ظل ينظر لأمه بنظرات مصدومة، عاجزة عن الرد. وبعد ثوانٍ نطق بصوت متحشرج: مروة. نظرت له والدته وهي تردف: أيوه يا بني، دي بت زي القمر طالعة لأمها، ومتعلمة يعني ست بيت كاملة. عبد الرحمن بدهشة من اختيار والدته فقال بهدوء: ماما، أنتي عارفة مروة دي في سنة كام؟ دي تقريباً في تالتة ثانوي. يعني لسه صغيرة جدًا على الجواز والمسؤولية. ردت والدته بتأكيد: وماله؟
هو الصغير ده اللي بيعمر، عشان تربيها على إيدك. أما تاخدي واحدة كبيرة بقى وفاهمة، هتتعبك. نظر لها عبد الرحمن بعدم تصديق وهو يقول: ماما، لو سمحتي يا ريت ما نتكلمش في موضوع مروة تاني. وتركها ودلف لغرفته، لكنه لم يرَ نظرات الإصرار في عيني والدته. أما في غرفته، تسطح على فراشه بإرهاق وهو يفكر ماذا سيحدث الآن. أمه لن تصمت كثيرًا بخصوص موضوع زواجه، ستفتحه عاجلاً أم آجلاً. تافف بضيق وهو يفكر إلى أين تقوده تلك الحياة.
ابتسم بمرارة وهو يتذكر عندما أخبرته أمه بخبر زواج فيروزة. يكاد يقسم حينها أنه شعر بانقسام قلبه وبكاء روحه على تلك الحبيبة التي تركها رغبة في الحصول عليها. فيروزة، تلك الفتاة التي أحبها منذ عرفها. سافر لأجلها، تعرض للكثير فقط ليحصل على وظيفة مناسبة. لكن كانت الصدمة الكبرى له حينما علم بخبر زواجها. أصبحت ملك لغيره، في بيت ليس بيته، وتندس في حضن أحد غيره. لكم شعر بنيران تحرق أحشاءه. فيروزة حبه الأول اختفى مثل السراب.
أغمض عينيه متذكرًا، كم كانت صدمة عندما استمع لخبر طلاقها، ولمح غمامة الحزن بعينها. ازداد وجع قلبه. هل كانت تحبه حقًا؟ هل لتلك الدرجة حزينة على فقده؟ يبدو أنه هو من فقدها للأبد. زفر بقوة وهو يتوجه للشرفة في سبيل الحصول على بعض الهواء. تطلع للسماء قليلاً إلى أن استمع إلى شهقات صغيرة. نظر حوله وهو يبحث عن مصدر الصوت، إلى أن نظر للأسفل ووجدها فيروزة.
تطلع لها بحزن ودهشة من مظهرها، وهو يراها تضع يدها على فمها تكتم شهقات بكائها. شعر للحظة بألم، شعور بالعجز يجتاح قلبه ويحطم روحه. ظل ينظر لها وبقلبه ذاك الوجع، إلى أن رآها تمسح دموعها بقوة وتدلف للداخل. ظل ينظر في أثرها بضيق، إلى أن استمع إلى صوت أمه تطلب منه القدوم. تنهد بتعب وهو يتوجه للداخل. في الأسفل، دلفت بعيون متورمة ووجه أحمر من كثر البكاء. كادت أن تدلف لغرفتها لولا أن استمعت
إلى نداء أمها وهي تقول: فيروزة، تعالي حضري الأكل لحسن تعبت. تنهدت بتعب وهي تتوجه للمطبخ، تعد الطعام بشرود وتعب. وبعد مدة وقد كادت أن تنتهي، أفاقت على صوت أمها وهي تقول: فيروزة، خلصي الأكل وانزلي هاتي الطلبات عشان مش قادرة، بس بسرعة قبل ما أبوكي ييجي. أغمضت عيناها بتعب وهي تنهي الطعام سريعًا، لتتوجه بعدها لشراء الطلبات.
في شقة هبة، كانت تجلس بغرفتها بعد خلود أطفالها للنوم. تمسك المصحف تقرأ وردها اليومي. فقد قررت أن تضع لنفسها وردًا مكونًا من ربع أو أكثر كل يوم، حتى أنها قررت أن تصلي السنن فقد كانت تهجرها وتكتفي بالفرض. تذكرت وهي تبحث ووجدت عدة أحاديث منها: حديث أم حبيبة -رضي الله عنها -أن النبي -صلى الله عليه وسلم -قال: ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم اثنتي عشرة ركعة تطوعًا غير فريضة، إلا بنى الله له بيتًا في الجنة.
