ظلت تنظر حيث يشير والدها. عريس؟ أي عريس؟ هذا رجل بعمر والدها ينظر لها نظرات مقززة. نقلت عيناها لوالدها المبتسم بفخر مستفز، كأنه أعطاها جوهرة غالية. ابتسمت بمرارة: "دفع كام المرة دي؟ ووجهت حديثها للرجل وهي تشير لنفسها: "عجبتك البضاعة اللي جاي تشتريها؟ "فيروزة! صرخ بها والدها بقوة. وقف الآخر وهو يقول: "إنت جايبني تهزقني ولا إيه يا محمد؟ إنت فاكرني إيه؟ قالها وهو يخرج غاضباً.
انقض محمد على فيروزة وهو يصرخ ويكيل لها الضربات بقوة. انتفضت هي الأخرى تصرخ: "كفاية بقى كفاية! إنت فاكرني إيه بالله عليك؟ أنا إنسانة من لحم ودم بحس. للدرجة دي لقمة تقيلة عليك؟ أنا عملتلك إيه عشان تعمل كده فيا؟ بعتني مرة وكانت النتيجة مطلقة. مفيش أي ندم على اللي حصلي. حابب أرجعلك ميتة المرة الجاية ولا إيه؟ أنا شكيت كتير إني مش بنتك عشان كده بتكرهني. مش خايف من ربنا؟ مش خايف؟ " قالتها بصراخ.
وكالعادة كانت الإجابة صفعة أسقطتها أرضاً. وهو يصرخ: "بت قليلة الأدب! فعلاً معرفتش أربي." ظلت كما هي على الأرض، تحاول أن تمنع تلك الدمعة من الهبوط. وقفت وهي تنظر خلفها لأمها. ابتسمت بسخرية وألم وهي تقول: "وأنا هتوقع منك إيه غير إنك تتفرجي عليا وأنا بنضرب؟ تقريباً لو قتلني هتصوتي بس. كنوع من أنواع التضامن." والتفتت إلى والدها وهي تقول بقوة: "المرة اللي فاتت أجبرتني. المرة دي هتجبرني في حالة واحدة بس."
نظر لها منتظراً أن تكمل. لتردف: "وأنا جثة. اقتلني الأول عشان أتجوز." وغادرت الغرفة، بل المنزل بأكمله، قاصدة الروف لعلها تهدأ. في المنزل. محمد بصراخ: "شفتي بنتك قليلة الأدب؟ بتعلي صوتها؟ عايزة تكسر كلمتي؟ طيب والله العظيم لتتجوزه! بنت... صح هاخد إيه من تربيتك؟ وخرج وهو يدفعها بقوة. سقطت على إثرها على الأرض أمام أعين أولادها. تتمنى أن تتحدث وتأخذ حقها هي وأطفالها. لكن لا تستطيع. لن تقدر على المواجهة. تخاف الطلاق.
تخاف من كل شيء. في الروف. كانت تجلس على الأرض، تسند رأسها بين قدميها وهي تكتم صراخها المتألم. "لحد إمتى هفضل كده؟ لحد إمتى هداس بين الأقدام؟ تمتمت بعجز: "يا رب يا رب. أنا تعبت والله. يا ربي رحمتك." وظلت تبكي إلى أن غفت بتعب وإرهاق. أفاقت بعد مدة لم تعلمها، لتتوجه ببطء نحو الشقة، طالبة الحصول على بعض الراحة. كادت أن تتخطى شقة عبد الرحمن، إلا أن فتح الباب وظهرت والدته تحمل بيدها كيس قمامة لتضعه في السلة.
لمحت فيروزة لتقول: "فيروزة، عاملة إيه؟ فيروز بهدوء: "الحمد لله يا طنط. عن إذنك." أمسكت يدها بسرعة وهي تقول: "كده مش عايزة تقعدي معايا ولا إيه؟ فيروز بحرج: "أبدا يا طنط، بس يدوب أنزل عشان الوقت اتأخر." رفضت الأخرى بإصرار: "والله أبداً. تعالي اقعدي معايا شوية. ده حتى عبد الرحمن مش هنا، نزل يصلي. تعالي بقى." قالتها وهي تسحبها للداخل. جلست فيروز بخجل حيث أشارت لها، وتوجهت سريعاً لإحضار مشروب لها.
