لن أتحمل أكثر من ذلك، قالت فريدة. أنا مرعبة، سأنام في المنتصف. زحزح أحمد عبد الهادي جسده، رقدت فريدة بيننا. أوليتها ظهري، وكانت لدي رغبة بالتحرك من مكاني، لكنني كنت مرعوبًا، فلزمت مكاني. راحت الرياح تقذف بالأشياء، تحركها وتصدر صريرًا مؤذيًا للنفس، وغمرتنا الرمال. التصقنا ببعضنا رغما عنا لنشعر بالأمان، ودون أن أدري أخذني النوم.
عندما أُفقت بالصباح، كنت مغمورًا بالرمال. بحثت عن حقيبتي ولم أجدها، كل حقائبنا طوحتها الرياح العاتية. نفضنا الرمال عن وجوهنا، كان الأمر يبدو كأننا خرجنا من مقبرة للتو. شعرنا بالعطش بعد أن فقدنا المياه. إنها المتلازمة السافلة، لا تشعر بقيمة الشيء إلا إذا فقدته. "إذا كنا لا نرغب أن نتعفن هنا وسط الصحراء، علينا الوصول لتلك المدينة بأقرب وقت"، قالت فريدة وهي تنفض شعرها الذي تحول إلى اللون الرمادي.
حتى قبل أن تلقي فريدة بوجهنا تلك الحقيقة العارية، كنت أنا وأحمد ندرك ذلك. انطلقنا بخط واحد ونحن ندعو الله أن نرى أي معالم بشرية. مضى نصف يوم ولم نقابل إلا الهياكل والجثث والضباب اللعين. "طفل، طفل"، صرخت فريدة. سمعت صرختها وكنت بالخط الخلفي، فركضت للأمام. "لا"، قالت، "أقصد جثة طفل متعفنة"، أردفت وهي تكاد تبكي. "إنها رسالة باقتراب موتنا"، قلت. "اصمت يا عوني! هل ندفنه؟
فريدة، نحن نوشك على الموت عطشًا، يجب أن نصل للمدينة؟ "لكن قلبي لا يطاوعني على تركه هكذا! "أعدك يا عزيزتي، إذا نجونا من تلك الورطة، أن نعود مرة أخرى وندفنه، أليس كذلك يا عوني؟ "أجل، أجل يا أحمد". ثم همس أحمد عبد الهادي بأذني: "النساء قليلات عقل، ستقتنع الآن". واصلنا سيرنا، وقبل حلول الظلام لاحظنا أن كثافة الضباب بدأت تخبو. رغم العطش والجوع، تشجعنا. "ربما ميل آخر ونصل"، قال أحمد عبد الهادي. لكن الميل تبعه ميل وميلين!
ما أكثر حلم الإنسان واستباقه النتائج! قبل منتصف الليل، ولأول مرة، لمحنا نورًا من بعيد. "صرخت، هناك انظروا! " بتلك اللحظة فريدة فقدت وعيها. "سأحملها"، قال أحمد عبد الهادي بوجه ميت. بعد أن حملها، أصبح سيرنا أبطأ، والعطش لم يرحمنا. قبل أن نتخطى الحاجز بأمتار، سقط أحمد عبد الهادي هو الآخر.
"لن أتركهم يتعفنون هنا"، بكل ما تبقى لدي من قوة، ركضت واجتزت الحاجز. وجدت نفسي فوق تلة ودرب ترابي يصل لسهل شاسع، إضاءة خافتة تنبعث من بعيد. نزلت الدرب وركضت بين شجيرات قصيرة كثيفة واحراش نحو الإضاءة. وصلت بعد نصف ساعة تقريبًا، كنت أتوقع أن أجد منازل، مستشفيات، مدارس، دكاكين. لكن كل ما وجدته أكواخ من البوص والحشائش والحجارة. طرقت أول كوخ وجدته، وأفزعت العجوز العاري الراقد بداخله، والذي هب مذعورًا
كأن حية لسعته وهو يصرخ: "الشرطة؟ "لست شرطيًا"، قلت، "أرغب بشربة ماء". "لا يوجد ماء عندي"، رد وهو يرفع غطائه فوقه مرة أخرى. رغم ذلك، دلفت داخل الكوخ أبحث عن ماء. تركني الرجل أبحث واستغرق في النوم. لم أجد ماء ولا طعام. "قتلتني الدهشة، كيف لا يوجد طعام ولا ماء؟ من فضلك؟ أرجوك، أحتاج بعض الماء، رفقائي يموتون! "أين أجد الماء؟ " صرخت. "بالحانة"، رد قبل أن يغط في النوم.
