تحميل رواية «ذلك هو قدري» PDF
بقلم موني عادل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تجلس وحيدة متألمة من فراق والدها الذي تركها لتعيش حياة قاسية. تناجي الله وتدعوه أن يلهمها الصبر على فراقه. فزعت عندما وجدت من يفتح الباب دون استئذان. دخلت زوجة أخيها كأنها عاصفة حلت على المكان. وقفت متخصرة تناظرها وتتحداها أن تعترض على طريقة دخولها. تنهدت ملاك وأشاحت ببصرها بعيدًا عنها، ثم تحدثت: "ألا تعرفين كيف تطرقين على الباب قبل الدخول؟ أليس لديك أدنى احترام لخصوصية غيرك؟" تحدثت غادة بنبرة مستهزئة: "المنزل منزلي، فلماذا قد أستأذن قبل الدخول؟ فأنتم تعيشون وتأكلون من خير زوجي." ابتلعت ملاك طعا...
رواية ذلك هو قدري الفصل الأول 1 - بقلم موني عادل
تجلس وحيدة متألمة من فراق والدها الذي تركها لتعيش حياة قاسية. تناجي الله وتدعوه أن يلهمها الصبر على فراقه.
فزعت عندما وجدت من يفتح الباب دون استئذان. دخلت زوجة أخيها كأنها عاصفة حلت على المكان. وقفت متخصرة تناظرها وتتحداها أن تعترض على طريقة دخولها.
تنهدت ملاك وأشاحت ببصرها بعيدًا عنها، ثم تحدثت:
"ألا تعرفين كيف تطرقين على الباب قبل الدخول؟ أليس لديك أدنى احترام لخصوصية غيرك؟"
تحدثت غادة بنبرة مستهزئة:
"المنزل منزلي، فلماذا قد أستأذن قبل الدخول؟ فأنتم تعيشون وتأكلون من خير زوجي."
ابتلعت ملاك طعامًا مرًا بحلقها. كم أرادت أن ترد عليها، ولكنها لا تريد أن تفتعل مشكلة فيغضب منها أخوها.
فتحدثت ملاك قائلة:
"لماذا أتيتِ؟ فأنتِ لم تأتي لتذكريني بأن أخي، وضع خط تحت كلمة أخي، هو من يتكفل بنا ويطعمنا. فأنتِ تذكريني دائمًا بتلك الكلمات، فلا أستطيع أن أنساها للحظة."
تحدثت غادة بحقد قائلة:
"أذكركِ لأنه لا يتوجب عليكِ نسيان ذلك. فلا يجب أن تنسي معروف أخيكِ تجاهكِ وتجاه هؤلاء. فقد أتيت لأخبركِ بأنني سيدة البيت لا خادمة. فإذا أردتِ تناول الطعام أنتِ وأخواتكِ، فعليكي بتجهيزه."
استدارت وتحركت مغادرة ذاهبة باتجاه غرفتها لتبقى بداخلها تهتم ببشرتها وتضع أقنعة التجميل التي اعتادت على وضعها، ولكنها لا تعي بأن الجمال الداخلي أعظم وأجمل بكثير من تلك المظاهر الخداعة.
ما أن غادرت تلك الحية، وقفت لتذهب باتجاه المطبخ وتبدأ بتجهيز الغداء. فما أن انتهت من عملها بالمطبخ، ذهبت لتري والدتها المريضة وتطمئن عليها.
طرقت على باب غرفة والدتها وفتحت الباب ودخلت. فوجدت والدتها جالسة على الفراش كعادتها. اقتربت منها وجلست بجوارها وتحدثت قائلة:
"كيف حالك اليوم يا أمي؟"
تحدثت والدتها وهي ممسكة بكف يدها بين كفيها:
"أنا بخير حبيبتي. هل تشاجرت غادة معكِ مجددًا؟"
أشاحت ملاك ببصرها بعيدًا عن والدتها وتحدثت قائلة:
"لا، لم نتصاوغ. كنا نتحدث فقط، ولكنكِ تعرفين كم صوتها مرتفع. فهي لا تريد أن يكون هناك صوت أعلى من صوتها. فليهدها الله."
تحدثت والدتها بنبرة حزينة قائلة:
"ادعوا لها كثيرًا من أجل معتز، فهو مغلوب على أمره."
صرت ملاك أسنانها بغضب وتحدثت قائلة:
"قلتِ مغلوب على أمره يا أمي؟ أرجوكي لا أريد التحدث في ذلك الأمر حتى لا تغضبي مني ككل مرة نتحدث فيها عن معتز وزوجته."
ربتت والدتها على كفها وقد ظهر الحزن على ملامحها، فتحدثت قائلة:
"حبيبتي، لا أريدكِ أن تغضبي من أخيكِ، فهو سيظل أخيكِ مهما حدث بينكما. فليس هناك رابط أقوى من رابط الأخوة."
تحدثت ملاك وقد ترقرقتا عيناها بالدموع:
"أنا أعرف، ولكنه لا يعرف ذلك ولا يقدر ذلك الرابط بيننا. فأبنكِ يا أمي لا يرى غير زوجته، يعيش من أجل إسعادها فقط. كم تصعب علي نفسي وأنا أراه يدافع عن زوجته ويقف في وجهي أو وجه إحدى أخواته من أجلها."
تحدثت زينب وهي تدافع عن معتز وتلقي باللوم كله على زوجته قائلة:
"تلك الفتاة خبيثة. فمنذ أن تزوجت من معتز، وقد قلبت حاله. فمعتز لم يكن ذلك الشخص الذي أصبح عليه أبدًا. فهو ولدي وفلذة كبدي، ويؤلمني قلبي عليه من تلك الحية. لا أعرف إلى أين سينتهي به الأمر. أدعو الله أن يكتشف نواياها الخبيثة في أسرع وقت قبل أن يتأذى أحد من سمها."
نظرت ملاك لوالدتها وتحدثت قائلة:
"أتمنى ذلك."
رفعت كف والدتها لتلثم قبلة عليه، فوجدت من يطرق على الباب. فدخل ليلقي عليهما التحية وجلس بجوارهما. وقد قرأ الانزعاج على ملامحهما، فتحدث قائلاً:
"ما الأمر؟ هل حدث شيء؟"
تحدثت والدته قائلة:
"لا، لم يحدث شيء. كنا نتحدث في أمور عادية."
نظر فارس لوالدته بشك، يشعر بأن هناك شيئًا تحاول إخفاءه. فبالطبع سبب المشكلة تلك الفتاة، فمنذ أن دخلت لبيتهم وهم لم ينعموا بيوم واحد في سلام.
فتحدثت والدته لتنتشله من شروده قائلة:
"اذهب وغير ملابسك، وستكون ملاك جهزت لك الطعام."
أومأ لها وتحرك ليخرج من الغرفة. فذهب ليغتسل ويبدل ملابسه.
بعد قليل، كان جالسًا على طاولة الطعام يتناول طعامه بمفرده. فاليوم قد أتى مبكرًا. جلس بمفرده ينظر لمقاعد الطاولة الفارغة وقد سدت شهيته، فلم يستطع تناول الطعام بمفرده. تخيل بأن ملاك ووالدته سيتناولان الطعام معه، ولكن والدته أخبرته بأنها ليس لديها شهية، وملاك تعلت بأنها ستنتظر أخواتها. فمي في جامعتها ما زالت لديها محاضرات ولم تأتِ، ونور ونوران لم يأتيا بعد من مدرستهما الثانوية، ومعتز بعمله فهو يأتي بوقت متأخر.
وجد من تجلس أمامه تتفرسه بنظراتها. فلم يعرها أي اهتمام وأبعد بصره بعيدًا عنها. فتحدثت وهي تذرف الدموع قائلة:
"فارس، لمَ تعاملني بتلك الطريقة؟ فما لَكَ لا تأخذني كأخت لك؟ صدقني، إذا كنت أتشاجر مع أخواتك، فذلك ليس خطئي بمفردي، فهم أيضًا يخطئون بحقي. وإذا كان معتز يساندني أو يقف بصفي، فذلك ليس خطئي أيضًا، بل هو خطأ أخيك، فأنا لم أطلب منه ذلك."
نظر إليها يرمقها بغضب. وقد اشتعلت عيناها، فهي تجلس أمامه بكل راحة وتدافع عن نفسها وتلقي باللوم على زوجها لأنه يقف في صفها. استقام واقفًا من مقعده وتحدث قائلاً:
"صدقتكِ. أنا هكذا أمحو تلك الدموع. فأنا لست معتز لأصدقكِ ما أن أرى دموع التماسيح تلك. ولآخر مرة سأطلب منكِ أن تبتعدي عن أخواتي وأن تتركي ملاك وشأنها."
نزلت دموع عيناها بكثرة أمامه لتستعطفه، ولكنه تجاهلها وتحرك ليذهب. فما أن استدار ليذهب، رفعت يدها لتمحو دموع التماسيح تلك، وابتسامة خبيثة تعلو شفتيها.
في مكان آخر، قبل عدة ساعات، في شركة سليم قاسم. دخل للشركة بهيبته المعهودة، فتسلطت أنظار الجميع عليه. فهناك من ينظر إليه بعشق خالص، وهناك أيضًا من ينظر إليه بحقد واضح. فهو يمتلك تلك المجموعة بمفرده دون شريك، مما يولد له الأعداء.
وصل لمكتبه، فاستقبلته سكرتيرته بإبتسامة لعوبة وهي تلقي عليه التحية. فابتسم سليم ورد عليها تحيتها، فهو يعلم ما تريده تلك الفتاة، فنواياها ظاهرة وواضحة. يعلم بأنها تعشق المال وتريد التقرب منه من أجل ثروته، وهو لا يمانع ذلك. فإذا كانت تريد المال، فلتأخذه وليستمتع قليلًا.
طلب منها أن تحضر قهوته ودخل إلى غرفة مكتبه وجلس على مقعده. فرجع برأسه على المقعد يرمقها بنظراته المستمتعة وهي تقترب منه تتمايل في مشيتها تحمل قهوته، فتميل لتضعها على المكتب أمامه. فاقترب منها مبتسمًا بخبث، فتبادله تلك الابتسامة، فكل منهم يفهم نوايا الآخر.
في الجامعة، كانت مي جالسة تتحدث مع صديقتها وتخبرها بأنها لم تستطع الذهاب لتلك الرحلة. ولكن صديقتها أصرت عليها وبقيت تحاول معها لتجعلها توافق وتقنعها بالسفر معها.
فتحدثت مي قائلة:
"أفهميني يا فتاة، لا أستطيع أن أطلب من معتز شيئًا، وليس لدي الجرأة لأخبره بأنني أريد الترفيه والذهاب لرحلة. سيغضب ويفقد أعصابه، وستنتهز زوجته تلك الفرصة لتعصيه أكثر، وأنا لا أريد ذلك. اتركيني أعيش في سلام وأكمل تعليمي بدل أن يحقق تهديده ويمنعني من إكمال دراستي. فأنتِ لا تعرفين ما ألقاه منه ومن زوجته لأكمل تعليمي فقط."
ربتت صديقتها على كتفها قائلة:
"أعلم حبيبتي. فليكن الله في عونك وينصرك على زوجة أخيكِ تلك. فإذا كنتِ لن تذهبي، فلن أذهب أنا أيضًا، سأبقى معكِ هنا."
تقربت منها صديقتها فتعلقت بمرفقها تحتضنه وهي تنظر إليها بنظرات محبة. فما أجمل أن تجد صديقًا وفيًا يقف بجوارك في وقتك السوء.
أومأت لها وجلست تنظر للجميع من حولها، ترى مظاهر الغنى ظاهرة عليهم. فكم تكره هؤلاء الأثرياء المدللين، فهم لا يخشون شيئًا وكل طلباتهم أوامر، فلم يعانوا يومًا ولم يتحكم بهم أحد، فهم ولدوا وفي أفواههم ملعقة من ذهب.
قطع شرودها صديقتها وهي تخبرها بأنهم تأخروا وعليهم بالمغادرة. فوقفت هي وصديقتها ليغادر كل منهم لبيته، فقد انتهت محاضراتهما.
كان في غرفته يتحدث معها على الهاتف، فلم تأتِ اليوم للجامعة، فهي زميلته وحبيبته، فمنذ أن دخل للجامعة ورآها وقد وقع في حبها. فتحدث بصوت جامد قائلاً:
"لمَ لم تأتي اليوم؟"
أجابته زينة وهي تستمتع بالحديث معه قائلة:
"هل افتقدتني؟"
ضحك فارس واضعًا أصابعه في شعره وتحدث قائلاً:
"أبدًا. وأنتِ؟"
ابتسمت قائلة:
"لم تخطر ببالي حتى."
رفع حاجبًا واحدًا مستمتعًا بالحديث معها، ثم انفجر في الضحك عليها. فأين ذهب كلام العشاق. ظل يتحدث معها كثيرًا ولم ينتبه للوقت. فنظر لساعته بالصدفة فرأى بأن الوقت قد مر معها وكأنها دقائق معدودة. فأنهى المكالمة سريعًا، فعليه أن يخرج ليقابل صديقًا قديمًا له وقد تأخر عليه.
في البيت المجاور لبيت الشيخ عبد الله، كانت فتاة تقف في شرفة المنزل تترقب أن تراه صدفة لتملأ عينيها من رؤيته. فهو حب حياتها، تنام وتصحو تحلم بفارس. فترسم أحلام اليقظة معه، فتتخيل نفسها زوجته تعيش في بيته.
لمحته يخرج من البيت ويمشي بخطوات مسرعة. فنادت عليه بصوت هادئ يكاد يسمع. فنظر من حوله فلم يجد أحدًا. فتحدثت قائلة:
"انظر هنا، أنا بالشرفة."
رفع رأسه ونظر إليها لتتسمر مكانها تبادله النظرات. فكم حلمت بتلك اللحظة التي سيقف فيها بتلك الطريقة، يتمنى أن يراها. وما أن تظهر يغازلها ويغني لها، فيتسلق تلك الشرفة ليتعرف بحبه على طريقة روميو وجولييت.
خرجت من شرودها فوجدته يحدثها بجمود قائلاً:
"ما الأمر؟ هل تريدين شيئًا يا ليال؟"
ارتبكت ليال فلا تجد شيئًا تقوله. أتقول بأنها نادت عليه لتراه فقط ويقف يحدثها قليلًا؟ حاولت أن تبدو طبيعية، فقالت أول شيء خطر على بالها:
"أريد منك خدمة، إذا كنت لا تمانع."
تحدث قائلاً:
"قولي ما تريدينه، فبالطبع إذا كنت أستطيع أن ألبيها لكِ، فلن أتأخر."
قالت ليال بنبرة شبه متوسلة:
"أريدك أن تساعدني في دراستي، فأنا لا أستوعب شيئًا مما أدرسه. ووالدي يرفض أن أذهب وأطلب المساعدة من أي أحد، فهل ساعدتني؟"
أجابها قائلاً:
"ولماذا سيوافق والدي على أن أساعدكِ إذا كان يرفض ذلك من قبل؟ فلماذا سيوافق الآن؟"
تحدثت بثقة:
"سيوافق عندما يعرف بأنك أنت من ستساعدني في دراستي، فأنت تعلم كم يحبك ويقدرك."
تحدث وهو على عجلة من أمره قائلاً:
"حسنًا، أخبري والدكِ، وإذا وافق ليس لدي مانع بمساعدتك. سأذهب الآن، ولكن لا تكرريها مجددًا وتنادي على أحد وتقفي تتحدثي معه. لقد نبهتكِ، في المرة القادمة سأغضب منكِ حقًا ولن أحدثكِ مجددًا."
أخبرها بموافقته وتركها ليرحل سريعًا، بينما ظلت هي تنظر في أسره حتى اختفى طيفه من أمامها.
كان هناك من يقف ويشاهد ذلك، وقد التقط لهما عدة صور وهما يتحدثان ويبتسمان لبعضهما البعض، فإذا رأى أحد تلك الصور صدق بأنهم عاشقان. أمسك الهاتف بين كفيه يضغط عليه بغل وحقد واضح، وهو يتوعد فارس بأن لكل شيء وقته المناسب، ووقت تلك الصور لم يحن بعد.
عاد للمنزل في وقت متأخر من الليل، كان الوقت قد تعدى الواحدة ليلًا عندما دخل البيت. كانت الأضواء مغلقة والظلام شديد، فيبدو أن الجميع نيام. نزع سترته بإرهاق واتجه فاتحًا الضوء، فوجد من يجلس على الأريكة ينظر إليه.
فتحدث بهدوء جعله يظن بأن معتز قلق عليه قائلاً:
"أين كنت حتى الآن؟ ولما لم تخبرني بأنك ستتأخر؟"
أجابه بنبرة غير مبالية:
"ولماذا قد أخبرك؟ هل قلقت عليّ؟ أشك في ذلك، فأنا لم أعد طفلًا لأخذ منك إذنًا."
استدار ليتركه ويرحل، فأوقفه كف معتز وهو
رواية ذلك هو قدري الفصل الثاني 2 - بقلم موني عادل
فارس عبدالله شاب طيب، جاد وصارم بعض الشيء، حنون جدًا على أخواته ويكرس حياته من أجلهن. يتميز بعينين عسليتين وشعر أسود، وبشرة قمحية، ولحية خفيفة تزيد من وسامته، وجسد رياضي طويل القامة.
كان يجلس في غرفته يذاكر دروسه، فسمع صوت شجار مرتفع بالخارج. ترك مقعده وهو يهمس لنفسه: "لا، ليس مجددًا. ألا يمر يوم علينا في سلام دون شجار؟ الجيران تشتكي من أصواتنا."
فتح باب غرفته ووقف يستمع لما يحدث، لعله يفهم سبب ذلك. وجد أخاه الأكبر جالسًا بكل أريحية على الأريكة، وكأن شيئًا لم يحدث. نظر إليه يرجوه أن يتدخل، ولكن الآخر أشاح ببصره بعيدًا عنه.
تحرك من مكانه بضعة خطوات ووقف يسحبها من معصمها، وهي تأبى وترفض أن تتحرك معه. فتحدثت الأخرى قائلة: "انظري إلي واعرفي مع من تتحدثين أيتها العانس، فأنا سيدتك وتاج رأسك."
