تحميل رواية «ذلك هو قدري» PDF
بقلم موني عادل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تجلس وحيدة متألمة من فراق والدها الذي تركها لتعيش حياة قاسية. تناجي الله وتدعوه أن يلهمها الصبر على فراقه. فزعت عندما وجدت من يفتح الباب دون استئذان. دخلت زوجة أخيها كأنها عاصفة حلت على المكان. وقفت متخصرة تناظرها وتتحداها أن تعترض على طريقة دخولها. تنهدت ملاك وأشاحت ببصرها بعيدًا عنها، ثم تحدثت: "ألا تعرفين كيف تطرقين على الباب قبل الدخول؟ أليس لديك أدنى احترام لخصوصية غيرك؟" تحدثت غادة بنبرة مستهزئة: "المنزل منزلي، فلماذا قد أستأذن قبل الدخول؟ فأنتم تعيشون وتأكلون من خير زوجي." ابتلعت ملاك طعا...
رواية ذلك هو قدري الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم موني عادل
كانت زينه تغمر وجهها بكلتا يديها وتبكي بحرارة، فلم تكن تتوقع ما فعله فارس معها. فما أن ذهب فارس حتى اقتحم والدها غرفتها وأمسكها من خصلاتها بقوة كادت أن تقتلعها بين أنامله، وهو يوبخها ويوجه إليها الكثير من الصفعات القوية لتشعر بوجنتيها تتشقق من قوة صفعاته. فلقد كان غاضبا بشدة لا يعرف ماذا يفعل بها لينفس عن غضبه، أراد قتلها فموقفه صعب، كانت دماءه تفور وهو يستمع لحديث الشاب، ولكنه تبجح وأخطأ فيه ليداري موقفه وكبريائه الذي قد صار بالأرض بسبب ابنته التي دعست عليه بقدميها، ولم يعنيها كرامة والدها ولا هيبته أمام الناس والمجتمع لتطلب من شاب الزواج منها بل تهدده، وكأنها فتاة ناقصة فارغة العين لم تري في حياتها تربية. بعدما انتهى منها أخذ منها الهاتف والحاسوب وأخرج أي شيء من الغرفة قد يساعدها على التواصل مع أي أحد خارج حدود تلك الغرفة، ثم أغلق الباب بالمفتاح ووضعه في جيبه، ووقف يهدد زوجته ويوبخها على ما وصلت إليه ابنته، وأين كانت هي أمها والرقيب عليها. فأخبرها وهو يغادر البيت إن اقتربت من باب الغرفة أو حاولت أن تفتحه لها سترى منه ما لم تراه يوما، ولن تسمى له زوجة بعدها. وصل فارس للحي فوقف واتجه ناحية منزله، ولكنه وقف فجأة والتفت ينظر ناحية منزل عائلتها وهمس: (( لقد حان الوقت المناسب لبداية حياتي واقتناص الفرص التي يمن علي بها الله لعله يتحسن قدري وأحظى ببعض من السعادة والراحة. )) تحرك عدة خطوات ناحية منزل عائلتها ووقف يطرق على الباب، ليفتح له والد ليال وهو يرحب به ويدعوه للدخول. دخل فارس للمنزل وجلس يحاول أن يبدو مرتاحا، فهو يمر بضغط عصبي ونفسي تلك الفترة لما عاشه من مواقف سيئة، فقال بتلعثم مبررا: (( عمي لقد أتيت لأخذ ليال، فلقد كان هناك سوء تفاهم بيننا وتم حله، ذلك طبعا بعد موافقتك. )) تحدث والدها برزانة وهدوء قائلا: (( لن أسألك عن ما حدث بينكما، فما بينكما أريده أن يظل بينكما ولا يعلم أحد بشأن مشاكلكم معا، ولكني أريد منك أن تعدني بأنك لن تحزنها وتتركها تآتي إلينا مجددا على تلك الهيئة التي رأيتها عليها. )) أغمض عينيه وقال بإنهاك: (( أعتذر عن مجيئها إليك بتلك الهيئة، وأعدك بأنها لن تتكرر مجددا. )) تجولت أنظاره في المكان يبحث عنها ليجدها تقترب منهم، ليخبرها والدها أن تحضر نفسها وتذهب مع زوجها لمنزلهم. أومأت له بطاعة ووقفت من مكانها لتبدل ثيابها وتذهب معه. أخذها فارس وعاد لمنزلهم، فما أن دخل للمنزل طلب منها أن تدخل لغرفتهم وهو يخبرها بأنه سيذهب ويرى والدته أولا، وافقته واتجهت نحو الغرفة بينما هو ذهب ناحية غرفة والدته، ووقف يطرق على الباب ثم دخل وجلس بجوارها يطمئنها ويسرد لها ما حدث معه اليوم، وأنه ذهب لمنزل زينه وكيف كان تصرف والدها، ثم أنهى حديثه وهو يخبرها بأنه أحضر ليال معه للمنزل وأنها الآن في غرفتهم. فرحت والدته وطلبت منه أن يذهب لغرفته وينعم بالراحة بعد يوم شيق ومتعب، فوقف فارس وهو يتمنى لها ليلة سعيدة وخرج مغادرا لغرفة والدته متجها ناحية غرفته. وقفت في غرفتها واتجهت لخزانة الملابس فأخرجت منها قميصا قصيرا لترتديه، أنهت تجهيز نفسها لتشعر بالتوتر يجتاحها، فبدأت تدور في الغرفة بدون هدف وهي تفرك يديها بتوتر بانتظاره، تضرجت حمرة الخجل في وجنتيها. ما أن فتح الباب ودخل ثم أغلق الباب خلفه جيدا وأدار المفتاح به عدة دورات، ثم التفت ينظر إليها وأخذ يقترب منها بخطوات بطيئة، فما أن وقف أمامها مال ليغمر شفتيها بقبلة شغوفة، فرفعت ذراعيها وتعلقت بعنقه وهي تحاول أن تجاريه في قبلته. ابتعد عنها قليلا وترك شفتيها وقال بثبات وكبرياء: (( هل اشتقتي لي؟ )) خجلت ليال وتململت بين ذراعيه تحاول الابتعاد عنه، ولكنه لم يسمح لها بذلك، يشعر برغبة ملحة في الاقتراب منها فهو يشتاق إليها، فعاد يقبلها من جديد. رفعت كفيها تضعهما على صدره لتدفعه عنها برفق وهي تسأله: (( ما الذي حدث مع تلك الفتاة جعلك تأتي وتأخذني اليوم؟ فبالأمس أخبرتني أن أبقى بمنزل عائلتي لعدة أيام، هل انتهى الأمر أم ماذا؟ )) ازدرع ريقه قبل أن يقول بحنو وعاطفة: (( لقد انتهى الأمر، فلا تشغلي بالك به وكوني مطمئنة، فأنا لن أسمح لأي امرأة أن تقترب مني ولا أن تستحوذ على عقلي وقلبي غيرك. )) أردفت ليال وهي تنظر بداخل عينيه قائلة بإصرار وعناد: (( هل ذلك اعتراف منك بحبك لي؟ )) صمت فارس مطولا فهو لا يريد البوح بما في قلبه لربما كان مخطئا، فقالت ليال بغضب حارق: (( لا أصدق بأنني فتاة بلهاء تخيلت للحظة بأنك ربما تكون تغيرت وشعرت بأي شيء تجاهي، لم يكن علي أن أشعر بالأمان العاطفي معك أبدا. )) كانت تهم بالابتعاد عنه فأمسك بيدها يجتذبها لصدره معانقا إياها بقوة رغم تعنتها ورفضها في البداية، فدفنت ليال وجهها في صدره تبكي وتشتكي له منه، خفتت شهقاتها إلا من نشيج خافت لتستمع إليه وهو يهمس بخفوت قائلا: (( أعيش معكِ أحاسيس لم أتعرف عليها قبلًا، أشتاق إليكِ عندما تكونين بعيدة عني فلا أستطيع النوم، أريدك بداخل أحضاني، تستحوذين على عقلي وتتحكمين في تفكيري، أريد قضاء حياتي معك، أنتِ ولا أريد زوجة غيرك، أشعر بجوارك بأنني أملك كنزًا ثمينًا، فإن كنتِ تسمين هذا حبًا فنعم أنا أحبك. )) كانت تستمع إليه بعينين جاحظتين كادت أن تخرج من محجريهما وهي لا تصدق اعترافه، لتجد نفسها تستسلم إليه كليا جراء ما تفوه به، وبادرت هي بتقبيله لتحجب عنها خجلها وتنعم بدفء أحضانه. عاد والدها بعد ساعتين من مغادرته للمنزل فدب أرضية المنزل بعنف متجها ناحية غرفتها، وأخرج مفتاح الغرفة ووضعه في الباب وأداره ففتح الباب، ووقف يطالعها وهي متسطحة على الفراش متكورة على نفسها ومازالت آثار دموعها تملأ وجنتيها. رماها بنظرة غاضبة تحمل في طياتها الكثير من الازدراء والحقد، ثم صدح صوته عاليا يقول بتأكيد: (( غدا عقد عقرانك على محسن ابن عمتك. )) انهارت ملامحها وهي تستقيم واقفة وصمتت للحظات تستوعب ما نطق به والدها، وهي تفكر لماذا بنت عمتها الذي لا يفكر بشيء إلا بشهوته الهائجة التي لا يمكن كبحها، فهو لا يرى فيها إلا جسدا جميلا يريدها فقط من أجل ذلك، فأقتربت من والدها وتحدثت برجاء من بين دموعها: (( أرجوك لا تفعلها، سأفعل أي شيء قد يكفر عن خطئي ولكن لا تعاقبني بتلك الطريقة، لا ترميني لابن أختك فأنت تعلمه أكثر مني فأنا لست موافقة. )) اختلجت شفتاه ووجد الكلمات تنساب منه بحنق قائلا: (( ربما هو من يمكنه فعل ما لم أستطع فعله ويعيد تربيتك من جديد، فأنا اعترف بأنني فشلت في تربيتك يا حسرتي عليكِ، لقد أوشكتِ على جلب العار لي، لقد سألت على الشاب وعرفت بأنه شاب محترم معروف عنه في شارعه أنه شهم وصاحب نخوة، لقد استشعرت الصدق في حديثه ونظرة عينيه، لقد بدا محرجا مني، لم فعلتيه أنتِ؟ لقد كسرتِ ظهري، طالما كنتِ شوكة في ظهري، كم تمنيت أن يكون لدي صبي بدلا منكِ ولكنني حمدت الله وشكرته لأنه لم يحرمني ورضاني بكِ فأسميتك زينة لتكوني زينة لحياتي وتنوري أيامي، وياليتني لم أفعل ولم أعطيكِ الحرية الكافية، لقد جعلتني أندم على كل لحظة تركتكِ تتصرفين فيها على راحتك. )) استدار ليغادر فأسرعت إليه وأمسكت بكفه وركعت أمامه تعتذر منه وتحاول أن تثنيه عن قراره، ولكنه قرر وأخبر بنت أخته بموافقته، فلطالما طلب منه أن يزوجه زينة فكان رده دائما بالرفض القاطع رغبة وإرضاء لها، فتحدث يقول باستياء وهو ينزع كفه منها: (( لست هنا لأخذ رأيك بل لأخبرك فقط من باب المعرفة ليس إلا، وحتى يتم ذلك الزواج ستظلين حبيسة في غرفتك. )) ثم التفت مغادرا وأغلق الباب خلفه بالمفتاح ثم دسه في جيبه، قاطعت زوجته طريقه إلى غرفته واردت الاعتراض على حديثه مع ابنته فلقد استمعت إليه كليا، ولكنه لم يسمح لها وهو يدفعها بعيدا عن طريقه ويقول من بين أسنانه: (( لا أريد أن أستمع لصوتك، فما لديكِ احتفظي به لنفسك. )) استمعوا لصوت بكائها وتهشيم مرآتها، بكت والدتها حزنا على ما يحدث مع ابنتها، ولكن والدها لم يتأثر ببكاء ابنته أو ما قد تفعله لتؤثر عليه وتثنيه عن قراره. في الصباح استيقظ فارس على صوت الجلبة في الخارج، فنظر بجواره ليجد مكانها فارغا منها، حل ببصره في الغرفة فلم يجدها، فاستقام واقفا واتجه للمرحاض ليغتسل ويبدل ثيابه. بعدما انتهى خرج من الغرفة ليجد كل ما في المنزل مقلوبا رأسها على عقب، ووالدته جالسة تستريح على مقعد تجفف حبات العرق النابضة على جبينها، وباقي أخواته كل منهم منشغل في تنظيف شيء. فأخذ يخطو ناحية والدته ومال يطبع قبلة على رأسها وهو يلقي عليها التحية، ثم نظر حوله وسألها وهو يجثي أمامها: (( لما كل هذا؟ )) أخذت والدته نفسا مطولا ثم قالت بخفوت: (( ننظف المنزل من أجل الغد، أنسيت بأن الغد هو عقد قران ملاك؟ )) أردف بسرعة قائلا: (( لا بالطبع لم أنسَ. )) ثم صمت وهو يحول في المنزل يبحث عنها فلم يجدها فقال متسائلا: (( أين ليال؟ فأنا لا أراها. )) أجابته والدته بهدوء قائلة: (( في المطبخ تعد الإفطار. )) أومأ لها ثم وقف من مكانه متجها للمطبخ، وقف ينظر إليها وهي تعد الطعام فاقترب منها بخفة حتى لا تشعر به، ولف ذراعيه حولها يحتضنها. فزعت ليال وانتفض جسدها فأطلقت صرخة، فرفع كفه ووضعها على فمها وهو يهمس لها: (( لم أتخيل بأنك قد تفزعين لتلك الدرجة. )) ثم أدارها إليه ونظر بداخل عينيها ومال يخطف منها قبلة سريعة، وهو يخبرها بأنه سيذهب للعمل وربما يتأخر في العودة. أومأت له ورفعت بصرها عنه لتجد ملاك تدخل المطبخ مسرعة لتقف في مكانها محرجة وهي تقول بتلعثم: (( أعتذر، لم أعرف بأنك هنا. )) ابتعد فارس عن ليال والتفت معطيا لها ظهره وعلى وجهه ابتسامة واسعة، وأخذ يخطو لخارج المطبخ لتبادله الابتسامة، فتجاوزها وهو يغمز لها بإحدى عينيه. كان مالك يحاول انتقاء حلية له ليرتديها في عقد قرانه، فليس لديه وقت للذهاب والاقتناء بنفسه، فطلب من والده أن يساعده ويذهب ليتسوق من أجله ويجلب إليه حليته، فوافق والده من أجله وجلب إليه حليتين ليختار من بينهما. نظرت إليه والدته بحنق وهي ترى سعادته وهو يحاول الاختيار بينهما، فقلبت عينيها وزفرت أنفاسها بضيق ثم قالت: (( لما تلك الحيرة؟ الاثنين أجمل من بعضهما، فاختار أية واحدة منهما، فأنت ذاهب لحي شعبي لا لفندق سبعة نجوم. )) لم يعقب على كلامها وأمرها بهدوء فقط أن تساعده في الاختيار، فنظرت إليه بجفاء دون أي تعبير على وجهها ثم وقفت مغادرة وكأنها لم تستمع لحديثه، فربط والده على ركبته وهو يبتسم إليه، فزفر مالك أنفاسه بإرتباك وهو يغمغم بينه وبين نفسه بأن والدته لن ترضى مطلقا عن زواجه من ملاك وستفعل أي شيء لتفرق بينهما. فما أن دخلت والدته لغرفتها جلست وأمسكت هاتفها وأخذت تجري بعض المكالمات، وهي تقسم بأنها لن تترك هؤلاء الناس يأخذون ابنها منها وتحظى تلك الفتاة رد السجون بالنعيم، بعد أن عاشت حياتها كلها في تقشف فعلي ابنها أن يفقد شيئًا لتنقذه، وقد قررت وما بقي غير أن تنفذ فقط. وقفت تنظر للمنزل من حولها تتذكر حديثه لها الذي ما زال يتردد في عقلها، فما أن انتهى المأذون وانصرف الجميع بعد كتب الكتاب مباشرة اقترب منها وأخبرها بأنه لا يريد رؤيتها ولو صدفة، فلتبتعد عنه قدر الإمكان، فما فعله فعله فقط من أجل إنقاذها من شر نفسها أولا ثم هيئته وهيبته أمام الجميع، فهي لم تعد تعنيه فشيء. طوال الطريق حافظت زينه على الصمت وهي تشاهد الطريق من زجاج نافذة السيارة، وآثار دموعها ما زالت على وجنتيها مختلطة بزينة عينيها لتشكل هالة من السواد أسفل جفنيها، شعرت بتعرق جسدها رغم برودة الجو وتسرب لها الخوف والقلق مما هو آتي. التفتت برأسها تنظر جانب وجهه وهي تتذكر حديث والدها، فلقد كان قاسي القلب معها، أخبرها بأنه لا يريد رؤيتها مجددا ولو صدفة وأنه زواجها وأنقذها من شر نفسها، وأن محسن هو من سيستطيع إعادة تربيتها من جديد، فلقد خذلته وكسرته أمام نفسه. تذكرت كيف بكت واستنجدت به ولكنه لم يتأثر أو يهتم لبكائها، فلقد قسي قلبه عليها، ثم تحرك ناحية محسن من صار زوجها وأمره أن يأخذها ويذهب، لينظرها محسن بابتسامة واسعة وهو يتحرك باتجاهه وكأنه يخبرها بأنها قد صارت ملكه وأنه من انتصر في النهاية، فأمسكها من ذراعها وأخذها وغادر لتنهار أكثر وتتساقط دموعها بغزارة على وجنتيها. لم يكلف نفسه عناء سؤالها عن ما يبكيها أو يطيب بخاطرها ويحاول أن يريحها ولو ببضعة كلمات، ظنا منها أنها قد تكون حزينة على فراق عائلتها، ولكنه لم يفعل فهي تعرف محسن جيدا وتعرف ما ينتظرها معه. عندما وجدته يضيق عينيه وهو ينظر إليها بنظرة لم تفهمها التفتت تنظر من النافذة مجددا، وهي تفكر هل يعرف شيئا مما اقترفته.
هل أخبره والدها؟ لا، بالطبع والدها لن يفعلها ويفشي سرها لأي أحد حتى ولو كان ابن أخته الذي صار زوجاً لابنته. نفضت تلك الأسئلة عنها وهي تتخيل فارس وتتجسد أمامها صورته فسقطت دمعات عديدة شوشت الرؤية أمامها. تضع اللوم عليه فيما يحدث معها منذ أن أخبر والدها، ولكنها لا تستطيع أن تكرهه، أرادته من داخل قلبها. فلما لم يستجيب لها، أين ذهب حبه لها؟ هل تبخر بسهولة هكذا ونسي من أمطرها يوماً بكلمات العشق؟ انتبهت لمن يدفعها في كتفها بقوة وهو يخبرها بأنهم وصلوا لعش الزوجية. كانت تطالعه كالبلهاء وهي تستوعب أخيراً بأنه أوقف السيارة. فزفز أنفاسه بغضب ورفع كفه يفتح أول زرارين من قميصه ثم ترجل من السيارة وهو ينتظر منها أن تفعل المثل. ولكنها ظلت مكانها تنظر إليه بذعر. تجهمت ملامحه وأردف متسائلاً: ((هل ستظلين في السيارة كثيراً؟ انزلي فلقد وصلنا.)) انتظرت منه أن يعينها على الخروج من السيارة والوقوف، ولكنه لم يفعل. فتحاملت على نفسها وترجلت مغادرة للسيارة. شعرت بأن قدميها لا تستطيع حملها وأنها ستقع في الأرض في أية لحظة، ولكنه لم يعطيها الفرصة لتفكير في أي شيء آخر. عندما أمسكها من ذراعها بقوة ضاغطاً عليه يتحرك للأمام وهو يسحبها معه ناحية المبنى. دفعها بداخل المصعد حتى ارتطم جسدها بجانب المصعد وضغط على رقم الطابق. بعد عدة ثواني مرت عليها وكأنها سنوات، أعلن المصعد عن وصوله فأمسكها مرة أخرى وخرج من المصعد. فأخرج مفتاحاً من جيبه وأخذ يفتح باب الشقة ثم دفعها بكل قوته للداخل ليختل توازنها وتقع جاثية على الأرض فتثني قدميها أسفلها. شعرت بأن حاد في قدمها ولكنها تحاملت على نفسها واستندت بكفها على الأرض لتقف. بينما وقف هو يطالعها باحتقار. ثم أخذ نفساً مطولاً وتحدث قائلاً: ((انزعي ملابسك.)) نظرت إليه وهي مأخوذة الأنفاس بتردد، فتحت شفتيها تريد الاعتراض والرد عليه ولكنها لم تنبس ببنت كلمة وظلت واقفة مكانها تستند على الحائط فآلام قدمها تزداد سوءاً. تيقظ بأنها لم تستجيب له فابتسم وهو يقول لها بعتاب: ((خيبتِ ظني، ظننتك ستفعلين ما أطلبه منكِ دون تردد، فعلي الزوجة طاعة زوجها.)) رفعت زينه كفيها لتدلك رأسها عسي أن تخفف من صداع التوتر وقد تجلى عليها ضيق أشد وهي تطالع نظراته إليها. طال يبادلها النظر دون تعبير واضح فتراجع رأسها للخلف مسترسلة: ((محسن، هل يمكننا الجلوس والتحدث معاً بهدوء؟)) ظلت عيناه تمتلئ بتفاصيلها وشعر بخوفها وقلقها فرد عليها بانتشاء: ((لا، أنتِ هنا لتفعلي ما أطلبه منكِ فقط ولا يسمح لكِ بالتحدث دون رغبة مني.)) فغرت شفتيها وقالت غاضبة: ((ماذا؟ لما أحتاج لإذن منك لا تحدث.)) ((لأنكِ لا تستحقين غير ذلك، من تحاول إغواء الرجال واستمالتهم ليس لها الحق في التنفس، ولكن والدك ترافع بحالك وأراد أن يتخلص من عارك فلم يجد أمامه غير أن يزوجكِ مني وأنا لم أخذله ووافقت بعد أن ضغطت عليه وجعلته يخبرني بكل شيء وها أنا قد تزوجت بكِ، ولكن لدي شك بداخلي من أن تكوني عذراء وأريد أن أبرهن ذلك لنفسي.)) أنهى حديثه وهو يخُو ناحيتها بخطوات واسعة وانقض عليها يحتبسها بداخل ذراعيه ويقتنص من شفتيها. حاولت زينه إبعاده ولكنها لم تستطيع تحريكه قيد أنملة فتقبضت يداها بغضب ودموعها تتساقط من جديد وقد شعرت بالاختناق. ابتعد عنها لحاجتها للهواء ثم رفع كفه عالياً وأنزله بصفعة قوية على وجنتها وتهدج صوته هادراً: ((سأحاسبك على كل ما فعلتِه، ستتمنين الموت في كل لحظة ولكن لن أطولنَه.)) قالت بصوت مضطرب حزين: ((لا يحق لكِ محاسبتي على الماضي فأنا لم أحاسبك على ماضيك.)) هتف محسن بغضب واحتدام: ((بلِ يحق لي فماضيكِ هو سبب زواجنا، لقد رفضتوني من قبل أكثر من مرة وعندما أخطأتِ أتى والدك إليه مسرعاً وطلب مني أن أتزوجك وأستر عليكِ.))
صرخت زينة عليه عالياً بجنون وهي تشعر بالظلم قائلة:
((لما تتستر علي أنا لم أخطأ ولم يحدث شيء بيننا فأنا كما خلقت ما زلت عذراء.))
ظل يحدق بها بنفس النظرة ثم أمسكها يجرها خلفه ودفعها لتسقط على الفراش وهو يقول بجدية اكتنفته:
((سيكون عليّ التأكد بنفسي.))
جردها محسن من ملابسها بطريقة قاسية وأخذ يعاملها بأسلوب غير إنساني ينتهك جسدها وكأنه يغتصبها فأغمضت زينة عينيها بحسرة ودموعها البائسة تنساب على وجنتيها الباردتين حتى تمنّت أن تفقد وعيها لتتخلص من هذا الجحيم الذي تعيشه الآن على يدي أبغض الناس لها فلا يبدو له نهاية.
بدأت شمس الربيع الصباحية تنتشر في الغرفة لتدغدغ صفحة وجهه بإحساس دافئ فرمش بعينيه عدة مرات قبل أن يفتح عينيه وهو يشعر بالنشاط والسعادة.
رمق بعينيه ساعة يده التي تجاوزت التاسعة صباحاً فأنزل قدميه عن الفراش واستقام واقفاً ذهب ناحية المرحاض فاغتسل وبدّل ثيابه وتحرّك للأسفل حيث والديه ووجدهما يجلسان حول مائدة الطعام يتناولان فطورهما فألقى عليهما تحية الصباح وجلس هو الأخر يتناول فطوره.
أمسكت والدته هاتفها تتصفحه فعقّبت بصوت مرتجف وهي تشاهد تلك الأخبار التي تتحدث عنه وعن تلك الفتاة التي يريد الزواج منها:
((كنت أشعر بأنك لن تتراجع عن قرارك بسهولة تري ما كتب على مواقع التواصل الاجتماعي وكلها أخبار مؤثّرة من صحف مشهورة.))
انتشل الهاتف منها ينظر إليه ليجد صورته هو وملاك ومكتوب تحتها مقالة بعنوان "فتاة رد سجون توقع مأمور السجن في شباكها ليخرجها من السجن ويتزوجها".
صدم مالك مما يقرأه وكيف لأخبار مثل هذه أن تتسرب بسهولة هكذا ومن قد يفعلها ويساعد في إشهار معلومات خاصة وضع هاتف والدته أمامه ووقف مسرعاً متجهاً ناحية الجرائد الموضوعة على مائدة صغيرة في صالة المنزل وأخذ يتصفحها بأنامل مرتجفة من كثرة غضبه ليجد خبر زواجه يملأ الصحف كيف وصلوا لصورتهما كيف تجرأوا ولقّبوها بفتاة رد السجون كيف؟؟
رفع كفه المرتجف مثل ارتجاف قلبه على صدره يحاول بعفوية السيطرة على نوبة الخفقان الشديدة التي تنتابه وقد تشوّش عقله عن استيعاب سبب نشر أخبار مثل هذه فشل في الحفاظ على رباطة جأشه لبعض من الوقت ولكنه في النهاية استطاع أن يتحكم في نفسه ويهدأ من خفقان قلبه ولكنه لم يستطع أن يتحكم في غضبه فلقد تطاير الشرر من عينيه ثم أمسك هاتفه وتحدث مع صديق له يريد منه أن يجلب له رقم رئيس الجريدة ثم أنهى المكالمة بينما لحق به والداه فجلس والده ينتظر مالك أن يستوعب ما يحدث ليستطيع أن يتحدث معه ويتواصلا لحل معاً تلك الأخبار التي انتشرت عن الفتاة.
احتلت الصدمة والدته وتمتمت بذهول:
((كيف حدث ذلك وانكشف كل شيء فالصحافة لا تتحدث عن شيء غير زواجك من تلك الفتاة لقد فضحنا.))
اندفع مالك بهتاف حانق:
((موقف ومرت به ملاك وقد ظهرت برائتها فلما قد نفضح أمي أرجوكِ لا أريد أن أستمع لحديثك هذا.))
قالت والدته بحزم مغيظ:
((موقف مثل هذا يجعلك تفكر في مظهرك أمام أصدقائك وتعيد النظر في فكرة زواجك من تلك الفتاة رد السجون.))
وجه نظرة إليها يطالعها بغيظ وصرخ فيها:
((أمي يكفي.))
استدارت والدته ترمق زوجها الذي ما زال جالساً على مقعده يفكر في حل لما حدث بعينين مترقّرقتين بالدموع تريده أن يقف في صفها ويعاتب مالك لتطاوله عليها ولكنه لم يتحدث فهرولت للخارج ولمع بريق الانتصار في عينيها.
كان المنزل عند ملاك يشتعل بالنيران فوالدتها كانت تبكي على بكاء ابنتها وتهمس وهي تربط على خصلات ملاك:
((حسبي الله ونعم الوكيل فمن يريد كسر فرحتك يا ابنتي.))
اقترب فارس من والدته يدب الأرض بخطواته الغاضبة ووضع يده على كتفها فرفعت رأسها تنظر إليه من بين دموعها مدّ أنامله وأخذ يمحو دموعها ثم أمسك ملاك من كتفيها يوقفها أمامه وهو يقول بعجز ووهن:
((يكفي بكاء فالجميع يعلم من أنتِ ويعلم أن تلك الأخبار ليست صحيحة.))
ازداد بكاؤها وهي تهز رأسها بالنفي قائلة:
((ولكن الجميع قد رأى تلك الأخبار وسيصدّقونها فأنا لست من مستواه هو من طبقة غنية وأنا رد...))
لم تستطع أن تكمل كلامها واختنق صوتها بسبب بكائها الشديد فاحتضنها فارس بقوة يريد أن يدخلها بداخل ضلوعه فلا يستطيع أن يؤلمها شيء ولا تجرحها كلمة.
استمع لصوت هاتفه يصدح من جيب بنطاله فأبعدها عنه قليلاً وأخرج الهاتف ونظّر شاشته ليجد مالك المتصل أجاب فارس وسرعان ما مدّ لها يده بالهاتف وهو يقول ببشاشة:
((خذي هذا مالك يريد التحدث معك.))
أمسكت ملاك بالهاتف بتردّد وهي تنظر إلى أخيها ليؤمّن لها بالإيجاب فوضعته على أذنها وابتعدت عنه قليلاً فحاولت الكلام ولكن جفّ حلقها شهقت متوجّعة من ألم قلبها عندما استمعت لصوته لتتساقط دموعها على وجنتيها المحترقة وشعرت بنغزة في قلبها.
