تعود الرؤية ويعودون للمدينة مرة أخرى. سرت ملتصقًا بالصخور وكل ما أرغب به أن أبتعد ميلين على الأقل حتى لا أسمع ندائهم ويغمرني الحنين. إنها رحلتي منذ البداية وأنا وحدي فقط من عليه أن يتحمل تبعاتها كيفما كانت.

بعد مسيرة لا بأس بها جلست أنتظر أن تشرق الشمس وتبدد تلك الظلمة. اتكأت على صخرة وغفوت. ولم أشعر إلا وقد مزقت قدمي. أفق يا وغد! وغد؟ أنا أعرف هذا الصوت. فريدة؟ ومن سواها سيهب لنجدتك؟ اسمعي يا فريدة ليس لدي مزاج للمزاح. ثم أين أحمد؟ تركته هناك حيث كنا نخيم. ماذا!؟ تركته هكذا؟ بدرت منها قهقه رتيبة. أحمد خلفي يحاول اللحاق بي. هل ظننت حقًا أنني من الممكن أن أكمل الرحلة مع شخص أحمق لا يطاق مثلك بمفردنا؟

لحظات وسمعت سعال أحمد عبد الهادي. لماذا لم ترحلوا كما طلبت منكم بالرسالة؟ خطك سيء ولم نتمكن من قراءته بالظلام. أجابت فريدة. سحقًا، يهيئ لي أن فريدة، تلك الفتاة، لا تفوت فرصة إلا وتنتهزها للتنكيد علي. لم أكن أعلم أن لديك قدمين حديدين وقلب أسد، كيف تتركنا هكذا يا عوني؟ ألسنا أصدقاء؟ صداقتنا هي التي دفعتني لذلك يا أحمد صدقني. لن نبدأ التعارف الآن. صرخت فريدة بنبرة حماسية. أمامنا طريق ونحتاج لخطه.

قلت بخجل. كنت أفكر أن نسير بمحاذاة الصخور حتى نصل للميناء أو نسمع حتى صوت بشري يدلنا على الطريق. ذلك الضباب لم ينبلج من العدم. حدثي يؤنبني أن قصتنا بدأت للتو. ماذا تقصدين يا فريدة؟ لا وجود للميناء ولا السفن ولا جزيرة. إذا كان هناك وجود لمدينة فأنها تقبع هناك خلف الضباب. تناولنا طعامنا بمكاننا ورغم أن الشمس أشرقت إلا أن ما كنا نأمله أصبح سراب. تبدد جزء من الضباب لكنه كافٍ فقط لرؤية بعضنا وخطوتين أمامنا.

يجب أن نتحرك. قالت فريدة. حملنا حقائبنا وسرنا بخط واحد للأمام. الضباب يزداد كثافة ولا وجود لأي علامة تذكر. مضى اليوم الأول ونحن نسير ونتعثر وعندما أهلكنا السير نمنا بمكاننا متجاورين. في الصباح ابتكرت فريدة حيلة جديدة تمكنا من السير خلال الليل. ربطنا حبلًا يصلنا ببعضنا وهكذا لا نخشى أن يضيع أحدنا. بغض النظر عما فكرنا به فإنه لم يعد مهم. بحلول منتصف اليوم التالي أرعبتنا العظام البشرية التي تعثرنا بها، جثث متعفنة أيضًا.

الجثث التي قابلتنا كانت ملقاة وجوهها عكس طريقنا وهذا يعني شيء واحد، أولئك الأشخاص كانوا فارين من تلك المدينة وليس نحوها. بيني وبين نفسي لعنة العم شكري والمخطوطة وتلك المدينة المسماة مدينة الساعة. خلال ما تبقى من اليوم لم أنطق ولا كلمة واحدة. الضباب يزداد كثافة ومعه راحت الجثث تتكاثر. مصيبة. قالت فريدة. لو كنا بحرب حقيقية لما عثرنا بكل تلك الجثث. هل تقودنا لمدينة أشباح يا عوني؟ لا أعلم. قلت بفتور.

بعد أن أهلكنا السير اضطررنا للنوم وكانت تلك الليلة هي الأصعب. كان علينا أن ننام بين الهياكل العظمية والجثث المتعفنة. التصقنا ببعضنا. رقد أحمد الهادي بالمنتصف بيني وبين فريدة. راحت الرياح تزمجر وازداد الظلام ومع كل حركة انقلعت قلوبنا من الرعب.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...