استدار ونظر إليها بغضب، يتمنى لو يطلق العنان لنفسه ليُشبعها ضربًا، فلا يستطيع أن يخلصها أحد من بين يديه. نظر باتجاه أخيه الجالس على الأريكة ممسكًا بهاتفه يلعب لعبة ما عليه، ولم يعر الأمر اهتمامًا، كأنه لم يستمع لزوجته وهي تؤنب أخته وتعيرها بأنها عانس. لا يعرف لما تغير أخوه بتلك الطريقة منذ أن تزوج، فلم يرَ غير زوجته ولم يستمع لأحد غيرها.
سحب أخته من معصمها وأدخلها لغرفته، ثم أغلق الباب خلفه واستدار إليها. رأى دموع عينيها المتساقطة بغزارة على وجنتيها. فرفع كف يده وأخذ يمسح دموعها، ولكنها لم تتوقف عن البكاء. فاحتضن رأسها بين كفيه، وقد امتلأت عيناه بالدموع على حال أخته وحبيبة قلبه. فحاول أن يتماسك أكثر وتحدث قائلًا: "لا تبكي، يجب عليكِ أن تكوني أقوى من ذلك، وكوني على يقين بأنكِ أجمل فتاة رأتها عيني، وأن الله سيعوضكِ بشيء جميل يبكيكِ فرحًا. فلا تعيري كلامها أي اهتمام."
تحدثت من بين أسنانها ودموعها تمحو الرؤية من أمامها: "ولكني لم أفعل لها شيئًا، صدقني، بل هي من تريد أن تتشاجر معي دائمًا لتسمعني تلك الكلمات التي تمزقني من داخلي. ألم تعلم بأن الزواج نصيب ومنحة من الله يمنحها لمن يريد، فلم يأتِ النصيب بعد؟"
تحدث بغصة في حلقه قائلًا: "أعلم حبيبتي، أعلم بأنها هي من تفتعل الشجار، فهي تريد ذلك وما يشجعها صمت معتز الدائم على كل أفعالها. ولكني سأتحدث معه ليبعد زوجته ويضع لها حدًا، فأنا لا أريد أن أرى ملاكي حزينًا."
ابتسمت له من بين دموعها. فما أجمل أن يكون لديك شخص يحبك ويخاف عليك، يحسسك باهتمامه وأنه موجود لأجلك، حتى ولو كان ذلك الشخص ليس الحبيب الذي تنتظره، بل هي سمة أعظم من ذلك، فهو أخوها وحبيبها.
تركها وخرج من غرفته ليتحدث مع معتز ليوقف زوجته ويضع لها حدًا، لتبتعد عن أخواته البنات وتكف عن الشجار معهم. فلما هو صامت دائمًا ويكتفي بأن يكون في موضع المتفرج؟ لو كانت تلك زوجته هو، لاوقفها عند حدها لتعرف كيف تتحدث مع أخواته. واليوم كان يتوجب عليه أن يُلقنها درسًا ويصفعها عدة صفعات على ما تفوهت به في حق أخته. فيجب عليه أن يعززهم ويرفع من شأنهم، لا أن يدوس عليهم وعلى كرامتهم ويتركهم لزوجته توبخهم وتعيرهم بما ليس فيهما.
وقف أمام أخيه الذي لم يبرح مكانه، فما زال جالسًا على تلك الأريكة ممسكًا بهاتفه. فتحدث فارس قائلًا: "معتز، أريد التحدث معك قليلًا. هل تركت الهاتف لنتحدث؟"
لم ينظر إليه، فلم يعره أي انتباه، وكأنه لم يتحدث من الأساس. فضغط على أسنانه بغضب وتحدث من بينها قائلًا: "معتز."
تحدث معتز بصوت مرتفع قائلًا: "ما الأمر؟ فل تتحدث، قل ما لديك أو انصرف واتركني."
وقف يفكر، يريد الانصراف فالحديث معه لا يجدي نفعًا، ولكن قد قرر أن يواجهه، يتحدث معه، فلن يصمت بعد اليوم على أفعال تلك الزوجة. فتحدث قائلًا: "معتز، كرامة أخواتي من كرامتي، فلا يجب على زوجتك التحدث بتلك الطريقة معهما ومعايرتهما بما ليس بهما. فأبناء الشيخ عبدالله، رحمه الله عليه، لديهم عزة نفس لا تُكسر ولا تُقهر. ولكن زوجتك تتعمد أن تكسر أخواتي وتطلق عليهن ألقابًا مثل العانس التي لقبت بها أختك، وأنت جالس في محلك ولم تعر الأمر اهتمامًا، وكأن من تُؤنب ليست أختك ولا يعنيك أمرها ولا بما تشعر به من حديث زوجتك."
وضع هاتفه بجواره واستدار ينظر إليه بغضب، ثم وقف وتحدث بصوت مرتفع خرج على صداه من بالمنزل جميعًا ليستمعوا إليه، فقال: "أتُحاسبني؟ تكلم، أتحاسب أخيك الأكبر؟ وعلى ماذا؟ على كلمة قالتها زوجتي؟ وما هي إلا حقيقة. هل أخطأت بنعتها بالعانس؟ أليست كذلك؟ لقد أكملت التاسعة والعشرين ولم تتزوج، بل لم تخطب حتى الآن. وتريد مني أن أتشاجر مع زوجتي من كلمة حق قالتها؟ إذا كنت تريد محاسبتي، فحاسبني على ما أجنيه ولم أنتفع به، فأنا أنفق كل أموالي عليكم وعلى تعليمكم. إذا كانت أختك قد تزوجت من ابن خالتك لكنت ارتحت من عبئها ولكان خف الحمل عني قليلًا. فلتسمعني جيدًا، أنا لا أريد التحدث في ذلك الأمر مجددًا، فمن يريد التحدث معي يعمل أولًا ويجني قوت يومه، ثم يأتي ليحدثني ويقف أمامي يحاسبني."
تحدث فارس أيضًا بصوت مرتفع، فكم أغضبه حديثه بتلك الطريقة عن أخواته، فقال: "أكنت تريدها أن تتزوج من ابن خالتك وتكون زوجة ثانية ليخف الحمل عنك؟ تريد رميها لأي كان ليخف العبء عليكي، يا حسرة على أخي الأكبر. لقد تغير وأعماه حبه للمال ليغلق عينيه عن واجباته تجاه أخواته، ويقف يعايرهم بما يفعله من أجلهم، بل ويطالبهم بجني قوت يومهم. شكرًا لك يا أخي على ما تقدمه من أجلي ومن أجل أخواتك."
تحدث معتز قائلًا: "اصمت، فأنا لا أريد فلسفة فارغة. اترك تعليمك وتكفل بأخواتك، فأنا لم يعد بإستطاعتي تحمل كل شيء بمفردي. سأسافر بعد شهرين أنا وزوجتي، فقد وجدت فرصة عمل أفضل في دولة أخرى وسأسافر وأحظى بها. لم أكن أريد أن أخبرك بتلك الطريقة، ولكنك من أصررت على التحدث، فلتتحمل عبء أخواتك بعد مرور تلك المدة. فسأكون كريمًا معكم وأنفق عليكم حتى سفري."
أنهى حديثه، ينظر إليه بنظرة مستهزئة وابتسامة مستفزة ترتسم على محياه. ثم ربّت على كتفه وتحدث قائلًا: "أرني همتك يا بطل."
تحرك من مكانه مغادرًا ليذهب لغرفته، تاركًا فارس خلفه ضائعًا وتائهًا. فلم يتخيل بأن أخاه قد يفعل ذلك. هل تلك المعاملة قد تخرج من أبناء الشيوخ؟ فقد ربّاه والده وعلمه على كتاب الله وسنة رسوله، فكيف ينسى ذلك؟ كيف ينسى ما نشأ عليه وزرعه والده بداخله.
وجد والدته واقفة تنظر إليه، فلا تعرف بما تتحدث في تلك اللحظة. أعلى عليها أن تواسيه وتسيء لمعتز وما قاله في حق أخواته؟ فحبه لزوجته ولنفسه قد أعماه. فرفع بكف يده على وجهه يمسح عليه وهو يهمس قائلًا: "يا الله، تلطف بحالي وساعدني لأحافظ على أخواتي البنات."
تحرك من مكانه ليذهب لوالدته ويتحدث معها، فكم يشعر بالحزن والشفقة عليها مما سمعته من ابنها الأكبر. وقف أمامها واحتضنها ليتحدث قائلًا: "لا تقلقي يا أمي، سيكون كل شيء على خير."
تحدثت والدته بحدقتين مترقرتين بالدموع: "كيف سيكون كل شيء على خير، وابني يريد السفر بزوجته ورمي مسؤوليته تجاه أخواته عرض الحائط؟ فكيف يمكنك الاهتمام بأربع فتيات ووالدتهم وأنت مازلت تدرس؟ لا، ابتعد عن طريقي، سأذهب وأتحدث معه، لعله ينسى ذلك القرار."
تحدث فارس بهدوء قائلًا: "أمي، اتركيه، لن يسمع لكِ وسيحرجك. اتركيه يفعل ما يراه صائبًا من وجهة نظره، سيأتي عليه وقت ويعترف بخطئه. ولحين وقت سفره، سأكون قد انتهيت من امتحاناتي وسأعمل، فلا تقلقي."
أجابته والدته قائلة: "ومن سيسمح لشاب ما زال متخرجًا جديدًا أن يعمل لديه؟ لن تجد عملًا جيدًا وستتعب يا ولدي."
مال على كف يدها يلثمها بقبلة، وقد هربت دمعة وحيدة من جانب عينيه فمحاها سريعًا قبل أن تسقط وتراها والدته. فتحدث قائلًا: "لا تقلقي، فذلك هو قدري."
كانت مستلقية على الفراش تبكي وتبكي حتى تورمت عيناها. لا تتخيل بأن أخيها وسندها في الحياة هو من يعايرها ويلقبها بالعانس، بل يريد التخلص منها. أين ذهب رابط الأخوة؟ أين ذهب حنان الأخ على أخته؟ أليس هو في مكانة الأب؟
فتح باب الغرفة فدخلت أختها وشريكتها في الغرفة. فنظرت لأختها بحزن وغضب على حالها. فلما تستمع لهما وتبقى صامتة؟ لما تسمح لهما بالتدخل في شؤونها ونعتها بتلك الكلمة؟ فهي هادئة ومتنازلة عن أبسط حقوقها وهو الدفاع عن نفسها.
فجلست بجوارها وتحدثت قائلة: "أفيقي يا فتاة وكفي بكاءً، فليس معتز من يجعلك تبكين، فجميعنا نعلم بأنه شخص أناني لا يحب أحدًا. ملاك، أفيقي حبيبتي ولا تتنازلي عن حقك في الدفاع عن نفسك."
تحدثت من بين دموعها قائلة: "ولكنه سيسافر ويلقي بكل شيء خلف ظهره، وفارس ما زال صغيرًا على تحمل ذلك."
تحدثت مي قائلة: "أليس فارس أخي ومعتز كذلك؟ ولكني أقول لكِ بأن فارس سيتحمل ويصمد أمام كل ما سيمر به، فلا تقلقي عليه، فنحن معه ونسانده."
تركت ملاك متسطحة على الفراش كما هي، واستدارت ممسكة بهاتفها وحدثت صديقتها تخبرها بما حدث بين معتز وفارس وأنها تريد مساعدتها لتجد عملاً لها. أملت عليها صديقتها سارة عنوانًا وأخبرتها أن تذهب إليه. شكرتها مي وأغلقت معها المكالمة، واستدارت لتجد ملاك جالسة على الفراش تنظر إليها بصدمة، وكأنها ارتكبت فعلاً شنيعًا. فتحدثت ملاك بوجه مكفهر: "أجننتِ؟ تريدين العمل وترك دراستك؟ لن يوافق فارس وأنا لن أوافقكِ في جنونك هذا."
تحدثت مي بنبرة واثقة: "من قال بأنني سأترك دراستي؟ سأعمل وأدرس في ذات الوقت."
تحدثت ملاك بغضب وقد خرج صوتها عاليًا بعض الشيء: "ولكنك ستهملين دراستك ولن تستطيعي التوفيق بينهما."
أجابتها مي بهدوء: "لا تقلقي من تلك الناحية، ولكن فكري معي، كيف سنقنع فارس ونجعله يوافق؟"
رواية ذلك هو قدري الفصل الثالث 3 - بقلم موني عادل
الحياة القاسية لا ترحم أحدا، سواء كان كبيرا أو صغيرا، فجميعنا متساوون في نظر القدر. أحيانا يقدر لنا عيش أيام سعيدة وهانئة مليئة بالحب والسعادة، وأحيانا يقدر لنا عيش أيام قاسية، تعيسة ومؤلمة، مليئة بالظلم والكراهية.
وصلت أمام تلك الشركة التي أعطتها لها صديقتها عنوانها، وقالت بأنه يوجد مقابلات لاختيار سكرتيرة لمكتب المدير. فتوقفت أمامها وهي تطالعها بدهشة، وتنهدت بخوف، فتلك الأشياء جديدة عليها، وذلك العالم لم تتعامل معه من قبل.
تحركت من مكانها وذهبت لتدخل للشركة. ظلت تنظر حولها بتعجب، فكانت شركة كبيرة. نظرت للجميع من حولها فوجدت الكل منكب على عمله، فلم يرفع أحد منهم وجهه عن حاسوبه.
وصلت أمام السكرتيرة لتخبرها عن من تكون وسبب وجودها هنا. تركتها الفتاة وذهبت لتخبر المدير وتستأذنه إذا ما كانت تدخلها أم لا. ما أن تحركت تلك الفتاة، تنفست بارتياح ووقفت تنتظر الإذن بالدخول.
وجدتها تفتح باب غرفة مكتب المدير وتقف تشير لها بالدخول. للحظة خافت وتوترت وشعرت بأن قدميها قد ثُبّتت في مكانها، فلا تستطيع التحرك. شجعت نفسها بأن ذلك هو الأفضل لها ولأخواتها، فعليها التحرك واقتناص تلك الفرصة.
كانت ترتدي ملابس أنيقة تتفاوت بين الرقي والبساطة في ذات الوقت. أومأت للسكرتيرة بالإيجاب وأخذت نفسًا قويًا تملئ به رئتيها، ثم أخرجته بهدوء، وقد رسمت على ملامحها ثقة لا تعلم من أين أتتها.
دَلَفت لداخل الغرفة واستدارت بفزع تنظر برعب للباب الذي أغلقته تلك الفتاة. هدأت من روعها واستدارت لتجد عينين مُصلّتتين عليها. فأكملت سيرها بهدوء، وقد ارتاح قلبها وهي تجد ذلك الشخص رجلًا كبيرًا في السن، يظهر على وجهه الوقار والاحترام. فأشار إليها أن تجلس.
جلست على المقعد أمامه، وقد عادت لها ثقتها بنفسها. وأخذت تتحدث وتعرفه عن نفسها قائلة:
"مرحباً سيدي، أدعى مي عبدالله، وما زلت أدرس في كلية التجارة، ولكني أحتاج للعمل. وقد أخبرتني صديقتي عن تلك الوظيفة. كل المعلومات الخاصة بي موجودة في ذلك الملف."
وضعت الملف الخاص بها أمامه تنتظر إجابته. فـتأخر ولم تسمع منه كلمة واحدة. فأشبكت أصابعها في بعضها البعض وقد توترت من نظراته وجديته المرسومة على وجهه.
وجدته يقف ويدور حول مكتبه، فـتابعته ببصرها. وجدته يجلس مقابلًا لها وتحدث قائلاً:
"حسنًا، أنا موافق. يمكنك البدء منذ الغد."
نظرت له بإمتنان، وقد أخبرتها بأن تلك السكرتيرة التي بالخارج ستخبرها ما المطلوب منها وتعلمها كل شيء. فوقفت عن مقعدها وشكرته، ثم تحركت وخرجت.
ما أن خرجت، حتي أمسك بهاتفه وتحدث قائلاً:
"تلك الفتاة التي أخبرتني عنها قد أتت، وقد وافقت على أن تعمل لدي."
أجابته قائلة:
"شكراً لك يا عمي، لا أعرف كيف أشكرك حقاً."
تحدث عمها بنبرة حانية:
"لا تشكريني حبيبتي، أنا حقاً أحتاج سكرتيرة جديدة، وقد رأيت بأن تلك الفتاة أصلح من يكون لتلك الوظيفة."
ما أن خرجت من الشركة، فوجدت مقعدًا في حديقة الشركة، جلست عليه وأخذت ترسم آلاف السيناريوهات لكيف ستخبر أخاها عن عملها، وهل سيوافق أم لا. ولكنها ستفعل المستحيل ليوافق. لن تترك عملًا في مكان كهذا.
تذكرت عندما كانت تشتكي لصديقتها سارة عما حدث بين أخواتها، وأنها ترغب في العمل وستبحث عن عمل منذ الغد. فأخبرتها بأن شركة عمها لديها وظائف خالية، وقد أعطتها العنوان وأخبرتها أن تذهب اليوم. وها هي قد ذهبت وتم قبولها.
كانت ملاك جالسة هي ووالدته والتؤام غير المتشابه نور ونوران يتحدثان في أمور شتى، يحاولون تدبير أمورهم بعد سفر معتز.
في تلك الأثناء، وصلت مي للبيت، فألقت بالسلام ودخلت لغرفتها مباشرة وأرتمت على الفراش.
وجدت باب الغرفة يفتح وملاك تقف تحتضن ذراعيها، فقالت:
"ماذا قررتِ بشأن العمل، وكيف ستخبرين فارس؟"
تحدثت مي بلامبالاة:
"لا تقلقي من ناحية فارس، سيوافق عندما يعرف أين سأعمل."
أضافت ملاك بنبرة تهديد:
"اعلمي جيدًا أنني لست مقتنعة بما تقدمين عليه، ولا تلوميني لاحقًا بأنني لم أحذرك."
تحدثت مي بهدوء:
"لا تقلقي، فلن ألوم أحدًا."
نظرت للساعة المعلقة أمامها على الحائط، فقد تأخر الوقت ولم يعد حتى الآن. خرج منذ الصباح ليبحث عن عمل، فقضى يومه كله بالخارج. سمعت صوت المفتاح بالباب، فنظرت باتجاه باب المنزل، وجدت فارس يدخل للمنزل بأكتاف منهزمة. تحرك وأغلق الباب خلفه وتحدث قائلاً:
"مساء الخير، لمَ أنتِ مستيقظة حتى الآن؟ ألا يوجد لديكِ محاضرات غدًا؟"
أجابته وقد توترت وشعرت بالخوف من رفضه لفكرة عملها قائلة:
"مساء الخير، فارس أريد التحدث معك قليلاً."