حاول مالك أن يخفّف عنها ويتحدث معها بضع دقائق فهو يعرف ملاك جيداً يتخيّل كيف سيكون وضعها لذلك قرّر التحدث معها فعندما وجدها لم تجب على هاتفها قرّر الاتصال بفارس وطلب منه إعطاء الهاتف لملاك فما أن استمع مالك لصوت شهقاتها قال برفق:
((ملاك حبيبتي أرجوكِ لا تبكي ولا تفكري في أي شيء مما يذاع فأنا أعرف كيف سأجلب لكِ حقّك من كل من ساعد في نشر تلك الأخبار أريد منك الآن أن تجهّزي وتكوني في انتظاري ليتم عقد قراننا.))
أغمضت ملاك عينيها تصغي لنبرات صوته الرخيمة التي نجحت في فك حزنها وتضفي سحراً على روحها بينما تركها فارس وتحرّك ناحية غرفته فاغتسل وحلق ذقنه ثم فتح خزانته ينتقي قميصاً له شعر بمن تقف خلفه وبنظراتها الموجهة إليه فاستدار لها واقترب منها فوضع جبينه فوق جبينها هاتفاً بتذمّر رقيق:
((لما تناظرينني بتلك الطريقة ولم تحاولي مساعدتي باختيار شيء لأرتديه.))
ارتفعت ملاك على مشط قدميها لتقبّل ثغره قبلة سطحية رقيقة قبل أن تتهرّب منه وهي تقول بعاطفة:
((اعتذر منك فلم أكن أعرف أنك بحاجة للمساعدة.))
حام فارس بنظراته على وجهها فهي امرأة دافئة تجعله يفقد صوابه بجوارها فلثَمَها بقبلة شغوفة محبّة وما أن ابتعد عنها طلب منها أن تذهب وتساعد ملاك وأن تكون بجوارها الليلة فربما تحتاج لشيء.
أمسكت مي بهاتفها تطالعه لتجد الكثير من المكالمات الفائتة التي لم تجب عليها وكلها من سليم فزفرت أنفاسها بغضب فهي على مدار ثلاثة أيام لم تذهب للعمل وسليم يحاول الاتصال بها وهي لا تجيب عليه فلا تعرف بما تجيبه وباي شيء ستخبره في تقصيرها بالذهاب للعمل فمنذ أن أخبرته بأنها ستتحدث مع عائلتها وتأخذ له موعداً معهم لم ترد عليه وتخبره بما حدث معها وتركته دون أن تطمئنّه عليها.
شردت للحظات تفكر فيه لربما كان يعتقد بأنها تتعمّد عدم الذهاب للعمل وعدم الرد على مكالمته بينما كان هو يزرع غرفة مكتبه ذهاباً وإياباً بخطوات غاضبة نارية تنهّد ثم وقف مكانه وكتف ذراعيه مردّفاً بما يجيش في عقله:
((أتمنّى لو استطيع خطفها والزواج بها في أسرع وقت فلا تستطيع أن تتجاهلني بعدها وتكون ملكاً لي وتحت طوعي فأنا لا أستطيع الانتظار أكثر.))
في المساء كان مالك يجلس بجوار المأذون ومن الجانب الآخر يجلس فارس وبدأ المأذون في قول كلماته ويردّد وراه كلا من مالك وفارس لينهي حديثه بكلمات مقتضبة "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير".
صدح صوت الزغاريد عالياً وقف مالك يحتضن فارس ويربط على ظهره بحب ونظره مثبتاً على من تتلقّى التهاني من أخواتها وابتسامة سعيدة مرتسمة على ثغرها تزيّن وجهها.
ما أن تقابلت أعينهما في نظرة واحدة شعر برجفة تسير بكامل جسدها وشعرت بالخجل من نظراته فلاول مرة تراه يناظرها بتلك الطريقة فنظراته لها أشعرتها بالخجل لتتورد وجنتيها.
ما أن استأذن المأذون وذهب تحدّثت والدته بتعالٍ توجه حديثها لمالك قائلة:
((أشعر بأنني لست على ما يرام فهلا أوصلتني للمنزل لأستريح فوالدك لا يستطيع القيادة في الليل.))
ضغط مالك على أسنانه بقوة كادت أن تحطّمهم ولكنه تماسك وتحدّث بهدوء يقول:
((الآن ولكن ما زال الوقت مبكّراً للذهاب للمنزل.))
أردفت والدته بغضب:
((أخبرتك بأنني لست بخير وقد أكون مريضة.))
أومأ لها بالإيجاب ووقف عن مقعده وهو يعتذر من الجميع ويخبرهم بأنه سيذهب من أجل والدته وسيعود في وقت لاحق.
أوصلهما فارس وملاك حتى باب المنزل وما أن غادرت أغلق فارس الباب واحتضن كتف ملاك وهو يبارك لها ويتمنّى لها السعادة بينما كان مالك تفور دماؤه بداخل عروقه من كثرة غضبه من والدته وإحراجها له أمامهم فأوقف السيارة على جانب الطريق وتحدّث بغضب قائلاً:
((كيف تتصرّفين بتلك الطريقة وتتسبّبي في إحراجي هل ترينني طفلاً أمامك لأصدّقك حديثك هذا وأنك مريضة لما تفعلين هذا تستكْثِرين عليّ أن أفرح من قلبي وأجلس مع عروسِي لبضع دقائق فتحجّجتِ بأنك مريضة وتريدين الذهاب للمنزل حقاً لا أعرف ماذا أقول غير أنك تتسبّبين في تعاستي وتؤلمي قلبي.))
قلبت عيناها بغير اهتمام وكأنها لا تستمع إليه استدارت برأسها تنظر من نافذة السيارة الزجاجية زفر مالك أنفاسه المشتعلة وكوّر قبضة يده بقوة حتى صار لونها أبيض فربط والده على ذراعه ويحاول تهدئتَه فأكمل قيادة السيارة دون التفات بحرف آخر.
رواية ذلك هو قدري الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم موني عادل
ما إن وصل مالك للمنزل ترك والديه واتجه لغرفته ولكنه لم يستطع البقاء فيها للحظة أخرى دون أن يتحدث مع والدته، لعله يستمالها ويستطيع أن يحببها في ملاك. فلن يسمح بتكرار ما حدث منذ قليل، وأن تقلل والدته من شأنه وتعامله وكأنه ما زال طفلاً. ولكن عليه أن يفعل ذلك بهدوء، فهي تظل والدته، لربما تشعر بالغيرة من ملاك فتعتقد بأنها امتلكته وستنسيه والديه بسبب حبه لها. يعلم شعور والدته ويقدره، فهو ابنها الوحيد، ولذلك ترفض تعلقه بأي أحد غيرها. ولكنه أيضًا يرفض الاستخفاف بما حدث في منزل ملاك.
فتح باب غرفته وأخذ يخطو خطوات واسعة ناحية غرفة والدته. فما إن رفع كفه يريد الطرق على الباب، استمع لصوت والدته من داخل الغرفة تتحدث مع أحد وتوبخه بصوت مرتفع وقد فقدت أعصابها، قائلة:
"هل أنت مغفل؟ لقد طلبت منك تشويه صورة الفتاة وليس تشويه سمعة ابني. لقد كانت الأخبار مسيئة لابني أكثر مما كانت مسيئة لتلك الفتاة."
صمتت تستمع للطرف الآخر على الهاتف، ثم قالت بغضب جلي:
"نعم، إذا تطلب منك الأمر نشر أخبار كاذبة، فلتفعل دون التفوه بحرف. لقد حولت لك كل ما طلبته من أموال، فلما لم تنجز عملك كما يتطلب منك؟"
كان مالك ما زال واقفًا خلف الباب يستمع لحديثها والشرار يتطاير من عينيه. ففتح الباب مرة واحدة دون الاستئذان. جفلت والدته ما إن رأته وأنزلت الهاتف عن أذنها تنظر إليه بفزع، وارتدت خطواتها للخلف ما إن وقعت عيناها في عينيه ورأت غضبه المرتسم بداخل حدقتيه. فتعثرت بتلعثم:
"مالك، ما الأمر؟ هل تريد شيئًا؟"
ضيّق مالك عينيه متسائلاً وهو يقترب منها:
"هل كنتِ أنتِ خلف نشر تلك الأخبار؟"
عندما وجدها تلتزم الصمت ولم تجبه بكلمة واحدة، فأكمل صارخًا:
"لما يا أمي؟ ألا تعلمين بأنه بنشر أخبار مثل هذه قد تضرني وتتسببين في نقلي من مكان عملي؟ لهذه الدرجة تكرهين ملاك؟"
ترقرقت ملامح والدته، ولكنها تماسكت واكتنفت الجدية ملامحها، وقالت بذهول:
"كيف تتجرأ وتتهمني بمثل هذه التهمة؟ فأنت قطعة مني، هل تظن بأنني قد أستطيع أذيتك؟ قد أموت قبل أن أفكر في شيء يضرك. فمن ملأ عقلك بتلك الخرافات عني؟ أليست تلك الفتاة هي من أخبرتك بكل هذه الأكاذيب؟"
تغضن جبين مالك بالضيق والغضب، ولكنه عقب:
"أتيت لأراضيكِ وأتحدث معكِ وأخبركِ بأنني سأظل أحبكِ طوال حياتي، مهما تزوجت أو أحببت، ستظلين أنتِ حبي الأول ومن تحتلين قلبي، لأن حبي لكِ مختلف كليًا عن حبي لملاك، فليس هناك وجه مقارنة بينكما. فكما قلتِ أنتِ، أنا قطعة منكِ، فكيف أستطيع الابتعاد عنكِ."
ابتسم بحزن بالرغم من غضبه الداخلي، ثم أكمل بنبرة قوية:
"ولكن ما إن أتيت لأخبركِ بكل هذا، استمعت لحديثكِ على الهاتف كاملاً وعرفت بأنكِ من فعلت هذا. أرجو منكِ ألا تفعلي شيئًا آخر، فيكفي ما حدث حتى الآن."
انتهى من حديثه واستدار يدب أرضية المنزل وهو يكظم غيظه بصعوبة. بينما والدته ارتمت على طرف الفراش جالسة وقد تساقطت دموعها بحزن. لأغضبت ابنها وجعلته يبدو حزيناً، فهمست مغتصبه: "يجب أن أتحملها ويتسع صدري من أجل إسعاد ابني وليس من أجلها."
كانت ملاك بغرفتها تجلس نصف جلسة على فراشها تضع كفها أسفل ذقنها تستند عليه وهي تفكر فيما حدث ولما تعاملها والدة مالك بهذه الطريقة وهي ما زالت لا تعرفها ولا تعرف شيئًا عن طباعها. كانت مستغرقة في تفكيرها، فأقتربت منها مي وما إن جلست بجوارها قالت مباشرة:
"هل تضايقتي من تصرف والدة مالك؟ فالمرأة لم تبارك لكِ حتى، وتعللت بالمرض لتذهب. فكم هي قليلة الذوق."
شبح ابتسامة مصطنعة مر فوق ثغر ملاك وهي تقول:
"لا، لم أتضايق منها، فأنا أعلم بأن ما تفعله بدافع الحب والغيرة على مالك. فهو ابنها الوحيد وهي تشعر بالخوف من فقدانه، فأنا أفهمها جيدًا. هي تشعر بالخوف مني وتريد إبعادي عنه لأنها تعلم كم يحبني ويريدني بحياته، وذلك لا يشعرها بالأمان."
صمتت مي بعد أن انتهت ملاك من حديثها لدقيقة ثقيلة قبل أن تقول متشككة:
"كيف ستستطيعين العيش معها في نفس المنزل وتحمل أسلوبها الفظ معك؟"
شاب صوت ملاك الشقاوة المريرة وهي تقول:
"سأحاول أن أتحملها من أجل مالك."
تراجع رأس ملاك للخلف وقد خيم صمت مطبق بينهما، وكلا منهم تفكر فيما يشغل عقلها وقلبها. تلاشت أنفاس ملاك وهي تطالع هاتفها الذي صدح صوته في الغرفة معلنًا عن مكالمة واردة من مالك. فعافرت لنقل الهواء لرئتيها الضامرة وقد هدأت من ضربات قلبها، فأمسكت بالهاتف تجيبه. فأنسحبت مي تعطيها مجالًا كافيًا بالتحدث مع زوجها على راحتها.
في غرفة نوم منير، سارع يغلق الهاتف ويلقيه على فراشه بقوة والحقد يتوحش في أعماقه تجاه سليم. فها هو سليم يضربه ضربة قاضية كادت أن تفلس شركته. كور قبضته بغضب وهو يضغط على أسنانه بقوة وجذوة الغيرة بداخله تشتعل لتحرقه وتكوي أوردته بلهيبها لتضحي نيرانًا محرقة تسري مسرى الدم في شرايينه، لمجرد مرور خاطر في عقله بأن سليم قد ينتصر عليه في نهاية المطاف ويحظى بها. فالغيرة تتأكله كلما خطر على عقله بأن مي قد تكون لسليم. نظر لجدران الغرفة وقد ترقرقّت ملامحه وهو يطالع صورها المعلقة على الحائط أمامه بنظرة تشع حبًا. يتأمل ملامحها مستغرقًا بشوقه وحسرته وهو يتذكر بأنه لم يستطع أن يراها منذ عدة أيام. فأندلعت النيران المشتعلة في حدقتيه ليصدح صوته متشبعًا بالغضب:
"كيف استطعتِ أن تتوارى عني وتختفي بتلك الطريقة؟ هل تستمتعين بإذلالي ورؤيتي متشوقًا لرؤيتك؟ انتظري قليلًا بعد وسترين بعدها ما سأفعله."
بعدما خرجت من الغرفة لتترك لملاك مساحة كافية لتتحدث مع مالك بإريحية أكثر، فهي تعلم بأن ملاك قد تشعر بالخجل من وجودها معها في نفس الغرفة وقد لا تستطيع التحدث معه أمامها. استمعت لصوت جلبة تأتي من غرفة معتز. شعرت بالفزع وهي تتخيل بأنه ربما أصاب معتز مكروه. ألفت الصوت ليلفت انتباههم، فأسرعت تركض نحو غرفته وأمسكت بمقبض الباب تفتح على عجلة من أمرها وعلامات الفزع والخوف مرتسمة على وجهها. فما إن فتحت الباب تسمرت في مكانها وهي تطالعه واقفًا في زاوية الغرفة مستندًا بذراعه على الجدار بجانبه. أخذت تطالعه بأنفاس مأخوذة. فنظرت لقدميه وهي تغمض عينيها وتفتحهما أكثر من مرة لعلها تتخيل ما تراه. شهقت بعدم تصديق عندما استمعت لصوته يتحدث بتلعثم وثقل لسانه قائلًا:
"أغلقي الباب وتقدمي وسأشرح لكِ كل شيء."
جاء ردها اللهف:
"ولكن كيف؟"
قالت له مي وهي تتقدم منه:
"لما تخفي الأمر وتجعله سرًا؟ لما لا تخبرنا بأنك بدأت تستجيب للعلاج وتستطيع أن تخطو ولو عدة خطوات بمفردك؟ هل تتخيل سعادة والدتك عندما تراك واقفًا على قدميك أمامها؟ ما زلت أنانيًا كما كنت دائمًا."
أجابها معتز بصوته الحاني ولمعة مميزة ظهرت في مقلتيه:
"لم أتحسن كليًا وأردت أن أفاجئكم عندما أكون مستعدًا لذلك. صدقيني ليست أنانية مني، ولكن كل ما في الأمر أنني أخشى من تلك اللحظة."
همهمت مي للحظات ثم قالت بهدوء:
"أعتذر منك، لم أقصد أن أنعتك بالأناني، ولكني..."
صمتت تبتلع ريقها ثم قالت ببشاشة:
"لا تقلق، فسأعتبر بأنني لم أرَ شيئًا وأترك الأمر لك لتخبرهم وقتما تشاء."
أفرج معتز عن ابتسامة جانبية ثم قال بجدية:
"مي، أريد منكِ أن تجلبي لي عكازات، فأنا أستند على الحائط كلما أردت المشي أو التحرك، فهلا جلبتيها لي؟"
أومأت له ثم سرعان ما نهرته، فعليه أن يأمرها وما عليها إلا أن تنفذ. فظلت تتأمله، كم اشتاقت لرؤيته يتحدث ويتحرك أمامها. جلست معه مطولًا في غرفته تتحدث معه في أمور شتى، وكم نسيت الوقت في وجوده. فلأول مرة تشعر بأنها قريبة من معتز إلى ذلك الحد. كم تغير وصار شخصًا آخر.
بعد مرور عدة أيام، كان جميع من في المنزل يستعدون ويجهزون لحفل الزفاف على ساق وقدم. فالكل منشغل بذلك الزفاف الذي سيقام في أكبر وأفخم القاعات. بينما كانت ملاك تشعر بالسعادة والفرح، ولكن ما إن رأت والدتها وعينيها المترقرتين بالدموع انفجرت باكية لتحتضنها والدتها وهي تتمنى لها السعادة المطلقة وتوبخها لأنها لطخت زينتها من أثر دموعها. استمعوا لصوت بوق السيارة بالنار يعلن عن قدوم من ارتجف القلب من أجله. ارتبكت ملاك وهي تنظر ناحية فارس الذي يقف على عتبة باب غرفتها متسمرًا في مكانه يطالعها وقد لمعت عيناه بدموع حبيسة. قبل أن يهز رأسه يمينًا ويسارًا يحافظ على رباطة جأشه. ثم تنفس الصعداء وهو يقترب منها ومَال ليطبع قبلة أعلى جبينها. ثم وقف بجوارها ووضع ذراعها في ذراعه وخرجا سوياً معًا ليسلمها لزوجها وتستقل سيارة العرس.
بعد عدة دقائق معدودة، كانت القاعة تعج بالشخصيات المهمة والسياسيين ورجال الصحافة الذين يغطون هذا، فلقد دعاهم ليرد لها اعتبارها. بدأ صوت الأغاني والموسيقى يصدح في أرجاء القاعة والكل يشارك العروسين فرحتهما، فهي ليلة العمر. كان الكل يوجه أنظاره ناحية العروسين ليتفاجأوا بمعتز يستند على عكازين ويقترب من ملاك بخطوات بطيئة متعثرة بعض الشيء. انتاب عائلته صدمة جليّة على ملامحهم ووقفوا عن مقاعدهم مسرعين ناحيته ليلتفوا حوله غير مصدقين ما يرونه أمامهم. فمعتز قد بدأ يتعافى ويستطيع المشي بمفرده. بكت والدتها وهي تحتضنه وتقبل كل شبر من وجهه. ثم تحركوا ناحية ملاك التي كانت تراقص زوجها، فما إن رأت معتز أمامها واقفًا يستند على عكازات، ارتمت عليه تحتضنه وقد تساقطت دموعها، فلم تستطع التحكم فيها في ذلك الموقف. وقفوا جميعًا بجوار بعضهم البعض يحظون بصورة تذكارية في فرح أول فتاة من أبناء عبدالله.
انتهى حفل الزفاف على خير ووصل مالك لمنزله، فما إن ترجل من السيارة وساعد ملاك لتترجل هي الأخرى، مد ذراعه أسفل ساقيها وأخرى حول جزعها. حملها مالك وكأنها لا تزن شيئًا يسير بها نحو جناحه. كانت تشعر بالتوتر والارتباك، بينما هو أخفض نظراته يحدق بوجه زوجته. وسرعان ما شابّت نظراته العبث والشقاوة. انتبهت ملاك على نظراته، أبتلعت ريقها وكلها يرتعش تأثرًا بحرارته التي تلفحها وذقنه الخشن الذي يدغدغها. فهمس لها مالك مصارحًا وعيناه تنطقان لكلماته:
"أخيرًا صرتِ زوجتي، فكم تبدين جميلة وأنتِ ترتدين فستان العرس."
ازداد ارتباكها والخجل الذي يلفها وشعرت بقلبها ينبض في كل جسدها. وهي تنظر حولها تجد بأنه وصل لجناحه وأغلق الباب خلفه بقدمه. أجلسها مالك على الفراش وانحنى قليلاً عليها يحاول فتح سحاب فستانها. تذمرت ملاك وحاولت إبعاد ذراعه عنها وهي تقول بتردد:
"ابتعد، لابدل ثيابي."
صوّب مالك نظراته الحارة إلى قميصها الكاشف الذي كانت ترتديه أسفل فستان زفافها. تضرّجت وجنتا ملاك بالحمرة الفانية، فاغمضت عينيها تستسلم لطوفان مشاعره.
كانت عائلة ملاك ما زالوا أمام القاعة يبحثون عن مي، فلقد اختفت ولم يجدوا ما قد يدلهم على طريقها. أخبرتهم ليال بأنها تركتها واتجهت ناحية المرحاض لتعدل زينتها، ولكنهم لم يجدوها هناك. شعر فارس بأن الأرض تميد به وهو يحاول الاتصال بها ولا يستطيع الوصول إليها، فهاتفها مغلق. تحدثت والدته تحاول طمأنة نفسها قبل أن تطمئنه:
"ربما تكون عادت للمنزل، فنحن انشغلنا مع ملاك وهي كانت تشعر بالتعب، فلذلك عادت لتستريح."
أنتابه الذهول للحظة ولكنه اعترض:
"لا، فكيف تكون قد عادت وهي لم تخبر أحدًا منا بأنها ستذهب."
أعلن هاتف نورين عن وصول رسالة نصية، ففتحت الهاتف وأخذت تقرأها، فارتجفت شفتيها لا تصدق ما تقرأه وإدراك صاعق اكتنف حدقتيها مما جعلهما يدمعان. أنتشل فارس الهاتف من يديها وتجهمت ملامحه وقد شحب وجهه وهو يقرأ كل حرف من محتوى تلك الرسالة.
دبّت القشعريرة في أطرافه وعقد فارس حاجبيه بحنق غير مصدق ما ورد بداخل الرسالة. فمي لا يمكنها فعل ذلك، ولكن الرسالة التي أرسلت لنورين من هاتفها تخبرها بأنها هربت مع من تحب لتتزوج به. فمشاكل العائلة لا تنتهي وهي تريد أن تجتمع مع حبيبها، وإذا ظلت معهم وانتظرت أن يعطفوا عليها ويقابلوا الشخص الذي تريده سيضيع شبابها في الانتظار. كان وقوع كل كلمة بالرسالة على قلب فارس كالرصاص المغلي يكوي صدره ويمزقه، فكيف استطاعت أن تضعه في ذلك الموقف. تطلعت والدته إليه باستغراب من حالته وقالت بذعر:
"ما الأمر؟ هل حدث شيء؟ هل تلك الرسالة التي وصلت لها علاقة باختفاء مي؟"
اقترب منها فارس ليقف أمامها مباشرة وأخبرها بتثاقل بمحتوى الرسالة. اختض جسد والدته بعنف، فأحتضنها فارس وأخذ يشدد من احتضانها وهو يمرر يده على ظهرها ويقبل أعلى رأسها. لتهمس والدته بتوهان:
"لا، ابنتي لا يمكنها فعل ذلك. لقد كانت سعيدة من أجل ملاك وبكت من شدة سعادتها بعودة شملنا من جديد وأن السعادة والفرح أخيرًا قد عرفوا طريقًا لقلبنا وحياتنا. لا أصدق بأن ما تخبرني به قد يخرج من مي."
بينما وقف فارس يفكر بشكل جدي في اخبار الشرطة أو مالك ليساعده في العثور عليها، إلا أنه لا يستطيع التواصل مع مالك الآن، وكسر فرحة ملاك في يوم تتمناه أي فتاة. لا يريدها أن تعلم وتقلق وتنشغل باختفاء مي، لذلك سيتجه للمنزل أولاً ويوصل عائلته ثم يذهب لقسم الشرطة ويقدم بلاغًا بالاختطاف لتتحرك الشرطة سريعًا ولن يخبرهم عن الرسالة التي أرسلت له من هاتف مي حتى يتم البحث عنها والعثور عليها.
كانت واقفة في وسط غرفته تبكي بانهيار وترجوه ليتركها، ولكنه احتضنها عنوة عنها وظل يربت على ظهرها بيد حانية بموازرة. حاولت إبعاده وفك ذراعيه من حولها، ولكنها لم تستطع، فقوته تعادل قوتها بأضعاف. ظلت تنتحب إلى أن أنهكها النحيب والحزن وتراخت عيناها وسكنت بين أحضانه للحظة. شك بأنها قد فقدت وعيها، ولكن شهقات صغيرة ما زالت تتدافع من فمها في غمرة سكونها هو ما جعله يطمئن. فعندما ثقل جسدها عليه وتراخى كاملاً مؤكدًا نومها التام، رفعها بتروٍ بين ذراعيه ومددها على الفراش ببطء ثم دثرها جيدًا بالغطاء وأغلق الإنارة وأضاء الأباجورة الموضوعة على طاولة بجوار الفراش. ثم جلس بجوارها على طرف الفراش يمرر ظاهر كفه برقة شديدة فوق وجهها الرقيق يرسم نعومته وهو يشعر بدغدغة تسري في وجدانه. مشاعر غريبة عليه، ولكنها محببة. ظل هكذا لدقائق ثم غفى بجوارها.
ما إن أوصل فارس عائلته للمنزل، ذهب مسرعًا لقسم الشرطة ليقدم بلاغًا باختفاء أخته، فكان واقفًا أمام الضابط في القسم بتوتر وهو يخبره بما حدث وكيف اكتشف اختفاءها. طالعه الضابط بنظرات متفحصة ثم أخرج سيجارته كي يشعلها وبدأ يمج منها قبل أن يهتف به بتعالي:
"لا يمكنني أخذ كلامك على محمل الجد، فهي فتاة راشدة، ربما هربت مع حبيبها، فأكثر الفتيات تفعل ذلك الشيء ويأتي عائلتها في النهاية يقدمون بلاغًا باختطافهم."
قال فارس باستياء:
"لست هنا لأأسألك عن رأيك، لقد أتيت لأقدم بلاغًا، فهذا أبسط حقوقي."
مج من سيجارته وهو يحدق بفارس عبر الدخان الذي ينفثه في وجهه وقال بعنجهية:
"اذهب من هنا قبل أن أفقد صوابي وأحتجزك لأنك تعديت على ضابط أثناء تأدية واجبه. اذهب وابحث مع من هربت أختك، فنحن لا نستطيع أخذ أية إجراءات قانونية قبل مرور أربعة وعشرين ساعة."
لم يتجاوب فارس مع حديثه ليقول بنبرة مهمومة وملامح معتمة ووجع عميق يكتسح بداخله:
"كيف تطلب مني أن أنتظر أربعة وعشرين ساعة وأنا لا أعرف أين تكون أختي أو مع من وماذا سيفعل بها ذلك الشخص؟ هل سيؤذيها أم لا؟"
على أثر ما قاله للضابط، طافت تلك الخواطر التي يحاول جاهدًا منذ أن اكتشف اختفاءها ألا يفكر بها حتى لا يفقد صوابه، ولكنه لا يجد حلاً للأمر. فالضابط يطلب منه الانتظار ليمر أربعة وعشرون ساعة ليبدأوا بالبحث عنها. شعر بأنه على وشك السقوط في حفرة عميقة ولا يجد حافة النجاة ليتعلق بها. أغمض فارس عينيه على وخز جسده، لعله ينفض شيئًا من الألم الذي يكتسحه، ثم استدار مغادرًا بعدما أشار له الضابط بكفه أن يذهب. فلم يجد أمامه حلاً غير ذلك. فما إن خرج من القسم أطلق تنهيدة عميقة وهو يخرج هاتفه قائلًا:
"لم يتبق أمامي خيار آخر."
أمسك الهاتف وضغط على رقم مالك ثم وضعه على أذنه منتظرًا أن يجيبه. فازدرد ريقه وهو يشعر بأنه في هذه اللحظة في حالة انهيار، ممزقًا من داخله، يعاني نزاعًا مؤلمًا بين الحياة والموت، ممزقًا بين إنقاذ حياة مي وبين كسرة قلب ملاك وأحزانها في ليلة زفافها.
كان مالك قد حظي بحمام دافئ وبعد مدة وجيزة وقف يجفف شعره وشعر بها تقترب منه وقد تورّدت وجنتاها في حياء وتلعثمت تنطق بأحرف مبعثرة قبل أن تبتعد عنه بارتباك:
"سأذهب وأستحم."
فما إن التفتت وأخذت تخطو ناحية المرحاض، استمعت لصوت هاتفه يصدح في الغرفة. استغربت ولكنها لم تعر الأمر اهتمام والتفتت مجددًا لتتحرك، بينما مالك أمسك بالهاتف ونظر إليه بملامح غير مقروءة مستغربًا، ولكنه أجابه وهو يتوقع بأن والدة ملاك قد تكون قلقة على ابنتها وتريد الاطمئنان عليها. فما إن ضغط على زر الإيجاب ووصله صوت فارس ونبرة صوته الحزينة علم بأن هناك أمرًا سيئًا يحدث معه. رفع وجهه تجاهها عاقد الحاجبين وهو يقول:
"فارس، اهدأ أرجوك واشرح لي ما الأمر، فأنا لم أفهم منك شيئًا."
أسرعت ملاك باتجاه مالك ووقفت بجواره تنظر إليه بانتباه، ثم قالت بشيء من التردد:
"ما به فارس؟ هل هو بخير؟"
طالعها مالك دون التفوه بكلمة واحدة وهو يصغي لما يخبره به فارس. فأعتراها الخوف والارتباك وهي تستمع لزوجها يقول لفارس بتأكيد:
"لا تقلق، دع الأمر لي وأنا سأتصرف. اذهب الآن لمنزلك وكن بجوار عائلتك وأنا سأطلعك على كل جديد."