وكم أحبت الأمر، هم فقط اثنا عشر ركعة ويبني لها بيتًا في الجنة. قرأت أيضًا عن وجود أذكار للنوم. قرأتها ليلة أمس ولم تصبها تلك الكوابيس المزعجة. ابتسمت وهي تشعر بالراحة، راحة القرب من الله. تنهدت بتعب وهي تستمع لصوت الباب معلنًا عن وصول زوجها مبكرًا اليوم. توجه لها ببطء وهو يراها تقرأ في المصحف، وجلس بجانبها يشاهد التلفاز بصمت. نظرت له بتردد بعد أن أنهت وردها، وأردفت: كنت محتاجة أروح لماما.
نظر لها بهدوء وهو يرد: من إمتى الأدب ده؟ كل مرة كنتي بتخرجي من ورايا. إيه، تعبتي من الضرب؟ نظرت له بكره وهي تقول بقوة: قرأت إن لازم آخد إذن زوجي قبل ما أخرج، بغض النظر عن كرهي ليك، بس مبحبش أخالف شرع ربنا. ظل يتفحصها قليلاً إلى أن رد بهدوء: وماله، روحي. بس متتأخريش. نظرت له باستغراب من موافقته، ثم توجهت سريعًا لتجهيز نفسها وأطفالها.
بعد مدة، كانت وصلت لمنزل أمها. دقت على الباب لتجد أمها تفتح لها، وعلى وجهها علامات الوجوم. لم تلقِ عليها السلام حتى، بل دلفت للداخل وهي تردف: ها، عملتي إيه المرة دي؟ تطلعت لها بنظرات منكسرة. أين تجد الأمان إن لم تجده ببيت والدها؟ إلى أين يذهب المرء حينما تدهس عليه الحياة؟ إلى أين؟ ظل يتردد بداخلها هذا السؤال وهي تنظر إلى أمها الواجمة، كأنها لا تريد وجودها. تمقته. ابتلعت تلك
الغصة المؤلمة وهي تقول: محصلش حاجة. أنا كنت جاية أقعد معاكي شوية. نظرت لها أمها بشك وهي تقول: يعني مش خناقة جديدة؟ وتاففت: أنا مبقتش حمل شكوى يا هبة، تعبت منك إنتي وجوزك. وأكملت: قلتلك مليون مرة، اتحملي نتيجة اختياراتك، حلوة أو وحشة. دي مش مشكلتي أبدًا. أنا مش حمل كلام الناس والعيلة اللي هيشمتوا فيا بمجرد طلاقك. ثم في الأول والآخر، ضل راجل ولا ضل حيطة. ظلت صامتة متحجرة الملامح، تنظر لها بحسرة، منتظرة أن تنتهي.
لتكمل أمها: ممكن تقوليلي بتفكري لما تطلقي تعملي إيه؟ هتعيشي إزاي؟ هتربي عيالك إزاي؟ إنتي فكرة إن محمود هيبعتلك فلوس، ولو بعت هيرمي ملاليم ميكفوش حاجة. هتعيشي طول عمرك لوحدك، ولا هتتجوزي تاني؟ ظلت تستمع لحديثها بهدوء، إلى أن توقفت، لتردف هبة: خلصتي؟
خليني أقولك إني يمكن غلطت في يوم من الأيام. غلطت إني تمسكت بمحمود وهو فعلًا ميستاهلش. غلطت لما أصرت على بابا الله يرحمه واتحديت الكل. غلطت لما قبلت من أول مرة ضربني وكملت. بس أنا اتعاقبت. إنتي متخيلة أنا بقالي قد إيه بتعاقب؟ بقالي قد إيه بضرب وبتتهان وباخد عقابي وأنا ساكتة ومستحملة. بس تظني من العدل إني استحمل العمر كله عشان غلطة واحدة بس؟
أنا غلطت غلطة وخدت عقابي بدل المرة ألف. وفي كل مرة كنت باجي عشان تحسسيني بالأمان بتثبتيلي إني مليش أهل وإني أهلي ماتوا بموت أبويا. ليه بتعملي كده؟ إنتي مش مثلًا فقيرة عشان تخافي من موضوع الفلوس؟ معقول تضحي ببنتك عشان كلام الناس؟ ميتكلموا؟ هو من إمتى الناس بتسكت؟
أكملت بقهر: تعرفي إن محمود بيضربني وهو مطمن إني مليش أهل ولا حد هيقف قصاده ولا أنا فارقة معاكي أصلًا. أصعب حاجة ممكن أي حد يحس بيها إنه يحس إنه لوحده ملوش حد، مفيش حد في ضهره. يوم ما يقع الكل هينهش فيه ومش فارق مع حد. إحساس بشع أوي يا ماما. أنا جيت النهارده وعندي أمل إنك تاخديني في حضنك لمرة واحدة بس. بس ملهاش لازمة المحاولة حتى، لأن النتيجة واضحة زي وضوح الشمس. كنت فاكرة إني مستحيل أهون عليكي، بس هونت.