جلس على الأريكة وأشار إليها بأن تأتي وتجلس بجواره. جلست بجواره، فـتقدم بجسده للأمام متكئًا بمرفقيه على ركبتيه ليشكل قبضة بكفيه، ثم نظر لها بطرف عينه وتحدث قائلاً:
"تبدين متوترة وخائفة، قولي ما لديكِ."
ازدردت ريقها والخوف يكاد يقتلها، فشجعت نفسها بأن عليها أن تخبره وتقنعه حتى تستطيع الذهاب غدًا. فقالت بتوجس:
"لقد وجدت عملاً، وعلي البدء من الغد."
نظر إليها بغضب وعدم تصديق في ذات الوقت، فقال:
"ماذا قلتي؟ أعيدي ما قلتيه الآن."
مالت بجسدها للأمام تستند بمرفقيها على ركبتيها تنظر لوجهه عن قرب وأجابته قائلة:
"أرجوك وافق، فأنت تعلم بأننا بحاجة للمال."
صر أسنانه بغضب وتحدث قائلاً:
"قلتي بحاجة للمال، وهل عليكِ أنتِ أن تعملي وتأتي بالمال؟ لا، فأنا لن أوافق. ستكملين دراستك ولن تفكري في العمل مجددًا."
تحدثت تحاول إقناعه قائلة:
"أخي..."
قاطعها وقد وقف ليذهب لغرفته قائلاً:
"انتهى الحديث في ذاك الأمر، تصبحين على خير."
ما أن دخل لغرفته، وجد ملاك تجلس على مكتبه تقرأ كتابًا في علم النفس عن قوة التحكم في الذات. توجه إليها ونظر لما تقرأه، فهو يعرف كم تحب ملاك القراءة وكم تحب أن تجلس بغرفته وتحظى ببعض الخصوصية، فتستعير أحد كتبه لتقرأها. فألقى التحية عليها، ثم استلقى على الفراش ينظر لسقف الغرفة، فرفع ذراعيه ووضعها على عينيه لتحجب عنه الرؤية.
بينما ملاك، ما أن رأت الباب يفتح ويدخل فارس للغرفة، رفعت تلك النظارة عن عينيها التي تضعها ما أن تقرأ، وأغلقت صفحات ذلك الكتاب. فوقفت عن المقعد وذهبت باتجاهه وتحدثت قائلة:
"ما بك؟ هل تحدثت معك مي؟ كانت تنتظرك، ومظهرك هذا يخبرني بأنها تحدثت معك."
رفع ذراعيه عن عينيه ونظر إليها نظرة مميتة وتحدث قائلاً:
"هل كنتِ تعلمين أنها تريد العمل ولم تخبريني؟"
أجابته ملاك قائلة:
"سمعتها بالصدفة وهي تتحدث مع صديقتها بالأمس."
تحدث فارس بحزم قائلاً:
"حسنًا، لقد أخبرتها بألا تفكر في ذلك الأمر، فليس عليها العمل وجني المال، عليها فقط أن تفكر في دراستها وأن تبقى محافظة على معدلها الجامعي لتكون معيدة كما تريد."
تحدثت ملاك وهي تحاول إقناعه:
"فارس، وافق، أرجوك، فهي ستعمل في شركة معروفة. إذا أردت أن تسأل عليها وعلى سمعة أصحابها، فافعل ذلك، ولا تتحجج بدراستها، فالسنة الدراسية على وشك الانتهاء."
أجابها قائلاً:
"هناك جوانب أخرى للأمور تجعلني أرفض. وعليها التفكير بها، وإذا وافقت، هل سيوافق معتز؟ بالطبع لا."
رفعت رأسها وقالت بلامبالاة قائلة:
"أنتِ آخر من يتحدث عن التفكير في جوانب الأمور، فأنت ستفعل المثل، ومعتز لن يرفض، فلا تقلق من تلك الناحية. هل أخبرها بموافقتك؟"
أشاح ببصره بعيدًا عنها وتنهد بصوت مرتفع. لا يعرف ما عليه فعله، يقلق عليها من الحياة العملية والاختلاط ليس أكثر. حسنًا، سيتركها تجرب العمل. هل تتخيل بأن العمل لفتاة مثلها أمر سهل؟ بالطبع لا. ستجرب وترى بنفسها.
تحدثت ملاك وهي فرحة من موافقته، حتى ولو لم ينطقها، يكفي بأنها قرأتها في عينيه قائلة:
"سكوتك علامة على موافقتك، سأذهب وأخبرها بأنك موافق."
قبلته على وجنتيه قبلة سريعة وذهبت مسرعة لتخبر مي بموافقته. بينما شرد هو يفكر فيما هو قادم. شعر بألم في قدمه وجسده منهك من السير على قدميه طوال اليوم. ظل يبحث عن عمل إلى أن وجد عملاً في ورشة لأعمال الخشب والأرابيسك، فوافق ليعمل لديهم من أول الأسبوع القادم.
كانت واقفة في الشرفة في ذلك الوقت المتأخر من الليل، تضع شالاً عليها فالبرد قارص. كانت واقفة تنظر للبيت المجاور ولغرفته بالتحديد، لعله يفتح الشرفة وترى ولو لثانية واحدة. فمنذ أن أخبرته أن يساعدها في دراستها وتحججت بتلك الحجة لترآه دائمًا فقط. فأخبرت والدها وقد وافق، ولكنها لم تره مجددًا. لتخبره بموافقته، قررت أن تذهب في الصباح إلى بيته لتخبره. فتنهدت ورفعت بصرها تنظر للقمر، تضع يدها على قلبها تهدئ من روعه، وأخذت تهمس لنفسها قائلة: يا قمر بعيد المنال، صبراً، فليس عند الله محال.
استدارت لتدخل وتغلق باب الشرفة خلفها. فجلست على فراشها وأخرجت وردة حمراء مجففة من بين كتبها، تنظر إليها بحب وتشتم رائحتها. فقد أمحى الزمن رائحتها، ولكنها مازالت تحتفظ بها، وكلما أخرجتها تشتمها وتضع عليها عطرًا لتبقى ذات رائحة.
في الصباح، كانت جالسة تقرض في أصابعها وتهز قدميها. فوجدت معتز قد بدل ملابسه وجهز نفسه ليذهب لعمله، فتحدثت قائلة:
"أحتاج المال، فأنا سأخرج اليوم."
أخرج حافظة نقوده وأخرج المال منها ليعطيه لها، ولكنها مدت يدها واختطفتها منه لتأخذ ما تريده، ثم مدت يدها إليه بحافظة نقوده. نظر إليها برعب، أراد أن يخبرها بأن ذلك كثير، ولكنه منع نفسه، فلا يريد إغضابها. أخذها منها وأستدار ليذهب.
ما أن استدار، حتى نظرت لما بين يديها بإبتسامة واسعة. فتحركت وذهبت باتجاه غرفتها، فجلست أمام المرآة تضع تلك الأشياء على وجهها كعادتها قبل الخروج من المنزل.
وجدت ملاك فتحت الباب ودخلت، فوقفت وهي تضغط على أسنانها بغضب وتحدثت قائلة:
"كيف تجرئين على اقتحام غرفتي بتلك الطريقة؟"
كتفت ملاك ذراعيها وتحدثت ببرود قائلة:
"أنا اقتحمت غرفتك؟ لا، لقد أتيت لأخبرك بأن ترحمي بشرتك من وضع تلك الأشياء، فالجمال لا يقاس بالمظهر أبدًا."
وأستدارت مغادرة بهدوء عكس ما دخلت. فقد نجحت في إغضابها كما تفعل معها، فقد قررت أن تتعامل معها بالمثل، فلـتخرج كل ما فعلته معها في الفترة الماضية قبل أن تتركهم وتسافر.
بينما وقفت الأخرى تنظر إليها وهي تخرج من غرفتها بحقد وغِل لا تعرف له سببًا مقنعًا. فكل ما تعرفه بأنها تكره ملاك ولا تتقبلها. سيكون أسعد أيام حياتها يوم وفاتها، فكم تتمنى موت وهلاك ملاك. وقفت تتوعدها وقد خطر ببالها فكرة وقررت أن تنفذها اليوم قبل الغد، فلا داعي للتأخير. جلست على مقعدها من جديد تكمل ما كانت تفعله، وقد أرتاحت نفسيًا بعد تفكيرها الشيطاني هذا.
رواية ذلك هو قدري الفصل الرابع 4 - بقلم موني عادل
عادت من الخارج فرحة وسعيدة، تضحك على غير العادة. وجدت ملاك جالسة هي ووالدتها يشربان قهوتهما. فتحركت من جانبها قاصدة استزازها، ترمقها بطرف عينيها.
فهمست ملاك لنفسها قائلة: "يبدو أن وراء ضحكتها تلك كارثة".
سمعتها والدتها وربتت على كفها. فاستدارت ببصرها تنظر إليها، وجدتها تبتسم لها. فبادلتها الابتسامة.
سمعوا صوت جرس المنزل يتصاعد. فتحدثت والدتها قائلة: "اذهبي وافتحي الباب حبيبتي".
أومأت لها وتحركت لتذهب وترى من.
بينما غادة، ما إن استمعت لجرس المنزل، وقفت ولم تكمل سيرها لغرفتها لتري من الزائر. وجدتها ليال وملاك ترحب بها وتدخلها. ابتسمت من داخلها ووقفت تتابعها وهي تسلم على والدة زوجها وتجلس بجوارها.
فتحدثت ليال تخبرهم عن سبب زيارتها قائلة: "مرحبا خالتي، أتيت لأرى الأستاذ فارس، فلقد أخبرني بأنه سيساعدني في دراستي، فأتيت لأسأله متى يمكننا البدء".
أجابتها زينب بنبرة حانية قائلة: "ازداد البيت نورا بقدومك يا ابنتي، اذهبي يا ملاك ونادي أخيك".
تحركت غادة عائدة إليهم من جديد، ووقفت مقابلة لليال. ترمقها بنظرات لم يفهمها أحدا منهم. فلم تحدثها ولم ترحب بها، بل جلست واضعة قدما فوق الأخرى واكتفت بالنظر إليها تتفحصها من أعلى رأسها حتى أخمص قدميها.
فتركتهم ملاك وذهبت لتنادي فارس.
كان بغرفته جالسًا على مكتبه يتحدث في الهاتف ويطرق بأصابعه يده الأخرى على سطح المكتب، غاضبًا ومتوترًا.
فتحدث قائلاً: "زينة، أرجوكي افهميني، فأنا لا أستطيع أن أرمي كل شيء خلف ظهري وأفكر في نفسي فقط".
تحدثت زينة قائلة: "فارس، أنا لا أريد منك أي شيء سوا أن تقابل والدي وتتحدث معه، فهو لن يرفض صدقني، فأنا تحدثت معه وأخبرني بأنك مرحب بك في أي وقت، فلما لا تريد مقابلته".
تحدث بهدوء عكس ما بداخله، فكثير ما يشغل فكره. لتأتي الآن وتكمل عليه قائلاً: "تعلمين بأن لدي التزامات كثيرة وتعلمين كل ما أمر به وسفر معتز أيضًا تعلمين كل شيء، فتأتي الآن وتكتفيني وتقولي بأنني لا أحبك وأتهرب منك، وإذا كنت أحبك عليّ أن أثبت ذلك وأوافق على مقابلة والدك".
فأخذ نفسًا قويًا وأكمل حديثه قائلاً: "حسنًا، سأقابله، أتريدي شيئًا آخر، عليّ أن أنهي المكالمة الآن".
تحدثت بحب وقد تبدلت نبرة صوتها كليًا قائلة: "فارس، أنا أحبك وأفعل ما أفعله لنكون معًا، فلا تغضب مني".
أجابها فارس قائلاً: "حسنًا، لست غاضبًا، سأغلق الآن".
أغلق الهاتف وشرد يفكر فيما يحدث معه وما تريده منه زينة. فوجد ملاك تدخل تخبره بأن ليال بالخارج تريد مقابلته، وأنها طرقت على الباب وانتظرت أن يأذن لها، وعندما لم تستمع لصوته فتحت الباب ودخلت.
أومأ لها، فاستدارت لتذهب. فوقف عن مكتبه وهو يتنهد قائلاً: "آه، عليّ أن أواجه قدري بصبر".
خرج من غرفته واتجه ناحية والدته وليال، فالقى التحية عليهم وجلس بجوار والدته من الناحية الأخرى.
فتحدثت والدته تخبره بما تريده ليال قائلة: "لقد أتت ليال لتذكرك بأن عليك مساعدتها في دراستها كما وعدتها".
وجد غادة تجلس مقابلة لهم، تضع قدما فوق الأخرى. فنظر لها بغضب ورفع كفه يمسح على وجهه ليهدأ، ووجه حديثه لليال قائلاً: "حسنًا، كما تريدين، فأنا ما زلت عند وعدي لأساعدك".
اتفق مع ليال على اليوم الذي سيبدأ فيه، وفي أي وقت سيذهب إليها في بيتها ليدرسها. وظل يتحدث معها، بينما هي كانت شاردة في ملامحه، تحفظها عن قرب. فقليل جدًا تلك المرات التي تحدثت معه عن قرب، ولكنها تحفظ كل كبيرة وصغيرة خاصة به.
وقفت لتستأذن وتذهب، وهي تؤكد عليه بأنها ستكون بانتظاره في الموعد المتفق عليه. فوقفت والدته لتوصلها، ومن ثم تذهب لغرفتها لتستريح بداخلها وتؤدي فرضها.
تابعتها غادة ببصرها حتى اختفت من أمامها. ما أن غادرت ليال، فأستدارت تنظر لفارس بنظرات مبهمة.
فتحدث فارس قائلاً: "ما الأمر؟"
أجابته قائلة: "تعلم بأن تلك الغبية تحبك، فلا تقل بأنك لا تلاحظ نظراتها وحبها الظاهر بعينيها تجاهك، فلقد اتخذت حجة بأن تساعدها لتكون قريبة منها ليس أكثر، فالعام الدراسي على وشك الانتهاء".
نظر إليها فارس وهو يعترف لنفسه بأنها على حق في كل كلمة قالتها. فشرد يفكر، أيعقل أن تكون ليال ما زالت تحبني وتعتقد بأنني أبادلها تلك المشاعر؟ بالطبع لا، فذلك الأمر قد مر عليه سنوات طوال، فنحن كنا في وقتها صغار. آه يا ليال، أكان ينقصني أنتِ أيضًا.
فوقف عن مقعده ليغادر، وتحدث قائلاً: "غادة، لا تشغلي بالك بغيرك واهتمي بشؤنك فقط".
مطت شفتيها ثم تحدثت قائلة: "حسنًا، سأهتم بشؤني يا أستاذ فارس".
غادر وتركها، فكم هي فتاة مستفزة، لا يعرف ما يعجب معتز بها، فهي كتلة من السماجة واللزوجه. ما أن ذهب، وقفت تحمل حقيبة يدها بضيق ظاهر وغادرت المكان.
كانت جالسة على مكتبها منكبة على أعمالها، فذلك هو يومها الأول في العمل. لم تتطرف لتعرف أحدًا، فهي هنا للعمل لا لبناء صداقات. فقد شرحت لها تلك الفتاة ما هو مطلوب منها وتركتها لتتعامل وحدها.
وجدت رنين هاتف المكتب يتصاعد، فأمسكت به وأجابت، لتجد سكرتيرة المدير تخبرها بأن المدير يريدها في مكتبه.
وقفت عن مقعدها وتحركت لتذهب باتجاه غرفة مكتب المدير. وصلت ووقفت أمام مكتب السكرتيرة تنتظر منها أن تدخلها، ولكنها أشارت إليها بالدخول وأخبرتها بأنه في انتظارها.
ما أن دخلت للغرفة، بادر هو بالحديث قائلاً: "مي، أريدك معي في اجتماع خارج الشركة، فالموظفة المسؤولة عن تلك الأمور لما تأتي منذ فترة لمرورها بوعكة صحية".
أجابته بتوجس قائلة: "ولكن عملي داخل الشركة لا خارجها".
نظر إليها بابتسامة هادئة، معجبًا بطريقة حديثها معه وأنها تريد الالتزام بعملها فقط. فتحدث بحزم قائلاً: "سيكون عملك منذ الآن أن تذهبي معي لتلك الاجتماعات، هيا، لقد تأخرنا، أحضري ملف الصفقة من السكرتيرة وألحقي بي".
أنهى حديثه وأستدار يجمع أشياءه الخاصة من على مكتبه وتحرك خارجًا من غرفة المكتب. بينما وقفت هي تضغط على أسنانها بقوة دليلًا على غضبها، ثم استدارت لتأخذ ما طلبه وتلحق به.
وصلا للشركة التي سيعقد فيها ذلك الاجتماع، فأوقف سيارته ونظر إليها. فتحدث قائلاً: "لا أريد أية أخطاء، إذا كان هناك شيئًا لا تعرفينه فلا تجيبي عليه واتركيني أجيب أنا".
أجابته بثقتها المعتادة: "طوال الطريق وأنا أقرأ في ذلك الملف وقد فهمت وحفظت ما بداخله، فلا تقلق من تلك الناحية".
فأشار إليها لتنزل من السيارة. فما أن نزلت منها، حتى سمعت صوت إطارات سيارة تتوقف خلفهم. فأستدارت تنظر لتلك السيارة، وما هي إلا لحظات حتى خرج منها شاب في الثلاثين من عمره، ذو ملامح بين الوسامة والجدية. كان يتحدث عبر هاتفه بغضب ويحرك كفيه دليلًا على استيائه.
ظلت تنظر إليه إلى أن تحدث مديرها قائلاً: "ذلك الشخص يكون سليم قاسم، صاحب مجموعة شركات، ويوجد بيننا أعمال وصفقات كثيرة، فشركتي لا تذكر بجانب شركة واحدة من شركته".
أنهى حديثه وتحرك مديرها ليذهب، فلحقت به مي وهي تنظر أمامها، عيناها لم تبارح ظهر سليم. تفكر كيف لشخص في عمره أن يكون مسؤولًا عن مجموعة شركات وليس شركة واحدة، فهؤلاء المدللون قد ولدوا وفي فمهم ملعقة من ذهب.
وجدته يقف أمام المصعد ينتظر قدومه، وقد وصلت هي ومديرها. فنظر بطرف عينه بجواره فرأى مديرها ووقف يتحدث معه وهي تتابع الحديث. وصل المصعد، ترددت كثيرًا بالصعود بداخله، وقد خجلت من أن تبقى في مكان منعزل مع رجلين.