ثم أنهى المكالمة مع فارس لتسارع بسؤاله عما يحدث مع أخيها، ليخبرها بما حدث لمي، لتهز رأسها نفيًا وقد ارتفع حاجباها بدهشة غير مصدقة ما يقوله، لتبدأ دموعها بالتساقط. ليجذبها لصدره وهو يرفع إبهامه يمحو دموعها ويخفف عنها ما استمعت إليه بشأن أختها في ليلة زفافها. فأجرى عدة اتصالات يطلب من زملائه أن يساعدوه ويبدأوا في تدوين محضر ويأخذوا كافة الإجراءات للبحث عنها، فهي أخت زوجته ولن يستطيع الانتظار لمرور أربعة وعشرين ساعة ليفعلوا ذلك كخدمة له ويبدأوا بالبحث عنها.
ما إن وصل فارس للمنزل، وقف أمام الباب وأخذ نفسًا طويلاً عميقًا ليزفر أنفاسًا أخرى مترسبة في داخله ويربت على قلبه. ثم همس بألم وحرقة:
"متى يا قلبي تستريح من العناء؟ فأنا أشعر بآهاتك وصراخك على روح تائهة في سراديب الحياة. فكم هو موجع أن تتصنع القوة من أجل من حولك وبداخلك تتألم بصمت."
كتم فارس تأوهًا متألمًا ورفع كفه يمحو دمعة خانته وتساقطت من طرف عينه. ثم أخرج مفتاح المنزل ووصله بالباب وفتحه ودخل ليتفاجأ بالجميع في انتظاره يبكون ويرجونه بأعينهم أن يطلعهم على أية أخبار عنها. ولكن كل ما قاله وهو ينظر بداخل أعين والدته:
"لم أستطع أن أعرف أي شيء عنها وغدًا ستخبرنا الشرطة إذا ما توصلت لشيء."
ثم انسحب مسرعًا دون أن يضيف شيئًا آخر إلى غرفته صافقًا بابها بقوة خلفه ليزداد نحيب والدته وأخواته. بينما معتز يحاول أن يفكر، لربما يتوصل لحل، ولكن الضغط العصبي الموضوع فيه لا يسعفه ليصل لأي شيء. يتذكر حديثه مع مي على مدار الأيام القليلة الماضية وكيف كانت سعيدة بزواج ملاك وبشفائه، فلا يمكنها أن تحزن عائلتها وتهرب هكذا دون سبب وجيه. ففارس لم يرفض زواجها لتهرب مع من تحب، كل ما في الأمر أنه أجل الأمر حتى يمر زفاف ملاك. وقد مرت فترة على حديثها هذا مع فارس، فلما الآن قد تقرر الهرب؟
في الصباح، فتحت جفنيها بتثاقل تأخذ نفسًا عميقًا، ثم سرعان ما بترته حينما شعرت بجسد دافئ يحتضنها وأنفاسه الساخنة تلفح خدها وعنقها المقابل له. اختض جسدها وهي تعتدل جالسة تنظر إليه لتجده مستيقظًا ينظر إليها بحب خالص. فوقفت عن الفراش وهي تقول بإعياء وقد بدأت ضربات قلبها في التصاعد:
"ما الذي حدث؟"
أجابها وهو يترجل عن الفراش بانزعاج:
"لا تقلقي، لم يحدث شيء بعد. فكل ما في الأمر أنني أردت أن أغفو بجوارك."
هتفت به مي باعتراض:
"كيف لم يحدث شيء بعد؟ ما الذي تقصده بحديثك هذا؟ أريد العودة لمنزلي الآن."
وقف يناظرها ثم هتف بها بجدية:
"لا، لن تذهبي لمنزلك، لا الآن ولا فيما بعد، فأنتِ منذ اليوم صرتِ من ممتلكاتي."
ضحكت بسخرية ثم قالت بحزم لا يحمل المرح:
"كيف تجرأت واختطفتني؟ من أين أتت لك الجرأة لتتحدث بتلك الطريقة معي؟ فأنا لست سلعة تباع وتشترى لأكون ملكًا لأحد."
غمغم حانقًا:
"بلى، انتظري وسترين ما سيحدث."
بدأت مي تشعر بالخوف منه ومن حديثه المبطن، فهمست بصوت خائف مسموع:
"ما الذي تريده مني؟ لما لا تتركني أذهب وتحل مشاكلك بعيدًا عني؟"
تنهد ببؤس ثم قال:
"ما أريده ستعرفينه فيما بعد، فلما التسرع؟ لا تقلقي حبيبتي، فأنا لن أؤذيك."
تغرغرت الدموع بعيني مي، ولكنه لم يعرها اهتمام والتفت متجهًا ناحية المرحاض وهو يدندن بملامح جامدة غريبة لا تشعر من يراه برأفة قلب ولا استسلام، وكأن شيئًا لم يكن.
قطع عليهما النقاش مالك بصوته الرجولي الخشن:
"لقد تأخرنا."
تغضن جبين والدته بغضب وطالعت مالك جامد الملامح ومشدود التعابير معترضة:
"تأخرتما على ماذا؟ لن يخرج أحدًا منكما. لقد تزوجتما بالأمس، هل مللت بتلك السرعة؟"
اعترض مالك قائلًا:
"أمي، أرجوكي يكفي، لا تتدخلي بيني وبين زوجتي."
بينما استهجن والده مما تقوله زوجته فقال:
"متى تنوي أن تتركيه على راحته؟"
ليقول مالك بعد أن زفر عدة أنفاس كانت تجيش في صدره موجهًا حديثه لوالده:
"أبي، سأذهب لمنزل ملاك لأوصلها أولاً ثم أذهب للقسم، فأختها قد اختطفت بالأمس."
اتسعت عينا والدته واستدارت برأسها تنظر من فوق كتف مالك لملاك الواقفة خلفه لتقول بنزق:
"أرأيت العائلة التي ناسبتها منذ أول يوم ومشاكلهم تلاحقنا؟ أخبرتك مرارًا بأن تثني عن تلك الزيجة، ولكنك لم تستمع لرأيي."
بهتت ملامح ملاك وراحت في قوقعة شرودها وكأنها تلقت صفعة خيبة لتضاف لخيبات أخرى ما لبثت أن تتجاوزها وتبدأ من جديد مع شخص يحبها كمالك، ولكنها استجمعت رباطة جأشها وهي ترى غضب زوجها وهو يهتف بها:
"أمي، قلت يكفي، لما ما زلتِ مصرة على تمزيق قلبي بحديثك؟"
طالعته بعدم استيعاب، بينما ضيق والده عينيه شاردًا للحظات قبل أن يتساءل بتعجب:
"كيف ومتى حدث ذلك؟"
تطلع مالك ناحية والده ثم قال بهدوء:
"حدث بالأمس بعد انتهاء حفل الزفاف، اتصل فارس كي يخبرني بالأمر ويطلب أن أساعده في العثور عليها."
نكس والده رأسه بحزن على مي وعم الصمت المشحون في أرجاء المكان للحظات طويلة أخرى قبل أن يكسره والده قائلًا بلا أي مقدمات:
"لما ما زلت واقفًا عندك؟ خذ زوجتك واذهب لتكن بجانب عائلتها في تلك الأزمة."
ثم أكمل حديثه وهو ينظر لملاك موجهًا حديثه لها قائلًا:
"لا تقلقي يا ابنتي، ستجدونها بخير حال."
أومأت له ملاك بامتنان، فالتفت مالك وأمسك بكفها وأخذ يخطو لخارج الفيلا. بينما تحدث والده بغضب يأنب زوجته ويوبخها قائلًا بصرامة:
"لما ما زلتِ مصرة على إظهار ابنك وكأنه ما زال طفلاً؟ الفتاة جميلة وعلى خلق ويكفي بأنه يحبها ويريدها، فلما تتحدثين أمامها بتلك الطريقة عن عائلتها؟ أي شخص معرض ليمر بأزمة. عليكي أن تشجعي ابنك ليساعد غيره إذا كان بإستطاعته ذلك، لا أن توبخيه وتأنبيه أمام زوجته وكأنه طفل أخطأ وعليكي توجيهه."
اعترضت على حديث زوجها وقالت بتلعثم:
"صدقني، لم أقصد ذلك. كل ما في الأمر أنني انصدمت ولا أريد لابني أن يحرج نفسه ويفعل شيئًا قد يؤذيه في عمله، فلم أنتبه لحديثي. الفتاة وعائلتها، أعتذر منك وأعدك بأنني لن أكررها وسأتركه يتعامل معها كما يشاء."
قلب زوجها عينيه غير مصدق ما تعده به زوجته، فهي لم ولن تتقبل ملاك ما دامت من طبقة فقيرة.
وصلت ملاك لمنزل عائلتها ليوقفها جيرانها يباركن لها على زواجها، ثم يسألونها عن ما إن توصلوا لأية أخبار عن مي. استأذنت منهم ملاك وتحركت للداخل لتري عائلتها، فوقفت تطرق على الباب بقوة وتضع إصبعها على الجرس لتفتح لها نورين، وما إن رأتها حتى ارتمت في داخل أحضانه تبكي وتسألها عن والدتها لتخبرها نورين بأنها في غرفتها لم تخرج منها ولم تذق طعم الزاد ولا تكف عن البكاء والدعاء. تركتها ملاك واتجهت لتذهب لغرفة والدته لتراها، ولكن أوقفها صوت فارس الذي نادى باسمها بصوت مرتفع. فألتفتت تنظر باتجاهه ليقطع الخطوات الفاصلة بينهما وأمسكها من معصمها بقوة يجرها خلفه ناحية غرفته. فدخل وأدخلها معه وأوصد الباب جيدًا بالمفتاح، لتنظر إليه ملاك بغير فهم وما سبب ما يفعله. لتتضايق ملامح ملاك، ولكنها اكتفت بالصمت تنتظر منه أن يتحدث. ليخبرها فارس باستخفاف:
"مع من هربت مي؟"
صدمت من سؤاله، ولكنها أجابته ببساطة:
"متأكدة بأن مي لن تهرب."
انكمشت ملامح فارس بعبوس ثم قال وكأنه يبصق الكلمات:
"تعلمين شيئًا لا أعلمه؟ أخبريني ولا تكذبي في حرف. من ذلك الشاب الذي أخبرتني مي بأنه يريد القدوم للزواج منها؟"
نظرت إليه بتردد، ولكن حثها فارس بإيماءة خفيفة من رأسه لتخبره، فقالت بعينين دامعتين:
"ذلك الشاب الذي أخبرتك عنه يكون مديرها بالشركة."
انحسرت ملامح فارس عما كانت عليه ثم قال بسرعة:
"أعطني عنوان الشركة فأنا لا أتذكره."
أملت عليه ملاك عنوان الشركة واسم مديرها ليسرع فارس مغادرًا للمنزل.
رواية ذلك هو قدري الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم موني عادل
أوقف فارس سيارة الأجرة وترجل منها بعدما وصل أمام الشركة. أسرع للداخل وبدأ يبحث عن سليم ويسأل عن مكتبه. أرشده أحد العاملين بالشركة لمكتب سليم. وقف أمام السكرتيرة الجالسة على مكتبها أمامه وتحدث بصوت مهزوز:
"أريد مقابلة المدير."
كانت السكرتيرة ما زالت منكبة على الملفات أمامها، وتحدثت بهدوء وهي تكمل عملها:
"هل لديك ميعاد سابق؟"
انزوَى حاجبا فارس وقال باقتضاب:
"لا."
طالعت السكرتيرة وجه فارس منخطف اللون وقالت بعملية:
"يمكنك أخذ موعد والعودة لاحقاً."
رفع فارس كفه يمسح على وجهه بغضب، ثم أخذ ينظر حوله. سرعان ما اتجه ناحية باب غرفة مكتب سليم واقتحمه. لتتجلى على ملامح السكرتيرة الصدمة والذعر من غضب مديرها. فتحركت خلفه مباشرة.
بينما دلف فارس الغرفة وصدح صوته عالياً وهو يقول بخشونة:
"أين أختي؟ أين مي؟ ما الذي فعلته بها؟"
رفرف سليم بعينيه يستوعب ما قاله، فرفع يده يمسد مؤخرة عنقه وقال بوجه محتقن:
"لا أعرف أين هي. هل حدث لها مكروه؟ فهي منذ فترة لم تعد تأتي للعمل، فتركتها على راحتها لأنني أعلم بما تمر به العائلة. لا أنكر بأنني حاولت أن أتواصل معها، لكنها كانت ترفض أن تجيب على مكالماتي."
قال فارس بشيء من الارتباك:
"إذا كنت لا تعلم مكانها، فأين ذهبت ومع من؟"
تهدل كتف سليم ببؤس وهو لا يعرف بما يجيب أخاها أو كيف يخفف عنه، وهو يشعر بالخوف والرعب عليها في داخله. حدسه ينبئه بحدوث شيء سيء لها. فارتمى على مقعده وهو يحاول استعادة رباطة جأشه، ثم سأل فارس بنبرة مهتزة عن اختفائها.
ليخبره فارس بكل ما حدث وهو يتمنى من داخله أن يستطيع سليم مساعدته. ثم خرج من غرفة مكتب سليم وقد سكن الحزن روحه المكلومة. صوب نظره للسماء وهو يدعو ويتمنى أن يصل إليها قبل أن يصيبها شيء.
بينما سليم ما إن خرج فارس من مكتبه، أمسك بهاتفه وأخذ يتصل بكل معارفه ليساعدوه في الوصول إليها وليطلعوه إذا ما توصلوا لأية معلومات عنها. بمجرد أن أنهى اتصالاته، تذكر عندما أخبره فارس عن الرسالة النصية التي بعثها له من هاتف مي تخبره بأنها هربت مع من تحب. ذلك الأمر جعله يشكك في أمر هروبها وأخذ يفكر في اتجاه آخر، وأن هناك من اختطفها وفعل ذلك ليظهر الأمر طبيعياً.
وقف وأخذ يدور في مكتبه وعقله لا يفكر إلا في شخص واحد هو من يمكنه فعل ذلك. فقد توعد له أكثر من مرة. فتذكر محاولاته للتقرب منها. عند هذا الحد ولم يستطع التماسك، فعبست ملامحه وضرب بقبضته على مكتبه بقوة وقال من بين أسنانه بغصة تستحكم حلقه:
"لقد أمضيت أياماً أمنع نفسي من تلقينك درساً قاسياً، ولكنك كتبت نهايتك هذه المرة."
ثم اندفع خارجاً من غرفة مكتبه وهو يطلق نفساً مرتجفاً حاراً.
توجه منير نحو باب الغرفة التي يحتجزها بداخلها وأدار المفتاح بالباب. ففتح الباب على مسرعيه ليجدها ما زالت جالسة كما تركها منذ عدة ساعات، تجلس على الأريكة بتحفز. فما إن رأته دبت قشعريرة بجسدها. فإدردقت ريقها ووقفت أمامه ترفع ذقنها بإباء حتى لا يصل إليه ارتباكها.
بينما قال هو باسترخاء ما إن رآها وشعر بذعرها كال فأر:
"بعد ساعات قليلة ستكونين زوجتي وملكي."
شل لسانها عن الحديث للحظات وارتجفت شفتاها غضباً حتى نطقت أخيراً بازدراء:
"هل جننت؟ بالطبع لن يحدث، ولن أتزوج من شخص مثلك."
رفع سبابته يقول بسخط:
"بلى سيحدث. ولكن أولاً عليكي فعل شيء صغير من أجلي."
طالعته بانفعال قلق، فجاهدت ليخرج صوتها طبيعياً ولكن خانتها نبرة صوتها فخرج مهزوزاً ومتلعثماً:
"وما هو ذلك الشيء؟"
استقام في وقفته ووضع كفيه في جيب بنطاله وهو يقول من بين أسنانه المصطكة:
"ستكتبين مكتوباً من عدة كلمات قليلة ليبعث لعائلتكم حتى يكفوا عن إزعاجنا."
ابتلعت مي ريقها بصعوبة وقالت وهي تشيح ببصرها بعيداً عنه:
"لن يحدث، ولن أكتب حرفاً."
مط شفتيه وتطاير الشرر من مقلتيه كالحمم وهو يهتف من بين أنفاسه الملتهبة:
"حسناً، لقد اخترتي. ولكن دعيني أخبرك بأنني لن أتهاون مع أي شخص قد يقترب منا، وسأحارب عائلتكم حتى تزهق أنفاسي أو أنفاسهم."
ارتعدت وهي تستوعب تهديده المبهم والتفتت تنظر إليه شاهقة. فاغلق منير عينيه المشتعلتين للحظات وهو يتنفس باحتدام وقال بغضب متقد:
"افعلي ما آمرك به بهدوء حتى لا أريك وجهي الآخر."
بدأت أنفاسها تتهدج قليلاً بينما تستمع إليه يكمل حديثه بخفوت مبهم:
"هيا حبيبتي، اكتبي رسالة لعائلتك بخط يدك حتى تكف الشرطة عن البحث عنك، وأخبريهم بما أريده منك. فلا ترغميني على معاملتك بطريقة لا تليق بفتاة رقيقة مثلك."
شعرت بالذعر من تهديده المبطن في حديثه، ولكنها قوست حاجبيها هادرة:
"هل تهددني؟ أعلم بأنه لن يخرج معك شيء، وأنك خائف من أن يعثر عليك فارس أو الشرطة، أو ربما سليم."
أنهت حديثها وهي تكتف ذراعيها على صدرها تنظر إليه بثقة. ليغضب منير من حديثها وأردف متهكماً وهو يقترب منها:
"اجلسي واكتبي ما أمليه عليكي، واتقي شري. فبإمكاني اغتصابك الآن ووقتها ستكونين كقطعة قماش بالية ليس لها قيمة، ولن تستطيعي النظر في وجه أي أحد. أو يمكنني قتل إحدى أخواتك بكل سهولة إن لم تنفذي ما أريده. فرجالي يتربصون لأخيك وقد تصيبه رصاصة من مجهول، ولا أحد يعلم ما قد يحدث وقتها. ربما يمكنه أن ينفذ منها ويعيش، وربما لا. فلا تختبري صبري."
نظرت إليه مذهولة ثم زفرت عدة أنفاس كانت تجيش بصدرها وتكتم عليه، فقالت بضيق:
"يا لك من وغد! سأكتب ما تريده، ولكن عليك أن تعلم بأن أخي لن يصدق حرفاً مما سأكتبه حتى لو كان بخط يدي، فالثقة التي بيننا أكبر وأعمق من مجرد بضع كلمات على ورقة."
جلست وأمسكت بالقلم بين أناملها. فهز منير رأسه وقال بمراوغته الخبيثة:
"حسناً، اكتبي."
وأخذ يملي عليها عدة كلمات، ولكنها كانت لمي كنصل مسموم في قلبها ودموعها تملأ وجنتيها، ولكنه لم يعر بكائها أي اهتمام وكأنه ليس السبب في بكائها. فطلب منها أن تكتب نسخة أخرى مع تعديل بسيط في الاسم. مرت لحظة أو اثنتين وهي تطالعه بازدراء قبل أن تخضع له وتفعل ما يريده.
وقفت نورين تناظر انعكاس صورتها بالمرآة. وأول ما خطر على بالها عندما طالعت هذا الوجه الذابل والملامح المكسورة هو أن تترك لنفسها العنان وتتحدث معه ولو لمرة واحدة، لعلها تخرج ما بداخلها وترتاح. فأمسكت بهاتفها وكتبت رقمه الذي تحفظه عن ظهر قلب. بينما أجابها كريم وقد تهللت أساريره ولاح الفرح على حياته بعد بعدها لفترة دون أن يعلم شيئاً عنها، فلقد أخبرته بأنها ستتحدث مع عائلتها ومن وقتها لم تتواصل معه ولم تعد تذهب للمدرسة، فلقد انتهى العام الدراسي وتبقت بالمنزل تنتظر موعد الاختبارات.
استمعت لصوته يهتف بلهفة:
"لو تعلمين كم اشتقت إليك، فكم تناديك نبضات قلبي، فأهواكي بكل جوارحي. لعشقتني أكثر مما أستحق، فيبدو بأنني أحببتك أكثر مما ينبغي، فلما تركتني خلفك وكأنني مجرد عابر سبيل في حياتك."
كتمت شهقة خافتة وقالت بصوت مرتجف:
"أشعر بأنني محطمة من داخلي وأنني أعذبك معي، ولكن ليس بيدي حيلة، فأنا أمر بمأزق. ولكني لم أتمكن من نسيانك للحظة، فقد أدمنت وجودك بحياتي."
تنهد كريم بحرقة قلب وقال:
"أخبريني بما يحدث معك وسنتجاوز الأمر سوياً، ولكن لا تختفي بتلك الطريقة مرة ثانية."
غمغمت نورين ببؤس ووهن:
"لا أستطيع أن أخبرك بما يحدث، فالأمر لا يعنيني وحدي، بل يعني عائلتي كلها."
تفهم كريم حديثها ولم يرد أن يضغط عليها أكثر، فقال يطمئنها:
"أنا موجود دائماً وسأكون بانتظارك في أي وقت لتتحدثي معي وتخبريني بما يشغل بالك ويضايقك."
ارتسمت ابتسامة على وجهها، ولكن سرعان ما اختفت وشحب وجهها وهي تجد فارس واقفاً على عتبة باب غرفتها بعدما فتحه دون استئذان. فأنزلت الهاتف عن أذنها وأنهت المكالمة. فتفاقم توترها وهي تجده يقترب منها ويقف مقابلها ينظر إليها دون التفوه بحرف.
فقال فارس بعد أن أطلق تنهيدة عميقة:
"مع من كنتِ تتحدثين؟ هل أرسلت إليك مي رسائل أخرى؟"
هزت رأسها نفياً وقالت بتوتر مرتبك:
"كنت أتحدث مع صديقة لي."
أومأ لها فارس وهو يرجوها بأنها إذا ما عرفت شيئاً عن مي أن تخبره به. فتساقطت عبراتها بغزارة. فرفع أنامله وأخذ يمحوها، ثم احتضن رأسها يطبطب بكفه فوق ظهرها بخفة وقال مشدداً أزرها:
"يكفي بكاءً، سنجدها عما قريب."
ابتعدت عنه نورين وهي تبتسم ابتسامة من وسط دموعها لم تتعد شفتيها. ليبتعد فارس عدة خطوات ويلتفت مغادراً غرفتها. فمالت برأسها تطالع هاتفها الذي ما زالت ممسكة به بين كفها بحزن، ولكنها ابتسمت رغم ثقل قلبها وما يجثم فوقه.
وقفت ملاك تجهز مائدة الطعام وهي تصوب نظرها على والدتها وأخواتها. تطالع والدتها بنظرات مشفقة، فهي رغم الحزن والإعياء الظاهر عليها تحاول أن تظهر بمظهر الأم القوية من أجلهن. فتنهدت بحزن وهي تتمنى أن تنتهي معاناتهم. فالتفتت برأسها تنظر ناحية معتز الجالس بملامح مكفهره يزم شفتيه يكبح غضباً مستعراً في داخله.
فهتفت بصوت مسموع لتلفت انتباههم:
"الطعام جاهز."
ناظرتها والدتها وقد لسعت العبرة بسياطها حدقتها، ولكنها تماسك وقالت توجه حديثها لابنيها وهي تتراخى في جلستها:
"لما مازلتم جالسون؟ هيا قفوا وتناولوا طعامكم، فلم يذق أحد منكم طعم الزاد منذ البارحة."
عبست ملامح معتز قبل أن يقول بشرود عينيه:
"ومن لديه شهية؟ لن يرتاح لي بال وأستطيع الجلوس وأتناول طعامي إلا بعد أن أعلم أين هي ومع من. وإذا اتضح أن تلك الرسالة صحيحة، وقتها لن ينقذها أحد من بين يدي، فسأزهق روحها."
غطت والدته فمها بيدها تكتم شهقة خافتة وقد انقبض قلبها خوفاً على ابنتها. فاستطردت تقول وهي تحاول أن تغير فكره وتكون أكثر إقناعاً:
"صدقاً لا أدري ما أقوله، ولكن حكم قلبك، هل مي يمكنها فعل هذا؟ يمكنها أن تؤذينا بتلك الطريقة؟ بالطبع لا، فقد ربيت ابنتي بطريقة صحيحة، ولن أسمح لأي كان أن يشكك في تربيتي لها."
أراد الرد عليها ولكنه بتر حديثه عندما نشجت والدته بألم حارق والحزن يفترس مقلتيها. فضرب كفاً بكف ووقف يستند على عكازه وتحرك مغادراً المجلس ذاهباً ناحية غرفته.
بعدما خرج فارس من غرفة نورين، ذهب مباشرة لغرفته وتسطح على الفراش يحاول النوم ولكنه لم يستطع. فلم يغمض له جفن منذ تلك الليلة التي اختفت فيها مي. كان متسطحاً على ظهره ينظر لسقف الغرفة بوجه فاقد حيوية الحياة. فاستمع لصوت خطوات قريبة من باب غرفته، وراء مقبض الباب يتحرك. فوضع ذراعه فوق وجهه وأغمض عينيه سريعاً مدعياً النوم.
بينما دخلت ليال الغرفة وأغلقت الباب خلفها. فأقتربت من الفراش وهي تطالعه وجلست على طرفه وشردت تنظر إليه وهي تهمس بصوت يغزوه الحزن:
"إلى متى سيظل القدر يعاملنا بتلك القسوة؟ ألم نحظ بالسعادة وراحة البال؟ فلما الحزن يتوغل بحياتنا؟ هل ذلك هو قدرك أم قدري يطغي عليك؟"
ابتلع طعماً مراً في حلقه وهو يزيح ذراعه عن عينيه ينظر إليها. فدنت منه أكثر تدفن وجهها في صدره فقال بصوت مبحوح:
"ما الذي ترمين إليه بقولك لتلك الكلمات؟"
اندفعت مبتعدة عنه بإنزعاج ظاهري ثم قالت بعفوية:
"لم أقصد شيئاً، كنت أسألك فقط لما القدر بتلك القسوة؟ فلما كلما شعرنا بالفرح للحظات يحدث شيئاً يحزننا لأيام طوال."
ازداد انعقاد حاجبيه وقت وهو يعتدل جالساً:
"هل مللت العيش معي لتعترضي وتتذمري من قدري؟ فتلك مشيئة الله، ليس بيدي شيء إلا الصبر."
فغرت ليال شفتيها قليلاً وقد تفاجأت من تحليله لحديثها، فهي لم تقصد ما وصله من معنى، فقالت بجدية:
"بالطبع لا، فلم أقصد ذلك. كنت أحاول أن تناقشي معي."
همس بتهكم حانق وهو يتسطح مجدداً:
"اذهبي واغلقي الباب خلفك واتركيني، لعلي أغفو ولو لعدة دقائق."
اختلجت شفتا ليال واستغرق الأمر منها لحظات طويلة قبل أن تجيبه بتحشرج وهي تمحي دمعة فارّة من عينيها:
"حسناً، نوماً هنيئاً."
بمجرد أن قالت تلك الكلمات وقفت من مكانها. فشاب ملامحه الانزعاج ولكنه ظل على هيئته دون التفوه بحرف. فاتجهت ناحية الباب وأوصدته جيداً بالمفتاح وأكملت خطواتها ناحية الفراش وتسطحت بجواره دون قول شيء. فاجتذبها فارس نحوه لتريح رأسها على كتفه ويمسد عليها لتغمض عينيها باسترخاء، بينما ظل هو مستيقظاً وفكره مشغولاً بمي. فاللمعت مقلتيه بالقهر والظلم الذي يعافر به.
ليخرجه من تفكيره صوت طرقات قوية على باب غرفته. استيقظت ليال فزعاً تنظر إليه بتساؤل. فابتعدت عنه لتعطيه مجالاً ليذهب ويفتح الباب. فما إن فتح الباب ورأى ملاك واقفة أمامه بوجه شاحب شحوب الموتى علم بأن هناك ما هو أسوأ. فمدت يدها إليه بتلك الورقة التي وجدتها أمام عتبة باب منزلهم.
تناول فارس الورقة سريعاً وأخذ يقرأ تلك الكلمات التي كتبتها مي، فتقبضت يداه والغضب يشتعل بداخله وهو يطالع خطها. فليس هناك ما قد يجعله يشكك في الأمر الآن. فضغط على أسنانه بشراسة. فلقد كان منفعلاً جداً. حاول أن يهدأ ولكنه لم يستطع. فأمسك برأسه الذي شعر بأنها على وشك الانفجار وأن الدماء تفور بداخله، قبل أن يغمض عينيه ويقع مرتطماً بأرضية الغرفة.
رواية ذلك هو قدري الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم موني عادل
انزعج سليم وتنفس بإنفعال وقهر بعدما مزق تلك الرسالة التي يعلم جيدا مدي صحتها.
لقد وصله نسخة من الرسالة التي وصلت لفارس.
فامسك بهاتفه يتصل برجاله ليعرف ما اذا توصلوا لاية اخبار عن منير.
ظهرت ابتسامة رضا علي وجهه والتفت يأخذ اشياءه الخاصة من فوق طاولة مكتبه.
تحرك يخطؤ سريعا نحو الخارج ومازال الهاتف علي اذنه يتحدث به.
فأستقل سيارته وقد قرر الذهاب للعنوان الذي اخبره عنه احدي الرجال الذين يعملون لديه بان منير متواجد به.
فأخبره قبل ان ينهي المكالمة بصوت مرتجف من الانفعال والغضب:
((اخبر الشرطة واحضر باقي الرجال والحق بي الي هناك.))
ثم انهي المكالمة وهو يزفر زفرة طويلة بعدم صبر.
