تحميل رواية «ذلك هو قدري» PDF
بقلم موني عادل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تجلس وحيدة متألمة من فراق والدها الذي تركها لتعيش حياة قاسية. تناجي الله وتدعوه أن يلهمها الصبر على فراقه. فزعت عندما وجدت من يفتح الباب دون استئذان. دخلت زوجة أخيها كأنها عاصفة حلت على المكان. وقفت متخصرة تناظرها وتتحداها أن تعترض على طريقة دخولها. تنهدت ملاك وأشاحت ببصرها بعيدًا عنها، ثم تحدثت: "ألا تعرفين كيف تطرقين على الباب قبل الدخول؟ أليس لديك أدنى احترام لخصوصية غيرك؟" تحدثت غادة بنبرة مستهزئة: "المنزل منزلي، فلماذا قد أستأذن قبل الدخول؟ فأنتم تعيشون وتأكلون من خير زوجي." ابتلعت ملاك طعا...
رواية ذلك هو قدري الفصل الحادي عشر 11 - بقلم موني عادل
جلس مالك علي المقعد أمام وكيل النيابة.
طلب منه أن يكونوا بمفردهم.
وافق وكيل النيابة وطلب منهم الخروج من الغرفة والانتظار في الممر في الخارج إلى أن يأمر بغير ذلك.
صُدمت هي وظلت تنظر له تحاول أن تستشف منه أي شيء قد يريحها، ولكن ملامحه كانت مبهمة وغير واضحة.
سحبها العسكري من مرفقها لخارج الغرفة.
بينما فارس يقف في الخارج يتأكله القلق.
يدور في الممر أمام غرفة وكيل النيابة ينتظر أن تخرج ملاك وتطمئنه بأن كل شيء انتهى وأنها ستعود معه للمنزل.
وجد باب الغرفة يفتح وجميع من بالغرفة قد خرج ما عدا وكيل النيابة والرائد مالك الذي دخل منذ قليل.
اقترب من ملاك يحتضن وجهها بين كفيه يسألها.
ما الأمر؟
تحدث فارس بخوف وقلق قائلاً: "هل انتهى التحقيق؟"
رفعت ملاك وجهها تنظر بداخل عينيه وهي تمسح عبراتها وتبوح بما في داخلها قائلة:
"لقد تعبت. فكم أحقد على غادة وعلى حب معتز الأعمى لها. لو أخبرتك بأنني لم أستطع أن أكرهه سأكون كاذبة وساذجة ومجنونة في ذات الوقت. في كثير من الأوقات أشعر بأنني أكرهه وأتمنى من قلبي أن يعيش نصف ما عشته."
ثم أجهشت في بكاء مرير.
فأخذ يمحى دموعها المتساقطة على وجنتيها ثم احتضنها يستند بذقنه على رأسها.
ولم يستطع أن يتحكم في دموعه أكثر من ذلك.
فتساقطت عبراته الواحدة تلو الأخرى على شعرها وهو يدعو الله أن تخرج ملاك من ضيقتها ويظهر الحق.
بينما في داخل الغرفة كان مالك يتحدث مع وكيل النيابة ويوضح إليه كل ما في الأمر.
ثم أخرج هاتفه من جيبه ووضعه أمامه على المكتب.
استمعوا إلى ما في الهاتف مراراً وتكراراً.
فكان التسجيل يحتوي على صوت غادة وهي تتحدث مع الطبيب قائلة:
"لما تتصل الآن؟ أخبرتك أن تنتظر."
هدر بها وأكد عليها مصححاً:
"إن لم تقابليني في أسرع وقت فلن تتوقعي ما يمكنني فعله. لقد عرفت عنكِ كل شيء وأعرف بشأن تلك القضية. فأنا وأنتي أكثر من يعرف بأن تلك الاتهامات ليست بها شيء من الصحة. فأنا من كتبت ذلك التقرير وأنا من فعلت."
وأراد تكملة حديثه فقاطعته وتحدثت قائلة:
"حسناً، انتظر قليلاً لبضعة أيام وبعدها سأقابلك."
أجابها ببشاشة ملامحه وبريق المنتصرين قائلاً:
"أريدك الآن. سأبعث لكِ العنوان في رسالة فلا تتأخري."
بينما كان يستمع وكيل النيابة للتسجيل تذكر مالك عندما طلب من صديقاً له إخراج إذن بمراقبة غادة والتجسس على مكالماتها وطلبه لكشف كامل من شركة الاتصالات بمكالماتها حتى يستطيع أن يصل لشيء ما.
وها هو وصل لدليل قاطع يدينها ويبرئ ملاك.
ما أن انتهى التسجيل ظل يفكر وكيل النيابة ويربط الخيوط ببعضها البعض.
ثم تحدث قائلاً:
"أنا معك بأن هذا التسجيل قد يوضح بأن غادة على علاقة بالطبيب وتآمرت معه على إيقاع بملاك. ولكنه لم يذكر أي شيء صريح. حديثهم مبهم ولا يظهر ما يقصد به. التقرير الطبي هو من كتبه ولكن لم يقل ما فعله بالتقرير. ولكنها خطوة جيدة لأنه قد ظهر خيط جديد ربما يوصلنا لشيء في الأيام القادمة. وبناءً عليه ستخرج ملاك حتى نكمل التحقيقات."
ثم نادى على العسكري ليدخلهم من جديد.
تركت ملاك حضن فارس وهي تأخذ نفساً قوياً لتكون مستعدة لما ستستمع إليه.
دخلت للغرفة ووقفت تنظر للأسفل فلا تستطيع أن تواجهه وتنظر لعينيه الآن، فهي في موقف لا تحسد عليه.
شعرت بنظراته المسلطة عليها تشعر بأنها تخترقها.
فأطلقت نفساً مرتجفاً وهي لا تتحكم بذرف دموعها المزيد والمزيد.
فرفعت ذراعها تدلك جبينها وقد شعرت بالصداع يفتك بها.
فتحدث وكيل النيابة قائلاً:
"ظهر شيء جديد وعلى أساسه ستخرجين لحين استكمال التحقيقات."
رفعت بصرها تنظر إليه بغير تصديق.
تفتح فاهها تشعر بأنها تحلم.
أدارت بصرها تنظر إليه وجدته مسترخياً في جلسته يناظرها بسعادة.
فهمست من بين شفتيها قائلة:
"شكراً لك."
أومأ لها بعينيه.
ثم شكر وكيل النيابة وتحرك خارجاً من الغرفة.
عندما مر من جوارها وقف ينظر إليها.
فتعلقت عيناها بعينيه لبعض الوقت.
ثم تنحنح وأكمل طريقه ليخرج من الغرفة.
في المدرسة الثانوية كانت تجلس بمقعدها شارده.
لا تستمع إليه وهو يقف أمامهم يشرح والجميع يصب كل تركيزه معه على عكسها هي.
يتغاضى النظر إليها حتى لا يتشتت ويظهر بمظهر الأبله أمام جميع طلابه.
ولكن وقعت عينيه عليها بدون قصد.
وجدها تخفض رأسها تنظر للأسفل.
لفت شيئاً من الامتعاض وجهه وهو يتذكر عدم ردها على مكالماته والآن ترفض النظر إليه والشرود على أن تستمع لصوته.
فأقترب منها حتى وصل بجانب مقعدها.
فضرب بكف يده على الطاولة أمامها قائلاً:
"هلا أخبرتني فيما كنت أتحدث؟"
تشتت نظرها وبدأ وكأنها تائهه.
فرفعت بصرها تنظر إليه بتوتر.
فتحدثت بخفوت قائلة:
"آسفة، لقد شردت ولم أنتبه."
أومأ برأسه وتطلع فيها بعيون ساهمة بعذاب جلياً على ملامحه.
ثم تحرك ليعود ويكمل شرحه حتى تنتهي تلك الدقائق المتبقية.
ليخرج من الفصل ويستطيع التنفس براحة.
ظلت تعمل طوال الوقت بذهن مشتت تفكر في ملاك وإلى أي مدى وصلت قضيتها.
حاولت الاتصال عدة مرات بفارس ولكنه أجابها في مرة من تلك المرات قائلاً:
"مي، لا أستطيع التحدث الآن. لو جد جديد سأحدثكِ. فكفي عن الاتصال كل دقيقة."
أجابته بكلمة واحدة قائلة:
"حسناً."
فما أن أجابته بحسناً حتى أغلق المكالمة.
وجد من يقف أمام مكتبها والجمود في ملامحه ازداد قساوة وهو يهدر فيها بينما يجلس أمامها على المقعد بخشونة:
"مع من تتحدثين حتى يجعلكِ لا تشعرين بوجودي؟"
شعت مقلتاها كطلق ناري وتحدثت من بين أسنانها بغضب قائلة:
"عدنا للغطرسة من جديد. فما دخلك أنت لتسألني؟"
تجلد وجهه بالصرامة ليغمغم بحزم قائلاً:
"ما زال لسانك طويل ويحتاج قصاً. فأنا أجاهد لأشرح لكِ ما حدث قديماً بينما أنتِ لا تريدين."
عقدت حاجبيها وهي تلوي فمها بوجوم قائلة:
"ابتعد عن حياتي يا سليم. فما تفعله لن يجدي نفعاً."
تحجرت عيناه وهو يرمقها بنظرات غاضبة.
ثم تحدث قائلاً:
"سمعت بأنك ستحضرين عشاء العمل الليلة."
أومأت بملامح متسلطة وأجابته قائلة:
"نعم. هل لديك مانع؟"
ابتسم بقسوة وبرقت عيناه فتحدث بعنجهية قائلاً:
"نعم لدي. ستعتذرين عن الحضور."
أجابته بإنفعال قائلة:
"لن أعتذر وسأحضر. فمن أنت لتخبرني بما علي فعله؟"
تحدث ببرود وهدوء عكس النيران التي تخرج من مقلتيه قائلاً:
"حسناً، كما تريدين. ولكن لا تلوميني على ما سأفعله وقتها."
ابتسم بقسوة وهو يرى انكماشها.
أما هي فقد شعرت بالقشعريرة اجتاحتها فهي تخشاه وتخشي نظراته التي يرمقها بها.
بعد القليل من الوقت احتضنها وأخذ يدور بها يبكي ويضحك بذات الوقت.
لا يصدق بأنها خرجت وبين ذراعيه.
أنزلها على الأرض واحتضنها بقوة يتنهد بصوت مرتفع.
ثم جرها من ذراعها وهو يركض لتجاريه هي وتركض خلفه.
فما أن خرجت من مقر النيابة وقفت مكانها.
فاستدار ينظر إليها ولما توقفت وجدها تنظر حولها بابتسامة هادئة.
ثم رفعت بصرها تنظر للسماء وتتمتم بالشكر لله.
كان جالساً في سيارته ينتظر أن يراها للمرة الأخيرة.
وجدها تخرج مع أخيها تركض تبدو سعيدة.
فملامحها قد تغيرت في لحظة واحدة لتصير أجمل.
وقف يتابع حركاتها وتغير ملامحها من الضيق للسعادة للحزن.
وجدها تصعد لسيارة أجرة وتتحرك السيارة وهي تنظر من نافذتها الزجاجية.
فما أن اختفت من أمامه حتى تحرك بسيارته وأطلق العنان لها ليعود لعمله من جديد.
أخبرت زوجها بأنها تريد الخروج لمقابلة صديقتها.
فوافق معتز وهل يستطيع الرفض.
كانت في طريقها للخروج.
عندما سمعت والدة زوجها وهي تبكي وتدعو أن تخرج ابنتها وأخذت تحسبن على من كان السبب فيما حدث لإبنتها.
فاتجهت إليها كالإعصار ووقفت أمامها ترمقها بنظرات غاضبة.
ثم أردفت بتحدي آسر بحدقتيها قائلة:
"ادعي كما تشائين ولكن تأكدي بأن ملاك لن تخرج. وانتظري قليلاً لتري ما سأفعله بهم جميعاً."
رفعت والدة زوجها سبابتها أمام عينيها محذرة بوعيد قائلة:
"إياكِ والاقتراب من أبنائي مجدداً. صدقيني لن أتوانى عن قتلك."
دفعت ذراعها بقوة وهي تبتسم ثم تخصرت يدي غادة هي تقول:
"لا تستطيعي أن تقتلي حشرة لتتشدقي الآن بأنكِ ستقتليني. سأفعل ونرى ما يمكنك فعله."
ثم رمقتها بنظرة مستهزئة وأكملت قائلة:
"انظري لنفسك كيف ترتجفين. أعلم بأنه ليس خوفاً وإنما السن."
جحظت عيناها بصدمة من وقاحتها معها.
فاستدارت غادة تتحرك بغنج أمامها وكأن شيئاً لم يحدث ولم تتطاول على والدة زوجها.
صرخت تحاول أن تدافع عن نفسها وهي تتلقى الصفعات والضرب والسب.
فلم تستطع أن تتجاوز ما يحدث معها ما دامت على قيد الحياة.
ينظر إليها والدها بنظرة مليئة بالغضب ثم يصفعها مجدداً ومجدداً.
فكانت تتلقى الصفعات وتصمت دون مقاومة تذكر.
حتى خارت قواه وجلس على طرف الفراش يستند بذراعيه على ركبتيه يحتضن رأسه بين كفيه ينظر للأسفل يفكر.
حتى لو أنه لا يصدق تلك الصور.
فكل من في الحي يصدقها.
كيف سيبرئ ابنته أمامهم.
أخذ ينتحب.
بينما هي جالسة على أرضية الغرفة بشعر منكوش ووجنتين محمرتين من أثر تلقي الصفعات وخيط دماء رفيع يسيل من جانب شفتيها.
بجانبها والدتها تحتضنها.
لا يعنيها كل ما تلقته من والدها.
تعلم بأنه يصدقها ولكنه صدم وغضب فأخرج غضبه منها فيها.
ظلت على حالها تنظر للفراغ تفكر أن تنهي حياتها ليستريح الجميع منها.
فبعد تلك الفضيحة لن تستطيع العيش بسلام بعد الآن.
وصل فارس وملاك للحي والسعادة تغمرهم.
فأخيراً خرجت ملاك.
لم يجب على أي اتصال ورد إليه من عائلته.
تجاهل اتصالات الجميع منذ الصباح ثم أغلق هاتفه.
فلو كان قد أجاب على الهاتف لم يكن ليستطيع أن يخفي سعادته الظاهرة في صوته.
وكان ليخبرهم بما حدث مع ملاك.
ولكنه أراد أن يفاجئهم بعودتها ويرى رد فعل معتز وزوجته على خروجها.
ولكنه لن يتطرف لإخبارهم بما أخبره المحامي به عن تلك العلاقة بين الطبيب وغادة وعن ذلك التسجيل حتى لا تأخذ احتياطاتها.
يصبر نفسه بأن الوقت قد اقترب لمغادرتها حياتهم جميعاً لينعموا بالراحة والسلام.
وقفت سيارة الأجرة على مقربة من المنزل.
فخرج منها ووقف يعطي السائق أمواله.
وخرجت ملاك.
وقفت تنظر للحي والمنزل وكأنها غائبة منذ أعوام.
تحركت سيارة الأجرة مغادرة للحي.
فنظرو حوله للجمع الذي وقف يرمقه بنظرات غاضبة يثرثرون ويتهامسون بينهم.
فسمع بعض كلمات من حديثهم ولكنه لم يفهم ما يقصده هؤلاء.
فتحدث سيدة باستنكار قائلة:
"يفعل فعلته مع الفتاة ثم يتركها لتلاقي مصيرها من والدها وهو لا يعنيه الأمر."
نظر للمرأة بتوجس لا يفهم ما ترمي إليه.
فتحدث بصوت أجش قائلاً:
"ما الأمر؟"
انفلتت أعصاب أحد الرجال وهو يزعق بغضب مشتعل قائلاً:
"لا تعرف ما الأمر. لقد خدعت تلك الفتاة وأوقعتها في شباكك حتى سلمت لك نفسها ثم غدرت بها وأرسلت صورها لجميع هواتف من بالحي. لقد فضحت الفتاة يا رجل. ولكن كما تدين تدان. فأنت لديك أخوات وسترى على مر عينك."
دار ببصره في الوجوه من حوله لا يفهم ما يتشدق به ذلك الرجل.
فنظر لملاك يستشف منها لعلها فهمت شيئاً وتستطيع إخباره ما الأمر وما الذي يتفوه به ذلك الرجل.
وجد والدته وأخواته يخرجون على أصوات من بالخارج.
رأوا ملاك فلم يصدقوا بأنها واقفة أمامهم.
أقتربوا منها يحتضنوها الواحدة تلو الأخرى.
ثم انتبهوا لفارس وهو يتحدث مستفسراً قائلاً:
"من تقصد بالشاب الذي تضحك على الفتاة وغدر بها ومن تلك الفتاة؟ فما شأني أنا بكل ذلك؟"
انتفض الرجل يقول بتأكيد:
"يكفي يا رجل. لقد صدقتك. لا تعلم من المعني بالقصة. أنت هو المعني والفتاة لم تكن إلا ليال. ستتسبب في مقتل الفتاة على يدي والدها. ولكن لينتقم الله منك ومن أخواتك."
رفع فارس سبابته أمام الجميع يحذرهم بوعيد من التفوه بكلمة واحدة في حقه أو حق ليال.
وقد امتقع وجهه فتحدث بنبرة حادة قائلاً:
"لا أريد أن أستمع لكلمة واحدة في حقي أو حقها. فإذا كنت أنا أو هي فالجميع يعلم من نحن وما هي أخلاقنا. فكيف تشككون في تربيتنا."
اقترب منه شاب وأعطاه هاتفه لينظر بداخله.
نظر فارس لما يحتوي عليه الهاتف وجد صور عديدة لليال في وضعية مخلة وهو معها في بعض الصور.
ولكن تلك الصور ليست بها شيء من الصحة ليست حقيقية.
فهي واضحة للأعمى.
فكيف يصدقونها ويلوثون سمعة فتاة نقية وشريفة ليجعلوها ممسحة للأرض.
رمى الهاتف على طول ذراعه ليرتطم بالأرض وتهشم لعدة قطع.
وتحرك ذاهباً باتجاه بيت ليال يطرق على الباب بعنف.
فتح والدها الباب وهو منكس رأسه فلا يجرؤ على رفع رأسه بعدما فضح في الحي.
يعلم بأن فارس ليس له ذنب وأن تلك الصور مركبة.
ولكن لمن يشرح ذلك فالناس ليس لديها استعداد لتستمع لشيء وتعترف بالحقيقة.
تحدث فارس بصوت مرتفع وهو يشدد على كلماته محذراً لمن يتفوه بكلمة واحدة من بعده في ذلك الأمر:
"كما قلت من قبل. تلك الصور ليست حقيقية. ولكني سأخبركم بشيء ومن يريد أن يقف في وجهي بعد ذلك فليفعل."
وقف يهدئ من وتيرة أنفاسها المشتعلة بالغضب وأكمل قائلاً:
"منذ اليوم ليال في حكم خطيبتي وقريباً جداً ستكون زوجتي. ومن يمسها بكلمة لن أتغاضى عنه ولن أسامح في حقها. فهي صارت من حرمة منزلي."
بينما هي جالسة على وضعيتها كما هي بشعر منكوش وآثار الصفعات على وجنتيها وخط دماء قد جف بجانب شفتيها.
فلم تتحرك من مكانها منذ أن حدث ما حدث.
حتى دموعها قد جفت فلم تعد تبكي.
تفكر في شيء واحد وهو إنهاء حياتها.
فما أن استمعت لما تحدث به فارس ودفاعه عنها أخذت تنتحب بشدة.
لا تعرف من أين أتت تلك الدموع الآن.
فلما الآن يريدها بعد أن تلطخت سمعتها في الحي.
لو كانت في وضع آخر لكانت رقصت من فرحتها بارتباطها به.
ولكنها الآن مكسورة ومذلولة أمامه.
فهو من انتشلها من فضيحة كانت لتلاحقها طوال عمرها وتلاحق عائلتها.
وقف والدها ينظر إليه بامتنان لا يعرف بما يجيبه.
هل يشكره على مبادرته ووقوفه بجانب ابنته في تلك الأزمة أم ماذا يفعل.
بدأ الجمع في المغادرة وتحرك فارس أيضاً ليدخل منزله بغضب.
فها هما يمغصون عليه فرحته بعودة ملاك.
يبدو بأنه ليس مقدراً له الراحة.
دب فارس أرضية المنزل بحذائه يقف في منتصفه وهو يهتف قائلاً:
"غادة، اخرجي إلي هنا في الحال. أعلم بأنك خلف ما حدث. فلا تستنزفي صبري لتجبريني أن أفعل ما قد أندم عليه. قلت اخرجي إلي هنا."
اقتربت منه والدته وهي تربط على كتفه قائلة:
"ليست هنا يا فارس. لقد خرجت منذ وقت ولم تعود بعد. استحلفك بالله أن تهدأ."
رفع كفه يمسح وجهه وهو يزفر أنفاسه المشتعلة بالغضب.
يحاول أن يهدأ ويتحكم في غضبه.
حاول الدفاع عن نفسه وشرح ما حدث لوالدته.
ولكنها لم تسمح له بالتفوه بشيء بخصوص ذلك الأمر.
فهي واثقة فيه وفي تربية ليال.
فاحتضنها بقوة يريد أن يختفي بداخل أحضانها.
واسترسل بهمس قائلاً:
"لما يحدث معي ذلك؟ فلم أستطع أن أرتاح من شيء ليظهر غيره. فلما قدري متعب بهذا الشكل؟"
أجابته والدته بهدوء وهي تربط على ظهره قائلة:
"لأن ذلك هو قدرك يا فارس. فليس هناك مفر من القدر."
اقتربوا منهم أخواته وشاركوهم في ذلك الحضن.
ينظرون لبعضهم البعض بحب.
فدعت والدتهم ألا يصيبهم مكروه وأن يظلوا دائماً قبضة واحدة.
دخلت مندفعة من الخارج غاضبة.
فوقفت تستند على باب المنزل.
فهي كل مدى تتوقع نفسها أكثر من قبل.
أرادت فارس ولكنها حصلت على معتز.
أرادت تدمير ملاك لأنها تغير منها.
فلطالما كانت أجمل منها.
فاطلقت عليها الشائعات بأنه عانس ونحس لتبعد عنها الخطاب.
وليكتمل حظها ونحسها هي بذلك الطبيب الذي أصر على مقابلتها.
وإن لم تفعل وتذهب إليه سيكشفها أمام زوجها والجميع.
فذهبت مضطرة لتخرج من عنده امرأة خائنة خانت زوجها من أجل اللاشيء.
همست لنفسها كمن تتحدث مع أحد وتنتظر منه أن يجيبها قائلة:
"لما أنتِ غاضبة يا غادة؟ لقد عرضتِ نفسكِ من قبل على فارس وهو من رفض. بينما ذلك الطبيب هو من يرغب بكِ ويريدكِ. فلما الغضب الآن؟"
نزلت دمعاتها بصمت وأجابت نفسها قائلة:
"لأنني لم أحب أحداً في حياتي غير فارس. ودائماً ما كان يرفضني. فلم أجد أمامي غير معتز يرغب بي ويريدني. وافقت عليه لأكون بجانب فارس لعله يشعر بي يوماً. وما فعلت ما فعلته مع أخواته إلا غيرة منهم ومن حبه لهم واهتمامه بهم. أردت نصفه فقط. نصف ذلك الحب والاهتمام منه هو لا من غيره."
رفعت أناملها تمسح دمعة قد خانتها ونزلت من طرف عينيها.
تزفر أنفاسها لتهدأ وتعود غادة التي لا يعنيها أحداً.
فلن تسمح لنفسها أن تضعف ويرى أي كان دموعها.
جرت قدميها تتحرك للداخل لتقف مكانه وقد جحظت عيناها من الصدمة وفتحت فاهها غير مستوعبة ما تراه أمامها.
هل تتوهم وجودها في المنزل أم هي هنا حقاً.
رمشت بعينيها عدة مرات لتخرج من صدمتها.
وازداد ريقها بتوتر.
ثم تحركت لتقف على مقربة منهم وتحدثت وهي تضغط على أسنانها من كثرة غضبها وغيرتها عندما رأت فارس يحتضن أخواته يغدقهم بحبه وحنانه قائله:
"كيف خرجتِ؟"
أجابتها ملاك من بين أسنانها المطبقة بحقد وغل قائلة:
"خلوا سبيلي. فلما تسألين الآن وكأنكِ متأكدة بأنني السبب في فقدانكِ للطفل؟ فأنتِ أكثر من تعلم بأنني لم أفعلها."
تحدثت بإنفعال قائلة:
"أنتِ السبب في فقداني لطفلي ولن أسامحكِ."
ثم بكت وصوت شهقاتها يتصاعد.
صُدموا من رد فعلها وتبادلوا النظرات بينهم.
فغادة مهما يحدث معها لا تذرف دموعها أمام أحد ولا تظهر ضعفها.
لدرجة بأنهم شكوا بأنها قد تكون لديها شعور.
بينما هي كانت تشعر بتمزق قلبها وانطباق قفصها الصدري مما أشعرها بالاختناق.
فلا تعرف ما سبب بكائها ولكنها تشعر بأنها وحيدة ومنبوذة.
كم تشعر بالغيرة منهم جميعاً.
تقدم ووقف أمامها مباشرة فقد انفلتت أعصابه وهو يتابع عرضها المسرحي.
فأطلق العنان لحديثه المكتوم في داخله قائلاً:
"يا لكِ من أفعى. تفعلين فعلتك وتظهرين بوجه آخر وكأنكِ لم تفعلي شيئاً. لم أحتقر أحداً في حياتي مثلك. منذ أن وضعتِ قدمكِ بداخل منزلي دمرتي كل شيء. فلم تكتفِ بتدمير معتز وتغييره من ناحية أقرب الناس إليه بل تجرأتِ على ملاك ورسمتِ خطة دنيئة لتزجي بها في السجن. ومي ووالدتي والكلام المسموم الذي أسمعتيه إليهم. واليوم اكتشف بأنكِ أوقعتِ بليال أيضاً. أخبريني ما الذي يتوجب علي فعله معكي الآن؟ فقتلكِ لن يفيدني بشيء لأنه بكل بساطة لن يبرد النيران المشتعلة بداخلي."
استدار ليعود حيث والدته وأخواته ولكنه استدار إليها من جديد عندما استمع إليها وهي تحدثت ببجاحة وبكل بساطة وكأنها لم تفعل شيئاً قائلة:
"أنت هو السبب في كل ما فعلته. تعلم بأنني لم أحب سواك ومع ذلك رفضتني. فلم أجد أمامي غيره لأكون بجوارك. ولكنك استمررت برفضى. فأنت من أوصلني لما أصبحت عليه."
ما أن استمعت والدته وأخواته بما تفوهت به بكل بجاحة وكأنها تتحدث عن شيء بسيط لا عن خيانة زوجها وتلقي باللوم على فارس لأنه لم يطيعها في ذلك.
شهقوا وزهلوا من تربيتها الدنيئة.
أشاح فارس بوجهه بعيداً عنها ما أن شعر بغضبه يزداد وعينيه تحمر كالجمر.
ليجد معتز يندفع إلى الداخل ينظر إليها بتشكيك يريدها أن تنفي ما استمع إليه.
كان قد أتى واستمع لكل شيء.
استمع لاعترافها ولكنه لا يصدق.
يتمنى لو تنكر ما تفوهت به سيصدقها لو أنكرت.
أعمى الغضب النابض بعين غادة من التركيز في قسمات وجهها.
فتحدثت بصوت غاضب وقلب ممزق قائلة:
"لقد استمعت لكل شيء. ولكن دعني أقولها بكل صراحة دون تجميل أو كذب. أنا أكرهك يا معتز وأتمنى لو لم أتزوجك يوماً."
ثم ابتسمت وكأنها تقول له حظاً أوفر المرة القادمة.
وقع تلك الكلام من شفتيها عليه قاسية جداً.
شعر بأن كل حرف قالته وكأنه خنجر مسموم يطعنه.
فرفع كفه ليسقط على وجنتيها بصفعة قوية.
ثم تحدث بخفوت قائلاً:
"لما؟ لقد وقفت أمام عائلتي من أجلك. لقد أحببتك وكأنني لم أحب أحداً قبلك. فلما؟ هل هذا جزائي؟"
أجابته بإباء وبرود قائلة:
"لما تريد أن تعرف؟ لأنك لم تكن مثل فارس. لقد شعرت معك بأنني المتحكمة في كل شيء. فأنا لم أكن أريد هذا. أردت رجلاً حقيقياً وأنت لم تكن رجلاً بما يكفي."
اندفع يكيل إليها الكثير من الصفعات والسب والضرب في سائر جسدها حتى وقعت على الأرض وهو يكمل عليها.
رفعت عينيها تنظر لفارس فلم تزيح بصرها من عليه.
فأقترب فارس يبعد معتز عنها بينك والدته وأخواته يكتفون بوضع المتفرج فقط.
فهي تستحق ما تتلقاه من معتز الآن.
وقف معتز يهندم ملابسه بعد تلقينها درساً قاسياً.
توجه بحديثه إليها يحلها منه ويخبرها بأنها لم يعد لها وجود بينهم.
رواية ذلك هو قدري الفصل الثاني عشر 12 - بقلم موني عادل
تحاملت على نفسها ووقفت تتجه لغرفتها تجمع أشياءها.
خرجت بعد القليل من الوقت تحمل حقيبتها.
وقفت تنظر لفارس وإخوته يجلسون بجواره.
بينما معتز يجلس وحيدًا يستند بمرفقيه على ركبتيه يخفي وجهه بين كفيه.
شعر بها وبالسهام المشتعلة المصوبة تجاهه.
رفع رأسه ينظر إليها بحقد وغضب.
للحظة شعرت بالخوف وصارت رجفة في سائر جسدها.
تمالكت نفسها وشمخت بذقنها عاليًا تواجهه، تمنحه نظرات مباشرة لا تظهر خوفًا ولا تردد.
فيما تفوهت به.
أشاحت غادة بوجهها عنه ثم تحركت باتجاه باب المنزل.
فما أن اقتربت من الباب وجدت من يطرق عليه بعنف.
فاقتربت تدير مقبضه تفتحه.
وقفت مذهولة ومصعوقة تنظر لمن كان يطرق على الباب بخوف ظاهر على محياها.
استدارت ببصرها للخلف تنظر لمعتز الذي كان قد وصل ووقف يتابع الوضع دون التطرف للتدخل.
وقف يستمع للضابط وهو يسأل عن غادة.
وما أن أخبرته بأنها هي سحبها بعنف وزج بها داخل سيارة الشرطة.
بينما معتز ظل واقفًا مشتتًا لا يعرف ما عليه فعله.
هل يذهب خلفها ويفهم الأمر أم يتركها لتلاقي مصيرها بمفردها.
استمع لصوت فارس وهو يتحدث قائلاً:
"من كان يطرق على الباب؟"
أجابه معتز بصوت مختنق قائلاً:
"إنها الشرطة وقد أوقفت غادة."
همهم فارس بكلمات غير مسموعة ثم وقف بإباء واضعًا كفه في جيبه يدعي التفكير.
ثم تحدث ببرود قائلاً:
"ألن تعرف ما هو السبب الذي أخذتها الشرطة من أجله؟"
كان صدره قد بدأ يهبط ويعلو بانفعال وعقله يفكر بأكثر من اتجاه.
فأردف قائلاً:
"لا أعرف لم أسأل وعندما سألت هي كان رد الضابط عليها بأنها ستعرف عندما تصل للقسم."
تحدث فارس وهو على نفس هيئته يتحدث بالبرود ذاته قائلاً:
"ألن تذهب لتعرف ما الأمر فهي ما زالت في حكم زوجتك أمام الناس؟"
تحدث معتز بتوهان لاول مرة لا يعرف ما عليه فعله.
فقال:
"لا أعرف لا أعرف ماذا أفعل."
ذهب فارس مع معتز إلى قسم الشرطة.
فمهما يحدث بينهما هو أخيه.
أراد أن يكون بجواره عندما يعلم بأن زوجته قد ظلمت ملاك ولفقت لها جريمة لم تقترفها.
في قسم الشرطة كان فارس ومعتز يجلسون أمام الضابط.
يخبرهم بتهمة غادة ويطلعهم على التسجيلات التي دارت بينها هي والطبيب.
ثم دار ببصره ناحية معتز وتحدث قائلاً:
"هناك شيء آخر أريد اطلاعك عليه لترى إذا ما كنت ستتخذ موقفًا أم ستتستر على الموقف."
نظر معتز لفارس باستغراب وهو متجهم الملامح.
ثم تحدث باضطراب وألم قائلاً:
"ما هو ذلك الشيء؟"
أخبره الضابط بخيانة غادة له مع الطبيب وأن كل شيء مصور بالصوت والصورة.
وإذا ما كان يريد اتخاذ إجراء قانوني ضدها ورفع دعوة زنا أو سيفضل التستر عليها ويتعامل كأن شيئًا لم يكن.
ما أن بدأ الضابط حديثه بدأت نبضات قلب غادة تتسارع وشفتاها ترتجفان.
وقد فرت كل الألوان من وجهها الذي لم يعد نابضًا بالحياة وهي تستمع لما يخبره به.
فلم يعد هناك مجالًا للتجاهل أو التجاوز في حقوق الغير.
منذ اليوم حاولت أن تتماسك ولكنها فشلت.
ودون وعي منها كان جسدها يرتجف ودموعها تنزلق من عينيها قبل أن تتحول لشهقات بصوت مسموع.
حاول أن يقترب منها أراد قتلها ولكنه لم يستطع.
فما أن وقف حتى خانته قدماه وسقط يرتطم بالأرضية.
اقترب منه فارس بفزع بينما طلب الضابط سيارة إسعاف بسرعة قصوى.
وقفت هي تراقبه وهو ملقى على الأرض.
لا تنكر بأنها لا تشعر بأي شيء تجاهه.
ولكنها الآن استيقظ ضميرها تعترف بأنها دمرت حياة أكثر من شخص بدون وجه حق.
في المشفى كان فارس يمشي في الممر الضيق أمام غرفة الطوارئ ذهابًا وإيابًا.
ينتظر أن يطمئنوه بأي خبر عن معتز.
فتح الباب وخرج الطبيب ووقف أمامه يحدثه بتعاطف قائلاً:
"يبدو أن المريض قد تعرض لصدمة قوية سببت له شللًا نصفيًا أدى لفقدانه النطق."