تابعها هو، فرفع حاجبًا واحدًا ورسم على وجهه ابتسامة مستهزئة. فتحدث مديرها قائلاً: "مي، هيا، لن ننتظرك طوال اليوم".
دخلت فأغلق الباب وتحرك المصعد. فرتفع صوت أنفاسها، بينما الآخر واقفا مقابلًا لها يرمقها بنظراته التي تحرق وجنتيها أكثر.
وصل المصعد وتحركوا لداخل غرفة الاجتماعات، فألتفوا حول الطاولة، وعلى رأسها سليم. لفت انتباهها تلك الفتاة التي ما أن دخل حتى استقبلته بابتسامة لعوبة، ولكنه لم يتخلى عن جديته ولم يرمقها بنظرة.
نظرت لما ترتديه تلك الفتاة، فملابسها مبتذلة ومخجلة، فرمقتها مي بنظرة استحقار. فهؤلاء هم عار على المجتمع.
أبلت بلاء حسنًا في ذلك الاجتماع، وقد أعجب مديرها بطريقة شرحها وحديثها مع سليم ومن معه. غيرت أشياء كثيرة ولم تلتزم بما هو مدون في ذلك الملف، فأوصلت وجهة نظره بطريقة صحيحة أذهلت الموجودين وأثنوا عليها. فأثبتت بأنها فتاة ناضجة وذكية.
فانتهى الاجتماع وانتهى معه موعد الدوام، فجمعت أشياءها واستأذنت من مديرها لتغادر. فعرض عليها أن يوصلها، ولكنها رفضت وأصرت أن تذهب بمفردها.
في المساء، كانوا جميعهم ملتفين حول طاولة الطعام يتناولون الطعام في صمت. فلم يقطع ذلك الصمت غير معتز يوجه حديثه لمي قائلاً: "أخبريني كيف صار أول يوم لكِ بالعمل".
فأجابته باختصار ودون النظر إليه قائلة: "صار على ما يرام".
فكم تضايقت منه ومن سؤاله، تعمدت ألا تخبره، أرادت أن ترى غضبه وخوفه عليها كما يفعل فارس. علمت بأن غادة ستخبره بأمر عملها، ولكنها لم تنتظر منه ذلك السؤال، البرود الظاهر على وجهه.
تحدث معتز وهو ينظر باتجاه والدته الجالسة مقابله له قائلاً: "لدي خبر سيفرحك يا أمي، فهل تريدين معرفته".
تحدثت زينب قائلة: "بالطبع أريد يا ولدي، فمن يكره أن يفرح".
أجابها معتز والسعادة بادية على وجهه قائلاً: "غادة تحمل بطفلي".
وقف الطعام في حلق ملاك مما جعلها تختنق، فشالها فارس كوبًا من الماء، فشربت القليل منه. بينما جحظت عين مي تنظر غير مصدقة، فهل سيكون عليها أن تتقبل ذلك الطفل وتحبه؟ فكانت تصبر نفسها بأن أخيها سينفصل عنها ما أن يعرف بحقدها وغلها وما تحمله في قلبها من ناحيتهم جميعًا. فهي تقسم بأن غادة لا تحب معتز ولا تحمل له أية مشاعر، فلا تعرف لماذا تزوجته إذا كانت لا تحبه. انتظرت أن يتركها، لا أن تنجب منه وتبقى في حياتهم للأبد.
رواية ذلك هو قدري الفصل الخامس 5 - بقلم موني عادل
أشرقت شمس الصباح معلنة بداية يوم جديد. استيقظت مي بنشاط لتغتسل وتبدل ملابسها وتذهب للعمل. وقد انتهت من ارتداء ملابسها فجمعت متعلقاتها الشخصية وحقيبة يدها وتحركت لتخرج من الغرفة.
ما أن فتحت الباب حتى اشتمت رائحة الفطور اللذيذة. ذهبت بإتجاه طاولة الطعام، فالقت تحية الصباح وجلست لتتناول فطورها. انتهوا من الطعام فوجدت الوقت ما زال مبكرا، فجلست بجوار فارس يشربون قهوتهم ويتبادلون أطراف الحديث باهتمام.
لم تنتبه للوقت الذي مر فجعلها تتاخر على عملها. وجدت رنين هاتفها يتصاعد، فأخرجته من حقيبتها لتجدها سكرتيرة المدير. ضغطت على زر الإجابة تستمع لما تقوله تلك الفتاة.
"نعم أنا حقا آسفة."
سمعت الأخرى تتحدث بعصبية تخبرها بأنها مقصرة وأنه كان عليها أن تستأذن إن لم تأت اليوم للعمل.
"صدقيني لم أقصد ذلك. حسنًا، أكرر أسفي."
أنهت المكالمة ووضعت الهاتف بجوارها بغضب. فتحدث فارس يسألها عما حدث لتخبره بأنها انشغلت في الحديث معه فتأخرت على العمل وقد غضب المدير من تغيبها بدون إذن مسبق.
وجدت معتز واقفًا فوق رأسها ينظر إليها بنظرة مستهزئة ثم تحدث قائلاً:
"انتي فتاة غبية ومستهترة ولن تنجحي في شيء."
ثم أكمل طريقه مغادرًا لعمله وكأنه لم يهينها ويقلل من شأنها. كانت تتابعه ببصرها حزينة من إهانته لها دائمًا. فوجدت فارس يتحدث معها قائلاً:
"لا تغضبي منه، فأنت فتاة قوية وشجاعة وتختلفين عن بقية الفتيات."
ثم مال ليطبع قبلة أعلى رأسها وأكمل حديثه قائلاً:
"سأذهب الآن ولن أتأخر بالعودة."
في منتصف النهار، كانت ملاك بالمطبخ تعد الطعام، بينما غادة بغرفتها ومي تذاكر دروسها تحاول أن تعوض ما فاتها في الأيام التي تذهب فيها للعمل. ووالدتها وأخواتها التوأم يجلسون معًا أمام التلفاز. بينما معتز الحاضر الغائب في ذات الوقت كان جالسًا منكباً على هاتفه يلعب تلك الألعاب الإلكترونية.
فلم يشعر أحد بخروج غادة من غرفتها وعلامات الإرهاق والتعب بادية على وجهها ذاهبة باتجاه المطبخ حيث ملاك. كانت جالسة على طاولة في المطبخ تقطع بعض الخضار، فوجدت غادة تقف أمامها تتهمها بأنها سارقة. جحظت عيناها واتسعت حدقاتها تنظر إليها غير مصدقة ذلك الاتهام.
"وما هو الشيء الذي سرقته منكي؟"
"ذلك الخاتم الذي أحضره لي معتز في ذكرى زواجنا."
"لا أعلم أين هو لأخبرك، فلم أره في الأساس لأسلقه."
فوقفت لتذهب، ولكن غادة وقفت في وجهها تسد عليها الطريق تمنعها من الخروج. ثم تحدثت قائلة:
"لن تخرجي من هنا قبل أن تخبريني أين هو."
"إبتعدي عن طريقي."
ثم دفعتها بضعف من أمامها لتستطيع المرور، مما جعل غادة تفقد توازنها بارتدائها ذلك الحذاء المرتفع ويرتطم ظهرها برخام المطبخ. شعرت بألم حاد في ظهرها وأسفل بطنها، وقد شعرت بأن الأرض تنسحب من تحت أقدامها. فارْتَطَمَت بأرضية المطبخ والدماء تسيل من أسفلها. شعرت بسائل دافئ أسفلها، وضعت كف يدها عليه ثم رفعته أمام عينيها.
بينما وقفت ملاك تضع كف يدها على فمها تكتم شهقاتها تنظر للدماء بفزع تهز رأسها بالرفض. لا، هي لم تقصد ذلك. فأطلقت صرخة مدوية أتى على أثرها كل من بالمنزل.
وقف معتز ينظر لغادة وهي تفترش أرضية المطبخ والدماء من أسفلها، لا يصدق ما يرى. وجدها تشير بيدها على ملاك وتتحدث بصوت منخفض قائلة:
"هي السبب. تريدي قتل طفل."
وأخذت تبكي وتشهق، ثم فقدت وعيها. حملها معتز وخرج مسرعًا يشغل محرك سيارته وينطلق مسرعًا لأقرب مشفى لإنجادها.
ما أن خرج معتز بزوجته، وصل فارس من الخارج فوجد باب المنزل مفتوحًا. استغرب وشعر بالخوف، هل أصاب والدته مكروه؟ دخل مسرعًا فسمع صوت بكاء يأتي من اتجاه المطبخ. وقف على باب المطبخ ينظر داخله فوجد ملاك تنظر أمامها لبقعة دماء كبيرة على الأرضية ووالدتها وباقي أخواتها يحاولون تهدئتها ولكن محاولتهم لم تجدِ نفعًا.
تحرك من مكانه وذهب باتجاهها، فما أن رأته حتى ارتتمت في أحضانه تبكي. فتحدثت من بين بكائها ودموعها تملأ وجنتيها:
"صدقني لم أقصد ذلك، لم أفعل لها شيئًا. إنه ذلك الحذاء الذي ترتديه."
ضغط عليها أكثر بذراعيه يخفيها بداخل أحضانه ويهدئها حتى لا تنتكس وتمرض مجددًا. فتحدث قائلاً:
"أعلم حبيبتي، فأنت ملاك والملاك لا يؤذي."
وصل للمشفى في وقت قياسي. حملها ودخل بها، فاستلمها منه الممرضون وأدخلوها لغرفة الطوارئ بعدما أخبرهم بأنها حامل. وظل واقفًا في الخارج ينتظر أن يطمئنه أحد عليها وعلى طفله.
فحصها الطبيب وقد فاقت من إغمائها.
"لا تقلقي، كل شيء على ما يرام والجنين بخير. نبضه ضعيف نوعًا ما ولكنه بخير. يبدو بأنه متشبث ليأتي للحياة. ولكن أهم شيء الراحة والتغذية السليمة وبعض الأدوية وسيكون كل شيء بخير. كل ما عليكي الالتزام بالفراش للفترة القادمة وسأكتب لكِ بعض المثبتات لتكوني مطمئنة أكثر."
"ولكني لا أريده. ستكمل ما بدأته وتخرج لتخبر زوجي بأنني فقدت الطفل وسأعطيك ما تريده."
"ماذا؟"
"مثل ما سمعت. ستجهض الطفل بنفسك وسأعطيك كل ما تريده."
نظر إليها الطبيب بنظرات ذات مغزى، فهمتها على الفور وأكمل ما لم تنجح هي في إنهائه.
بعد مرور بعض الوقت، خرج من الغرفة فوجد معتز واقفًا يتاكله القلق عليها. فأخبره الطبيب بنبرة يكسوها الحزن قائلاً:
"الأم بخير ولكنها فقدت طفلها. عليك بمواساتها في الفترة القادمة، فمعظم الأمهات بعد المرور بذلك الشيء يحتاجون لطبيب نفسي."
ثم تركه الطبيب وذهب، يعلو وجهه ابتسامة خبيثة، فقد فعل كل ما طلبه منه وأكثر. بينما وقف معتز تائهًا وضائعًا، فقد فقد الشيء الذي لطالما تمناه وحلم به وهو أن يكون لديه طفلاً من غادة حبيبته. فضغط على أسنانه بغضب وهو يتذكر غادة وهي تشير على ملاك تتهمها بأنها السبب. كور قبضة يده وضرب الجدار بعزم ما فيه عدة مرات مما جعل الدماء تسيل من كفه. نظر للدماء وتذكر غادة وهي تفترش الأرض وبقعة دماء كبيرة حولها، فتوعد لملاك وقرر أن يقتنص منعها ظنًا منه بأنها تعمدت أذية غادة وطفلها لأنها لا تحبها.
حاول فارس كثيرًا أن يحدث معتز ليعرف عن وجهته وإلى أي مشفى قد ذهب، يريد أن يطمئن منه على زوجته لتهدأ ملاك ويرتاح بالها. فهو يشعر بالخوف عليها، يخشى أن تعود لما مضى وتمرض، فكم عانت من المرض النفسي الذي لازمها لفترة وجيزة في حياتها.
صدح صوت جرس المنزل يتصاعد وطرقًا قويًا على الباب، فوقفت ملاك عن مقعدها لتذهب وتفتح. وقد ازداد صوت الطرق، فأشار إليها فارس بأن تجلس وذهب هو باتجاه الباب ليرى من هذا الشخص الذي لا يستطيع أن يصبر ويهدأ قليلاً حتى يفتح له من بالمنزل.
وصل للباب ففتحه بعنف، ووجد مجموعة من الرجال واقفون أمام الباب يحجبون الرؤية. فتحدث باستياء قائلاً:
"نعم، من تريد؟"
"هل هذا هو بيت ملاك عبدالله؟"
اتسعت عين فارس ما أن ذكر اسم ملاك، فشعر بالخوف ونظر لهؤلاء الرجال الواقفين أمامه وتحدث يتهته قائلاً:
"نعم هو، فمن أنت وفيما تريدها؟"
"أنا الضابط محمد وملاك عبدالله مطلوب القبض عليها."
اخترقت عبارة الضابط أذن فارس كرصاصة طائشة، فتجلت ملامح وجهه بالذهول. ثم تحدث قائلاً:
"ماذا؟ وما تهمتها؟"
"لا أعرف. هل ستناديها أم نقتحم المنزل؟"
لم يجد فارس بدا من أن ينادي ملاك. وقفت ملاك تتأمل هؤلاء الأشخاص بعينين مذعورتين وخائفتين. وقد جفلت عندما سمعت صوت الضابط يحدثها ويخبرها بأن عليها الذهاب معه لقسم الشرطة.
كانت في مكتب الضابط واقفة أمامه تنظر لما حولها بعين قطة خائفة. فأخذت نفسًا لتغمغم بوهن قائلة:
"لما أنا هنا؟"
أخبرها الضابط بتهمتها ألا وهي السرقة والشروع في القتل مما أدى لإجهاض الجنين وسب وقذف المدعوة غادة ناصر.
ما أن انتهى الضابط من حديثه حتى سعلت بشدة مما أدى إلى اختناقها. وقد ازداد وجهها احمرارًا. فقدمًا لها الضابط كوبًا من الماء، ترجعته دفعة واحدة ولم تستطع أن تتحدث وتدافع عن نفسها أمام تلك الادعاءات الكاذبة التي لفقتها لها غادة. أين معتز من كل ذلك؟ فتنهدت لتهمس قائلة:
"أين أنت يا معتز؟"
أمر الضابط بوضعها في السجن لتبقى بها الليلة وسيتم تحويلها للنيابة صباح الغد. تساقطت دموعها بشدة وقد خارت قواها. فسحبها العسكري من ذراعها ليلقيها بداخل السجن. بينما كان فارس يحاول أن يفعل أي شيء لإخراجها، فكم صعب عليه رؤية ملاك في ذلك المكان.
تجمع كلا من أخواته ووالدته في قسم الشرطة ينتظرون ملاك لتخرج من غرفة الضابط معتقدين بأنها ستخرج منها فيمكنها الذهاب معهم للبيت. وجدوا الباب يفتح والعسكري يخرج ويضع تلك الأساور حول معصمها. شهقت والدتها ما أن راتها وضربت بيدها على صدرها. بينما جحظت حدقتين مي، فنظرت لفارس المتسمر في مكانه من الصدمة. فسألها عما حدث في الداخل وما تهمتها.
فتحدثت ملاك من بين دموعها وشهقاتها المتتالية قائلة:
"غادة قدمت بلاغًا تتهمني بسرقتها وأنها عندما واجهتني حاولت قتلها فأجهضت الطفل بسببي وأشياء أخرى لا أعرف ما هي. لقد تحدث الضابط كثيرًا ولكني لم أستوعب شيئًا. فارس، أرجوك أخبر معتز بما فعلته زوجته وما تنتوي فعله ليخرجني من هنا، فأنا لن أستطيع البقاء هنا، أشعر بالاختناق، أقسم بأنني سأموت إن بقيت هنا."
سحبها العسكري وتحرك ليضعها في الزنزانة لتبقى بها تلك الليلة. فظلت تنظر لفارس ترجوه بعينيها أن ينجدها حتى اختفت من أمام ناظريهم. استدار بوجهه ينظر لوالدته واخواته فوجد الجميع يبكي بقهر على ما طال ملاك. تلك الفتاة العاطفية التي لا تستطيع إيذاء حشرة لتؤذي غادة وتتسبب في فقدانها الطفل الذي لطالما تمناه معتز. يعترف بأن ملاك لا تحب غادة وغادة أيضًا لا تحبها، ولكنها لن تفعلها، لن تؤذيها.
فتحدث بصرامة ونبرة لا تقبل النقاش قائلاً:
"مي، اصطحبي الجميع للمنزل."
وافقت مي على مضض. رفضت والدته الذهاب ولكنه أصر عليها أن تذهب فهي مريضة وعليها أن تتواجد مع أخواته البنات حتى يعود معتز ويصل معه لحل فيما فعله. فهو يعلم بأن غادة لن تفعل ذلك من تلقاء نفسها، لابد وأن معتز على علم بكل شيء.
ظل فارس أمام قسم الشرطة طوال الليل ينتظر الصباح على أحر من الجمر، فلم يطاوعه قلبه بالذهاب وطرق ملاك تعاني في ذلك المكان وحدها.
ما أن زجت في السجن وقفل باب الزنزانة، ارتجفت شفتيها لا تصدق أن أخيها قد يفعل ذلك. إدراك صاعق اكتنف حدقتيها مما جعلهما تدمعان. فهي منذ دخولها للسجن وأغلق تلك الزنزانة عليها لم تخش الموت من الجوع أو الحر أو البرد أو الظلام الذي ستلاقيه هنا، بل خشيت أن تموت في انتظار براءتها. تعلم بأن فارس لن يتركها هنا، ولكنها خائفة ووحيدة بعيدة عن أخواتها مصدر دعمها وقوتها. فكم تخشى أن تمرض مجددًا فتفقد القدرة على التحدث. تتذكر معاناتها وتلك الجلسات التي كانت تخضع لها لتتعالج وقد تطلب منها أن تبقى في المشفى لتحصل على الرعاية الطبية اللازمة، ولكنها اكتفت بجلسات العلاج النفسي. فما أصعب المرض النفسي، فهو قاتل محترف يدمر ويقتل صاحبه ببطء.