حملت أطفالها وتوجهت للخارج، مقررة وضع النهاية. ارتدت عباءتها السوداء سريعًا وهي تتوجه لشراء الطلبات. من أول لحظة خطت بقدمها للشارع والجميع ينظر لها كأنها ترتدي ملابس فاضحة. تجاهلت نظراتهم وهي تتوجه سريعًا لمحل الخضروات لتبتاع المطلوب.
تنهدت بضيق وهي ترى نظرات ذلك البائع لها، وهي تختار الخضروات بسرعة لكي تذهب من هذا المكان. التفتت لتضعهم على الميزان، لتجد أنه أكثر مما تريد. مدت يدها سريعًا لتقلل الكمية، لتجد يد البائع توضع على يدها. انتفضت بقوة وهي تنظر له بشر، لتسمع بعدها إلى صوت زوجة بائع المحل وهي تقول بغضب: روح إنت شوف البضاعة، سيبني أنا أشوف المدام. ونظرت لها بغضب وهي تضع الطعام بأحد الأكياس وتقول: عيب يا حبيبتي لما تبصي للرجالة المتجوزة.
الجمتها العبارة، وكادت أن تركض باكية، لتردف بقوة: قبل ما تقل أدبك عليا، روحي لمي جوزك قليل الأدب. وخرجت سريعًا محاولة كبت دموعها بقوة. انتهت أخيرًا من شراء جميع الطلبات، ونظرات الجميع تتبعها كأنها بدون ملابس. توجهت نحو البناية سريعًا والدموع تغرق عيناها. صعدت وهي تبكي. هذا المجتمع العقيم، لما دائمًا يلقي اللوم على الأنثى؟ لماذا؟
توجهت نحو شقتهم ولم ترَ من يهبط أمامها، لترتطم به بقوة حتى كادت تسقط للخلف، لولا تلك اليد التي حاوطت خصرها بقوة. في مكان آخر، تحديدًا في منزل أحمد، كانت سحر تعد الحقائب لسفرهم إلى شقيق زوجها، لتنتفض بقوة إثر صراخ ابنتها الغبية بجوار أذنها: بخ! وضعت يدها على صدرها برعب وهي تقول: بسم الله الرحمن الرحيم، يا بنتي حرام عليكي، هموت بسببك في مرة.
عبست حبيبة بقوة وهي تقول: يا ماما قلت لكِ متقوليش كده تاني، هازعل منك وهبطل أخضك. نظرت لها بنفاذ صبر وهي تقول من بين أسنانها: حبيبة، ابعدي عن وشي عشان هتلاقي الشبشب لازق في وشك حالًا. ابتعدت بخوف حقيقي وهي تقول: استهدي بالله يا سوسو. صرخت سحر بها: إمشي يا بت، روحي حضري هدومك. ردت حبيبة بسرعة: حضرتها. نفخت بضيق وهي تقول: تمام، روحي اتصلي بأبوكي، شوفيه فين. ردت حبيبة بنفس السرعة: اتصلت.
سحر بعيون تنذر بالانفجار: قدامك ثلاث ثواني، لو لقيتك هنا مش هتعرفي تهربي من تحت إيدي. حبيبة بضحك: مالك يا سوسو؟ محدش يعرف يهزر معاكِ شوية. سحر بنظرات ذات مغزى: عايزة إيه؟ جيبي من الآخر عشان تريحي نفسك وتريحيني، أما شغل اللف والدوران ده بلاش منه، ماشي. حبيبة بضيق: ماشي. وأكملت بسرعة: ماما، أنا عايزة أخرج. سحر بهدوء وهي تضع الملابس: لا. حبيبة: ليه؟ سحر: كده.