ازدرد ريقه بصعوبة وتحدث بصوت مختنق قائلاً:
"عن من تتحدث أنت؟"
تنهد الطبيب ثم قال:
"عن المريض الذي يقبع بالغرفة في الداخل عنده شلل نصفي وفقدان في النطق."
ما أن انتهى الطبيب من حديثه حتى أمسكه فارس من تلابيبه يهزه بقوة.
يسب الطبيب ويلعن غادة.
فقد فقد أعصابه.
حاول الطبيب أن يسلت كف فارس بعيدًا عنه يخبره بأن لا ذنب له بما حدث.
فهو طبيب وقد شخص الحالة لا أكثر.
هدأ فارس قليلًا وابتعد عن الطبيب يحاول رباطة جأشه والتحكم في أعصابه.
قبل أن يذهب ويراه.
فمهما يحدث بينهما سيظلوا إخوة يجمعهما رابط دماء.
كان مالك يتمشى بداخل السجن يتفقد المساجين.
فما أن وصل لزنزانتها وقف أمامها وشرد يتذكر هيئتها المذعورة والخائفة.
دائمًا ما كان يراها جالسة في زاوية من زوايا الغرفة منعزلة عن الجميع.
إما أن تكون تبكي أو تكون تدعو.
تذكر عندما رآها لأول مرة بجوار سيارة الترحيلات وهي واقفة تحت المطر تستقبله بإباء.
فما أن وقعت عيناه عليها شعر بأنها بريئة مهما كانت جريمتها.
فقرر مساعدتها لاكتشاف الحقيقة.
لو فكر للحظة بأن معرفة الحقيقة ستتسبب في خروجها وإبعادها عن ناظريه لم يكن ليفعل.
حتى تظل أمامه دائمًا.
ولكنه قد عزم أمره وقرر أن يذهب ويطلب يدها.
ولكن لينتظر بضعة أيام بعد.
تحتضنها والدتها بقوة.
فما أن أتت للمنزل ووالدتها لا تريد تركها للحظة.
رفعت ملاك رأسها من داخل حضن والدتها قائلة:
"أمي هل توافقين على زواج فارس من ليال فأنتِ لم تتطرفي للحديث في الأمر."
أطلقت والدتها نفسًا عميقًا ثم قالت بصوت مبحوح:
"لطالما تمنيتها لفارس فلم أفكر في عروسًا له غيرها.
ولكن يحزنني ما حدث وتلك الفضيحة التي حدثت فليجازي الله من كان السبب."
ابتسمت لها ملاك بحب وقالت:
"لا تحزني فالناس تنسى سريعًا.
ولكن هي لم تنسى ذلك الموقف مدامت تتنفس سيترك أثرًا بداخلها سيئًا.
أتمنى من قلبي أن تتجاوزه سريعًا."
استمعوا لصوت المفتاح في الباب فترقب الجميع للأخبار التي يحضرها فارس ومعتز.
بينما توترت ملاك تريد أن تعرف ما حدث مع غادة.
فعندما أخذتها الشرطة وغادرت قرر معتز الذهاب للقسم ومعرفة سبب توقيفها.
فلم يوافق فارس أن يتركه يذهب بمفرده وذهب معه ليكون بجواره في وقت شدته.
وجدوا فارس يدخل عليهم في مجلسهم يدفع الكرسي المتحرك.
بينما أسرعت والدته واقفة تقترب منه بقدمين خائنتين وارتمت بجواره تبكي ممسكة بكفه.
بينما كفها الأخرى تضعها على صدرها.
وملاك واقفة تناظره بحدقتين متسعتين لا تستطيع الاقتراب أو البعد.
شعرت بدموعها تنزلق على وجنتيها.
فرفعت أناملها تتحسسها.
نعم تبكي من أجله.
لقد فعل بها الكثير ولكنه أخيها.
لم تستطع أن تكرهه أو تحقد عليه.
تمنت من قبل أن يلقى نصف مصيرها وما فعله معها هو وزوجته.
ولكن كان ذلك في وقت حزنها وألمها.
هل كانت ساعة استجابة ليتقبل الله منها ما تمنت.
اقتربت مي تجلس بجوار مقعده من الناحية الأخرى وتبكي بكاءً مريرًا.
وأخواته التوأم لم يكن حالهم أفضل منهم.
تحدثت والدتها من بين دموعها بصوت متحشرج قائلة:
"ما به معتز يا فارس؟"
أجابها معتز بحزن وقد فرت دمعة من عينيه قائلاً:
"لقد صدم عندما عرف بأنه ظلم ملاك وأن غادة هي من أجهضت طفله بالاتفاق مع الطبيب.
فلم يستطع أن يقف على قدميه.
ولكن اطمئني فالطبيب قد أخبرني بأنها مسألة وقت وسيتحسن عما قريب."
احتضنته والدته بقوة وهي تجهش في البكاء ليبكي هو أيضًا على ما طاله وما وصل إليه.
نظر ناحية ملاك بندم ظاهر يريد أن يتشدق بالكثير ويعتذر من الجميع.
ولكنه لا يستطيع النطق بالكلمات.
تخرج منه همهمات غير مفهومة.
ليُبكي الجميع على الحالة التي وصل إليها معتز.
رفع رأسه قليلاً ولثم جبين والدته ودموعه تنزلق ندماً وحسرة على وجهه.
كان سليم جالسًا على طاولة العشاء يترقب باب المطعم ينظر باتجاهه من وقت لآخر.
كان مشتتًا مترقبًا ليرى ما إذا كانت ستعانده وتتحداه وتأتي أم ستستمع لما قاله وتنفذ ما أخبرها به.
فلم يستمع لكلمة من حديثهم.
مديرها كان غاضبًا منها ويتوعد لها بأنها لن تستمر في عملها.
لأنها فتاة مستهترة لا تهتم بعملها ولا بما يطلب منها.
اندَمَجَ مع الجميع وترك ما يتوعد به للغد.
مر الوقت وانتهى العشاء وغادر الجميع.
فجلس سليم بارتياح أكثر سعيدًا ومنتشيًا من عدم حضورها.
يفكر بأنها خشيت منه وقَلِقَت من أن ينفذ تهديده لها.
ثم وقف يخرج من المطعم متجهًا حيث سيارته.
في ساعات الليل المتأخرة دخل فارس لغرفة ملاك ليراها مستلقية على الفراش شاردة في نقطة معينة.
عيناها حمراء من كثرة البكاء ونظراتها بحر من الحزن.
تحرك وتقدم باتجاهها لتبتسم له بألم ما أن رأته.
لينحني ويطبع قبلة أعلى رأسها.
أغمضت عينيها ودموعها تتساقط من بينهما.
فتحدث فارس قائلاً:
"إلى متى ستظلين تبكين؟
أنتِ فقط تزيدين وضعك سوءًا.
يكفي بكاءً من أجلي."
نظرت إليه ملاك بألم وعجز تحاول إخراج الكلمات من بين شفتيها.
لعله يفهم ما تعانيه أو ما تشعر به من النيران التي تحرق قلبها.
فما أصعب رؤيتها لمعتز على تلك الهيئة وهي تشعر بأنه السبب فيما حدث له.
فلا تعلم بأن سبب مرضه معرفته بخيانة زوجته.
تحدثت بنبرة حزينة والدموع تملي وجنتيها قائلة:
"لست غاضبة منه فأنا أسامحه على ما فعله معي من قبل أن أخرج ولم أنساه في دعائي.
صدقني دائمًا ما كنت أدعو له أن تكون معرفته لحقيقة غادة غير مؤلمة له.
ولكن دعائي لم يستجب واستجاب شيء آخر قد تمنيته في وقت غضب.
لذلك أشعر بأنني السبب فيما حدث له.
لتكن معرفته لحقيقتها أمرًا مصدمًا كاد أن ينهي حياته."
اجتذبها فارس ناحيته يحتضنها ويبثها حبه وحنانه.
يخبرها بأن القادم أجمل وأن الله سيراضي الجميع بأشياء تبكي لها العين فرحًا ويرقص لها القلب طربًا.
تشرق شمس يوم جديد لتضيء أركان الحزن المعتمة في حياتنا.
أغمضت ملاك عينيها التي تقطر حزنًا ثم استدارت تمضي نحو غرفة معتز لتجعله يستيقظ ويتناول الفطور معهم.
اقتربت من باب غرفة نومه وكلها رهبة لا تعلم سببها.
ازدردت ريقها وهي تطرق على الباب تستأذن قبل أن تفتح الباب ثم فتحت ودخلت.
وقفت تنظر إليه وهو مستلقٍ على الفراش لا حول له ولا قوة.
اقتربت منه ووقفت تتأمله فوقعت عيناها على الكرسي المتحرك بجوار الفراش.
انزلقت دمعة من عينيها لتمحيها سريعًا ومالت عليه تحاول جعله يستيقظ.
ظلت تنادي اسمه بخفوت إلى أن فتح عينيه ببطء شديد.
فما أن رآها واستمع لصوتها تخبره بأنها ستساعده ليخرج من غرفته ويجلس معهم يتناول فطوره.
همهم معتز ببعض كلمات لم تفهمها ملاك.
ثم سرعان ما بكت عند رؤيتها لدموعه.
فلم تقصد أن تشعره بعجزه.
فما أن اقتربت منه تزيح الغطاء عنه لتحاول أن تجلسه.
ارتمي عليها معتز يبكي بألم وكأنه يعتذر منها على كل ما فعله معها.
أطبقت عليه بمرفقيها تحتضنه وبدأت دموعها في التساقط من جديد.
فأخذت تطيب بخاطره قائلة:
"أنا أسامحك لست غاضبة منك صدقني."
هز رأسه بالنفي يريد التحدث وإخبارها بأنه لا يستحق مسامحتها.
لأنه كان خسيساً وحقيراً معها.
يتمنى لو يعود الزمان ما كان ليتزوج من غادة ويسمح لها بتدمير عائلته وبث سمها بداخله.
تنهدت ملاك بحزن على ما طاله.
تخرجه من أحضانها تهديه ابتسامة هادئة.
ثم ساعدته ليستقر جالسًا على مقعده ووقفت تدفع به المقعد إلى خارج الغرفة.
بعد القليل من الوقت التف الجميع حول طاولة الطعام يتناولون فطورهم في صمت مطبق.
لم يقطعه سوى صوت مي وهي تقف عن مقعدها تقول:
"سأذهب، فقد تأخرت على العمل."
كانت والدتهم تجلس معهم تشعر بطعم مر في حلقها وألم حاد في قلبها.
كلما نظرت باتجاه معتز بعينين لم تذق طعم النوم.
ظلت طوال الليل تبكي وتتحسر على شباب ولدها وتدعو على من كان السبب في مرضه.
تحركت مي باتجاه والدتها التي لم تتناول أي شيء تجلس معهم فقط وتختلس النظرات المتحسرة لمعتز.
فمالت تلثم وجنتها ثم غادرت.
شرد فارس بنظره بصمت للحظات يفكر بالعمل لساعات إضافية.
حتى يستطيع أن يبدأ في علاج معتز.
أخرجه من شروده كف ملاك التي وضعتها على كفه المستقرة على الطاولة.
نظر إليها ليرى ابتسامتها التي لم تتعد شفتيها.
فسحب كفه وأطبق على كفها وكأنه يستمد قوته منها.
ثم قال:
"سأذهب أيضًا، إذا حدث شيء اتصلوا بي."
ما أن خرج من غرفة الطعام لحقته والدته ووقفت أمامه تحدثه بنبرة يشوبها الألم قائلة:
"ألن تذهب بأخيك للطبيب؟"
رفع أنامله ببطء لتغوص في خصلات شعره وارتسمت ابتسامة حزينة على شفتيه وهو يقول:
"غدًا يا أمي سآخذ إجازة غدًا وأذهب بمعتز للطبيب.
لنبدأ مرحلة العلاج.
اطمئني فأنا لم أقصر معه."
رمقته بنظرة امتنان تعلم بأنه أكثر من يعاني.
وتعلم أيضًا بأنه لن يشتكي لأحد بما يعتلج قلبه.
ولكنها تشفق عليه وعلى ما طال منزلها وأولادها.
فقال فارس وهو يلثم كفها:
"سأذهب."
واستدار يفتح باب المنزل.
فما أن هم بالخروج أمسكته والدته من ذراعه وقد اكتست ملامحها بالحزن البين وترقرقت عيناها بالدموع.
ما أن رأى حالة والدته وأنها على وشك البكاء أراد التخفيف عنها.
فقال بنبرة مرحة:
"سأعود يا أمي اطمئني فلن أهرب."
أهدته ابتسامة من بين حزنها فبادلها إياها وأطلق العنان لقدمه مغادرًا.
خرج للشارع وجد والدها يتحاشى النظر إليه.
اقترب فارس منه ووقف يلقي التحية عليه ليجيبه الآخر بحرج.
تنهد فارس ثم قال بهدوء:
"أنا لم أنس ما وعدتك به.
أعطني مهلة يومين وبعدها سأحضر والدتي ونتكلم في التفاصيل.
فأنت تعلم بما أصاب معتز."
تلعثم والد ليال لا يعرف بما يجيبه.
فأهل الحي لن يصمتوا إلا عندما يعقد فارس قرانه على ابنته.
أكد عليه والد ليال وهو يتحدث بنبرة هادئة قالا:
"لا تشغل بالك في أي وقت تريد القدوم سأكون في انتظارك.
كان الله في عونك."
ثم ربط على كتفه وتحرك ليدخل منزله.
قابلته زوجته وهي تسأله عن فيما كان يتحدث مع فارس.
تخبره بأنها رأتهما من النافذة يتحدثون.
ولكنه تجاهل أسئلتها ودلف لغرفته صافقًا الباب خلفه بقوة.
وصلت مي للشركة ووقفت أمام باب غرفة مكتب المدير تنتظر أن تخرج السكرتيرة من الداخل وتسمح لها بالدخول.
ظلت واقفة عدة دقائق يتأكلها القلق والتوتر من رد فعل مديرها على عدم حضورها لعشاء العمل.
فتح الباب وخرجت السكرتيرة تطلب منها الدخول.
أخذت نفسًا عميقًا وتحركت للداخل ترسم ابتسامة جميلة على محياها.
وقفت أمام مكتبه فتحدث بهدوء قائلاً:
"لم يعد لكِ مكان في شركتي.
أعطيتك بدل الفرصة اثنتين ونبهت عليكِ بالأمس بأن حضورك للعشاء مهم.
ولكنك كالعادة لا تعيري حديث مديرك أية أهمية."
ابتسمت مي بشحوب رغم الحزن اللامع في عينيها.
أرادت أن ترجوه لعله يتراجع عن قراره وأخباره كم تحتاج للعمل.
ولكنها لم تفعل.
فما أن نطقت حتى قالت:
"شكرًا لك."
واستدارت مغادرة تخطو بخطوات سريعة.
بدأت دموعها بالانزلاق.
فكم تحتاج للعمل الآن أكثر من أي وقت مضى.
فالحمل يزداد على فارس.
خرجت من غرفة مكتب المدير لتصطدم بجدار صلب ويدق قلبها بصخب.
قبل أن ترفع بصرها تري من ذلك الشخص.
اتسعت حدقتا عيناها عند رؤيتها لسليم.
سألها سليم بشيء من الريبة عند رؤيته لبقايا دموعها والحزن المرتسم على وجهها.
يتبادل النظرات بينها وبين غرفة مديرها قائلاً:
"ما بك؟
هل فعل لك شيئًا؟"
عندما وجدها لا تجيب تحرك يريد الذهاب لمديرها وتلقينه درسًا.
فهو السبب في دموعها.
ولكنها أمسكت بكفه توقفه.
وقف ينظر إليها وإلى كفها الممسك بكفه.
فسحبت كفها سريعًا وزدردت ريقها بارتباك.
ثم قالت بلامبالاة مزيفة:
"أنا بخير ولكني أصبحت بلا عمل."
رفع حاجبه وتحدث يقول ببساطة:
"هل سبب ذلك استماعك لي وعدم حضورك لعشاء العمل؟"
تطلعت مي بسليم وقالت متعجبة بغير تصديق:
"يا إلهي!
هل اعتقدت بأنني لم آتِ للعشاء بسبب حديثك وتهديدك السخيف هذا؟"
هز سليم رأسه وقال بعينين شاردتين بالتفكير:
"أي كان السبب فأنا سعيد لأنك لم تأتي.
لو كنتِ فعلتيها وقتها كنتِ ستندمين وتتمنين لو يعود بك الوقت لتظلي في منزلك."
تجهمت ملامح مي وهي تنظر إليه تتفحص ملامحه.
ثم تحركت باتجاه المصعد لتغادر.
استدار يلحق بها وتقدم بهدوء منها متسائلاً:
"هل تحتاجين للعمل؟"
ظلت واقفة مكانها تنتظر وصول المصعد لم تتحدث.
بل اكتفت بإيماءة من رأسها.
تنهد ببوس ولوعة قائلاً:
"بإمكانك العمل في شركتي منذ اليوم لو أردتي."
فرحت لعثورها على عمل بتلك السرعة.
ولكن سرعان ما لفتها حيرة أكبر وهي تفكر بأنها ستعمل لديه وستعطيه فرصة ليتحكم بها ويتشرط عليها.
شردت بنظرها قليلاً تفكر في مرض معتز وما سيعانيه فارس في الفترة القادمة.
عليها أن تساعده بأي شكل حتى ولو كانت ستتنازل عن كبريائها وتعمل لديه.
أومأت براسها بالإيجاب.
وهي تبعد بصرها بعيدًا عنه.
ظهرت براءة ملاك فقد ظهر الحق وزهق الباطل.
وسجنت غادة لاتفاقها مع الطبيب متعمدة إجهاضها وسلبها حق جنينها في الحياة المستقبلية.
فكانت جالسة على أرضية الزنزانة مستندة على الجدار خلفها شاردة تتذكر ما فعلته وكيف قررت إنهاء حياة جنينها.
وذلك الدواء الذي جلبته واستمرت في تناوله لعدة أيام ليساعدها في إجهاضه دون أن يلاحظ أي أحد بأنها السبب في ذلك.
ففي ذلك اليوم عندما شعرت بالألم المبرح يضرب أسفل بطنها وظهرها علمت بأن الوقت قد حان.
فقررت إكمال خطتها وأن تجعل من ملاك أن تكون السبب في إجهاضها.
فقد بدأت تشعر بانزلاق سائل دافئ على أعلى قدميها.
فتجهت حيث ملاك وتم كل شيء كما خططت له لتجعل معتز يصدقها بأن ملاك أرادت التخلص منها وإجهاضها.
ولكن ما لم يكن في الحسبان هو أن تكتشف بأنها ما زالت تحتفظ بالجنين.
مما جعلها تطلب من الطبيب أن يساعدها على الإجهاض ليبتزها فيما بعد وينكشف كل شيء.
بكت غادة عند تذكرها لتلك الذكرى المؤلمة.
فهي لم تحصل على أي شيء في النهاية غير أنها زوجة خائنة وأم قاتلة.
كانت زينة تجلس على الأريكة في صالة منزلها تمسك بهاتفها تتبادل الحديث مع صديقتها.
لتسألها زينة ببؤس قائلة:
"هل تعرفين شيئًا عن فارس؟"
أجابتها صديقتها باندفاع قائلة:
"أعرف كل شيء عنه.
فأنا أقطن معهم بنفس الحي.
لن تصدقي ما حدث معه..."
بترت حديثها مترددة بإخبارها.
ولكن أمام إصرار زينة اضطرت بأن تخبرها كل ما تعرفه عن فارس.
ما أن استمعت زينة لما أخبرتها به صديقتها عن فارس وليال.
أنهت المكالمة وقد تجهمت ملامحها وتلعثمت وهي تهمس قائلة:
"ماذا؟
هل قالت بأن فارس سيتزوج؟"
وقفت تدور حول نفسها كأسد جريح تتحرك ذهابًا وإيابًا.
وكأن فارس هو من خدعها وتخلى عنها في وقت شدتها.
أمسكت هاتفها من جديد وضغطت على زر الاتصال وانتظرت جرسًا واثنين وثلاث فلم يجب على الهاتف.
عاودت الاتصال من جديد عدة مرات ولكنه أيضًا لا يجيب.
زفرت بغضب وهي تلقي بالهاتف على الأريكة.
في المساء عاد فارس للمنزل وهو يشعر بالتعب يفتك به.
فقد عاد توا من عمله.
ذهب باتجاه غرفة معتز فدلف للداخل ووقف يطالعه بحزن متحسرًا على ما طاله.
دثره بالغطاء جيدًا ومال عليه يلثم جبينه بقبلة.
ثم خرج اتجه ناحية غرفته ودلف رامياً هاتفه على الفراش.
أخذ يتذكر كم عدد الرنات التي وصلته من زينة اليوم ولكنه تجاهل اتصالها.
وأخذ يشغل نفسه وتفكيره في العمل وتجاهل هاتفه كليًا.
حتى لا يضعف ويجيب عليها في مرة من تلك المرات.
يفكر لماذا الآن تريد زينة التواصل معه هل تشتاق له مثلما يفعل أحيانًا.
شعر بالاختناق فذهب باتجاه الشرفة وفتح بابها ووقف مغمض العينين يسحب نفسًا قويًا يملئ به رئتيه.
لعله يريح ألم قلبه.
فتح عينيه ليراها واقفة كالبلهاء تتأمله.
فهمس لنفسه قائلاً:
"لقد انشغلت عنك يا ليال يجب أن أقدم فيما نويته."
أراد التحدث معها فلأول مرة في حياته يريد أن يتحدث مع أحد ويشكو له ما يعانيه.
وجدها تستدير للداخل مغلقة باب الشرفة بهدوء.
وقف مكانه للحظات يطالع بابها المغلق.
فرفع بصره ينظر للقمر يشكو إليه مما يعانيه.
ثم دخل واستلقى على الفراش ليغوص في النوم سريعًا.
كان مالك في غرفة مكتبه في المنزل يجلس على مقعده يتصفح بعض الأوراق بتركيز شديد.
مد كفه يضع حفنة من الأوراق في إحدى أدراجه.
قبل أن يغادر غرفة مكتبه ويتوجه حيث والديه.
القي السلام عليهم وجلس على المقعد مقابلًا لهم.
ثم تحدث قائلاً:
"أبي أريد التحدث معك في أمر هام."
انتبه والده له متحفزًا مما يريد إخباره به.
ليكْمل مالك حديثه قائلاً:
"هناك فتاة أريد الارتباط بها والزواج منها."
فرح والده وأراد معرفة كل شيء عنها وأخذ يستفسر من مالك عن من تكون وأين له بمعرفتها.
ليخبره مالك بكل شيء عنها منذ أن رآها لأول مرة حتى ساعدها لتخرج من السجن.
ارتسمت علامات الصدمة واليأس على وجوه والديه.
وبدت والدته بأنها غير مصدقة بأن ابنها يريد الارتباط بفتاة كانت تسجن لديه.
تنهد والده وكم بدت مؤلمة تلك التنهيدة يكتم فيها حزنه.
ثم قال:
"لما هي عن غيرها؟"
أجابه بتلقائية بصوت مهتز قائلاً:
"لأنني أحببتها."
حافظ والده على رباطة جأشه وهو يقول:
"سأفكر في الأمر ثم أخبرك بقراري."
بقي والده جالسًا شاردًا فيما قاله مالك.
فقرر الذهاب لتلك الفتاة وتهديدها وتلقينها درسًا لتبتعد عن ابنه.
فلقد طلب منه بعض الوقت من أجل هذا لا ليفكر ويرى إذا ما كان سيمنحه موافقته أم لا.
رواية ذلك هو قدري الفصل الثالث عشر 13 - بقلم موني عادل
في غرفة معتز، كان جالساً على مقعده المتحرك ينظر للصور المعلقة أمامه على الحائط يتأملها بغضب، وهو يتذكر خيانتها له وما فعلته معه، وكم الأذية التي أذتها لعائلته، وهو يقف بجانبها ويساندها. فكل ما تفعله...
ظل يتأمل تلك الصور إلى أن وقعت عيناه على صورة قديمة جداً لهما معاً قبل أن يتزوجها. اكتسح الجمود قسمات وجهه وهو يتذكر حديثها وقتها، وهي تخبره كم تحبه وتتمنى أن تجتمع معه في أقرب وقت. حاول التحدث كثيراً، ولكنه لم يستطع. همهم بالكثير من الكلمات، أراد سبها ولعنها، ولكن كلماته لم تخرج من بين شفتيه.
أراد الوقوف وجلب تلك الصور وتمزيقها جميعاً كما مزقت قلبه لأشلاء، ولكنه لم يستطع أن يفعلها. فليس لديه الجرأة ليحاول الوقوف، فقـدمه ستخونه ولن تتمكن من حمله، فيخشى أن يرتطم بالأرض ويراه أحد على تلك الحالة، فكم يمقت نظرات الشفقة التي يراها في أعينهم.
فتح فارس باب الغرفة ودخل، ثم تحرك ووقف أمامه يطالعه بنظراته، ليرى الحزن والألم المرتسم على ملامحه وناظره الموجه لتلك الصور المعلقة على الحائط، فشعر بالحزن والحسرة على ما أصاب أخيه، ولكنه حاول أن يتمالك نفسه وهو يقول بصوت متحشرج:
"سنذهب اليوم لمركز متخصص لبدء جلسات العلاج الطبيعي."
أومأ له معتز بالإيجاب، وهو يحلم باليوم الذي سيعود فيه كما كان، يتحدث وقتما يريد، ويصمت وقتما يريد، ويقف على قدميه من جديد.
خرج فارس من المنزل بعدما اجتمع مع والدته وأخواته على طاولة الفطور، وقد اتفق مع والدته بأن يذهبوا في المساء لمنزل ليال ليطلبها رسمياً ويتم الاتفاق مع والدها على كل شيء، متجهاً بمعتز لمركز العلاج الطبيعي ليبدأ رحلة العلاج.
ترددت مي كثيراً في أن تعمل لدى سليم، ولكنها قررت وحسمت أمرها، فهي من تحتاج إلى العمل لديه. لو لم تكن تمر بما تمر به الآن واحتياجها الشديد للمال، ما كانت لتوافق أن تعمل لديه وتسمح له بأن يكون قريباً منها.
طرقت على باب غرفة مكتبه وانتظرت قليلاً، ثم استمعت لصوته يأذن لها بالدخول، فأمسكت بمقبض الباب تفتحه ببطء، ثم تحركت تخطو للداخل.
يتابعها بنظره وهي مقبلة عليه، يتأملها بنظرة ذكورية. فما إن وقفت أمامه، تنحنح وهو يقول بصوت حازم:
"لقد تأخرت عن موعد حضورك. أنا لن أسمح بأي تأخير. اعرفي مواعيد عملك وكوني هنا في وقتها، وإلا..."
صمت ولم يكمل حديثه، يرمقها بنظرة ساخرة يستفزها لتتخلى عن برودها.
فلم تعقب مي، بل ظلت صامتة تطبق على أسنانها، ولكنها وجدت نفسها مسيرة وليست مخيرة، فتحدثت بكل الغضب المستعر داخلها:
"وإلا ماذا؟ لن أسمح لك أن تتحدث معي بتلك الطريقة وكأني خادمة لديك."
كسا الجمود محياه وهو يقترب منها قائلاً بصوت فاتر أجوف:
"منذ اليوم، أنتِ تعملين لدي، فكوني مطيعة."
زمت مي شفتاها للحظات، ثم رفعت ذقنها قائلة:
"حسناً، كما تريد. هل يوجد شيء آخر تريد قوله؟"
كان واقـفاً على مقربة منها ينظر إليها بنظرات مبهمة، فتحاشت النظر في عينيه، بينما انتشلهم من هذا الجو المشحون بالمشاعر المختلطة صوت طرقات الباب التي أعلنت عن قدوم صديق له.
وقف منير ينظر لها متمعناً في ذلك الحزن الطاغي الذي يسكنها، وقد تكلل بالبؤس والضعف، وهو يحدث سليم ويرحب به الآخر.
رمقته بنظرة غاضبة، ثم قالت:
"سأذهب لعملي."
أومأ لها سليم، فالتفتت مغادرة، بينما الآخر ظل يتابعها وينظر في أثرها إلى أن اختفت. رفع سليم كفه يدير وجهه باتجاهه بغضب، فالتفت إليه منير وهو يقول بنبرة متحـرجـة:
"من تكون تلك الفتاة؟ أراها للمرة الأولى."
غلت دماء سليم وهو يستمع لتسأل صديقه عن من تكون ونظرات الإعجاب الواضحة على وجهه وهو يسأل عنها، فقال بجدية يعنيها:
"لم أنت هنا؟ هل تريد شيئاً؟"
تحولت نبرته للمشاكسة وهو يقول:
"أتيت لأراك، فقد اشتقت إليك."
أشار له سليم بالجلوس، وما زالت ملامحه متجهمة وغاضبة، فهو أكثر من يعرف منير وما تعني نظراته التي كان يرمقها بها، فتنهد سليم بإجهاد وهو يفكر بأنها ملكه ولن يسمح لأحد بالاقتراب منها.
في المدرسة الثانوية، في وقت الراحة، كانت تجلس نورين بمفردها، يراقبها مجموعة من الشباب يجلسون ويتحدثون عنها، فخطط شخص منهم لشيء ما وعزم على تنفيذه.
استمعت لصوت الجرس يعلن عن انتهاء وقت الراحة والعودة للفصول من جديد لإكمال اليوم الدراسي، فوقفت تخطو بخطوات بطيئة، لتجد من يرتطم بها وينسكب العصير الممسك به على ملابسها.
شهقت بفزع ورفعت بصرها تنظر لمن تسبب في ذلك، ليتحدث ببرائة قائلاً:
"آسف، صدقيني لم أقصد، فأنا كنت على عجلة من أمري ولم أنتبه لكِ."
نظرت لملابسها الملطخة كلياً، فجأة بدأت الدموع تتساقط على وجنتيها بطريقة رقيقة للغاية تناسب نعومتها، وهي تهمس كمن تحدث نفسها قائلة:
"ما الذي سأفعله الآن؟"
بينما ذلك الشاب يناظرها بنظرة منتصرة سعيدة.
وجدت من يقف أمامها يسألها قائلاً:
"ما الأمر؟"
نظر لقميصها الأبيض الملطخ بالعصير وقد تجلى الذهول على ملامحه، فقال:
"من فعل هذا؟"
نظر له ذلك الشاب ببرائة وهو يقول بصوت مرتجف:
"لم أقصد، لقد ارتطمت بها دون قصد مني."
أشار إليه كريم أن يذهب، وتحدث يقول بصوت مهتز:
"اذهبي للمرحاض ونظفي ملابسك."
أومات له وتحركت باتجاه المرحاض لتنظف ملابسها.
خرجت بعد قليل، وجدته ما زال في مكانه ينتظرها. نظر لبلوزتها المبتلة والتي تلتصق بجسدها من الأمام، ظل ينظر إليها وإلى كفها التي تربط على ملابسها، يتابع حركتها، فشعر بمشاعره تحترق وتنصهر كالجمر. ازدرد ريقه بتوتر وهو يحاول أن يتمالك نفسه ويتحكم في رغبته التي أشعلتها حركتها تلك، فتنحنح وهو يخلع جاكيته ويطلب منها ارتدائه.
رفضت في البداية، ولكن مع إصراره في النهاية رضخت له وارتدت جاكيته وانسحبت من أمامه دون النطق بحرف لتعود لفصلها وإكمال يومها.
فما إن دخلت للفصل، حتي توجهت جميع الأنظار إليها وإلى ما ترتديه، فمنهم من تعرفت على لمن هذا الجاكيت الذي ترتديه نورين، فظلوا يتحدثون وينسجون الإشاعات حولها بأنها تريد الإيقاع بمدرسها، بينما هي تجلس بشجاعة مزيفة تحاول عدم الرد على ما يرمونها به، وكانهم يتحدثون عن فتاة أخرى. تغمرها رائحته المنبعثة من جاكيته لتسكرها وتخدر حواسها.
دخلت إلى زنزانتها، كتفاها متهدلان بيأس وعيناها خاملتان باستسلام مرير، فالألم ينهش قلبها. فقد أخبرتها والدتها بما حدث لمعتز وأن فارس سيتزوج من ليال قريباً. شعرت بالأرض تميد بها، فالقت بجسدها على الفراش وانفجرت في البكاء، غير مصدقة ما آل إليه الأمور. فقد تخيلت بأنها إذا ما فضحت ليال، ستختفي من الحي وتكون فرصة ارتباطها بفارس أقل، لا أن تتزوجه. فهي كانت على علم بأن ملاك تحمل مشاعر حب تجاه فارس وأن والدته تريدها زوجة لفارس. تشعر بالصدمة من سجنها وحرمانها من حريتها والشعور بالخزي الناجم عن ذلك وتفكيرها باحتمال بقائها هنا دائماً. وما زاد الأمر عليها معرفتها لزواج فارس. ظلت تفكر وتعصف بها أفكارها كثيراً، إلى أن استمعت لهلاوس تخبرها بأن الموت أفضل من السجن.
جلس والد مالك ينظر لصورها بعدما قرأ تقريراً مفصلاً عن حياتها وما مرت به على مدار سنوات عمرها، فقد طلب من شخص يعمل لديه بجلب معلومات مفصلة عنها. ظلت يتأمل ملامحها كم تبدو بريئة وجميلة في ذات الوقت.
دخلت زوجته إلى غرفة مكتبه لتجده يركز تركيزه على ما بين يديه، اقتربت لتلقي نظرة، فما إن رأت تلك الصور تحدثت بيأس قائلة:
"هل هذه هي الفتاة التي أخبرك عنها؟"
أومأ لها زوجها وأخذ نفساً عميقاً، ثم قال بصوت مهتز:
"نعم، هي. منذ أن رأيت صورتها وأنا أشعر بشعور غريب لا أستطيع شرحه لكِ، ولكني قررت أن أذهب معه لمنزل الفتاة وأراها بنفسي، ووقتها أستطيع أن أتخذ قراري."
التفتت لزوجها بملامح ثائرة تقول:
"لم يكن ذلك ما اتفقنا عليه. لقد أخبرتني بأنك ستبعدها عنه. هل كان يرفض كل هؤلاء الفتيات التي رشحتهم له من أجل هذه؟"
أنهت حديثها بنبرة مشمئزة، ثم تحركت تخطو خطوات سريعة لخارج الغرفة وملامحها يكسوها الغضب. نظر زوجها في أثرها، ثم أخفض بصره ينظر لصورة ملاك، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة.