رواية ذلك هو قدري الفصل السادس 6 - بقلم موني عادل
قبل بضع ساعات كان معتز واقفًا أمام باب الغرفة التي بداخلها غادة.
أمسك بمقبض الباب وفتحه.
وجدها مستلقية على الفراش، شاردة تنظر لسقف الغرفة الأبيض، تضع كفها أسفل بطنها تمسد عليه وكأنها ما زالت تحتفظ بجنينها.
اعتصر العالم قلب معتز وهو يرى حبيبته على تلك الحالة.
اقترب منها ووقف بجوار الفراش، فمال عليها يطبع قبلة على جبينها وتحدث بحشرجة قائلاً: "أنا آسف على كل ما أصابك."
نظرت له غادة بحزن وألم ظاهر على ملامحها.
منذ أن أمسك بمقبض الباب وعرفت بأنه على وشك الدخول، أخذت ترسم خطتها وتستعد لما سيحدث.
فرسمت على ملامحها الحزن والألم، ونزلت دموعها.
ولكنها لم تكن دموع التماسيح، بل كانت دموعًا صادقة.
ولكنها لم تعرف لماذا تبكي وتشعر بحرقة حقيقية بداخل قلبها.
لم تتخيل بأنها ستحزن هكذا.
كانت تظن بأن الأمر سيمر مرور الكرام، ستتخلص منه وكأنه غبار تنفضه عنها، فيعود كل شيء كما كان.
ولكنها شعرت بغصة في حلقها ما أن أخبرها الطبيب بأن كل شيء انتهى.
للحظة شعرت بالندم، ولكنها نفضت ذلك الشعور عنها، تخبر نفسها بأنها ليست على استعداد لإنجاب طفل لتهتم به وتنسى كل ما تريد تحقيقه.
لن تتخلى عن جمالها وقوامها من أجل أن تكون أمًا، فهذا هو الأفضل لها ولمعتز.
خرجت من شرودها على معتز وهو يعتذر منها.
ضحكت عليه من داخلها، فكم هو مثير للشفقة.
تندم على كل يوم يمر عليها وهي زوجته.
كانت تستحق رجلاً حقيقيًا لا رجلاً كمعتز.
فكم تريد أن تنهي زواجها منه، ولكنها تصبر نفسها بأنه قريبًا جدًا ستحصل على ما تريده.
جاء الصباح وقد حان وقت ذهاب ملاك لمقر النيابة.
خرجت من قسم الشرطة فوجدت فارس ينتظرها بملامح متعبة ومجهدة.
فما أن رأته حتى اختنقت داخل عينيها عبرة عجز وخوف.
لكنها امتصتها سريعًا وهي تغلق جفنيها.
لكن سرعان ما فتحتهما وأخذت تتحدث قائلة: "لا تحزن، أريدك فقط أن تظل بجانبي وأن تكون على يقين بأنني لم أفعل لها شيئًا، وكل ما حدث خطة دنيئة منها."
انقبضت كف فارس وتيبست ملامحه ليجيبها بتحشرج قائلاً: "أعلم ما تخطط له غادة، ولكن ثقي بي واعلمي بأنني لن أترككِ هنا. لقد تحدثت مع المحامي وسيقابلنا في مقر النيابة ويحضر معكِ التحقيق. تأكدي حبيبتي بأنك ستخرجين منها وينتهي كل شيء."
أومأت له وابتسمت بود.
ليسحبها العسكري من معصمها ويتحرك بها خارجًا من القسم لمقر النيابة.
تحرك فارس بخطوات ثابتة ليلحق بها.
استقل سيارة أجرة وحدث السائق عن وجهته.
ثم أمسك بهاتفه يحاول التحدث مع معتز طوال الطريق.
وهو يحاول الوصول لمعتز ولكن هاتفه مغلق.
فاتصل على هاتف المنزل.
أجابته والدته فسألها عن معتز إذا كان قد أتى للبيت.
فأجابته بأنه لم يأتِ وأنهم حاولوا الوصول إليه ولم يستطيعوا محادثته حتى.
فأطلق تنهيدة بائسة ونظر أمامه بملامح حائرة يدور في عقله مائة سؤال وسؤال.
شرد يتذكر حديثه مع المحامي بالأمس.
وقتها أخبره بأن عقوبة إسقاط المرأة الحامل تكون السجن المشدد لمدة خمسة عشر عامًا.
وأخبره بأن الحل الوحيد في تلك الحالة هو التنازل عن المحضر.
ولكن معتز اختفى هو وزوجته.
فما الذي يتوجب عليه فعله؟
ظل يفكر إلى أن نبهه السائق بأنه قد وصل لوجهته.
كان واقفًا أمام باب غرفة وكيل النيابة ينتظر على أحر من الجمر خروج ملاك أو المحامي ليطمئنه.
مع أنه يشك في ذلك، ولكن المحامي قد أخبره بأنه سيحاول أن يخرجها بكفالة.
بينما في داخل الغرفة، أصدر وكيل النيابة أمرًا بالحبس الاحتياطي أربعة أيام على ذمة التحقيق تجاه ملاك لإعترافها بما حدث وأنها دفعت المدعوة غادة مما أدى لفقدانها جنينها.
وأن كل شيء يدينها وأن ما قالته اعتراف صريح منها بأنها السبب.
فتح الباب وخرجت ملاك والمحامي من غرفة وكيل النيابة بملامح جامدة.
فلم يستطع فارس أن يستشف من ملامحها ما حدث في الداخل.
فنظر إليها يسألها بعينيه.
فتمتمت تهز كتفيها بابتسامة مريرة قائلة: "لا جديد، ولكنه الأسوأ. لقد تم حبسي احتياطيًا أربعة أيام."
ابتلع غصة في حلقه ببطء ثم جذبها ليخفيها بداخل صدره.
ود لو يدخلها بين أضلعه فلا يستطيع أحد أن يمسها بسوء.
سحبها العسكري بعنف من داخل صدره مغادرًا.
فنظر باتجاه المحامي يحدثه قائلاً: "قل لي ما الذي يتوجب علي فعله لإخراجها، أرجوك."
لم يجبه المحامي.
فاكمل حديثه وهو يدعك جبينه يحاول التفكير في حل فقال: "إلى أين ستذهب الآن؟ هل ستذهب للقسم مرة أخرى أم لمكان آخر؟"
فتحدث المحامي باستياء قائلاً: "لقد أخبرت وكيل النيابة بكل ما حدث وقد اعتبر ذلك اعترافًا صريحًا منها، فلم يوافق بإخراجها بكفالة، ولكن لا تقلق، فما زال أمامنا وقت."
نظرت لتلك الغرفة التي تتواجد بها.
فمنذ أن خرجت من المستشفى وأخبرت معتز بأنها تريد حقها من ملاك، وإذا كان يحبها عليه أن يساندها ويجلب لها حق طفلها.
فوافق أن تقدم محضرًا تتهم ملاك بأنها السبب في إجهاضها.
وقد طلبت من الطبيب تقريرًا طبيًا بحالتها.
لم توافق غادة بالعودة للمنزل، وأنها ليست مستعدة لتعود وتتذكر كل ما حدث.
فلم يرد أن يضغط عليها.
فذهب لفندق يبقي فيه ليومين حتى تستريح.
شردت تتذكر ما حدث في خلال الأيام السابقة منذ أن تأكدت من حملها.
وتلك الأدوية التي واظبت على تناولها.
تتذكر عندما كانت بداخل غرفتها تتناول أدويتها التي نصحها الطبيب بأخذها في مواعيد محددة من أجل سلامة جنينها.
وضعت كوب الماء على الطاولة ثم أخرجت حبة دواء أخرى أمسكتها بين أصابعها.
فنظرت إليها ثم رفعت يدها ووضعتها بداخل فمها وابتلعت الماء بعدها.
تمددت على الفراش لبعض من الوقت وقد شردت قليلاً وأخذت تمسد بكف يدها على أسفل بطنها.
إلى أن شعرت بألم في أسفل بطنها وظهرها.
فتحاملت على نفسها ووقفت لتتحرك وتذهب باتجاه المطبخ حيث ملاك وترى ما سيحدث.
في مكان آخر نزوره للمرة الأولى، نراه جالسًا في مكتبه منهكًا في كتابة تقرير ما.
فطرق أحد الضباط على الباب ليخبره بأن المسجونة صباح تتشاجر مع المساجين وأنها ترتكز على الواسطات والمعارف لديها فيؤهلها ذلك لفعل ما تريده بزملائها المساجين.
ولكنه قد طفح كيله من أفعال تلك المسجونة.
فانتفض من مكانه على الفور وقد ثارت ثورته من قلة الاحترام تلك.
ذهب إلى العنبر وفض الاشتباك وأمر بوضعها في حبس انفرادي لمدة أسبوع لا ترى النور، فلا يسمح لها بالخروج منه إلا بعد مرور سبعة أيام كاملة.
ووجه حديثه لها قائلاً: "إياكِ أن ترفعي يدكِ على سجين هنا، وإلا فلا تلومي إلا نفسك."
ثم انسحب عائدًا لمكتبه مرة أخرى وقد هدأت ملامحه قليلاً دون أن يظهر أي تعبير يعكس ما بداخله.
فجلس على مكتبه يكمل عمله.
بينما حدقته هي بنظرات مستهزئة.
فرغم واسطاتها ومركزها المرموق، إلا أن ذلك الرائد حاد وصريح، فلا يخشى في الحق سلطانًا ولا غفيرًا، فيفعل ما يراه صائبًا.
كان في طريقه للمنزل وقد قرر الذهاب للمنزل سيرًا.
فلا يريد أن يصل للمنزل ويرى أحدًا.
فلقد اكتفى بإخبارهم بما حدث على الهاتف وقد انهار الجميع من البكاء.
فأخبرته والدته بأنها تريد الذهاب إليه حيث هو، ولكنه رفض وظل مع المحامي ليجد حلاً يخرج ملاك من تلك الأزمة.
فضاع يومه كله خارج المنزل.
فكم شتم معتز على ما يلقاه منه ومن زوجته.
يقدر حزنهما ولكنه متأكد بأنه ليس لملاك ذنب فيما حدث.
وإذا كان لها يد فيما حدث، هل يفعل فيها ذلك؟
يسجنها لتبقى مع المجرمين وأصحاب السوابق.
فتنهد يخرج آه بصوت مسموع.
وجد رنين هاتفه يتصاعد.
أخرجه من جيبه معتقدًا بأنها مي أو والدته.
ولكنه وجد زينة من تتصل به.
فأجابها بصوت حنون ودافئ، فكم يحتاج الآن لمواساتها.
فقال: "زينة حبيبتي، أريد التحدث معكِ، هل بإمكانك مقابلتي الآن؟ فأنا أمر بظروف صعبة."
أجابته بملل ولا مبالاة قائلة: "فارس، لقد اتصلت لأخبرك بأنه علينا أن ننفصل وحسب. أنت رجل وما زلت في مقتبل عمرك وأمامك الكثير لتجربته قبل أن تربط نفسك بامرأة. فتتحجج دائمًا بكلمة الظروف، أنا أعلم ذلك."
فغر شفتيه بتعجب من تلك النبرة التي تحدثه بها.
فتحدث بصوت منهك يرجو تفهمها قائلاً: "زينة أنا..."
تحدثت بإصرار قائلة: "فارس، أرجوك، علينا أن ننفصل، وهذا آخر ما لدي. اتركني لأعيش حياتي."
مسح على وجهه بإعياء فهمس لها بوهن قائلاً: "حسنًا، كما تشائين."
أنهى حديثه وأغلق المكالمة.
فعليه الاحتفاظ بكبريائه كرجل، إذا كانت تريد الانفصال عنه فلها ذلك.
لن يجبرها لتبقى معه.
يشكر الله بأنها ظهرت على حقيقتها قبل أن يرتبط بها فيعاني في حياته بسبب عدم تقبلها لظروفه وما يمر به.
لا ينكر بأنه حزين من داخله وقلبه يحترق.
فكيف استطاعت أن تتجمل أمامه وتوهمه بأنها ستكون معه على المرة قبل الحلوة.
ولكنها ظهرت على حقيقتها في أكثر وقت يحتاجها بجانبه.
كانت واقفة تراقب الطريق كالعادة لتراه وتطمئن منه على ملاك.
رأته قادمًا من بعيد يضع كفيه بداخل جيب بنطاله يضرب الحصى بقدميه.
فتركت شرفة المنزل واستدارت تعدو لتقابله.
وصلت لباب المنزل ففتحته ووقفت تنظر إليه وقد اقترب منها.
فنظر باتجاهها وجدها واقفة وكأنها تنتظر قدومه.
فوقف مقابلًا لها على نفس هيئته.
حاولت التحكم بلهفتها المشتعلة في مقلتيها كما الجمر في فؤادها شوقًا له.
فتحدثت بشوق قائلة: "ماذا حدث لملاك؟"
قست ملامحه ولمع الألم في عينيه.
فأشاح ببصره بعيدًا وأجابها قائلاً: "ليال، ليس الآن، فأنا متعب وأريد أن أرتاح قليلاً. ادخلي للمنزل حتى أستطيع الذهاب، فالوقت متأخر."
جرت تعابير الحزن والأسى على محيا ليال.
ولكنها تعاطفت معه، فهي تعلم ما يعانيه.
فاستدارت واتجهت لتدخل.
فوقفت ترمقه بنظرات عاشقة.
فهمها على الفور.
فهمس لنفسه قائلاً: حين يكون الحب من طرف واحد لا يكون حبًا بل استنزافًا للمشاعر.
واستدار مغادرًا.
رواية ذلك هو قدري الفصل السابع 7 - بقلم موني عادل
وقفت سيارة الترحيلات أمام ذلك السجن لتقضي فيه فترة التجديد حتى موعد التحقيق القادم.
وجدت الباب الحديدي يفتح، فبدأوا بإخراجها هي ومن معها وأوقفوهم صفا ينادون أسماءهم واحدا تلو الآخر.
نظرت للمكان من حولها وكم شعرت بالذعر.
رفعت عينيها تنظر للسماء التي بدأت تمطر بغزارة، فظلت واقفة في مكانها تسمح للأمطار بالهطول عليها، لربما عليها أن تستقبل الحزن في حياتها منذ اليوم كما تستقبل المطر وتجعله يغسلها من الداخل.
انتابتها نوبة بكاء كانت تخفيها منذ أن خرجت من مقر النيابة حتى لا يحزن فارس أكثر، فهي تعرف بأنه يعاني أكثر منها، لطالما كان الأقرب إليها.
فأخيراً استطاعت أن تطلق العنان لدموعها، لعله يداوي بعضاً من أوجاعها.
تاهت عين ملاك متذكرة أشد لحظات حياتها وجعاً وضياعاً وظلماً عاشتها ليجعلها مريضة نفسية تخضع لجلسات العلاج النفسي.
برقت عين ملاك بحاجز رقيق من الدموع، ثم همست بخفوت تحدث نفسها: "كل ما حدث معي في الماضي والحاضر بسبب معتز".
كان الضابط ينادي باسمها لأكثر من مرة وهي لا تجيب.
فأقترب منها ودفعها، فأختل توازنها وكادت أن تقع، ولكنها تماسكت فلا تريد أن تكون موضعاً للسخرية.
فتجهمت ملامحها لكنها لم ترد عليه، بل أغمضت عينيها تحث نفسها على الصبر.
انتبهت لمن يتحدث مع الضابط بصوت جهوري قائلاً:
"أنا لا أتهاون في الخطأ، فأخبرني ما الأمر، ما بها تلك المسجونة؟"
اتسعت عين الضابط وسارع يقول مبرراً بشيء من الارتباك:
"لا شيء، كل ما في الأمر أنها تعيش دور الخرساء".
ارتبكت ملاك وشحب وجهها وهي تجد ذلك الشاب يقترب منها.
بينما وقف هو أمامها يطالعها، وجدها فتاة جميلة تخطف لب أي شخص تقع عينه عليها، تبدو بريئة وتائهة كقطة صغيرة ضائعة.
حثه فضوله ليعرف ما قصتها، ضيق عينيه ينظر إليها ثم أمرهم بتوزيع المساجين الجدد على زنزانات السجن.
شحب وجهها بشدة حتى أصبح لوحاً من الرخام الأبيض.
فرفعت ذراعيها تحتضن جسدها المرتعش، وكل خلية في جسدها تنتفض برعب جزع وهي تتصور حياتها في ذلك المكان.
دخل لغرفته حزيناً وقد غامت عيناه بعاطفة لا تتناسب مع كل ما يمر به، فاستلقى على الفراش.
وجد والدته تفتح الباب وتدخل، فأعتدل شبه جالس في مكانه.
فاقتربت منه وجلست بجواره، طالع وجهها ليرى بقايا دموع عالقة في عينيها.
فتحدث فارس بغلظة واستياء قائلاً:
"ألم يظهر معتز بعد؟"
تنهدت بغير رضا وأجابته:
"لا، ولم يجيب على مكالماتي."
ثم ابتلعت غصة مريرة في حلقها، وقد اكتسى وجهها بحمرة الغضب، ولتكمل حديثها بإنفعال قائلة:
"هل هو سعيد الآن؟ هل يعجبه ما فعله بملاك؟ هل هو راضٍ الآن عن ما طالها؟"
تحدث مباشرة وهو يقف على قدميه بحده قائلاً:
"سيندم، أقسم أمي بأنه سيندم، ولكن سيكون الأوان قد فات."
وقفت والدته أيضاً وقد امتلأت عيناها بالدموع، فتحدثت قائلة:
"كيف حالها؟ طمأنني عليها، أريد رؤيتها يا ولدي، ولكنك تمنعني."
أقترب منها يطبع قبلة أعلى رأسها، وقد فرت دمعة واحدة من جانب عينيها، فرفع كفه يمحيها سريعاً، ثم تحدث قائلاً:
"لا تقلقي يا أمي، فملاك ستخرج قريباً."
خرجت والدته وتركته يحترق من الحزن والألم، يشعر بالإختناق، فالجميع تخلى عنه.
ملاك أبعدها معتز، ذلك الندل، كم يفتقدها الآن، يريد أن يشتكي لها من زينة ومن تخليها عنه، لطالما أحبها وأرادها ولم ينظر لغيرها.
تخلت عنه في وقت شدته، لو كان محلها لانتظرها عازباً لأخر يوم في حياته.
مجرد أن وصل للشركة حتى ركن سيارته الفارهة في مكانها المعتاد ورفع هاتفه يجري مكالمة.
