جحظت عيناها برعب يكاد يزهق روحها قبل جسدها وهي تشعر بملمس السكين تمر على رقبتها. نقلت عيناها لوجه ذاك المختل، كانت عيناه تقدحان شرًا وحقدًا وكرهًا. لم تره يومًا بهذا الشر. "ماذا حدث؟ ماذا حدث لتكون تلك ردة فعله؟ ألم يتركها فرحًا بالحمل؟ مهددًا أنها ستعود لعصمته تحت قدميه كما صرخ صباحًا؟ كيف تبدل حاله للنقيض خلال تلك الساعات؟ تشعر أن الواقف أمامها ليس بمحمود." "ماذا حدث؟ ابتلعت ريقها وهي تردف برعب لا عليها
بل على صغارها من بطشه: "عايز إيه؟ وأكملت بنبرة واهنة أكثر: "عايز ايه تاني يا محمود؟ ليه مصر كل مرة تثبتلي أنك أسوأ وأسوأ؟ ابتسم بشر وهو يمرر السكين على وجهها، يسير به بكل إنش. جبهتها، عيناها، وجنتاها، فمها، ذقنها، وأخيرًا تستقر على رقبتها مرة أخرى. وكانت هي تنصهر رعبًا من ملمس السكين. "سيقتلني المختل، سيذبحني كدجاجة، قتل، هل وصل الأمر للقتل بتلك البساطة؟ محمود ببساطة قاتلة: "هاخد روحك يا فاجرة."
شهقت بوجع وقهر وهي تردد: "إيه؟ وأكملت بشفاه ترتجف ودموع تهبط بقوة: "فاجرة؟ أنت بتقول إيه؟ أنت اتجننت؟ أنت فاكر إن اللي بيحصل ده هيعدي؟ شوية وحد هيدخل، وهتروح في ستين داهية. اهرب يا محمود اهرب قبل ما حد يحس، ووقتها هتعفن في السجن، هتعفن وربنا هينتقم منك وياخد حقي... ولم تكمل وهو يهدر بها غاضبًا، جارحًا لها رقبتها. أطلقت تأوهًا متألمًا وهي تشعر بآلام ودماء تسيل من رقبتها. "لقد جرحها حقًا."
رفعت يدها المرتجفة على الجرح وهي تبكي بقوة. لا تعلم ما الحل، لا تعلم إلى أين الفرار. محمود بهدوء وهو يتقرب أكثر ويردد: "قلت لكِ متتكلميش. مستعجلة على موتك أوي كده؟ في تلك اللحظة كادت أن تصرخ مستنجدة بأي أحد، أي أحد ينقذها وصغارها من ذاك المختل. وليحدث ما يحدث. وكأنه قرأ ما في عقلها، ليكتم فمها بسرعة موقفًا إياها وهو يردف بحقد: "اصرخي يا هبة، اصرخي. بس عارفة لو صرختي هيحصل إيه؟
قالها وهو يشدد على فمها، لتبكي أكثر وأكثر وهي تهز رأسها. ليجيبها قائلاً بكبرياء ولا مبالاة: "هيتقبض عليا. بس في نفس اللحظة، هيكون في حد عنده أمر وأحد بس، مش أنه ينقذني ويلحقني. لا، إنه يدبح عيالك، يدبحهم ويحسرك عليهم." شحبت ملامحها أكثر وأكثر حتى شعرت للحظة أنها أصبحت كجثة هامدة. وجه شاحب، ملامح باردة، كان الدم قد توقف عن التدفق. وجسد يرتعش بقوة غير قادرة على كبحه.