في المساء، توجه فارس ووالدته لمنزل ليال، جلسوا جميعاً ما عدا ليال التي قررت المكوث بغرفتها وعدم الخروج لرؤيته. اتفق فارس ووالدها على موعد عقد القران والميعاد المناسب للزفاف بعد عشرة أيام، تحت نظرات الاندهاش المرتسمة على وجهها وهي تراقب ما يحدث من بعيد، متوارية عن أعين الجميع.
بعدما عاد فارس من منزل ليال، جلس بمفرده في غرفته ينظر لأركان الغرفة، يطالعها بشيء من القلق، فبعد عشرة أيام ستشاركه ليال غرفته وفراشه. فهل هو مستعد ليزيد من أعبائه ويتحمل مسئولية شخص آخر؟ تنهد بتعب وهو يتذكر بأن والد ليال لم يعترض على أي شيء مما قاله، وكم أغضبه وأحزنه ذلك، ولكن ليس بيده شيء أكثر ليقدمه لها، فذلك ما في استطاعته. فقد أخبره بأنه سيحضر لها محبساً فقط، وأن الزفاف وعقد القران سيكون في يوم واحد وسيقتصر على العائلة فقط.
زفر فارس بغضب وهو يفكر بأن ليال ستحزن وقد تفكر بأنه فعل ذلك من أجل ما حدث من قبل بسبب الفضيحة التي طالتها، وأنه يرخص منها ومن شأنها أو يبخل عليها. ولكن ليال فتاة عاقلة تعلم بما يمر به وما يحدث معه.
ظل يفكر طويلاً، حتى شعر بثقل على صدره وكأن حجراً ضخماً قد ألقي على صدره ومنع عنه التنفس بصورة طبيعية، فما عاد يستطيع استنشاق الهواء من حوله.
أخذ يستنشق الهواء ويزفره ببطء، عله يرتاح قليلاً، فما إن بدأ يشعر بالتحسن، وقف واتجه ناحية المرحاض، يفتح صنبور الماء ويضع رأسه أسفلها لتتساقط المياه على رأسه ووجهه، لعلها تهدئ من آلامه والنيران التي بداخله.
في صباح يوم جديد، ذهبت نورين لمدرستها. بحثت عنه كثيراً لكنها لم تجده، فاتجهت ناحية الغرفة المخصصة للمعلمين، وقد قررت وضع جاكيته بداخلها، وعندما يأتي سيراه.
أمسكت بمقبض الباب بتردد، تخشى أن تجد أحداً بالداخل، فما إن فتحته، حتى تنهدت بارتياح تام واعتدلت واقفة في مكانها، تخطو ناحية الداخل. نظرت لمقعده، ثم أمسكت بجاكيته ووضعته على ظهر المقعد.
تحفزت نورين بتشنج ما أن استمعت لصوت خطوات خلفها، فالتفت بتوتر لتجد كريم يقف على مقربة منها، يتمعن في ملامحها ويرمقها بنظرات عاشقة.
اخفض بصره قليلاً عنها وتحدث بعتاب رقيق يقول:
"لما لا تعطينني فرصة للتقرب منكِ؟ حاولت كثيراً نسيانك والمضي في حياتي، ولكني لم أستطع. أخبرتك من قبل بأنني جدي في علاقتي معك وأريد الارتباط بك. ما زلت أنتظر اليوم الذي ستخبريني فيه بموافقتك وتطلبين مني مقابلة عائلتك."
لم تجبه نورين بشيء لبعض الوقت، ولكن كان صوت أنفاسها مسموعاً، فلم يعرف كريم عما يجول بعقلها أو ما تعتمل بداخلها.
استمع لصوتها بعد لحظات تقول بهدوء:
"أرجوك يا كريم، لا تضغط عليّ أكثر، فنحن نمر بظروف قاسية تلك الفترة، فلا أستطيع أن أرتبط بك أو أوعدك بشيء."
عقد حاجبيه وتجهمت ملامحه من رفضها له للمرة التي لا يعرف عددها، ولكن سرعان ما تبدل تجهم وجهه للبرود غير المعبر الغامض وهو يقول:
"حسناً، كما تشائين يا نورين. اعملي بأنني لم أحب أحداً مثلما أحببتك، ولكنني لن أفاتحك في ذلك الأمر مجدداً. سأنتظر اليوم الذي ستأتين إلي وتخبريني بأنك مستعدة لنكون معاً."
نظرت له بنظرة قد خيم عليها الحزن، فهي تعلم بأن ذلك اليوم لن يأتي. فهناك أخواتها الأكبر سناً وعليها مراعاة مشاعرهم والترفق بفارس، فهو لم يستطع أن يأخذ نفسه من شيء ليظهر غيره. وأهم شيء بأنها ما زالت صغيرة. لا تنكر بأنها تحمل مشاعر ناحية كريم وتميل له، تريد الارتباط به مثله وأكثر، ولكنها تخشى من كل شيء حولها.
ما أن شعرت بنظراته المستقرة عليها، ينتظر ردها يترجاها بعينيه أن تطلب منه أن ينتظرها، أرادت ذلك وبشدة أن تجعله يتمسك بها وتخبره أن ينتظرها ما دام حياً، ولكنها لم تنطق بشيء، فأخفضت بصرها وتحركت تخطوها للخارج.
لم يلتفت كريم ينظر إليها وهي تغادر، ولا حاول إيقافها، بل أطبق على أسنانه يكظم غيظه بشق الأنفس، وقد فار دمه من تجاهلها لحديثه.
كان فارس منكباً على عمله، يحاول جاهداً إنهاء ما بين يديه، فمنذ ما حدث لمعتز، وهو يجهد نفسه في العمل ويعمل ساعات إضافية ليستطيع جلب مال أكثر يساعده في علاج معتز.
وجد شاباً يعمل معه يقترب منه ويحدثه بنبرة هادئة قائلاً:
"هناك فتاة في الخارج تريد رؤيتك من أجل العمل."
اتجه فارس للخارج حيث تلك الفتاة التي أخبرها عنه ذلك الشاب. وصل لمكانها ليجدها تقف تعطيه ظهرها. شعرت به خلفها، فاستدارت تنظر إليه، لينصدم فارس من وجودها هنا. طالعها بنظرة محتقرة ومشمئزة، ثم تحدث بغضب يكتسحه قائلاً:
"لما أنتِ هنا؟ ألم تنهي ما بيننا من قبل؟"
فغرت شفتيها في البداية من مقابلته وجفائه، فلم تتوقع هذا، ولكنها وجدت نفسها تفكر في شيء آخر سيجعلها تتقرب منه من جديد، لتتحدث ببرود خالٍ من أي أسف على ما فعلته معه من قبل قائلة:
"لقد تفاجأت بوجودك هنا، فلقد أتيت لأقابل أحداً مما يعمل هنا ليساعدني في إعادة ترميم فن الخشب والأرابيسك في منزل عائلتي."
ما إن انتهت، وقفت تطالع ملامحه المستاءة، فهي لا تعرف من أين خطرت تلك الفكرة على بالها. أرادت أن تراه وتتحدث معه، ولكنه لا يجيب على مكالماتها، فعرفت مكان عمله وقررت الذهاب إليه، ولكنها لم تتوقع تلك المعاملة منه. لذلك فكرت في شيء آخر.
أغمض عينيه يستعد رباطة جأشه، ثم فتحهم ينظر لها بعينين تبرقان وحشية، ثم قال بفظاظة مهينة:
"سأخبر أحداً ليذهب معك ويفعل ما يلزم الأمر."
توجهت خضرة عينيها وارتسم على ثغرها ابتسامة باردة وهي تقول:
"آسف على ما فعلته من قبل. لو قبلت أن نعود لبعضنا، سأكفر عنه بحبي لك وحبك لي."
ازدادت ملامح السخرية على وجه فارس، فخرج عن طوره يقول:
"لقد ابتعدتِ عني في أكثر وقت كنت بحاجة لك بجواري. أردت ممن أحبها أن تفهمني وتشاركني أحزاني، ولكنك كنتِ أنانية واخترتِ البعد، والآن تأتين وتخبرينني بأنك آسفة وتريدين تعويضي."
كان يضع عينيه في عينيها ويتحدث بصوت أجش يخترق أذنيها، فهو لم يخطئ معها أبداً، بل هي من أخطأت وعليها تحمل خطأها. ليكمل حديثه قائلاً:
"اذهبي يا زينة واتركيني أمضي في طريقي، فنحن لا نشبه بعضنا البعض. وإذا كنتِ جادة بخصوص المنزل، سأرسل معك أحداً ليراه."
همست له نافية بصوتها المختنق قائلة:
"معك كل الحق، نحن لا نشبه بعضنا."
استدار ليغادر، ولكنها أوقفـته قائلة:
"هل أطلب منك شيئاً وتفعله من أجلي ومن أجل الأيام الخوالي؟ أرجوك لا ترفض."
اعترض ببطء ويداه تتقبضان، ولكنه أراد سماع ما تريده منه:
"ما الذي تريدينه؟"
راقبته بعينين شاخصتين، ثم انفرج ثغرها بابتسامة باهتة لتقول:
"أريدك أن تعيد ترميم الأرابيسك في منزلي، أنت من تفعله، لا أحد آخر. أرجوك اترك لي ذكرى كلما رأيتها أتذكرك بها."
بهتت تعابير وجه فارس لما تطلبه منه، ثم سرعان ما انفجر في الضحك، يودع داخل قهقهته العالية كل توتره وغضبه منها.
اتسعت عينا زينة وتحدثت بغضب قائلة:
"ما المضحك؟"
خفت ضحكاته تدريجياً وناظرها وهو يومئ برأسه ويقول باستفزاز:
"حسناً، لكِ ما تريدين."
طالعها بوجهه الخالي من التعابير، يرمقها بنظرة سوداء من علو، ثم تحرك مغادراً، ليستمع لصوتها وهي تقول: "سأبعث لك رسالة تحمل عنوان المنزل."
خرج من مكتبه والشرار يتطاير من عينيه، فقد أخبره الساعي بأن منير كان هنا في مكتب مي. اقترب منها سليم، وجدها تنظر من الشرفة للخارج تتابع منير وهو يستقل سيارته مغادراً.
وقف خلفها بهدير أنفاس متصاعد. شعرت بأحد يقف خلفها وصوت تنفسه يلفح ظهرها، فأستدارت للخلف تنظر إليه بفزع من هيئته، فقد اتسعت عيناه بغضب وعروق رقبته وذراعيه بارزة بشدة تدل على غضبه الشديد.
همست بداخلها: يا ويلك يا مي، ماذا فعلتِ لينظر إليكِ بتلك الطريقة.
انتشلها مما تفكر فيه وهو يضغط على أسنانها هادراً:
"لما كان منير هنا في مكتبك ولم يمر عليّ؟"
أجابته وهي تزدرد ريقها بتوتر، ثم نفخت أوداجها قائلة:
"وما دخلي أنا؟ هل هو صديقي أم صديقك؟ اتصل به واسأله."
ضغط على أسنانه وتشوشت ملامحه بحقد من منير، وقد وضح الأمر أمامه، فهو يريد التعرف على مي والتقرب منها. ظل يفكر والحيرة تلفه، ثم سأل بصوت خطير حائر قائلاً:
"ما الذي قاله لكِ؟"
كتفت ذراعيها وهي تنظر له بغموض، ثم تحدثت تقول بقنوط:
"شيء لا يعنيك."
اقترب منها وأمسك بكتفها ووجه حديثه لها وهو ينظر بداخل عينيها قائلاً بتهديد صريح:
"لا تقتربي من منير أو تعطيه فرصة للاقتراب منكِ، فإنكِ هنا للعمل فقط، لا لبناء صداقات مع منير أو غيره. تجنبي غضبي يا مي واسمعي الكلام."
لا تنكر بأنها كانت خائفة منه، فكم تخشى نظراته وهو ينظر بداخل عينيها، فأذدردت ريقها بخوف وهي تنفض ذراعيه بعيداً عنها، ليرفع إبهامه وهو يشير لها محذراً، ثم تحرك مغادراً غرفة مكتبها.
ما إن خرج سليم، تذكرت لما أتى منير إليها، فلقد كان يدعوها لتتناول العشاء معه وأن تسمح له ليتعرف عليها. لم تسمح له بالتمادي معها وصدته من أول محاولة للتقرب منها، ولكنها تعلم أيضاً بأن أشباه منير لن ييأسوا حتى يحققوا ما يريدونه. أرادت أن تخبر سليم بكل شيء، ولكنها قررت الاعتماد على ذاتها، ولكن نظرات ذلك الشاب الذي يدعي منير، نظرات خبيثة لا تفهم معناها، تشعر بأنه يجردها من ملابسها ما إن تقع عينه عليها.
تنهدت مي بغضب وقلق في الوقت ذاته، وهي تفكر بأنها ستقف بالمرصاد لمن يريد أذيتها، وإذا تطلب الأمر منها اللجوء لسليم، فستخبره، ولكن الآن قد قررت الاعتماد على الذات.
في المساء، كان معتز نائماً على ركبة والدته، وأخواته البنات يجلسون بجوارهم، فكانت تمسد على خصلات شعره بأناملها، وقد فاض من عينيها حنان جارف، فتدعو له أن يعوضه الله خيراً على كل ما حدث معه ويرزقه بزوجة صالحة.
كانت ملاك تستمع لدعوات والدتها وهي تأمن خلفها، بينما كان فارس في غرفته، فقد عاد من عمله واتجه لغرفته ليأخذ حماماً ويبدل ملابسه.
استمعوا لصوت طرقات هادئة على باب المنزل، فتحركت ملاك تخطو ناحيته لترى من هذا. أمسكت بمقبض الباب وفتحته، لتقف تنظر بذهول للواقف أمامها يحمل باقة من الزهور بين كفيه، ينظر لها بوجه بشوش وعيناه تلمعان ببريق لا تعرف ما سببه.
ظلت تطالعه كالبلهاء لا تعرف ماذا تفعل، هل تدعوه للدخول أم تسأله لما هو هنا واقفاً أمامها كالمهرج بتلك الابتسامة الواسعة على وجهه.
رواية ذلك هو قدري الفصل الرابع عشر 14 - بقلم موني عادل
أمسكت بمقبض الباب وفتحته لأقف أنظر بذهول للواقف أمامي يحمل باقة من الزهور بين كفيه، ينظر لي بوجه بشوش وعيناه تلمعان ببريق لا أعرف ما سببه.
ظللت أطالعه كالبلهاء، لا أعرف ماذا أفعل، هل أدعوه للدخول أم أسأله لماذا هو هنا واقف أمامي كالمهرج بتلك الابتسامة الواسعة على وجهه.
شحب وجهي بشدة وأنا أطالعه بتتمعن، فما إن انتبهت لمن معه، ازدردت ريقي بتوتر وأنا أتنحى جانباً لأسمح لهما بالمرور.
خطى مالك ووالده عدة خطوات للداخل، بينما أنا ظلت واقفة في مكاني متشبثة بالباب.
وقف والده يطالعني بابتسامة حانية على وجهه وهو يتفحصني من رأسي حتى أخمص قدمي. لم يفق إلا عندما لكزني مالك في كتفي بخفة.
قال مالك ساخراً، هامساً بجانب أذن والده: "أبي، لقد أتينا لطلب يدها من أجلي وليس من أجلك، فابعد ناظريك من على فتاتي."
ثم رفع نظره لي وأكمل حديثه بجدية قائلاً: "وأنتِ، ألن تذهبي أمامنا لتنبهي أهل المنزل؟"
ما إن أنهى جملته، وجدت فارس يخرج من غرفته بوجه مجهد. اقترب فارس منا وابتسم لهما بتشنج وهو يرمق ملاك بنظرات غاضبة لوقوفها أمامه بتلك الملابس البيتية الخفيفة التي ترتديها.
تنحنحت ملاك ودلفت للداخل لأخبر أخواتي ليغادرن المجلس، وبقي معتز ووالدته فقط.
بينما رحب بهم فارس ودعاهم للدخول، وخطى أمامهم للداخل حيث والدته ومعتز.
بعد الترحيب بهم، تحدث والد مالك يقول بصوت رزيم وهادئ: "لقد أتينا اليوم لطلب يد ملاك لولدي مالك."
اتسعت أعينهم جميعاً، ومشاعر جميلة تتسارع داخلهم لترسم على وجوههم ابتسامة سعيدة.
لتتحدث والدته بنبرة فرحة قائلة: "كم يسعدنا هذا الارتباط، ولكن أعطونا بضعة أيام لنسأل العروس وننظر في الأمر."
تنحنح مالك بحرج قبل أن يقول: "خذوا كل الوقت الذي تريدونه، ولكن أتمنى أن أجد قبولاً لطلبي عندكم."
ثم وقف يبتسم لهم بامتنان يستعد للمغادرة، ووالده يتبعه ليصلا فارس للخارج.
فما إن أغلق الباب خلفهم، ذهب حيث والدته وجلس بجوارها ممسكاً بكفها وهو يسألها: "ما هو رأيك يا أمي؟ فمالك شاب خلوق، فهو من ساعد ملاك من قبل لتخرج من أزمتها."
أجابته والدته وهي ترفع رأسها تطمئنه قائلة: "لا أنكر بأنني أرى فيه زوجاً صالحاً لملاك، ولكن لنسألها أولاً."
همهم معتز بشيء، ولكنهم لم يفهموا ما يريده، ليحاول فارس معه إلى أن فهم بأنه يريد منه أن يساعده ليجلس على مقعده ويعود لغرفته.
ساعده فارس وأجلسه على المقعد المتحرك وأوصله لغرفته وساعده ليستلقي على الفراش، ثم دثره جيداً وغادر الغرفة مغلقاً بابها خلفه.
توجه فارس لغرفة ملاك ووقف يطرق على الباب إلى أن أذنت له. دخل الغرفة واقترب منها يجلس بجوارها على طرف الفراش.
فتحدث يخبر ملاك بسبب زيارة مالك لمنزلهم، لتتحرج ملاك وتخفض بصرها وتتورّد وجنتيها، وأخذت تدعك في كفيها بتحرج وحياء.
ليسحبها فارس ويحتضنها بقوة وهو يقول بتأكيد: "فكري جيداً واستخيري، ثم أخبريني بقرارك."
مال ليطبع قبلة على جبينها ووقف يطالع حياءها بابتسامة هادئة ارتسمت تلقائياً على ثغره.
ثم قرر المغادرة وعدم إحراجها أكثر من ذلك، فما إن التفت ليغادر، وجد مي تقف بقرب الباب تنظر له ببؤس وهمهمت تقول بفتور: "لما لا تعاملني نصف المعاملة التي تعامل بها ملاك؟ ألست أختك أيضاً؟"
اقترب منها فارس والدُهشة تتملكه، ثم سألها: "هل تغارين من معاملتي لملاك؟"
هزت رأسها نفياً، ثم قالت بصوت ينضح مرارة: "بالطبع لا أغار من ملاك، ولكني أتمنى أن أحظى باهتمامك كما تهتم بملاك."
احتضنها فارس، فهو يعترف بأن العمل أخذه من أخواته وأنه أهملهم في الأيام الماضية، ولكن ما الذي بيده ليفعله؟ فالعمل يأخذ كل وقته، فهو يخرج في الصباح الباكر ويعود مساءً ليجد الجميع نياماً، ويتكرر ذلك كل يوم، فلم يرهم أو يجتمع معهم إلا وقت تناول وجبة الإفطار.
ما إن تركها فارس وغادر لغرفته، تساقطت دموعها. لمحتها ملاك فوقفت وذهبت إليها وهي تحتضن كتفها وتسألها بمرح قائلة: "لما تبكين؟ فأنا لم أغادر بعد."
حدقتها مي بغضب وهي تحاول إبعادها عنها، وقالت بحزن لمع في عينيها: "سأكون أسعد شخص في المنزل عندما تتزوجين وتتركيني، لأنني سأنعم بغرفتك بمفردي."
عقدت ملاك حاجبيها بغضب، ثم لكزتها في كتفها وتحركت تخطو باتجاه فراشها، بينما وقفت مي تطالعها بابتسامة حزينة وهي تتمنى أن تجد ملاك بعضاً من سعادتها المهدورة مع ذلك الضابط، فعلى ما يبدو بأنه يحمل لها مشاعر حب.
في طريق عودتهم للمنزل، ضغط مالك على أسنانه بقوة وهو يتذكر نظرات والده لملاك، فكور قبضته متمسكاً بعجلة القيادة بقوة.
فتنحنح يجلي صوته وحاول رسم البرود واللامبالاة على وجهه ليقول: "لما كنت تناظر ملاك بتلك الابتسامة؟ لا أعرف ما الذي أقوله، ولكن إذا ما كان رأي أي شخص ابتسامتك، كان سيعتقد بأنك العريس وليس أنا، لقد كنت تناظرها بنظرات إعجاب خالص."
أطلق والده تنهيدة بائسة ثم قال: "إنها تذكرني بشخص ما عزيز على قلبي لم أره منذ فترة طويلة جداً."
ضيق مالك عينيه متسائلاً: "ومن ياترى هذا الشخص؟"
أكمل والده حديثه وهو على نفس هيئته قائلاً: "تذكرني بعمتك التي فقدتها في ريعان شبابها، فملاك تشبهها كثيراً، وأكثر شيء قد يجعلك تعتقد بأنها هي، بعيداً عن ملامحها، تلك اللمعة الموجودة في عينيها، ما إن تبتسم تجعلك لا تعرف هل هي لمعة حزن أم سعادة."
اكتفى مالك بإيماءة خفيفة من رأسه وأخذ يكمل طريقه عائداً للمنزل، فلا يريد أن يتحدث في الأمر أكثر من ذلك ويذكر والده بتلك الحادثة التي حدثت لعمته. لطالما والده حدثه عنها، ولكنه لم يرَ لها أية صور، فقد أخبره والده بأنها ماتت بسبب الحب، فما إن أحبت حتى وافتها المنية.
أوقف السيارة أمام المنزل وترجل هو ووالده للداخل، فقابلته والدته وعلامات الغضب والاستياء مرتسمة على محياها.
فأقترب منها مالك ولثم جبينها، ثم اتجه يجلس على الأريكة، بينما والده انسحب بهدوء لداخل غرفة مكتبه.
لتقول والدته بنبرة جافة: "فعلت ما أردت وقصرت كلمتي وذهبت لتطلب يد الفتاة التي رفضتها، يا لك من ولد عاق تعصي والدتك من أجل فتاة لا تليق بك ولا باسم عائلتك. اسمعني جيداً يا مالك، لن أرضى عنك ولا عن هذه الزيجة ما دمت حية."
وقف مالك من جلسته، خطى باتجاهها يلثم جبينها ثم كفها، وهو يقول بصوت مجهد ومتعب: "ولكن تلك الفتاة هي كل ما أريده، فأنا لم أتزوج غيرها، لما تعانديني وتقفين في وجه سعادتي؟ لما لا تدعميني في قراري كوالدي؟ أرجوك يا أمي، فأنا سأتزوج ملاك في كلتا الحالتين سواء وافقتِ أم لا، ولكن موافقتك ستسعدني وتكمل فرحتي."
حدقته بغضب ونفضته بعيداً عنها والتفتت مغادرة، تضرب الأرض بصوت حذائها باستياء.
فاستقام مالك يزفر أنفاسه بتعب وحزن على ما يحدث معه، ففرحته ناقصة برفض والدته للفتاة التي يتمناها.
كانت نورين نائمة على الفراش تتذكر حديث كريم لها، فتبكي وتنتحب، تضع كفها على فمها تحاول كتم صوت شهقاتها حتى لا تسمعها توأمها، فكم صعباً عليها رؤيته والتعامل معه وكأنه لا يعنيها.
تثاقلت جفنيها وأطلقت العنان لنفسها لتجتمع معه في أحلامها كما تريد في الواقع، وتمنع نفسها عنه بشق الأنفس. وجدته مقبلاً عليها يركض حتى وقف أمامها وهو يلتقط أنفاسه بصوت مرتفع، ينظر لها بعشق جارف يبثها حبه ببضع كلمات حارقة، وهي كما هي تستمع له فقط.
لما لا تستطيع أن تطلق العنان لنفسها وتتشدق بما تريد قوله؟ ويمنعها تفكيرها في أخواتها من التفوه بما يعتلج قلبها. فما إن قررت إخراج الكلمات من بين شفتيها، استيقظت من النوم فزعة على من يهزها بقوة لتصحو.
نظرت لنور بفزع وآثار دموعها مازالت على وجنتيها، لتقول نور بحيرة: "لما تبكين؟ لقد كان صوت بكائك عالياً لدرجة أنني شككت بأنك مستيقظة."
خرج صوت نورين مجيبة بالهمس الضائع: "لاشيء، لقد كان حلماً بشعاً."
تابعتها نور وظلت تتمعن في تعابير وجهها الفزعة والمتألمة، وكأنها كانت تجلد بداخل حلمها، لا تعرف بأن نورين مجلدة القلب.
تساءلت نور بتوجس قائلة: "هل حقاً كل ما في الأمر مجرد حلم؟ أم أنكِ ما زلتِ تضعين حديث هؤلاء الفتيات في رأسك؟"
استقوت نبرة صوت نورين وعيناها تومضان بدموع، لكنها منعت نفسها وابتت أن تجعلها تتساقط: "نعم، كان مجرد حلم كما قلت لكِ، وهؤلاء الفتيات سأعرف كيف أوقفهن عند حدهن، وسأشتكي عليهم بسبب ما يرمونني به، فليس هناك أي شيء بيني وبين كريم، وأنتِ تعرفين لماذا أعطاني جاكيته، فقد أخبرتك كل شيء، فمراد ذلك الشاب الخبيث تعمد سكب العصير على ملابسي، لا أعرف لماذا، لكنه تعمد ذلك."
ظهر الاستياء على وجه نور بسبب ما يحدث مع توأمها، لتقول بهدوء: "لا تقلقي من شيء، فأنا معكِ، هيا نامي الآن، ولنرى ما يخفيه الغد لنا."
استلقت نورين على الفراش والتفتت للناحية الأخرى تبعد وجهها عن توأمها، فصدرت شهقة من نورين، لم تكن شهقة بقدر ما كانت صرخة مكتومة بعذاب خوفاً من القادم.
في تلك الليلة العصيبة، لم يستطع معتز النوم، فقد جافاه النوم وظل حتى الصباح يجلد ذاته ويعذبها، يتذكر خيانته لمن سلمها روحه قبل قلبه، لتذبحه بسكين بارد دون أي مراعاة لما فعله من أجلها.
يتمنى من قلبه أن يأتي اليوم الذي يتشفى فيه، فهو لم يقدر الجوهرة الثمينة التي كانت حوله بسببها. فقد اكتشف مؤخراً بأن أخواته هم ما تركه والده له، هم ورثه، هم أمانته، لكنه لم يحفظ الأمانة بسببها هي.
ففارس أثبت بأنه رجل ويستطيع حمل الجميع فوق كتفه دون أن ينخ أو يشتكي، عكسه هو. فما القدر مؤلم هكذا؟ فهمس بداخله عندما استيقظت من غيبوبتي، أجد بأنني لا أستطيع المساعدة بأي شيء، فأنا لم أعد قادراً على مساعدة نفسي بنفسي.
لتتساقط دمعة حارقة من طرف عينيه وهو يحسبن كثيراً على غادة وما طاله هو وعائلته بسببها.
في صباح يوم جديد يأتي لينير حياة البعض ويعتم حياة الآخر، وصلت مي لمقر الشركة التي تعمل بها، فما إن توقفت سيارة الأجرة، ترجلت منها ووقفت تدفع للسائق أجرته.
وما إن استدارت، وجدت منير يقف في وجهها يرمقها بنظرات مبهمة، لترفع حاجباً وهي تسأله: "ماذا تريد؟"
نظر لها بغيظ يتجلى في ملامحه، فلاول مرة يجد فتاة ترفضه وتتعامل معه بتلك الطريقة، ليقول: "أريدك أن تعطيني فرصة للتعرف عليكي عن قرب."
اقترب منها وأمسك خصلة من شعرها يشتمها وهو يرمقها بنظرات إعجاب. شهقت مي بصدمة ورفعت كفها تصفعه بقوة وقالت محذرة: "إياك أن تقترب مني مجدداً."
ثم تحركت مغادرة، بينما وقف منير يمسد بكفه مكان صفعتها ينظر إليها والشرار يتطاير من عينيه، فقرر الذهاب الآن، القصاص منها فوقت لاحق.
فما إن التفت ليخطو خطواته نحو سيارته، وجد من ينادي اسمه بغضب عارم، فما أن استدار لينظر إليه، حتى تلقى ضربة قوية في منتصف وجهه.
رفع منير بصره ينظر لسليم الواقف أمامه بملامح خطرة ووتيرة أنفاسه المتصاعدة ووجه محتقن يكسيه اللون الأحمر من شدة الغضب.
أراد سليم أن يفتك به ويلقنه درساً لن ينساه، ولكن أمن الشركة حال بينهما، فلقد كان واقفاً ينظر للخارج من النافذة الزجاجية في غرفة مكتبه، فما أن رأى منير واقتربه الشديد من مي، ثم تجاوزه معها، اشتعلت النيران بقلبه وأطلق العنان لقدمه، فلم يستطع الوقوف والمشاهدة أكثر من ذلك.
ضربت مي كفها بجبينها بيأس وهي تراقب ما يحدث، ثم قالت وهي تتميز غيظاً: "رباه، سيفضحني في الشركة."
وجده يقترب منها، فأمسك بمعصمها يجرها خلفه لداخل الشركة. كانت تتحاشى النظر إليه خائفة من هيئته، ففتح باب المصعد ودفعها بداخله.
أرادت أن تتحدث وتوقفه عند حده، ولكنها تخشاه، فلاول مرة ترى منه ذلك الوجه المخيف، ولذلك قررت أن تصمت.
ما إن خرجت من المصعد، سحبها سليم من معصمها وأخذ يخطو ناحية غرفة مكتبه، ففتح الباب بعنف ودخل ليدفعها قليلاً عنه وأغلق الباب خلفه، بينما وقفت هي تمسد معصمها جراء إمساكه لها بقسوة.
تابعها هو وقد اظلمت عينا سليم، بينما يقول بصوت خطير: "هل أعجبك ما حدث؟ لقد سألتك من قبل عن ما يريده منير منكِ، فأنا أعلم كيف يفكر هو وما يحاول الوصول إليه، فأنا أعرف نواياه."
اتسعت عينا مي باستنكار: "وهل أنا السبب فيما حدث؟ لقد فضحتني في الشركة وسأكون موضع حديث الجميع، فالمدير وصديقه الصدوق يتشاجران من أجل موظفة جديدة ليرى من فيهما سيستطيع الحصول عليها قبل الآخر، فهل أعجبك أنت ما فعلته؟ لما تدخلت؟ فأنا لم أطلب مساعدتك."
أجابها سليم باستياء بالغ: "هل كان من المفترض أن أنتظرك لتطلبي مساعدتي؟ لقد تطاول معك واقترب منك بطريقة مستفزة، فكيف تريدين مني أن أقف وأتفرج فقط؟"
انفعلت مي وتحدثت بصرامة قائلة: "وما دخلك أنت إذا كان تطاول أو تجاوز حده معي؟ من أنت لتعترض على ذلك؟ هل أنت ولي أمري حتى لا يعجبك الأمر؟"
اقترب منها سليم يريد صفعها، ولكنه تماسك وكور قبضتيه بقوة بجانبه حتى ابيضت أنامله. ظل يناظرها للحظات صامتاً بملامح خالية من التعبير، ثم قال بصوت غاضب: "لا أريد أن أستمع مجدداً لمثل هذا الحديث الذي تفوهتي به منذ قليل، وإلا سأصفعك على وجهك حتى لا يستطيع أحداً التعرف على ملامحك."
ازدردت مي ريقها بخوف، ولكنها حاولت أن تظهر شجاعة، فقست ملامحها وهي تقول: "بأي حق ستفعل ذلك؟"
لم يجب سليم وبدا شارد الذهن، ثم قال بصوت صارم جاف: "لا أحب هذا النوع من الاستفزاز، اعملي بأنني سأتعامل معكِ منذ اليوم بطريقة أخرى وسأعطي لنفسي كل الحق في معرفة كل شيء عنكِ، فكوني حريصة على عدم إغضابي."
اشتعلت مقلتاها، ولكنها لم تجبه بشيء، فأخذ صدرها يعلو ويهبط باحتدام. فتحركت لتخرج من الغرفة وقد بدأت تشعر بالاختناق يلفها والخيبة تعتمل بروحها والألم يسكن قلبها، فلقد كانت تنتظر منه رداً آخر على سؤالها.
ما إن خرجت، زفر سليم بغضب وتنهد وهو يجلس على مقعده الوثير، يرجع ظهره للخلف يستند على ظهر مقعده، وهو يتذكر ما رآه وتجاوز منير معها وإمساكه لخصلات شعرها وغضبه الشديد من حديثها معه. فكم أراد أن يجيبها على سؤالها ويخبرها بأي حق سيفعل ذلك، ولكن غضبه منها لم يسمح له أن يبثها مشاعره ويلقي عليها كلمات العشاق.
وقف فارس متحاملاً على الألم الذي يشعر به، فمد يده يخرج هاتفه من جيب بنطاله ليقرأ محتوى تلك الرسالة التي أرسلتها إليه زينة تعلمه عن مكان المنزل.
زفر باستياء، فكم كان مجهداً من العمل لساعات إضافية، فلم يتبق على عقد قرانه الكثير، سيحاول اليوم أن يستأذن لساعتين قبل انتهاء الدوام ليذهب للمنزل مبكراً عن موعده ليصطحب ليال للخارج ويجلب لها ما اتفق مع والده على جلبه.
وليترك العمل في منزل زينة لوقت لاحق بعدما ينتهي من زفافه، فأخذ يكمل عمله وهو يفكر بأنه عليه اقتراض المال من صاحب العمل، فهو يحتاج للمال تلك الفترة من أجل الزفاف ومن أجل معتز، فلقد أخبره الطبيب بأنه يستجيب للعلاج الطبيعي ولو استمر عليه لفترة وذهب بانتظام للمركز ستكون النتيجة مرضية.
