الفصل 16 | من 33 فصل

رواية ثلاث صرخات وحدها لا تكفي الفصل السادس عشر 16 - بقلم اسماعيل موسي

المشاهدات
25
كلمة
1,484
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 48%
حجم الخط: 18

حملت الحقيبة وسرت تتبعني كيان. كانت الخطوات تشير تجاه البحر عرضياً، فتبعناها. نزلنا بين صخور وعرة جرحت ساق كيان نحو الساحل. استوى الطريق أمامنا، فسرنا بمحاذاة البحر ونحن لا نلمح أي أثر لعوني. التفت إلى كيان بخوف قائلاً: "لابد أن نلحق بعوني ونخبره بالجزء الناقص من المخطوطة قبل أن يبتلعه الظلام للأبد." **الجزء الخامس** **الرحلة نحو مدينة أبناء الساعة** (أبطال الرحلة: صبري حفيد الجد عوني، وأخته فريدة)

مالت الشمس غرباً وتوارت خلف التلال الخضراء مخلفة شفقاً أحمر قانياً. "سنخيم هنا"، قالت فريدة، فور بلوغنا بقعة مسطحة غاطسة أسفل قعر التلة. "لماذا؟ " سألتها. "نحن لا نعرف تلك الأرض، وليس من المأمون أن نواصل سيرنا ليلاً." "أنا... " ورفعت فردت يدها بطريقة ساحرة شريرة، "لا أرغب بفقد كلاكما دفعة واحدة وأضطر لخوض تلك الرحلة اللعينة وحدي بتلك المدينة غير الموجودة! "لا تعتقدين فعلاً بوجود تلك المدينة؟

"ما أعتقده أو لا أعتقده ليس له معنى يا عوني، فأنا أفضل التمرغ بوحل الحقيقة على أن أعيش وهماً زائفاً! أشعلنا النار بالحطب والتففنا حولها. أخرجت فريدة بعض المعلبات لتناولها وزعتها علينا. ما أثار حيرتي صمت أحمد عبد الهادي وشروده، حتى أنتابني شك أنه قبل تلك الرحلة فقط للتخلص من ثرثرة أخته فريدة! "هل يمكنني أن أرى المخطوطة؟ " سألتني فريدة. "لكن الجو ظلام"، اعترضت، "لن تستطيعي قراءة أي كلمة."

"بالغد"، وأردفت بنبرة وغدية، "ربما أسمح لك بلمسها! وضعت حقيبتي تحت رأسي ببقعة بعيدة عن أحمد عبد الهادي وفريدة، وحاولت النوم. رغم بعدي بمسافة كافية، إلا أن صوت فريدة كان يخنقني! لم أكد يغمض لي جفن حتى سمعت صوت خطوات تقترب مني. كنت راقداً على جانبي الأيمن في مواجهة البحر، دون أن ألتفت قلت: "أحمد عبد الهادي؟

"كنت أدرك أنك لن تقدر على النوم بجوار تلك الرعناء، الوغدة، الثرثارة. أرجو أن تغفر لي وقاحتي، لكنها لا تطاق يا أخي! أردفت وأنا أعدل جسدي: "ارقد هنا بجواري! لم أتم كلمتي، أحمد عبد الهادي لا يمتلك ذلك الشعر المسدل، العيون الواسعة الخضر، وذلك القوام النادي! رغم حماقتها، إلا أن فريدة كانت جميلة بصورة ما. "أكمل، لن أقضمك. أحب أن أسمع رأي الذكور بي! "لماذا، إن شاء الله؟ " قلت بنبرة مستنفرة.

"حتى يتضح لي قدر الحرائق التي أحدثها بصدورهم! "سحقاً، لقد أفسدت كل شيء"، قلت في نفسي، وكنت أشعر بالخزي وأرغب في القيام بأي شيء للتكفير عن ما رشقتها به من لعنات! جلست بجواري، وكان موج البحر يداعب الشاطئ الرملي ويقبل قدميها البيض. السماء صافية ولا أثر لغيمة واحدة فيها. حدقت فريدة بالنجوم، ونسمة فجائية تراقص شلال الشعر الأسود المنسدل على كتفيها. "أتعلم! " قالت فريدة بعد طول صمت، "أنا أمجد الوحدة وأقدس العزلة يا عوني."

رغم الظلام، إلا أنني وجدتني أرمقها بنظرة اندهاش لا تخلو من سخرية. "تقدسين العزلة؟ يا فريدة، أنت لم تتوقفي عن الكلام لحظة واحدة منذ بدأنا تلك الرحلة! تنهدت فريدة بعمق مفسحة المجال للحظة من الصمت أن تفصل بيننا.