وفي نفس اللحظة، أخذت يدها وضعها الطبيعي بفطرتها الأمومية في ضم جنينها الصغير، تحميه وتخبره أنها معه، لن تتركه. نقل عيناه لبطنها، وهو يردف بشر مقرب السكين إلى بطنها: "خايفة عليه؟ ارتعبت أكثر وهي ترى السكين على بعد خطوة من اختراق بطنها. "محمود سيقتلني وجنيني، محمود قد جن." بكت أكثر. ليحرر فمها ينظر لها بكره. أما هي، التصقت بالحائط أكثر وهي تهمس مرتجفة: "عايز إيه؟
ابتسم وهو يرى علامات الرعب على وجهها. كم شعر بالفرح والنشوة بتلك الملامح الباكية الخائفة. تكاد تموت خوفًا منه، وما أجمل من هذا. قرب السكين أكثر حتى صار يلامس بطنها البارز بروز خفيف. لتشهق الأخرى بضعف: "هعملك اللي انت عايزه بس متقربش من عيالي، أبوس إيدك سيب عيالي. هعملك أي حاجة، اقتلني أنا عيالي لا. حرام عليك. أنت متعرفش ربنا، مبتخافش منه. اتقي الله، اتقي الله، دول أطفال." قالتها بقهر.
محمود بشر وغضب أعمى: "لدرجة دي خايفة عليهم؟ ردت هبة ببكاء وعدم تصديق: "انت بتقول إيه؟ دول ولادي. اتقي الله، اتقي الله يا محمود دول ولادك." قالتها بدموع امرأة تموت خوفًا وقهرًا. قاطعها وهو يرد عليها بكلمات قاتلة باردة سامة: "بس دول مش ولادي." زاغت عيناها بعدم فهم وهي تقول: "إيه؟ يعني إيه؟ محمود بستنكار: "إزاي كنت غبي؟ إزاي مقدرتش أفهم طول المدة دي؟ إزاي قدرتي تستغفليني عشان تحطي في بيتي عيال مش عيالي؟
تخونيني وأنا زي الأبلة فاكر نفسي أبوهم؟ طلعت غبي أوي. دلوقتي كمان بعد ما غلطتي تاني ومش لاقية اللي يصلح غلطتك، ملقتيش غير الغبي اللي شال الليلة مرة وهو عبيط، وقررتي تشيلهالو تاني. ومصير واحدة تانية خاطية زيك هو الموت وبس يا هبة. الموت ليكي ولعيالك ولاد الزنا." هزت رأسها برعب وهي تشهق بقوة. "زنا؟ اتهامها بالزنا؟ هي التي تخاف الله في كل فعل تفعله؟ بعد كل هذا، يراها زانية."
هزت رأسها بقوة أكبر وهي تحتضن جنينها. لا تصدق، لا تصدق. أتلك النهاية؟ أنت تموت مذبوحة على يد مختل لا يعلم الله، لا يخاف الله، لا يخاف الحساب. ظنت أنه قد يفعل أي شيء، أي شيء، لكنها لم تتوقع أن يطعن في شرفها يومًا. أغمضت عيناها للحظة بضعف، وفتحتهم مرة أخرى وهي ترد
بقوة لم تعرف من أين أتت: "لو عايز تقتلني، اتفضل. قرب السكين أكثر واقتلني. أنا مش خايفة، أول مرة مكنتش خايفة، لأني ببساطة بريئة. بريئة من اتهامك الباطل القذر، إني واحدة زانية خائنة. اتفضل اقتلني." قالتها بقهر.
وأكملت بقوة أكبر: "بس قبل ما تعمل كده خليني أقولك إنك أوخس وأقذر وأحقر راجل في العالم. لا لا أسفة، راجل. أنت مجرد ذكر، متعرفش حاجة عن الرجولة أبدًا. أنت مجرد واحد جاي يغسل شرفه. شرف اللي جاي تغسله. أنا فضلت محافظة عليا وعلى شرفك في أكثر أوقاتي كره ليك. فضلت حافظة اسمك وشرفك مع إني بكرهك. ومع كل وسختك أنا استحملت. بكرهك وبكره كل لحظة حب حبيتهالك، وكل لحظة ضعف سمحتلك تدوس عليا. عشان تكون النتيجة إني أكون في نظرك اللي
مش فارق معايا، زانية. مجرد زانية. أنا عمري ما خفت منك، بس بخاف ربنا. أنا استحملت منك سنين ذل وإهانة، وكنت ساكتة وحاطة جزمة في بقي عشان عيالي. عيالي اللي أنت شايف إنهم عيال زنا، إنهم مش عيالك. أنت متستحقش تكون أبوهم، أنت أصلًا متستحقش تكون أب يا محمود. أنت تستحق تتعذب. تتعذب بذنبي وذنبهم العمر كله. ادبحني، واستنى عقاب ربنا في كل لحظة من حياتك. استنى وشوف ربنا هيعمل فيك إيه. حسبي الله ونعم الوكيل. حسبي الله ونعم
الوكيل. دعوة المظلوم لا ترد، وأنت ظلمتني كثير وهنتظر القصاص."