كانت في المطبخ تعد الطعام ووالدتها تجلس على الطاولة وتساعدها، لتسألها زينب قائلة: "هل قررتِ بخصوص مشروع خطوبتك من الضابط؟"
تحرجت ملاك واحمرت وجنتيها، لتبتسم والدتها ابتسامة رقيقة وهي تقول: "أشعر بأن هناك خيراً قادماً من أجلك حبيبتي، فلقد رأيت مناماً أدعو الله أن يجعله من حظك ونصيبك."
صمتت قليلاً ثم سألتها باهتمام وكأنها تذكرت شيئاً: "ألم تستخيري بعد؟"
أجابتها ملاك ببشاشة: "لا، ليس بعد."
ابتسمت زينب بخفوت، أشرق وجهها متحاملة على ما تشعر به من آلام في داخلها كلما تتذكر حال معتز وما يفعله فارس والحمل الثقيل الذي يحمله، فظلت تدعو لهم جميعاً وهي تتمنى أن تكون ساعة استجابة وينعم أبناؤها بالفرح والسعادة منذ اليوم.
في المدرسة الثانوية، كانت نورين تجلس هي وتوأمها في وقت الراحة، يتابعون نظرات الفتيات الذي يرمقونها بنظرة مشمئزة وهم يفكرون بأنها تريد أن توقع بمعلمها، ليستمعوا لفتاة وهي تتحدث مع الأخرى وتخبرها بملء صوتها بأن نورين تعشق المعلم.
ما إن استمعت نور لحديثها، لم تستطع الجلوس والتغاضي عن ما تقوله تلك الفتاة في حق أختها، فأتجهت إليها كالاعصار وأمسكتها من خصلات شعرها بقوة، لتتأوه بشدة وهي تحاول إفلات قبضة نور عن خصلاتها، ولكنها لم تستطع.
لم يحاول أحد التدخل، فالجميع يعلم مصير من يتشاجر في المدرسة، إما استدعاء لولي الأمر أو الفصل، وفي كلتا الحالتين تتأثر سمعة الطالب في النهاية.
كانت واقفة في غرفة المديرة هي ونورين المذعورة التي لا تكف عن البكاء، وتلك الفتاة التي تشاجرت معها نور، فكان شعرها مشعثاً وآثار دموعها على وجنتيها، ليستمعوا لصوت المديرة الصارم تسألهم: "لما تتشاجران وتفعلان في المدرسة ما يفعلنه أبناء الشوارع؟"
أجابتها نور بثقة قائلة: "سأشرح لكِ ما حدث وسبب تطاولى عليها، ولكن أرجو منكِ أن تسمعيني للنهاية ثم تحكمي بما تريدينه."
أومأت لها المديرة لتكمل حديثها، فأخبرتها نور بكل شيء منذ أن سكب ذلك الطالب العصير على نورين ومساعدة كريم لها، حتى تشاجرها مع تلك الفتاة بسبب ما ترمي به نورين بالباطل.
تحدثت المديرة بنبرة حازمة: "ما اسم ذلك الطالب؟ سأطلبه ليحضر، وأيضاً سأنادي كريم لأفهم ما الأمر."
أخبرتها نور باسم ذلك الطالب ليحضر، وسألته عما حدث ليخبرها بكل شيء وأنه لم يكن يقصد ما حدث. فطلبت منه الخروج من الغرفة، كل ذلك تحت أنظار كريم الخائف على نورين من الفضيحة في وسط زملائها، فهو لم يقصد أن يحدث كل ذلك، فهو يشعر بها في كل كيانه، ففي ذلك اليوم كان يحاول مساعدتها ليس إلا.
وجهت المديرة حديثها لتلك الفتاة قائلة بنفس النبرة الحازمة: "لقد استمعتِ لما قاله زميلكم، فلما تطلقين الإشاعات على زميلتك؟ إذا كان هناك شيء شخصي فمكانه ليس هنا في حدود مدرستي."
صمتت قليلاً ثم أكملت حديثها قائلة: "اعتذري من زميلتك، وعقاباً لكِ سيتم فصلك لثلاثة أيام من المدرسة لتكوني عبرة لغيرك."
فعلت تلك الفتاة كما طلبت منها المديرة، فخرجت نور ونورين معاً من الغرفة بعدما سمحت لهم المديرة بذلك. فما إن خرج الجميع، تنهدت المديرة ببؤس وهي تقول: "كريم، كن حريصاً أكثر من ذلك، فالفتيات في سن مراهقة وسيفهمون أي تصرف منك بطريقة خاطئة."
وقف كريم من مقعده ووضع كفيه بداخل بنطاله، ثم أومأ لها وتحرك مغادراً والحسرة تقتله، فما حدث سيبعد بينه وبين نورين آلاف الأميال.
خرج من غرفة مكتب المديرة وأخذ يخطو ناحية مكتبه ليجدها واقفة تبكي وتوأمها تحاول تهدئتها. كم أراد أن يتحدث معها ويخفف عنها، ولكنه لم يستطع فعل ذلك، فاشاح بنظره بعيداً عنها وأكمل طريقه حيث غرفة مكتبه.
وصل فارس لمنزل ليال ووقف يطرق على الباب بطرقات هادئة، وجدها هي من فتحت الباب تقف أمامه في كامل هيئتها وحسنها، تنظر إليه بلهفة تجلي الضجر على وجهه.
ثم تحدث بامتعاض قائلاً: "أين والدك لأخبره بأننا سنخرج معاً؟ لقد تحدثت معه على الهاتف وطلبت منه إذناً وقد سمح لنا، ولكن لأراه أولاً قبل أن نذهب."
أجابته ببساطة قائلة: "لقد خرج ولم يعد بعد، وأخبرني بأنك لو أتيت قبل أن يأتي اذهب معك لأنه لا يعرف متى سيعود."
أومأ لها وأشار إليها بكفه ليذهبوا. تنهدت ليال وابتسامة جانبية مريرة ترتسم على وجهها وتحركت تخطو معه أول خطواتها نحو بداية جديدة لا تعرف إذا ما كانت موافقتها على الزواج منه صحيحة أم لا.
انتهى فارس من شراء محبس ليال وأخذها وذهب لمطعم بسيط. جلست ليال على مقعدها تنظر له وهو يتحاشى النظر إليها يشغل نفسه عنها بأي شيء، وكأنها غير موجودة معه على نفس الطاولة.
قطب حاجبيه عند صدور صوتها الغاضب وهي تقول باستياء: "لما تعاملني بتلك الطريقة وكأنني غير مرئية؟"
امتعضت ملامح فارس مما تقوله، فأطبق على شفتيه يكتم دواخله، وفقط عيناه من تنطق بالألم المبرح الذي يشعر به. فكم هو محرج منها لأنه لا يستطيع أن يجلب لها كل ما تريده مثلها مثل أي فتاة تحضر لعرسها، فمسؤولياته كثيرة وقد زاده شخصاً آخر ليكون مسؤولاً عنه ومتكفلاً به.
زفر فارس أنفاسه بقوة ثم قال: "ليال، أنا أعتذر منك، فأنا لم أكن أقصد بأن أوصل لكِ ذلك الشعور، ولكنني محرج منكِ لأنني لم أستطع أن أجلب لكِ كل ما تتمنيه."
مدت كفها تربت على كفه الموضوعة على الطاولة، تبادل النظرات بينها وبين كفها الموضوعة على كفه، فشعرت بالإحراج من فعلتها لتسحب كفها سريعاً وهي تقول لتداري إحراجها: "تأكد بأنني لا أريد شيئاً، حتى ذلك المحبس لو لم يكن رمزاً لارتباطنا لم أكن لأوافقك على أن تجلبه، فتلك الأشياء لا تعنيني."
تنهد فارس بثقل وهو يقول: "فليعينني الله على أن أكون نعم الزوج لكِ."
اكتست وجنتاها بذلك اللون الأحمر القاني من فرط الخجل، وابتسامة صغيرة لونت شفتيها، فعندما أدركت قصده، أحنى رأسها خجلاً من أثر حديثه عليها، فهي حتى الآن ما زالت لا تصدق بأنها ستكون زوجته في يوم من الأيام وتحمل اسمه، فل طالما تمنته زوجاً لها ودعت كثيراً ألا تتزوج أحداً غيره.
ما إن رأى هيأتها تلك، ابتسم ابتسامة هادئة وهو يفكر كم تشبه ملاك في حيائها وأخلاقها.
صدح رنين هاتفه عالياً، فأخرج هاتفه من جيب معطفه، ولفت الدهشة وهو يطالع الاسم الذي يعلو شاشة هاتفه.
كان مالك في عمله لديه وردية ليلية، ممسكاً بهاتفه ينظر إليه من ثانية لأخرى، فكل ثانية تمر عليه وكأنها ساعة كاملة. فكم سيكون عليه أن ينتظر حتى يتصل به أحد عائلتها ليخبره بقرارها.
وقف مالك ينظر من النافذة التي تحيطها أسياخ الحديد للسماء الصافية. تخصر مالك وهو يزفر أنفاسه بقوة يفكر هل هناك احتمال لرفض ملاك؟ فعائلتها لم يرَ منهم غير أنهم مرحبين بالأمر، ولكن يبقى رأيها هي.
فقرر بأنه سينتظر للغد، وإن لم يحدثه أحد ليخبره بقرارهم سيحدثهم هو. يعلم بأنه لا يصح ذلك، ولكنه لم يستطع الانتظار أكثر، يريد الارتباط بها في أقرب فرصة. فوالدته تضغط عليه بشكل نفسي مزعج، فلم تعد تتحدث معه، وقد قالتها له صريحة: "لن أتحدث معك إلا إذا تخلّيت عن فكرة ارتباطك بتلك الفتاة التي لا تليق بضابط مثلك."
لذلك هو يريد إنهاء الأمر في أقرب وقت ليضعها أمام الأمر الواقع، فهي ستمل منه وتتعامل معه وكأن شيئاً لم يكن.
رواية ذلك هو قدري الفصل الخامس عشر 15 - بقلم موني عادل
صدح رنين هاتفه عالياً. أخرج هاتفه من جيب معطفه، ولفت الدهشة انتباهه وهو يطالع الاسم الذي يعلو شاشة هاتفه.
همس بعبوس: "زينة".
ثم ضغط على زر في الهاتف لينهي المكالمة، ووضعه على الطاولة. رفع بصره ينظر إليها ليجد بصرها متسمراً عليه.
ازدرد ريقه بتوتر وهو يقول: "هل نذهب؟"
أومأت له بالإيجاب، ولكن كم كانت تريد أن تماطل في تناول وجبتها لتحظى بوجوده معها لأكثر وقت ممكن. فوقفت عن مقعدها تستعد ليغادرا.
فما أن وقف هو الآخر عن مقعده حتى صدح صوت رنين هاتفه مجدداً. رأت ليال اسم المتصل الذي ينير شاشة هاتفه قبل أن ينهي فارس الاتصال وهو يزفر بغضب. ثم وضع الهاتف في جيبه وأشار إليها لتتحرك أمامه.
أخذت تخطو خطواتها ببطء وعقلها منشغل بمن تكون زينة تلك التي اتصلت به أكثر من مرة وهو لا يريد أن يجيب عليها أمامها. شعرت بغصة في حلقها وألم قوي يضرب قلبها وهي تفكر بأنها ربما تكون حبيبته أو صديقته. فليست هي من تستطيع أن تعيش مع شخص وهي تعرف بأنه على علاقة بفتاة أخرى.
كان من المتوقع أن تكون الليلة من أجمل ليالي عمرها حيث تغمرها السعادة والفرح، ولكن اتصال تلك الفتاة غير كل شيء في داخلها. فقررت أن تعرف من تكون زينة.
فهتفت بانفعال مشوب بالقلق: "من زينة تلك التي كانت تتصل بك؟"
شعر فارس بتوتر، فهتف بها بجدية: "مجرد فتاة بيننا عمل. تريد مني إعادة ترميم أرابيسك منزل عائلتها، وأنا منشغل تلك الأيام، لذلك لا أجيب على اتصالاتها حتى أستطيع أن أخبرها متى سأبدأ العمل به."
تراخت تعابير وجهها قليلاً وقد اطمأن قلبها، ففارس لن يكذب عليها. بينما فارس شرد يفكر لماذا لم يقل لها الحقيقة كاملة ويخبرها من تكون زينة؟ لماذا اكتفى بنصف الحقيقة فقط؟ يعترف بأنها لم يعد لها وجود في حياته، ولكنه يشعر بأنه سيحدث له أمراً سيئاً كلما رأى زينة أو اتصلت به. ولكن يبقى ذلك مجرد شعور لا يعرف لماذا.
أخبر ليال نصف الحقيقة فقط. اتسعت عيناه وهو ينظر إليها وتردد طويلاً قبل أن يقول: "ليال، تلك الفتاة التي رأيت اسمها على شاشة هاتفي، كان بيننا قصة حب في فترة من الفترات، ولكنها تركتني وتخلت عني في وقت كنت أتمنى أن يكون أي أحد بجواري ويشد من أزري. ولكن الآن لم أعد أحمل لها أية مشاعر في داخلي. لم أستطع أن أخفي عنكِ أي شيء لأنك ستكونين زوجتي، ويجب عليكِ أن تكوني على معرفة بكل شيء يخص حياتي."
دارت الدنيا حول ليال، فأحاط بجسدها الألم وتجمعت الدموع في عينيها وهي تفكر بأنه قد نسي حبه لها قديماً. لكن لماذا هي ما زالت تحيا عليه وتتذكر كل كلمة قالها لها؟ حتى تلك الوردة التي أعطاها لها وهي مجرد مراهقة خرقاء جففتها واحتفظت بها.
قالت ليال بصوتها المذبوح: "ولماذا تتصل بك الآن؟"
أخذ فارس نفساً عميقاً يأساً وهو يقول: "لقد أخبرتك من قبل بأن لديها عملاً وتريد مني إنهائه. لا تقلقي، فأنا لم أعد أحمل لها ذرة حب واحدة، وهي أيضاً. فما مضى قد مضى."
لم تجبه وهي تفكر بأن وجودها قريبة منه قد يحيي حبها مجدداً بقلبه. عند هذه النقطة نبض قلبها بعنف وتسارعت أنفاسها بجنون.
أشار فارس لسيارة أجرة وفتح لها الباب لتستقل السيارة وهو بجوارها. واكتفى كل منهم بالصمت.
في المنزل، كانت ملاك جالسة في صالة المنزل تفكر في مالك، وأن عليها اتخاذ قرارها. لا تنكر بأن مالك يعجبها. تشعر بأنها ستجد راحتها معه. سيكون المسكن لها من آلامها. يكفي بأنه صدقها من البداية ووثق في برائتها.
وجدت باب المنزل يفتح وفارس يطل عليها. أغلق الباب خلفه وأخذ يسير باتجاهها وعلى وجهه ابتسامة جميلة تظهر لها هي. جلس بجوارها على الأريكة وأرجع ظهره للخلف مستنداً على ظهر الأريكة، وسألها وهو يرفع إحدى حاجبيه: "لما ما زلتِ مستيقظة حتى الآن؟ ولا تخبريني بأنني السبب وأنك كنتِ تنتظريني؟"
أخفضت وجهها وأجابته بعاطفة صادقة: "لا أستطيع النوم، وكنت أريد التحدث معك بشأن طلب مالك. فأنا أثق في قرارك. لقد استخرت وشعرت براحة وقبول ناحيته، ولكنني لا أستطيع اتخاذ القرار بمفردي."
تحدث فارس يقول بثقة: "كوني مدركة بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يخرج عن إرادته في الكون شيء. فكري أنتِ وخدي وقتك كيفما تشائين، ثم أطلعيني على قرارك النهائي."
تطلعت لحديثه الموزون الذي مس قلبها وأومأت بخجل وهي تعطيه موافقتها. طاقة هادرة من السعادة اندفعت في جسده كالدماء. فكم هو سعيد بموافقتها على مالك. فهو لن يأمن عليها إلا مع مالك. فهو منذ أن ساعدها وهو يشعر بأنه يحمل إليها مشاعر حب، وذلك ما دفعه لإثبات برائتها. شكر الله ودعاه كثيراً على ظهور شخص كمالك في حياتهم.
وقف من جلسته وقد دب التعب بجسده. فمال على رأس ملاك يلثمها، ثم تمنى لها ليلة سعيدة وذهب لغرفته. فما أن فتح بابها أخذ يخطو ناجية فراشه وارتمى بجسده عليه وأغلق عينيه لعل عناءه وتشنج عضلاته الذي يلازمه منذ مدة من إجهاد نفسه في العمل يخف. يتمنى لو يستريح من الألم الذي يفتك بجسده ويشعر بالراحة قليلاً ليستطيع النوم ويستطيع أن يكمل في معاناته. فسرعان ما ارتخى جسده وذهب في النوم سريعاً.
في صباح يوم جديد، استيقظ فارس وجميع من بالمنزل ليبدأ يوماً جديداً ملئ بالتعب والمعاناة. فبعد انتهائهم من تناول فطورهم، اتجه كل منهم إلى مكانه. فمي ذهبت لعملها، ونورين وتوأمها ذهبوا لمدرستهم، وفارس أخذ معتز وذهب للمركز لأن معتز لديه جلسة علاج اليوم، بينما والدتهم جلست تدعو لأولادها بصلاح الحال وجبر الخاطر.
في المدرسة الثانوية، كانت نورين في فصلها تتحاشى النظر إليه. فيكفيها ما طالها والمشكلة التي حدثت بسبب أنها أعطت له فرصة ليتعامل معها ولو بطريقة عادية. ولكنها وعدت نفسها بأنها لن تسمح له بالتقرب منها مجدداً. فسمعتها هي كل ما تملكه، فلا تريد أن يمسها أحد بسوء، ولن تتحمل أي غبار عليها. لذلك قررت أن لا تضع نفسها في محل شبهات. فهي هنا من أجل أن تدرس وتتعلم فقط، وليس لتعشق وتعشق.
فكان كريم يشرح الدرس وهي تدون خلفه ما يقوله دون أن ترفع بصرها إليه لترمقه بنظرة واحدة. فقد أخذت وعداً على نفسها وعليها أن تفي به. بينما هو كان يناظرها من وقت لآخر، لربما تخطئ وترمقه بنظرة. فقد افتقدها لدرجة ألمت كل ذرة به. افتقد نظرة عينيها التي تشع براءة وهمسات قلبها القادر على إذابة جليد سنيني. افتقد حتى كلمة "لا" التي كانت تمطرني بها ورفضها الدائم لارتباطي بها. افتقدها لدرجة مؤلمة تجعلني أتألم بشدة. ظل يحدق بها يتمنى نظرة من عينيها وكأن العالم كله يتجمع في عينيها.
انتهى من الشرح وجلس على مقعده وهو يتحدث بنبرة مميتة: "سأنادي أسماءكم من الكشف بالترتيب وأسأل كل واحدة منكم سؤالاً. ومن سيجيب على سؤاله بالإجابة الصحيحة سأعطيه علامة كاملة."
بدأ كريم ينادي الأسماء بالترتيب من الكشف إلى أن وصل لاسم نورين، فأطلق زفيراً بائساً ثم نادى اسمها. أجابته وهي على نفس حالتها. فكم شعر بالغيظ منها، ولكنه ظل محافظاً على ابتسامته رغم الغضب الذي يتأكله من داخله. فهي تعامله وكأنه غير مرئي.
بينما هي ابتلعت ريقها وما زالت تحتفظ بابتسامتها الجامدة تغطي وجهها. صدح صوت الجرس عالياً يعلن انتهاء اليوم الدراسي. وقف كريم يلملم ورقه وأشيائه بتلكؤ حتى يحظى بنظرة من عينيها. يعلم بأنه أخطأ بكل ما فعله، فخطأه من العيار الثقيل لأنه منح فرصة لزملائها بالتحدث عنها ونسج الأشاعات حولها. أغمض عينيه وألم مبرح يداهمه. لقد اشتاق لنظراتها. عندما وجدها منشغلة في جمع أشيائها، هز كريم رأسه نافياً وهو يستوعب بأنها قررت أن تبعد هذه المرة بجدية ولن تتنازل عن قرارها. فتحرك يخرج من باب الفصل.
ما أن شعرت نورين به يغادر واستمعت لصوت خطواته، رفعت بصرها تنظر في أثره وعيناها ممتلئة بالدموع التي ترفض أن تسمح لها بالسقوط.
كان منير ممسكاً بهاتفه يتحدث مع شخص يعمل في شركة سليم قاسم. عقد منير حاجبيه وهو يتحدث مع ذلك الشاب على الهاتف يقول بجدية وحزم: "لقد اخترتك أنت لتلك المهمة لأنني أثق بك. كن عيني في شركة سليم وزودني بكافة المعلومات وسأكون سخياً معك، فلا تقلق من تلك الناحية."
أجابه ذلك الشاب بتلقائية وهو يقول بلهفة: "لست قلقاً، سأخبرك بكل شيء يحدث هنا، فأنا أعرف من تكون."
همهم منير يدعي اللامبالاة وهو يقول: "يوجد أيضاً فتاة جديدة تعمل لديه في الشركة تدعى مي. أريد أن أعرف كل شيء عنها، أي معلومة سواء هامة أم لا، اطلعني عليها."
وافق ذلك الشاب على إمداد منير بكافة المعلومات التي يريد معرفتها سواء كانت شخصية أو عملية. فأغلق منير هاتفه لتكتنف الجدية على وجهه. فعليه أن يعرف كل شيء، عليه أن يتأكد بأن هناك شيء بينها وبين سليم وسيثبت ذلك، ووقتها لن يسكت لسليم مجدداً.
طرقت طرقتين على باب غرفة المكتب، ثم فتحت الباب وأخذت تسير للداخل. وقفت أمام مكتبه وهي تمد ذراعها له بالملف الذي طلب منها إحضاره منذ قليل. لم ينظر إليها ولم يعير وجودها أي اهتمام وتحدث يقول ببرود: "اتركيه على المكتب وغادري."
رغم تعجبها إلا أنها فعلت ما أراده والتفتت لتغادر. لتسمعه يقول: "الليلة لدي اجتماع في الخارج وستذهبين معي."
كتفت مي ذراعيها وهزت قدميها بتوتر وهي تقول: "ولكنك أخبرتني من قبل بألا أفعل وأن لا أذهب لتلك الاجتماعات."
أطلق سليم تنهيدة طويلة قبل أن يقول بضجر: "ذلك كان قبل أن تعملي لدي. الآن أنا مديرك وأنا من أعطيك الأوامر وأخبرتك بما عليكي فعله. فهيا انصرفي."
ضيقت مي عينيها وهي تجول في ملامحه التي تكتنفها الجدية. فأشار بكفه أن تخرج وهو على نفس حالته ينظر للأوراق الموضوعة على مكتبه. فاستدارت تخطو خطواتها ببطء للخارج لعله يتراجع عن قراره في ذهابها لذلك الاجتماع. ولكنه لم يحدث. رفع بصره وعلى وجهه ابتسامة مشرقة يتابع تلكؤها في خطواتها وهو يتأملها بأن هذه هي المرأة التي يحبها. فجمالها زاه دون تبرج وجسدها رشيق دون نحافة وملابسها أنيقة دون إفراط. فخرج من تأمله على إغلاقها للباب بعنف. فارتفع حاجبه واتسعت ابتسامته الصادقة من قلب وقع في العشق.
خرجت مي من غرفة مكتبه والغضب يتأكلها منه بشدة. فلقد كان يرفض ذهابها لتلك الاجتماعات من قبل، فلما الآن مصر على ذهابها؟ نفخت أوداجها وهي تذهب ناحية مكتبها وجلست على مقعدها تفكر. أعلى عليها أن تعانده ولا تذهب لذلك الاجتماع أم تذهب وتتعامل وكأن الأمر يعجبها؟ أمسكت بالقلم بين أناملها تطرق به على المكتب لتجد من تقف أمامها وتتحدث بسخرية تقول: "إذا كنتِ غاضبة فما ذنب المكتب؟"
تأففت مي بضحك والتمع الغضب بتقاسيم وجهها وهي تنظر لتلك الفتاة التي تقف أمامها لا يستر جسدها الكثير. فتلك الفتاة كانت تعمل في الشركة قبل أن تعمل هنا. لتتحدث الفتاة بشوق ولهفة تقول: "هل سليم بالداخل؟"
انزعجت ملامح مي كثيراً وهي تستمع لتلك الفتاة تسألها عن سليم بلا ألقاب. فانتفضت من مكانها وأندفعت نحوها ووقفت ترمقها باستياء ثم قالت بفتور: "انتظري هنا لأخبره أولاً."
ما أن استدارت لتذهب تذكرت بأنها لم تسألها عن اسمها. فألتفتت برأسها وهي تسألها: "أقول له من؟"
أجابتها بابتسامة صفراء تقول بدلع: "مونيكا."
طالعتها مي باستياء وهي تفكر لماذا عادت تلك الفتاة. وابتسمت ابتسامة لم تتعد شفاهها رغم جمود ملامحها. ثم أخذت تخطو باتجاه غرفة مكتب سليم. فتحت الباب دون أن تطرق عليه لتستأذن منه للدخول. رفع بصره عندما وجد الباب يفتح بتلك الطريقة. نظر إليها بعينين حازمتين معترضاً على ما فعلته. فلم تعير نظراته أي اهتمام وقالت باستياء: "هناك فتاة بالخارج تدعى..." لم تكمل حديثها لاقتحام مونيكا لغرفة المكتب، فلقد كانت واقفة على عتبة الباب تنظر لسليم بنظرات تحمل الكثير في طياتها. أشار سليم لمي بعينين حازمتين أن تغادر الآن. قطبت مي حاجبيها بقسوة وقد برق الحقد من عينيها وأخذت تتمتم تلعن سليم وتلك الفتاة وهي تخطو لتخرج من الغرفة.
جلست على مكتبها وصدرها يرتفع وينخفض بغضب بالغ وعيناها متسمرة على باب غرفة مكتب سليم الذي أغلقته خلفها. فهي لم تنس تلك الفتاة التي لم ترها غير مرة واحدة ونظراتها اللعوبة التي كانت تصوبها باتجاه سليم. بينما في داخل الغرفة، أرجع سليم ظهره للخلف يستند على ظهر مكتبه وهو يطالعها وهي تجلس أمامه بكل اريحيه وتقول بحرارة: "لقد اشتقت لك بحجم السماء والأرض."
هز رأسه بالنفي بأن لا فائدة مما تقوله. ثم تحدث بصوته المشحون غضباً يقول: "لما أنتِ هنا الآن؟"
فتحت مونيكا عيناها وضمت شفتيها تحاول استعطافه. فتنهدت ببؤس ووقفت من مكانها ودارت حول مكتبه ووقفت خلف المقعد الذي يجلس عليه ورفعت ذراعها تمسد على كتفيه. ليدور سليم بالمقعد ليوجهها وهو يقول بهجوم: "هل عرفتِ الآن من قد أحن لتلك العلاقة قبل الآخر؟ ولكنني قلتها من قبل وسأقولها مرة ثانية، لا أريد أن أراكِ مجدداً، فهيا اخرجي."
اتسعت عيناها وتلعتمت تقول: "ألست أنت من بعث برسالة نصية يخبرني بأنك اشتقت لي وتريد رؤيتي؟"
التهب وجهه بالغضب وهي تخبره بشيء لم يفعله. ليقول بصوت غاضب: "لم أفعل ذلك. لم تخطري على بالي للحظة واحدة منذ أن ذهبتِ من هنا. فلما قد أبعث برسالة لك أبثك مشاعري وأشواقي التي ليس لها أية وجود؟ اذهبي ولا تعودي مجدداً."
اختل توازنها لتقع جالسة على ركبتيه. لتدخل مي في تلك اللحظة وهي تحمل ملفاً في يدها لتراها جالسة على قدميه. فعصرت قبضتيها تحاول لجم غضبها الذي يتصاعد. فلم تتمالك نفسها وتساقطت دموعها والتفتت تغادر وهي تغلق الباب خلفها بقوة. ظلت تبكي وجسدها يرتجف مما رأته. فجلست على مكتبها ورفعت أناملها تمحو دموعها المتساقطة وتبدلت ملامح وجهها. فتنهدت تنهيدة تكتم فيها ألمها المبرح.
صدم سليم مما حدث. فدفعها عنه بعنف وازدراء وهو يقول: "للخارج الآن."
رفعت مونيكا حاجبيها باستغراب. فاخذت حقيبة يدها وخرجت من غرفة مكتبه ووقفت تطالع مي بنظرات حاقدة. رفعت بصرها وتجمدت ملامحها وهي تطالعها بازدراء. لتنسحب الأخرى من أمامها.
خرج فارس من المركز الطبي فأغمض عينيه بوهن يبتلع ريقه بتثاقل وهو يدفع المقعد المتحرك بمعتز. فأوقف سيارة أجرة وفتح بابها ومال يحمل معتز بين ذراعيه ليجلسه بداخل السيارة. فأشاح معتز بعينيه بعيداً عنه يرفض أي تواصل بصري بينهما. أجلسه فارس وأمسك بالمقعد ليغلقه ويضعه في حقيبة السيارة. ودار حولها ليجلس من الناحية الأخرى. كل ذلك ومعتز يتابعه بخمول. وقد اكتشف من أزمته تلك أشياء كثيرة. من كان معه وبجواره ومن تخلى عنه ولم يسأل عليه ولو لمرة واحدة. ازدرد ريقه ورغم كل الوجع الذي شاب عينيه من هذا الموقف إلا أن وجهه كان بارداً وهادئاً. فهو عندما يصل للمنزل ويدخل لغرفته يعذب نفسه ويجلدها لماذا اقترفه في حق أخواته. فما زال حتى الآن لا يستطيع أن يرفع عينيه وينظر بداخل أعينهم. فهو لا يستحق مسامحتهم له. كم يتعذب كلما رأى معاملة فارس له وعندما يحمله بين ذراعيه يريد أن يجهش في البكاء ثم يحتضنه بقوة ويخبره بأنه نادم على أي شيء فعله معهم.
خرج من شروده على كف فارس الموضوعة على كتفه تربت عليه وهو يومئ له بعينيه وكأنه فهم ما يفكر فيه ليقول له بعينيه بأن القادم أفضل. التفت معتز بوجهه بعيداً عنه وظل ينظر من النافذة الزجاجية إلى أن وصلوا للحي الذي يسكنون فيه. ليترجل فارس من السيارة سريعاً وأخرج للسائق أجرته من حافظة نقوده. فأنزل المقعد أولاً وهيأه ليجلس عليه معتز ثم دفع به المقعد حيث المنزل. ما أن وصل معتز للمنزل طلب أن يدخله لغرفته ككل مرة يأتي فيها من تلك الجلسات. يطلب أن ينعزل عن الجميع ويبقى بمفرده. فعل فارس كما يريد منه وخرج من غرفة معتز بعد أن أغلق الباب خلفه. ليجد والدته أمامه تريد الدخول إليه. ابتسم فارس ابتسامة ودودة وقال: "اتركيه الآن يا أمي، فأنت تعلمين بأنه يأتي من الجلسات مجهداً ومتعباً ولا يحب أن يراه أحد ضعيفاً. اتركيه قليلاً ثم ادخلي لتطمئني عليه."
أطاعته والدته وتطلعت ببشاشة في وجهه. فلم يعطها فرصة لتتحدث وقال: "سأذهب للعمل. لقد استأذنت صباحاً وأخبرتهم بأنني سأتأخر لساعتين، ولكني تأخرت كثيراً."
لثم رأس والدته سريعاً واستدار مغادراً. فما أن خرج من المنزل أخرج هاتفه من جيبه وضغط على رقم ليجيبه الطرف الآخر سريعاً متلهفاً. ليلقي عليه فارس التحية ثم أخذ نفساً قوياً وهو يقول بوقار مألوف: "أردت أن أخبرك بأن طلبك لقي قبولاً لدينا، ولكني أريد منك أن تنتظر لبعض من الوقت فقط قبل أن يحدث أي شيء رسمي. فعقد قراني غداً. يمكننا أن نحدد موعدنا لتأتي أنت وعائلتك في وقت لاحق لنتفق على كل شيء."
تجلى الفرح على ملامح مالك مما أخبره به فارس. فغمرت السعادة قلبه ليشعر بأنه سيخرج من صدره من قوة صوت ضرباته. حاول تمالك نفسه وأستعد رباطة جأشه ليقول بشجن: "مبارك لك، ولكني لا أطيق صبراً. فهل يمكنني أن أزوركم أول الأسبوع القادم؟"
ابتسم فارس ثم قال بنبرة سعيدة: "كم تحب وترغب. سأكون في انتظارك."
أنهى فارس المكالمة وأسرع لعمله. فهو لن يستطيع الذهاب للعمل على مدار اليومين القادمين من أجل زواجه. فلف غضب غير مألوف وجهه ثم أخذ يكمل طريقه.
في المساء، بدلت مي ملابسها واستعدت لتذهب لذلك العشاء بعد أن تشاجرت كثيراً مع ملاك حتى تستطيع الذهاب. أرادت أن تذهب سريعاً وتأتي قبل أن يأتي فارس ويجدها ما زالت بالخارج. فأخذت تخطو على طراطيف أنامل قدميها وهي ممسكة بحذائها بين كفيها لتخرج من المنزل أولاً ثم ترتديه. فإذا استمعت والدتها لصوت خطواتها ستمنعها من الذهاب ووقتها ستفقد عملها. ما أن خرجت من المنزل أوقفت سيارة أجرة وأملت العنوان للسائق. بعد القليل من الوقت وصلت أمام المطعم المقصود فوقفت تهندم من ملابسها وتحركت تخطو للداخل بتردد وثقتها بنفسها تلاشت كلياً. لمحته جالساً مع ثلاث رجال وامرأتان على طاولة كبيرة. فحركت باتجاهه وهي ترسم على وجهها ابتسامة مصطنعة. رحبت بالجميع وجلست مقابلة له. اثنى أحد الرجال على جمالها وتطلع لها مردفاً: "هل أنتِ متزوجة؟"
ابتسامة ساخرة تعلقت بفمها المكتنز الجميل قبل أن تتحدث ببرود: "لا، ليس بعد."
جاش صدره بالغضب وهتف: "نحن هنا في عشاء عمل، فلا تتطرفوا للحديث خارجه."
لم تتحدث معه مطلقاً، فهي لم تنس ما فعله صباحاً مع سكرتيرته القديمة. عند تذكرها لهيئته كسا الألم ملامحها. بينما تابعها هو بنظراته وتابع ذلك الشاب الجالس بجوارها وهو يرمقها بنظرات إعجاب. ولكنه حاول التماسك حتى أنتهى العشاء ووقف الجميع ليغادر. فمد ذلك الشاب كفه ليودع مي، ففعلت المثل. ليميل على كفها يقبلها برقة وهو ينظر بداخل عينها. عند هذا الحد ولم يستطع أن يتماسك أكثر وقد أظلمت عيناه وهو يقترب منه ويقول بإنفلات أعصاب: "ابتعد عنها أيها الوغد."