فما أن أجابه الطرف الآخر حتى تحدث قائلاً:
"يوجد أعمال كثيرة وصفقات لم تنتهِ حتى الآن، لا أريد أن أسمع أعذارك، فأنا أخسر بسببك وبسبب تلك الفتاة المدللة التي تعمل لديك، ستتحمل تلك الخسارة وحدك، ربما تتعلم أن تختار جيداً من يعمل لديك."
ثم أغلق المكالمة دون أن يستمع لكلمة واحدة منه ودخل لمكتبه مباشرة دون التحدث مع سكرتيرته، وأغلق الباب بعنف مما جعلها تستغرب وضعه.
فطلبت له قهوته وأخذت تنهي عملها، وجدت الساعي واقفاً يحمل فنجاناً من القهوة ينتظر أن تسمح له بالدخول.
فاتجهت نحوه وأخذتها من بين كفيه وأشارت له بالمغادرة، ثم استدارت تطرق على الباب بطرقات ناعمة وأمسكت بمقبض الباب لتفتحه وتدخل.
فما أن دخلت لغرفة مكتب مديرها، وجدته واقفاً يعطيه ظهره، ويبدو بأنه لم يستمع إليها.
فوضعت قهوته على المكتب.
فوجدته ما زال على نفس الهيئة واقفاً أمام تلك النافذة شارداً، فلم يستمع لصوت خطواتها ولم يشعر بها.
فاقتربت منه ولفت ذراعيها من حوله لتحتضنه.
استدار إليها يمعن النظر في وجهها، ثم وضع عينه في عينيها وتحدث قائلاً:
"اخرجي."
نظرت له وتحدثت بسخرية:
"حقاً تريد مني الخروج؟ فكر مرة أخرى، لقد انتظرتك بالأمس، فلما لم تأتي."
نظر إليها بإشمئزاز وتحدث قائلاً:
"لا تعطي نفسك قدراً أكثر من قدرك، فأنتم كنتم مجرد تجربة وقد انتهيت منها."
أجابته بتلاعب:
"سليم، ألا تحن للحظاتنا السعيدة معاً؟"
شعر بالاشمئزاز منها ومن انحطاطها وهي تقف أمامه بتلك الطريقة، تعرض نفسها عليه وتذكره بما كان يحدث بينهما.
فتأملها بضيق من نفسه، أين كان عقله ليقع في فتاة وضيعة كتلك الفتاة.
فاشتعلت عيناه بالغضب ودفعها بعيداً عنه، ثم تحدث قائلاً:
"اغرب عن وجهي، فلا أريد رؤيتك بعد الآن."
وجدها واقفة لم تبرح مكانها تنظر إليه بنظرات قوية مغرورة، ثم تحدثت قائلة:
"إياك أن تظن بأنك تخيفني، وإذا كنت تعتقد بأنك كسرتني فأنت مخطئ. تعلم بأن ما كان بيننا مجرد علاقة عابرة لا أكثر، والآن أنت تبذل جهداً لتثبت بأنك في أعماقك لا تريد تلك العلاقة، ولكن سنرى مع الوقت من سيحن قبل الآخر."
ثم استدارت مغادرة للشركة ككل.
وقفت مي تطرق على باب غرفة مكتب مديرها، فأذن لها بالدخول.
دخلت وجدته ينظر لحاسوبه، فتحدثت بخفوت تلقي السلام.
رفع نظره عن حاسوبه للوهلة الأولى، أراد أن يوبخها ومن ثم يطردها، فهي السبب فيما استمع إليه من ذلك المتعجرف سليم قاسم.
لو لم يكن بينهم أعمال كثيرة لرد له إهانته.
وجد جفنيها منتفختين ووجهها باهت، فشعر بأنها تمر بشيء سيء، ولكنه أيضاً يمر بالأسوأ.
عليه أن يكون حازماً في التعامل معها، لا يريد أن يخسر ما تبقى من شركته.
تذكر خسارته لمناقصة من قبل وكان عليه دفع شروط الجزاء، وقد وصل به الأمر ليعلن إفلاسه، فأضطر لبيع نصف أسهم الشركة لسليم، لا يريد الخسارة مجدداً، يكفيه ما حدث من قبل.
تحدثت بتوتر قائلة:
"أعتذر عن عدم مجيئي في اليومين الماضيين."
وقف عن مقعده ودار حول المكتب، ثم وقف أمامها وتحدث بحده قائلاً:
"سأعطيك فرصة ثانية، وأتمنى ألا تخذليني، لأني وقتها سأطردك دون أن أسمع منك كلمة واحدة. خذي هذا الملف واذهبي مباشرة لشركة سليم قاسم ليوقع عليه."
وصلت أمام شركة سليم قاسم ووقفت تنظر لتلك الشركة تتمنى من داخلها أن تمتلك شركة مثلها.
ثم جرت قدميها وتحركت تذهب بكل ثقة لتقابله.
في المدرسة الثانوية صدح صوت الجرس عالياً ينبئ بانتهاء آخر حصص هذا اليوم الدراسي.
فخرجت نور تنتظر أختها ليعودا سوياً للمنزل.
وجدت مدرس اللغة الإنجليزية يقترب منها، ثم وقف أمامها وتحدث بهدوء قائلاً:
"ما الذي تنتظرينه؟"
أجابته بتلعثم قائلة:
"أنتظر نوران."
وضع كريم كفيه في جيب بنطاله يهمهم بتفكير قبل أن يقول بنبرة متسائلة:
"لما لم تدخلي نفس القسم معها؟"
أجابته بحرج قائلة:
"لأن علاماتي ليست جيدة كنوران."
اللمعت عين كريم بتسلية وهز رأسه لها قبل أن يتحدث قائلاً:
"حقاً تعترفين بأنك فاشلة."
نظرت له بحنق طفولي، فاطلق تنهيدة عميقة قبل أن يقول:
"لما لا تجيبين على مكالماتي؟"
ازدادت تقطيبه نور ثم قالت عابسة:
"لا أريد أن أتجاوز حدودي معك ولا أن أنسى من أنت."
انكمشت ملامح كريم بإنزعاج مما تقوله، ثم أجابها قائلاً:
"حقاً تعنين ما تقولينه؟ فإنا أخبرتك من قبل بأنني على أتم الاستعداد أن آتي لبيتك وأطلب يدك، وأنتي من تعترضين وتخشين على مشاعر أخواتك الأكبر منكِ، فماذا أفعل؟ أحاول أن أراضيكِ بأي شكل كان."
سارعت تقول مدافعة وهي ترفع كلا كفيها:
"أنا لا أقصد شيئاً خاطئاً، ولكني ما زلت صغيرة على الارتباط."
انزعجت ملامحه، فهدر بإستياء قائلاً:
"لم يكن هذا حديثك في السابق، لقد أخبرتني من قبل بمشاعرك."
لم تجبه، بينما ظهر على ملامحها التوتر، كانت تنظر خلفه مباشرة.
فاستدار ليرى ما تنظر إليه، فوجد نوران تقترب منهما.
زفر بحنق يمسح وجه بكفيه بإجهاد، فتركها وتحرك مغادراً.
تابعته وهو يخرج من تلك البوابة الحديدية الضخمة حتى تفاجأت بصوت نوران تقول:
"ما الذي يريده منكِ؟"
أجابتها وهي تنظر في أسره:
"لا شيء."
تحدثت نوران بغضب:
"وإذا كان لا شيء، فلم كان واقفاً أمامك ويتحدث معكِ؟ إذا تكرر ذلك المشهد مرة أخرى سأخبر فارس."
رواية ذلك هو قدري الفصل الثامن 8 - بقلم موني عادل
جفلت على صوت الباب الحديدي للزنزانة يُفتح، والضابط يخبرها بأن تقف وتأتي معه، لأن الرائد يريدها في مكتبه.
أدخلها الضابط إلى غرفة مكتب الرائد مالك، ثم خرج وأغلق الباب خلفه. وقفت أمامه بارتباك، تنظر للأسفل، بينما مالك يحدق بها ويتشرب بنظره كل تقسيمة من وجهها.
"عجيب أمرك أيتها المسجونه."
رفعت رأسها ونظرت إليه تسأله باستغراب.
"وما هو العجيب؟"
أطال النظر في عينيها الخضراوين المكحلتين، يهمس لنفسه قائلاً: كيف تكون بتلك البراءة والجمال، وفي نفس الوقت مجرمة.
نظر إليها مرة أخرى، ويرسم كل خلية في جسدها، ثم تسأل بامتعاض وعيناه تتفحصان رسم مفاتنها.
"هل ذلك الاتهام صحيح؟"
للوهلة الأولى، استغربت سؤاله، وابتسامة جانبية ارتسمت على وجهها، فأجابته بانكسار.
"لا، ليس صحيحاً، فأنا لم ألمسها."
همهم مالك بفضول قائلاً.
"ولكنك اعترفتِ بجريمتك، وأنك السبب في توابع ما حدث، ألم تدفعيها بقوة متعمدة لتفقد جنينها؟"
اتسعت عيناها قليلاً، وبدأت تتفاجأ باتهامه أنها تعمدت ما حدث مع غادة، فأجابته بجدية قائلة.
"عندما أتت ووقفت أمامي، كان وجهها شاحباً وتبدو مريضة، بل كانت وكأنها تنتظر مني أن أدفعها لتفقد توازنها. صدقني، أنا لم أفعل لها شيئاً، فلا شك لدي بأن ما حدث هو من تخطيطها."
حدق بها بحنق وهو يجلس على مقعده مسترخياً، ثم قال منبهاً.
"سأساعدك لتخرجي من هنا، ولكن لو اكتشفت بأنك تدعين البراءة، فستري ما تلقينه مني."
اتسعت عيناها بلا تصديق، وتحدثت بلهفة لم تستطع إخفاءها قائلة.
"هل حقاً ستساعدني لأخرج من هنا؟"
تراخى مالك في جلسته، وقلب عينيه للأعلى، وتمتم قائلاً.
"سنرى ما يمكنني فعله."
***
وصلت للمكان المنشود، فوقفت تتطلع للمكتب الخالي أمامها، فأين ذهبت صاحبته؟ فتجهت ووقفت أمام الباب، تطرق عدة طرقات هادئة، حتى سمعت صوته يأذن لها بالدخول.
فتحت الباب ببطء، ووقفت تنظر للواقف أمام النافذة الزجاجية بهيئة طاغية، أوصلت الرعب بداخلها، فلا تعلم لماذا تخشاه. جرت قدماها تحثها على الدخول ومتابعة ما أتت من أجله. وقفت أمام المكتب تنظر لظهره، تنتظر منه أن يستدير.
تحدث قبل أن يستدير بنبرة آمرة قائلاً.
"أغلقي الباب."
ثم استدار ينظر إليها بنظرة متوعدة، فلم تستطع أن تعصي أوامره، وذهبت لتغلقه، لا تريد أن يشتكي منها لمديرها فتفقد عملها.
أغلقته وتحركت تقف أمام مكتبه حتى يأذن لها بالجلوس. طالعها، ثم مد كفه لتعطيه الملف، ولكنها لم تفهم عليه، فأشار بعينيه للملف الذي ما زالت تحتفظ به بين يديها. أعطته له وهي تعتذر منه، فأشار إليها لتجلس.
بعدما جلست، قالت له بحرج.
"هل أستطيع الحصول على كوب ماء؟"
أجابها بلامبالاة قائلاً.
"اذهبي وأحضريه بنفسك."
تحدثت باستغراب وبنبرة متسائلة.
"وأين ذهبت السكرتيرة؟ فلأطلب منها إحضاره."
أجابها وهو يدقق النظر للملف الموضوع أمامه قائلاً.
"طردتها اليوم."
انقبض قلب مي وامتقع وجهها، وكأنه أصابها بمقتل، فالدور الأخير للمدير وسكرتيرته فقط. فسألته بصوت مرتجف بامتعاض قائلة.
"أنحن هنا بمفردنا؟"
زم شفتيه وهو يقول ببساطة.
"هذا صحيح، فأوقات العمل الرسمية قد انتهت منذ ما يقارب الساعة."
تجمدت مي وهي لا تزال على صدمتها، وحدقتاها تهتزان، بينما وقفت عن مقعدها وأخذت تتساءل.
"ما الذي تقصده؟ ألا يوجد أحد بالشركة غيرنا؟"
هز سليم كتفيه يجيبها بهدوء قائلاً.
"بل في المبنى كله، فلا يوجد غير الأمن."
رأى ارتجافها وذعرها، فلم يتحرك فيه شيء، وبكل بساطة واستفزاز، تقدم يضع يديه في جيب بنطاله، بينما تسمرت عيناه على تعابير وجهها. ثم تحدث يطلب منها المغادرة، وأنه سيكمل مراجعة الملف غداً قبل أن يوقع عليه، فقال.
"سأغادر لو لم تريدي أن تبقي بمفردك في المبنى، فألحقي بي."
خرج من غرفة مكتبه وهي على حالها، فأنتبهت لنفسها ولحقت به. وجدته يقف أمام المصعد، فوقفت بجواره تنتظر قدوم المصعد، ففتح بابه وأشار إليها لتدخل.
رفعت بصرها تنظر إليه، فتحدث بنبرة ساخرة قائلاً.
"السيدات أولاً."
ما أن دخلت وبدأ المصعد بالهبوط، فرفع حاجبه يسألها بتشكيك واضح ونبرة متلاعبه.
"هل رأيتك من قبل؟"
شمخت مي بذقنها عالياً تدعي القوة، وهي تتمتم بصوت خانها، فخرج مضطرباً قائلاً.
"لا أعتقد ذلك."
صدرت عنه ضحكة ذاهلة لا تحمل أي مرح، ثم هز رأسه غير مصدق، قبل أن يرفع وجهه لها وهو يقول بنبرة جليدية قاسية.
"بلى."
لم يجيبها بشيء بعدها، بل تحرك خطوتين باتجاه لوحة مفاتيح المصعد، فضغط على زر لإيقافه. قفزت نبضات مي وتسارعت، لكنها ظلت صامدة، ونظراتها لا تنحني بإظهار ما يعتمل داخلها. فازدردت ريقها وهي تقول.
"لما أوقفـته؟ أعد تشغيله الآن."
تباطأت نظراته التي بدأت تتحدى بجسدها من أعلى رأسها حتى أخمص قدميها، ولم يجيبها، فكانت نظراته مظلمة وراغبة. فاقترب منها أكثر ومال ليُشرف عليها. من على حاولت الهروب منه، ولكن إلى أين؟ فهي معلقة بين السماء والأرض.
حاولت الإفلات منه، لكنها لم تستطع، كان جسداهما متلاصقين، شعرت بصلابة عضلات صدره. رفعت رأسها تنظر في عينيه، فوجدته يبتسم، يحدق بها وكأنه لم يتمادى معها. فاندفعت في البكاء وهي تتوسله قائلة.
"ابتعد يا سليم، اتركني."
استفزته أكثر، مما جعله يتمكن من كلتا يديها ويثبتها بثقله على جانبي المصعد، وانقض على شفتيها بقبلة شغوفة. ابتعد عنها لحاجتها للهواء، فتحدث قائلاً.
"هل تذكرتي أم ما زلتِ تريدينني أذكرك؟"
أجابته بغضب مستعر قائلة.
"نعم، تذكرت."
***
كان جالساً في مكتب الرائد، بعدما وافق على مقابلته لملاك في مكتبه لمدة لا تتجاوز عشرة دقائق. فقد طلب فارس من المحامي أن يخرج له إذن لزيارة ملاك ليرها ويطمئنها بأنه ما زال يصدقها وأنه بجانبها ولم يتخل عنها.
ما أن دخلت ورأته، فأرتمت في أحضانه تبكي وتنتحب، بينما هو يمسد على ظهرها. بالكاد منع نفسه من البكاء، وهو يشدد على عناقها، فلم يكن يريد أن يبكيها، ولا أن يرى دموعها الحارقة والمريرة وهي تتذكر مأساتها وما تمر به.
فأجلسها على المقعد وجلس أمامها، ممسكاً بكفها داخل كفيه، فنظرت له من بين دموعها تسأله قائلة.
"كيف حال الجميع؟"
أجابها بنبرة متأثرة قائلاً.
"الجميع بخير، ووالدتك أرادت أن تأتي وتراكِ، ولكني أنا من أرفض أن تأتي لتلك الأماكن، فلن تتحمل رؤيتك هنا وستمرض."
تحدثت وهي ترفع أناملها تمحو دموعها قائلة.
"وأنت أيضاً لا تأتي إلى هنا مجدداً، فلا أريدك أن تراني في وضعي هذا."
أخفض بصره ورفع أنامله يدلك جبينه، كمن لا يعرف كيف يشرح الأمر، هو من يحتاج إليها، لا هي. هو من يستمد منها قوته، لا هي. فتحدث قائلاً.
"كلما أتيحت لي فرصة لرؤيتك، لن أضيعها."
أرادت أن تسأله عن معتز وزوجته، وما رأي معتز فيما تعانيه بسبب زوجته، ولكنها تمنع نفسها، فالجواب واضح من عنوانه، طالما هي ما زالت هنا، فمعتز راضٍ كل الرضا عما تعانيه.
تحدث مالك قائلاً.
"لقد انتهت العشر دقائق المسموح بها."
ونادى على الضابط ليأخذها ويعيدها لزنزانتها. وقفت ووقف معها فارس، يكسو ملامحها الحزن، ولكنها تحاول أن تخفيه، وأظهرت ابتسامة هادئة على وجهها رغم تشنجها، وودعته بعينيها، ثم غادرت.
***
خرج من بوابة السجن ليباشر عمله، فهو يحتاج للمال. أمسك هاتفه وحاول الاتصال بمعتز لأكثر من مرة، ولكن هاتفه ما زال مغلقاً. زفر بغضب وحقد، فحث نفسه على المغادرة وتحرك مغادراً للمكان، ليذهب للورشة ويبدأ عمله ويرى ما يخفيه له القدر.
على مدار الأيام الماضية، وهو يصب كل اهتمامه عليها، ولكنها لا تشعر بالسعادة، بل تشعر بالاختناق لبعدها عن منزلها. كم تشتاق للعودة إليه، فتحدثت قائلة.
"معتز، يكفي هذا، علينا بالعودة، لقد مللت المكوث هنا."
تنهد معتز وهو يقترب منها ليميل على وجنتيها، يطبع قبلة عليها، ثم تحدث بألم مبرح قائلاً.
"لا أريدك أن تواجهي أحداً منهم الآن، فلنبق لبضعة أيام أخرى."