كانت تقولها بروح قوية أبيّة. لم تهتم أنها على وشك أن تُقتل مذبوحة. أغمضت عيناها بقوة منتظرة تلك السكين أن تمر على رقبتها تشق حنجرتها، تقطعها وتقطع صلتها بتلك الحياة، تنهي كل هذا الوجع، تنهي تلك المهزلة. لقد اكتفت ألمًا وقهرًا وذلًا. اكتفت من هذا العالم. لقد ظلمت كثيرًا، ظلمت لحد القهر. لقد اكتفت خذلانًا ذاقته من الجميع، قريبًا كان أو غريبًا. لقد... لقد اكتفت.
ربما، ربما حان الوقت أن تعود إلى خالقها، أن تقابل أباها أخيرًا، أن تلقي بنفسها بين أحضانه وتخبره بوجع أن الحياة انتهت برحيله، وأنها قادمة إليه. حان وقتها، قد حان موعدها. ظل محله لم يتحرك، السكين على رقبتها، تنتظر يده أن تحركها، فتذبح عنقها وتموت. وعند تلك اللحظة، خفتت يده قليلاً، وأزيحت السكين رويدًا رويدًا حتى أزاحها. وما زال ينظر لها، لعيناها المغلقة بشدة، منتظرة ذبحها، ويداها تضم جنينها بقوة كأنها تودعه.
ورغم قوة حديثها، إلا أن دموعها أبت أن تظل حبيسة، وكلماتها تتردد في عقله، تخترق كيانه بقوة. لم يعرف لماذا في تلك اللحظة تحديدًا، أتت بذاكرته تلك الثلاث سنوات، ثلاث سنوات زواجه بهبة، وتردد السؤال برأسه بقوة: "هل هبة خائنة؟
"لا لا يا محمود، اتقي الله. لم تكن يومًا، لم تكن يومًا. ثلاث سنوات، لم يرى منها ما يشين. ثلاث سنوات كانت أمام عينه، تتقي الله به وباسمه وعرضه. ثلاث سنوات، هبة لم تخنه. هبة ما هي إلا ضحية. هبة لم ولن تكون زانية. هبة بريئة." وعند تلك اللحظة سقطت السكين لتحدث دويًا في الغرفة، دوي أفاقه كصفعة قوية حطت على وجهه. وينظر هو لها بنظرة لم يفهمها. كان على وشك ذبحها. هبة. كان سيذبحها.
نظر للسكين الساقط أرضًا، وهو يهبط بجسده، يتلقفه، ويمسك هاتفه. يخبر صاحبه بإغلاق الأنوار. وظل ينظر إليها، إلى أن أغلقت الأنوار. وعادت من جديد، وهي محلها تغمض عيناها منتظرة. وطال الانتظار. لتفتح عيناها بضعف وخوف. وكانت النتيجة: الغرفة فارغة. محمود غادر. ربما غادر للأبد. في منزل أسماء. وضعت الكمادات للصغير وهي تقبله بحب، لتلتفت إلى زوجها وأخيها وهي ترد: "هيبقى بخير بإذن الله." شريف ويحيى: "بإذن الله."