ثم كور قبضته وضربه بقوة واستدار يسحبها من معصمها ليخرجوا من المطعم تحت أنظار الجميع الذاهلة مما حدث. ابتسمت مي بلا مرح وهي تقول: "كل مرة تثبت لي بأنك شخص همجي."
رفع حاجبيه يقول بخشونة: "اصمتي، فلا أريد أن أستمع لصوتك."
شدت مي على حديثها وهي تقول: "ولماذا قد أصمت؟ ألست أنت من أصررت على قدومي؟ فلما ضربت الشاب؟ هل كل ذلك لأنه أثنى على جمالي؟"
أغمض سليم عينيه أمامها وهو يحث نفسه على عدم الانجراف بغضبه وغيرته عليها. فهي محقة في كل شيء. ففتح باب سيارته بهدوء وهو يطلب منها أن تصعد بداخلها ليوصلها. ولكنها رفضت. فدفعها بداخل السيارة رغماً عنها ودار حولها ليجلس في مقعد السائق ليوصلها أولاً لمنزلها ثم يذهب منزله.
وقفت السيارة على أول الحي لتترجل منها مي وأخذت تخطو في الشارع لتصل للمنزل. فهي قد طلبت منه أن ينزلها هنا حتى لا يراها أحد ويفهمها بطريقة خاطئة. لم تأخذ بالها من الشخص الذي يتبعها بخطوات مسرعة. فما أن دخلت للمنزل حتى وجدت يفتح الباب بقوة وحدق في عينيها للحظات طويلة. ثم وقف أمامها وهو يزمجر بصوت مخيف: "أين كنتِ في تلك الساعة؟ وسيارة من التي أوصلتك على أول الحي؟ ولما لم تخبريني بأنك ستخرجين؟"
خيم الصمت بينهما وهي تنظر إليه بعينين خائفتين. ليقول بجفاء وصوت قاسٍ: "انطقي وأخبريني أين كنتِ."
نظرت في عينيه وأجابته بخوف: "كنت في عشاء عمل والمدير أوصلني لأن الوقت قد تأخر."
ما أن انتهت حتى تلقت صفعة قوية من فارس وتمتم من بين أسنانه المطبقة: "من اليوم لن تخرجي من المنزل إلا بإذني، ولن تعملي مجدداً. عودي لدراستك وأنهي عامك الدراسي هذا."
ذعرت مي وتحدثت تقول بقلق: "لا، أرجوك. تعلم بأننا بحاجة للعمل. أعتذر منك، لن أكررها. أرجوك سامحني. تراجع عن قرارك."
ثم تساقطت دموعها ندماً على خروجها من المنزل بدون علمه. أمعن فارس النظر فيها ثم قال بامتعاض: "لا أريد أن يتكرر الأمر مجدداً وإلا لن أتسامح معك وسيكون لي رد فعل آخر."
أومأت برأسها واحتضنته. فأرجع فارس رأسه للخلف وهو يطالعها. لتتنهد مي براحة.
رواية ذلك هو قدري الفصل السادس عشر 16 - بقلم موني عادل
في صباح يوم جديد استيقظت ليال بنشاط وسعادة على غير العادة، فذهبت باتجاه المرحاض واغتسلت وتوضأت لتؤدي فرضها. انتهت ليال وخرجت من غرفتها وعلى وجهها ابتسامة سعيدة تنير وجنتيها، فذهبت باتجاه المطبخ لترى والدتها وتساعدها في إعداد الطعام. اقتربت منها وقبلتها على وجنتها قبلة سريعة. طالعتها والدتها وتمعنت النظر في ملامحها التي تنبض بالفرح، فأمسكت بذراعها وسحبتها ناحية الطاولة الصغيرة الموضوعة في زاوية المطبخ وأجلستها على المقعد وجلست بجوارها.
مالت والدتها برأسها تجاهها وضيقّت عينيها تتحدث بتحذير واهتمام:
((أياك يا ليال أن تُسئي لوالدة زوجك أو أخواته. تعاملي معهم بالحسنى لتكسبي ود زوجك. عامليهم كعائلتك، فأنا لن أخبرك أكثر. اعرفي ما عليكِ فعله وافعليه.))
أجابتها ليال بجدية تقول:
((بالطبع سأعاملهم معاملة حسنة، فأنا أحبهم جميعًا دون استثناء.))
تنهدت والدتها بارتياح، فكم كانت تخشى أن تخيب ابنتها ويخيب ظنها فيها وتتعامل مع أهل فارس بطريقة سيئة. لذلك توجّب عليها أن توعيها وتملي عليها ما تفعله، فليال ما زالت صغيرة وطائشة، لذلك تخشى أن تتصرف ابنتها بطريقة قد لا تعجبهم. فظلت تدعو لابنتها أن تكون زواجه العمر وليال تأمن وراءها، وعلى وجهها ابتسامة سعيدة. فأخيرًا تحقق حلمها وستجتمع مع من تحب تحت سقف منزل واحد. تسارعت دقات قلبها وكاد أن يخرج من بين قفصها الصدري من شدة ضرباته عند تذكرها بأنها ستكون زوجته منذ اليوم، وستنتقل لمنزله وتحظى معه بحياة هانئة ممتلئة بالسعادة. منذ اليوم ستكون ملكه قلبًا وقالبا، سيمتلك روحها قبل جسدها. كم تتوق أن ينتهي النهار وتجد نفسها في منزله بداخل غرفته. تورّدت وجنتاها وخجلت مما تفكر به، لتهز رأسها بقوة وهي تبعد تلك الأفكار عن عقلها.
في منزل فارس، كان الجميع قد استيقظوا وجلسوا على طاولة الطعام وبدأوا في تناول فطورهم، فاليوم يوم غير عادي بالنسبة لهم جميعًا. فزواج فارس من ليال لطالما تمنته والدته وأخواته، فهم يرون في ليال زوجة صالحة وفتاة ذات خلق. ابتسمت والدته وهي تقول لبناتها بسعادة عارمة:
((انتهوا سريعا من فطوركم لنرى ما علينا فعله ونبدأ بتجهيز المنزل وإعداد الطعام للعروسين.))
تنهد فارس قبل أن يعقب:
((أمي، لا تجهدي نفسك ولا تفعلي شيئًا.))
ابتسمت والدته وعلقت:
((كيف لا أفعل شيئًا؟ لطالما تمنيت زواجك من ليال، كم كنت أتمنى أن تقام حفلة زفاف كبيرة وندعو الحي كله إليها.))
قال فارس معقبًا بعد دقائق صمت:
((أمي، تعلمين بأنني لا أحب تلك الحفلات وتجمع الناس لرؤية العروسين والتفرج عليهم. أشعر بالاختناق فيها، ذلك أفضل ولنكن على راحتنا.))
بعد أن أخبر والدته بهذا، صمت يفكر، هل ذلك هو السبب أم السبب هو احتياجه للمال من أجل حفل الزفاف وتلك الأمور الأخرى؟ ولكنه لم يكذب على والدته، فهو حقًا لا يحب حفلات الزفاف ويشعر بالاختناق فيها وهو يسمع المدعوين يذمون في العروسين، فلم يضع نفسه وليال في ذلك الوضع.
تحدث فارس بلهفة بجزعه يقول:
((لقد تحدثت بالأمس مع مالك وأخبرته بموافقتنا على عرضه للزواج من ملاك، فتفق معي بأنه سيجلب عائلته ويأتي لزيارتنا في أول الأسبوع القادم.))
أشرق وجه ملاك بابتسامة خجولة، فهي قد استبشرت خيرًا من زواجها من مالك. تتمنى من داخل قلبها أن تجد عنده الملجأ والأمان وأن يشاركها كل محطات حياتها السعيدة والتعيسة، المفرحة والمؤلمة. تريده أن يكون بئرًا لها ولحكاياتها. تعترف بأنها من داخلها تحمل له الكثير من الحب والاحترام. استحضرت وميض لصورته في كل المرات التي رأته فيها، وهي تتذكر نظراته التي كان يرمقها بها ليزداد خجلها. فأخذت نفسًا قويًا تملأ به رئتيها ثم زفرته بهدوء وجلست تكمل تناول فطورها وهي تتابع حديث فارس مع والدتها.
صمتت والدتها لدقائق بعدما أخبرها فارس بأن مالك يريد زيارتهم الأسبوع المقبل، ليخرج صوتها متسائلًا ببهوت وفراغ:
((ولكن إذا طلب أن يكون الزواج في وقت قريب، فماذا سنفعل وبما سيكون جوابنا عليه؟))
بتنهيدة طويلة، وقف فارس وانتصب قامته وهو يقول قبل أن يغادر باتجاه غرفته:
((لا تفكري في شيء واتركي كل شيء لوقته.))
تابعت والدته فارس ببصرها وهو يدخل لغرفته ويغلق الباب. شعرت بنظرات معتز المتسمرة عليها، لتفهم من نظرة عينيه الحزينة ما يفكر به، فهو يتمنى لو تعود له صحته وعافيته ليستطيع أن يساعدهم ويفعل ما لم يفعله من قبل. أحس معتز بأنه ليس بخير، فأغمض عينيه، فلا أحد قد يدرك ما يمر به من آلام تدفن روحه في عذاب لا ينتهي. فضغط على زر في جانب مقعده المتحرك وأشغل التحرك الذاتي للمقعد ليتحرك بمفرده ويوجه المقعد ليذهب لغرفته، لعله يرتاح قليلاً من الضغط النفسي. فهو كان في الأيام السابقة يخشى أن يفعل التحرك الذاتي للمقعد، ولكنه بدأ يتعامل به حتى لا يطلب المساعدة من أحد.
وصل معتز لغرفته، فكان بجوار الفراش، فأنزل قدمه بذراعه السليم على أرضية الغرفة، ثم أنزل قدمه الأخرى وأخذ نفسًا قويًا وهو يستعد للخطوة التالية. فأمسك بالمقعد وهو يستند على ذراعه ليقف. نجح في فعلها، ولكنه لم يتمكن من الوقوف طويلاً ليسقط بجسده مستلقيًا على الفراش. ابتسامة باهتة ظهرت على وجهه وهو ينجح فيما أخبره الطبيب أن يجرب فعله، حتى ولو وقع أرضًا في أول محاولة له، فلا عليه أن ييأس وأن يجرب مجددًا. أمسك ذراعه المشلول بذراعه الآخر السليم ورفعها على مرأى عينيه، ثم حاول تحريكها لتتحرك أنامله بحركة ضعيفة، ولكنها تحركت. فأنزلها وأغمض عينيه وهو يدعو الله أن يشفيه في القريب العاجل وألا يكون ثقيلاً عليهم أكثر من ذلك.
تهالكت نورين على فراشها فاتحة عينيها، وبدت في أضعف حالتها منذ أن أخذت وعدًا على نفسها بأن تكون جدية وتبتعد عنه وهي تعيش كالأموات. فقد خسرت كل شيء، خسرت كريم من جفاءها ومعاملتها له وكأنه شخص غير مرئي لا يعنيها وجوده من عدمه، وخسرت قلبها الذي تعلق به في سن صغير وأصبح متيمًا به. لا تعرف ماذا تفعل لتريح آلام قلبها، هل تخبره بأنها تبادله مشاعره وتدعوه أن يأتي ويأخذ خطوة في طريق ارتباطهم، أم تتغاضى عن الأمر وتنتظر قليلاً بعد حتى تتزوج ملاك أولاً؟ فجأة دبّت الحياة فيها وانتفضت مكانها وهي تتذكر بأن فارس أخبرهم صباحًا بأنه أخبر مالك عن قبولهم لعرضه وأنه سيأتي قريبًا ليتفق معهم على كل شيء. نفخت أوداجها وهي تفكر بأنه سيكون عليها الانتظار قليلاً بعد، وهي تتمنى ألا يمل كريم من معاملتها ويتصرف تصرفًا معتوهًا ردًا على معاملتها وتجاهلها.
عصرًا، بعد خفوت أشعة الشمس الحارقة، كان الجميع يستعد ليذهبوا لمنزل ملاك ليتم عقد القران ويحتفلوا معًا في جو عائلي بهذه المناسبة، ثم يحضر فارس ملاك معه في نهاية السهرة. ذهب فارس ووالدته وأخواته لمنزل عائلة ليال، ووقفوا ليطرقوا على باب المنزل ليفتح لهم والدها بابتسامة بشوشة وهو يرحب بهم ويدعوهم للدخول. جلسوا في صالة منزل ليال، فلم يكن في المنزل إلا عدد محدود جدًا من المدعوين من أقارب ليال ليجلسوا وينتظروا قدوم المأذون. استمعوا لصوت طرقات على الباب، ففتح والد ليال ليجد المأذون هو من على الباب، فدعاه للدخول وجلس بجوار فارس. لتطلق والدته الزغاريد وهم ينتظرون خروج ليال.
طلت عليهم ليال مرتدية فستانًا ورديًا طويلاً منفوشًا ومشدودًا من على الخصر بحزام من نفس اللون. نظر إليها فارس سريعًا وإلى زينة وجهها التي يراها بها لاول مرة، فأشاح ببصره عنها. ليبدأ المأذون في عقد القران وفارس يتلو وراءه ما يقوله، إلى أن قال المأذون جملته الشهيرة: "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير". كانت الدنيا لا تسعها من شدة فرحتها بأنها صارت زوجته. فاستأذن المأذون وغادر، لتقف مي وذهبت باتجاه ليال وأوقفتها من مقعدها لتجلسها بجوار فارس على الأريكة، ثم صدح صوت الموسيقى وصوت الزغاريد مرتفعًا دليلاً على سعادتهم بعقد قرانهم.
وصل فارس للمنزل هو وعروسه وعائلته، فدخل لغرفته وبدأ في خلع جاكيت بدلته وبدأ في فك زرارين في قميصه، فهو يشعر بالاختناق والشوب. فجلس على الأريكة وهو يعتصر رأسه بين كفيه من الصداع الذي يضرب رأسه. فرفع بصره ليجدها واقفة في مكانها بجانب باب الغرفة المنغلق، تشبك أناملها في بعضها البعض وقد ظهر التوتر والخوف جليًا على ملامحها. ليتنهد فارس وأراد أن يقول شيئًا، ولكن صوت الطرقات على الباب جعلته يبتلع حديثه، وانتصب واقفًا من جلسته وأخذ يخطو باتجاه الباب. بينما هي ارتجف جسدها لا إراديًا عندما استمعت لصوت الطرقات، فقد كانت شاردة تنتظر منه أن يظهر أي تجاوب نحوها، فما إن دخل للغرفة تركها وجلس على الأريكة بهدوء. فتحركت باتجاه الفراش ومدت يدها تمسك بذلك القميص الموضوع فوقه واتجهت ناحية المرحاض.
فتح فارس الباب ليجد والدته تحمل بين ذراعيها طعامًا شهيًا وتعطيه له وهي تقول:
((تناول الطعام، لربما تكون جائعًا واطلب من زوجتك أن تشاركك.))
أومأ لها فارس بهدوء وقد اتسعت عيناه بخجل وحرج، لتستدير والدته وتغادر. ليدخل فارس للداخل وهو يغلق الباب خلفه بقدمه، ونظر حوله للغرفة وهو يفكر أين يضع الطعام. فوقعت عيناه على مكتبه فوضع عليه واتجه ناحية الباب مجددًا وأوصد بالمفتاح، ثم التفت ووقف يخلع قميصه ويرميه أرضًا لتبرز عضلات صدره.
أخذت وقتها كاملاً في الداخل وهي تعد نفسها وتتجمل من أجله، فقد بدلت ملابسها لملابس نوم خفيفة. فعندما خرجت من المرحاض تسمرت في مكانها وهي تشاهده يخلع قميصه عنه ويبقي جذعه عاريًا. استدار فارس نحوها لتتجلى بوضوح الدهشة عليه وهو يتفحصها من شعرها المنسدل على أكتافها حتى أخمص قدميها. فأزدرد ريقه بصعوبة وهو يدنو منها، مستمرًا في التحديق بها. شعرت ليال بنظراته المعجبة تتفحصها وهو يقترب منها. حدق فيها لثوانٍ أخرى بلهث، لا يظهر بأنه يستوعب ما يراه. فرفع كفه وأزاح خصلاتها خلف أذنها، فهز رأسه يقلل من تأثيرها عليه وهو يبتعد عنها ويقول بتوتر:
((ليال، نحن سنعيش معًا لفترة حتى نتعود على بعضنا ونعرف بعض أكثر وبصورة أقرب.))
لمعت عيناها بالدموع وتحولت ابتسامتها لحزن جلي على ملامحها. انتبهت لنظراته، فهو ينتظر ردًا منها. فأبتسمت بامتنان وشردت بعينيها قليلاً، ثم جاهدت ليخرج صوتها طبيعيًا وهي تقول بصوت مكتوم وبالكاد يُسمع:
((معك حق، علينا أن نعرف بعضنا أكثر.))
ثم صمتت وقد لفها الخجل من نظراته يحدق بها وهي على تلك الهيئة، فتركته واقفًا واقتربت من الفراش لتتسطح عليه وتدس نفسها تحت الغطاء. تابعها فارس بنظراته حتى اختفت تحت الغطاء، ليتحرك ويذهب ناحية الخزانة ويخرج منها غطاءً آخر ويتجه ناحية الأريكة ويوضعه عليها، ثم تسطح عليها ووضع ذراعه على جبينه وهو يتذكر صورتها ويؤنب نفسه على ما تفوه به. فلم يخفَ عليه كسرة قلبها وحزن عينيها وملامحها التي تبدلت في لحظة وضحاها. زفر فارس أنفاسه غاضبًا من نفسه، ثم التفت بوجهه ناحيتها ليجدها كما هي مستلقية على الفراش، والغطاء يخفيها من رأسها حتى قدميها. كانت ليلة طويلة على كلاهما، فلم يستطيعا النوم طوال الليل، كلٌ منهم يفكر فيما هو قادم. بينما ليال كانت تبكي وتكتم فمها بكفها حتى لا يصل له صوت بكائها، فكل أحلامها تلاشت وضرب بها فارس بعرض الحائط. فأغمضت عينيها بوهن وابتلعت ريقها بتثاقل، ساخطة على كل شيء. فرفعت يدها الأخرى تغطي فمها كله لتكتم صوت شهقاتها وشدّدت من إغماض عينيها اللتان تذرفان الدموع.
بعد ساعات في ظلام الغرفة الدامس، رفعت ليال الغطاء عن رأسها وجلست نصف جلسة على الفراش ومدت يدها تضيء الأباجورة الموضوعة بجوار الفراش، فانبثق منها ضوء خافت. فألتفتت ببصرها ناحيته وظلت تتأمل ملامحه ببطء شديد، حتى انغلقت عيناها وسبحت في نوم عميق.
استيقظ فارس في موعده الذي تعود الاستيقاظ فيه من أجل الذهاب لعمله، فاستدار على جانبه وهو يتألم من نومته على الأريكة طوال الليل. فغامت عيناه بمشاعر جياشة، فتنحنح قبل أن ينتصب واقفًا يخطو ناحية الفراش ومال فوقها يمسك بطرف الغطاء يضعه عليها، لتفتح عينيها مفزوعة، فقد شعرت بلهيب أنفاس يلفحها. كان وجههما قريبًا جدًا من بعضهما، تورّ وجهها من قربه وشعرت بجفاف حلقها، فدفن وجهه بجوف رقبتها يشتم رائحتها، لتتزايد وتيرة خفقاتها وهي ترى نفسها قريبة منه إلى ذلك الحد. أبعد رأسه قليلاً ثم قبلها مباشرة. حاول فارس أن يحافظ على صلابته وابتعد عنها ببطء وهو يقول:
((والآن هيا اذهبي للمرحاض واغتسلي وبدلي ثيابك لنخرج ونفطر مع الجميع.))
زمّت شفتيها تكتم ابتسامتها الخجولة وقالت بصوت أبح (أبح):
((يمكنك الذهاب للمرحاض أولاً.))
أومأ لها بالإيجاب وطبع قبلة على وجنتيها قبل أن يتحرك من مكانه ناحية المرحاض. ما إن أغلق باب المرحاض، أخذت تلوح بكفيها أمام وجهها تخفف من التهاب وجنتيها، لعلها تهدي من النيران التي أوقدها بها.
بينما كان الجميع مجتمعون في غرفة المعيشة برفقة والدتهم، اقترب فارس ومال يقبل جبين والدته وهو يلقي عليهم تحية الصباح. لمعت عين والدته بسعادة وهي ترى ليال واقفة بإحراج تنظر للأرض، لتقول بعاطفة صادقة:
((اقتربي حبيبتي، فلا تصدقي مقدار سعادتي اليوم بوجودك بيننا. لقد عشت ورأيت تحقيق ما تمنيت.))
اقتربت منها ليال وهي تقول:
((سلمك الله لنا يا أمي.))
ثم مالت على كفها تلثمها، بينما الجميع يتابع ما يحدث بهدوء. لتنظر والدته إليه وتقول بعتاب رقيق:
((لما خرجت من غرفتك الآن؟ ما زال الوقت مبكرًا، كنت سأحضر لك الفطور لتأكل أنت وزوجتك في غرفتكما.))
ابتسم فارس بشقاوة وهو يقول بخفوت ممازحًا والدته:
((ليال من أرادت الخروج من الغرفة، فهي تشعر بالاختناق وأنا لا أعرف ما علي فعله لإسعافها.))
أنهى حديثه بغمزة من عينيه، لتبتسم والدته له بحب وقد فهمت مغزى حديثه وارتاح قلبها، فأحتضنت ليال وبدأ الجميع في مباركتهم وتمني لهما زواجًا سعيدًا. ثم وقفوا واتجهوا ليجلس كلٌ منهم في مكانه على طاولة الفطور ليتناولوا فطورهم في أجواء هادئة وسعيدة.
أثناء تناولهم لوجبة الفطور، استمعوا لطرقات الباب المرتفعة، فوقف فارس عن مقعده وذهب ليرى من هذا الذي يطرق عليهم في وقت مبكر. ففتح الله ووجد شخصًا يرتدي ملابس رجال الشرطة، فأعطاه ظرفًا وأخبره بشيء ما، ثم انصرف. وقف فارس مذهولًا مما سمعه، لا يستطيع أن يتحرك خطوة للداخل. فتحامل على نفسه وأغلق الباب وأخذ يخطو ببطء حيث والدته وأخواته. طالعت والدته وجهه الشاحب وانعقاد حاجبيه، لتتحدث والدته تقول بقلق:
((ما الأمر؟ من الذي كان يطرق على الباب ولما وجهك شاحب؟))
ازدرد ريقه واقترب حاجبيه من بعضهما أكثر، فكان يشعر بالتشوش يغزو عقله والغضب المستعر يشتعل في داخله. ليقول بقلة حيلة وهو ينظر ناحية معتز:
((لقد كان عسكري من القسم يخبرني بأن غادة حاولت الانتحار بالأمس وتم نقلها للمشفى، ولكنها لم تنجُ. فلقد توفيت منذ ما يقارب الساعة.))
انهارت ملامح معتز وتراخى في جلسته وارتعشت شفته السفلى باختلاج فؤاده المحروق ونزيف قلبه المنهمر بغزارة، راجيًا من الله أن يرحمها ويغفر له ولها ما ارتكبوه من ذنب. طفح الذنب وتأنيب الضمير على ملامحه، وبدا كأنه أكبر من عمره بعشر سنوات وهو يفكر بأنه السبب فيما وصلت له غادة. ولولا موافقته لها في كل شيء تريده وتفعله، لم يكن ليكون ذلك هو مصيرها في النهاية. ولكن لما يخبروهم الآن بأمر انتحارها؟ فليخبروا عائلتها، فقد طلقها وانتهى الأمر. بينما ظلت والدته تدعو لها بالرحمة والمغفرة وهي لا تصدق كيف استطاعت أن تفعلها وتنهي حياتها بتلك الطريقة المشينة. انسحبت ملاك لغرفتها وأطلقت العنان لدموعها، فهي مهما كانت تكره غادة لم تتمن لها الموت يومًا، فقد كان وقوع الخبر عليها مؤلمًا. بينما مي نظرت لهم جميعًا وهي تقرأ حزنهم وصدمتهم، لا تنكر بأنها صدمت للحظة عندما أخبرها فارس، ولكنها حاولت أن تبدو طبيعية ولا تسمح لنفسها بأن تتأثر أو تحزن عليها، فهي تستحق كل ما حدث لها. فوقفت عن مقعدها وهي تخبرهم بأنها تأخرت على عملها وأن عليها الذهاب. كانت ليال تتابع ما يحدث وردود فعل كل شخص منهم، وهي لا تفهم شيئًا، فمنهم من هو متأثر وحزين لما حدث لغادة، ومنهم من يبدو طبيعيًا وكأنه كان أمرًا متوقعًا. فها هي مي غادرت عملها ولا كأن شيئًا حدث، والتؤام أيضًا ذهبوا لمدرستهم ليبدأوا يومهم الدراسي، وكأن من توفيت ليست زوجة أخيهم، وملاك انسحبت بكل هدوء لغرفتها. كم يتملكها الفضول لتسأل فارس عن أمر زوجة أخيه، فهي لا تعرف أي شيء عما حدث معها، ولكنها ستحاول بألا تشغل بالها إلا بزوجها وحياتها الخاصة ولن تسألها عن أي شيء لا يعنيها.
ذهبت مي للجامعة لترى آخر المستجدات ولتعرف متى موعد الاختبارات، فالعام الدراسي على وشك الانتهاء وهي لم تراجع أي شيء ولم تستعد للاختبارات النهائية، ولكنها قررت أن تحاول أن تعوض ما فاتها. ستذهب في الصباح للعمل وعندما تعود ستجلس لتذاكر وتراجع ما فاتها، ثم تخلد للنوم وتكرر ذلك كل يوم حتى الموعد المحدد. انتهت مي من زيارتها للجامعة وأوقفت سيارة أجرة لتذهب للعمل. ما إن استقلت سيارة الأجرة حتى نظرت في ساعتها التي ترتديها لتجد بأنها تأخرت كثيرًا وأن سليم لن يمررها لها، فطلبت من السائق أن يسرع قليلا. بعد وقفت سيارة الأجرة أمام الشركة، فترجلت منها مي وهي تهندم ملابسها، ثم دفعت للسائق أجرته وأخذت تخطو ناحية باب الشركة، بينما كان هو واقفًا أمام النافذة الزجاجية لمكتبه يتراقب وصولها، فما إن رآها حتى شعر بارتياح، ولكنه تملكه الغيظ منها، فهي تتعمد فعل تلك الأشياء ومعاملته بلامبالاة.
وصلت مي أمام باب غرفة مكتبه، فطرقّت عليه بتردد، وعندما استمعت لصوته يأذن لها فتحت الباب ودخلت. أصدر سليم صوتًا ساخرًا مستهزئًا:
((أخيرًا شرفت الأميرة.))
تمتمت مي بامتعاض:
((لم أكن سآتي من الأساس.))
اتسعت ابتسامة سليم المستفزة وعقب بخفوت:
((ولما لم تكن الأميرة ستأتي من الأساس؟))
تألقت ابتسامة لامبالاة عليها ثم قالت:
((لقد رآني أخي بالأمس وأنا عائدة من ذلك العشاء ورآني وأنا أترجل من سيارتك، وعلاوة على ذلك خروجي من المنزل بدون إذنه، فكاد أن يتسبب ذلك في مشكلة كبيرة لي لتكون أنت السبب فيها.))
صدح صوته وهو يقول بضيق مستفحل:
((ولما خرجتِ بدون إذنه؟))
ضغطت مي على أسنانها بقوة ثم تحدثت من بينهما تقول بصوت واجم:
((ألم تسمع مما قلته غير تلك الجملة؟))
أخذت نفسًا مطولاً ثم أكملت حديثها قائلة:
((حسنًا، سأخبرك لماذا لم آخذ إذنه، لأنه بالطبع كان سيرفض، وأنت أكدت بكل غرور على حضوري، فلم أجد مفراً غير الذهاب بدون إذنه.))
وقف سليم عن مقعده واقترب منها وهو يقول بتأكيد:
((لم يكن عليكِ الحضور، كنتِ رفضتِ وأصررتِ على قرارك، فلم يكن عليكِ الذهاب بدون إعلام عائلتك، كان يجب أن تخبريهم أين أنتِ أو مع من.))
بهت وجهها ونكست نظرها، لا تعرف بما تجيبه، هل تخبره بأنها أخشته أم تخبره بأنها أرادت الذهاب ورؤية كيف تكون تلك الاجتماعات؟ هل يتوجب عليها أن تعترف بخطأها أمامه؟ خرجت من شرودها على إبهامه الموضوع أسفل ذقنها يرفع وجهها لتقابلها عيناه، ليقول سليم دون أن يرف له جفن:
((لم أعد أستطيع عدم إخبارك بأنني عاشق لكِ مي، أنا أحببتك في الماضي وأحببتك في الحاضر وسأحبك في المستقبل.))
تصاعدت وتيرة أنفاسها، لا تصدق بأنه أخيرًا اعترف لها، فأزدردت ريقها بتوتر وهي لا تعرف بما تجيبه، هل تخبره بأنها تحبه أيضًا وتبادله مشاعره، أم تتركه وتعامله بجفاء ليتعذب مثلما عذبها لسنوات عجاف لم تستطع أن تراه فيها أو تستمع لأي معلومة قد تخصه. فتحدثت تقول بتلعثم:
((سأذهب لمكتبي، فأنا لدي عمل كثير.))
ما إن التفتت لتذهب، حتى أمسك بمعصمها وهو يقول:
((لن تذهبي قبل أن تخبريني بما تحملينه في قلبك من ناحيتي.))
نظرت له وترددت كثيرًا في إخباره، فما إن أوشكت على الحديث حتى استمعوا لصوت طرقات على الباب، لتتنهد الصعداء وهي تجده يترك معصمها ويدور حول مكتبه ليجلس على مقعده وهو يسمح للطارق بالدخول، ثم وجه حديثه لها يقول:
((حديثنا لم ينتهِ بعد، سنكمله في وقت لاحق.))
هزت رأسها بهدوء، ثم تحركت مغادرة وقلبها يضرب بقوة بداخل قفصها الصدري من أثر اعترافه لها.
رواية ذلك هو قدري الفصل السابع عشر 17 - بقلم موني عادل
بعد مرور عدة أيام عاد فيها فارس لعمله، فكان يرتدي ملابسه استعدادًا للذهاب للعمل. وجد رنين هاتفه يتصاعد، فما أن أمسك به حتى اقتربت حاجبيه من بعضهما وهو يطالع الشخص الذي يتصل به.
تعمد بألا يجيب وأخذ يكمل ارتداء ملابسه، حتى استمع لصوت الرنين يصدح مجددًا. فأمسك بالهاتف يطالعه بحنق وضغط على زر الإيجاب بغضب مستعر، وهو يتحدث ببغض قائلاً:
"ما الأمر؟ لما لا تكف عن الاتصال بي وإرسال الرسائل النصية."
تجلى الامتعاض على ملامحها وأجابته بترفع:
"لما تحدثني بتلك الطريقة؟ لقد حاولت الاتصال بك لأخبرك بأن والدي يريد الانتهاء من المنزل سريعًا لننتقل للعيش به، وأرسلت لك الرسائل لأذكرك بأن بيننا اتفاق وأنك وعدتني بأنك ستذهب وتبدأ العمل به."
زفر فارس أنفاسه الغاضبة وقال بقلة حيلة:
"حسنًا، سأمر عليه اليوم وأرى متى سأبدأ العمل، ولكن كف عن الاتصال بي."
ضغطت زينة على أسنانها بقوة تسحقها، ثم قالت بتمرد وكبرياء:
"أنا أتصل بك من أجل العمل وليس من أجل أمور شخصية، فأرجوك تفهم ذلك."
احتقنت الدماء في وجهه، فأراد أن يعارضها ويكذبها، فتلك الرسائل تحمل أكثر من معنى. فأتقدت في عين فارس نيران متأججة، ليقول وهو يستشيط غضبًا:
"أيا كانت ما تحمله تلك الرسائل، لا تكرري الأمر مجددًا، فأنا صرت رجلاً متزوجًا، وأنتِ لا تعنيني في شيء، وما بيننا عمل فقط."
هتفت زينة بصوت متحشرج قهراً مما يتفوه به، لتقول ببرائة مصطنعة:
"حسنًا، أعتذر منك وأعدك بأنني لن أكررها مجددًا. هل يمكنني أن أمر عليك اليوم في مكان عملك لأحضر لك مفتاح المنزل حتى يمكنك الذهاب إليه بمفردك، فأنا سأكون مشغولة في الفترة القادمة ولن أستطيع أن أحضره لك أو أذهب معك إليه."
زم فارس شفتيه بإحباط، وقد اضطربت ملامحه، فلا يعرف إذا ما كان عليه القدوم في ذلك العمل أم لا. فصمت قليلاً، ثم فغر شفتيه وقال على مضض:
"يمكنك ذلك."
ثم أنهى المكالمة دون النطق بحرف آخر، وهو يمسح على وجهه بحزن، لأن احتياجه للمال هو ما جعله يوافق على العمل في منزل زينة.
فالتفت ليخرج من الغرفة ليجد ليال ترمقه بنظرات غاضبة، ولكن سرعان ما تبدلت نظراتها وارتسمت على وجنتيها ابتسامة رقيقة. فأقترب منها شيئًا غريبًا تغير فيها، دقق في وجهها عله يجد ذلك الشيء الذي يجذبه لها، والذي لم يراه فيها قبلاً. لاحظ خجلها من نظراته إليها، فكانت تبدو كطفلة صغيرة.
رفع كفه وربت على رأسها ليشعر بملمس شعرها الحريري. لم يعرف لماذا أحب الأمر، وكم أراد أن يتمادى أكثر ويتلمس بشرتها الناعمة ناصعة البياض بين كفيه، ولكنه أبعد كفه عن رأسها ووضعها بداخل جيبه حتى لا تخونه. فهو يطوق لفعل ذلك. فكم ندم على ما تفوه به تلك الليلة وأخبرها بأن يتركوا لبعضهم مجالاً للتقرب من بعض، ولكنه يطوق ليبدأ معها حياة هادئة كأي زوجين طبيعين، لعله يجد راحته بين أحضانها.