نظرت للأرض بخجل وهي تكبت فضولها لرفع عينيها ورؤية المنزل، فهي لم تراه من سنوات عديدة. رفعت عينيها بفضول لم تستطع كتمه، وهي ترى صوراً بكل مكان في المنزل. ليقطعها قدوم والدته تحمل كوبين من العصير. وضعتهم بهدوء وهي تعطي لها كوباً. أخذته منها وهي تقول: "شكراً يا طنط." ابتسمت الأخرى وهي تقول: "والله وحشتيني يا بت يا فيروز. بقالي كتير مقعدتش معاكي. من يوم فرحك. ويوه يقطعني، معلش يا حبيبتي سامحيني." وأكملت: "إنتي عاملة إيه؟
فيروز بابتسامة مرهقة: "الحمد لله في نعمة." وأكملت: "وحضرتك؟ ردت عليها بفرحة: "فرحانة أوي يا فيروز. من وقت ما عبد الرحمن رجع وأنا الفرحة مش سايعاني أبداً. لو تعرفي كان وحشني قد إيه." ردت فيروز بخفوت: "ربنا يباركلك فيه يا رب." تمتمت الأخرى: "آمين يا رب العالمين." وأكملت: "هو بس يتجوز ويريح قلبي. نفسي أشوف عوضه قبل ما ربنا ياخد أمانته." ابتلعت تلك
الغصة المؤلمة وهي تقول: "بعد الشر عليكي. ربنا يرزقه بالزوجة الصالحة والذرية الصالحة." "آمين يا بنتي آمين." قالتها والدة عبد الرحمن بسرعة وأمل. "قوليلي يا بنتي أمك عاملة إيه؟ فيروز: "الحمد لله بخير." ابتسمت لها وهي تقول: "اشربي يا بنتي. مكسوفة ولا إيه؟ ده إنتي كنتي دايماً بتلعبي عندي هنا وإنتي صغيرة." ابتسمت بشرود وقالت: "آه زمان." انتفضت على دخول عبد الرحمن.
صدم الآخر من وجودها وهو يدلف يجلس بجانب والدته يقبل رأسها قائلاً: "عاملة إيه يا فيروز؟ ردت بخفوت: "الحمد لله بخير." وأكملت وهي تقف: "عن إذنكم اتأخرت." رد عبد الرحمن ممازحاً: "هو إذا حضرت الشياطين؟ ولا إيه؟ ردت بسرعة: "لا والله أبداً. بس مش حابة ماما تقلق عليا." ردت أم عبد الرحمن وهي تقف: "وإنتي عند حد غريب ولا إيه؟ استني هنا لحد ما أجيبلك طبق رز بلبن من اللي عاملاه. هتاكلي صوابعك وراه." قالتها واختفت بداخل المطبخ.
نظرت للأرض بخجل وهي تتمنى أن تعود والدة عبد الرحمن بأسرع وقت، وهي تشعر أن الدقائق طالت وتحولت إلى ساعات. أفاقت على صوته وهو يقول: "بقالي كتير مش شفتك." شعر بغباء سؤاله. وشعرت هي بغبائه. فردت بهدوء: "آه سنين." أكمل بسرعة: "ناوية تعملي إيه الفترة الجاية؟ بعد يعني اللي حصل؟ نظرت له بضيق وهي تردف داخلها: "هل هو حقاً أحمق؟ وردت بشرود: "مش عارفة هعمل إيه. ده لو فضلت وبابا مجابش عريس."
انتفض إثر تلك الكلمة وكاد أن يسألها عن أي عريس تتحدث. لكن قاطعته أمه وهي تقول: "دوقي بقي وقوليلي." ابتسمت لها بخفوت، وأخذت الطبق تأكل منه ملعقة صغيرة وتقول: "تسلم إيدك يا طنط. بس معلش أنا هنزل عشان اتأخرت." وغادرت سريعاً. أما هو التفت سريعاً إلى أمه وهو يقول: "ماما أنا عايز أتجوز فيروزة." في شقة هبة. كانت تصلي وهي تتضرع أن تمر الأمور بسلام. تلك الخطوة جديدة ومخيفة. يوم بعد يوم يقترب الموعد.