شريف بهدوء: "سيبه نايم وتعالى بره يلا." أومأت له وهي تستجيب ليده، ليخرجا خلفهم يحيى المتعب. جلست على الأريكة بتعب هي ويحيى، وانسحب شريف للمطبخ. أسماء بهدوء: "الواحد أعصابه تعبت." يحيى: "آه والله. بس خير بإذن الله. كله هيتعدل ويهون." قطع حديثهم قدوم شريف يحمل الطعام لكليهما، ووضعه على الطاولة وهو يردف: "يلا حضرت حاجة خفيفة، أكيد جعانين." أومأت له أسماء وهي تلتقط رغيف الخبز وترد: "هموت من الجوع والله." نظرت
له شريف بحنان وهو يرد: "بالهنا يا حبيبتي." وأكمل: "كل يا يحيى." وقف يحيى من مكانه وهو يقول: "لازم أرجع المستشفى. مش هينفع أسيب هبة أكتر من كده." أومأت له أسماء وهي تقول: "بكرة الصبح هاجي بإذن الله." يحيى بهدوء: "بلاش يا أسماء خليكي مع ابنك، انتي. أنا هناك." أسماء باعتراض: "هكون هناك الصبح." يحيى بحب: "شكرًا يا أسماء." وقفت من مكانها تحتضنه وهي تردد: "ربنا يباركلي فيك يا حبيبي." قبل رأسها وتوجه للخارج.
ظلت تنظر في أثره باشفاق. والتفتت تجلس لتأكل. لتجد شريف ينظر لها بغيظ يرفع حاجبه بامتعاض. أسماء باستغراب: "في إيه؟ شريف مقلدًا إياها: "ربنا يباركلي فيك يا حبيبي." ضحكت أسماء وهي تقترب منه وتقول: "بتغير عليا؟ شريف بحب: "وحشتيني." احتضنته هي الأخرى بحب. تعلم أنها تقصر معه وابنها، لكن ما بيدها سوا أن تظل بجوار تلك المسكينة وشقيقها. لتسمعه يردف بخبث: "خدتي بالك من لهفة أخوكي؟ خرجت
من بين أحضانه وهي تردد: "للأسف شايفة. وخايفة." أجلستها شريف وجلس بجانبها وهو يقول: "ليه خايفة؟ تنهدت أسماء بخوف وهي تقول: "يحيى مش قادر يتخطى إيمان يا شريف. بيحبها. بيحبها كلمة قليلة، ده بيعشقها. بس واللي أنا متأكدة منه إنه حب هبة." شريف بدهشة: "بتهزري؟
أسماء بتأكيد: "لا صدقني. يحيى بجد حب هبة. حبها وده اللي وجعه. هو شايف دي خيانة لإيمان الله يرحمها. شايف إنه كده هينساها، هينسي حبه وعشقه ليها. وكل مرة بيفكر يغلب مشاعر هبة ويقتلها، بتكسب هبة وحبها. يحيى في صراع مع نفسه وقلبه والماضي." شريف بهدوء: "طيب والحل؟ أسماء بتأكيد: "الحل إن يحيى يفهم إن حبه لهبة اللي هو رافض يعترف بيه أصلًا، مش خيانة لإيمان. بالعكس، ده بداية جديدة ليه ولمليكة." قالتها بتأكيد.
وشريف يؤيدها رأيها. أنهت حديثها وهو يضمها. وكما كانت بحاجة له، زوجها وحبيبها شريف. دلف يحيى إلى المستشفى. اطمأن على الصغار، وتوجه لغرفة هبة. دق على الباب بهدوء، لكن لم يأتِ رد. في البداية ظن أنها قد تكون نائمة، وكاد أن يتوجه لممر الاستقبال ينتظر استيقاظها. لكن شهقة بكاء جمدته محله وهو يستمع إلى صوت بكائها يعلو شيئًا فشيئًا. اندفع داخل الغرفة بجنون.