فهز رأسه ليبعد عنه ما يفكر به، فهذا ليس وقت التفكير في ذلك الأمر. فوضع قبلة سريعة على وجنتها وتحرك بخطواته لخارج الغرفة. أخفضت رأسها بخيبة كالعادة لتشعر به يرحل، فتتبعته بنظرها، في حين كان هو يمنع نفسه من النظر إليها واستغلال كل لحظة. أستدار قليلاً ليراها تبعد نظرها عنه كأنها لم تكن تفترسه بنظراتها منذ لحظات. ابتسم بسخرية ليخرج، تاركًا إياها في دوامة أفكارها ومشاعرها المختلطة. فالغيرة تتأكلها، فقد استمعت لحديثه كله على الهاتف، ولكنها أظهرت له غير ذلك حتى لا تتحدث في الأمر وتغضبه أكثر. فكما يبدو لها أنه يعاني كثيرًا بمفرده ويتألم ولا أحد يشعر بما في داخله.
بينما احتضنت زينة هاتفها بسعادة مطلقة وهي تبتسم باستفزاز. فرمت الهاتف على الفراش أمامها، وكتفت ذراعيها وهي تهمس بداخلها بأنه لم يبق الكثير على ما تريده، ولكن عليها أن تصبر قليلاً بعد وأن تتعامل معه كما يريد هو وليس كما تريد وتتمنى.
كان منير في مكتبه يتحدث مع فادي، ذلك الشاب الذي يعمل لدى سليم، يخبره بكل شيء يصير بداخل الشركة، وخاصة علاقة مي بسليم. استمع له منير باهتمام جلي، فمسح على وجهه ثم قال بصوت منهك وهو يمسك بصورها الموضوعة أمامه على المكتب:
"هل لاحظت أي شيء غريب في طريقة معاملتهم لبعضهم؟"
صمت فادي يدعي التذكر، ثم قال بعنفوان مصطنع:
"ليس دائمًا، ولكني ألاحظ نظرات الإعجاب التي يرمقها بها. والبارحة عندما دخلت للمكتب، أنهى حديثه معها وأخبرها بأن الحديث لم ينته بعد وسيكملون حديثهم في وقت لاحق، فأنسحبت مي للخارج ووجهها متورد من الخجل، ولكني لا أعرف مغزى الحديث الذي دار بينهما."
ضرب منير بيده فوق المكتب وصرخ مستنكرًا:
"أريد أن أعرف كل شيء، كل ما يدور بداخل غرفة مكتب سليم، ولا تسألني كيف، فذلك من تخصصك أنت."
قال فادي متهكمًا بلا مرح:
"المشكلة أنه حريص على معاملته معها أمامنا، ولكني سأحاول."
رمى منير مالاً سخيًا على طاولة المكتب، ثم أشار لفادي بالخروج. كادت أعصاب منير أن تنفجر، وكأنه على صفيح ساخن، وهو يشاهد صور مي تخرج من ذلك المطعم مع سليم ممسكًا بمعصمها، وصور أخرى لها وهي تجلس في سيارته. الكثير من الصور التي جعلت الدماء تتصاعد برأسه. فكبر قبضته بغضب على ما تحتويه من صور وأطلق زفرة طويلة محبطة.
ذهب مالك لغرفة والدته، فهي منذ أن أصر على الزواج من ملاك وأخبرها بموعد ذهابه لمنزلها حتى يكون كل شيء رسميًا، ترفض التعامل معه أو تؤجل أي حديث له لتضغط عليه وتوصل له بأنها ترفض ذلك الزواج وأن ملاك غير مرحب بها في منزلها. طرق مالك على الباب عدة طرقات، ولكنها لم تسمح له بالدخول، فقد عرفت بأنه هو، ولكنها لا تريد أن تسمح له بالحديث معها، تخشى أن تضعف أمامه وتوافقه فيما يريده. تنهدت والدته بحزن وهي تعرف بأنها تحرمه من شيء يريده وتضغط عليه بكافة الطرق ليعيد النظر في الزواج من هذه الفتاة. فحتى زوجها من خيل لها بأنه معها وفي صفها، فقد قال لها من قبل بأنه غير راضٍ على هذه الزيجة، فلا تعرف لماذا غير رأيه في ليلة وضحاها.
وجدت مقبض الباب يدور ومالك يطل عليها من الباب واقفًا على عتبته، فأخذ نفسًا مطولاً قبل أن يتحرك باتجاهها وجلس بجوارها على طرف الفراش. فأمسك بكفها ولثمها، ثم أخذ يربت عليها وتحدث بحشرجة قائلاً:
"أمي، ألهذه الدرجة لا تحبيني؟ فلا تريدي رؤيتي سعيدًا مع الفتاة التي اخترتها."
أشاحت والدته بوجهها بعيدًا حتى لا تسمح أن تؤثر عليها نظرة عينيه مع نبرة صوته الحزينة، لتؤنبه هادرة:
"أحبك كثيرًا، فأنت وحيدي، وكم أطوق لزواجك ورؤيتك سعيدًا في حياتك الزوجية."
ابتسامة واسعة ارتسمت على محياه لتختفي في لحظة عندما أكملت والدته حديثها تقول بتأكيد:
"ولكن مع أي فتاة غير هذه الفتاة، رد السجون. لطالما كنت أفتخر بك وبعملك، لتأتي الآن وتجعلني أندم كثيرًا، يبدو بأنني أخطأت في تربيتك لتعصيني الآن وتتمسك بفتاة أرفضها وسأظل أرفضها حتى أموت. أعلم بأنني غير راضية عن زواجك هذا."
حاول مالك أن يأخذ نفسًا عميقًا يخفف من الدماء التي فارت بغضب من حديث والدته، قبل أن يقول وهو يعتدل في جلسته:
"أمي، أنا لن أتوقف عن المضي في هذه الزيجة، وسأذهب أنا ووالدي اليوم لمنزل ملاك لنقرأ الفاتحة ونتفق على موعد عقد القران. يحزنني معارضتك لرغبتي، وكم سيسعدني موافقتك ومرافقتك لرؤية عروسي، لعلك قد تغيرين رأيك."
عندما وجد والدته صامتة ولم تقل شيئًا آخر، وقف من مكانه وتحرك لخارج الغرفة ليبدل ملابسه ويستعد للذهاب لمنزل ملاك. فكم كان يتمنى أن تدعمه والدته وتذهب معه كما يفعل والده، فبما سيبرر غيابها لوالدة ملاك. أغلق مالك باب جناحه خلفه وذهب ينتقي الملابس التي سيرتديها الليلة، وهو يفكر بأن رفض والدته سينغص عليه حياته القادمة.
ذهب فارس لمنزل عائلة زينة، وقيم العمل المطلوب منه وقرر البدء فيه من الغد، عله ينتهي منه سريعًا لتكف عن الاتصال به. وجد هاتفه يصدح، فطالع الرقم باستغراب، وسرعان ما استدرك من صاحبه فأجاب عليه سريعا وأستمع لصوت مالك وهو يخبره بأنه سيزورهم اليوم، فذلك هو اليوم الذي اتفق معه عليه ليتفق على كل شيء. أنهى فارس المكالمة معه سريعا وهو يخبره بأنه يتذكر اتفاقهم، فلن يخبره بأنه تناسى أمره كليًا.
حاول الاتصال كثيرًا على رقم ملاك ليخبرها بأن مالك سيزورهم اليوم، ولكنها لم تجب. حاول أكثر من مرة فلم يستطع الوصول إليها، فأستقام في وقفته وأطلق زفيرًا بائسًا، ثم رن على مي، لعلها تكون قد أنهت عملها وذهبت للمنزل. فما أن أجابته حتى تحدث بصوت متذبذب:
"مي، أين أنتِ الآن؟ هل وصلتي المنزل؟"
طالعت مي الهاتف بنظرة متأثرة وعينين بارقتين، وقد ازداد قلقها من نبرة صوت فارس، لتقول بتلعثم:
"ما الأمر؟ هل حدث شيء؟ فأنا ما زلت بالعمل؟ هل الجميع بخير؟"
أغمض عينيه وهو يقول بثبات:
"لا تقلقي، الجميع بخير. أردت فقط الحديث مع ملاك أو والدتك لأخبرهم بأن مالك وعائلته سيزوروننا في المساء، ولكنهم لم يجيبوا على الهاتف، لذلك حاولت الاتصال بك."
أومأت برأسها وكأنه يراها، وقد غامت عيناها وبهت وجهها، ففغرت شفتيها وهي تقول:
"أتمنى أن يمر كل شيء على خير."
أنهى فارس المكالمة معها وتحرك باتجاه المنزل ليخبر والدته وملاك بزيارتهم، فإذا كان هو قد نسي الأمر، فكيف استطاعوا أن ينسوا هم أيضًا.
وصل فارس للمنزل، فتوجه للداخل سريعا يبحث عن والدته، فوجدهم مجتمعين في غرفة المعيشة يتسامرون ويضحكون على أمر ما. فأقترب منهم وهو يلقي بالتحية، ثم جلس على الأريكة بجوار والدته وأمسك بكفها يلثمها، ثم تحدث بجدية يقول:
"حاولت الاتصال بكم كثيرًا لأخبركم بأن اليوم موعد زيارة مالك لنتفق على أمور الزواج."
اتسعت عينا ملاك وتجلت الصدمة والقلق على وجهها، فطالعت الهاتف الموضوع بجانبها على وضع الصامت، لتجد أكثر من مكالمة وكلها من فارس، لتتحدث بإنتباه:
"أعتذر منك، فلم أستمع لصوت الهاتف، فقد كان صامتًا."
أومأ لها فارس بتفهم، ثم وجه نظره لليال التي اتخذت وضع المتفرج فقط، تتابع ما يتحدثون عنه دون التدخل في الحديث، ليقول لها فارس دون مواربة وهو ينظر إليها بنظرة لم تفهمها:
"أعطيني رقم هاتفك حتى أستطيع التحدث معكما وقت ما أريد."
ازدردت ليال ريقها بصعوبة وهي تتذكر بأنها رنت عليه أكثر من مرة من رقم هاتفها من قبل، وقد بدأت تشك من نظرة عينيه بأنه اكتشف من يومها بأن ذلك الرقم عائد لها. فتحدثت بوجه شاحب وفرقت بين شفتيها المرتعشتين واكتفت بكلمة واحدة:
"حسنًا."
بينما شبكت والدته أصابع يديها في بعضهما وهي تقول بهدوء:
"لا تقلق، فما زال معنا وقت."
في المساء، كانت في غرفتها تستعد للخروج ورؤية مالك. استمعت لصوت والدتها وفارس وهم يرحبون بمالك وعائلته. استمعت لصوت طرقات على الباب، ثم دخلت ليال وطلبت منها أن تأتي لتدخل الضيافة وترى عائلة زوجها المستقبلي. أومأت لها ملاك بتوتر، وما أن خرجت ليال حتى هزت ملاك رأسها تكبح هذه الخواطر التي تفكر فيها بشأن تقبل عائلته لها، وما إذا كانوا سيحبونها أم لا. حاولت دفن ما تفكر به تحت أطنان من الإنكار وهي تشجع نفسها وتدعمها بأنها إذا ما تزوجت من مالك ستحب عائلته وتقدرهم، فلن يجدوا منها غير الود والحب. تذكرت عندما رأت والده وكيف تعامل معها، فللوهلة الأولى اعتقدت بأنه يرفضها ويمقتها، ولكن سرعان ما تغيرت نظراته لها لحب ورضا. ولكنها تقر بأنها لم تستطع أن تفهمه.
فاخذت تنظر لصورتها المنعكسة في المرآة وهي تهندم من ملابسها، وأخذت نفسًا قويًا تملأ به رئتيها، ثم تحركت باتجاه باب غرفتها وأمسكت بالمقبض تفتحه بثقة لم تعهدها من قبل، وتحركت حيث المطبخ لتجد ليال قد جهزت كل شيء. شعرت بها ليال، فاستدارت تنظر إليها وقالت لها بحب:
"هل أنتِ مستعدة؟"
رمقتها ملاك بنظرات امتنان وهي تؤمي برأسها بالإيجاب، ثم أمسكت بصينية الضيافة وأخذت تخطو حيث يجلسون. فما أن تحركت ملاك لخارج المطبخ حتى فقدت ليال تحكمها في نفسها وتساقطت دموعها بغزارة على وجنتيها وهي تفكر في فارس وفي حياتهم معًا، وإلى متى ستبقى العلاقة بينهما كالغرباء. فأسرعت إلى غرفتها حتى لا يراها أحد على تلك الهيئة.
طلت عليهم ملاك على استحياء وهي تحمل صينية بين كفيها، فنظر إليها مالك وعلى وجهه تلك الابتسامة الجذابة، وتابعها وهي تقترب منهم. تقدم لهم واجب ضيافتهم. طالعت ملاك وجه والدته المتجهم، والتي ترمقها بحنق ويظهر عليها بأنها غير مرتاحة أو ربما غير راضية، عكس والده التي تظهر السعادة على وجهه. بعدما انتهت ليال من تقديم واجب ضيافتهم، أشارت لها والدتها لتجلس معهم لبعض الوقت. فعلت ملاك كما طلبت منها والدتها، ولكنها لم تستطع أن ترفع جفنيها وظلت تنظر للأرض من شدة خجلها، وتستمع للحديث الدائر بينهم وإلى اتفاقهم.
وما أن استمعت لمالك وهو يتحدث وعيناه متوهجتين بالفرح يقول ببراءة:
"هل يمكنني الجلوس مع ملاك بمفردنا قليلاً قبل قراءة الفاتحة؟"
جحظت عينا ملاك وهزت رأسها ببطء نافيه يمينًا ويسارًا، لتستمع لفارس وهو يقول بتأكيد:
"بالطبع يمكنك ذلك."
ثم وقف عن مقعده وهو يشير لملاك بأن تقف هي الأخرى. أرادت أن ترفض، ولكنها لم تستطع، لتجد نفسها تتبع أخيها وبجوارها مالك، الذي كان يجاهد لينحي نظره عنها. وصلوا لصالة المنزل ليتحدث فارس مجددًا:
"يمكنكم الجلوس هنا والتحدث كيفما تشاءون."
ثم التفت مغادرًا ذاهبًا للمجلس وجلس على مقعد مقابل للباب، لتكون ملاك على مرأى عينه، وليترك لهم مساحة ليتحدثوا معًا ويخبروا بعضهم بما يريدونه.
توترت ملاك عندما وجدته صامتًا ولم ينطق بكلمة واحدة، وأخذت تفكر: أليس هو من طلب من فارس أن يجلسوا بمفردهم؟ فلما طلب ذلك إذا لم يكن يريد التحدث معها وإخبارها بشيء ما؟ فرفعت رأسها تنظر إليه وتحدثت بتلعثم قائلة:
"تفضل، قل ما لديك واسألني عن كل ما تريد معرفته وأنا سأجيبك."
تطلع مالك فيها بحب وهو يتشرب من كل تفاصيلها، ثم تحدث بتهذيب قائلاً:
"لن أسألك عن شيء، فما أعرفه عنكِ يكفيني، ولكنني أشعر بأنك لست سعيدة، لذلك أردت الجلوس معك ومعرفة ما يشغل بالك وتسأليني عن ما تريدينه."
ترددت ملاك كثيرا وسرحت بتفكيرها مع تنهيدة طويلة بائسة، وقالت بإرتباك:
"لقد عانيت الكثير في حياتي، وأنت تعلم بعضًا مما عانيته. أريد أن أجد راحتي وأعيش سعيدة ولو لبضعة أيام، ولكني أشعر بأن والدتك ترفضني لشخصي وأنها غير راضية عن هذه الزيجة، فأنا أخشى أن أعاني مجددًا."
ظلت ملاك تتحدث عما يشغل تفكيرها، وكان مالك يصغي لها باهتمام وهو يصب كل تركيزه معها، فلم ينحِ نظره عنها للحظة واحدة. بينما كانت هي مصدومة من نفسها، فكيف تبوح له عن علاقتها بزوجة أخيها وعما عانته في حياتها دون أن يسألها عن شيء؟ إذ أنها أسرفت في الكتمان بداخلها في الفترة الماضية حتى نسيت ما معنى أن تبوح لأحد بما تعانيه ويثقل كاهلها أو يقبع في مكنون قلبها. أم أنها قررت أن تشاركه آلامها، لعله يشفيها ويطيب جروحها.
تنهد مالك وقد ترقرقّت ملامحه لما سمعه، وعاد قلبه ينخره بالحزن على حالها وكيف استطاعت أن تتحمل كل ذلك، قبل أن يتنحنح مجليًا صوته قائلاً:
"أعدك بأنك لن تجدي معي غير الحب والسعادة، وأنني سأكون لك العوض عن كل ما مررتِ به."
اشتعلت وجنتاها بحمرة الخجل، وطأطأت رأسها، ليرمقها بنظراته الشغوفة التي تطل من عينيه، ثم وقف من مكانه وهو يقول هامسًا:
"كم أحب النظر في وجهك."
ثم تحرك للداخل حيث الجميع ليتم قراءة الفاتحة، ولتكن ملاك خطيبته وامرأته التي لطالما تمناها.
بينما كان الجميع يجلسون في الخارج مجتمعين مع عائلة مالك يتفقون على موعد الخطبة وكل ما يلزم الزفاف، والسعادة تشع من أعينهم. كان هو منعزلًا في غرفته حزينًا بعدما رفض الحضور وقرر البقاء في غرفته بعيدًا عن أعينهم حتى لا يشعر بالشفقة من أحد. نظر لأركان الغرفة الواسعة التي أصبح يمقتها ويكره البقاء فيها. لو يستطيع أن يخبرهم بأنه يريد الخروج منها والمكوث في غرفة أخرى، فذكرياته في هذه الغرفة لا ينفك عن تذكرها كأنّه يعيشها في الوقت الحالي، ليتألم من داخله وهو لا يستطيع أن يمحو تلك الذكريات المؤلمة، وأنه ليس بيده شيء ليفعله.
حاول أن يسند بذراعه السليم ذراعه الآخر، يحركه ببطء كما طلب منه الطبيب والاستمرار في عمل تلك التمارين البسيطة التي طلب منه تجربتها في المنزل ولو لمرة واحدة. حاول معتز وقد نجح في المرة الأولى، وعندما قرر أن يتحامل على نفسه ويحاول مرة ثانية، تألم ذراعه بشدة وارتفع صوت تنفسه. حاول الاسترخاء وتنظيم أنفاسه، ثم ارتمى بجسده على الفراش وأغمض عينيه، لتسيل دمعة حبيسة من بين جفنيه المنغلقين على حاله والاحتقار والازدراء الذي يشعر به تجاه نفسه.
دخل فارس لغرفته بعد ذهاب مالك وعائلته ليجدها جالسة على الأريكة بعينين حمراوين. فما أن رأته سارعت تمسح وجهها المحتقن بألم، وقد شعرت بنظراته المتسائلة نحوها كالسهام في قلبها، وهو يناظرها على تلك الهيئة. فلا تعرف ما جعلها تفكر في حياتها معه وإلى متى ستستطيع العيش بهذه الطريقة، راضية بمعاملته لها وجفائه معها.
انتفضت ليال مكانها عندما سألها فارس بعدم رضى واستياء أقرب للقلق غير ظاهر عليه:
"ما الأمر؟"
ناظرته ليال وتذمرت بغيظ وقد عبست ملامحها أكثر، ثم استقامت واقفة وقالت بدفاعية:
"تسألني بكل بساطة ما الأمر؟ ألا تعرف أنت."
صمتت قليلاً تنظر بداخل عينيه متجهمة، ثم قالت بغضب مقتضب:
"سؤال واحد أريد منك إجابة له. لما تزوجتني إذا كنت لا تحمل لي أية مشاعر؟ لما تعذبني بوجودي معك في نفس المكان دون أن يكون لي الحق في التقرب منك؟"
حدق فارس بها ببلاهة وهو لا يفهم ما ترمي إليه أو ما تدعوه إليه، وقد بهتت ملامحه. فانخطفت خفقات قلبها وارتجفت شفتاها وهي تراقب وجهه المتكدر، بينما يدور حول نفسه متخصر اليدين، لتنكس وجهها. ولكن سرعان ما شهقت بذهول وهو يقبل كل جزء من وجهها بنهم. فأغمضت عينيها وقلبها يقرع كالطبل هادرًا، ولكنها حاولت إبعاده هامسة:
"فارس، أرجوك ابتعد."
دفن فارس وجهه بعنقها غامراً يده بشعرها الأسود الكثيف هادرًا:
"لن أفعل، لقد تزوجتك لأنني أريدك."
تراخت ذراع ليال وتركت العنان لنفسها لتحظى بقربه وتنعم بوجوده بجوارها يدفئ فراشها، بينما هو شعر بتأنيب الضمير وشعور بالذنب يتصاعد، ولكنه حاول ألا يفكر بشيء وأن عليه أن يقتنص ولو قليلاً من السعادة وأن يبدأ حياته مع ليال منذ الليلة. فحملها بين ذراعيه وبسطها على الفراش واعتلاها وبدأ يقبلها بشغف. حاولت دفعه برفق، تذمر فارس ولكنه لم يعطها أية فرصة للرفض، فذلك ما تريده منه وأن تعيش معه كأي زوجين طبيعيين، وها هو قد قرر ألا تمر هذه الليلة إلا وليال زوجته اسمًا وفعلًا.
في الصباح، استيقظ الجميع ما عدا فارس وليال. أرادت ملاك أن تطرق على باب غرفتهم ليستيقظوا ويتناولوا وجبة الفطور معهم، ولكن والدتها رفضت وطلبت منها أن تتركهم حتى يستيقظوا بمفردهم. فهي تعلم بأن هناك ما يحدث بين فارس وزوجته وأن علاقتهم ببعضهم ليست كما يحاولون أن يظهروا أمامها. فهي تشعر بداخلها بأن هناك شيء خاطئ في علاقتهم. كم تتمنى من داخلها أن يجد أولادها سعادتهم ويحظون بالاستقرار. لن يخفى عليها وجه ليال المطفئ طوال الوقت، وكأنها تحمل هموم الدنيا فوق رأسها. فظلت تدعو لهم جميعًا أن يجد السعادة وراحة البال.
في داخل المدرسة الثانوية وفي فصل نورين بالتحديد، كان هناك مجموعة من الفتيات ملتفات حول بعضهن البعض ويتحدثن معًا. لم تعرهم نورين أي انتباه وذهبت حيث مقعدها وجلست عليه بهدوء، لتستمع دون قصد منها لحديث زملائها عن كريم وواحدة من الفتيات تخبرهم بأنه خطب فتاة تسكن معها في نفس المبنى، لتنصدم نورين مما استمعت إليه وقد اتسعت عيناها المترقرقتين بالعبرات الغاشمة.
لتجد توأمها تقف أمامها. فما أن ذهبت نور لفصلها واستمعت لخبر اليوم، حتى أسرعت لترى نورين وكيف كان وقوع خبر خطبته عليها. وجدت نورين تهز رأسها برفض هادر كمن تهذي:
"لا يمكنه فعلها! كيف تجرأ على خطبة فتاة غيري؟ هل كان ينتظر أن أطلب منه أن يعيش حياته ليفعل ذلك ويخطب فتاة أخرى بهذه السرعة؟ أين حبه وتمسكه بي الذي لطالما أخبرني عنه."
أظلمت ملامح نور بتهديد سوداوي لتهتف بقسوة وهي تمسك بكتفيها تهزها بقوة:
"ذلك أفضل لكليكما، فلتنسيه أنتِ أيضًا وتعيشي حياتك. عليكي أن ترتّكزي في دراستك فقط وتتركين أمور الحب."
أخذت نورين نفسًا عميقًا تحاول استعادة رباطة جأشها، ثم قالت بنبرة حاسمة:
"سأذهب إليه وأتحدث معه وأخبره بأنني كنت قد قررت أن أترك العنان لمشاعري تجاهه وليحدث ما يحدث، فلن يعنيني شيء بعدها. فقلبي يتمزق منذ أن سمعت خبر ارتباطه."
وقفت نور وقد طفح الكيل بها، وأمسكت ذراع نورين تجعلها تقف رغما عنها وتجرها نحو الخارج، غير آبهة لنحيبها المكتوم ولا لزملائها الذين يتابعون ما يحدث ولا يفهمون سبب بكائها. ولم تجرها أختها رغما عنها بتلك الطريقة أمام المدرسة كلها، لتشعر نورين بتشويش في الرؤية وأن الأرض تميد بها لترتطم بالأرض بقوة، فاقدة الوعي.
رواية ذلك هو قدري الفصل الثامن عشر 18 - بقلم موني عادل
خاطرة علي لسان ملاك
أتمنى أن أجد سعادتي بعد كل ما مررت به، فقد مررت بالكثير من الحزن والألم الذي أدمى قلبي ومزقني من داخلي. فما أصعب أن يأتيك الألم من أقرب شخص لك، شخص يحمل نفس دمائك. أعلم بأنك اعتذرت عما اقترفته بحقي وندمت كثيراً، وأنا بدوري حاولت أن أنسى وأتناسى وأبدأ من جديد، ولكني لم أستطع، فكل شيء محفور بداخلي. أتمنى أن تكون أنت عوضي عن كل ما مررت به في حياتي وتبدل تعاستي لفرح، فأنا أعلم بأنك تحبني ولكنك لا تفهمني، فلا أحد سيفهمني غير نفسي. كل ما أريده منك أن تعتني بي جيداً وأن تتحملني قليلاً، فأنا أحاول أن أتعافى من أجلك، فأنت صرت تعني لي الكثير.
كانت تنظر إليه وتتأمله بحب جارف وهي تتذكر كيف كان معها منذ ساعات. للحظات شكت بأنه يبادلها مشاعرها وأنه واقع في حبها. ولكن ما إن وجدته يتململ في نومه، علمت بانه على وشك الاستيقاظ، فأغمضت جفنيها سريعاً.
ليستيقظ فارس من النوم ويطالعها بملامح متجهمة. وسرعان ما ترجل من الفراش. فما أن استمعت لصوت باب المرحاض يغلق، فتحت عينيها على وسعهما تنظر لسقف الغرفة وهي تفكر، هل ما حدث بينهما سيجعله يعاملها كأي زوجين طبيعيين ويعتبرها زوجته، أم سيعود لما كان عليه وتظل هي تعاني من بعده وجفائه؟
فتح باب المرحاض ممسكاً بفوطة يجفف بها شعره فقد أخذ حماماً وبدل ملابسه. انتبه لها فارس أنها مستيقظة، فالقى عليها تحية الصباح. لتجيبه بتلعثم. ثم تحدثت سريعاً تقول وهي تترجل من الفراش:
"انتظر حتى أغتسل ومن ثم أحضر لك الفطور."
عقب قائلاً ونظرات شغوفة تطل من عينيه عندما وجدها واقفة بجوار الفراش بملابس نوم خفيفة تظهر أكثر مما تخفي:
"لا داعي، فأنا ليس لدي شهية. سأذهب للعمل، فقد تأخرت عليه."
وعلى الفور غادر غرفة نومه. فعبست ملامحها وأحبَطت وهي تنظر أمامها لهيئتها في المرآة بحزن. ثم تحركت ناحية المرحاض لتغتسل وتبدل ملابسها، لتذهب وترى ما عليها من واجبات تجاه والدة زوجها ومن تعيش معهم.
بينما خرج فارس من المنزل بعدما ألقى على والدته تحية الصباح وفر هارباً من أمامها متعللاً بأنه تأخر على العمل، حتى لا يعطيها مجالاً لتسأله عن أي شيء.
كانت السعادة لا تضاهيها. تتمنى وتدعو أن تظل تشعر بالسعادة ولو قليلاً بعد. فما أجمل شعور الفرح. ظلت تتذكر حديثه معها مراراً وتكراراً، وكأنه شريط يعرض أمامها وهو يخبرها بأنه سيكون العوض لها ولن يجعل شيئاً يحزنها. فكلما تذكرت كلماته ابتسمت بتلقائية.
لينتشلها صوت الهاتف. فأمسكت به وهي تطالع ذلك الرقم وتتساءل عن من يكون. فضغطت على زر الإجابة واتسعت مقلتا ملاك وهي ترفع وجهها الشاحب كالرخام ليتضح لها بأن المتصل ليس إلا مالك. ظلت تستمع لصوته عبر الهاتف ولم تجرؤ على التحدث، ففي تلك اللحظة شعرت بأنها نسيت كيف تتحدث.
لم تجبه إلا عندما كرر اسمها أكثر من مرة ليتأكد إذا ما زالت معه أم أنهت المكالمة. فقالت:
"كيف حصلت على رقم هاتفي؟"
ضحك مالك بملء صوته، فذلك أسهل شيء لشخص في مثل مكانته. فظل يتبادل الحديث معها لعدة دقائق قبل أن تنهي المكالمة وهي تخبره بأن عليها إنهاء المكالمة واستئذان والدتها أولاً قبل أن تتحدث معه، فليس هناك شيء رسمي يجمعهما لتتحدث معه على الهاتف. بالكاد كبح ابتسامة ترتسم على وجهه محاولاً تهدئة قرع طبل قلبه المتصاب الأجوف لأنه يستمع لصوتها وأنه لم يعد الكثير على ما يتمناه وينتظر قدومه.
في المدرسة الثانوية، بعدما وقعت نورين فاقدة الوعي، اجتمع جميع الطلبة حولها يحاولون إفاقتها بشتى الطرق ولكنها لم تستجب لمحاولتهم. لتفقد نور تحكمها في نفسها وتذرف عبراتها على حال توأمها. ونظرت حولها بتشويش من أثر دموعها لتجده قادم إليهم يسرع الخطى بوجه شاحب وعينيه معلقتين بمن تفترش أرضية المدرسة. أراد الاقتراب منها وحملها ولكنه خشي عليها من حديث زملائها وما قد يلاحقها بعد ذلك، ففي المرة السابقة نسجوا الكثير من الإشاعات حولهم، ولو لم تتدخل مديرة المدرسة وأنهت الأمر لكانت حديث المدرسة ككل حتى يومنا هذا. فوقف يتابع محاولة استجابتها للمعلمة التي تحاول إفاقتها.
فما أن فتحت عينيها ونظرت للجمع من حولها، تعلقت عينيها بعينيه للحظات. فنظرت له ببرود صقيعي ظاهر. لتمسك بها نور وتساعدها على الوقوف، ووجهت حديثها للمديرة تطلب منها إذناً بالانصراف لأن توأمها تحتاج للراحة. فسمحت لها المديرة لتتحرك نور وهي تسند نورين. ووقف هو يتابع ما يحدث بصمت ويكاد قلبه ينخلع من محله. فلا يفهم ما حدث لها ولم تنظر إليه بتلك النظرات.
ليجد مجموعة من الفتيات اقتربن منه وأخذن يهنئنه ويتمنين له حياة سعيدة كشريك كريم. ولم يفهم لم يهنئونه، وعلام سأل ليقول بصوت خطير:
"علام تهنئوني؟"
لتتطوع فتاة منهم وتقول بنبرة مائعة:
"لم يعد الأمر سراً، فالمدرسة كلها تعلم بأنك خطبت ليلة البارحة."
اتسعت عيناه عندما استمع لما تفوهت به هذه الفتاة ولم يجيب بحرف واحد، فقد صدم كلياً. فذلك لم يحدث، هو لم يخطب. لقد ذهب مع والدته لرؤية الفتاة فقط، وذلك بعد إصرار والدته على الذهاب معها وتهديدها له بأنها ستكون غاضبة عليه إن لم يفعل.
تحرك من ساحة المدرسة وهو يهمس بداخله بأن عليه أن يتحدث معها ويخبرها بأن تلك الأخبار غير صحيحة. فلقد عرف الآن لماذا انهارت بتلك الطريقة مما تسبب لها في فقدانها الوعي، ولما كانت ترمقه بتلك النظرات، فهي تراه شخص خائن وحبه مجرد حديث يتغنى به. كان غاضباً بشدة. فأخرج هاتفه من جيبه وحاول الاتصال بها أكثر من مرة ولكنها لم تجب. كرر الاتصال بها إلى أن وجد الهاتف مغلقاً. فضغط على الهاتف بقوة بين قبضته. انكسر وجهه من ثقل ما يحمل من قهر على ما يحدث مع حبيبته. فلما لا تريحه وتريح قلبها وتترك العنان لمشاعرهم ليتحدوا معاً.
دَلفت مي لغرفة مكتبها وهي سعيدة. فها هو القدر سيجعلهم يحظون ببعض من السعادة. فما أن دارت حول المكتب لتجلس على مقعدها، حتى جحظت عيناها وهتفت باحتدام آثار غضبه قائلة:
"ما الذي تفعله في مكتبي وكيف استطعت الدخول للشركة؟"
تطلع منير بتمرد نحوها وتحدث بمنتهى الوقاحة:
"ليس هناك من يستطيع منعي من دخول أي مكان أريده."
دمدمت مي بسخط قائلة:
"اخرج قبل أن أطلب لك الأمن."
عبست ملامح منير وتحدث باستياء:
"لما تعامليني بتلك الطريقة؟ ألست مثل سليم؟ لا تظهري نفسك بمظهر الفتاة الشريفة، فأنا أعلم بأن هناك ما يحدث بينك وبينه."
اندفعت إليه وأرادت صفعه ولكنه أمسك بكفها وضغط عليه بقوة، ألَمَتها لتنكمش برعب. فما أن رأى الرعب المرتسم على وجهها، ترك كفها ونظر إليها ببرود دون إشارة ندم. احمر وجهها غضباً بشكل خطير كأنها ستنفجر، لتقول بنبرة أخطر وقد شمخت بذقنها للأعلى:
"اخرج في الحال، وإلا..."
قطع عليها تكملة حديثها قائلاً بنبرة مستهزئة:
"وإلا ماذا؟ هل ستنادي منقذك؟ هيا ناديه، فأنا حقاً أشتاق لرؤيته."
أقترب منها الخطوات القليلة الفاصلة بينهم والتي ابتعدتها هي. ما أن ترك كفها، فأمسك بذقنها بأنامله يضغط عليه بقوة ليقول وهو يضغط على أسنانه يسحقها وقد قصف صوته عالياً مهدداً إياها بعينين تقذفان الشرَر:
"سيكون من دواعي سروري أن ألقاه، فأنا أريد إنهاء الأمر معه وأخذ حقي منه لما فعله بي في المرة السابقة. فإذا كنت تمتلكين الشجاعة الكافية، فلْتُناديه. أقسم يميناً عظيماً أنني لن أتوانى هذه المرة عن كسر أطرافه لأجعله مقعداً المتبقي من عمره."