ستحطم تلك القيود عاجلاً أم آجلاً. ستأخذ حقها من ذلك الحقير. فالعين بالعين والسن بالسن ومحمود بدأ ويستحق. أنهت صلاتها وهي تمسك هاتفها تقرأ أذكار المساء من إحدى البرامج (حصن المسلم) وبعد أن انتهت وضعت سماعة الهاتف في أذنها تستمتع للقرآن. وجلست بهدوء وهي تفكر ماذا ستفعل. إلا أن انتفضت على صوت صراخ عالٍ. أزالت السماعة سريعاً وهي تركض حيث الصوت، إلى أن وصلت لغرفة أبنائها. وألف سيناريو يدور بخاطرها.
لكن كانت الصدمة الأكبر هو إمساك محمود لأحد أبنائه يضربه بعنف، وابنها يصرخ تحت يديه بشدة. بلحظة واحدة كانت تدفع محمود بقوة حتى ارتطم بالطاولة، وتحاول تهدئة صغيرها الصارخ. ضمته لصدرها وهي تبكي على بكائه: "بس بس ماما هنا متخافش، بس يا حبيبي." وعندما ازداد صراخ الصغير، نشبت بداخلها روح شريرة جعلتها تلتفت لمحمود تصرخ وتشتم وتركل، وهي تقذفه بكل ما طالت يدها. وهو يحاول أن يتفاداها ويمسكها ليوسعها ضرباً. لكنها لم تسمح له وهي
تقذفه بالمزهريات وتقول: "حيوان بتضرب عيل يا قذر! بتستقوي على طفل لا حول له ولا قوة. ده أنا هقتلك وأشرب من دمك! كله إلا عيالي يا حيوان! سكت عليك كتير وأنت إهانة وضرب. بس لحد هنا ولا إيه؟ إلا عيالي." وأكملت وهي تمسك أحد التحف وتلقيها على ذراعه بقوة وكره، ليصرخ الآخر بألم شديد، فيبدو أن يده قد كسرت. بعد أربعة أيام، وتحديداً بمنزل هبة. كانت تجلس تنظر لمحمود بتشفٍ، وهو يجلس بيده المجبرة. أربعة أيام وهو صامت.
تعرف أن انفجاره قادم لا محال. توجهت نحو المطبخ لإعداد الطعام، لتجده بعدها يصرخ بقوة: "هبة! انتفضت على أثر صرخاته وهي تقول: "فيه إيه؟ محمود بجنون: "فين الفلوس؟ "فلوس إيه؟ " نطقت بها باستغراب. توجه إليها يمسك خصلاتها ويصرخ: "الفلوس فين يا هبة؟ هقتلك لو مرجعتيهمش! صرخت الأخرى بألم تحاول تخليص نفسها: "والله ما خدت حاجة، سيب شعري." انهال عليها ضرباً وهو يصرخ: "الفلوس فين؟ هقتلك؟ الفلوس فين؟
توقفت مقاومتها وفقدت الوعي بين يديه. ليصرخ الآخر بقوة ويغضب وهو يبحث بجنون عن أمواله. ولم يمر الكثير من الوقت إلا ووجدها مختبئة بإحدى الأركان، وكأن قد نسي مكانها من كثرة تغيره. خوفاً أن تراها هبة. نظر لها بلا مبالاة وذهب، وكأنها لا تعنيه. بعد مدة أفاقت وهي تشعر بألم بكل مكان. تحاملت على نفسها. ارتدت إسدال الصلاة بسرعة. نقلت أطفالها في عربتهم وخرجت سريعاً. أوقفت أول سيارة أجرة قابلتها.
صعدت بأطفالها وهي تقول: "القسم لو سمحت." خلال دقائق كان تقف عند أول قسم شرطة. دلفت بخوف وتوجهت ببطء نحو أحد الضباط وهي تقول: "لو سمحت عايزة أعمل محضر."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!