ووقف متسمرًا محله وهو يراها منكمشة تلتصق بالحائط، تضم ساقها، مرجعة رأسها. مهلاً، ورقبتها مجروحة. اندفع نحوها وهو يردف برعب: "هبة." انتفضت الأخرى وهي تكتشف وجوده. هبة بهمس: "يحيى." يحيى بسرعة: "إيه اللي حصل؟ إيه اللي جرحك؟ نظرت له وهي ترد بتعب: "محمود." "محمود كان هنا." وتلك الهمسة كانت كفيلة لإشعال نيران قلبه. كان يجلس على المقعد بجانب فراشها يكاد يقتل أحدهم. يشعر أن روحه تذبح. غضب عارم اجتاحه. أين كان هو؟
كيف يحدث لها هذا؟ أطبق يده بقوة على ابيضت مفاصله غضبًا. وهي تحكي له ما حدث، تحكي وتبكي. تلك الدقائق المؤلمة كانت بمثابة ساعات طويلة مزعجة، كانت قاتلة. بكل لحظة. انتفض من مكانه وهو يردد: "الحيوان. هسجنه. هسجنه وأعرفه إن الله حق. إزاي يفكر بالطريقة دي؟ أنا مش مصدق. البني آدم ده كله مرة بيطلع أوخس من الأول. شوية خطف الأولاد." وعند تلك اللحظة شهقت متفاجئة. "ليلعن هو نفسه ألف مرة. غبي غبي." قالها بداخله.
هبة بعدم تصديق: "محمود هو اللي خطف الولاد؟ هو اللي خطفهم وحرق قلبي عليهم؟ أنت بتتكلم جد؟ يحيى بهدوء: "لسه مش متأكدة. بس كل حاجة رايحة ناحيته. في البداية كنت فاكر إني المقصود، بس اتضح إنه انتي مش أنا. وإنتي مليكيش غير عدو واحد. محمود." قالها بتأكيد. هبة برعب: "أنا مش مصدقة. ليه يعمل كده؟ ليه بعد كل ده؟ ده حتى عمره ما عملهم كويس. كنت بحس إنه بيكرههم." وأكملت برعب: "أنا بقيت متوقعة منه أي حاجة. محمود بقى مرعب." انتهت من
حديثها تبكي بقوة وهي تقول: "كان هيدبح عيالي يا يحيى. كان هيدبحهم. حسبي الله ونعم الوكيل. حسبي الله ونعم الوكيل." أغمضت عينيها بغضب وهو يلعن داخله. في تلك اللحظة، ليته كانت حلاله. ليته كانت ملكه ليضمها بين أحضانه، مخبرًا إياها أنه هنا، أنه هنا دائمًا وأبدًا. فتح عيناه وهي يردف بقوة: "حقك هيرجعلك. هاخدلك حقك وحق عيالك. محمود هياخد جزاته وكله بالقانون." وأكمل بوعيد: "هسجنه." انتفضت عند تلك الهمسة وهي ترد: "تظن ده الحل؟
كره محمود مستمر، سوا اتسجن ولا لأ. أنا مش عارفة. أنا بجد مش عارفة المفروض أعمل إيه. أنا خايفة. خايفة على عيالي، خايفة على اللي في بطني اللي لسه مشافش النور." تنهد بتعب وهو يقول: "هطلب منهم ينقلوكي غرفة تانية. وخلاص هانت وهنسب المستشفى. وهحط حراسة على الباب. محدش هيقدر يقرب منكم طول ما أنا عايش. ولو فكر مجرد تفكير بس إنه يقرب، همحيه من على وش الأرض. همحيه من غير ما يرفلي جفن." قالها بكل تصميم.