فزعت ملامح مي ولكنها حاولت عدم إظهار ذلك. فكزت على أسنانها وتقبضت يداها دون أن تجرؤ على التهور. وتحركت لتبرح الغرفة وتتركها له، فهي لن تكون السبب بمشاجرتهم معاً مجدداً. بينما أشاح منير وجهه بضيق بعيداً عنها وبالكاد تنفس وهو يراقبها تخرج من غرفة مكتبها. فكم كان بحاجة لرؤيتها والتحدث معها. فلم يجد أمامه سبيلاً غير القدوم للشركة وانتظارها في غرفة مكتبها حتى لا يشتبك مع سليم مجدداً.
كان في غرفة مكتبه واقفاً أمام النافذة الزجاجية التي تطل على مدخل الشركة ينظر للطريق وينتظر أن تأتي إليه. فبالُه مشغول بها. فلقد رآها منذ أن أتت وانتظر أن تأتي إليه مباشرة ولكنها حتى الآن لم تأت لغرفة مكتبه. كان هادئاً ورزيناً إلى أن رآه فتحول هدوءه لغضب مشتعل. وما زاد غضبه وقوف منير بجوار سيارته وهو يتطلع ناحيته وكأنه يراه ليشير له بإبهامه وعلى وجهه ابتسامة متسعة. ثم استقل سيارته وغادر.
استمع سليم لصوت طرقات على الباب وقد ميزها وعرف صاحبها. فالتفت ليجدها واقفة عند الباب تنظر إليه ببرود. فأشار إليها لتقترب. ففعلت كما طلب منها. ودار حول مكتبه وجلس على مقعده وأرجع ظهره للخلف مستنداً على ظهر المقعد، ناظراً بداخل عينيها وكأنه يقرأ ما حدث معها أو ربما منتظراً منها أن تسرد عليه ما حدث. فهو لم يخلو عليه هيئتها الغاضبة واستيائها.
أخذت نفساً قوياً وفرقت بين شفتيها وتحدثت تناقش معه أمور العمل. فقبضتيه بغضب تعتصرهم وهو يضغط على أسنانه. فلما قد تخفي عنه وجود منير في الشركة؟ فهو يعلم جيداً بأن منير لم يأت لأحد غيرها لأنه قد قرر ألا يستسلم. فقال بعبوس:
"اتركي العمل على جانب الآن وأخبريني ما بكِ، فأنتِ لا تبدين بخير."
بهت وجه مي، فأرادت إخباره عن مقابلتها مع منير ولكنها تراجعت. فأجابت:
"أنا بخير، ولكني لم أحظ بنوم كافٍ ليلة البارحة."
تساءل سليم بينه وبين نفسه، لم لا تخبره؟ فضيق عينيه وهو ينظر بداخل عينيها. ثم تنحنح يجلي صوته وقال بخشونة وازدراء:
"حسناً، اذهبي الآن لعملك واتركيني بمفردي."
أومأت له بهدوء ووقفت من مكانها وبدأت بالتحرك لتستمع لصوته وهو يقول:
"هل ما زلتِ تتذكرين بأن بيننا حديث لم ينته بعد؟ فمتى سيكون باستطاعتنا تكملة حديثنا؟"
أجابته بتلعثم قائلة:
"أجل، أتذكر."
رمقها بنظرات لا تنبئ عن خير ونظرات الشر تتجلى على وجهه. لوهلة شعرت مي بالذعر من نظراته التي يرمقها بها، فلم تعرف لماذا هو غاضب الآن؟ هل ردها الموجز هو السبب أم ماذا؟ تعلم بأنه ينتظر منها موعداً ليستطيعوا التحدث دون مقاطعة من أحد وأن الشركة ليس مكاناً جيداً لذلك الحديث. ولكنها تغاضت عن الأمر.
وجدته يشير لها بكفه أن تذهب، فمضت مي عائدة إلى حيث مكتبها وهي تسرح بتفكيرها مع تنهيدة طويلة بائسة. بينما هو ضرب بقبضته على سطح مكتبه ثم أوقع كل ما على سطح المكتب على الأرض ووقف من مكانه وأخذ يدور في الغرفة كأسد حبيس.
بعدما انتهى فارس من عمله في الورشة ذهب لمنزل زينة لينهي العمل به ويسلمه في ميعاده المتفق عليه. فكتم أنفاسه لحظة وصوله لمنزلها ثم دلف من الباب بهدوء. مجرد رؤيتها واقفة هناك جعل نبضات قلبه تتضارب أكثر وهو يشعر بحدوث شيء سيء. لكنه تعمد التظاهر بالحزم سائلاً دون مقدمات:
"لما أنتِ هنا؟"
كان يضع عينيه بخضرة عيني زينة بصرامة ليسمع صوتها تجيبه بصوت مرتبك وهي تشير للمنزل:
"لقد أتيت لأن والدي طلب مني ذلك."
اكتسحه شيء من الغضب. فلقد طلب منها من قبل عدم القدوم للمنزل وأن تتركه يعمل على راحته وعندما ينتهي سيخبرها بذلك، ولكنها لم تفعل كما طلب منها. ليجدها اليوم أمامه تتحجج بأن والدها من طلب منها ذلك. فظل ساكناً لدرجة مزعجة لأنه مضطر لتكملة عمله حتى النهاية. فسألها بصوت فظ صارم أقرب للانفعال:
"هل ستذهبين أم أذهب أنا؟"
تصلب جسد زينة وهي ترى رفضه لوجودها معه في نفس المكان. وغار قلبها في صدرها وهي تتذكر أمر زواجه وأنه يرفضها الآن من أجل امرأة أخرى. ظلت واقفة مطرقة بوجهها مضطربة الملامح وساكنة في محلها. اختنقت حبال زينة الصوتية ولم تنساب من شفتيها إلا كلمات متقطعة وفي نبرتها لمحة تضرع:
"أنا.. أنا.."
لينتشلها صوت طرقات على الباب. تطلع فارس ناحية الباب ثم تحرك وفتحه ليجد شاباً يعمل في المقهى المجاور للمنزل. فقد طلب منه عندما حضر أن يعد له قدحاً من القهوة ويجلبه له في المنزل. أخذ منه فارس الصينية التي تحتوي على قدح القهوة وكوب مملوء بالماء ثم أغلق الباب. ليجدها ما زالت واقفة. فانفجر هاتفاً بها يصب عليها كل غضبه المكتوم:
"لما ما زلتِ واقفة؟ هيا اذهبي في الحال."
انتفضت كل خلية فيها رعباً وترقرق الدمع في عينيها. فشعرت بحجر صوان عالق في حنجرتها. بلعت هذه الغصة بصعوبة ثم تمتمت بصوت جاهدت ليخرج ثابتاً إلا أنه خرج مهتزاً:
"لما تعاملني بتلك الطريقة؟ اعترف بأنني أخطأت بحقك، ولكني اعتذرت كثيراً عما اقترفته، فلما لا تسامحني؟"
ضاقت عين فارس ثم استدار ليذهب. لتوقفه وهي تقول بنبرة مبهمة:
"حسناً، كما تريد. سأذهب أنا، ولكن أرجوك لتبق وتكمل عملك."
تراجع رأسه للخلف قليلاً ثم التفت ينظر إليها فوجدها تحمل حقيبة يدها الموضوع على الأريكة وهي تنظر إليه باستياء وتحركت ناحية الباب لتغادر. فجلس على الأريكة وهو يشد على خصلات شعره بقوة. ثم بدأ في ارتشاف قهوته التي كانت قد بردت قليلاً. فتنهد بسخط تزامناً مع دخولها من جديد. فعبس وجهه وقال باقتضاب وهو يضغط على جبينه من أثر الصداع الذي يضرب رأسه في تلك اللحظة:
"لما عودتي مجدداً؟"
اضطربت ملامح زينة، لكنها ردت بحنق:
"لقد نسيت أن آخذ شيئاً من الطابق العلوي."
ثم أخذت تصعد الدرج وهي تنظر إليه بطرف عينيها. بينما تمتم فارس بعبرات مقتضبة غير مفهومة قبل أن يستمع لصوت مرتفع يأتي من الطابق العلوي. فتحامل على نفسه والرؤية تكاد معدومة أمامه وبدأ في الصعود للأعلى وهو يتبع مكان الصوت.
كانت نورين في طريقها للمنزل ممسكة بهاتفها بين كفها تضغط عليه بقوة بعدما أغلقته حتى لا يصل إليها كريم. فهي تعرف نفسها جيداً وأنها ستضعف وتجيب عليه. فما يمنعها من ذلك وجود نور بجوارها. وصلت سيارة الأجرة أمام المنزل فترجلت منها نور. بينما نورين شاردة تتذكر ملامح كريم وهو ينظر إليها وهي تفترش الأرض ولم يتحرك أو يقترب منها بل ظل ساكناً في مكانه.
أمرتها نور بوجه غير مقروء بعدما نادت اسمها لأكثر من مرة لتستجيب لها نورين وتنظر حولها لتجد بأنها وصلت للمنزل وعليها الترجل من السيارة. ففعلت واستندت على ذراع توأمها. وما أن دخلت للمنزل ورآهم الجميع وظهرت علامات التعجب على وجوههم. فلما عادوا الآن وموعد انتهاء اليوم الدراسي لم يحن بعد؟
فشهقت والدتهم وانتفضت واقفة مكانها ما أن رأت ملابس نورين الملطخة أثر ارتطامها بالأرض وهيئتها وملامحها التي توحي بأنها بكت كثيراً. لتقول بذعر وهي تقترب منهم:
"رباه، ما الذي يحدث معكم ولما تبدون بتلك الحالة المزرية؟"
تجاوزتهما نورين غير آبيه للنظرات المتسائلة المطلة من أعينهما لتقترب نور الخطوات الفاصلة بينها وبين والدتها تمسك بكفها لتجلسها أولاً ولتهدئ من روعها وقلقها. فقالت بهدوء:
"لا تقلقي، ليس هناك ما يدعو لذلك. فكل ما في الأمر أن نورين مرضت قليلاً لأنها لم تفطر جيداً اليوم، ففقدت وعيها وسمحت لي المديرة بإصطحابها للمنزل لترتاح."
بينما دخلت هي لغرفتها. فأمسكت بحبة مسكن بين أصابعها وتناولتها وهي تقول مبتسمة رغم إجهاد وشحوب وجهها الواضح:
"أليس هناك دواء قد يريح القلب من آلامه؟"
وجدت والدتها تفتح الباب فاقتربت منها وارتمت بداخل أحضانها وأخذت تبكي وتشهق بقوة. وملاك وليال كلاهما واقفان يتابعون انهيارها وهم يشكون فيما سردته عليهم نور. فهم يشعرون بأن سبب حالتها هذه أمر آخر.
جلس مالك على مقعده في غرفة مكتبه. فوقف مرة واحدة وتوجه لمنطقة العنابر ليرى حال السجناء وأن كل شيء يمر مرور الكرام. فوجد لافتة كبيرة مكتوب عليها أرقام العنابر. فما أن وقع بصره على رقم العنبر الذي يحتوي على باب ضخم والذي كانت تقضي به ملاك فترة سجنها. فأرتسم على وجهه ابتسامة هادئة وهو يتذكر أول مرة رآها فيها وهي تخرج من سيارة الترحيلات والمطر يتساقط عليها لتكون آية في الجمال.
سمع صوت الحارسة وهي تنادي عليه فطلب منها فتح الباب الفولاذي بهدوء لتفعل كما طلب منها. وقف مالك ينظر للزنزانة ويطالع وجوه السجناء إلى أن وقعت عيناه على الركن الذي كانت لطالما تجلس فيه أسفل الفاتحة التي تحيط بها أسياخ الحديد الضخمة. فتذكر عندما سألها عن مكثها في ذلك المكان لتخبره بأنها تشعر براحة كبيرة تسري في جسدها وقلبها وأن نسمة الهواء الذي يدخل من تلك الفتحة أحلى ما يحدث معها في ذلك الوقت.
انتبه مالك لنفسه وشروده المتكرر. فالقى نظرة أخيرة داخل العنبر قبل أن يأمر الحارسة بإغلاقه وتحرك ناحية مكتبه من جديد. فما أن أغلق باب المكتب حتى أخرج هاتفه واتصل بها ليستمع لصوتها. فهو بحاجة لسماعه، فلما يعد يستطيع البعد عنها أكثر من ذلك. يعلم بأنه لم يتبق الكثير على موعد خطبتهم رسمياً وعقد قرانهم، ولكنه يتمنى لو تمر الأيام سريعاً ويأتي اليوم الذي سيجمعهم تحت سقف منزل واحد.
انتهت المكالمة ولم تجب عليه. فزفر بغضب وهو يصبر نفسه بأن موعدهم معاً قد اقترب ووقتها لن يستطيع أي أحد انتزاعها منه وسيستمتع معها بكل لحظة تمر من حياتهم معاً.
بينما كانت ملاك بالمطبخ تعد الطعام ومعها ليال تساعدها. فمنذ أن تزوجت من فارس وهي تتعامل بطبيعتها مع الجميع وتساعد في كافة شؤون المنزل. استمعت لصوت رنين هاتفها وعندما طالعت الهاتف ووجدت مالك هو المتصل قررت بأنها لن تجيب. فليس هناك شيء رسمي بينهما لتتحدث معه عبر الهاتف. لا تنكر بأنها تحمل له الكثير من المشاعر التي لا تعرف إذا ما كانت حباً أم مجرد إعجاب لشخص في مرؤة مالك وشهامته. فهي لن تنكر وقوفه بجوارها في أزمتها ومساعدته لها. ولكنها لا تعرف كيف تفرق بين الحب والإعجاب وكيف تكتشف الفرق بين الأمرين.
وجدت ملاك تبتسم بحب وهي تنظر إليها وقد فهمت بأن المتصل ليس إلا مالك. لتشعر ملاك بالإحراج منها. فالتفتت كمل ما كانت تفعله. فقررت ليال بأنها لم تعقب على الأمر، فهي تعلم بأنه يجب عليها ألا تتدخل في خصوصيات غيرها. وأخذت تتذكر فارس وهي تتمنى أن يعترف لها بحبه قريباً وأن تعيش معه باقي حياتها في سعادة عارمة حتى تبيض خصلات شعرها وتصبح عجوزاً. كانت عيناها تخرج قلوباً كلما تذكرت فارس وشكل حياتهم القادمة معاً.
في المساء، تأخر الوقت ولم يعد فارس بعد. فقلقت ليال وشعرت بنغزة في صدرها. ولكن والدة زوجها طمأنتها وأخبرتها بأنه رجل وربما طرأ له أمر ما لذلك تأخر في العودة الليلة. فطلبت منها أن تذهب وتنتظره بغرفتهم لربما على وصول. أومات لها ليال وتحركت على مضض باتجاه غرفتهم وجلست تنتظره وهي تهز قدميها بتوتر والأفكار تعصف بها وهي تفكر في الألف سبب التي قد تجعله يتأخر. فأخذت تهمس لنفسها، إذا كان ما حدث بينهما هو سبب تأخره، أنه نادم على ما فعله معها لينتهي الأمر بها زوجته فعلياً.
ظلت على تلك الحالة وبصرها مثبتاً على باب الغرفة تنتظر قدومه في أية لحظة. بينما أخذ فارس يحرك جفنيه ببطء شديد وهو يحاول فتح عينيه. إلى أن تمكن من ذلك. فظل ينظر للغرفة المستلقي بها بعدم استيعاب. وما أن شعر بمن تغط بنوم هادئ بجواره، فزع من مكانه وهو ينظر لجسده العاري. فوقف عن الفراش كمن لدغته أفعى وهو ينظر إليها بغير فهم. فكيف استطاع فعلها؟
فاقترب منها وأمسك بذراعها ينتزعها من داخل الفراش لتستيقظ فزعة. ثم سرعان ما تحولت ملامحها لغضب وهي تسحب ذراعها من بين قبضته معترضة. ليتحدث فارس قائلاً بحزن:
"كيف حدث ذلك؟"
عبست ملامح زينة، فجلست على طرف الفراش. ثم رفعت كفيها أمام وجهها وأجهشت في البكاء. طالعها فارس مذهولاً مما يراه. فكيف تطور الوضع ووصل الأمر به للوجود معها في نفس الغرفة بل في نفس الفراش. حاول أن يتذكر أي شيء عما حدث في الساعات القليلة الماضية ولكنه لم يستطع ذلك. قدميه لم تعد تحمله من هول ما يتخيله. فجلس على طرف الفراش معطياً لها ظهره. كل ما يتذكره أنها عادت لتأخذ شيئاً من الطابق العلوي. ثم استمع لصوت تهشم شيء فصعد ليرى ما الأمر. رفع أنامله يضعها على جبينه يدعكه بقوة يحاول عصر ذاكرته ليتذكر ما حدث بعدها ولكنه لم يستطع. فالتفت ينظر إليها بكره. ثم التقط قميصه المرمي على أرضية الغرفة يرتديه سريعاً دون أن يغلق أزراره بطريقة صحيحة وغادر على الفور دون التفوه بحرف واحد. فصدمته في نفسه كبيرة جداً. فما أن خرج من الغرفة رفعت رأسها تنظر للغرفة الفارغة منه ودموعها تتساقط بغزارة على وجنتيها.
رواية ذلك هو قدري الفصل التاسع عشر 19 - بقلم موني عادل
وصل فارس للمنزل في ساعة متأخرة من الليل. بعد أن غادر منزل زينة، ظل يجوب الشوارع يرفض الذهاب للمنزل ورؤية أي أحد.
تسلل لغرفته وأمسك مقبضها يفتحه ببطء وهو يراعي ألا يجلب أي صوت حتى لا يستيقظ أحد ويراه على تلك الهيئة المزرية. ما إن دخل الغرفة والتفت ليغلق الباب خلفه، استند عليه بجبينه وهو يشعر بالازدراء من نفسه.
وجد الإضاءة تنير الغرفة، فاستدار ينظر ناحية الضوء المنبعث من الأباجورة الموضوعة على طاولة بجوار الفراش. ليراها جالسة نصف جلسة تنظر إليه بقلق وقد عبست ملامحها.
تحدثت تقول وهي تترجل من الفراش ذاهبة ناحية فارس:
"انتظرتك كثيراً، فلما تأخرت؟"
ما إن انتهت من حديثها، كانت قد وصلت إليه فوقفت أمامه تتطلع إليه. مال فارس وأمسك وجنتيها يقول:
"تأخرت في العمل، ثم تمشيت لبعض من الوقت قبل أن آتي."
مالت عليه تستند برأسها على صدره. فتنحنح فارس وأبعدها عنه يقول بابتسامة لم تتعد شفتيه:
"سأذهب لأغتسل."
عبست ملامح ليال فتمتمت بغيظ يلتهمها:
"حسناً."
تركها واتجه ناحية المرحاض، بينما هي اضطجعت على الفراش من جديد تحاول النوم. فكما يبدو لها بأن فارس لم يزيح الحاجز الموضوع بينهما حتى الآن.
استمعت لصوت انغلاق المياه في الداخل فعرفت بأنه على وشك الخروج. فلمعت الدموع بعينيها من ثقل ما تحمله بداخل صدرها. كان بصرها مثبتاً على باب المرحاض لتجده يفتحه ويخرج. فظل بصرها مثبتاً عليه إلى أن استلقى بجوارها.
وبحركة خاطفة سحبها ناحيته بقوة. أفلتت منها شهقة وحدقته بغضب. فمط شفتيه ببراءة وقال بمغزى بينما يمرر أنامله الرجولية في خصلاتها:
"أريد النوم الليلة وأنتِ في داخل أحضاني."
ضحكت ليال بخفوت، ثم سرعان ما استسلمت لسلطان النوم بداخل أحضانه تستشعر أنفاسه الساخنة التي تلفح بشرتها. بينما ظل هو يعاني بمفرده وهو يتذكر ما حدث منذ ساعات قليلة وكيف لم يستطع تذكر أي شيء ولو شيئ بسيط. هل من الطبيعي ألا يتذكر شيء مثل هذا؟ بداخله يقين بأنه لم يجرؤ على فعل ذلك الشئ. لقد ظل مع ليال، من هي زوجته وحلاله، في غرفة واحدة لفترة طويلة دون أن يتجرأ ويقترب منها. فكيف يفعلها في الحرام ومع من؟ من خانت قلبه وتخلت عنه في أصعب أوقاته؟
فهمس فارس بقهر وقد ارتجفت شفتاه، فمال على جبينها يلثمه مطولاً قائلاً:
"أعتذر منك."
أمسكت نورين بهاتفها وفتحته لتجد الكثير من الرسائل النصية. بدأت دموعها تنسكب على وجنتيها بصمت وهي تقرأ محتوى الرسائل التي أخبرها فيها بأنه لم يقدم على فعل ما يذاع عنه في المدرسة الثانوية، وأنه لم يتقدم لخطبة أحد. فما سمعته مجرد إشاعات تلاحقه. وبرر لها أنه لم يستطع التقرب منها وشرح الأمر لها خوفاً على مظهرها وسمعتها أمام زملائها. وأنه ينتظر موافقتها ليذهب لمنزلها ويحدث أخاها في أمر ارتباطهما.
رفعت بصرها تنظر للخارج تبحث عن ضوء النهار، فالليل يمر بثقل كالكابوس. طالعت الهاتف مجدداً وبدأت في قراءة محتوى الرسالة الأخرى. فأطلقت نفساً مثقلاً وهي تمسح وجهها بيديها، شاعرة بأنها تفقد تركيزها وهي تهمس بكلماته وتتلمس أحرفها على سطح شاشة هاتفها:
"لا تحزني ولا تغضبي، فأنا معك. فكم أحزن لرؤيتك تتألمين بدون صوت كالبحر الساكن. أعلم بأن قلبك يئن ألماً ووجعاً، فاعتذر حبيبتي لأنني تسببت في الألم دون قصد مني."
تسمرت أنامل نورين الممسكة بالهاتف عندما صدح رنينه. وكان كريم هو المتصل. ازدردت ريقها قبل أن تتمتم بشيء من الجزع:
"تتوقع مني أن أجيب عليك في أحلامك أيها الخائن."
ظلت تنظر للهاتف ببرود وملامح مبهجة. فوقفت عن فراشها بنشاط وكأن الحياة دبت فيها. فذهبت باتجاه المطبخ وأخذت تعد لها شطيرة بالجبن وهي تدندن. وما إن انتهت، عادت لغرفتها بشطيرتها التي أعدتها وكوب عصير. وجلست على مكتبها تتناولها بشهية مفرطة. بينما اعتدلت نور على فراشها تنظر إليها باستغراب وذهول من تبدل حالها بتلك السرعة. ففهمت بأنه تواصل مع نورين بأي طريقة، لذلك دبت الحياة فيها من جديد. فلم تريد إحراجها وتسطحت على الفراش من جديد وتركتها تستمتع بشطيرتها بسعادة.
في صباح يوم جديد، افترشت فيه الشمس قلب السماء وأدلت بجدائلها الذهبية خيوطاً من الأمل والتفاؤل. استيقظت ليال ما إن شعرت بضوء الشمس المنبعث من النافذة. ففتحت عينيها تنظر لفارس لتجده مستيقظاً وكأنه لم يذق طعم النوم. فرفعت كفها تمسد على وجنته وهي تقول بخفوت:
"لما استيقظت باكراً؟"
تنحنح فارس وطرق برأسه هارباً من نظراتها المتربصة وهو يقول:
"لم أستطع النوم طوال الليل وأنا مستيقظ."
اتسعت عينا ليال لما نطق به وهي تناظره متسائلة إذا ما كان مريضاً، لذلك لم يستطع النوم. فقالت وهي تتحسس جبينه:
"هل أنت بخير؟"
شاب الارتباك عليه وهو يومئ برأسه. فتحدث متسائلاً:
"هل من الطبيعي أن يُنْسَىٰ أمراً هاماً يمكنه أن يغير حياة شخص ما للأسوأ بسهولة، لينام ويستيقظ وهو لا يتذكر شيئاً عنه، وكأنه كان مغيباً أو فاقداً للوعي أو..."
نطق آخر جملته بخفوت وأخذ يكررها بداخل عقله لأكثر من مرة وكأنه يحاول استيعاب أمراً ما. فلقد طرأ في عقله شيء آخر. امتقع وجه ليال وأجابته قائلة:
"كما قلت أنت، ربما كان مغيباً أو فاقد الوعي، فنسيان أمر قد يغير حياة شخص لا يُنسى بسهولة."
ضيق فارس عينيه بخطورة وهو يتذكر وضعه عندما استيقظ ووجد زينة تضجع على الفراش بجواره. تعمق سواد عينيه وعقله يحترق من كثرة التفكير. فهمس بخفوت:
"معك كل الحق."
بينما ليال لا تعرف لما نغز الخوف قلبها فجأة لتمتلئ عيناها بالدموع، ولكنها لن تسمح لها بالتساقط الآن. فقالت بضعف حاولت إخفاءه:
"سأذهب لأغتسل وأحضر لك الطعام."
أهداها ابتسامة وهو يومئ برأسه. فصوبت عينيها في عينيه المعذبتين ترى خشية وقلقاً وكراهية في ذات الوقت. أخذت نفساً قوياً وتحركت تجر قدميها ناحية المرحاض.
بعد القليل من الوقت، كان الجميع ملتفاً حول طاولة الطعام. أمضى فارس وقتاً عصيباً وهو يحاول إظهار أنه على ما يرام وأن كل شيء يصير معه بطريقة جيدة. فتحدثت والدته توجه حديثها لنورين قائلة:
"هل أنتِ أفضل اليوم؟"
أومأت لها نورين، ثم أخذت تتلاعب بطبقها دون أن تمسه. فتسأل فارس عن ما بها نورين لتخبره والدته بأنها كانت مريضة بالأمس. فوقف عن مقعده وأخذ يقترب من نورين ومال يقبل أعلى رأسها هو يطمئن عليها. ليستمع لصوت رنين هاتفه يعلو. فأخرجه من جيبه وطالع شاشته ليجد زينة هي من تتصل به. فضغط على زر إنهاء المكالمة. فعاودت الاتصال مجدداً. فكرر فعلته بإنهاء المكالمة، ولكنها لم تستسلم. فبعثت له برسالة نصية كتبت فيها:
"لما تتهرب مني ولا تجيب على مكالماتي؟ هل ستتركني أواجه مصيري بمفردي؟ عليك تصحيح خطأك وإلا سأشي بك للجميع وأطلع عائلتك على ما اقترفته بحقي."
تقبضت يد فارس تلقائياً وأشاح ببصره بعيداً عن هاتفه. لتقع عينيه على ليال التي تنظر إليه. فشتت نظرها في المكان. ليتنهد فارس ثم قال لمعتز وقد سكن الإجهاد صوته:
"هل أنت جاهز لنذهب لجلسة العلاج الطبيعي؟"
إيماءة خفيفة كانت رد فعله. ليجر فارس قدميه ناحية مقعد أخيه ليساعده. فرفض معتز وقرر أن يتحرك بمفرده بفعل كرسيه المتحرك. ليوافق فارس واكتفى بالمشي بجواره إلى أن استوقف سيارة أجرة واستقلها. فاطلع السائق عن وجهته.
وصلت مي لمقر الشركة، بينما كان منير يراقبها من داخل سيارته. ينظر إليها بشغف يتدفق في أوصاله وهو يراها امرأة جميلة للغاية تجذبه لها كمغناطيس بشعرها الطويل حالك السواد. وكأنه ليس هناك امرأة في العالم غيرها. فظل يتخيلها وهي تجلس بجواره وتغدقه بالحب. فاخذ يصبر نفسه بأنه لن ينتظر طويلاً وسيحصل عليها. فما أجمل قربها حتى ولو كانت تتشاجر معه. فتحرك بسيارته مغادراً وهو يخطط لكيفية حصوله عليها. بينما صعدت هي لغرفة مكتبها. فوضعت حقيبتها وأخذت ملفاً من درج مكتبها وخرجت متجهة لمكتب سليم.
طرقت على الباب وما إن استمعت لصوته فتحته ودخلت. رفعت عينيها لتذوب بعينيه ونظراته المستكينة تأسرها طواعية. فرسمت ابتسامة جميلة له أسرت قلبه بعنف. ثم خطت مسرعة نحو المكتب ووقفت أمامه تضع الملف على سطح المكتب وهي تعلمه ما يحتويه. شرد سليم ونظره مثبت على شفتيها يتابع حركة شفتاها ليتسلل دفء خفي لجسده. فاقترب منها وهو لا يعير حديثها أي اهتمام ليقول هادراً:
"لما تؤجلين الحديث في أمرنا؟ لا أرى سبباً مقنعاً لتأخير ارتباطنا. فأنت تعلمين أنني أحبك وأريد مقابلة عائلتك لنرتبط رسمياً. إلا إذا كنتي لا تبادليني مشاعري وترفضين الارتباط بي."
ودت لو تستطيع أن تبوح له بالكثير من كلمات العشق، لكنها لم تفعل لطبيعتها الخجولة. فسالت دمعة على خدها مسحتها على الفور وقالت بصوت مرير وابتسامة معذبة جميلة ترتسم على وجهها:
"عما قريب سأطلعك على الموعد الذي يمكنك فيه الحضور ومقابلة عائلتي."
خرج فارس من مركز العلاج الطبيعي وقد طمأنه الطبيب بأنه يرى تحسناً ملحوظاً في حالته الصحية. وطلب منه أن يرجع لطبيب العظام المعالج ليرى وضعه ويخبره أكثر عن تقدم حالته واستجابته للعلاج. فشكره فارس وقرر الذهاب للمشفى ورؤية طبيب العظام. بعد مرور عشرة دقائق كان قد وصل فارس للمشفى وسأل عن الطبيب المعالج الذي يعالج معه معتز وذهب لرؤيته. كشف عليه الطبيب واطلعهم على تحسن حالته بعد أن طلب من معتز تحريك ساقه. ففعل دون مساعدة من أحد. وأيضاً كرر الأمر مع ذراعه. فكتب له الطبيب على بعض من الأدوية التي قد تساعده في تلك المرحلة من العلاج. وطلب منه أن يستمر على جلسات العلاج الطبيعي.
خرج فارس من عند الطبيب سعيداً بما سمعه ورآه من تحسن حالة أخيه الصحية. فكم يتمنى شفاءه في أقرب وقت. وقف أمام مقعد معتز ومال بجسده ليكون في مستواه وتحدث يقول:
"انتظر قليلاً، فبما أنني هنا سأذهب لإجراء بعض الفحوصات. لن أتأخر عليك."
أومأ له معتز وظل ينتظره إلى أن انتهى فارس وأقبل عليه وهو يخبره بأنهم سيذهبون للمنزل. فنتيجة الفحوصات لن يستلمها إلا مساءً. فأوصل معتز للمنزل وذهب للورشة التي يعمل بها وأكمل باقي النهار يحاول التركيز في عمله. ولكن عقله كان مشغولاً بأمور كثيرة.
أوشك النهار على الانتهاء. فالوقت لا يمر. فما إن اقترب موعد استلام نتيجة فحوصاته حمل نفسه وذهب للمشفى ليستلم النتيجة.
خرج من المشفى مذهولاً. فذلك ما لم يكن يتوقعه. كان ذلك آخر ما في حسبانه. فأخرج هاتفه من جيب بنطاله واتصل بزينة لتجيبه سريعاً. فطلب منها أن تقابله في الحال ليجد حلاً لما حدث بينهما يرضي الطرفين. فرحت زينة وأخذت تستعد لتظهر في أبهى صورة لها وتحركت لتقابله في منزل عائلتها.
وصلت زينة للمنزل قبله. فظلت تجوب المكان ذهاباً وإياباً تنتظر وصوله. وقد بدأت تتوتر. ولكنها تعلم بأن فارس لن يتخلى عنها ويتركها تواجه مصيرها. فلقد خالت عليه خطتها وسيتزوجها في القريب العاجل. فهو لديه إخوة ويخشى عليهم. لذلك سيتمسك بها ويتزوج ليصلح ما فعله حتى لا تلاحقه الأقاويل ويكون سبباً في تدمير حياة أخواته وجدته.
يفتح الباب ويدخل لتبتسم إليه. فتفاقم غضب فارس ما إن رآها. ضم قبضتيه حتى لا يفتك بها ويشبعها ضرباً. فوقف أمامها ومرر أصابعه بحنق على عنقه ثم قال:
"لما فعلتِ هذا؟"
امتلأت نظرات زينة بالذهول ولكنه اعترضت قائلة:
"تسألني عما فعلته وأنت تعلم جيداً ما فعلته أنت معي تلك الليلة."
هتف بها بصوت خطير:
"لم أفعل شيئاً. تعلمين بأنه لم يحدث شيء بيننا."
تمتمت زينة له بتحقير:
"يا لك من وغد! تريد التخلي عني وتركى بعد كل ما حدث بيننا."
أغمض فارس الذي قد تفاقم غضبه منها عينيه. فبالكاد يمسك نفسه حتى لا يفتك بها. فاقترب منها خطوة وهو يتساءل بصوت خطير:
"هل بإمكانك تذكيري بما حدث بيننا؟ لأنني لم أتذكر أي شيء. فكيف لشيء مثل هذا أن يُنسى بسهولة هكذا؟"
للحظة شعرت بالتوتر. ولكنها تحلت بكل برودها الظاهري وهي تقول:
"كيف لك أن تشكك فيما حدث؟ وكيف تريد مني تذكيرك بالأمر؟"
قطب فارس حاجبيه ثم هتف بها بغضب مشتعل:
"يا لكِ من كاذبة! لقد اكتشفت بأنني تعرضت لمادة مخدرة وبجرعة زائدة جعلتني أفقد الوعي لعدة ساعات. لم يرد الله أن يكمل مخططك كما خططتي له. فلو لم تضعي جرعة زائدة لم أكن لأفقد الوعي ولكنت وقعت في شرك عظيم."
اقتربت أكثر تقف أمامه وقد بدأت دموع التماسيح في الانزلاق على وجنتيها وهي تقول:
"صدقني، لم يحدث أي شيء مما تقوله. كنت معي بكامل رغبتك."