فأسرع من قيادة سيارته ليصل في اقرب وقت.
بعدما سقط فارس فاقدا للوعي انهارت ملامح ليال وانخفضت تمسكه من كتفيه بقوه متشبثة به.
لتدفعها ملاك برفق وهي تحاول افاقته قبل ان تنفجر في البكاء بعدما وجدته لا يستجيب لمحاولتها.
فحركت وجهها تاره بين ليال المنهارة من البكاء وتارة بين اخيها المجثي علي الارض.
فقررت التصرف كشخص مسؤول وصوبت نظرها نحوه هاتف اخيها الموضوع بجوار الفراش.
فأسرعت تمسك به بأنامل مرتعشة واتصلت بمالك فهي لا تعرف ما عليها فعله وهو اول من خطر علي بالها لتطلب منه المساعدة.
فما ان اجابها مالك حتي قالت بصوت مثقل من اثر بكائها:
(( مالك هذه انا ! لقد سقط فارس فاقد للوعي ولا يستجيب لمحاولتي افاقته ولا اعلم ما علي فعله .))
امتعض وجهه وقد تجهمت ملامحه ولكنه اردف بثبات:
(( ماذا ؟ ))
فاكمل بخشونه من بين انفاسه المسروقة:
(( لا تقلقي انا في طريقي اليكم وسأجلب معي الطبيب فقط كوني بجواره .))
ثم انهي المكالمة دون التفوه بحرف اخر.
بعدما انهي مالك مكالمته مع ملاك اتصل بالطبيب واملي عليه عنوان المنزل واخذ يسرع بسيارته ليصل في أقل وقت ويكون بجوارها.
جثت ملاك بجوار اخيها مرة اخري وغمغمت بصوت خافت:
(( لا ادري ما الذي جعلني اعطيك تلك الرسالة كان علي ان اتصرف واخفيها او ربما اعطيتها لمالك ريثما تساعده في الوصول اليها فانا السبب بما يحدث معك ولكني لم اكن اعلم بأنك ما ان تقراها ستقع فاقدا للوعي .))
استمعت لصوت الجرس يتصاعد في المنزل وبعد عدة ثواني وجدت مالك يدخل الغرفة ومعه الطبيب ووالدتها تهرول خلفهم بوجه شاحب وخائف.
فوقفت علي عتبة الباب ما ان رات فارس مقلي علي الارض ومالك والطبيب يحملونه ليضعونه فوق الفراش.
وضعت كفها فوق فمها تكتم شهقة مؤلمه وامتلئت عينيها بالعبرات الحارقة.
فحركت قدميها وخطت نحوه والطبيب يفحصه.
جلست علي طرف الفراش وامسكت بكفه وهي تنظر للطبيب بترقب.
فما ان وجدته انتهي من فحصه ويضع ادواته بداخل حقيبته الجلديه فقالت كاتمة العبره:
(( ما به ولدي طمئن قلبي المكلوم عليه .))
اخذ الطبيب نفسا عميقا قبل ان يقول بعمليه:
(( لا تقلقي فهو بخير يحتاج فقط لبعض من الراحة والتغذية الجيدة فجسده منهك ومتعب كأنه لم ينم منذ ايام اعطيته دواء سيريحه ويجعلة يغوص في النوم لعدة ساعات فلا تقلقي عليه وما ان يستيقظ اجعليه يأكل جيدا .))
استطاعت والدته أن تتنفس براحة بعدما طمئنها الطبيب فنظرت اليه بإمتنان لينسحب لخارج الغرفة ومالك يتبعه.
لتطلق العنان لدموعها الحبيسة وقالت بعجز ووهن وهي تحتضن راسه وتضعها فوق قدميها ليتوسدها:
(( اسفه يا بني علي كل ما تمر به اعلم بانك تحمل حملا ثقيلا فوق كاهلك فلم يجرؤ احدا منا ليسألك ولو لمرة بما تشعر به او كيف تتدبر امورك خوفا من ان تتذمر وتعترض علي ما يحدث وتقرر حمل عبئك فقط والاكتفاء بذاتك اعترف بأنني قاسية ولكنني ام .))
ثم اجهشت في بكاء مرير وهي تمطر وجهه وترفع ذراعه تقبل كفه ودموعها تتساقط فوقه.
اقتربت منها ملاك تنظر في عمق مقلتيها المتلألئتين بدموع لتهمس من بين شفتيها ببطء:
(( دعيه ليرتاح كما طلب الطبيب ولننتظر بالخارج حتي يفيق .))
تحرك حلق والدتها بصعوبة وهي تهز راسها شاعرة وكأن صخرة جاثمة فوق صدرها لتسحق ضلوعها بثقلها المؤلم.
فوضعت راسه علي وسادته برفق ومالت تقبل جبينه ثم وقفت بصعوبه وهي تشعر بأن قدميها لم تعد تحملاها لتساعدها ملاك وتمسك بذراعها تصطحبها لخارج الغرفة.
بينما كانت ليال مازالت واقفة بوجه شاحب شحوبا يحاكي الموتي وبصرها مثبتا عليه شاعرة بفجيعة أنها ستفقد عقلها من هول صدمتها بأنه قد اصابه سوء.
هرولت مسرعة ناحية المرحاض لتغسل وجهها بقوه وبحسرة ملتاعة.
كان يجلس بجوار المأذون ينتظر قدومها.
ولكن عندما وجدها تأخرت وقف حانقا يجوب المكان مشية وايابا يرخي بيده رابطة عنقه.
ليستمع لصوت المأذون:
(( هل العروس جاهزة لقد تأخر الوقت ولدي عقد قران اخر .))
هز منير راسه بإبتسامة سمجه ثم تشدق بسعادة:
(( نعم جاهزة ولكنها عروس وتستحق كل ما تريده من وقت فهي تشعر بالتوتر .))
فما ان انتهي مما تشدق به استدار ذاهبا نحو الغرفة المتواجد بداخلها مي وقد تغضن جبينه بضيق من تأخرها.
فلقد استعجلها وذهب لمناداتها لاكثر من مره ولكنها لم تعيره حتي حق الرد عليه.
وقف امام الباب واخذ نفسا عميقا ثم امسك بمقبضة يحاول فتحه ولكنه لم يستطع فهي توصده من الداخل.
فقال هادرا بصوت ممتعض:
(( مي افتحي الباب واخرجي في الحال .))
كانت ممدة علي الفراش عيناها تحدقان في الفراغ وحاجباها معقودان بينما افكارها تتصارع بعقلها عن كيفية الخروج من هنا فهي لن تظل حبيسة تلك الغرفة مطولا.
استمرت علي وضعيتها الي ان وجدته يطرق الباب بقوه.
فعندما وجدها لا تستجيب لطرقاته اخذ يضربه بكتفه عدة ضربات الي ان فتح.
وقفت مي مصدومة تطالعة بذعر فهي اعتقدت بأنها في امان بداخل تلك الغرفة طالما بمفردها.
انتشلها منير من شرودها وهو ينظر للفستان الذي قد جلبه لها لترتديه مازال موضوعا في مكانه.
فقال بصوت اجوف فاتر:
(( لما اغلقتي الباب ؟ ولما لم تنتهي بعد من ارتداء ملابسك ليس امامنا اليوم بطوله فالمأذون يريد الذهاب .))
(( لن أرتدي شيئا مما جلبته اخبره بأن يذهب فأنا لن اتزوجك .))
انفعلت نبرة منير وهو يخرج عن فتوره قائلا:
(( كوني فتاة مطيعة واسمعي الكلام فانتي ستكونين ملكا لي الليلة سوء تزوجنا ام لا فالقرار عائد اليكي.))
تلعثمت قليلا وارتبكت نبرتها:
(( ما الذي يضمن لك بأنني عندما اخرج واكون امام المأذون ارفض الزواج ووقتها لن يوافق علي عقد القران وسارتاح منك للابد .))
اطبق منير فكيه بقوه ثم قال:
(( لا تنسي حبيبتي بأنك بمملكتي ويمكنني فعل ما اريده ولكنني اتمهل لاحصل عليكي بطريقة شرعيه .))
ثم اقترب منها وامسك بكفها يجرها خلفه وهو يتمني من داخله ان تعارضه.
وصل حيث يجلس المأذون والشهود فأجلسها علي الاريكة وجلس والمأذون بينهما.
فأشار اليه ليبدا في عقد القران.
فما ان بدأ المأذون في التحدث ليردد منير خلفه صدم من وقوف سليم امامه هو ورجاله وهو يطلب من المأذون بنبرة مخيفة أن يتوقف.
اتسعت عينا مي ذهولا ووقفت تهرول نحوه وارتمت بداخل احضانه.
ليقول منير بعدما وقف هو الاخر بصوت ثابت لا يتزحزح بنبرة يفوح منها التهديد:
(( ابتعدي عنه في الحال وعودي لنكمل عقد القران .))
تمتم سليم بعنجهية لا تناسب اضطرابه و انفلات اعصابه:
(( في احلامك فكم انت شخص واهم اذا اردت اخذها عليك ان تتخطاني اولا .))
نظر اليهم المأذون متعجبا مما يحدث فوقف واراد الذهاب ولكن رجال سليم منعوه وهم يقفون امام الباب ويسدونه كي لا يدخل او يخرج احد.
فامسكها سليم من ذراعها واوقفها خلف ظهره لتتحامي به مي وتمسك بكفيها في ملابسه بقوه.
اقترب منه منير بخطوات سريعه ليفاجئه سليم بلكمة قوية في منتصف وجهه.
ليحدق منير بهم بنظرات نارية للحظات لكنها لم تبالي.
لكن عندما رفع يده واخذ يرد له لكمته بأخري اختضت وأغمضت عينيها بخوف فهي لا تستطيع رؤية سليم يتشاجر مع منير ويتلقي اللكمات من اجلها.
فرقت بين جفنيها ببطء ونظرت تجاههم لتجدهم مازالوا علي حالتهم يتشاجرون.
فما ان وقعت عينيها علي منير قست ملامحه واردف بنبرة غاضبه وهو يتوعد لها:
(( ان لم نكمل زواجنا الليلة سأخبر الجميع بأنك عشيقتي وسيكون عليكي اثبات عكس ذلك فانتي بقيتي معي تحت سقف منزل واحد لعدة ايام فمن سيصدقك وقتها .))
كان سليم متعبا خائر القوي بعد تلقيه كما هائل من اللكمات والضربات في سائر جسده.
ولكن ما ان استمع لما تفوه به منير وتهديده الصريح لها انقض عليه كالاسد الجائع الذي ينقض علي فريسته يمزقها اربا ليشبع جوعه ويشعر بالشبع والانتشاء.
لم يتركه الا بعد ان وصلت الشرطة للمكان وابعدته عنه ليتم القبض عليه بتهمة الاختطاف.
وقف سليم يتنفس بعنف ثم ضيق حدقتيه كمن تذكر شيئا وطالعها بإنشداه تبكي بخوف وصدمة.
وجد المأذون يهم بالخروج فتحدث بقوة هاتفا:
(( اجلسي ودعينا ننهي عقد القران ))
نظرت اليه بصدمة اكبر وتجلت ملامح الذهول علي وجهها لا تعرف ما تقوله وكأنه عقد لسانها.
هل يتحدث عنها هل سيتزوجها بتلك الطريقة كيف ستستطيع العيش معه وما الاختلاف بينه وبين منير فهو سيقلل منها ويتزوجها دون موافقة عائلتها.
وجدته يقترب منها ووقف امامها يطالعها فهو يعلم بانها فتاة صعبة المراس.
فقال متملقا بنظرات ممزوجة بالخنوع المداهن:
(( مي عليكي بالزواج مني حتي نضمن بأن منير لن يجلب سيرتك بسوء ولن ينفذ تهديده ويقول بانك علي علاقة به فزواجنا سيكون انقاذ لكي ولسمعة عائلتك فكما قال انتي متغيبة عن منزلك منذ عدة ايام ولن يصدقك احد فتلك الرسائل التي وصلت لعائلتك توضح كل شئ .))
هتفت مي مصعوقة بالذهول والصدمة:
(( لا يمكنه فعل ذلك فهو سيدان بتهمة الاختطاف فمن سيصدقه وقتها .))
نظر اليها بتلاعب لئيم ورفع حاجبيه يخبرها بوضوح:
(( حبيبتي يكفي بانه سيجلب لكي الكثير من المشاكل التي لا يسعك التخلص منها بسهولة .))
رفعت بصرها تنظر بداخل عينيه بتوهان وذعر مما يرمي اليه.
فأوما لها براسه وهو يهمس بخفوت:
(( ثقي بي .))
ثم امسك بذراعها يجرها خلفه حيث يجلس المأذون واجلسها ثم جلس علي الناحية الاخري من المأذون وتحدث يخبره بأن يبدأ في مراسم عقد القران.
كان يكتم بهجته ويخفي ابتسامة تهللت بوجهه عليه بشق الانفس.
طالعها ورأي تخبطها وصدمتها مما هي مقدمة عليه يعلم بأنه من القسوة ان يتزوجها بتلك الطريقة وان زواجه منها ليس الحل الوحيد لذلك ولكنه لم يستطيع التخلي عن تلك الفرصة دون ان يجعلها زوجته فهي تماطل في جعله يقابل عائلتها لطلب يدها.
انتهي الماذون من عقد القران وطلب منه التوقيع علي قسيمة الزواج.
فأمسك بالقلم بين انامله ووقع سريعا ليمرر اليها المأذون الدفتر والقلم لتوقع.
امسكت بالقلم تنظر اليه بتوهان وكأنها لا تفقه شيئا ولا تعرف ما يحدث معها.
نظرت اليه لتري الترقب مرتسم علي وجهه ويؤمي براسه لتفعل.
فخطت باسمها علي الورقة لتتهلل اساريره فلقد تم الزواج واصبحت زوجته.
انسحب المأذون وذهب وظلت هي جالسة في محلها.
اقترب منها وادعي الاسف والعجز وهو يسترسل:
(( لم يكن هناك حل اخر صدقيني عائلتك ستتفهم الوضع .))
نكست راسها وهي تشعر بالسخط علي نفسها وقالت بهدوء:
(( ارجوك اريد العودة لمنزلي .))
أوما سليم لها مبتسما ووقف يشير اليها لتتحرك معه ويوصلها لمنزلها.
أقلق فتح الباب فارس من رقاده ليفتح عينيه ببطء ويري ليال واقفة امامه تحدق بملامحه الوسيمة.
فلم يتحدث وتعامل معها وكأنه لا يراها.
فالتفت براسه يطالع الساعة الجدارية وقال بصوت اجش:
(( لما تركتني انام كل ذلك الوقت .))
قوست ليال شفتيها بطفوليه ثم قالت بنيرة باكيه:
(( كنت تحتاج للراحه لذلك اعطاك الطبيب مهدى جعلك تنام لعدة ساعات .))
تدلي فك فارس حتي كاد ان يلامس الارض وهو ينصت اليها.
فغمغم بذهول:
(( مهدي ! هل اصبح الوضع سيئا لتلك الدرجة فلا استطيع النوم والراحة الا بعد اخذ شيئا يساعدني علي ذلك .))
أجابته بخفوت:
(( بالطبع لا فالطبيب لم يوصفه لك ولكنك كنت بحاجة اليه في ذلك الوقت فقط .))
ضحك فارس بخفوت علي حديثها وقال بجدية تكتنفه:
(( يبدو بأنني سأكون بحاجته طوال الوقت .))
أصدرت ليال صوتا تهكميا ثم قالت بتذمر:
(( لا اريدك ان تيأس وتتحدث بتلك الطريقة مجددا فأنت قوي وستتحمل ما يحدث معك لتخرج في النهاية منتصرا متشبثا بأخواتك وقد قمت بواجبك علي اكمل وجه تجاههم . ))
استقام فارس من مكانه وانعقد حاجبيه قليلا وهو يسألها بخفوت مقتضب:
(( أين ملاك ؟))
اقتربت منه ووضعت ذراعيه فوق صدره ثم احاطته بذراعيها هاتفه:
(( لقد اصرت عليها والدتك ان تذهب لمنزلها مع زوجها فهي مازالت عروس واخبرتها انها ستتصل بها وتطمئنها عليك لذلك ذهبت علي مضض .))
رفع ذراعيه يشدد من احتضانها وهو يستنشق كاما هائلا من الهواء وكأنه لم يتنفس منذ مده.
ابتعدت عنه قليلا فطالعها بحب فلم يكن يتخيل بأنها ستهجم علي حياته وقلبه لتستوطنه وتتملك منه.
بدأ قلبه يضج بنبضاته المتسارعة ولكنه استعاد رباطة جأشه فما يمر به لا يجعله ينعم بسعادته واستقرار حياته مع زوجته.
فقال هامسا بعاطفة:
(( سأذهب لاري والدتي واطمئنها .))
ابتسمت ليال ببسمة انارت وجهها فهي تعلم ما يعانيه ولكن لا تريد ان تزيد الامر عليه.
فأومات له بهدوء ليسارع فارس مغادرا لغرفته.
في غرفة نورين كانت تسرد لتؤامها ما دار بينها وبين كريم.
ولكن ما ان انتهت واستمعت لحديث تؤامها حتي جلست علي الفراش وعبست ملامحها.
فنظرت اليها نور بنظرة انتصار قائلة بجدية تكتنفها:
(( دعي حبك جانبا وفكري فيما نمر به وبما يعانيه فارس من اجلنا وبإختباراتك التي قد بدات كل ذلك لا يهمك لتجلسين بدماء باردة وتفكرين في اشياء تافه يا لكي من فتاة انانية .))
عبست ملامح نورين اكثر بحزن خالص وهي تقر بأنها فتاة انانيه ولكنها لم تقصد ان تظهر بذلك الشكل.
فكل ما ارادته ان تتحدث مع تؤامها وتخبرها بحديثها مع كريم لعلها تنصحها بما يتوجب عليها فعله.
ولكن رد فعل نور صدمها وافاقها في ذات الوقت.
فأذدردت ريقها بتوتر وهي تنظر لنظرات نور المشتعلة التي ترمقها بها وكانها تخبرها بانها خيبت ظنها.
فوقفت تقول بغصة في حلقها:
(( لم اقصد ان اظهر بانني لا ابالي بما يحدث فانا اعلم جيدا ما يعانيه فارس من اجلنا واقدر ذلك ايضا وقلبي يتمزق من اجل غياب مي ويعنيني امرها ولكن ليس بيدي شيئا لافعله كل ما في الامر بانني شعرت انني اقترفت خطأ واردت ان اخبرك اياه لتشاركيني رايك ليس اكثر .))
تشدقت نور تقول بمرارة:
(( تريدين راي في ماذا كلانا يعلم بأن كريم لا يحبك فكيف لمعلم ان يقع في غرام طالبة لديه الا اذا كان شخص غير سوي اتركي تلك الاوهام خلف ظهرك وانظري لدراستك ومستقبلك . ))
ابتلعت نورين ريقها واستنكرت بصوت اجش يعكس حريق قلبها الداخلي:
(( علي أي اساس تتحدثين وتحكمي عليه اذا احبني ام لا واذا كان شخص سوي ام غير ذلك تقولين بانني انانيه بل اتضح لي بانه ليس هناك شخص اناني غيرك .))
لم تعير لنظرات نور الغاضبة والمذهولة من حديثها اي اهتمام واستدارات تخطؤ خارج غرفتهم.
فما ان خرجت منها حتي اصطدمت بفارس الذي كان في طريقة ليري والدته.
ابتعدت نورين تطالعه وهي تعتذر منه ودموعها تتساقط لا تعلم سببا لتساقطها اهو ما حدث منذ قليل بينها وبين تؤامها ام رؤيتها لفارس بتلك الهيئة المتعبة والوجه الشاحب.
فبادرت تساله بحنو وهي تمسد علي وجنته:
(( كيف حالك الان .))
اجابها بصوت ميزه بحة لامست قلبها:
(( بخير لقد غفيت لكثير من الوقت فأصبح وضعي افضل بكثير .))
وصله صوتها الخفيض وهي تشكر الله وتدعو له بالصحة والعافية.
فمسد علي شعرها وقبل اعلي راسها وهو يقول بحزم مصطنع:
(( هل جهزت لنا كوبين من الشاي واحضرتيهم لغرفة والدتي .))
مطت شفتيها بطفوليه تدعي التفكير ولكن سرعان ما اومأت له فاخذ يكمل طريقة حيث والدته.
في سيارة سليم كانت مي مازالت تتشاجر معه وتخبره بانه استغل وضعها وصدمتها واقدم علي الزواج منها.
وانها بذلك وضعت نفسها في موضع تشكيك بالنسبة لعائلتها فهي من تعلم بخطورة الوضع وان تلك الرسائل التي بعثتها لهم ستكون حاجزا في جعلهم يصدقونها.
ناظرته بعدم فهم وهي تراه يتعالم مع الامر بشكل طبيعي وكان شيئا لم يحدث.
فقالت بتوتر شديد يحيطها:
(( ما الذي سيحدث الان وكيف سيتقبلون عائلتي زواجنا .))
اوقف السيارة بجانب الطريق وهز راسه مهمهما لها وهو يغرق في عينيها ولا اراديا اندفع يستولي علي شفتيها بشغف دون قيد.
فهي قد اصبحت زوجته وحلاله للحظة ضعفت مي وتجاوبت معه ولكنها اوقفته بغته تقول لاهثه:
(( لن اسمح لك بالتقرب مني حتي يوافق عائلتي علي زواجنا ويباركوه يكفي اكراها .))
اتسعت عيناه لا يصدق صراحتها.
فمرت شبح ابتسامة علي ثغره وقال بعد لحظات تفكير:
(( حسنا سأنتظر لوقتها ولكن لا مانع في مبادلتي عدة قبلات.))
قلبت عيناها واستدارات تنظر من نافذة السيارة وقد تجمعت العبارات في عينيها.
رفع سليم حاجبيه ثم غمر انامله في شعره وهو يستوعب بانه لم يستطيع ان يخرجها من حالتها.
فكل تفكيرها منصب علي مقابلة عائلتها وموقفهم منها.
فدنا منها ينتشلها من شرودها فقبلها علي وجنتها وهو يطمئنها بعينيه بان كل شئ سيكون علي ما يرام.
ثم التفت يشغل محرك سيارته واخذ يقودها.
في غرفة ملاك كانت جالسة وقد اشتد البؤس الظاهر علي وجهها بينما تتكئ بخدها فوق قبضتها.
فطالعها مالك بحزن وهو ممسك بهاتفه يتحدث به يفكر بان لو بإستطاعته لدفع الغالي والنفيس لتعود تلك الابتسامة ترتسم علي محياها من جديد.
فاقترب منها بعد انهي مكالمته وجلس بجوارها يحتضن كتفيها وهو يقول بجدية:
(( لقد توصلت الشرطة لمكان مي وتم القبض علي من قام باختطفها فلا تقلقي ربما تكون قد وصلت للمنزل الان بأمان .))
رفرفت ملاك بعينيها مذهولة فوقفت تريد الذهاب لمنزل عائلتها.
امسك مالك يدها يمنعها من المغادرة فقالت بإصرار يضج بعينيها:
(( اريد ان اكون بجوارهم واطمئن علي مي بنفسي ارجوك .))
وجدته يحيط جسدها الضئيل بجسده قبل أن يحرر إحدي كفيه حتي يغمر اصابعه في خصلاتها الكثيفة وهو يقول بصوت اجش:
(( لقد تأخر الوقت سنذهب اليهم في الغد ونطمئن عليها فنحن اتينا منذ وقت قليل .))
ظلت صامته ولم تجيبه بشئ فمعه كل الحق ستغضب والدته وتزعق فيها لانها ستذهب لمنزل عائلتها للمرة الثانية على التوالي في نفس اليوم.
فعندما عادوا للمنزل اسمعتهم ما يكفي من الحديث الذي يدل على غضبها وحنقها من ذهابها لمنزل عائلتها وهي مازالت عروس.
بينما استغل مالك هدوئها وعدم تحركها ليغيب في سحابة استسلامها واخفض راسه يمتلكها بتملك غريزي جعلها تهمس اسمه بخجل بالغ.
فشعر بتمام استسلامها بجوارحه لقربه المهلك منها فزاده شعورا بإكتساحها ليحلقا في سماء المشاعر.
في قسم الشرطة كان منير غاضبا لوجوده في السجن مع المجرمين وقطاعين الطرق.
فكان واقفا وراء الباب الحديدي ينظر من نافذته الصغيرة التي تملائها الاسياخ الحديديه وهو يهدرفي العسكري الواقف امام الباب برفض قوي رغم ارتجاف صوته:
(( اخرجني من هنا في الحال لا تعرف من اكون .))
لم يجيبه العسكري وظل واقفا كما هو.
فقال منير وملامحه تضج صرامة اشد:
(( انتظر وستري ما سافعله بك ما ان اخرج من هنا .))
انتفض منير ما ان شعر بذراع احدا توضع فوق كتفه فاستدار سريعا يطالع ذلك الشخص الذي يقف مقابلا له.
ليسمعه يقول بإسلوب لا يحمل المزاج:
(( لا اريد ان استمع لصوتك فالوقت تأخر ونريد النوم اذهب واتخذ لك جانب واجلس به دون التفوه بحرف .))
ازدادت خفقات قلبه من الخوف وخانته قدميه فتحرك يجلس في جانب الغرفة التي يحتجز بداخلها وجلس علي ارضيتها بهدوء دون تذمر وعيناه لم تفارق ذلك الشخص خوفا منه.
وقفت سيارة سليم امام المنزل فالتفتت مي تطالعه بنظرة مذعورة.
فأوما لها بعينيها يحثها علي التحرك.
امسكت باب السيارة تفتحه وترجلت منها واخذت تخطؤ ناحية المنزل بخطوات بطيئه وهو يتبعها.
فوقفت امام الباب في رهبه وهي تشعر بانها اخطأت خطأ جسيما في حق عائلتها.
فأطرقت براسها وانفاسها تتهدج لتبدأ عيناها تلتمع بالدموع.
فما ان راها سليم حتي ضغط علي زر الجرس قبل ان تنهار باكية.
كان معتز جالسا في صالة المنزل يعمل علي حاسوبه.
فمنذ ان بدات حالته بالتحسن بحث عن عمل ليجد امامه عملا بمبلغ زهيد ولكنه جيد يكفي بانه يستطيع انهائه من المنزل وعن طريق حاسوبه فوافق وباشر العمل به.
استمع لصوت جرس الباب يصدح في المنزل فاستند بمرفقيه علي الاريكة ووقف يمسك بعكازه يستند عليه ليصل للباب.
امسك بمقبض الباب يفتحه ليتفأجأ بمي واقفة امامه بوجه ذابل وعينين محمرتين من كثرة البكاء.
فلم يعرف كيف يتصرف او ما يتوجب عليه فعله وقتها هل يحتضنها او يعنفها ويحقق معها يسألها اين كانت ومع من.
شعر بالتشتت والصدمة ولكنه ترك العنان لمشاعر الاخوه لتتحكم به.
فامسكها من ذراعها يجتذبها بداخل احضانه لتبكي بكاءا مريرا وراسها تتوسد كتفه وهو يربط علي ظهرها.
لمح سليم الواقف امامه يطالعهم بنظرات لم يفهمها.
فابعد مي عنه ونظر لسليم بتمعن وهو يتسأل بغضب مكتوم:
(( من تكون .))
شعرت مي بتقشعريره تجتاح جسدها وهي تري اخيها يقف امام سليم ويسأله عن من يكون.
فأغمضت عينيها بخوف مما هو قادم.
بينما اخذ سليم نفسا طويلا ثم قال بصوت هادئ:
(( انا اكون زوجها.))
رواية ذلك هو قدري الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم موني عادل
عندما سأل معتز عن من يكون ذلك الشخص، واستمع لإجابة سليم عن سؤاله، اتسعت مقلتيه برعب. أدرك الآن ما تفوه به. فغمغم بغضب يكاد يلتهمه وهو يلكزه في كتفه:
"ماذا؟ فلتعد ما قلته مجددًا."
وهنا وجد نفسه يقول بثقة:
"قلت بأنني أنا ومي قد تزوجنا."
قال معتز بنفس نبرته الغاضبة والمرتفعة:
"أنت تكذب، فلا تنطق اسمها مرة أخرى على لسانك."
جفلت مي على صوت معتز المرتفع واضطربت ملامحها عند رؤيتها لمعتز يندفع ناحية سليم. كانت تنظر لقدميه وهي تشعر بالخوف عليه من سرعة خطواته حتى لا يؤذي قدمه. فما أن وصل أمام سليم، أخذ يكيل له العديد من الضربات، وقد سقط عكازه أرضًا. فترنح وكاد أن يسقط، ولكن سارعت مي تسنده حتى لا يسقط أرضًا. ولكنه نفض ذراعها بعيدًا عنه ورفع كفه يريد صفعها. ولكن تلك الكف التي أمسكت بذراعه لثنيه عما يريد فعله كانت أسرع منه. فرفع بصره يطالعه بقهر وضعف. فلولا إصابة ساقه التي ما زالت تؤثر على حركته، للقنهم جميعًا درسًا لم ينسوه يومًا. فالتفت برأسه بعيدًا عن أنظارهم حتى لا يروا ضعفه وعينيه التي ترقرق بالدموع.