"منذ وفاة والدتي وأنا لا أتحدث لأحد مطلقاً. أحمد أخي يغادر المنزل لأوقات طويلة حيث يسمح له وضعه كشاب أن يتسكع مع شبان مثلك. أما أنا فقد حكم علي العيش بين أربعة جدران، أتخبط بين أطلال الذكريات الحزينة. منذ ثلاثة أعوام يا عوني، وحياتي تمضي بين المنزل والجامعة والمطبخ. صدقني، أنا لا أعلم أني ثرثارة، رعناء، وقحة كما تعتقد. كل ما أعرفه أن تلك الرحلة سمحت لشيء ما بداخلي أن يتحرك. شيء انطلق مع صوت أمواج البحر وتحليق النوارس والفضاء الأزرق اللامتناهي. هل تعتقد أنني لا أستحق ذلك؟

غمرتني التعاسة وأشفقت عليها حتى كدت أبكي. كنت على وشك مواساتها. "ليلة سعيدة"، قالتها فريدة وهي تخطو مبتعدة. منذ تلك اللحظة قررت أن لا أشاكس فريدة ولا أحبطها. الآن بدا لي جلياً، لماذا لاذ أحمد عبد الهادي كل تلك المدة. إنه يشعر بأخته، ما يؤلمها، ما ينغص عليها، وكيف انطلقت فجأة. لكزتني فريدة في كتفي وكانت الشمس لا تزال نائمة. "استيقظ يا عوني، إذا كانت لديك نية للوصول لمدينتك خلال مدة العشرة أيام التي حددتها!

نهضت بمكاني أرمق أحمد عبد الهادي الذي يفرك عينيه بامتعاض. تناولت قطعة بسكويت، التهمت نصفها وألقيت بالجزء المتبقي لفريدة. بادرة حسن نية. تلقفتها فريدة ولوحت لي. "شكراً! عندما تبتسم فريدة، هناك شيء غريب يحدث بوجهها. إنها لا تبتسم من خلال شفتيها فقط، عيونها تبتسم، خدودها تبتسم، جسدها يبتسم! حملت حقيبتي وسرت خلف أحمد عبد الهادي وتولت فريدة الطليعة. "لماذا أنت شارد يا صديقي؟ مذ الأمس وأنت لا تعجبني!؟

حدق بي أحمد بعينين تائهتين وأشار لفريدة التي تتقافز فوق بعض الصخور ببنطالها الأزرق الضيق. "فريدة يا عوني! " لم يطاوعني قلبي لتركها بالمنزل، وعندما بدأت رحلتنا شعرت بقدر الحماقة التي ارتكبتها في حقها. أنا وأنت يا عوني رجلان، أما هي فتاة. ماذا سيحدث إذا صادفتنا متاعب؟ أشكاليات." كان أحمد عبد الهادي يتحدث بنبرة صادقة منكسرة. "لن يحدث لها أي مكروه يا أحمد! توقف أحمد عبد الهادي بمكانه وأمسك بيدي بين كفيه.

"عاهدني يا عوني إذا أصابني مكروه أن تعتني بها ولا تسمح لأذى أن يصيبها! "أعاهدك يا صديقي، أعاهدك، لكن لا تقلق، لن يحدث أي مكروه إن شاء الله." كانت فريدة لاحظت تخلفنا عنها فتوقفت. "تحتاجون لاستراحة؟ " سألتنا. "شكراً يا قائدة"، أجبت وأنا ألوح لها.

مضت الشمس فوقنا ورحلت. كان علينا أن نبحث عن مكان ملائم لنقضي به ليلتنا. واصلنا السير بالظلام حتى وجدنا بقعة صلدة تسمح لنا بالنوم. التقت أجسادنا بالأرض ورحت في نوم عميق غير مبالٍ بتمتمات فريدة ولا ردود أحمد عبد الهادي المقتضبة عليها! كان الليل انتصف عندما شعرت بشيء يحتك بقدمي، يتباعد ثم يقترب مرة أخرى ليصطدم بها. حاولت أن أتمالك نفسي، كنت ميت من النوم، ولا رغبة لدي لفتح عيني!

لكن ذلك الشيء واصل احتكاكه بقدمي وغمرت المياه قدمي. انتصبت بمكاني بفزع! كيف تدحرجت كل تلك المسافة حتى وصلت حدود الماء؟ قدمي مبتلة تماماً. هناك بالظلام قرب مكاني لمحت جثة طافية تتقاذفها الأمواج قرب الشاطئ. لم أتمالك نفسي، صرخت وأنا أهرول تجاه فريدة وأحمد عبد الهادي. "استيقظوا، استيقظوا هناك جثة على الشاطئ! "ألا تملك عقلاً؟ " زعقت فريدة، "يا عوني، أيقظ صراخك حوريات البحر." رغم الصدمة، كانت فريدة هادئة ورزينة.

جذب أحمد عبد الهادي الجثة من ذراعها، انخلع في يده، ألقى بالذراع بلا مبالاة على الرمل وهو يتمتم بسباب.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...