كز فارس فوق أسنانه محاولاً السيطرة على أعصابه ثم قال:
"أصدقك؟ كيف وأنا تأكدت من كل كلمة أخبرتك بها. لقد أجريت بعض الفحوصات ونتائجها كانت بها نسبة مخدر عالٍ على أثرها فقدت وعي. ولكن لدي سؤال واحد: كيف ومتى فعلتِ ذلك؟"
انفعلت زينة وقالت بحنق:
"لم يحدث أي شيء مما تقول. أنت تقول ذلك لتنقذ نفسك من تلك الورطة وتتركني أعاني بمفردي. عليك أن تتزوجني وإلا سأخبر عائلتي والجميع أنك اغتصبتني."
أظهر فارس نفوراً وابتعد عنها هاتفا بغضب:
"لا، لم يحدث أي مما تخططين له. ولا أريد رؤيتك مجدداً."
ثم استدار ليغادر. فأسـرعت خلفه وأمسكته من كتفه ليدفعها عنه بقوة ليتختل توازنها وتقع على الأرض. فنظرت إليه مطولاً ودموعها مازالت تتساقط. ليهتف فارس باستنكار يؤجج غضبه:
"لو لم تكوني فتاة لبرحتك ضرباً على ما عيشته على مدار الساعات الماضية."
فصمت ينظر إليها مطولاً ثم أكمل حديثه يقول لها بعيون يملؤها الغضب وبنبرة يطغى عليها الاشمئزاز:
"أنا لم أصفعك بيدي حتى لا ألوث يداي بلمس ولو جزء بسيط من جسدك. كما أنني لست بالرجل الذي يصفع امرأة مهما وصلت من الدناءة. ولكني لن أحرمك من صفعي لكِ، ولكن بشكل آخر. فصفعتي لكِ هي أن أفشل مخططك وأتركك. فلا تأملي في عودتي لكِ، فمثلي لا يتشرف من مجرد الاقتراب من أمثالك."
والتفت مغادراً، تاركاً إياها خلفه تنظر في أثره وهي ما زالت تجلس مكانها على الأرض وتتذكر ما حدث وما كانت خطتها وكيف انقلبت ضدها. فلقد خططت وجلبت ذلك الشيء ووضعته بحقيبتها وذهبت لمنزل عائلتها لتراه وتنفذ ما خططت له. فعندما غضب فارس من وجودها وأخبرها أن تذهب هي أو سيذهب هو والتفت ليغادر، كانت أسرع منه وأخرجت تلك القارورة من حقيبتها وأفرغتها في قهوته الموضوعة على الطاولة أمامها. ثم أخبرته أن ينتظر وينهي عمله وأن هي من ستذهب. فخرجت من المنزل وظلت في الخارج لبضع دقائق ثم دخلت مجدداً وهي تعتقد بأنه ربما يكون ليس بوعيه كاملاً وأن يكون تحت تأثير المخدر. ووقتها ستروده عن نفسه. فما إن دخلت رأتـه جالساً على الأريكة. وما إن رآها هو سألها لماذا عادت. فتحججت بأنها نسيت أخذ شيء وصعدت لتحضره. فما إن صعدت للطابق العلوي أوقعت شيئاً وأصدرت صوتاً مرتفعاً ليصعد ويرى ما سبب إصدار الصوت. ومن ثم يراها على تلك الهيئة بهذه الملابس التي ترتديها. فهي لا تستر أكثر مما تظهر. فما إن وصل فارس الغرفة التي هي بداخلها وقف ينظر إليه وقد تجهمت ملامحه. ولكنه ما إن اقترب منها وهو يسألها عما تفعله وما هذه الملابس التي ترتديها. وقع على طرف الفراش. ففغرت شفتيها الجافتين مدركة أنه فقد الوعي قبل أن يستسلم لها وينالها. فهي وضعت ذلك الشيء له في شرابه ليفقد السيطرة عندما يرى هيئتها تلك ويتفاعل معها. لقد أرادت وضع نسبة مخدر قليلة في شرابه ليكون واعياً وعلى طبيعته معها. ولكنها أفسدت الأمر. همست لنفسها قائلة: يبدو بأنني قمت بمضاعفة الجرعة. فلقد اعتقدت بأن رجلاً في طوله وصلابته لن تؤثر فيه الجرعة المحددة استعمالها. لكن جاءت النتائج غير ما خططت له. وها هي خطتها قد باتت بالفشل. انهارت ملامحها. فلما لم ينجح ذلك الشيء ولما لم يفك لجامه لنيل رغباته؟ لما لا يفكر برغباته؟ أليست جميلة بما يكفي؟ تنهدت بيأس وظلت واقفة تنظر إليه وهو فاقد الوعي. أقتربت منه وأخذت تحاول تحريره من ملابسه. بعد معاناة نجحت أخيراً. ثم استدارت وتسطحت بجواره تحدق في ملامحه. وقد خططت لشيء آخر. وهي أن توهمه بأنه نالها وحصل عليها بكامل رغبته. فهي لم تأخذ بالها بأن الجرعة كانت زائدة عن اللزوم إلا الآن. عادت زينة لأرض الواقع. فوقفت على قدميها ورفعت كفها تمحو دموعها وتهمس لنفسها بأنها لن تستسلم وستدمر له حياته إن لم يتزوجها. لن تتركه ينعم بالسعادة مع غيرها وقلبها ينفطر عليه.
وصل فارس للمنزل وهو يشعر براحة تتسرب لأوصاله. فهو كان على يقين بأنه لم يقرب زينة. فلا تربيته ولا دينه يسمحان له أن يتطاول ويفعل هذا. فدلف لصالة المنزل ليجد والدته وإخواته مجتمعين يتحدثون وصوت ضحكاتهم يتصاعد والسعادة تملأ وجوههم. فالقى عليهم التحية وجلس ليشاركهم حديثهم. بدأ يختلس النظر إليها وقد بدا متعباً وعيناه ذابلتان. فنظر بداخل عينيها وكأنه حقاً بحاجة ماسة إليها. لقد بدأ يتعلق بها. ربما لأنها جميلة، وربما لأنها تحبه وتحمل له الكثير من المشاعر بداخلها. أو ربما لأنها زوجته وحلاله. هز رأسه يبعد تلك الأفكار عنه. فاستمع لنورين ومي وهم يتحدثون في نفس الوقت يقولون:
"هناك أمر هام أريد إخباركم به."
نظروا لبعضهم البعض وضحكوا. فطلبت مي من نورين أن تتحدث أولاً. ولكنها رفضت وأخبرت مي أن تقول ما لديها هي ولتتركها للنهاية. فنظرت إليهم بتوتر وتحدثت بتلعثم قائلة:
"مديري في العمل يريد أن يأتي للمنزل ويطلب يدي للزواج."
صمتت تنظر لفارس تنتظر منه رداً. ولكنه صمت طويلاً ثم أشاح ببصره ناحية نورين وهو يسأله عما أرادت إخبارهم به. تحدثت نورين وهي تشعر بالحرج وتقرض أظافرها بينما تقول بخفوت:
"هناك معلم في مدرستي يريد أن يأتي لزيارتكم ليتعرف عليكم ويطلب يدي منكم."
انفرجت شفتا فارس بغير تصديق. ثم سرعان ما انفجر ضاحكاً. ثم قال من بين ضحكاته:
"وأنـتِ يا نور؟ أليس هناك من يريد التقدم لكِ أنتِ الأخرى؟"
هزت رأسها نفياً وهي تقول:
"لا، فكل ما أفكر به هو أن أكمل دراستي وأكون طبيبة. فأنا لا أفكر في الارتباط وتلك الأشياء التي ستؤخرني عما أريد تحقيقه."
تحدثت والدتها وهي تضربها على كتفها قائلة:
"اصمتي أنتِ واحتفظي برأيك لنفسك."
نظر فارس لوالدته ورأى كم هي سعيدة. فقال بصوت يشوبه القلق:
"أنتم الثلاثة تريدون الارتباط في الوقت ذاته؟ أليس كثيراً؟ فأنا أقصد خطبة ملاك وعقد قرانها بعد أيام قليلة. فهل يمكنهم الانتظار حتى ينتهي عقد قران أختكم الكبرى؟"
أومأوا له بإحراج. بينما شعر معتز بغصة في حلقه وموجه صقيعية تجتاحه وهو يرى فارس نعم الأخ لأخواته. يقف بجانبهم في كل شيء وهم أيضاً يحبونه ويخشون عليه من أي شيء قد يمسه. فاخذ نفساً قوياً وحرك مقعده لينسحب لغرفته. فهو يريد أن يضغط على نفسه ويبدأ في الإكثار من عمل التمارين التي أخبره عنها الطبيب ليستعيد عافيته من جديد ويقف على قدميه سريعاً ليساعد فارس في حمل عبء أخواته. فتحدث فارس يحاول منعه من الذهاب يريد منه أن يجلس معهم حتى لا يبقى في غرفته بمفرده:
"ابق معنا، فنحن لم نجتمع معاً منذ مدة."
هز رأسه نفياً وهو يخبره بطريقة بأنه يريد النوم. ثم أهداه ابتسامة هادئة وتحرك مغادراً. ليتمنوا له ليلة سعيدة. فوقف فارس عن مقعده واتجه ناحية ملاك التي تجلس شاردة وكأنها ليست معهم. فاخرج حفنة من الأموال ووضعها في راحة يدها وهو يقول:
"اذهبي غداً واحضري ما تحتاجينه ويومين وسأعطيكِ مثلها."
امتلأت عيناها بالدموع. ليقول فارس هامساً:
"أنتِ مجنونة! فلما تبكين الآن؟ يكفي بكاء، دعينا نفرح قليلاً."
ورفع كفه يمسح دموعها وهو يضغط على وجنتها بقوة. زمت ملاك شفتيها ثم قالت بنبرة ذات معنى:
"أبكي لأنني سأترككم بعد أيام، فأنا لا أريد أن أبتعد عنكم."
قبلها فارس وهو يخبرها بأنها سنة الحياة وأنه سعيد من أجلها ويتمنى لها السعادة في حياتها مع مالك. ثم وقف وهو يستأذن منهم ويذهب لغرفته ليستريح ويحظى ببعض الراحة. بينما وقفت ليال وذهبت خلفه.
جلست زينة في غرفتها تخطط وترسم خطة جديدة. وهي تعتقد بأنها بفعل تلك الأشياء ستجعل فارس يعود إليها من جديد. فأمسكت هاتفها وكتبت رسالة وأرسلتها لرقم ليال. فلقد حصلت على الرقم عندما كان فاقداً للوعي أمس. أمسكت هاتفه وبحثت عن رقم زوجته. فلقد كانت تفكر أن ترسل إليه صور زوجها وهو نائم بجوارها. ولكنها تراجعت وانتظرت لترى رد فعل فارس. ولكنها الآن قررت أن تدمر حياته مثلما دمر قلبها. فأرسلت إليها رسالة في محتواها:
"أنا حبيبة فارس. إن لم تصدقيني ابحثي في هاتفه وسترين كل شيء بأم عينك. قررت إخبارِك لأنني أشعر بالشفقة تجاهك. فأنا امرأة مثلك وأعلم بأنه ليس هناك شيء يضاهي الشعور بالخيانة."
ما إن أرسلت الرسالة النصية ابتسمت بخبث ورمت الهاتف بجوارها وانتظرت لترى رد فعلها ما إن تقرأها.
كان فارس متسطحاً على الفراش يحاول النوم. فخرجت ليال من المرحاض. فأعلن هاتفها عن وصول رسالة نصية. فامسكت به تتفحصه وأنزعجت ملامحها. رمتـه نحوه بنظرة لو كانت تقتل لأردته قتيلاً. ثم سألته بتهام:
"هل تخونني؟"
تكدرت ملامحه وتوحشت بالبغض والسخط من زينة وأفعالها. فلقد فهم بأن زينة أرسلت إليها شيئاً. فرد بازدراء:
"لا، لم يحدث. اجلسي وسأشرح لك الأمر وأخبرك بكل شيء."
مالت له لتتهمه بعصبية:
"الرسالة واضحة وضوح الشمس. فهي تطلب مني أخذ هاتفك والبحث بداخله عن رسائل الحب بينكما. كيف استطعت فعلها؟"
تنهد فارس بضيق شديد وانتفض واقفاً وهو يحاول إمساكها من معصمها ليجلسها ويخبرها بكل شيء. فطاوعته فهي تريد أن تسمع منه. تحتاج لذلك. فتحدث يبرر لها سبب تلك الرسالة وهو أخبرها بما حدث متذ البداية. كانت تستمع إليه بجسد متصلب وقد ازداد فورانها. قبل أن تغمض عينيها. فهي لا تستوعب ما قاله. هل قال بأنه كان يعمل لديها في منزلها وأنه استيقظ ووجد نفسه معها في نفس الفراش؟ هزت رأسها نفياً وهي تهمس بخفوت: يا إلهي، يا إلهي! ما هذا الذي أسمعه؟ ناداها فارس عدة مرات لتنظر إليه بتشتت. وأخذت هاتفها وأسرعت خارجة من الغرفة. لحق بها فارس وحاول التحدث معها ولكنها لم تستمع لحرف واحد مما يقوله وكأنها لا تسمعه. واتجهت ناحية منزل والديها ووقفت تطرق على الباب بقوة. فما إن فتحت والدتها الباب ارتمت ليال في داخل أحضانها وهي تبكي وتشهق ألماً. بينما وقف هو ينظر إليها بوهن ووالدتها تحاول مواساتها. ثم أدخلتها وأغلقت الباب. لينسحب فارس عائداً لمنزله.
بعدما ذهبت لمنزل والديها وجلست تسرد لوالدتها ما حدث وما أخبرها به فارس. لتسألها والدتها:
"هل تصدقين تلك الفتاة وتكذّبين زوجك؟ فشخص مثل فارس كان سبباً في إنقاذ سمعتك من قبل حتى لا تلطخ في الوحل. أظن أنه لن يعرف الخيانة."
ردت عليها على الفور قائلة:
"لقد شعرت بالصدمة وأنا أستمع إليه. فكيف يريد مني تقبل أنه نام في فراش امرأة أخرى؟ حتى لو لم يحدث شيء بينهما. فلم أعي لنفسي إلا وأنا هنا."
أنبتها والدتها كثيراً في رد فعلها وقالت دفاعاً:
"تقولين أنك تعرفين فارس جيداً، فكيف استطعتِ أن تشكي فيه وتكذّبي كل ما أخبرك به؟ تقولين أنه سألك من قبل كيف لشخص أن ينسى أمراً هاماً قد يغير حياته؟ أليس ذلك يثبت لكِ صحة حديثه؟"
صدح صوت بكائها الغرفة وهي تهز رأسها بالإيجاب تأكيداً على كل حرف نطقت به والدتها. فتركتها والدتها بمفردها لتفكر وتتوصل لحل يريحها. فلقد أرشدتها للصواب وأظهرت أمامها صحة ما أخبرها به زوجها. فما جعل ابنتها تترك منزلها صدمتها مما أخبرها به فارس ورسالة تلك الفتاة التي ظلت تتردد بداخل عقلها. بينما وقفت ليال وذهبت للمرحاض. فتوضأت وقفت بين يدي ربها تصلي وتدعوه أن يريح قلبها. فما إن انتهت من الصلاة شعرت بالراحة. فجلست على سجادة الصلاة وأمسكت بهاتفها وهي تعيد قراءة تلك الرسالة عدة مرات قبل أن تحذفها نهائياً من الهاتف. وبحثت عن رقمه وظلت تنظر إليه مطولاً. ثم اتخذت قرارها وضغطت على زر الاتصال ليجيبها سريعاً وهو يقول بذهول عارم:
"ليال، هل هذه أنتِ؟ أرجوكي أجيبـي وطمئنيني عليكي. فأنا أعلم منذ مدة بأن هذا الرقم عائد لكِ."
لم يستطع كبح ابتسامته وهو يستمع لصوت تنفسها المرتفع، بينما يستعيد تلك الذكريات الجميلة. فلقد كانت تتصل به لتستمع لصوته فقط وتطمئن عليه دون أن تتفوه بحرف واحد. وعندما بحث عن من صاحب الرقم وجد أنه لها. لا يعلم لماذا لم يتضايق منها. أرادها أن تتحدث ولو لمرة وتخبره أنها ليال. ولكنها لم تفعل. حتى بعد أن أصبحت زوجته لم تتطرف للحديث في الأمر وإخباره. قطع تفكيره هذا صوت شهقاتها. فقال بصوت مختنق:
"ليال، لا بأس. لا تبكي، أرجوكي."
كانت ضائعة بشرودها العاطفي قبل أن تقول بحب جارف:
"أعتذر منك. لقد تسرعت في حكمي عليك ولم أفكر جيداً وأربط الأحداث ببعضها. ولكنني صدمت ما إن استمعت لحديثك. فلم أنتبه لتصرفي إلا بعدما جلست مع نفسي وفكرت وتوصلت لأنك لا يمكنك فعل شيء حرام."
صدرت من فارس ضحكة منطلقة وقد شعر بالانتشاء. فقال بلهفة:
"اخرجي للشرفة. أريد رؤيتك وأنتِ تتحدثين معي على الهاتف."
نكست رأسها ثم قالت بصوت مجهد:
"لا أستطيع مواجهتك الآن بعد أن شككت بك."
أسدل فارس جفنيه وزفر نفساً عميقاً كأنه يحث نفسه على البوح وإفراغ ما يكتمه في قلبه. فأراد أن يخبرها بأنه وجد راحته معها. شعر أنه تائه ومشتت لا يعرف كيف يشرح ما بداخله. فقرر أن يبقى صامتاً. بينما ازدردت ليال ريقها الجاف وأخرجت نفساً مشتعلاً وتحركت تخطو ناحية الشرفة. وقفت تنظر إليه. فما تمنته في يوم قد صار ملكاً لها. وما تمنته في يوم يحدث الآن. فقالت بهمس وهي شاردة الذهن:
"يا قمر بعيد المنال، صبراً فليس عند الله محال."
مر شبح ابتسامة على شفتيه وهو يسألها قائلاً:
"هل يمكنني أن أعرف مقصدك من هذه الكلمات؟"
سكنت ليال مصدومة. ثم قالت بخفوت بطيء وقد جف حلقها:
"أقصد بأنك لطالما كنت لي قمراً عالياً صعب الوصول إليك. ولكن شاء القدر أن يجمعنا دون رغبة منك."
همهم فارس مفكراً بإستمتاع. ثم انفرجت زاوية ثغره بابتسامة ماكرة. بينما أسدلت ليال أهدابها بتوتر وهي تعض على شفتاها بإحراج.
رواية ذلك هو قدري الفصل العشرون 20 - بقلم موني عادل
كانت مازالت ليال واقفة في الشرفة المقابلة للشرفة الواقف بها فارس يتحدثون عبر الهاتف والسعادة تملئ قلب كلا منهما وهما يرون بعضهما وكأنهم في نفس المنزل فمنزل عائلتها مجاور لمنزل فارس.
"سانهي المكالمة واحضر للمنزل." قالت ليال بنبرة سعيده.
تحفزت ملامح فارس وقال ببطء: "اريدك ان تبقي بمنزل عائلتك لعدة ايام فقط وسأتي انا واعيدك للمنزل."
ابتلعت غصة مسننه في حلقها لتدمدم بإختناق: "لما؟ هل مازلت غاضبا مني بسبب ردة فعلي؟"
همس بصوت خافت جعل قلبها ينتفض بقوه: "لا لست غاضبا لنعتبر أنكي في زيارة قصيرة لمنزل عائلتك."
ما ان استمعت إليه غمغمت بإقتضاب قائله: "حسنا."
كان صدر فارس ينتفض بعنف فهو يعلم بأنها غاضبة منه لانه يرفض عودتها للمنزل ولكنه يريد اغلاق كل الصفحات القديمة قبل ان تعود مجددا لمنزله ويبدا معها حياة جديدة.
"لقد تأخر الوقت ادخلي لتنامي تصبحين علي خير." قال فارس.
تضايقت ملامح ليال وتحدثت بصوت خافت وهي تهز راسها الايجاب قائله: "حسنا تصبح علي خير."
***
جلس فارس علي فراشه وهو يفكر فيما يريد فعله غدا. فعليه ان يضع حدا لزينه حتي لا تشهر به وتفعل شيئا يصغر منه امام عائلته والجمع. فقرر انه سيسبقها بخطوة. فما فعلته زينه يثبت له بانها لن تستسلم الا بعد ان تحصل علي ما تريده وتتسبب له في فضيحة. فاخذ يفكر كيف احبها فهي تشبه غادة لدرجه كبيرة في طباعها وحقدها. هل كان اعمي لتلك الدرجة حتي لا ينتبه لذلك الشبه؟ لا يمكنه الان ان يلوم علي معتز فمرأة الحب عمياء. فلقد كان سيقع في فخ زينه ولكن الله وقف بجانبه واظهر الحق. تسطح علي الفراش واغمض عينيه لعل النوم يزوره الليلة فهو لم يذق طعما للنوم الليلة الماضية بسبب انشغال عقله بالتفكير فيما اوهمته به زينه.
***
في صباح يوم جديد استيقظ معتز بتكاسل ينظر حوله للغرفة وهو يعافر ليجلس بمفرده. فنجح في ذلك وجلس نصف جلسة علي الفراش وصوت تنفسه مرتفع من المجهود الذي بذله ليتمكن من الجلوس. فظل يهدي انفاسه حتي يتمكن من تنفيذ الاصعب. فمنذ عدة ايام وهو يحاول فمرة ينجح ومرات اخري لا. فما ان شعر بالراحة حاول انزال قدميه عن الفراش ثم استند علي طرفه وحاول الوقوف فلم يستطيع فعلها. حاول مجددا وكله عزيمة الي ان تمكن من فعلها. ارتسمت ابتسامة فخر علي وجهه ولكن سرعان ما تلاشت فما هو قادم هو الاصعب. رفع ذراعه المستند بها علي الفراش ليقف في وضع مستقيم. تذكر اول مرة قد وصل فيها لتلك المرحلة عندما قرر ان يساعد نفسه بنفسه ويفعل ما يطلبه منه الطبيب ولكن قدمه قد خانته ولم تستطع تحمل وزنه فوقع علي طرف الفراش وقد انهارت احلامه واماله كلها في ذلك الوقت. ولكنه لم ييأس وحاول مجددا حتي تمكن من الوقوف بمفرده الان دون ان يستند علي شئ. فظل لاقل من الدقيقة بقليل وما ان شعر بنفسه سيختل توازنه ويقع استند علي الطاولة الموضوعه بجانب الفراش وهو يمد قدمه باول خطوة له ليتمكن منها وقد ازداد فخرا وفرحا. فاستند علي الحائط القريب منه واخذ يخطؤ خطوة بعد الاخري وقد علا صوت تنفسه واصبح مرتفعا جدا فهو يبذل مجهودا لم يعهده منذ فتره وقد ظهر الاجهاد والتعب علي ملامحه ولكنه قرر ان يكمل حتي يتمكن من الحركة بشكل طبيعي وانه لن يخبر احدا من عائلته حتي يتمكن من الوقوف بمفرده والمشئ دون ان يستند علي شئ. نظر لاركان الغرفة وهو يتمني ان يأتي اليوم الذي سيخرج منها للشارع الحي ويتابع حياته بشكل طبيعي مثله مثل اي شخص لديه دافع للحياة ودافعه كان اخواته. وهو يفكر ان عليه ان يكتسب حبهم وودهم ولكن ذلك لم يحدث الا بعد ان يعترف بخطأه وذنبه تجاههم وذرف دموع الندم ليسامحوه من داخلهم. فهو اذاهم وفعل لهم الكثير من اجل امراة لم تقدر ما فعله من اجلها وقابلت حبه وتمسكه بها بالخيانه. نزلت دمعة من طرف عينيه فمحاها سريعا ونظر امامه لتقابله صورته في المرآه وكم شعر بالازدراء والشفقة علي نفسه فاخفض بصره ينظر تحت قدميه ثم قرر ان يتحرك ويذهب للمكتب الموضوع في زاوية الغرفة. استند علي جدران الغرفة كانت ستخونه قدمه لاكثر من مره ولكنه تمكن من الوصول للمكتب فجلس عليه وحاول امساك القلم بين انامله كما اخبره الطبيب ففعلها ولكنه لم يستطع ان يخطؤ به اي شئ فما زالت اعصاب يده ضعيفه وتحتاج للمزيد من التمارين ولكنه دعي وشكر الله في داخله وهو يري شفائه قريب.
***
بينما استيقظ فارس هو الاخر فذهب بإتجاه غرفة والدته بعد ان اغتسل وبدل ثيابه. فوقف يطرق علي الباب وما ان استمع لصوتها يأذن له بالدخول فتح الباب ودخل واتجه اليها ليجدها جالسه علي الفراش. فمال يلثم كفها وهو يلقي عليها تحية الصباح لتجيبه والدته.
"ما بك اخبرني بما تخفيه عني." قالت والدته بملامح بشوشة.
اتسعت عينا فارس وهو يناظرها فقال بتوجس: "كيف عرفتي بأنني اخفي شيئا؟"
قوست والدته حاجبيها وهي تقول: "انتم ابنائي قطعة من قلبي فانا اشعر بكل ما يحدث معكم واعلم من نظرة عينيك بان هناك شئ يشغل تفكيرك."
أوما فارس بهدوء لوالدته وبدأ في سرد ما حدث معه منذ ان بدا العمل في منزل زينه حتي تلك اللحظة.
شهقت والدته عدة شهقات من هول الصدمة وهي تستمع اليه فلم تتخيل بان هناك فتاة قد تتجرأ وتعمل مثل تلك الافعال لتحصل علي رجل. فما ان انتهي من حديثه حتي انفلتت شتيمة خفيفة من شفتي والدته وقالت بأعصاب فائره: "حسبي الله ونعم الوكيل في تلك الفتاة التي لا تملك من الكرامة والحياء شيئا. اذهب واحضر زوجتك قبل ذهابك للعمل فبما سأجيب اخواتك عندما يسألوني عن ذهابها لمنزل عائلتها في الليل."
لعق فارس شفتيه وهو يتنهد ببؤس وإرهاق ومواقف كثيره واصوات اكثر تتداخل براسه. فعليه اولا ابعاد زينه عن حياته ثم احضار ليال وبدا حياة جديده معها.
"سأحضرها ولكن ليس الان عليا ان اتخذ موقفا ضد تلك الفتاة حتي لا تشهر بي وتتسبب في فضيحة فلقد هددتني بأنها ستخبر الجميع بانني اغتصبتها وسيكون سهلا علي الناس تصديقها لان هناك من راني وانا اتردد علي منزلهم واعمل به." قال فارس بعد ان انتشلته والدته من دوامات الشرود.
قالت والدته بصوت حزين لابنها المهموم: "كم يؤلمني صدري علي كل ما تمر به فأنا اشعر بقلبي يتمزق من اجلك. ادعوا الله ان ينصرك علي تلك الفتاة وتصل لشئ يساعدك قبل ان تنفذ تلك اللئيمة ما تخطط له."
اغلق فارس عينيه بالم ثم مال يلثم كف والدته مجددا وهو يقول بصوت معذب: "دعواتك يا امي."
قالت والدته وهي تربط فوق ظهر ابنها: "ادعوا لك في كل وقت وحين فلتكن دعواتي من نصيبك والحمد لله علي صبرك وابتلائك."
وقف من مكانه وهو يخبر والدته بانه سيذهب للعمل حتي لا يتأخر فأومأت له ليغادر المكان واخرج هاتفه يرسل لمن كانت رفيقة احلامه طوال الليل رسالة نصيه فهو يعلم بانها تضايقت لانه رفض عودتها ولكن لتنتظر قليلا بعد. فاوقف سيارة اجره واستقلها وهو يعلم السائق عن وجهته.
***
تأخرت مي علي العمل فحاولت ملاك ان تجعلها تستيقظ. استيقظت مي من النوم بشفتين بيضاوين متشققة بسبب ارتفاع درجة حرارتها. فرفعت بصره تنظر لملاك وهي تقول بتكاسل: "اتركيني."
هزت ملاك وجهها لها بتفهم قبل ان تغمغم بصوت عميق: "لقد تاخرت علي العمل."
ابتلعت مي ريقها بصعوبه ثم قالت: "لن اذهب اليوم اشعر بانني مريضه."
رفعت ملاك كفها تضعها علي جبين مي تتحسسه فشعرت بإرتفاع حرارتها. فانسحبت من الغرفة واتجهت للمطبخ واحضرت لها طعاما صحيا ثم ذهبت اليها مجددا وجلست بجوارها وهي تطلب منها ان تتناول طعامها وتأخذ دواء ومن ثم ستشعر بالتحسن. رفضت مي تناول الطعام فليس لديها شهية له ولكن مع اصرار ملاك وافقت وتناولت القليل منه ثم اخذث ادويتها. وظلت ملاك تتبادل الحديث مع مي وتسألها عن الشخص الذي اخبرتهم عنه بالامس وانه يريد التقدم لخطبيتها لتخبرها مي كل شئ عن سليم ومتي قابلته لاول مرة ورده فعلها علي ما حدث وقتها. تفهمت ملاك كل ما تفوهت به اختها ولكنها عارضتها في بعض الاشياء التي سردتها لها. م انسحبت ملاك مغادرة للغرفه تاركه مي لتستريح. بينما جلست مي علي سريرها وهي بالكاد تمنع ابتسامة من ان تشق ثغرها فسليم يثير بداخلها مشاعر جميلة كلما تذكرته. فأمسكت هاتفها وقررت ان تتصل به وتخبره بانها لن تأتي للعمل اليوم.
***
في منتصف اليوم كان فارس منشغل في عمله يعمل بكل تركيز واهتمام ليستمع لرنين هاتفه. ترك ما بيده واخرجه من جيب بنطاله ونظر اليه لتتسع عيناه ثم سرعان ما اغلق الهاتف في وجهها وهو يفكر بان عليه ان يذهب ويستأذن من صاحب الورشه ليغادر اليوم مبكرا.
بينما كانت زينه تذرع الغرفة ذهابا وايابا وهي ترتجف من الغضب وقد تضرجت حمرة الاهانة بوجهها. فوجدت نفسها تمسك الهاتف وتعيد الاتصال به مجددا وما ان اجابها حتي انفعلت عليه هاتفه: "هل جننت الا تخشئ ان اخبر عائلتي والجميع بما فعلته معي انت تختبر صبري."
تذمر فارس بإقتضاب وهو يتحدث بهدوء عكس ما يشعر به. فهي من تسببت في فعل ذلك ولم تترك لديه خيار اخر.
"حسنا لكي ما تريدينه اخبري عائلتك بانني سأتي مساءا لاتعرف عليهم واطلب يدك من والدك." قال فارس.
اتسعت عيناها عندما اغلق الهاتف في وجهها مرة ثانيه فهي لم تستوعب بعد ما نطق به. ارادت التاكد منه فبدات دقات قلبها في الخفقان بسرعة ثم هرعت للخارج حيث والدتها تقول بلهفة ورجاء: "امي هناك شاب سياتي في المساء لطلب يدي ارجوك اخبري والدي انتي واطلبي منه مقابلته ومعاملته بطريقه جيده ارجوكي."
همهمت والدتها للحظات بتفكير اتلف اعصاب الاخري ثم قالت بعنجهيه: "ومن اين لكي بمعرفته."
تنهدت زينه بضجر ثم قالت: "امي ارجوكي اخبري ابي اولا واطلبي منه مقابلة الشاب ثم ساخبرك بكل ما تريدين معرفته."
حدجتها بعينين ناريتين ثم قالت: "حسنا ساخبره."
فانسحبت زينه لغرفتها بسعادة لتجهز نفسها وتستعد لتكون بإنتظاره. ففي المساء سيكون فارس في منزلهم يطلب يدها لتكون زوجته وملكا له. شعرت بالزهو من نفسها وان مخططها قد اتي بمنفعة لها وقلق من تهديداتها.
***
وصل فارس لمنزل عائلة زينه في الميعاد المتفق عليه. وقف يطرق علي الباب ففتحت له زينه ما ان استمعت لصوت الطرق. ففغرت شفتيها وهي تحدق به. فلم تكن ملابسه تناسب مناسبة كهذه ولكنها تغاضت عن الامر وظلت واقفة في طريقه وقد شردت تنظر اليه عن كثب ليشير اليها بالابتعاد فأجبرت نفسها ان تبتعد من طريقه وهي تسمح له بالدخول.
جلس فارس وهو ينتظر دخول والدها وقد فارت الدماء من وجهه. فطبق علي اسنانه من كثرة الغيظ. فدخل والدها عليه المجلس ورحب به واشار اليه ليجلس. نظر فارس اليه بدون تعبير واضح عليه يسدد نظره اليه ثم اردف بنيرة متهكمة بحدة راسخه: "اريد اخبارك بشئ ولا اعرف كيف سيكون تقبلك له وهل ستفهمني وتصدقني ام لا."
طالعه والد زينه بملامح متجهمة وهو لا يفهم شيئا من حديثه المبهم وقد شعر بانه علي وشك قول شئ خطير.
"تفضل قل ما لديك فأنا اسمعك." قال والد زينه بصوت مبحوح.
اخبره فارس عما تفعله زينه معه وابتزازها له وانها ستتسبب له في فضيحة وتخبر الحمد بانه اغتصبها لو لم يتزوجها واخبره ايضا عن ارسالها للرسايل النصية له وانها تسببت في صنع مشكلة كبيرة بينه وبين زوجته. اخبره كل شي فعلته زينه ما عدا مخططها القذر وقصة المخدر الذي وضعته في مشروبه فهو لا يريد ان يري الانكسار في عين والدها. يكفي بان يعرف ما تفعله ابنته معه وان يمنعها باي طريقه او لو تسببت في فضيحة له من اي نوع يون لدي والدها علم مسبقا وانه برئ ولم يقترب منها.
ما ان اخبره فارس عما تفعله ابنته وانه هنا ليشكو له منها وان يبعدها عنه وليس لطلب يدها كما تزعم هي ووالدتها فشعر والد زينه بالامتهان والذل وانه محطم وكرامته متعرية امامه وانه يتقطع اربا اربا من داخله.
"كيف تتجرأ وتتحدث معي بتلك الطريقة عن ابنتي اخرج من منزلي في الحال فأبنتي اشرف من الشرف وانا ساعرف كيف اخذ حقها منك جرأ تشويه سمعتها والتحدث عنها بتلك الطريقة المشينه." قال والد زينه بغضب ليداري فضيحته امام فارس.