حبيبة: ماما، لو سمحتي، أنا جبت الدرجات النهائية وإنتي وعدتيني إني هخرج. نظرت لها سحر وهي تفكر. هي لم تعتد أن تخلف وعدها مع حبيبة أبدًا، فكان يخبرها زوجها دائمًا: (لو مش قد الوعد بلاش توعدي، وطالما وعدتي لازم تنفذي) تنهدت وهي تقول: ماشي، لما نرجع من عند عمك. انتفضت حبيبة بفرحة وهي تقول: تعيش ماما، أحلى ماما في الكوكب. لتهجم عليها تقبلها وتحتضنها بقوة، وسحر تبتسم بهدوء وسعادة. يكفيها أن تكون حبيبة سعيدة لتسعد هي.
انتفضا على صوت أحمد وهو يقول مازحًا: كده بتحبوا في بعض من غيري؟ ركضت حبيبة لوالدها بحب وهي تقول: جبت لي شوكولاتة؟ أحمد وهو يخرج قالب الشوكولاتة من جيبه: أحلى شوكولاتة لأحلى حبيبة بالكون كله. صرخت بقوة: بحبك يا أحلى بابا. التفت إلى سحر وهو يفتح ذراعه الأخرى، ضامًا إياها لصدره بحب. لتتوجه حبيبة إلى غرفتها، وتوجهت سحر لإكمال الحقائب. جلس أحمد على الفراش وهو ينظر أمامه بشرود، إلى أن استمع إلى صوت سحر: مالك يا أحمد؟
بنادي عليك مش بترد. أحمد بهدوء: تعالي جنبي يا سحر. توجهت إليه وجلست بجانبه وهي تقول: في إيه؟ حصل حاجة ولا إيه؟ أحمد بهدوء: حبيبة جالها عريس. سحر باستنكار: عريس إيه في السن ده يا أحمد؟ أحمد بهدوء: بقولك عشان يكون عندك علم، بس أنا رفضت. سحر بهدوء: كويس إنك رفضت، حبيبة لسه صغيرة، لازم تنضج هي وتختار بنفسها. إحنا موجودين عشان نديها رأينا وندعمها. أحمد بشرود: تظني ممكن أظلم بنتي وأضيع مستقبلها لمجرد إني أجوزها؟
الله يسامحه محمد، ظلم فيروزة. مستحيل أكرر غلطته وأظلم حبيبة. قالها بتأكد، ولم يرَ تلك الابتسامة الحزينة التي شقت سحر زوجته. سعيدة بزوجها، وحزينة على تلك الفتاة التي ظلمها والدها. ظلمها فقط لأنها أنثى. في بناية فيروزة وعبد الرحمن. اتسعت عيناها بقوة وهي ترى نفسها بداخل أحضان عبد الرحمن. انتفضت بقوة حتى كادت أن تقع مرة أخرى، لي يتلقفها من جديد، معتدلًا بها حتى تستطيع الوقوف.
وقفت بتوتر ووجهها يشع خجلًا، حتى نطقت سريعًا: شكرًا. وصعدت هاربة من عينيه. أما هو، ظل ينظر في أثرها بهدوء، وابتسامة هادئة تشق ثغره. وضع يديه بجيب بنطاله وتوجه للأسفل، كان شيئًا لم يكن. أغلقت الباب بسرعة وهي تستند عليه محاولة التقاط أنفاسها، وهي تفكر كم كانت قريبة منه. اتسعت عيناها بقوة وخجل، ووضعت يدها على وجنتيها التي أصبحتا مثل حبات الفراولة. رفعت وجهها لتجد أمها تطلع فيها باستغراب، وقالت: مالك يا بت؟ فيكي إيه؟
فيروزة بتوتر: أبدًا، مفيش. حنان بسرعة: ظبطي الطرحة وادخلي لأوضة الضيوف. فيروزة: ليه؟ حنان بسرعة وتوتر: يلا بس. دلفت فيروزة باستغراب لتجد والدها يجلس مع رجل بدين وله بطن كبير حقًا، يبدو في الأربعين أو أكثر. ينظر لها نظرات غريبة لم تحبذها أبدًا. فيروزة موجهة حديثها لوالدها: نعم يا بابا. محمد بهدوء: سلمي على عريسك يا فيروزة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!