اتسعت عيناها بذهول وعدم تصديق، كيف لرجل أن يوافق على ما فعلته بملاك، ويظل واقفاً معها ويخفف عنها على حساب أخته؟ شعرت بالاشمئزاز منه، فتحدثت قائلة.
"سنذهب للبيت الليلة، أريد المبيت في غرفتي."
فوقفت من مكانها واتجهت لتحضر أشياءهم ليغادرا الفندق ويذهبا للبيت، فهو كل ما يجعلها تتحمل معتز وترضي بالعيش معه.
***
كانت جالسة في صالة بيتها شارده، يظهر الضيق على ملامحها، تفكر في من شغل فكرها واحتل قلبها. انتبهت لحديث والدتها وهي تسألها قائلة.
"ألا توجد أخبار عن تلك المجنونة؟"
فهمت مقصد والدتها وما ترمي إليه، فأجابتها باستياء قائلة.
"أمي، أرجوكي، الجميع يعلم من هي ملاك، فلا تتحدثي عنها بتلك الطريقة."
لم تجد أي رد منها في البداية، وعم الصمت بينهما، ثم تحدثت والدتها قائلة.
"الحديث في الحي كله عنها، والجميع يعرف ما حدث وما فعلته ملاك لزوجة أخيها."
أجابتها ليال وقد انفلتت أعصابها قائلة.
"أمي، الجميع يعلم من هي غادة، فهي امرأة حقودة، تكره ملاك وتغار منها، لأنها لطالما كانت أجمل بنات الحي."
وقفت لتترك والدتها تجلس بمفردها، واتجهت لتدخل غرفتها. ما أن دخلت لغرفتها، فأمسكت بهاتفها ووقفت تطالعه لفترة، ثم ضغطت على زر الاتصال لتجري مكالمة.
أجابها الطرف الآخر قائلاً.
"من؟"
فما أن استمعت لصوته، رفعت كف يدها تضعها على صدرها موضع قلبها لتهدئ من روعه، وقد ارتفع صوت تنفسها، ولكنها لم تجبه، وظلت تستمع لصوته وصوت تنفسه، بينما ظل هو ينتظر أن تجيبه. فرفع الهاتف عن أذنه يطالع الرقم على شاشة هاتفه للحظة، شك بأنها من الممكن أن تكون زينة، ولكنه نفى سريعاً ما يفكر فيه عندما وجد المكالمة قد انتهت، فعاد يكمل عمله ويرى فيما بعد من ذلك المتصل.
رواية ذلك هو قدري الفصل التاسع 9 - بقلم موني عادل
بعدما ابتعد عنها سليم، وقفت تفكر. قد شردت قليلاً، كيف سمحت له بالإقتراب منها؟ لما لم تجيبه بصفعة على وجهه؟ ولكنها صدمت من جراته، والصدمة قد شلت أطرافها، فلم يخرج منها رد فعل على ما فعله غير تلك الكلمة التي نطقت بها، تعترف بأنها تتذكره.
فصدمتها كانت أكبر من أن تجيبه بأي شيء مما أرادته. تعلم بأنها مخطئة، ولكنها خائفة أيضاً. فلم يعد سليم الذي عرفته منذ خمسة سنوات، لقد تغير كثيراً، كل شيء فيه قد تغير. تأملت جسده الرياضي وعضلات صدره البارزة وعضلات ذراعيه الرجولية التي تظهر من أسفل قميصه. فتنحنحت لترفع بصرها تنظر بداخل عينيه، حتى نظرة عينيه تغيرت، أصبحت أكثر ظلمة. لطالما أخافتها نظراته، ولكنها كانت تعتقد بأنه يحبها، ومن يحب لا يؤذي. ولكن الآن، بعد خروجه من حياتها بدون كلمة وداع، لا تستطيع الوثوق فيه من جديد. فأمتقع وجهها وحاولت أن لا تظهر الخوف على محياها.
فتحدثت وقد أمتقع وجهها وهي تقول:
"منذ أن رأيتك لاول مرة تذكرتك. أعترف بأنك تغيرت كثيراً، ولكني لا أعرف أين ذهب الحب والهيام الذي كنت تظهره لي، لأجدك اختفيت من حياتي في ليلة وضحاها."
هز سليم رأسه وهو يقول:
"معك حق، لقد اختفيت فجأة، ولكن لو عرفت السبب لعذرتني."
تحدثت مي باستياء قائلة:
"لست مهتمة أن أعرف شيئاً عن حياتك."
أمسك بكفها بين كفيه يتحسسه، فنفضت ذراعها. ثم سرعان ما اتسعت عيناها وهي تهتف بردع قائلة:
"سليم، ابتعد عن حياتي. في السابق كنت ما زلت فتاة صغيرة، فكان من السهل لشخص مثلك أن يتلاعب بمشاعرها. أما الآن، فقد نضجت ولن أسمح لك بالتجاوز معي أو التلاعب بمشاعري من جديد."
وقفت تتنظر إليه بشجاعة زائفة، بينما وقف هو يضع كفيه في جيبه يبادلها نظراتها بأخرى. فتنهدت بيأس منه وتحدثت باستياء قائلة:
"أعد تشغيل المصعد."
أجابها ببرود قائلاً:
"لا أريد."
تحدثت بتوسل قائلة:
"أرجوك، لقد تأخر الوقت وانتهى موعد عملي على العودة للبيت."
أذعن سليم، الذي ما زال ينظر إليها لأمر قلبه. فمنذ أن رآها للوهلة الأولى لم يصدق بأنها هي، ولكنه حاول تجاهلها ليتأكد أولاً. ولكنها أشعلت نيران قلبه، فكاد أن يخرج من بين أضلعه. فاستدار يضغط على زر تشغيل المصعد، ووقف يراقبها ويتأمل كل تقاسيم وجهها. فتحدث بصوت أجش قائلاً:
"لقد تغيرتي، تبدين أجمل."
التفتت تنظر إليه بنظرات مضطربة، بينما هو يتابع بتوجس حركة عنقها الأبيض كلما ابتلعت ريقها توتراً. توقف المصعد يعلن عن وصوله للطابق الأرضي، فخرجت واتبعها سليم. فوقف أمام سيارته يطلب منها الصعود ليوصلها، ولكنها رفضت عرضه. فكرر طلبه من جديد، فأبت. وقفت تناظره وهي تكتف ذراعيها، ثم أشارت لأول سيارة أجرة مرت من أمامها وصعدت بداخلها تخبر السائق عن وجهتها. فما إن بدأت السيارة بالتحرك، أطلقت العنان لدموعها وهي تتابعه من زجاج السيارة الشفاف، واقفا بجانب سيارته ينظر في أثرها.
أنتهى من عمله وعاد لبيته. فجلس على أول مقعد قابله والظلام من حوله. فأمسك هاتفه يجري مكالمة. أجابه الطرف الآخر سريعاً بعد إلقاء التحية والاطمئنان على حال بعضهما البعض. تحدث مالك بحرج قائلاً:
"أريد منك خدمة."
تحدث صديقه باستغراب يلفه الفضول قائلاً:
"أخبرني، ولو أستطيع خدمتك لن أتأخر عليك."
أخبر صديقه بما يريده، وجلس يفكر في ملاك، فهمس لنفسه قائلاً:
"لكل واحد منا حكاية ورواية."
وجد والده يجلس على مقربة منه، يعقد حاجبيه بقهر على ولده الذي يرفض الزواج ويفضل العيش راهباً على أن يتزوج فتاة من اختيار والدته أو والده. فكل ما يريده هو أن يفرح بزواجه ويرى أطفاله.
تحدث والده بنبرة حانية وهو يربت على كتف مالك قائلاً:
"لما تجلس هنا في الظلام؟"
أجاب والده بهدوء وقد خرج صوته مرهقاً قائلاً:
"أمضيت وقتاً طويلاً ومجهداً اليوم في السجن. فلم أصدق بأنني أخيراً وصلت للمنزل، ففضلت الجلوس هنا قليلاً ثم الصعود لغرفتي."
"هل ما زلت غاضباً مني يا مالك؟ كل ما نفعله أنا ووالدتك من أجلك، فكل ما نريده من الحياة هو رؤيتك سعيداً."
تمتم بخفوت قائلاً:
"لست غاضباً، ولكني غضبت في وقتها عندما أتيت ووجدت تلك الفتاة ابنة صديقك تعرفني عليها وتذكر مواصفاتها، ثم تنسحب أنت ووالدها لتتركنا بمفردنا. غضبت وتأكدت شكوكي. أرجوك يا أبي لا تكررها، فلا أريد إحراجك."
اخفض والده وجهه يأساً منه، ثم تحدث قائلاً:
"حسناً، اختر أنت فتاة وسأزوجها لك، فأنت لم تعد صغيراً، لقد أتممت الثالثة والثلاثين."
زم شفتيه مفكراً، ثم تحدث قائلاً:
"قريباً سأخبرك برغبتي في الزواج."
نظر إليه والده غير مصدق ما نطق به. بينما هو تجاهل نظرات والده المتسائلة، يعلم بأنه يريد أن يعرف أكثر، ولكنه لا يستطيع أن يخبره أي شيء الآن. عليه الانتظار ومتابعة ما سيحدث غداً.
بعدما وصلت للبيت، اختلت بنفسها بداخل غرفتها تبكي بكاءً مريراً لم تبكيه من خمس سنوات. جلست تتذكر أول مقابلة بينهما، كانت في رحلة للساحل الشمالي تابعة لمدرستها الثانوية. كانت واقفة هي وصديقتها تتابع موجات البحر المتتالية، فتحدثت صديقتها وهي تجرها من معصمها قائلة:
"تعالي نستمتع بالماء ونقف قليلاً على الشاطئ، لم نأتي لنتفرج فقط."
أذعنت لغربتها ووقفت تتلاعب بقدميها في الماء وموج البحر يضرب قدميها بقوة، فاختل توازنها وسقطت جالسة. ضحكت عليها صديقتها بملء فاها، فحدقتها مي بنظرة غاضبة. مدت يدها تساعدها على الوقوف، فأتت موجة قوية سحبتها للداخل أكثر. شعرت بالذعر وقد بدأت تغرق والموجات تتوالى عليها، بينما صديقتها تقف مصدومة، وكل خلية في جسدها ترتجف بشدة، لا تستطيع التحرك ولا إخراج صوتها لطلب المساعدة. بينما الأخرى تختنق تحت الماء وتشعر بأنفاسها تتلاشى. وجدت من يساعدها ويسحبها للخارج. تلاشت الرؤية أمامها، ففقدت وعيها.
كان فارس عائداً من عمله متعباً ومرهقاً، فالعمل كثير ويحتاج لجهد، ولكن إصراره على العمل هو ما يجعله يتحمل تعبه. ولكن عليه المتابعة والتمسك به. وقف أمام مكتب المحامي، ثم صعد ليرى إذا ما كان توصل لشيء جديد أم لا، فلا يستطيع أن يرى ملاك تجدد حبسها من جديد.
طلب من السكرتيرة مقابلة المحامي، فسألته عن اسمه، ثم تركته ودخلت تخبر المحامي. فوقف هو ينتظر على أحر من الجمر. خرجت بعد قليل تقف بجوار الباب تشير له بيدها ليدخل. دخل وجلس أمامه، فظلوا يتناقشون في قضية ملاك، يخبره بما سيحدث.
تحدث المحامي بعملية قائلاً:
"غادة قدمت تقرير طبي موقع من الطبيب المباشر وعليه ختم المستشفى يثبت بأنها وصلت المستشفى في حالة إجهاض، مما جعلها تنزف بشدة."
فتحدث فارس بغضب يرفع حاجبه يسأله بتشكيك قائلاً:
"ماذا؟ لا تقول بأن ملاك ستتجدد حبسها؟"
أومأ له المحامي، فغلف الحزن ملامحه وأخفض وجهه وهو يشعر بألم شديد في صدره وغصة مريرة في حلقه. ثم وقف مغادراً وقد تساقطت دموعه، بينما يلعن معتز بأشد اللعنات.
وقفت السيارة أمام المنزل، فترجلت منها ووقفت تأخذ نفساً قوياً. وجدته يلف ذراعه حول كتفيها يدعمها ويحثها على المتابعة. استدارت برأسها تنظر إليه وقد رسمت الحزن على وجهها وانزلقت دموع التماسيح على وجنتيها. فقترب منها ومال يطبع قبلة أعلى رأسها وهو يبثها حبه ومشاعره، ثم تحرك بها للداخل.
اقترب منها ومال يطبع قبلة أعلى رأسها وهو يبثها حبه ومشاعره، ثم تحرك بها للداخل.
دخل للبيت ممسكاً بكفها ينظر إليها بنظرات محبة يحثها على المتابعة. كانت والدته قد استمعت لصوت المفتاح بالباب، فعتقدت بأنه فارس. جلست بترقب تنتظره لتطمئن منه على ملاك. كانت تتمنى لو طاوعها وأخذها معه لترى فلذة كبدها. ترقرقت عيناها بالدموع، ولكنها تماسكت حتى لا تحزن فارس أكثر مما هو حزين، يكفيه ما يمر به ويشعره بأنه مكتفٍ لا يستطيع فعل شيء.
وجدته يقف أمامها ممسكاً بكفها ويلقي السلام. صدمة وأي صدمة قد تقع على قلبها؟ ابنها البكر فعل فعلته ورجع للبيت وكأنه لم يفعل شيئاً. كأن من تبيت بالسجن منذ الخمسة أيام مع المجرمين وأصحاب السوابق ليست أخته ومن دمه، بل هو السبب في سجنها، ويأتي الآن يقف أمامها بدم بارد ممسكاً بكف زوجته ويلقي السلام، وكأنها ستجيبه وتتعامل معه وكأن شيئاً لم يكن.
أقتربت منه ووقفت أمامه تنظر إليه بخيبة أمل، ثم رفعت كفها لتنزل بصفعة على وجنتيه. نظر إليها بغضب يكور كفيه بجواره حتى لا يفقد أعصابه. فرفعت كفها تريد صفعه من جديد، ولكنه سبقها وأمسك بكفها قبل أن تنزل على وجنتيه. نظر إليها بغضب يضغط على أسنانه، ثم تحدث من بينهما قائلاً:
"لن أسمح لكِ بتكرارها."
تحدثت بخيبة أمل قائلة:
"يا خايبتي على ولدي، على من خان الدم وخان العشرة، يا ليتني لم أنجبك، فليسامحك الله ولكني لن أسامحك ما دمت حية."
رمقها بنظرة مستهزئة لا يعير حديثها أية اعتبار، بينما غادة سعيدة بما تراه أمامها. وجدوا من يقتحم المكان ويندفع باتجاه معتز، يتهجم عليه ويمسكه من مقدمة قميصه، ثم اخذ يوجه له اللكمات، بينما يحاول معتز الدفاع عن نفسه والرد على تلك اللكمات بأخرى. حاولت والدتهم أن تحول بينهم، ولكنها لم تستطع، فأجتمع أخواته على أصواتهم. فوقفت غادة تتابع ما يحدث، تنظر إليه بنظرات عاشقة وحالمة، سعيدة بما يتلقاه معتز من فارس. لو لم يكن عيباً لشجعت فارس وطلبت منه أن يلقنه درساً ويعلمه كيف يكون رجلاً.
حاولت مي الوقوف أمامهم ليبتعدوا عن بعضهم، ولكنهم لم يستمعوا لها. وجدت معتز مستلقياً فوق فارس يوجه له اللكمات في وجهه بقوة، فتجهت ناحيته تبعده عن فارس وهي تدفعه ليقف ويبتعد عنه. فدفعها معتز بقوة ليرتطم جبينها بطرف الطاولة، فتنزلق الدماء تغطي وجنتيها. أطلقت أختيها التوأم العديد من الصرخات وهم يتجهون ناحية مي، بينما والدتهم لم تعد تستطيع الوقوف على قدميها أكثر ومشاهدتهم يتقاتلون، فارخت قدميها ولم تشعر بهما، فجلست على الأرض تضع يدها على صدرها وتبكي بحرقة على ما يطول أبناءها.
انتبهوا لوالدتهم، دفع فارس معتز في صدره عدة مرات يحاول إبعاده عنه واتجه نحو والدته يطمئن عليها. جاهدت والدته لتأخذ أنفاسها، ولكنها لم تستطع، تشعر بالاختناق. فطلب فارس من مي الاتصال بالطبيب وإبلاغه أن يحضر في أسرع وقت، بينما حاول فارس مساعدة والدته على الوقوف والذهاب لغرفتها لتبقى بداخلها حتى وصول الطبيب. ساعد والدته لتتسطح على الفراش، ودار ببصره يبحث عن مي، وجدها تقف تنظر إلى والدتها بقلق وخوف، وخيوط من الدماء تنزل من ذلك الجرح الذي تسبب فيه معتز. فاقترب منه وأخذ ينظر إلى جرحها، ثم طلب من نور إحضار علبة الإسعافات الأولية. ساعد مي وطهر جرحها وضمده. فوجد صوت جرس المنزل يتصاعد، فخرج يفتح الباب، وجده الطبيب. رحب به وأدخله، ثم أوصله لغرفة والدته. بعدما كشف الطبيب على والدته، أخبره بأن السكر مرتفع والضغط كذلك، ثم أخبره بما يتوجب عليه فعله وكتب لها أدوية عليها تناولها في مواعيد معينة، ثم غادر. بينما معتز انسحب هو وزوجته لداخل غرفتهم.
كان مستلقياً على الفراش يتذكر أول مقابلة جمعته بها عندما أنقذها من الغرق وأخرجها من الماء. كانت فاقدة للوعي، وضعها على الرمال وحاول إفاقتها. ضغط على صدرها ليخرج الماء من رئتيها وتستعيد وعيها، بينما ينظر لوجهها بين الحين والآخر. فعندما رآها لا تستجيب لمحاولاته، قرر أن يعطيها نفساً صناعياً، فمال يلصق فمه بفمها يعطيها من أنفاسه حتى تستفيق. اخذ يكررها عدة مرات إلى أن بدأت تفتح عينيها ببطء شديد. رأته يميل عليها من على وشفاه ملتصقة بها. رفعت كفها لتصفعه على وجهه، فابتعد عنها ينظر إليها بغضب، ثم انسحب مغادراً.
رآها مرة أخرى، فوقفت أمامه تتحاشى النظر إليه، تعتذر عما بدر منها ذلك اليوم وتشكره على إنقاذه حياتها. فتحدث ببرود مستفز قائلاً:
"حسناً، تقبلت اعتذارك."