بينما كان فارس يرمقها بصدمة ممزوجة بألم حارق هز كيانه. لكنه قاوم كي يبقى جامدًا. ثم قال بحزم مصطنع يداري فيه صدمته:
"لماذا أتيت لهنا؟ اذهبي معه إذا، ولا تريني وجهك مجددًا. لقد خيبتِ ظني بكِ. لقد كنت أدافع عنكِ ولا أصدق حرفًا مما أرسلتيه، ولكن الآن سمعت كل شيء بنفسي. فكيف أكذب أذني وأصدق قلبي؟"
أنهى حديثه يضرب موضع قلبه بقبضة كفه وهو يضغط على أسنانه بقوة يكتم غيظه. فكان ذلك ما استطاع النطق به بعد أن منع معتز من صفعها. فقد استمع للحديث الذي دار بينهما كله. فمنذ أن سمع لصوت الجرس، وقف ليرى من الذي أتى لعندهم في ذلك الوقت المتأخر، ليتفاجأ بمي ومعها مديرها. للحظة شعر بالفرح وأراد الاقتراب وإخفائها بين أحضانه ليشعرها بالأمان وأنها في منزلها. فلم يفكر في تلك اللحظة عن سؤالها أين كانت أو مع من. ولكن ما أن تحرك لخطوة واحدة، وقف مكانه وهو يستمع لرد مديرها وهو يخبر معتز بأنه زوجها.
أظلمت ملامح سليم وهو يرى نظرات الحقد مرتسمة على وجوههم. أراد التحدث وتصحيح تلك الصورة، ولكنها حدقته بعينيها بعدم التدخل بينهما. ثم نظرت لفارس وامتقع وجهها. فزمجرت به بعصبية وقهر متشعب في قلبها وروحها:
"صدقت تلك الرسائل وأنا من كنت أثق في نفسي وأراهن بأنك لن تصدق حرفًا مما أرسلته وستعلم بأن هناك ما يحدث معي. لأصدم الآن من رد فعلك وغضبك غير المبرر هذا. فما سألتني حتى عن ما حدث معي وكيف عدت إليكم متزوجة. لقد كسرت بخاطري ومزقت قلبي."
أنهت حديثها وغصة في حلقها تشير بإبهامها على صدرها موضع قلبها وانهمرت دموعها مدرارًا كالأنطار الغزيرة. بينما قلبها ينكمش بالألم يكاد أن يقتلها. ظلت تبكي وتبكي.
فنظر إليها معتز بازدراء وتحرك ببطء يرتمي جالسًا فوق الأريكة. ثم رفع كفيه يخفي وجهه بداخلهما ليداري تأثره ببكاء شقيقته. فبعد أن هدأ قليلًا، استوعب بأن مخطئ وتسرع. فلم يعطها فرصة للدفاع عن نفسها. بينما كور فارس قبضتي يده بقوة يحاول التحكم في مشاعره. والتفت برأسه ناحية سليم يطالعه بغضب. فبادله سليم نظراته الغاضبة مما تلقيه مي من سوء ظن. ولكنه قرر عدم التدخل بين الإخوة.
استمعت مي لصوت والدتها وهي تقول بلهفة:
"مي حبيبتي، متى عدتِ يا ابنتي؟"
ما أن راتها مي حتى اقتربت منها تستنجد بها وتتمنى من داخلها ألا تنبذها. فارتمت في أحضانها لعل حضنها يطفئ لهيب قلبها.
بعد مرور عدة دقائق مرت كالساعات على كل منهم، وما زالت مي بداخل حضن والدتها تبكي بقوة. توجت نظرات والدتها ناحية فارس تريد منه تفسيرًا لغضبه. ولكنه تهرب من نظراتها. فطالعت معتز الجالس على الأريكة على نفس هيئته مهمومًا كأنه يحمل هموم العالم فوق كتفيه. في تلك اللحظة، لا تعرف لماذا شعرت بالخوف. الرجفة تضرب أوصالها. فقال بصوت خرج مهزوزًا:
"فليشرح لي أحد منكم ما يحدث.. ومن ذلك الشخص الواقف ينبعث من عينيه نارًا تكاد تحرق المنزل بمن فيه."
أراد فارس الحديث وإخبارها بطريقة جيدة بعض الشيء. ولكن سارع سليم بالاقتراب منها ورفع رأسه لها مبتسمًا بترحيب. بينما قال بصرامة:
"سأشرح لكِ ما حدث مع مي من البداية، فأخواتها لا يعطونني فرصة لأخبرهم بالأمر ككل."
"أنا أدعى سليم قاسم، وأكون زوج مي."
نظرت له والدتها بعدم استيعاب وقد لفتها الدهشة. فقالت:
"زوج مي؟ كيف؟ وما الذي يجعلني أصدقك؟"
مالت ببصرها تطالع ابنتها المتشبثة بها وهي تقول باستياء:
"هل كانت تلك الرسائل حقيقية؟ كنتِ تعنين كل كلمة كتبت بداخلها؟"
هرعت مي تنفي بلهفة:
"لا، صدقيني لم أقصد أي مما كتبته. فزواجي من سليم كان صدفة."
هز فارس رأسه للحظات باستهزاء من حديثها. فكيف للزواج أن يحدث على محمل الصدفة. فأسدل جفنيه ليستمع لصوت سليم وهو يكمل:
"نعم، لقد كان زواجنا عن طريق الصدفة، وبإمكانكم التأكد من زواجنا بسهولة. أما بالنسبة لمي، فهي كانت مختطفة، وبإمكانكم أيضًا التأكد من ذلك في قسم الشرطة. فلقد تم القبض على الجاني."
تغيرت ملامح والدتها. فأمسكت مي من كتفيها تبعدها عن صدرها تقول باستياء:
"تزوجتِ دون علمنا هكذا بكل بساطة؟ ففيما قصرنا معكِ لتكوني سببًا في جرحنا وكسر هيبتنا أمام الناس؟"
هزت مي رأسها للحظات ثم قالت بصوت حزين:
"أمي، صدقيني لم أقصد ذلك، بل كنت مجبرة."
كان رد والدتها صفعة قوية على وجنتي مي. ثم طالعتها بازدراء وهي تقول:
"اذهبي، هيا اذهبي من أمامي. لا أستطيع النظر في وجهك."
شعور دفين بالحزن يتغلغل بداخلها وهو يشاهد ما يحدث لحبيبته مما تسبب به. فهو يعترف بينه وبين نفسه بأنه استغل حالة مي وتلك الفرصة التي أتت إليه على طبق من ذهب لتكون ملكًا له، حتى ولو كانت ستعاني مع عائلتها. فقد هدم الثقة بينهما. تنحنح سليم وقال بخفوت:
"هيا بنا يا مي لنذهب لمنزلي. فأنا أرى بأنه لا أحد هنا يصدق حديثنا. اتركيهم يهدأوا، وفي الصباح بإمكانهم الذهاب للقسم والسؤال هناك، لربما يصدقونا وقتها."
رمته بنظرة حزينة. ثم دارت ببصرها في الصالة تنظر إليهم جميعًا تنتظر أي اعتراض منهم. ولكن يبدو بأن خطأها قد حسم كل شيء. فأخذت تخطو ناحيته لتجد فارس يعترض طريقها. ينظر إليها بعينين مشتعلتين:
"اذهبي لغرفتك، فأنا لم أسمح لكِ بمغادرة المنزل دون التأكد مما تدعيه."
اختنقت داخل عينيها العبرة، لكن لجمتها بسرعة بإغلاقها للحظات. قبل أن يقول معتز بصوت مثقل بالأسى:
"هل تصدقها؟ اتركني عليها حتى ألقنها درسًا لن تنساه ما دامت حية لتعلم بأن وراءها رجال يستطيعون تربيتها من جديد. فيبدو بأننا أخطأنا وتركنا لهم حرية الاختيار في كل شيء لتكون تلك هي النهاية. تأتي للمنزل وفي يدها شخص لا نعلم عنه شيئًا تخبرنا بكل بساطة بأنه زوجها. فما الذي سيفعله أخواتها الأصغر منها ومن المفترض بأنها القدوة؟"
شعر فارس بدمائه تفور بداخل عروقه. فتحدث بصوت غاضب مرتفع:
"معتز، يكفي. أرجوك لا أريد أن أستمع لكلمة أخرى."
زفر أنفاسه الغاضبة. ثم وجه حديثه لمي:
"اذهبي لغرفتك، ولا تخرجي منها مطلقًا. فلا أريد أن ألمح طيفك في المنزل."
تحركت مي ببطء ناحية غرفتها. ليلتفت فارس ناحية سليم بملامح ممتعضة. ثم قال بغضب:
"لما ما زلت واقفًا عندك؟ اذهب، فأنت غير مرحب بك في منزلي."
أطلق سليم نفسًا مكتومًا. ولم يعرف ماذا يقول أكثر مما قاله مسبقًا. فتحرك مغادرًا حتى يترك لهم المجال للاستيعاب. وهو مطمئن على مي، فهم لن يضروها بسوء. فإذا أرادوا ذلك لكانوا فعلوه منذ أن أخبروهم بزواجهم. استدار فارس يطالع والدته. ليجد في عينيها نظرات شفقة عليه وعلى ما يعانيه مع بناتها. فرفع كفه يمسح وجهه وهو يأخذ نفسًا مطولًا. ثم تحرك ناحية غرفته دون التفوه بحرف واحد معها أو مع معتز. لتجلس والدته بجانب معتز تمسد على كتفه وتطيب بخاطره. لعلها تخفف عنه حتى لا تتأزم حالته وتتأثر حالته النفسية بما يحدث فيمرض مجددًا.
دخل فارس لغرفته فوجد زوجته واقفة بجوار الفراش تتجرع من كأس الماء. وما أن انتهت، انشق عنها ابتسامة جانبية وهي تقول:
"ما الأمر؟ هل حدث شيء بينك وبين معتز؟ لقد استمعت لصوتك وأنت تتحدث معه بغضب. ولكني فضلت عدم الخروج حتى لا يحرج مني. فبالآخر أنتم إخوة."
رفع فارس إحدى حاجبيه مغمغمًا بتوتر:
"لقد عادت مي."
اتسعت حدقتا ليال. ثم تمتمت له مبتسمة ببشاشة:
"حقًا عادت.. سأذهب لأراها."
كانت على وشك أن تتخطاه مندفعة لخارج الغرفة. ولكنه أمسك بكفها يمنعها وهو يقول بوهن:
"لا، اتركيها. فلترها صباحًا."
كان وجه فارس يزداد احمرارًا من شدة غضبه. فاستشعرت ليال بأن هناك شيء لا تعلمه. فبدأت تربت فوق ظهره بلطف وقالت بخوف عارم:
"هلا أخبرتني إذا كانت بخير أم لا؟ وما سبب غضبك هذا؟"
صمت فارس مطولًا وتهرب من عيني زوجته. فهو لا يريد الخوض في نقاش آخر لنفس الموضوع. فشعر بساقيه رخوتين كهلام. فتحرك عدة خطوات حتى وصل لفراشه وارتمى عليه يقول برفق:
"هلا دثرتني بالغطاء وأطفأتِ الأنوار."
فعلت ليال كما طلب منها واستلقت بجواره. تقرب أنفاسها منه تستنشق رائحته الذكية. وقد قررت عدم الضغط عليه في معرفة ما حدث واحترام رغبته في عدم التحدث في الوقت الحالي. فكل شيء سينكشف في الغد.
في منزل كريم، رغم فرط توتره، إلا أنه تحامل على نفسه ورحب بضيوفه يحاول أن يلتمس لهم العذر. فما جعلهم يأتون في وقت متأخر من الليل هو بعد المسافة بين البلدين. فكان جالسًا على الأريكة بتوتر ينظر لنقطة معينة أمامه وهو يتحاشى النظر لخالته وابنتها. فمالت والدته تهمس في أذنه:
"انظر لجمال ابنة خالتك."
رمى والدته بنظرة غاضبة واحتقن وجهه بالغضب. فوقف يعتذر من خالته ليذهب لغرفته. ولكنها قالت بوجه ممتعض:
"اجلس معًا قليلًا، فنحن لسنا هنا كل يوم. أم جلستنا لا تعجبك؟"
زفر كريم بضيق دون أن ينتبه. فلقد كان في أشد استيائه من والدته. فما الذي ترمي إليه والدته؟ هل تخطط لتقريبه من ابنته أختها؟ ألن تكف عن محاولتها هذه؟ فلما تلح وتصر عليه؟ هل هو فتاة تخشى عليه من العنوسة؟ يخشى حقًا من أن تنفذ طاقته ويجاري والدته. خرج من شروده ورفع وجهه لخالته بابتسامة متكلفة وهو يقول بهدوء:
"بالطبع لا، فكم أنا سعيد بزيارتكم هذه. ولكن اعتذر، فلدي عمل في الصباح."
اضطربت ملامح والدته وأخبرته بهدوء ظاهري:
"لقد نسيت أن أخبرك بأن خالتك أتت للذهاب لطبيبها، وعليك اصطحابها غدًا للمشفى. فلتتغيب غدًا عن العمل."
التفت كريم يعلمها بوجه حازم دون أن تهتز منه شعرة:
"لما لم تخبريني مسبقًا؟ فأنت تعلمين بأنني لا أستطيع التغيب عن العمل تلك الفترة."
حدقت والدته في عيني ابنها باضطراب جم تكتمه. ثم أشاحت وجهها بعيدًا عنه بنفور. لتقول ابنة خالته بتعنت ورعونة:
"بإمكانك الذهاب لعملك. فنحن لسنا بحاجتك. سأذهب أنا ووالدتي بمفردنا."
قاطعتها والدتها وهي تقف من مكانها:
"لم أكن أعلم بأن زيارتي ثقيلة على قلبك هكذا. سنقضي تلك الليلة فقط، وفي الغد سأذهب للطبيب ثم سأرحل لبلدتي."
"اعتذر يا خالتي، ولكن حقًا لم أقصد شيئًا. فالخطأ خطأ والدتي التي لم تخبرني مسبقًا حتى أستعد وأخبرهم في العمل. فنحن في فترة اختبارات والإجازات صعبة في ذلك الوقت. ولكني سأجد حلاً بإذن الله."
أنهى حديثه يقبل رأس خالته. ثم استأذن وذهب لغرفته. لترمقه تلك الفتاة بنظرات مبهمة. وقد أخرجت نفسًا عميقًا بوجل عندما اختفى من أمامها.
في غرفة معتز، لاحظ نظرات عينيها التي تحمل الكثير من الشماتة. فشعر بالاستياء تجاهها، خاصة وأنها تذكره ببشاعته وجحوده. ولكنها هي من صنعت منه ذلك الشخص. فقد خدعته ببراءتها ونظراتها الوديعة. فقال فجأة وهو يناظر وجهها باشمئزاز:
"ما الذي تريدينه؟ لماذا لا تتركيني بحالي؟"
تغضن جبينها واعترضت بنبرة قاطعة:
"لا أريد شيئًا. بل أنت من تريد مني أن تتصرف بتلك الطريقة مع عائلتك لتراني وتتحدث معي. يبدو أنك ما زلت تشتاق إلي."
صدم من حديثها. فصمت للحظات. ولمعت عينيه بحزن. فل طالما حارب عائلته من أجلها وجعلها ملكة لسنوات. ولكن علام حصل في المقابل؟ لقد طعنته في رجولته ودمرت حياته ومستقبله. جعلته شخصًا مستنزفًا، منهك القوى.
اقترب منها معتز وصفعها عدة صفعات قوية. ثم أمسكها من خصلاتها بقوة تكاد تقتلعها وهو يصرخ عليها ويخرج كل ما في مكنونات قلبه من ألم وأهات كتمها بداخله بسبب مرضه. فلم يتركها إلا بعدما شعر بالارتياح من داخله ولو قليلًا. فيا لبجاحتها تقف أمامه تتحدث وكأنها لم تفعل له شيئًا ولم تخنه. وصنعت حاجزًا بينه وبين عائلته. كم يشعر بالقهر والاشمئزاز على كل لحظة عاشها معها تحت سقف غرفة واحدة.
استدار بعيدًا عنها ليجد مي واقفة تنظر إليه بحدقتين مذعورتين. فاغلق جفنيه للحظات ليستمع لصوت غادة وهي تتحدث بإنهاك واستسلام:
"لم تتغير. ما زلت كما أنت، تحكم على كل شيء من الخارج ولا تحكم عقلك مطلقًا. فها أنا لم أعد موجودة في حياتك. ولكنك ما زلت تخطئ في حق أخواتك. فلم تحاول أن تستمع لما أرادت مي إخبارك به، ومن ثم تحكم إذا كانت بريئة وفعلت ذلك بإرادتها أم لا. ما زلت وغدًا كما كنت دائمًا."
كان صدره يعلو ويهبط من كثرة تنفسه ووجهه احتقن بالدماء. فاستدار إليها وكله عزيمة بالتخلص منها. ولكنه لم يجدها. ظل يدور ببصره في الغرفة مطولًا، لكنه لم يتمكن من العثور عليها. فأخذ ينادي عليها بصوت جهوري. ولكن كل ما كان يستمع إليه صوت ضحكاتها المرتفع وصداه الذي يتردد في المكان.
ظل يحرك رأسه يمينًا ويسارًا يحاول أن يستيقظ ويفوق من ذلك الكابوس. وهو يتمنى أن أحدًا يساعده على الاستيقاظ. فزع معتز مرة واحدة وفتح عينيه وهو يجلس نصف جلسة على الفراش وعيناه حمراء كالدماء. فأخذ يتذكر ذلك الكابوس. فهو لم يحلم أو يفكر في غادة منذ فعلتها. فلم الآن تزوره في أحلامه وتتحدث بكل تلك الثقة وملامح وجهها تملأها الشماتة؟ شرد يفكر هل حقًا من الممكن أن أكون ظلمت مي؟ عند نطقه لاسمها، وقف من مكانه وقرر الذهاب لغرفتها والتحدث معها بهدوء دون أن ينفعل عليها أو يعنفها. وقف أمام غرفة مي وطرق على الباب عدة طرقات ينتظر منها أن تأذن له بالدخول. ولكنه لم يستمع لشيء. فتوقع بأنها نائمة. والتفت حيث تقبع غرفته مرة أخرى.
بينما في داخل غرفة مي، كانت ما زالت مستيقظة تتسطح على فراشها. والدموع تملأ وجنتيها. فتعمدت عدم الرد على الطارق وتظاهرت بالنوم. فكم صعب عليها عدم استماع أحد من عائلتها لما حدث معها وتكذيبها بتلك الطريقة المهينة. فلم تكن تتوقع ذلك من فارس تحديدًا. توقعت بأنه سيتفهمها ويحتويها ويدافع عنها أمام الجميع. ولكن يبدو بأنها كانت مخطئة. رفعت أصابعها تمحي دموعها التي تشوش الرؤية أمامها.
ظل سليم جالسًا في سيارته أمام المنزل لا يريد الذهاب وتركها بمفردها. وهو يعلم بأنها تعاني وربما تكون مستيقظة الآن. يريد الاطمئنان عليها ومواساتها. ولكن كيف؟ فقد حاول الاتصال بها مرارًا وتكرارًا وهاتفها مغلق. ضرب بقبضته مقود السيارة بغضب وهو يأنب نفسه بأنه من تركها. فلم يتمسك ليأخذها معه لمنزله كأي زوجين. ولكن عليه أن يتراسى وينتظر حتى تتقبل عائلتها الأمر دون أن يحدث مشاكل بينه وبين أخواتها.
في صباح يوم جديد، كانت ملاك تتحدث وتفضي ما تخطط له وتريد فعله على مدار اليوم. غافلة عن حماتها التي كانت على وشك الدخول لغرفة الجلوس. فاستمعت لحديثها مع مالك. فوقفت في مكانها وتوارت خلف الباب تسترق السمع لحديثهم. أغلق زوجها جفنيه يأخذ نفسًا عميقًا يحاول فيه تمالك غيظه. ثم أطلق نفسًا بائسًا. فزوجته لن تتغير. فأقترب منها لتفزع في مكانها وتنظر حولها خوفًا من أن يراها أحد. فأمسكت بكفه تحسه على أن يتبعها. وما أن ابتعدت قليلًا عن غرفة الجلوس التي بها مالك وزوجته. هدرت بضيق:
"لا أستطيع التحمل أكثر. تلك الفتاة تقهرني وتغيظني بتصرفاتها."
عقد زوجها حاجبيه وتسأل بود:
"ما الذي فعلته ملاك جعلك تظنين ذلك؟ لم نرى من الفتاة غير كل خير."
احتقن وجه زوجته بالامتعاض. ثم قالت بانفعال:
"تفعل الكثير، ولكني من يتغاضى عن ما تفعله. لقد استمعت لحديثها مع مالك وهي تخبره بأنها ستذهب لمنزل عائلتها وتقضي اليوم معهم لتطمئن على أختها المختطفة. فلقد عادت وعليها الذهاب لترحب بها."
أنهت حديثها بنبرة مستهزئة. بينما كل ما يفكر به زوجها هو معاملة زوجته لملاك. فهي حرفيًا لا تطيقها. يتمنى لو تتقبل زوجته الأمر وتتحدث مع الفتاة بصدر رحب لتخبرها بكل شاردة وواردة في يومها. فقال بهدوء:
"واجب عليها الذهاب لمنزل عائلتها والاطمئنان على شقيقتها كما هو واجب علينا أيضًا. فإذا كنتِ لن تذهبي معها فلا تمنعيها واتركيها تتعامل هي وابنك كما يريدون. وارجوك لا تتدخلي بينهم فلا شأن لكِ بحياتهم."
فتحت عينيها على اتساعهما. شاعرة كأن ماء مثلج سكب عليها. فقالت بحنق:
"لما أنت قاسي بالحديث معي بتلك الطريقة؟ أكل هذا من أجل تلك الفتاة؟ ولما لأنها تشبه أختك رحمة الله عليها؟"
ظل زوجها يطالعها وهو يرى تكرار خطأها مرارًا وتكرارًا. ثم أجابها بنبرة حازمة:
"نعم، سأعاملِك بقسوة من أجلها. لأنها لم تخطئ في حق أي منا. ولأنها كما قلتي تذكرني بشقيقتي. عليكي بمحو تلك الصورة التي تحتفظين بها بداخلك من ناحيتها. فهي لم تؤذيكِ بشيء، بل كل ما تريده منك أن تتقبليها وتعاملِها جيدًا لتستطيع إسعاد زوجها. فكري بمالك مرة واحدة وكيف سيكون إذا ابتعدت عنه ملاك وتركته. لترتاحي وتريحي."
تركها زوجها. فلم يعد هناك حديث آخر بإستطاعته قوله لها. لقد قال ما يكفي وسيتركها تتصرف كما يملأ عليها قلبها.
خرجت ليال من المرحاض بوجنتين حمراوين وعلى وجهها ترتسم ابتسامة هادئة تزداد اتساعًا. فظلت تطالعه بعينين متلألئتين. إلى أن تململ فارس في نومته وهمهم وهو يجلس على الفراش يستند بمرفقيه عليه. ورفع بصره ليفاجأ بها تقف أمامه تطالعه بتلك النظرات التي لم يفهم معناها. فعقد حاجبيه متسائلًا:
"لما تقفين هكذا؟ هل أنتِ بخير؟"
همهمت له توافق على أنها بخير. فنظر إليها بتشكيك ولم يستطع أن يحيد بنظره عنها. وما أن رأى دموع عينيها تخونها وتنزلق على وجنتيها. ترجل من الفراش ووقف أمامها يحتضن وجهها بين كفيه وهو يقول باستغراب:
"ما بك؟ هل فعلت شيئًا ضايقك؟"
هزت رأسها نفيًا وردت بخفوت:
"لا.. لست متضايقة من شيء."
زفر فارس وغمغم وهو يمحو دموعها بأصابعه قائلًا:
"وهل تلك الدموع أيضًا بلا سبب؟"
ضحكت من بين دموعها وأمسكت بكفه تنزله من على وجنتيها تضعها على بطنها تقول بعفوية:
"هذه دموع الفرح."
نظر إليها متسائلًا. بينما هي تمرر يده فوق بطنها تنظر بداخل عينيه تنتظر رد فعله. ظل فارس يطالعها وما أن توصل لتفسير لما تفعله اتسعت عيناه بصدمة. لا يصدق ما تخبره به عينيها في رسالة مبهمة. فتسأل بصوت متحشرج:
"حامل؟ تحملين قطعة مني بداخلك أحشائك؟"
هزت رأسها بالإيجاب. وهي تبتسم بإحراج. بادلها فارس الابتسامة ومال يقبل وجنتيها مرارًا وتكرارًا وهو متضخم المشاعر. فاحتضنها يعتصرها بداخل أحضانه. وانحسر نظره وهو يفكر فيما هو قادم. وإذا ما كان فرح بمعرفة خبر كهذا أم لا. وما الذي سيحدث في الفترة القادمة. هل سيغير ذلك الطفل قدره ويجعله سعيدًا ومحبًا للحياة أم سيلاقي نفس مصيره؟ تنهد تنهيدة طويلة وهو يبتعد عن ليال بابتسامته الهادئة المعهودة. وتنحنح يجلي حلقه ليخرج صوته طبيعيًا:
"اهتمي بنفسك ولا تجهديها. حتى آخذ موعدًا من الطبيب ونذهب لزيارته. ولا تخبري والدتي بالأمر. فأنا أريد أن أخبرها بنفسي لأرى مدى سعادتها."
تلألأت عيناها وارتسمت البسمة على شفتيها وهي ترى سعادته مرتسمة على وجهه. فقبل جبينها وهو يتمتم بالدعاء وشكر الله. يتحرك ناحية المرحاض ليغتسل ويذهب للقسم ليعرف حقيقة كل ما يخص خطف مي.
خرج فارس من غرفته بعد أن اغتسل وبدل ثيابه. فاخذ يدب أرضية المنزل بقدميه ذاهبًا حيث غرفة المعيشة ليجد مائدة الطعام معدة وطعام الفطور جاهز. ولكن ليس هناك أحد. نظر حوله بإستغراب وسأل زوجته بنبرة حزينة:
"أين الجميع؟ لما لا أرى أحدًا."
تجلى الإحباط على ملامحها. فغمغمت:
"أمي ترفض الخروج من غرفتها وأخبرتني بأنها ليس لديها شهية. وطرقت الباب على معتز كثيرًا ولكنه لا يجيب. ومي ترفض الخروج وتقول بأنك من طلبت منها ذلك. ونور ونورين ذهبوا منذ قليل فلديهم امتحانات نهاية العام ولا يريدون التأخر عليها."
تحاشى النظر إليها وهو يشعر بداخله يتمزق. كما يرى تمزق عائلته. وكلا منهم يجلس في طرف بعيد عن الآخر. فقرر بأنه أسلم حل أن يذهب هو الآخر. ومن ثم يحاول إيجاد حل لما يحدث معهم. وبدأ في التحرك ليخرج من المنزل.
تزامنًا مع خروج فارس من المنزل، وصلت ملاك وزوجها. نادى عليه مالك وأوقفه ليرحب بهم. فارس واحتضن ملاك يقبل أعلى رأسها. فوقف يتحدث معهم وهو يخفي خزنه وغصة حلقه. فما أن عرف مالك عن وجهته قرر الذهاب معه. فطلب من ملاك الدخول للمنزل. وهو يخبرها بأنه سيذهب مع فارس للقسم وسيطمئنها على الهاتف. فما عليها إلا أن تظل بجانب عائلتها وتخفف عن مي صدمتها وحزنها. فهو قد علم بكل شيء من صديق له في القسم. ولكنه لم يريد إخبار فارس بشيء. بل يريد أن يستمع بنفسه لما سيخبره به الضابط. استقل سيارة وهو يطلب من الفارس الجلوس بجواره. وبدأ في قيادة السيارة ذاهبًا لوجهته.
في المدرسة الثانوية، خرجت نورين من امتحانها وعلى وجهها علامات الرضا. فوقفت تنتظر نور حتى تخرج هي الأخرى وتطمئن عليها. شعرت بالراحة ما أن رأت تعابير وجهها وعلمت بأنها أجابت على أسئلتها جيدًا. فأردفت لنور باهتمام:
"طمئنيني، كيف كان؟"
اندفعت نحوها معانقة إياها تخبرها مدى سعادتها لأنها أجابت على جميع أسئلة امتحانها. فكادت أن تنقلب نور
رواية ذلك هو قدري الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم موني عادل
أوقف مالك سيارته أمام القسم وترجل منها هو وفارس ليتوجه لداخل القسم.
وقفوا أمام غرفة الضابط، يطلب مالك من العسكري مقابلة الضابط وهو يخبره باسمه.
طرق العسكري على الباب واستأذن لهم، ليسمح لهم الضابط بالدخول.
ما إن دخل مالك، رأى الضابط رحب به ودعاه للجلوس.
فجلس مالك وهو يشير لفارس أيضًا بالجلوس، ثم وجه حديثه للضابط قائلاً:
"أريد أن أعرف بعض المعلومات عن شخص يدعى منير، المتهم بخطف الفتاة مي عبدالله."
عند ذكر مالك لاسم شقيقته، رفع رأسه إليه وتطلع له متسائلاً بقلق عارم.
ليعقب الضابط على حديث مالك:
"لقد أخبرتك بكل شيء على الهاتف وطلبت منك اصطحاب الفتاة معك لنستمع لأقوالها ونبدأ في اتخاذ الإجراءات."
تبادل فارس النظرات بينهما بغير فهم، ثم أشاح بعينيه بعيدًا عن مالك ونظر للضابط بقلق، ثم عقب:
"أنا شقيقها الأكبر، فهل يمكنني معرفة ما حدث لها ومن هو منير؟"
نظر الضابط لمالك ولم يبدِ أي اهتمام لحديث فارس، ينتظر تدخل مالك.
فأومأ له بعينيه يحثه على إخباره بكل ما حدث.
بدأ الضابط يسرد ما يعرفه عن منير وكيف اختطف شقيقته، وأخبره بأنه قال في أقواله بأنه فعل ذلك مذعورًا بعشقها.
اتسعت عينا فارس مما يتفوه به الضابط وشعر بتأثر من كلامه نحو شقيقته.