أومأت له بتعب وبداخلها الكثير والكثير من الامتنان. و... الحب. في منزل أحمد. كانت حنان تجلس في الشرفة بمفردها، والجميع في الداخل يشاهدون أحد الأفلام الأجنبية. لتقرر هي أنها بحاجة للجلوس وحدها. ولم يمر الكثير، ووجدت سحر تقترب منها تحمل العصير والفواكه وهي تقول بضحك: "العيال قاعدين يحكوا ويحرقوا أحداث الفيلم، فقلت أسيبهم وأجي أقعد معاكي." وأكملت بمرح وهي
تناوله حنان كوب العصير: "عملتلك شوية عصير مانجة تحفة تحفة، أنا بعمله روعة." ابتسمت لها حنان وهي تتذوقه وبالفعل كان رائعًا، مثلجًا ورائعًا. حنان بابتسامة: "تسلم إيدك، فعلاً روعة." ابتسمت لها سحر وهي ترد: "بالهنا." وأكملت وهي تتطلع للسماء: "الجو تحفة." حنان: "فعلاً البلكونة هنا ما شاء الله تبارك الله. جوها جميل أوي. يرد الروح." وأكملت: "كل سنة وانتي طيبة، رمضان على الأبواب."
سحر بشوق: "فعلاً. أنا مشتاقة للشهر ده أوي. حاسة ربنا هيجبر قلبي فيه. الشهر ده مميز أوي على قلبي. أجمل شهور السنة." حنان بتأكيد: "فعليًا. يا ريت السنة كلها رمضان والله." سحر: "آه والله." ظل الهدوء يعم المكان، إلى أن نطقت سحر: "شكرًا يا حنان." التفتت لها حنان باستغراب وهي ترد: "على إيه؟ سحر بتأكيد: "على إنك مسبتنيش اليوه ده، وكنتي جانبي. لا تتخيلي رعبي وأنا واقعة على الأرض. أنتِ مش متخيلة أنا كنت هموت."
وأكملت وهي تتحسس بطنها: "الحمل ده جه بعد دعاء وبكا سنين طويلة من الصبر. بجد كانت دعوة في كل صلاة، إن ربنا يقر عيني بالمولود، ويكون لحبيبه أخ أو أخت." دمعت عيني حنان وهي تشكر الله بداخلها، أنها أفاقت قبل فوات الأوان. سحر بحنان وهي تربت على يدها: "شكرًا من قلبي." حنان وهي تربت على يدها هي الأخرى: "إحنا أخوات، مفيش بينا الكلام ده." ابتسمتا لبعضهما البعض. وهناك كانت تقف فيروزة تبتسم بدموع.
فأُمها أخيرًا، أخيرًا وجدت الطريق الصحيح. دلف محمود للمنزل بملامح شاحبة. كان على وشك قتلها وأبناءه. لقد تمكن منه الشيطان. ألقى بجسده على الأريكة بتعب، ليجد أمه تقترب منه بخوف وهي تقول: "كنت فين يا ابني؟ خرجت فجأة وبكلمك مبتردش. قلقت عليكي يا حبيبي. طمني. محمود مبتردش عليا ليه؟ محمود: "ليه؟ ردت باستغراب: "ليه إيه؟ أكمل: "ليه شككتيني فيها؟ معقول بتكرهيها أوي كده؟ لدرجة إنك تشكي في نسب أحفادك؟
وأكمل: "أنتي عارفة أنا كنت فين؟ جحظت عيناها وهي ترد بشهقة: "عملتلها إيه؟ انطق يا محمود. وديت نفسك في داهية." ظل ينظر لها بفتور وهو يخرج السكين من جيبه، لتشهق بخوف. وهو يكمل: "أنا كنت رايح أدبحها، وأدبح عيالي. أنتي متخيلة؟ صرخت أمه برعب: "عملت إيه؟ قولي عملت إيه؟ محمود: "معملتش. فوقت قبل ما أعمل." تنفست براحة. ليرد: "ده اللي فارق معاكي مرحش في داهية؟
ردت بقوة: "أيوه. قلتلك أنسي هبة وعيالها. أنساهم. فكر في مجيدة. ابن حياتك. وانسى هبة. هي متستاهلش." أغمض عيناه وهو يردد: "شكلي أنا اللي مستاهلش." دلف أحمد للمنزل وهو يحمل العديد من الأكياس. وضعهم جانبًا وهو ينادي على الأطفال، ليندفع نحو أولاد حنان الثلاثة، وحبيبة ومروة متجمهرين وهو يخرج الحلوى للجميع. أحمد بابتسامة: "جبت للكل، خدوا يلا. واللي عايز ياخد يديني بوسة الأول."