استاءت ملامحها وتحدثت قائلة:
"ولكنك أخطأت، لم يكن يتوجب عليك فعل ما فعلته."
أجابها بنفس البرود واقترب منها يضع كفيه في جيب بنطاله قائلاً:
"اغربي حالاً عن وجهي، وإياكي أن ألمحك مجدداً، فأنتِ تشعرينني بأنني كنت متحرشاً."
نظرت إليه بغير فهم قائلة:
"ماذا؟"
تحدث سليم بخشونة قائلاً:
"يا لكِ من فتاة غبية وساذجة."
تدلى فكها بصدمة حتى كادت أن ترتمي أرضاً مما تسمعه. فتحدثت قائلة:
"من أعطاك الحق لتتحدث معي بتلك الطريقة؟"
نفض تلك الذكريات عن عقله وهمس قائلاً:
"ستكونين لي، شئت أم أبيت، ستكونين زوجتي ولن تنتمي لأحد غيري."
بعدما اطمئن على والدته وقد غطت في نوم عميق، تركها وانسحب لغرفته لينعم بحمام دافئ ينعش جسده ويفك من تشنج عضلاته. وقف تحت الماء البارد يتنهد بتعب، لا يعرف ما يفعله مع معتز وما سيحدث مع ملاك غداً. يريد الذهاب لمعتز والاعتذار منه والتوسل إليه لتخرج ملاك من تلك الأزمة. فبعد قليل خرج من المرحاض يرتدي بنطال قطني من اللون الرمادي، بينما جزعه عارٍ. ما إن فتح باب المرحاض صدم عندما رآها واقفة في داخل غرفته تنظر إليه بوقاحة، فكيف تجرأت ودخلت لغرفته دون إذن لها؟ ولماذا؟
تنفخ في وجهها بصوت غاضب وقد استشرت ملامحه، فقال:
"لما أنتِ هنا؟"
عم الصمت حولهما، وتيرة أنفاس كليهما في تزايد، فتحدثت بكل وقاحة قائلاً:
"أنت."
قصف صوته الرجولي الغرفة ليخترق أذنيها وعقد حاجبيه وهو يقول مهدداً، بينما ينظر إليها بنظرات مخيفة:
"إياكي أن تظني ولو مجرد ظن بأنني لا أعرف نواياكِ، لا أريد أن أراكِ، أشعر بالاشمئزاز منكِ، هيا اخرجي."
استمرت غادة بالنظر إليه بتلك الابتسامة الهادئة، كانت خائفة منه ومن نظراته، ولكن لا فائدة، فقد تأخر الوقت كثيراً على التراجع، لذا فعلت ما فكرت به دون تردد. اندفعت إليه وارتمت عليه، فقامت بوضع شفتيها على شفتيه لتقبله. انتفض مبتعداً عنها ورفع يديه ليصفعها وغضبه منها يقتله. بينما وقفت هي تنظر إليه وكأنها لم تفعل شيئاً. فصفعها مرة أخرى وأستدار يلكم الجدار بجانبه عدة مرات، فغضبه كان جنونياً. ثم أستدار باتجاهها يدفعها بذراعيه لتخرج من غرفته. استمرت تراقبه بهدوء وهي واقفة خارج حدود غرفته، فأغلق الباب في وجهها وأستدار مستنداً عليه واضعاً كفه على وجهه مشمئزاً منها. فما فعلته خطيئة، يعترف بأن معتز أناني وحقير، ولكنه لا يستحق أن يكون عقابه زوجة خائنة.
كانت ملاك جالسة على أرضية الزنزانة تنظر للسماء من النافذة المرتفعة الذي يحاوطها أسياخ الحديد، تشعر بالقلق، تعد الدقائق والثواني، تفكر في الغد، هل ستخرج من هنا أم ستعود مرة أخرى إلى سجنها لتبقى بداخله طوال عمرها؟ بدأ نور الصباح ينتشر معلناً صباحاً جديداً، فتمنت أن يكون اليوم يوم حظها وتعود مع أخيها للبيت لتبقى في نظره ملاكها البريء دائماً.
رواية ذلك هو قدري الفصل العاشر 10 - بقلم موني عادل
كان يكبح غضبه بشق الأنفس، يتذكر جرأتها معه منذ قليل. يريد أن يطلق العنان لجنونه ويكيل لمعتز بكل ما أوتي من قوة، اللكم والسب. فكيف يتزوج بفتاة مثل غادة ويسمح لها بالتلاعب به كيفما تشاء؟ لقد تبدل بشخص آخر لا يعرفه ولم يعهده قبلاً.
ظل يدور بغرفته ذهاباً وإياباً، ثم رحل سريعاً من المنزل يشعر بالغضب من الجميع، والشرار يتطاير من عينيه. وقف بالخارج أمام المنزل ينظر إليه، يفكر بأن عليه أن يكشفها أمام معتز، فلن يسمح بأن تبقي بينهم أكثر من ذلك. يعلم بأنها لن تستسلم، ستحاول معه مرة ثانية وثالثة، ولكن بأي طريقة ستؤول محاولاتها؟ لا يعلم، لا يعرف ما يدور بعقلها، وأي مكيدة ستكيدها لتوقع به كما أوقعت بملاك.
تنهد وأخذ نفساً قوياً، فرفع أنامله يدسها في شعره الكثيف وهو يدور ببصره في اتجاه غرفة معتز. وجدها واقفة تنظر إليه، وابتسامة خبيثة تعلو وجهها، ثم أرسلت إليه قبلة في الهواء مما جعله يتقزز منها ومن أفعالها المنحرفة وجرأتها معه. ظل متخشباً في وقفته للحظات، ثم تحرك مغادراً، لا يعلم لأين، ولكن ذلك هو الأفضل.
بعدما استدار فارس مغادراً، ظلت تتابعه إلى أن اختفى من أمام ناظريها، ثم أخذت نفساً قوياً تنعش به روحها. نظرت للبيت المجاور بابتسامة واسعة وهمست لنفسها قائلة: "حسناً، كما تريد". ثم أغلقت النافذة واستدارت ذاهبة باتجاه الفراش. فوقفت أمامه تنظر لمعتز المستلقي فوقه، يغوص في نوم عميق. فتنهدت وهي تنعي حظها الذي أوقعها في شخص مثله. تتمنى لو كان فارس هو زوجها ومن معها الآن، لكانت خادمة بين يديه وتحت إشارة من أنامله. ولكن جار عليها الزمن لتكون زوجة رجل بالاسم فقط.
وجدت هاتفها يهتز وتنير شاشته، فتبدلت ملامحها للاستياء وعقدت حاجبيها بشيء من الحنق. فمسكته وقد عبست ملامحها أكثر، ثم أغلقته وأخذته واتجهت باتجاه المرحاض، فأغلقت الباب خلفها بإحكام. ووقفت تعيد الاتصال على الرقم الذي حاول الاتصال بها منذ قليل.
تحدثت بهدوء ونبرة تلاعب قائلة: "لما تتصل الآن؟ أخبرتك أن تنتظر."
هدر بها وأكد عليها مصححاً: "إن لم تقابليني في أسرع وقت فلن تتوقعي ما يمكنني فعله. لقد عرفت عنك كل شيء وأعرف بشأن تلك القضية. فأنا وأنتِ أكثر من يعرف بأن تلك الاتهامات ليست بها شيء من الصحة، فأنا من كتبت ذلك التقرير وأنا من فعلت..."
وأراد تكملة حديثه فقاطعته وتحدثت قائلة: "حسناً، انتظر قليلاً لبضعة أيام وبعدها سأقابلك."
أجابها ببشاشة ملامحه وبريق المنتصرين قائلاً: "أريدك الآن، سأبعث لكِ العنوان في رسالة فلا تتأخري."
خرجت من المرحاض ووقفت حائرة، لا تعرف ما عليها فعله. هل تطاوعه وتذهب أم تبقى وتتركه يفعل ما يفعله؟ فهو لن يضر بنفسه ويخبرهم بأنه ساعدها في خطتها، ولكن عليها إسكاته.
كانت ملاك جالسة على أرضية الزنزانة تنظر للسماء من النافذة المرتفعة الذي يحاوطها أسياخ الحديد، تشعر بالقلق. تعد الدقائق والثواني، تفكر في الغد، هل ستخرج من هنا أم ستعود مرة أخرى إلى سجنها لتبقى بداخله طوال عمرها. بدأ نور الصباح ينتشر معلناً صباحاً جديداً، فتمنت أن يكون اليوم يوم حظها وتعود مع أخيها للبيت لتبقى في نظره ملاكها البريء دائماً.
وجدت باب الزنزانة يفتح والعسكري ينادي عليها، فوقفت من مكانها وذهبت باتجاهه ليضع الأساور الحديدية حول معصمها. وتحركت بجواره ذاهبة باتجاه السيارة التي ستنقلها لمقر النيابة. بينما وقف مالك ينظر إليها من نافذة مكتبه وهي تصعد بداخل السيارة لتنقلها لمقر النيابة العامة.
استيقظ سليم في الصباح ليبدأ روتينه اليومي، فلا جديد في حياته غير ظهورها. فلا ينفك عن التفكير فيها منذ أن رآها، وهي تشغل باله وخياله. فلا يعلم متى بدأ يشعر بأنه واقع في حبها. فمنذ أن رآها طرد تلك الفتاة من العمل وتخلى عن سهراته وجميع الفتيات التي عرفهن يوماً، محاهم من حياته في ليلة وضحاها. فيبقى عليه إقناعها بأنها هي من ملكت قلبه وأنها منذ أن عادت لحياته نسي كل شيء لتبقى هي فقط في ذاكرته.
تذكر ما حدث معه منذ خمسة سنوات ولما اختفى من حياتها بدون سابق إنذار، فارتسم الألم على محياه وهو يتذكر بأنه دائماً ما كان يشعر بالصداع. وعندما قرر الذهاب للطبيب أخبره بذلك المرض اللعين الذي يتمركز بداخل رأسه. فأخبره الطبيب قائلاً: "هناك خطر على حياتك إن لم تخضع لعملية جراحية."
تحدث بغير وعي قائلاً: "وما هي نسبة نجاح العملية؟"
أجابه الطبيب بنبرة حزن واضحة، هو يتلاعب بقلمه بين أنامله قائلاً: "لن أكذب عليك، ولكن نجاح العملية ضئيل جداً، وإذا نجحت فسيكون لها تأثير عليك وهو أنك من الممكن أن تفقد الذاكرة."
فما إن أخبره الطبيب بذلك وأنه من الممكن أن يموت وهو يجري تلك العملية، وإذا خرج منه حياً وكان في عمره بقية فسيعيشها ناسياً لكل من حوله، فلن يتذكر أحداً من أحبته ولا عائلته. فذلك ما جعله يتخلى عنها ويسافر ليرى ما سيحدث معه. فالأمرين أصعب من بعض، فإذا مات ستتألم، وإذا فقد ذاكرته ولم يتذكرها ستتألم أكثر. فكان الحل الوحيد أمامه هو سفره ليتعالج في الخارج دون إخبارها بشيء، ليخيل لها بأنه لن يحبها يوماً وتركها وسافر، تخلى عنها ليصبح هو شخص خائن في نظرها، استغل فتاة صغيرة في فترة مراهقة وعندما مل منها تركها وكأنها لم تكن في حياته يوماً.
استيقظت في الصباح، فاغتسلت وبدلت ملابسها وجلست في غرفتها يتأكلها القلق. لا تعلم ما حدث ليخرج فارس باركاً دون إخبار أحد. لم ينتظرها لتذهب معه وتكون بجوار ملاك. هل حدث شيء لملاك جعله يخرج دون إخبارهم؟ فقررت بأنها ستذهب حيث ستكون لتطمئن عليها وترى ما سيحدث معها. سيغضب فارس منها لأنها عصت أوامره، ولكنه سيسامحها فيما بعد.
فأمسكت هاتفها وضغطت عليه تنتظر أن يجيب الطرف الآخر على المكالمة. فتحدثت مي بتلعثم قائلة: "مرحباً سيدي، هل استطيع أخذ إجازة؟"
عبس وجه مديرها وتحدث بغضب قائلاً: "تأخذين إجازة إذا كنتِ لا تستطيعين الالتزام بوظيفتك، فلتبقي في المنزل وتتركي مكانك لأحد آخر."
أجابته بقهر وصوت أنين مكتوم بدأ يخرج منها قائلة: "سيدي أنا آسفة، لن أستطيع الحضور للعمل اليوم، فلا أستطيع ترك العمل، فأنا أحتاج إليه."
تنهد وأخذ يهدئ من أعصابه ثم تحدث قائلاً: "أخبرتك من قبل ألا تكرريها، ولو حصل وتغيبتِ عن العمل سأطردك، وما زلت عند كلمتي. إن لم تأتي للعمل الآن، فلا تأتي غداً لأنك ستكونين مطرودة."
ثم أغلق المكالمة دون أن يسمع منها كلمة واحدة. فأزاحت الهاتف عن أذنها تنظر إليه لتجده أغلق المكالمة. ظلت تنظر للهاتف بتصديق وحدقين متسعتين، ثم رمته على الفراش ووقفت تفكر فيما عليها فعله. هل تذهب للعمل أم تنتظر فارس لحين عودته أم تذهب لترى ملاك؟
فأمسكت بالهاتف من جديد وضغطت على اسم فارس تنتظر منه أن يجيب. فانتهاء الاتصال ولم يجيب عليها، فأعادت الاتصال مرة أخرى فلم يجيب أيضاً. فوقفت وقد حسمت أمرها وتوجهت لتخبر والدتها بأنها ستخرج.
بعد قليل كانت تقف أمام مكتب المدير، لا تعرف ما عليها قوله، تنتظر أن يتحدث هو. ولكنها نظرت إليه ثم انكب بكل تركيزه يراجع الملفات الموضوعة أعلى مكتبه. تململت مي في وقفتها وقد ألمتها قدماها من الوقوف. فبينما هو بعد مرور بعض الوقت قائلاً: "اسمعيني جيداً، لن أسمح لكِ مجدداً بالتغيب عن العمل متى أردتِ. وإن حصل وحدث ذلك، فلا تأتي مرة أخرى. فأنتِ فتاة مستهترة، ولم أكن لأوافق أن تعمل لدي فتاة مثلك إلا عندما أخبرتني ابنة أخي بأنكِ جدية في ذلك الأمر وتحتاجين إليه وبشدة. فإن لم تكوني قد الثقة، فلن أفكر للحظة قبل طردك."
شعرت بالإهانة والذل، وقد شعرت بغصة في حلقها، ولكنها أومأت برأسها تؤيد حديثه، فهي تحتاج للعمل. فأكمل حديثه قائلاً: "لدينا عشاء عمل الليلة وعليكي الحضور معي، فكوني جاهزة ومستعدة. سأخبر السكرتيرة أن تخبرك بالمكان والموعد المحدد."
ثم أشار إليها بكفيه لتخرج. بينما هي عندما سمعته يتحدث عن ذلك العشاء صدمت، فبالتأكيد لن تستطيع الذهاب. وإذا أرادت ذلك، ففارس لن يوافق وسيعارض، ووقتها ستطرد من عملها. زفرت أنفاسها بغضب ثم استدارت تضرب الأرض بقدميها وهي تتمتم قائلة: "كل شيء يمر في حياتي عكس رغبتي، فحتى الآن لا يوجد شيء أريده وتحقق."
في داخل مقر النيابة كانت ملاك واقفة أمام غرفة وكيل النيابة تشعر بالذعر. فمن يشعرها بالأمان لم يأتِ. فلم ترَ إياه قبل أن تسمع حكماً قد يدمي قلبها للأبد. ظلت مثبتة حدقتيها على الممر المؤدي إليها، تراقبه لعله يأتي وتراه ليطمئن قلبها ولو قليلاً. زرفت الدموع بغزارة وأخذ صوت شهقاتها يرتفع تدريجياً. وعقلها يهيئ لها آلاف السيناريوهات بأن فارس قد صدق ما نسب إليها من تهم، أو أنه فقد الأمل في إخراجها فلم يأتِ وترك الأمر للقانون. رفعت أناملها تمحي دموعها التي ملأت وجنتيها وأخذت نفساً قوياً لعله يريح آلام صدرها. ثم تنهدت وهي تنظر للأعلى وقالت: "يارب أظهر الحق."
وجدت العسكري يسحبها من معصمها ويتجه للداخل. فما أن تحركت سمعت صوته ينادي بعزم ما فيه باسمها. وقفت غير مصدقة تمحي بقايا دموعها، بينما هو أطلق العنان لقدميه يركض باتجاهها لتستقر بداخل أحضانه. تبكي وتشهق بصوت مرتفع، فأحتضن رأسها وقد نزلت دموعه أيضاً لرؤيته انهيارها وبكاءها بتلك الطريقة.
فتحدثت من بين دموعها وهي تسدد إليه اللكمات في صدره بوهن، بينما تعاتبه قائلة: "أين كنت؟ لقد انتظرتك كثيراً."
أجابها وهو يحتضنها من جديد يشل حركة ذراعيها لتهدأ قليلاً قائلاً: "آسف حبيبتي، كان علي الذهاب للعمل أولاً لأنهي شيئاً قبل مجيئي، وذلك ما جعلني أتأخر."
ثم أكمل حديثه وهو يحدق في عينيها يسألها قائلاً: "ألم يأتِ المحامي بعد؟"
أجابته وقد لانت ملامحها قليلاً وظلت تمعن النظر في وجهه تلاحظ نحالته فقالت: "أت منذ قليل وذهب للداخل ليرى إذا ما كان هناك شيء جديد."
تحدث العسكري قائلاً: "هيا تحركي."
دارت ببصرها بين فارس وبين العسكري وهو يسحبها لتدخل للغرفة وينغلق الباب عليها.
كانت واقفة أمام وكيل النيابة تدعو وتنتحب تنتظر حكمه. فليس هناك شيء جديد، كل شيء يظهر بأنها هي الجانية، وأن ما حدث كان مقصوداً. فتحدث قائلاً: "سيتم التجديد خمسة عشر يوماً."
وجد من يطرق على الباب يستأذن للدخول، فأذن له وكيل النيابة، ففتحه ودخل ليقف أمامه. فوقف وكيل النيابة يمد كفه يسلم عليه. فجحظت عيناها وهي تنظر إليه غير مصدقة بأنه هنا ويقف أمامها ينظر إليها بنظرات لم تفهم مغزاها.