فكم كان قاسيًا معها ولم يعطها فرصة واحدة لتدافع عن نفسها وتخبره بحقيقة الأمر.
ولكن يبقى السؤال، فإذا كان منير من اختطفها وجعلها تكتب تلك الرسائل مرغمة، فلما تزوجت سليم بتلك الطريقة؟
ذلك ما كان يدور بداخل عقله وقتها.
انتهى الضابط من سرد ما حدث وما قاله منير في المحضر، ليخبره بجدية بأنه عليه جلب شقيقته لأخذ أقوالها.
فلقد تركها ولم يجلبها معه البارحة لأخذ أقوالها، ومن ثم الذهاب لمنزلها.
تركها فقط لأن مالك قد طلب منه ذلك وأخبره بأنها متعبة ومصدومة، وأنها سيجلبها بنفسه غدًا.
وقف فارس من مكانه وشعر بقلبه يقرع بعنف.
فتحرك للخارج دون التفوه بحرف، بينما شكر مالك الضابط ووقف سريعًا يلحق به.
وجده واقفًا بجوار السيارة يستند عليها بمرفقيه، فما إن شعر بمالك يقف خلفه، فأشار فارس بيده على نفسه يقول بضيق:
"لقد كنت قاسيًا معها لدرجة أنني شعرت بأنني أخ عاق. فلما لم تخبرني بما حدث وتجعلني أتفهم الأمر؟ لربما استمعت إليها وفهمت منها لما تزوجت بدون علمنا."
"أردت منك أن تستمع بنفسك حتى يكون لديك استعداد كامل للتحدث معها ومعرفة كل شيء."
أخذ فارس نفسًا مطولاً يهدي من غضبه وانزعاجه.
فدار مالك حول سيارته يجلس خلف عجلة القيادة، وهو يطلب من فارس أن يصعد للسيارة.
فتح فارس بابها وجلس بإنهاك، فأخذ ينظر من النافذة الزجاجية وشرد يتذكر ما حدث ليلة البارحة وكيف كان قاسيًا معها ولم يعطها حق الدفاع عن نفسها.
كور قبضته بغضب جلي، وهو يعد اللحظات ليصل للمنزل ويرآها ليفهم منها ويطيب بخاطرها.
وصلت نورين للمنزل، فلم تنتبه لمناداة والدتها وأسرعت ناحية غرفتها.
فما إن أغلقت الباب، استندت عليه بظهرها وأجهشت بالبكاء، ثم جلست في مكانها على أرضية الغرفة وهي تتذكر حديثه القاسي معها وكيف طاوعه قلبه ليهددها بتلك الطريقة ويضعها في موضع الاختيار بينه وبين عائلتها.
فهو لم يراعي ما تواجهه عائلتها من مشاكل، فأصبح أنانيًا لا يفكر إلا في نفسه.
بينما في الخارج، ألقت نور التحية عليهم وجلست بجوارهم تطمئنهم عليها هي ونورين وأنهم توفقوا في امتحانهم.
استغربت نور من انشغال ليال بتقليب شاشة هاتفها باهتمام، فأقتربت منها ومالت برأسها تشاركها النظر.
فأدارت ليال التي كانت تتصفح أشياء خاصة بالأطفال ذهولاً، فغمغمت وهي تظلم شاشة هاتفها وتقف من مكانها:
"اذهبي واغتسلي ونادي نورين لتتناولوا غدائكم."
لوحت لها بيدها وهي تقول بود:
"لقد تناولنا الطعام فور خروجنا من الامتحان."
أومأت لها ليال بتفهم، فاردفت بهدوء:
"حسنًا، سأذهب لأرى مي."
هتفت نور بجدية ممزوجة بالامتعاض:
"هل هي حبيسة في غرفتها؟ ألم تخرج منها بعد؟"
تدخلت والدتها تقول وقد ضاق ذرعها مما يحدث مع أبنائها:
"اذهبي يا نور لغرفتك واغتسلي، وأنتي يا ليال اذهبي لعلها تفتح لكِ الباب فتستطيعين إطعامها ولو بضع لقيمات."
تحركت ليال دون التفوه بحرف آخر، وكلها آمال بأنها ستستطيع إقناع مي بفتح الباب والتحدث إليها وتناول الطعام معًا.
وقفت أمام باب غرفتها تطرق عليها بخفة، فلم تستجب مي لطرقاتها.
فتحدثت تقول برجاء متوسل:
"مي، أرجوكي افتحي الباب ودعيني أدخل. صدقيني لن أتحدث معك في شيء، سأدخل فقط لأجلس معك وسأكتفي بالصمت. مي، إذا كنتِ لا تريدين، فلن أدخل، ولكن افتحي وخدي الطعام."
ظلت واقفة ليال تطرق على الباب تحاول معها ريثما تفتح لها، ولكنها لم تفعل.
فالتفتت لتغادر لتجد والدتها تنظر إليها بعجز وخوف.
فتحركت ليال بصينية الطعام من المطبخ مرة أخرى، وما إن بدأت في التحرك لغرفة المعيشة مجددًا حتى استمعت لصوت مرتفع يأتي من ناحية غرفة معتز.
فتحتك تسرع الخطى وقد أتت ملاك أيضًا على ذلك الصوت.
في غرفة معتز، كان لا يزال في غرفته جالسًا يتذكر ما حدث بالأمس، يرفض أن يتحدث مع أي أحد.
يخشى أن يروا ضعفه وتنزلق دموعه أمامهم، لذلك ظل في غرفته.
فعندما وصلت ملاك، أتت مسرعة إليه تريد التحدث معه والتخفيف عنه حتى لا يمرض.
ولكنه صرخ بوجهها وأخبرها أنه لا يريد التحدث معها، فكل ما يريده أن يتركوه بمفرده حتى ينسى نظرات تلك الخائنة.
فلما ما زال يتذكر أشياء كثيرة تجمعهم معًا، فلما لا يستطيع محوها من حياته؟
لقد صنعت ندبة كبيرة بقلبه، فبسببها لن يفكر بالنظر لجنس حواء مرة أخرى، فيكفيه ما أصابه بسبب واحدة منهم، فجميعهم مثل بعضهم البعض.
فبعد أن ماتت، لم تتركه ينعم بحياته وتسببت في إصابته بالشلل وفقدانه للنطق لفترة طويلة، والآن تأتي إليه سعيدة بمعاناته وشامتة فيما يحدث معه.
وقف ينظر حوله للغرفة بغضب، ففتح بابها وأخذ يحرك الأثاث بصعوبة ويدفعه لخارج الغرفة.
استمعت والدته وملاك للصوت المرتفع الناتج عن صوت احتكاك الأثاث بالأرضية، فذهبت مسرعة حيث غرفة معتز ووقفت تنظر بصدمة لما يفعله.
هتفت بغضب غير مسبوق:
"توقف أيها المجنون، ستؤذي نفسك."
ضاق ذرعه فانفلتت أعصابه وتحدث بعدم احترام:
"ليس من شأنك، اتركوني في حالي."
اكتسحت الصدمة والدته وطالعته بوجه حزين، فتدخلت ملاك تقول باستياء:
"ما بك؟ هل جننت؟"
حانت نظرة من معتز عليهم الاثنين ورأى صدمتهم فيه وحزنهم عليه وغضبهم منه.
فرفع كفه يمسح على وجهه يهدي من غضبه، فهم ليس لهم ذنب فيما يحدث معه.
والنيران المشتعلة بداخله بسبب غادة وتفكيره في الكابوس الذي راوده بالأمس.
فأقترب من والدته يلثم كفها مطولاً وتساقطت دموعه من طرف عينه وهو يرفع وجهه إليها يقول بتحشرج:
"أنا أعتذر.. سامحيني، لم أقصد أن أغضب عليكِ، ولكني أشعر بأنني تعب وممزق من داخلي. لقد صرت رجلاً ضعيفًا لا يقوى على فعل شيء، فالماضي يطاردني ولا يتركني في حالي لأنعم بحياة هادئة."
بكت والدته من أجله، فلقد أخفى ألمه وجرحه بداخله ولم ينفس عنه حتى الآن.
فلو فعل، لربما شعر بالراحة ولو قليلاً.
فكم صعب على الرجل أن يشعر بأنه شخص ضعيف مطعون في رجولته.
فقالت وهي تنظر في عينيه:
"لست غاضبة منك، فأنا والدتك وأعلم بما تمر به. لو استطعت لأخذت كافة أحزانك وبدلتها بأفراح. اترك كل شيء على الله وتقرب منه، فهو من بإستطاعته شفاء قلبك وروحك."
ارتمي معتز بداخل أحضان والدته متشبثًا بها يبكي بضياع كطفل تخلى عنه الجميع.
بينما ظلت ملاك متسمرة في مكانها تنظر إليه بحدقتين مترقرقين بالدموع تشعر بالشفقة على حاله.
وهي تفكر فيما جعل معتز ينهار هكذا ويتحدث بتلك الطريقة.
هل هو يستحق ما يحدث معه أم يستحق أكثر من ذلك على ما فعله سابقًا؟
أم ما يحدث معه تطهير لروحه وغفران لذنوبه الذي اقترفها في حقهم؟
أخرجها من تفكيرها صوت رنين جرس المنزل، فاسرعت لتفتح الباب.
أمسكت بمقبض الباب تفتحه، فوجدت فارس ومالك يقف بجواره.
نظر إليها فارس بتوهان وهو يدخل، فلكزته ملاك في كتفه تمازحه وهي تغمغم بغيظ:
"لما لم تفتح بمفاتيحك؟ تريد اتباعي، أليس صحيحًا؟"
لم يستجب فارس لمزحتها وأطلق أنفاسًا يكتمها وهو يجلس على مقعد في غرفة المعيشة وتسأل بخفوت:
"أين والدتي؟"
أجابته ملاك:
"في غرفة معتز."
انتصب واقفا مرة واحدة واستدار يتحرك، فما إن خطى خطوتين حتى قال:
"أرأيت مي أو تحدثت معها في شيء؟"
هزت رأسها نفيًا وهي تقول بغضب:
"لا، فهي تغلق باب غرفتها عليها من الداخل وترفض أن تفتح لي لأدخل إليها."
هز رأسه متفهمًا واستدار يتحرك، فوقفت ملاك تريد اللحاق به.
ولكن مالك أمسك بمرفقها يقول باقتضاب:
"اتركيه، ربما يريد التحدث معها على انفراد ليفهم منها حقيقة الأمر."
تنهدت ملاك ببؤس، ثم جلست بجانبه ليرفع ذراعه يحتضن كتفيها.
وسألته عن ما حدث معهم في قسم الشرطة، ليسرد مالك عليها ما حدث وهي تستمع إليه بكل انتباهها.
وقف فارس أمام غرفة مي بتردد، يخشى من المواجهة.
بل يخشى مما سيسمعه منها إذا ما أخبرها بما حدث معها على مدار الأيام الماضية التي تغيبت فيها عن المنزل.
وما الذي جعلها تتزوج من سليم بتلك الطريقة.
أخذ نفسًا قويًا ورفع كفه يطرق على الباب.
ليتأجأ بها تفتح له الباب.
رفع حاجبيه مستغربًا، فتنحت مي عن الباب لتسمح له بالدخول.
ففعل وأغلق الباب خلفه ووجه أنظاره ناحيتها، ثم قال بنبرة سخرية:
"لما فتحت الباب الآن دون أن تعرفي من الطارق؟ مع أن ملاك تقول بأنها حاولت معكِ كثيرًا، أما أن تخرجكِ من غرفتكِ أو تجعليها تدخل إليكِ. فلما الآن تكرمتِ وفتحتيه؟"
ازدردت ريقها بتوتر، ثم جلست على طرف فراشها تقول بخفوت:
"عرفت بأنك من خلف الباب، فلقد كنت أنتظرك."
ادعى فارس البرود وصرخ فيها:
"هلا أخبرتني لما فعلت ذلك؟ لما تزوجتِ به إذا كان ليس هو نفس الشخص الذي اختطفك؟ أريد معرفة كل شيء، فلا تخفي عني شيئًا مهما كان صغيرًا."
تحشرج صوتها وهي تقول له بوجيعة:
"لم تعطني فرصة لأخبرك بما مررت به وعاملتني بمنتهى القسوة."
هتف فارس وهو ينظر إليها بملامح معذبة:
"هل كنت تنتظرين مني أن آخذكِ بالأحضان بعدما أخبرتني أنكِ تزوجتِ دون الرجوع إلينا؟"
غمرت مي وجهها بيديها بنحيب عال، فنفرت العروق الزرقاء في رقبته ليصيح بعصبية:
"لا تجننيني وأخبريني بما حدث، فعقلي لا يكف عن تخيل الكثير مما قد تكوني تعرضتِ له فجعلكِ توافقين على الزواج من سليم."
تصلب فك مي وأزالت يديها عن وجهها تنظر إليه بذهول مما يفكر به.
صدمت، فلم تكن تتوقع بأنه يفكر بتلك الطريقة.
هل يتوقع بأنها تزوجت من سليم لأنها مست بسوء؟
بصعوبة أخفت صدمتها ونظرت إليه تقول متسائلة:
"ما الذي ترمي إليه بحديثك هذا؟"
هدوءها الظاهري تسبب بتفجير أعصابه، فواصل صراخه المرتفع وهو يقترب منها:
"لا أرمي لشيء، أنتظر أن تخبريني أنتِ بما حدث قبل أن أفقد أعصابي أكثر. أريد أن أتحدث معكِ بهدوء وأستمع إليكِ، ولكنكِ مصرة على أن تفقديني أعصابي."
جذبت أنفاسها بصعوبة وانسكبت الإهانة والألم في ملامحها.
فغمغمت بصوت مثقل تسرد عليه ما حدث منذ أن اختفت من حفل زفاف ملاك إلى أن عادت للمنزل.
بعدما انتهت من سرد ما حدث معها وأخبرته أنها وافقت على الزواج من سليم في وقت صدمتها بعدما هددها منير بتشويه سمعتها واختلاق الأكاذيب عنها.
زفر فارس أنفاسه براحة كبرى وجلس بجوارها على طرف الفراش ممسكًا بكفها بين كفيه يطبطب عليه بهدوء.
فمالت على كتفه تبكي بمرارة وقهر، وقد انتعشت ذكريات ما حدث لها بداخلها.
فظل يهدئها وباله مشغول بإيجاد حلاً لتلك المسألة وكيف سيعلن للناس بأنها تزوجت.
ظل يفكر ويفكر إلى أن توصل لحل يرضيه.
في غرفة معتز، كانت ما زالت والدته معه بالغرفة تجلس في منتصف الفراش ومعتز يتوسد قدميها لتتخلل أصابعها في خصلاته ليشعر بالراحة والطمأنينة.
نادت عليه بخفوت فلم يرد عليها وظل يتنفس بهدوء.
جعلها تظن بأنه قد غفا، فابتعدت عنه بهدوء دون إصدار أي صوت وأخرجت غطاءً سميكًا ودثرته به جيدًا.
واستدارت تغادر غرفته لتقابلها ليال أثناء خروجها من المطبخ لتسألها والدة زوجها عن ما إذا كان قد عاد فارس من الخارج أم لا.
لتخبرها ليال بأنه قد عاد.
وفي غرفة مي، همهمت لها والدة فارس بتفهم وتحركت حيث غرفة المعيشة لتجلس بها وتنتظر خروج فارس من غرفة مي.
ما إن وصلت لغرفة المعيشة حتى فوجئت بوجود مالك.
فألقت التحية ورحبت به ثم جلست على الأريكة.
بينما شعر مالك بالاحراج من رؤية حماته له وهو قريب من ملاك بتلك الطريقة يحتضن كتفيها ويغازلها بكل ما أوتي من كلمات العشق.
فوقف يداري حرجه يوجه حديثه لملاك قائلاً:
"هيا لأوصلك للمنزل ومن ثم أذهب لعملي."
اعترضت حماته وتحدثت تقول باستياء:
"ما زال الوقت مبكرًا جدًا، سنتناول الطعام معًا وبعدها سأسمح لكما بالذهاب."
هزت ملاك وجهها بالموافقة وقالت لوالدتها:
"مرة أخرى، فمالك لديه عمل وتأخر عليه من أجل أن يحضرني هنا، كنت أريد أن أرى مي وأطمئن عليها قبل أن أذهب، ولكن فارس ما زال في غرفتها."
اقترب مالك يرفع يدها لفمه يلثمها وهو يقول:
"أعدك في المرة القادمة سنبقى ونتناول الطعام معكم، ولكن اليوم علي الذهاب."
أومأت له بتفهم، فاقتربت ملاك تقبلها وتلثم يدها.
ثم استدارت ناحية مالك ليمسك بيدها ويخطو لخارج المنزل.
بينما تتابعهم والدتها بنظراتها تدعو لهم براحة البال والسعادة.
خرج فارس من غرفة مي وذهب حيث تجلس والدته، فابتسم في وجهها ابتسامة لم تتعد شفتيه.
قبل أن يريح رأسه على فوق حجرها، ثم فم يدها لفمه يلثمها مطولاً.
فوجدت نفسها تسأله:
"تحدثت مع مي، فهمت منها لما فعلت ذلك؟"
أخذ نفسًا طويلاً يقول بيأس:
"أيمكنني أن أبقى هكذا لبعض الوقت دون التحدث في شيء؟"
امتعضت ملامح والدته، فهي تنتظره منذ وقت طويل ليطمئنها ويريح قلبها على مي.
ولكن اعتصر الحزن قلبها وهي تتمعن في ملامحه المتعبة.
فتساقطت دموعها رغما عنها.
فتملل ورفع وجهه يتوسل إليها وعيناه تغيمان بالألم يقول:
"أرجوكي لا تبكي، سيكون كل شيء على ما يرام. سأقول لكِ خبرًا لعله يفرحك، كنت أدخره لأقوله لكِ بعد أن أنتهي من حل مسألة مي."
نظرت إليه بتوجس، فنظر بوجهه بعيدًا وقال ببرود:
"سأصبح أبًا، فليال تحمل طفلي."
من شدة فرحة والدته أطلقت زغروطة ومالت تقبله قبل أن تقول:
"لما لا أرى سعادتك؟ ألست سعيدًا لكونك ستكون أبًا؟"
رد عليها فارس بتلقائية:
"لا أعلم إذا كنت سعيدًا أم لا، ولكني أخشى مما هو قادم."
طالعته والدته بشفقة، ولكنها قالت بقسوة:
"لا تفكر في شيء واتركها على الله، وإياك أن تشعر زوجتك بشيء قد يحزنها."
غمغم فارس بعذاب وآسٍ عقب تنهيدة عميقة خرجت من أعماقه:
"حسنًا.. سأذهب لغرفتي وأغفو، فلم أستطع النوم بشكل طبيعي ليلة البارحة."
طبطبت والدته على كتفه وهي تؤمي إليه.
فما إن وقف يريد الذهاب لغرفته حتى صدح صوت جرس الباب.
اتجه نحو الباب يفتحه ليفأجأ بسليم هو من يقف أمامه.
هتف به فارس بغضب:
"نعم.. ماذا تريد؟"
تطلع سليم بتجهم نحو فارس وقد نفذ صبره، فهتف فيه بحدة:
"أتيت لأخذ زوجتي، فمكانها بجواري، أم ستعترض على ذلك أيضًا؟"
عقب فارس موافقًا:
"نعم، سأعترض."
رمقه سليم بغيظ ظاهر وأطلق زفيرًا ضيقًا شاعرًا بالضيق.
فصج صوت فارس وهو يقول:
"لن تأخذ مي، واعترف بزواجكم قبل أن توافق على شروطي أولاً."
ضيق سليم عينيه ونظر إليه بوجه عابس ومتجهم يردف بتساؤل:
"تعترف بزواجنا أم لا، فلا يهم، لأنها زوجتي شئت أم أبيت. ولكن أريد أن أعرف ما هي شروطك؟"
رواية ذلك هو قدري الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم موني عادل
بعد أن سأل سليم عن شروطه، نظر إليه فارس بوجل وقال بفظاظة:
"عليك أن تأتي أنت وعائلتك وتطلب يدها من جديد وتقيم لها حفل زفاف هنا بالحي حتى لا يُسِيء أحد لسمعتها بكلمة، فمن الصعب عليّ أن أخبر الجميع بأن شقيقتي عادت للمنزل متزوجة، فالسنة الناس لا ترحم وكل منهم سينسج قصة حسب رؤيته، لذلك أريدك أن لا تخبر أحدًا بشأن زواجك وتأتي لتتزوج منها بشكل طبيعي يظهر الأمر أمام الجميع بأنه زواج حقيقي خوفًا عليها من كلام الناس، فأنا أفعل ذلك من أجل سمعتها."
حاول عقله أن يواسيه ويلهمه التعامل معه بصبر، فهو على حق في كل ما قاله، وهو لا يريد لمي أن تتعرض للقيل والقال، فشَمَخَ بذقنه بعزة وقال بزهو:
"موافق، ولكن فلنسرع، ما هو أنسب وقت لأحضر عائلتي؟"
حدق فارس بعينيه الحالكتين في عمق عينيه ثم قال ببرود:
"أحضر عائلتك غدًا مساءً لنتفق على كل شيء، فلا داعي للتأخير."
زَمَّ شفتيه يكتم الكثير من المشاعر بداخله، كان لديه أمل أن يأخذها لمنزله اليوم، ولكن عليه أن ينتظر عدة أيام أخرى، فهَدَرَ بملامح جامدة:
"سنتأتي على الموعد."
ساد صمت تام بينهما بعد حديث سليم، حيث كان كل منهما تعبًا، فلم يحاول أحد أن يقطع الصمت، فدار سليم ببصره يبحث في المنزل بعينيه لعله يراها ويطمئن عليها، فلم يتفوه فارس بشيء آخر، فما يزيده بأنه أكثر تعبًا وأثقل قلبًا من أن يتحمل شيئًا آخر.
في منزل كريم، تنهدت يارا بعنف وأشفقت على حالها، لتنقلب ملامحها حسرة على نفسها، فوجدت نفسها تكمم فمها بيدها لتمنع رغبة بكاء تتصاعد من اختناق نفس متألمة، قبل أن تدفن وجهها بوسادتها وتجهش في البكاء، وهي تستمع لصوت شجار والدتها مع خالتها في الخارج.
وقفت والدتها مكانها تنظر لشقيقتها بجمود، ثم قالت بنبرة نارية:
"إذا كان ولدك على علاقة بفتاة أخرى ويخطط للزواج منها، فلما اتصلتِ بي واتفقتِ معي على الحضور لعندك أنا وابنتي بحجة أنني أتيت للفحص الطبي ليكون هناك فرصة ليتعرف ولدك على ابنتي عن قرب؟ لما لم تخبريني؟ فلم يعجبني الموقف الذي وضعتني أنا وابنتي به، ولن أسامحك عليه."
تغضن جبين والدة كريم وتجهمت ملامحها وقالت متعجبة:
"لم أعلم بأنه يحب فتاة أخرى ويريد الزواج منها، لم يخبرني مهما ضغطت عليه، وعندما قررت أن أضغط عليه أكثر وأخبره بأنني سأكون غاضبة منه إن لم يستمع لحديثي ويتزوج، تواصلت معك وأخبرتك أن تأتي وتحضري يارا معك لعله يرى جمالها ويتعرف عليها من قريب، فتستطيعين أن تجعليه يتراجع عن قراره بعدم الارتباط، ووقتها سعادتي لن يضاهيها شيء، لأنه سيتزوج من ابنة شقيقتي، فلم أكن أعلم بمخططه بالزواج من فتاة أخرى لا أعرفها."
عقبت والدة يارا ببرود وهي تكمل توضيب حقيبتها:
"ليس هناك مجال للحديث، مبارك لكريم، سأرحل صباحًا أنا وابنتي، فيكفي ما لقيناه من إهدارًا بكرامتنا."
ضاقت ملامح الأخرى واستدارت تسب كريم لعدم إخبارها برغبته بالزواج من تلك الفتاة، فلما لم يخبرها منذ البداية؟ فلو أخبرها لكانت ارتاحت ولم يكن ليحدث كل ما حدث وتغضب منها شقيقتها بتلك الطريقة. اتجهت لغرفته بغضب جلي وفتحت الباب دون استئذان، لتجده يتحدث مع صديق له عبر الهاتف. نظر إليها كريم بهدوء، فأنزل الهاتف عن أذنه بعد أن قال لصديقه:
"سأنهي المكالمة الآن ونتحدث فيما بعد."
ما إن استمع لرده، أنهى المكالمة وأنزل الهاتف، يكظم غيظه بصعوبة من طريقة اقتحام والدته لغرفته، فقال متسائلاً:
"ما الأمر؟ هل فعلت شيئًا ليجعلني أقتحم غرفتي بتلك الطريقة دون الطرق على الباب؟ ربما كنت عاريًا وأبدل ثيابي."
كتفت والدته ذراعيها هادرة وهي تشمخ بذقنها:
"حقًا لا تعرف ما فعلته لتقف أمامي وتسأل بهدوء: ما الأمر؟ لقد تسببت بمشكلة كبيرة بيني وبين شقيقتي."
أخفض رأسه، فرفع يده يمسح على جبينه وهو يقول بملامح مستهجنة:
"أمي، هل أخبرتك من قبل بأنني أريد الزواج من يارا؟ أنتِ من تصرفتِ وأردتِ أن تضعيني أمام الأمر الواقع، لم تسأليني يومًا عما أريده، تتصرفين من رأسك، اتركيني أعيش حياتي كما أريد وأختار زوجتي بنفسي."
قالت والدته بازدراء ساخرة من حديثه:
"حسنًا، لن أتدخل في شيء لكِ منذ اليوم، ولكن لا تنسي أن تدعوني في حفل زفافك."
ثم غادرت المكان. وسرعان ما تجلى الإحباط والبؤس على وجهها، بينما هو قد ظن بأنها ما إن تستمع لذلك الخبر ستفرج وتطلب منه الإسراع واتخاذ خطوات سريعة للزواج منها في أقرب وقت. نظر للهاتف في كفه ينتظر اتصالها بتخبط، وفي داخله دوامات تستعر بالغضب.
كانت نورين جالسة في غرفتها، فلم تغادرها على مدار اليوم تفكر في حديث كريم لها، ليقطع عليها وصلة تذكرها لما حدث. نور عندما فتحت الباب ووقفت أمامها تقول بقسوة:
"تحدثتِ مع كريم وأخبرتيه بقرارك أم ما زلتِ لم تفعلي؟ فلتنهي الأمر وأخبريه بقرارك أيًا كان، لتخرجي من تلك الحالة التعيسة."
تحرك حلق نورين بارتباك، وهي تفهم مغزى سؤال توأمها، فهي لا تريد منها أن تعطيه موافقتها، تريدها أن ترفض وتفكر في مستقبلها وبناء حياتها العلمية والمهنية أولًا، ثم تفكر في الزواج بعدها. فقالت بصوت مكتوم:
"ليس بعد، أفكر وأحسم الأمر، ثم سأتصل به وأخبره بقراري."
تحشرجت نبرتها في آخر كلماتها لتشعر بقلبها داخل صدرها ينبض بشدة، فاشاحت بوجهها بعيدًا عنها حتى لا تقع تحت تأثير نور فتستطيع إقناعها بما تريد منها أن تفعله في تلك اللحظة. فقالت ببرود زائف:
"نور، هلا تركتني أقرر بمفردي دون أن تتدخلي وترغميني على شيء."
رمقتها نور بنظرة معاتبة، فعتابها قد مزق قلبها، ولكنها تحلت بالثبات لبضع لحظات، وسرعان ما نكست وجهها، ثم أغمضت عينيها تمنع دموعها التي تخونها للتحرر من محبسها. رمقتها نور بقبلة قبل أن تدمدم بقهر:
"لم أكن لأضغط عليكِ، أردت الاطمئنان عليكِ ومعرفة إذا وصلتي لقرار أم لا، فكري وقرري بمفردك، ولا تقلقي، فلن أتدخل."
تقبضت يدا نورين وأردفت بصوت مرتجف:
"لا تغضبي مني، فأنا مشوشة وأريد أن أفكر جيدًا قبل كل شيء."
أومأت لها نور والتفتت دون أن تتكلم ناحية فراشها تتوسده، وهي تحاول إخفاء قهرها من حديث توأمها ومشاركتها أفكارها، فامسكت كتابًا وجلست تقرأ فيه، ولكنها لم تكن تفقه شيئًا من حزنها وقلة تركيزها فيما تقرأه.
بعد أن أخذت نورين وقتها في التفكير، أمسكت هاتفها بتردد تنظر إليه بتوتر، وأرسلت لكريم رسالة نصية تخبره بقرارها وبما توصلت إليه بعد تفكير عميق. طالعتها نور بألم تهز رأسها بحزن على تفكير شقيقتها، فلقد فهمت مغزى تلك الرسالة من هيئتها، ولكنها لم تتدخل وتسألها عن محتواها، فلقد قررت عدم التدخل وتركها لتقرر بنفسها دون ضغط منها.
أوصل مالك زوجته للمنزل وغادر سريعًا ليذهب لعمله. دخلت ملاك المنزل لتجد حماها جالسًا يراقب شيئًا في التلفاز، فاقتربت منه تلقي عليه التحية، ليجيبها بابتسامة بشوشة ويتحدث بوقار يقول:
"كيف حال عائلتك؟ هل الجميع بخير؟"
هزت رأسها بالإيجاب، ولم تلحق أن تجيبها بسبب دخول حماتها وهي تقول:
"مبارك لشقيقتك، سمعت بأنها أوقعت شابًا غنيًا في شباكها واستطاعت أن تجعله يتزوجها دون علم أحد."