وكان فعلاً، مع كل قطعة حلوى، قبلة على وجنته من الصغار. ابتسم لهم وهو يراهم يعودون مرة أخرى للغرفة. ليقترب من فيروزة التي قبلته وأخذت الحلوى هي الأخرى، حاملة حقائب الطعام إلى المطبخ. توجه للشرفة وهو يعطي الحلوى لحنان، وسحر التي غمزة له. ودلف هو للغرفة بعد أن أخبرها أنه أحضر المطلوب. سحر بسرعة: "أحمد جاب الطلبات. تعالي يلا معايا هحكيلك هنعمل إيه." توجهت معها حنان بابتسامة، وهي تشعر أنها بمنزلها.
انتهت سحر وحنان أخيرًا من تخطيط ما سيحدث غدًا. لتذهب كل منهما لغرفتها. دلفت سحر لغرفتها، وهي ترى أحمد مسطحًا على فراشه، ويبدو أنه مستغرق في التفكير. اقتربت منه وجلست بجانبه وما زال كما هو، حتى لم يشعر بوجودها. سحر بهدوء: "أحمد." أفاق من شروده وهو ينظر لها ويرد: "في حاجة يا سحر؟ سحر بابتسامة: "اللي واخد عقلك؟ ضحك وهو يرد: "في حد غيرك أنت وعيالك؟ ضحكت هي الأخرى وهي ترد: "هاتها في عيالي. أومال لما يتولدوا هتعمل إيه؟
أنت لسه شفت حاجة." أحمد بحنان وهو يضمها لصدره: "ربنا يقومك بالسلامة يا رب." سحر: "آمين آمين." وأكملت: "قولي مالك؟ أحمد: "آدم قابلني." انتفضت من مكانها وهي ترد بتذكر: "آدم. أنا نسيته خالص." أحمد بتأكيد: "وأنا والله." سحر: "طيب وحصل إيه؟ سرد لها ما حدث، لترد بهدوء: "تظن هيقول إيه؟
أحمد بتأكيد: "مش قادر أحدد. للأسف المجتمع بتاعنا بيرفض عازب يتجوز مطلقة أو أرملة، والعازبة تتجوز مطلق أو أرمل. فمش هقدر ألومه لو رفض، دي حياته. وبنت أخويا نصيبها هيجي هيجي، آدم أو غيره." سحر: "طيب أنت إيه رأيك فيه كشخص؟
أحمد بتأكيد: "ولد لا يعلى عليه. بجد أخلاق وتربية. وفعلاً راجل. أنا شايف إنه مناسب. بس رأيي مش مهم. اللي رأيهم مهم هم فيروزة وآدم. وأنا مش هقول لفيروزة غير لما أعرف رأيه، لأني مش حابب تتجرح لو رفض. يبقى من بره بره من غير ما تعرف. وبس ربنا يبعتلها نصيبها." سحر بتأكيد: "عندك حق. كلامك صح. ربنا يقدم الخير." أحمد: "اللهم آمين آمين." وأكمل: "لسه المشوار قدامنا طويل. ما شاء الله تبارك الله. عندنا ثلاث بنات، وثلاث أولاد."