كان عقلي يرفض كل ذلك، لقد اقتحمت منزل شخص للتو مثل لص عصابة، مع ذلك لم يصرخ ولم يطلب النجدة. دلفت لداخل كوخ آخر، وقالت لي امرأة نصف عارية ترضع طفلًا: "لا يوجد ماء هنا". ركضت وأنا ألهث بين الأكواخ النائمة والمتفرقة، حتى سمعت صوتًا صادرًا من داخل كوخ يقبع في زاوية متطرفة. طرقت الباب. "ادخل"، سمعت الصوت. كان هناك خمسة أطفال راقدين على الأرض يغطون في النوم. سيدة بدينة راح جسدها يتأرجح، وأن أحدث زوجها.
"أريد شربة ماء من فضلك". "انظر لحالنا"، قال بتذمر، "هل مظهرنا يوحي لك أننا سادة مرفهون؟ "هل تفهمني؟ " سألته، "أنا أطلب ماء لا نقود! "نقود؟ ماذا تعني تلك الكلمة؟ يعني أنا لست لص خزائن لعينة، أنا أرغب بشربة ماء، أكاد أهلك من العطش! "خزائن؟ نقود؟ أنت غريب؟ "نعم، حضرت من بين الضباب للتو". "ضباب، ضباب"، رددت زوجته خلفه، واستيقظ الأطفال فزعين، يصرخون برعب. "ارحل من هنا قبل أن تحضر الشرطة! "إنه ماء، فقط ماء!
ليس مخدرات أو هروين؟ "ارحل من هنا"، صرخ الرجل بوجهي، "أنت مجنون! هرولت بين الأكواخ وأنا أكاد أهلك، وهناك لمحتها من بعيد تشبه طيفًا ملائكيًا حط على الأرض. نحوها توجهت، وكانت عائدة لكوخها. "من فضلك، من فضلك، أريد مساعدتك". توقفت، ركنت للصمت برهة. باعدت بين ذراعيها كتعبير عن العجز. "يجب أن تدفع نظير الماء". "لقد فقدنا حقائبنا بالصحراء ولا نملك فلسًا واحدًا". "أنت غريب؟ "أجل، غريب"، أجبت.
"يمكنك أن تأخذ ما تشاء من الماء نظير جزء من عمرك". شبكت أصابعي المتشنجة بانفعال. "ستقتلونني نظير شربة ماء؟ انفجرت كلماتها مثيرة للفضول، غير متوقعة، يشوبها الصدق. "لن نقتلك، ستبتاع الماء بدقائق من عمرك! "أنا لا أمانع، يجب أن أنقذ أصدقائي قبل أن يموتوا بالضباب". "الضباب؟ " ردت بتلعثم، "لا تذكر تلك الكلمة مرة أخرى، هل تفهم؟ "أفهم، أفهم، لكن أريد ماء".
سحبت كوز ماء، قادتني خلفها نحو كوخ منعزل. مدت الكوز للرجل الخمسيني الجالس على الأرض. "املأه ماء". "دفعت الثمن من عمري"، ردت. "الثمن، عمري! هل أنا بحلم لعينة؟ وماذا كنت تنتظر؟ ألم تكن تعلم كل ذلك قبل وصولك هنا!؟ "قرأت عنه فقط، لكن ما أشاهده بعيني ضرب من الخيال". "يجب أن أرحل، أنا أشكرك، أعدك أن أزورك مرة أخرى لتسديد ديني". "أين أجدك؟ " خاطبتها وأنا أركض، وهل لدي مكان غير هذا!؟
تناولت شربة ماء وأنا أقطع طريق العودة ركضًا. رغم أنني أعلم أين تركتهم، إلا أنني احتجت بعض الوقت للعثور عليهم، فكل الأماكن داخل الضباب متشابه. فتحت فم فريدة وبللته بالماء وأنا أرفع رأسها بيدي. استقبلت شفتيها الجافة كأرض بور قطرات الماء فروتها، وشعرت بحركتها. راحت يدها ترتعش قبل أن تفتح عينيها. منحتها شربة ماء أخرى وتركتها، قصدت أحمد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!