تنحنح زوجها مكانه يجلي صوته، ثم قال بوجه غاضب:
"أخبرتني بأنك لن تتدخلي في شيء لا يعنيك وأنك لن تضايقي زوجة ولدك مجددًا، ولكنك لن تتغيري مهما حاولتِ، فمن به داء لن يُشفى بدون دواء."
بينما اكفهر وجه ملاك ونكسته، لتشرد بنظرها المعذب بعيدًا، قبل أن ترد بابتسامتها الشاحبة:
"كيف وصلت إليكِ تلك الأخبار؟"
وضعت ساقًا فوق الأخرى وهي تقول:
"لا يهم كيف، ولكن أليست حقيقة؟ ملاك، أنا لا أحمل أية ضغينة تجاهك، ولكني أخشى على ولدي من مشاكلك أنتِ وعائلتك، وأخشى على سمعته في وسط أصدقائه."
ضرب زوجها كفًا بأخرى وبالكاد أمسك نفسه من شدة غيظه ورغبته في خنقها، بينما على ليال تجلت الصدمة على وجهها للحظات، وطلت عيناها بنظرات مصدومة صارخة، وحين طال الصمت بصورة ثقيلة، قال حماها بخفوت:
"لا تحزني حبيبتي، فوالدة زوجك لم تقصد شيئًا بحديثها، اصعدي لغرفتك الآن وارتاحي حتى يعود مالك."
وقفت بصعوبة تشعر بأن قدميها لا تحملانها، تفكر في حديث حماتها، هل تقصد بحديثها هذا أن تترك مالك وتنفصل عنه؟ عند هذا الاستنتاج، رفرفت ملاك بعينيها بصدمة وارتمت على فراشها تدفن وجهها به، تبكي على حظها العاثر الذي أوقعها في والدة زوج تكرهها وتريد إبعادها عن ولدها بأية طريقة.
دخل فارس لغرفته فوجدها واقفة أمام المرآة تمشط شعرها تحاول أن تغير من تسريحته المعتادة، فأقترب منها لتترك ما بيدها والتفتت تنظر إليه وهي في كامل حسنها وبهائها، فطالع شعرها بعبث وهو يقول بتسلية:
"يبدو سخيفًا، أحبه كما هو، ولكن اهتمامك في أن تغيري في مظهرك من أجلي يجعل قلبي يخفق."
تمتمت ليال بوهن من تصريحه وهي تضربه بخفة بقبضة يدها من شدة غيظها بسبب إحراجه لها:
"هل هو بتلك البشاعة التي تجعلك لا تستطيع مجاملتي؟"
شابت نبرته التسلية وهو يقول:
"بالطبع لا... يعجبني كثيرًا، فأنا أمزح معك."
نظر في عينيها بشغف وهو يقرب وجهه لها، فزمت شفتيها تبادله النظر، قبل أن تشعر به يندفع نحوها ويعتصرها بعناق قوي. شدد من قوة عناقه فكاد يرجع عظامها، لكن الألم والوجع في القلب فوق كل احتمال، فهي تشعر بما يعانيه، فتمتمت له بعذاب وحرقة:
"لو تصدق فقط كم أشتاق إليك حتى وأنت تعانقني."
أفلت فارس زمام ثباته عن مشاعره، فأبعدها عنه قليلاً ونظر إليها بوجه محتقن بالمشاعر ليقول باهتمام:
"أنا أيضًا أشتاق إليكِ كثيرًا، فهل أخبرتك من قبل بأنني أحبك؟"
هزت رأسها نفيًا وهي مشدوهة بكلامه، فأصابتها الدهشة عندما حملها وأخذ يدور بها بسعادة وهو يقول بشغف:
"أحبك يا ليال، أقسم بأنني أحبك."
ملأت ليال رئتيها بالهواء وزفرته سريعًا في محاولة يائسة للسيطرة على مشاعرها وانفعالات جسدها، فاردفت معاتبة:
"أخيرًا قلتها، انتظرتك طويلًا لتنطق بها وأشعر بأنك تعنيها حقًا. فارس، لقد أحببتك في طفولتي وأحببتك وأنا فتاة مراهقة تتخبط في الحياة، وأحببتك أكثر وأنا شابة أستطيع التمييز بين الحب والإعجاب، فأغلقت قلبي وانتظرت منك كلمة واحدة تروي ظمأ قلبي، ليلعب القدر لعبته وأجد نفسي زوجتك ليزداد حبي لك ويتضاعف وأنا زوجتك وأحمل اسمك."
اجتذبها إلى حضنه يضمها بشدة إليه، بينما هي كانت تشعر بالطمأنينة والأمان، فشدت من احتضانه تتشبث بملابسه، كم تحتاجه بجانبها وتتمنى أن يتخذها صديقة يتودد إليها كلما ضاق به الحال، تريد ألا تنتهي تلك اللحظة وينتهي هذا القرب المحبب الحاني. بقيت يستمدان من بعضهما عاطفة صامتة، وفي داخلهما تطوف المشاعر مبعثرة، جياشة، ثائرة بداخل كل منهم لتكون أبلغ من كل تعبير. حملها بين ذراعيه وجعلها تتوسد الفراش، واستلقى بجانبها غامرًا أصابعه بشعرها يستمتع معها بلحظات اشتياق سرقتها أيام من الجفاء والنبذ.
خرج معتز من غرفته يتنهد ببؤس، فهو يضطر بسبب إصابة قدمه أن يظل في المنزل ممسكًا بعكازه، لا يخرج ولا يرفه عن نفسه. رأى والدته جالسة على الأريكة في الصالة، شعر براحة عجيبة تتسلل إليه، فكم تحركه. فما إن شعرت به، رفعت وجهها تنظر إليه بعاطفة، ليجلس بجوارها على الأريكة، لتتكلم وهي تمسد على ذراعه تسأله بنبرة حنونة:
"سأجهز لك الطعام، فلم تأكل شيئًا طوال اليوم."
ابتسم معتز لوالدته وهو يجيبها:
"ليس الآن، فأنا لست جائعًا."
نظرت إليه بتردد تريد قول شيء، ليقول معتز بخفوت وهي يدعك جبينه أثر الصداع الذي بدأ يداهمه بسبب انهياره ونومه لوقت مطول:
"أي، قولي ما لديك بلا تردد."
اعتدلت والدته في جلستها تقول بنبرة جادة:
"أريد أن أزوجك في أقرب وقت لفتاة من اختياري، فما رأيك؟ لقد رأيت فتاة تعجبني كثيرًا، أريدها أن تكون من نصيبك لتكون هي العوض لك عما عانيته."
ضاقت ملامح معتز، فكان جسده يقشعر كأنه يكره الأمر، فتقبضت يداه بعجز ليردف بصوت مرتجف:
"أمي، لا أريد التحدث في الأمر مجددًا، ف أنا لا أريد الزواج على الأقل في الوقت الحالي، فهلا تقبلتِ رغبتي."
أخذت دموعها تسيل لا إراديًا وهي لا تصدق أن تصل معاناة ابنها لذلك الحد حتى يرفض الارتباط مجددًا، فقالت بحزن:
"هكذا تكسر بخاطري."
مال يقبل كفها تارة ويقبل رأسها تارة أخرى وهو يعتذر منها، فابتلع غصة مسننة استحكمت حلقه، فغمغم:
"لا عشت ولا كنت، فلم أقصد كسر خاطرك، ولكني لا أستطيع تقبل فكرة الزواج الآن، فما زلت مجروحًا وكبريائي كرجل لم ألملمها بعد، ف أعطني بعضًا من الوقت لأتعافى أولًا ويشفي قلبي مما حدث معي، ثم أنا من سيأتي ويطلب منك البحث عن عروس."
كانت تجلس في غرفتها تنتظر عودته، وحديث والدته يدور في عقلها والحزن مرتسم على وجهها، تشعر بأن وجنتيها ملتهبتان من كثرة بكائها. استمعت لصوت سيارته الذي يعلن عن وصوله، شعرت بالتوتر والخوف وكأنها ارتكبت ذنبًا شنيعًا، فرفعت أناملها تمحي دموعها بقوة حتى لا يرى آثارها على وجهها. فما إن دخل للغرفة، حتى انسابت الكلمات من بين شفتيها بصوت مرتعش مستنكر وهي تقوم من مكانها نحوه:
"مالك، أرجوك أريد أن أحصل على الطلاق."
تجلت الصدمة على وجهه للحظات، وطلت عيناه نحوها بنظرات مصدومة صارخة، وعندما طال الصمت بينهما بصورة ثقيلة ومخيفة، تحدث أخيرًا بنبرة متشككة:
"ما بكِ! هل هذه مزحة؟"
غمغمت ملاك له ببراءة:
"لا، ليست مزحة، فتلك رغبتي وأرجو منك أن تلبيها من أجلي."
انهار صوتها في نهاية جملتها، وعندما لم تنحسر ملامحه أبدًا أو يعترض على حديثها، فهزت وجهها تقول بوجه شاحب:
"وافق، أرجوك، فأنا لا أستطيع البقاء معك أكثر."
ظل مالك ينظر لها بوجه مقتضب متبلد لا يجيب عليها، بينما يجدها تقف أمامه لتقول هي بعد فترة طويلة وهي تهمس بصوت ملتاع:
"لماذا لا تجيب؟"
لم يجد قدرة أكثر على الثبات وانفجر فجأة ضاحكًا بصوت عالٍ هز قلبها الصغير البائس، ليستطرد من بين ضحكاته:
"لا أريد مزاحًا من هذا ثانيًا، فلا تفتحي سيرة الطلاق حتى ولو كان مزاحًا."
رمته بنظرة متشتتة، ثم قالت بصوت واهن ضعيف:
"ولكن أنا لا أمزح."
خفتت ضحكاته تدريجيًا بتعب ليقول بأنفاس مسروقة:
"ماذا تقصدين؟ أحقًا تريدين الطلاق؟"
ارتفع صوته في آخر حديثه، فلم تجبه وظهر الارتباك عليها، ف أمسك يديها وقال بصوته الأجش:
"ما الذي حدث ليجعلك تطلبين الطلاق؟ أخبريني حبيبتي، فكلانا يعلم بأن هناك أمرًا ما وراء طلبك هذا."
كانت تعانق عينيها بعينيه، فزفرت ملاك أنفاس مرتجفة وقالت بلوعة:
"لم يحدث شيء، فهذا لأنني أحبك وأخشى أن يأتي يوم وتتركني لأنني لا أليق بك."
لوهلة احتلت الصدمة محياه وأربد كيانه، أتعترف بحبها؟ اقشعر بدنه لرجفة صوتها وهي تردف بألم:
"إن لم تطلقني الآن، فلتعدني بأنك لن تتركني ما دمت حية."
ذاب قلب مالك على الحزن والذعر المرسم على وجهها، وقد اتضحت الرؤية أمامه، واستنتج بأن والدته ربما تكون ضايقتها بحديثها مجددًا، لذلك طلبت منه ملاك الطلاق، فعليه أن يتخذ قرارًا حاسمًا ليردع والدته وتكف عن مضايقتها، فقال بصوت متحشرج مفطور الفؤاد:
"أعدك حبيبتي بأنني لن أتركك أبدًا، ولكن لا تجلبي سيرة الطلاق مرة ثانية على لسانك مهما يحدث بيننا."
أكد عليها حديثه وهو يربت فوق شعرها يقول:
"فهمتي، ممنوع التحدث عن الانفصال، فأنا لن أفعلها أبدًا، فهذا مستحيل."
ضمها إليه وهو يقول مبتسمًا:
"أنتِ زوجتي وحبيبتي ومن تملئين حياتي بهجة، فكيف تريدين مني أن أنفصل عنك."
همست له ملاك بصوت متخم بالعاطفة:
"أحبك... أحبك يا مالكي."
لم يصدق ما تسمعه أذناه، فهي تعترف بحبها له للمرة الأولى، ليشدد عليها بين أحضانه ويقبل جبينها، وقد برقت عيناه ونبض قلبه سريعًا وهو يهمس لها بخفوت مؤثر:
"هل أنا بحلم؟"
هزت رأسها نفيًا، فتحرك يجلس على طرف الفراش وهو يسحبها خلفه، فجلس وأجلسها على قدميه يسحقها بداخل أحضانه، ثم تمدد على الفراش وهي في داخل أحضانه. ففي هذا الوقت ظل الاثنان ملتصقين حتى ظن أنها غرقت في النوم، ليجفل على صوت الطرق على باب الغرفة. حاول مالك أن يتحرك لينهض، فحاول تحريك ملاك لإبعادها عنه، جفل على صوت هتافها الحانق:
"لا تبتعد عني، أريد النوم بين ذراعيك."
رفرف بعينيه متلعثمًا:
"الباب... هناك من يطرق الباب، سأرى من ومن ثم أعود."
التفت مسرعًا عندما ازداد صوت الطرق، فأخذ يخطو ناحية الباب ففتحه ليقابله وجه والدته الغاضب، لتقول باستياء:
"الحق بي، أريد التحدث معك في أمر هام."
قطب حاجبيه باعتراض بالغ وزفر أنفاسه وهو يفكر، ما ذلك الأمر الهام الذي تريد والدته التحدث معه بخصوصه في ذلك الوقت؟ فهو مرهق ويريد أن يرتاح، ولكنه تحرك خلفها ليجدها تدخل لغرفة مكتب والده، فاتبعها ودخل وأغلق الباب خلفه. أشارت له بالجلوس، فما إن جلس، حتى قالت والدته بغضب عارم منفلت:
"الجميع يتحدث عن ما فعلته تلك المدعوة مي، شقيقة حرمك المصون، فلقد شوهت اسم عائلتي بزواجك من تلك الفتاة وعليك تنظيفه."
ظل ينظر لوالدته وهو يفكر في حديث ملاك معه منذ قليل وطلبها للطلاق، وقد تأكدت شكوكه بأن والدته هي من وراء ذلك، فقال بمرارة لاذعة:
"لا أستطيع أن أنظف اسم عائلتك، لأنني لم أشوهه من الأساس. أما بخصوصي أنا وملاك، فلقد توصلت لحل سيرضيك ويريحك كثيرًا."
سارعت ترسم ابتسامة له وهي تقول بحب ظاهري:
"كنت أعلم بأنك ستقتنع بحديثي وتنفصل عنها لتبتعد عن منزلي."
سارع يقول وهو يهم واقفًا:
"ليست هي من ستبتعد فقط."
ضيقت والدته عينيها وهي تسأله:
"ماذا تقصد؟"
هز رأسه ببطء وقال مبتسمًا:
"أقصد بأنني أنا وزوجتي سنترك المنزل سويًا ونذهب للعيش في شقتي منذ الغد، فأنا لا يرضيني رؤيتك حزينة بسبب وجود زوجتي ورؤيتها أمام ناظريك طوال الوقت."
أدركت ما قاله، فازدردت ريقها بصعوبة وحاولت أن تتحدث، فرفع كفه يمنعها من الحديث، وعيناه ترميانها بسهام اللوم والعتاب الجارح، فهو لم يكن ليفكر في شيء مثل هذا لولا معاملتها السيئة لملاك، فهي والدته ولن يستطيع التحدث إليها بسوء، فذلك هو أسلم حل. ثم التفت مغادرًا للغرفة.
وصل مالك لغرفته، فرزع باب الغرفة بقوة واستدار ليجد ملاك جالسة نصف جلسة على الفراش تطالعه بتحفز. اقترب مالك خطوتين وجلس على أريكة مقابلة للفراش، فمال برأسه يشبك أنامله في بعضهما البعض وقت بشيء من الثبات:
"سنغادر في الصباح إلى شقتي، فتكوني على أتم استعداد."
رفعت ملاك حاجبيها باستهجان وترجلت عن الفراش سريعًا تقول ببطء:
"لما؟ هل تشاجرت مع والدتك بسببي؟"
"لا يهم ما حدث، فهذا أفضل لكلينا، فعلى الأقل سيكون لدينا منزل خاص بنا."
صدح صوتها عاليًا:
"لا أريد، فأنا لن أخرج من هذا المنزل، لا أريد منزلًا لنا بمفردها، أريد أن أبقى مع والديك حتى إذا كانوا لا يحبونني، فأنا لم أتزوج بك لأخذك منهم، فأنت وحيدهم. أرجوك أعطهم بعض الوقت ليحبوني ويعرفوا من أنا جيدًا."
أسر الذهول ملامحه لدقيقة قبل أن يهتف حانقًا:
"لقد قررت، سنغادر صباحًا، أما بالنسبة لوالداي فسيظلان والداي وسآتي لأراهم وأودهم، فلا تشغلي بالك."
سارعت تعانقه بقوة وحب لتضغط عليه بينما تردف بتريث دون ترك معانقته:
"أرجوك لا تفعل، لا أريد الذهاب، لا أستطيع رؤية حزنهم لمغادرتك منزل عائلتك، لقد جربت شعور الحزن والألم كثيرًا ولا أستطيع أن أرى أحدًا يعاني."
أبعد مالك زوجته بصعوبة عنه وتنحنح قبل أن يقول:
"حسنًا، سنبقى، ولكن إذا حدث شيء آخر، سنغادر دون أن آخذ رأيك بعين الاعتبار."
نظرت ملاك له بامتنان وهي تهز رأسها عدة مرات موافقة، بينما في خارج الغرفة كانت والدته واقفة أمام الباب، وعلى وجهها ترتسم علامات الذهول. فلقد كانت على وشك طرق الباب والشجار مع ملاك واتهامها بأنها سرقت ولدها منها وتريد أخذه لها بمفردها وإبعاده عن منزل عائلته، فجعلته يتحدث معها بطريقة غير لائقة. فما إن رفعت كفها تريد الطرق، استمعت لحديثهما، وكم شعرت بالخزي من نفسها ومن ما أوشكت على فعله، فتساقطت دموعها وهي ترى وتسمع بأذنيها بأنها كانت مخطئة وحكمت عليها من واقع مكانتها ووضعها الاجتماعي. استدارت تغادر، وومضات تمر أمامها لما أسمعتها لملاك من إهانات وتقليل منها ومن عائلتها، فقررت بأنها ستتخذها ابنة لها وتدافع عنها أمام أي أحد، وبالأخص أصدقائها، لأنها هي من أعطتهم الفرصة للتحدث عنها وعن عائلتها بالسوء أمامها، بل كانت تشاركهم الحديث. ظلت تبكي لفترة طويلة وهي تفكر، لو كانت فتاة أخرى مكان ملاك لوافقت، أخذت زوجها واستقروا في منزل خاص بهما، فلما ملاك تفعل ذلك معها؟ ظلت تفكر كثيرًا فلم تتوصل لشيء غير بأنها فتاة جيدة عانت الكثير، فلم تريد منه أن يجرب ألم الفقد والبعد عن عائلته.
بعد مرور عدة أيام، كان فارس في الورشة يعمل بجد وحبات العرق تتساقط على جبينه. استقام واقفًا يلتقط أنفاسه ورفع ذراعه يمحو حبات العرق التي تملأ وجهه، فأخذ يتأمل المكان من حوله، ثم همس بشيء من الذنب:
"هل أنا السبب بوجودي في ذلك المكان، أم هو معتز السبب لأنه لم يتركني لأكمل تعليمي وأتخرج وأعمل في وظيفة أفضل بكثير من وجودي هنا؟
رواية ذلك هو قدري الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم موني عادل
بعدما ذهب سليم وعائلته، اتجه كل من فارس وعائلته لغرفهم.
كان فارس واقفًا في غرفته على وشك نزع ملابسه وتبديلها، ليستمع لصوت طرقات على باب غرفته.
سمح فارس لمن يطرق بالدخول، قبل أن تصيبه الدهشة عندما اتضح أنها ليست سوى مي، التي كانت تقف بوجه حزين وعينين تفيضان بالكثير من الدمع على وجنتيها.
اقترب منها وعيناه تطوفان عليها، ليباشر قائلاً بقلق:
((أأنتِ بخير؟ لما تبكين؟))
أخذ الأمر ثواني من مي للتفكير قبل أن تجيب:
((لا أعرف، ولكنني شعرت بأنني أريد البكاء، وأشكرك على كل ما تفعله من أجل سعادتنا.))
هز فارس رأسه بغير اقتناع، ثم قال مضيقًا حدقتيه:
((متأكدة بأنه ليس هناك سبب لبكائك؟))
هزت رأسها نفياً وهي تقول بابتسامة مصطنعة من بين دموعها:
((لا يوجد.))
((يا لكِ من فتاة عاطفية، هيا اذهبي للنوم. فلدي عمل صباحاً وأريد أن أحظى بالنوم لعدة ساعات قبل الذهاب لعملي.))
شبكت مي أصابع يديها ببعضهما متسائلة:
((أريد أن أعرف إذا ما زلت تشكك في صحة ما أخبرتك به، أم تصدق بأن قرار زواجي من سليم كان في لحظة صدمة؟))
ظلت عينا فارس بعينيها لثوانٍ أخرى قبل أن يتساءل بغتة:
((هل لديكِ شك بأنني أصدقك؟))
أخذ نفساً قوياً ثم أكمل حديثه:
((لو لم أصدقك، ما كنت سامحت لكِ بالتحدث معي بحرف واحد، ولم أكن لأتقبل زوجكِ وأسمح له بالدخول لمنزلي دون أن أؤذيه.))
شمخت مي بذقنها بعد أن استمعت لحديثه الذي أنعش قلبها، وقالت:
((أشكر الله على وجودك بحياتي، فلا أعرف من غيرك كيف كنت سأكون. أحبك يا أخي.))
أنهت حديثها، ترمي نفسها عليه تحتضنه بقوة. حاول فارس أن يتحكم في ابتسامة تلح على وجهه، لتظهر. نجح بتحرير نفسه من بين ذراعيها المتشبثة بملابسه، وقال بجدية تكتنفه:
((اذهبي يا فتاة واتركيني أستريح.))
أخذت مي نفساً عميقاً وأطلقته ببطء، قبل أن تسترسل حديثها بإحراج ممتعض:
((هل سيصدق أهل الحي بأنني أتزوج بتلك السرعة دون أن ينسجوا الكثير من الترهات حولي؟))
تنحنح فارس يجلي صوته، قبل أن يقول مدعياً الحزم، فهو يخشى أكثر منها مما هو قادم، فكيف سيعلن بأنه تم عقد قران شقيقته دون أن يدعو جيرانه وأقاربه:
((لا تقلقي، اتركي الأمر لي ولا تفكري في شيء.))
مالت تقبل وجنته قبلة سريعة، وهي تتمنى له نوماً هنيئاً. التفتت لتفتح الباب، فوجدت ليال أمامها. لقد كانت هي الأخرى على وشك فتحه، فتمتمت بذهول قائلة:
((لم أكن أعلم بأنكِ هنا.))
ابتسمت مي ترفع كتفيها وعقبت:
((أردت أن أتحدث مع فارس قليلاً قبل أن يخلد للنوم. أعتذر بأنني تركتك تنظفين المطبخ بمفردك.))
كان فارس يتابع حديثها بصمت، ولكنه مرهق وجسده تعب، فلم يعد يستطيع الوقوف أكثر. فأخرج هاتفه من جيب بنطاله ووضعه على الطاولة بجوار الفراش، وارتمى متسطحاً بملابسه فوق الفراش، وسرعان ما غفى.
لتطالعه كل من زوجته وشقيقته بشفقة. لتهمس مي بصوت خفيض بأنها ستذهب لغرفتها، وهي تتمنى لها ليلة سعيدة.
فما إن خرجت مي من الغرفة، أوصدت ليال الباب جيداً وتحركت تخطو ناحية الفراش، تطالع زوجها النائم فوقه مرتدياً ملابسه. نادت اسمه عدة مرات بصوت خفيض، ولكنه لم يجب.
فاستندت بركبتيها على الفراش، تميل فوقه تحاول أن تجرده من ملابسه ليستطيع النوم براحة أكبر.
بينما شعر فارس بموضع كفيها على جسده، فظل للحظات بين النوم واليقظة. ومضات مما حدث من قبل مع زينة تمر أمامه، فلم يكن يعلم إذا ما كان حلماً أم حقيقة يعيشها.
فأستيقظ مفزوعاً ليجد ليال أمامه تهدي من روعه، وهي تقول بشفقة:
((آسفة، لم أقصد أن أجعلك تستيقظ مفزوعاً. كنت أريد نزع ملابسك عنك لتستطيع النوم براحة، فمن الصعب النوم بملابس كهذه.))
للحظة أراد أن يوبخها، ولكن ما إن رأى حزنها لأنها تسببت في استيقاظه، وافقها وازد رد ريقه قائلاً بصوته الرخيم:
((عندك حق، سأذهب وأبدل ملابسي.))
ثم ترجل من الفراش ووقف ينزع ملابسه ويرتدي شيئاً أكثر راحة. وما إن انتهى، حتى ارتمى فوق الفراش نائماً على جانبه، معطياً لها ظهره، دون أن يتفوه بحرف أو حتى متمنياً لها نوماً هنيئاً.
لتظل تنظر إليه بنظرات مشفقة ومحبة، ليغفو كلا منهما سريعاً.
في الصباح الباكر، خرج معتز لخارج منزله الذي يمكث فيه منذ أشهر، قاصداً الشركة التي كان يعمل بها من قبل، لعل وعسى يعود لعمله من جديد لديهم.
فلقد قرر أن عليه الخروج من تلك القوقعة التي يسجن نفسه بداخلها، وبدأ حياته من جديد.
فقرر البدء بالعمل ومساعدة فارس، فكل شيء. فهو يعلم بأن فارس يحمل فوق عاتقه الكثير دون أن يشكو أو يتذمر مما يحدث. كم يحسده على صبره وطولة باله على كل ما عاناه وما زال يعانيه حتى تلك اللحظة.
أوقف أول سيارة أجرة مرت من أمامه، وأخذ يملي عليه عنوان شركته السابقة.
شرد يفكر في وضعه الآن، وإذا ما كان مديره سيوافق على عودته. لعله أم سيرفض ويطرده من الشركة.
قبض قبضته بقوة وهو يقرر بأنه لن يعود خالي الوفاض، حتى لو تطلب منه الأمر أن يترجاه ليعود للعمل من جديد.
تحدث السائق بصوت مرتفع بعض الشئ:
((لقد وصلنا للعنوان الذي أخبرتني عنه.))
تطلع معتز حوله بعد أن خرج من شروده على كلام السائق الموجه له، فأخذ نفساً مطولاً وترجل من السيارة.
فوقف يخرج من حافظة نقوده أجرة السائق وأعطاها له، وأخذ يخطو للداخل بثقة متذبذبة وأعصاب مرتخية، خاشياً مما سيلاقيه.
فما إن وطأت قدمه أرض الشركة، وما إن رآه زملاؤه في العمل، حتى ذهلوا من رؤيته يقف أمامهم بصحة جيدة، فلقد كانوا على علم بمرضه.
اقترب منه اثنان من زملائه يرحبون به ويطمئنون عليه، بينما اكتفى باقي زملائه في العمل بالاطمئنان عليه من أماكنهم حيث يقبعون خلف مكاتبهم ويتسامرون مع بعضهم البعض وهم يحدقون به بلامبالاة.
ليباد لهم النظر وعلامات الحسرة والندم مرتسمة على وجهه، فهو يعلم بأنه لم يكن شخصاً جيداً معهم، وتلك المعاملة التي يلقاها منهم ليس إلا نتيجة ما فعله معهم من قبل.
فكل شخص يحصد ما زرعه، وهو كان شخصاً أنانياً لا يحب غير ذاته ولا يفكر غير في شأنه فقط.
فكل تفكيره كان منصب على أنه يريد أن يصل لأعلى المناصب، حتى لو على حساب وتعب غيره.
في غرفة المدير، استمع لصوت الجلبة بالخارج، فخرج سريعاً وعلامات الغضب على وجهه وهو يتوعد إليهم بأنه سيخصم من رواتبهم.
فما إن خرج من غرفة مكتبه، حتى صرخ فيهم بجنون عالياً. ولكنه تفاجأ بمعتز واقفاً في منتصف الشركة والجميع ملتف حوله يرحب به، وذلك هو سبب الجلبة.
فاقترب منه ورحب به، داعياً إياه لغرفة مكتبه.
تحرك مديره في الشركة وتحرك معتز خلفه، وما إن دخلا لغرفة المكتب، حتى تحدث المدير يقول بفضول:
((هل أتيت ل تنهي إجازتك وتعود للعمل؟))
حدجه معتز بعبوس لا يفهم ما يقوله، وكأن من يتحدث أمامه شخص آخر لا يفقه لغته في الحديث.
فقال باضطراب:
((عن أي إجازة تتحدث؟ أتيت لأترجاك أن تعيدني للعمل لديك، ولو لم يكن في نفس منصبي القديم.))
رفع مديره كتفيه وعقب:
((ولما تترجاني لأعيدك وأنت لم تترك عملك في الأساس. لقد قدم لك أخيك إجازة مفتوحة بدون راتب بعد أن اطلعنا على حالتك الطبية وأرفق تقاريرك الطبية لدينا ليتم الموافقة على الإجازة. واليوم حين رأيتك تخيلت بأنك أتيت ل تنهي إجازتك وتواظب على العمل.))
لجمت الصدمة معتز للحظة عن الكلام، وكأنه ابتلع لسانه، ثم قال بخشونة مضطرباً:
((نعم.. نعم. أنا هنا من أجل أن أنهي إجازتي وأعود لعملي، فلقد تحسنت حالتي بل شفيت تماماً.))
وافقه مديره بصوته الرخيم:
((بإمكانك العودة منذ الغد واستئناف عملك من جديد.))
شكره معتز وتحرك مغادراً للشركة، وهو لا يصدق بأن الأمر قد مر بسهولة هكذا وأنه لم يفقد وظيفته من الأساس.
فكل ما حدث كان عكس ما تخيله، فلقد توقع بأن مديره سيرفض وأنه سيترجاه وربما يزرف الدمع وهو يشرح له ما جعله يتغيب عن عمله كل تلك الفترة دون سابق إنذار.
لم يتخيل أبداً أن فارس قد فكر في مستقبله وهو مجثاً على الفراش لا حول له ولا قوة.
لا يعرف كيف يشكر فارس، وإذا ما كان سيستطيع تعويضه يوماً عما اقترفه بحقه، وإذا ما كان قد نسي أذيته له أم ما زال يتذكرها.
أخرج هاتفه من جيب بنطاله وضغط على عدة أرقام، ليأتيه صوت فارس بعد عدة لحظات، لتدمع عينا معتز ويقول بنبرة يشوبها الألم:
((أعتذر منك على كل ما اقترفته في حقك يوماً. لو تعلم كم أنا نادم على كل لحظة مرت في حياتي وأنت بعيد عني، لما لم نكن يوماً شقيقين بالمعنى الحقيقي، لما لم تفرض علي صداقتك لنتقرب من بعضنا البعض ونكون أخوة. لماذا؟ هل كنت قاسياً معك لتلك الدرجة التي جعلتك ترتاح في البعد عني؟ سامحني يا أخي.))
تحدث فارس بنبرة مختنقة يحاول أن يخفف عنه:
((ما زال أمامنا الكثير لنعيشه معاً، فلتدع الماضي ولا تفكر به، ولنعش الحاضر والمستقبل ونستمتع بكل لحظة تمر علينا ونحن معاً وأخوة.))
تساقطت دمعة حارقة من طرف عينا معتز، وهو يتذكر كم عاش فارس وشقيقاته أياماً صعبة وقاسية مشوبة بالخوف الحذر وعدم الطمأنينة.
ليشعر بانكسار قلبه. فكان لابد أن يكون لهم الأمن والأمان والصدر الحنون الذي يستمع إليهم ويتقبل منهم كل شيء.
شعر بالاختناق وأنه لن يستطيع تمالك نفسه أكثر، فقرر إنهاء المكالمة سريعاً ليقول بقهر:
((سأنهي المكالمة الآن، وعندما أعود للمنزل نكمل حديثنا.))
ثم أنهى المكالمة سريعاً قبل أن يستمع لجواب فارس، وأنزل الهاتف عن أذنه يضعه في جيب بنطاله.
وقرر أن يتمشى بمفرده ويفكر في تعويض عائلته، وأن عليه أن يتحمل المسؤولية كاملة وأن يظهر للجميع تغيره.
كم شعر بالخزي وهو يشرد يفكر بأن فارس لن يستطيع التخرج من الجامعة بسبب ما حدث، وأنه من تسبب في ضياع مستقبله.
ففارس لم يستطع أن يحضر محاضراته أو يذاكر دروسه بسببه هو. لقد كان أكبر عدو له.
ضغط على أسنانه بغضب وأخذ يتمشى وهو يفكر في حل لذلك الأمر.
بعد مرور عدة أيام، وقف فارس يحيط كتفها بذراعه وهو يتأمل صورتها المنعكسة في المرآة.
فكم كبرت وصارت عروس. رغم كل الإرهاق الذي يعيشه، كان سعيداً وهو يراها ترتدي فستان الزفاف.
وبعد قليل ستزف لزوجها أمام الحي ككل. فهو أصر أن يقام حفل زفاف شعبي في الحي ليكونوا شهداء على تلك الليلة التي بالنسبة له عمراً كاملاً سيظل يتذكرها طوال عمره ويحفظ تفاصيلها عن ظهر قلب.
تقدم معتز ووقف جانبها يديرها إليه وهو يقبل جبينها، فأمسك بذراعها يضعها في ذراعه، وهو يختبر تلك الأحاسيس لأول مرة.
فسفارس قد عاش كل تلك التفاصيل مع ملاك من قبل.
التفت ينظر لفارس ورأى علامات التأثر مرتسمة على وجهه، فغمز بإحدى عينيه بشقاوة، ليبتسم فارس بسعادة جلية.
وأخذ يتبعهم للخارج ليجد سليم واقفاً بانتظاره.
سلمها له معتز وهو يوصيه عليها ويتمنى لهم حياة سعيدة.
وصوت الزغاريد والأغاني يتصاعد في الحي، بينما كانت والدتهم تتلقى التهاني والمباركات من الجميع.
وكلا من نور ونورين يجلسون بجوار بعضهما في هدوء وحزن لمفارقة شقيقتهما وتركها لمنزل العائلة.
دارت نورين ببصرها تبحث في وجوه الجميع عن أحد ما، فوقع بصرها على ملاك وزوجها يجلسون بجوار بعضهما.
نظرت لمالك الممسك بكفها متشبثاً بها وكأنها ستختفي، فظلت تتأمل نظرات الحب الخفية بينهما وعيناهما التي تحكي الكثير من المشاعر.
وهي تتمنى أن تجمعها تلك اللحظات مع من يشغل بالها، وهي تفكر هل سيأتي يوم وتتشبث بيده مثلما تفعل ملاك دون أن تخشى شيئاً أو أحداً.
فتنهدت بحب وهي تتذكر من يسكن فؤادها.
شعرت بالخوف وهي تتخيل بأن تلك اللحظات السعيدة لن تعيشها أبداً.
وقف شاب ما بجوار فارس وتنحنح يجلي صوته يبارك له.
تأمله فارس وهو يرد عليه باختصار، فهذه أول مرة يراه فيها، فلقد ظن بأنه قريب العريس.
ليباذر ذلك الشخص بالحديث بلهفة:
((هل يمكنني التحدث معك لدقيقتين.))
تجهمت ملامح فارس واجتاحه الفضول متسائلاً:
((بالطبع بإمكانك، تفضل فأنا أسمعك.))
شعر بالارتباك ولكنه حث نفسه على التحدث، فقال دفعة واحدة:
((أريد أن آخذ منك موعداً لزيارتك في منزلك من أجل طلب يد شقيقتك نورين للزواج.))
بحث فارس بعينيه عن نورين، وما إن وجدها تجلس بزاوية بجوار شقيقتها، ظل يطالعها وهو يرفض بأنها ما زالت صغيرة على الارتباط.
وكأنها شعرت بنظراته ووصلها ما يفكر به، فرفعت رأسها تبادله النظر لتصدم من رؤية كريم واقفاً بجواره.
ليتمتم فارس بصوت أجش وما زالت عيناه مصوبة على نورين يقرأ معالمها واحمرار وجنتيها أكبر دليل على أنها تعرفه أو ربما تعشقه.
كان يريد أن ينهي الأمر معه في تلك اللحظة، ولكن نظراتها المبهمة التي فهم منها أنها تترجاه وتتوسل إليه ليوافق، فقال باقتضاب:
((يمكنك زيارتنا في وقت لاحق.))
عقد كريم حاجبيه لتماطله في أمر زيارته لمنزلهم، فهو لم يعطه موعداً صريحاً وأجل الأمر لوقت لاحق غير معلوم.
فالان فقط عرف أن نورين نسخة من شقيقها.
ابتسم لها كريم تلك الابتسامة الخاصة التي تلمس قلبها كانثى، وهو يتذكر تلك المكالمة التي انتظرها طويلاً لتخبره بقرارها بأنها تحبه وتريد أن تكمل حياتها معه.
فليطلب منها أي شيء غير أن يطلب منها أن تتركه وتتخلى عنه.
لتطلب منه نورين أن يأتي اليوم ويتحدث مع فارس ويطلب منه زيارتهم لطلب يدها رسمياً، وها هو قد أتى كما اتفقت معه.
فلقد كان الفضول يتآكلها لتعرف جواب فارس على ما قاله كريم، ولكن ما يريح قلبها قليلاً ابتسامته التي تنير وجهه وتدغدغ روحها.
انتهى حفل الزفاف، فارتسم الحزن على وجه مي وهي تعلم بأنها بعد لحظات قليلة ستذهب مع سليم لمنزلها وتترك عائلتها.
امتلت عيناها بالدموع، فأقترب فارس يخاطبها من بين قبلاته على وجهها الحزين:
((كوني سعيدة، فليس هناك مجال للحزن الليلة.))
حاولت أن تبتسم ولكنها شعرت بتيبس وجهها.
رفع معتز حاجبيه وهو يطالع هيئتها، ليعقب بمرح وهو يدنو منها:
((ما الأمر؟ هل رجعتِ في كلامك؟ أليس ذلك الشخص هو من تزوجتيه دون إخبارنا؟ فلما أراك حزينة الآن؟ لابد وأن تكوني أسعد امرأة اليوم، فما أردتيه قد حصلت عليه.))
ناغشته وهي ترفع يدها كي تلامس ذقنه:
((لا أعرف لماذا أتصرف بسخافة، فالأمر خارج عن إرادتي.))
زم شفتيه قليلاً ثم قال بشيء من الجدية التي اكتنفته:
((أتمنى لكِ أن تعيشي حياتك في سعادة وأن تسامحيني على ما اقترفته في حقك. مي أنا أعتذر عما اقترفته في حقك، أنا حقاً نادم وأتمنى أن تغفري لي ما اقترفته من ذنب في حقك وحق الجميع.))
تجلى الحنو والسعادة على وجه والدتها، لتقول بصوت متحشرج:
((يكفي يا معتز، فأنت من ستتسبب في بكائها وتلطيخ وجهها بالزينة.))
أمسكت مي بكفها تقبله، لتتمتم لها والدتها ببضع كلمات تتمنى لها السعادة.
لينتهي حفل الزفاف، وتستقل مي سيارة سليم لتذهب لعش الزوجية وتبدأ حياتها معه.
رواية ذلك هو قدري الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم موني عادل
طافت قناديل الحنين في عيني منير لتتلاشى ظلمة مواجعه وبؤسه تدريجياً،
وهو يتذكر بأن محاميه أخبره بزواج سليم الليلة.
هل كان يحتاج أن يسجن ليعترف بأنه أخطأ في حق سليم وحق مي؟
بالسجن جعله يدرك جيداً بأن من يحب لا يؤذي،
ويتمنى لمن أحبه السعادة مع الشخص الآخر.
امتلأت نظراته بالسجن وهو يتخيلها أمامه،
ليهمس بعاطفة صادقة مستغرباً حاله:
((أتمنى لك السعادة والراحة حتى ولو كانت مع شخص غيري.))
فتساقطت دمعة من طرف عينه،
فسرعان ما محاها وهو يأخذ أنفاسه بشكل متلاحق..
بينما في غرفة نوم سليم،
تنهد بعمق الحب الذي يكنه لها،
وأقترب منها يشم رائحة عطرها المسكر لأنفه،
وقلبه يعلن استسلامه لها.
فلف ذراعه حول خصرها لتفلت منها شهقة،
ثم رفع جسدها للأعلى ليجعل وجهها بمستوى وجهه،
لتقول وقد غلبها انكماش فطري:
((سليم أرجوك اتركني لابدل ملابسي أولاً.))
ابتسم بحرارة وعيناه تتوحشان بالطوق المستعر،
هامساً:
((وما حاجتنا للملابس.))
مشاعر مبعثرة تغزو جسده الصلب،
فكل ما فيه يلتهب ويثور اشتهاءً لها والغرق فيها.
فتحت شفتيها لتعترض،
ولكنه لم يعطها فرصة لذلك،
فسرت رجفة على طول ظهرها..
بعد مرور الوقت،
كانت مي تتوسد صدره وسليم يمرر أصابعه في خصلاتها يداعبها.
رفعت مي نظراتها لعينيه التي تذوب حباً وهياماً فيهما،
محظوظة هي بوجود شخص مثله يحبها من أعماق قلبه،
ولا يخشى إظهار ذلك أمام الجميع..
بعدما انتهى حفل الزفاف،
ارتمى معتز على الأريكة في منزل عائلته،
لتدخل ليال تحمل صينية عليها مشروبات باردة،
فوضعتها فوق الطاولة وذهبت لتبدل ثيابها،
ليسارع معتز بأخذ كأسه بلهفة وبدأ يتجرع مشروبه بظمأ.
فعقد فارس حاجبيه بشدة وهو يتذكر شيئاً ما قد حدث في حفل الزفاف،
ليقول حانقاً:
((ما رأيك في تلك الفتاة التي كانت تحاول التقرب منك وفتح مجالاً للحديث معك،
يبدو بأنها معجبة بك لأقصى حد وأنت أيضاً لم تمانع التودد إليها وكأنها أعجبتك.))
اختنق معتز فوضع الكأس جانباً،
ثم قال بوجه محتقن أثر اختناقه وهو يشدد على كلماته بضيق:
((لا! فهي لا تعنيني في شيء،
تلك مشكلتها هي إذا كانت معجبة بي أم لا،
شيء لا يخصني،
فأنا لا أفكر حالياً في الارتباط مطلقاً،
فلقد قلتها مراراً وتكراراً،
لن أكرر ما حدث مسبقاً،
فهل تكف عن تلك التلميحات.))
مررت والدته يدها فوق ذراع معتز برفق،
قبل أن تتدخل في الحديث تقول بنبرة خافتة:
((تلك الفتاة نسخة أخرى من غادة،
لذلك ازداد قلق فارس عندما وجدها تتقصد الاقتراب منك بتلك الطريقة الملفتة للأنظار.))
التقى عينا معتز بعين فارس،
فالتقط معتز نفساً مطولاً،
ثم قال بهدوء:
((لا تقلقوا،
فأنا تعلمت مما حدث سابقاً ولن أقع في نفس الخطأ،
فلن أسمح لنفسي بأن أكون لعبة بيدي امرأة،
فما مررت به يجعلني لا أثق بسهولة في أي امرأة.))
رد فارس بعفوية ممازحاً يحاول إخراجه مما يفكر به،
قائلاً:
((ما رأيك أن نفعلها أنا وأنت في ليلة واحدة،
أريد أن أتزوج وأقيم حفل زفاف.))
انتشلهما صوت والدتهم من عالمهما،
تقول باستياء:
((الست متزوجاً،
أم نسيت أنك متزوج من ليال.))
ضحك رغماً عنه وهو يشيح بوجهه عنها،
فهو بعيد عن زوجته لدرجة أنه يشعر أحياناً بأنه ليس متزوجاً بسبب بعده عنها.
فهو لن يتغير ولن يتغير قدره للأحسن،
لما لا يعترف لها دائماً وأبداً بحبه لها ويعلمها بأن حبها يتوهج لها في قلبه.
للحظة شرد يتذكر آخر مرة تقرب منها،
فلم يسعفه عقله على التذكر،
شعر بالخزي من نفسه وعبست ملامحه فجأة،
فقال بلهفة وهو يقفز من مكانه:
((تصبحون على خير،
تأخر الوقت ولدي عمل في الصباح.))
جفل معتز فجأة لينظر ساعة يده،
ويدرك أن موعد نومه قد حان،
فلقد تأخر الوقت ولديه عمل في الصباح لا يريد التأخر عليه.
عليه أن يتعب ليثبت نفسه في عمله ويرى بأنه لم يخسر شيئاً،
وأن كل ما مر به مجرد اختبار له وقد نجح فيه ومر منه بسلام.
فوقف يستأذن من والدته وهو يتمنى لها ليلة سعيدة،
متجهاً لغرفته ليحظى بالنوم لعدة ساعات قبل شروق الشمس الذهبية المعلنة عن صباح يوم جديد مليء بالأمل والتفاؤل..
خرجت ليال من المرحاض بعد أن بدلت ثيابها،
فوقفت أمام المرآة وعقصت شعرها الأسود الجميل في لفة عملية فوق رأسها،
بينما ارتدت حجابها واتجهت ناحية المطبخ تقوم بتنظيفه وغسل الأواني الخاصة بالوليمة الكبيرة التي أقيمت اليوم من أجل حفل زفاف مي.
وكل ما فيها مرهقاً من الأعمال المنزلية المتواصلة،
ولكنه إرهاق من نوع مختلف،
إرهاق انشغال وإرهاق حياة.
غامت عيناها قليلاً تنتشلها من الواقع إلى الماضي..
فهي لم تبقَ بمنزل عائلتها تتمنى رؤيته والتحدث معه أو الاقتراب منه،
يكفيها اعترافه بحبه لها ووجودها بجواره حتى ولو كان مشغولاً عنها،
فكلما كانت معه أو قريبة منه تشعر بأنها ترى الحياة للمرة الأولى في حياتها كطفل صغير مندهش يزور مكاناً جديداً على ما حوله..
عندما تراه يبتسم إليها تشعر بابتسامته وكأنها شهيق أعاد الحياة لروحها،
كأنها لم تكن تتنفس سابقاً.
والآن ها هي تعيش أيامها معه وكأنها لم تعش مسبقاً،
حتى لو كان مهملاً ومقصراً في حقها أوقات كثيرة،
تشعر بأنها تحلم،
ويا للبهجة التي تسكن قلبها عندما تطمئن أن الحلم واقع.
رغم أن حياتها معه ليست أفضل من قبل،
ولكن على الأقل تعلم بأنه ملكاً لها..
ضج صوت فارس يقول:
((فيما تشردين،
أناديك منذ وقت ولا تجيبي.))
عبست ليال وردت عليه آسفة:
((شردت قليلاً ولم أنتبه لقدومك أو أستمع لندائك،
فما الأمر؟ ما الذي كنت تريدني من أجله.))
طالعها فارس مطولاً،
يعترف لنفسه بأنه يهملها كثيراً،
فزفر عدة أنفاس كانت تجيش بصدره،
قائلاً:
((أغاضبك مني أنتِ؟
أعترف بأنني مقصرٌ في حقك،
ولكن ماذا بوسعي أن أفعل؟))
تنهدت تنهيدة بأسى،
استمعت له ليال،
ثم أكمل كمن يفرغ شحنات سلبية من داخله:
((ماذا أفعل،
هؤلاء أخواتي وعلى مراعاتهم والقيام بواجبي تجاههم..
ليال تحمليني وقفي بجانبي حتى أمر بهم لبر الأمان،
فهم مسؤوليتي وقدري وعلى أن أكون على قدر من المسؤولية.
أخشى كثيراً أن تملي وتتركيني بمفردي بمسؤوليتي تجاههم واهتمامي الزائد بهم،
أعلم بأنني مقصرٌ معاكِ،
ولكن صدقيني ليس بإرادتي،
فأنا متعبٌ ومرهقٌ،
أريد الارتماء في داخل أحضانك كل ليلة أشكو لكِ تعبي،
ولكن ما أن أصل للمنزل حتى أرتمي فوق الفراش غافياً بسبب إرهاق العمل وما ألقاه فيه.))
حل صمت بائس بينهما قبل أن تكسره ليال قائلة:
((أطمئن،
لن أتركك مادمت حية،
ولن أقف في وجه مسؤولياتك يوماً،
فكن متأكداً بأنني أعيش من أجلك ومن أجل طفلنا فقط،
وأكرس حياتي من أجلكما.))
أنهت كلامها ترتفع على أصابع قدميها تقبله فجأة،
للحظة انصدم فارس وأبعدها عنه بقوة،
فتعقد جبين ليال باستغراب،
ليتحدث هو يقول باستياء:
((هل جننتِ،
انظري حولك جيداً،
فنحن في المطبخ ومن المتوقع أن يدخل أي أحد في أي وقت ويرانا على تلك الهيئة.))
تجهمت ملامحها بحزن،
ولكن سرعان ما كسى الأحمرار وجهها عندما غمز لها،
وهو يلف ذراعه حول كتفيها يحثها على التحرك معه،
فبدأ قلبها بالخفقان بجنون واشتياق عجيب،
وكأنها مراهقة تخشى أن يعرف أحد بحبيبها السري.
وجدت نفسها بغرفتها وفارس يوصد الباب جيداً،
والتفت ينظر إليها نظرات حالمة عاشقة،
ومال بلهفة يقتنص منها عدة قبلات شغوفة،
لينتابها رعشة قوية وهي تشعر بكم احتياجه لها،
ليبدأ في إلتهامها وكأنها وجبة شهية أشبعت جوعه أو رشفة ماء روت ظمأ قلبه..
بعد مرور فترة زمنية،
أطلق مالك عدة أنفاس كانت تجيش بصدره،
فهو واقفٌ منذ أكثر من نصف ساعة ينتظر قدوم زوجته،
فما أن رآها قادمة حتى همّ بتشغيل محرك السيارة،
لكن وصله صوت والدته تقول بتحذير:
((مالك قد علي مهلك ولا تتسرع وخذ بالك من زوجتك،
فلن تخسروا شيئاً إذا ذهبتوا متأخرين عدة دقائق.))
حاول أن يجلي حلقه ليتغلب على غضبه،
فوالدته توصيه على زوجته للمرة المائة لتلك الليلة،
فمنذ أن علمت بحمل ملاك وقد تغيرت كلياً معها،
لدرجة أن أوقات يغضب ويغار من والدته ومعاملاتها مع ملاك،
فهتف بخشونة:
((حسناً يا أمي،
ساهتم بملاك وأقود ببطء من أجل أطفالي التي تحملهم في أحشائها،
ولن نتأخر في العودة،
فهل من تعليمات أخرى،
أهناك شيء لم تخبريني به.))
تجمعَت الدموع في عينيها لتهدر بقهر مكبوت في جنبات قلبها:
((لم أقصد أن أضايقك بكلامي،
ولكني أخشى عليها فقط.))
صَمَتَ قليلاً ثم قال وهو يترجَّل من السيارة:
((أعلم يا أمي وكم أقدر ذلك.))
بعيون مترقرقة لجَّت بالعبرات الواخزة،
تحدَّثَتْ مَلاَكْ وَهِيَ تَخْرُجْ مِنْ السَّيَّارَةْ تَقْبِلْ كَفَّهَا:
((لا أعرف كيف أشكرك على خوفك واهتمامك بي في الأيام الماضية،
فأنا لن أوافيكِ حقَّكْ مَهْمَا فَعَلْتْ.))
خيم الصمت المتوتر بينهما عقب حديثها،
وكلُّ مِنْهُمْ يَتَذَكَّرْ شَيْئًا مِمَّا حَدَثْ فِي الْمَاضِيْ وَكَيْفْ تَغَيَّرَتْ وَالِدَتُهُ وَتَقَبَّلَتْ مَلاَكْ.
فَبِهُدُوءٍ ظَاهِرِيٍّ جَلَسْ بِالسَّيَّارَةْ وَمَدَّ يَدَهْ يُشْغِلْ مُحَرَّكَهَا وَهُوْ يَقُولْ بِصَوْتْ خَرَجْ ثَابِتًا:
((لَقَدْ تَأَخَّرْنَا فَهَلَا صَعِدْتِي بِالسَّيَّارَةْ.))
نَاظَرَتْهُ مَلاَكْ بِمَلَامِحْ عَابِسَةْ ثُمَّ تَحَرَّكَتْ لِتَجْلِسْ بِجَوَارْ مَقْعِدِهِ وَهِيَ تُشِيرْ لِوَالِدَتِهِ بِكَفِّهَا،
لِيَنْطَلِقْ مَالِكْ مُتَّجِهًا نَاحِيَةْ مَنْزِلْ عَائِلَةْ زَوْجَتِهِ..
رَكَنْ سَلِيمْ سَيَّارَتَهْ أَمَامْ مَنْزِلْ فَارِسْ وَتَرْجَلْ مِنْهَا هُوْ وَزَوْجَتُهْ مُحْتَضِنًا كَفَّهَا بَيْنَ كَفِّهِ،
بَيْنَمَا يَقُولْ لَهَا مُنْبِهًا:
((كَمَا قُلْتْ سَابِقًا لَمْ نَبْقَ كَثِيرًا سَنَذْهَبْ بَعْدْ سَاعَةْ وَاحِدَةْ.))
نَظَرَتْ مِيْ لِسَلِيمْ بِوَجْهْ مُتَوَسِّلْ تَسْتَعْطِفْهُ:
((سَلِيمْ أَرْجُوْكْ أَجْعَلْنِيْ أَبْقَى اللَّيْلَةْ مِنْ أَجْلْ نُورِينْ.))
تَنَهَّدْ سَلِيمْ قَلِيلاً بِنَزَقْ:
((حَسْنًا، هَذِهِ الْمَرَّةْ فَقَطْ سَنَظْلْ حَتَّى انْتِهَاءْ الْخِطْبَةْ ثُمَّ نَذْهَبْ مَعًا لِلْمَنْزِلْ فَلَنْ أَسْمَحْ لَكْ بِالْمُبَيْتْ بَعِيدًا عِنْدِيْ.))
أَشْرَقْ وَجْهُهَا بِابْتِهَاجْ وَقَالَتْ هَاتِفَةْ:
((أَحِبُّكْ يَا سَلِيمْ، أَحِبُّكْ يَا أَجْمَلْ زَوْجْ بِالْعَالَمْ.))
مَدَّ يَدَهْ كَأَنَّهْ يَسْتَوْقِفْهَا:
((كَلِمَةْ أُخْرَى وَسَنَعُودْ لِلْمَنْزِلْ،
فَأَنَا لَنْ أَتَحَمَّلْ الِاسْتِمَاعْ لِذَلِكْ الْحَدِيثْ أَكْثَرْ دُونْ رَدْ فِعْلْ مِنِّيْ.))
هَزَّتْ رَأْسَهَا عِدَّةْ مَرَّاتْ بِالْإِيْجَابْ لِيَكْتُمْ سَلِيمْ ابْتِسَامَةْ جَانْبِيَّةْ،
وَأَخَذْ يَخْطُوْ نَاحِيَةْ بَابْ الْمَنْزِلْ وَهُوْ مُمْسِكًا بِكَفِّهَا.
بَيْنَمَا فِيْ دَاخِلْ الْمَنْزِلْ كَانَ الْجَمِيعْ مُجْتَمِعِينْ لِحُضُورْ حَفْلْ خِطُوبَةْ نُورِينْ وَكَرِيمْ،
فَبَعْدْ مَعَانَاةْ طَوِيلَةْ جَمَعْ بَيْنَهُمْ الْقَدَرْ.
فَكَانَتْ نُورِينْ جَالِسَةْ بِجَوَارْ كَرِيمْ عَلَى الْأَرِيكَةْ لَا يُفْصِلْ بَيْنَهُمَا إِلَّا مَسَافَةْ قَلِيلَةْ،
وَصَوْتْ الزُّغَارِيدْ وَالْفَرْحَةْ تَعْمُ الْمَنْزِلْ.
فَأَمْسَكَتْ وَالِدَةْ كَرِيمْ بِالشَّبَكَةْ وَأَعْطَتْهَا لِكَرِيمْ لِيَلْبَسْهَا لِخَطِيبَتِهِ،
وَبَدَأْ الْجَمِيعْ فِيْ تَقْدِيمْ الْتَّهَانِيْ وَالْمُبَارَكَاتْ.
أَقْتَرَبْ فَارِسْ مِنْهُمَا هُوْ وَلَيَالْ يَحْمِلْ بَيْنَ ذِرَاعَيْهِ طِفْلَةْ صَغِيرَةْ،
فَوَقَفْ يُحْضِنْ نُورِينْ وَيُهْنِئْهَا وَهُوْ يَتَمَنَّى لَهَا السَّعَادَةْ وَأَنْ يَكُونْ قَرَارْهَا فِيْ مَحَلِّهِ،
فَهِيَ أَرَادَتْ الِارْتِبَاطْ وَالزَّوَاجْ مِنْهُ وَتَكْمِلَةْ تَعْلِيمْهَا فِيْ مَنْزِلْ الزَّوْجِيَّةْ.
يَتَذَكَّرْ عِنْدَمَا أَخْبَرْهَا بِأَنَّ هُنَاكْ مَنْ يُرِيدْ خِطْبَتْهَا لَمْ يَجِدْ مِنْهَا أَيْ اعْتِرَاضْ،
بَلْ كَانَ كُلُّ مَا فِيهَا يُخْبِرْهُ بِمُوَافَقَتْهَا،
لِذَلِكْ رَضَخْ وَوَافَقْ عَلَيْهِ،
وَهَا هِيَ اللَّيْلَةْ تُخْطَبْ لَهُ وَبَعْدْ دَقَائِقْ سَتَكْتُبْ عَلَى اسْمِهِ.
مَالْ بِبَصَرِهِ يَنْظُرْ لِابْنَتِهِ الَّتِيْ يَحْمِلْهَا بَيْنَ ذِرَاعَيْهِ بِعَاطِفَةْ مُبْتَسِمًا،
وَهُوْ يَرَى الْقَدَرْ يُنِيرْ طَرِيقَهْ وَيُعْوِّضْهُ اللَّهْ عَمَّا مَرَّ بِهِ مِنْ صِعَابْ فِيْ حَيَاتِهِ.
دَارْ بِبَصَرِهِ يُطَالِعْ وُجُوهْ شُقَيْقَاتِهِ وَيَرَى السَّعَادَةْ الظَّاهِرَةْ عَلَى وُجُوهِهِمْ،
يَتَمَنَّى أَنْ تَظْلْ السَّعَادَةْ رَفِيقًا لَهُمْ وَأَنْ تَنْتَهِيَ الْأَزْمَاتْ وَالصِّعَابْ مِنْ حَيَاتِهِمْ،
لِيَهْمِسْ بِخَفُوتْ:
((قَدَرِيْ كَمْ أَنْتَ مُؤْلِمْ وَمُؤْجِعْ،
وَلَكِنِّيْ مُؤْمِنْ بِأَنْ بَعْضْ الْخَيْبَاتْ وَالْتَّقَلُّبَاتْ لَنْ تُحْرِقْنِيْ،
فَأَنَا رَاضٍ بِالْقَدَرْ وَتَقَلُّبَاتِهِ لِأَنَّ ذَلِكْ هُوْ قَدَرِيْ.))