ولسه قالها وهو يربت على بطنها. سحر بضحك: "ما شاء الله تبارك الله، عندنا قبيلة." وأكملت بيقين وثقة: "بس أنت قدها. هنوصلهم كلهم لبر الأمان." أحمد بتأكيد: "بإذن الله ربنا يقدرني." وأكمل: "قوليلي ناوية على إيه بكرة؟ ف الأكل اللي لله." انتفضت بحماس تقص عليه ما سيحدث، ليضمها نحو أحضانه مرة أخرى، يستمع إليها بقلب متلهف. مهما كانت بسيطة، فهو يحبها، وهذا يكفي. يكفي وأكثر. في منزل مجيدة. كانت تتحدث
في هاتفها بكره وهي تقول: "لازم انتقم." استمعت إلى المتصل وهي تردف بضيق: "بس. طيب والحل؟ وأكملت بقنوط: "تمام." ارتسمت معالم الرعب على وجهها وهي تردف بخوف: "مش هينفع. الوضع دلوقتي زفت. خروجي ودخولي بقى بحساب. الموضوع ده لو اتكشف هتكون نهايتي. لازم نلحق. في أقرب وقت عشان مفيش وقت. ماما كل شوية تسألني على معاد الفرح وأنا بأخر على قد ما بقدر. بس مش هفضل كده كتير." "تمام تمام. سلام." وأغلقت الهاتف وهي تدعو أن لا تكشف.
وستكشف. في منزل آدم. كان يجلس يتناول طعام العشاء مع أمه بهدوء، إلى أن ردف سريعًا وبصوت عالٍ: "ماما أنا عايز أقولك حاجة." شهقت الأخرى وهي تقول: "في إيه يا بني؟ ما تقول. ما أنا قدامك أهو." ظل ينظر لها قليلاً، لتقرب يدها من يده وهي تقول: "قول يا حبيبي." قص لها ما حدث اليوم، وعن موعده مع عم فيروزة غدًا، وهو يقول: "تظن هيكون عايز يقول إيه؟
ردت أمه بحيرة: "والله يا ابني ما أعرف. يا خبر بفلوس بكرة هيبقى ببلاش. متشلش هم. لو نصيبك مفيش حاجة هتوقف الجوازة. ولو مش... قاطعها آدم وهو يقول: "من نصيبي يا ماما بإذن الله." تنهدت أمه وهي ترد: "يا رب يا ابني، هو أنا هكره. ربنا يرزقك بيها لو كانت الخير ليك." قالتها وهي تربت على يده، وهو يدعو خلفها أن تكون فيروزة من نصيبه. في الفندق. وقف عبد الرحمن في الشرفة يتنهد بضيق. رمضان على الأبواب، وعلاقته بأمه تحت التراب.
وماذا بيده أن يفعل؟ هل يتزوج من أرادت هي لتكون سعيدة؟ وماذا عنه؟ عن سعادته؟ أليس من حقه أن يحظى بالسعادة؟ لماذا يحدث هذا؟ استغفر ربه وهو يردد بتعب: "أين الطريق؟ أين الطريق يا الله؟ حل صباح يوم جديد، وأشرقت شمسه لتدفئ البيوت والقلوب معًا. في المستشفى. كان يحيى يجلس أمام الغرفة. لم يتحرك للحظة واحدة، حتى أنه غفى من شدة التعب. ليستيقظ أخيرًا شاعراً أن جسده محطم أثر نومه الخاطئ.
توجه للحمام سريعًا، غسل وجهه وعدل ملابسه، واشترى كوب قهوة ليفيق. وتوجه نحو غرفة هبة يطرق الباب. استمع إلى صوتها العذب يدعوه للدخول. دلف والابتسامة على وجهه، ليجدها تجلس على الفراش، ترتدي ملابسها كاملة وليس ملابس بيتها كالتي كانت ترتديها طوال مكثها. كأنها على وشك الذهاب لمكان ما. يحيى باستغراب: "صباح الخير. إيه لابسة لإيه؟
هبة بجمود: "أنا قررت أمشي يا يحيى. لازم أسيب اسكندرية. محمود مش هيسيبني، هيفضل ورايا طول ما هو عارف مكاني. هاخد ولادي وأمشي ومش هيعرف طريقي أبدًا. أظن ده الصح." قالتها بحزن وقلب يحترق. هي لا تريد الرحيل، لا تريد. تريد البقاء هنا بجواره للأبد. تريد ذاك الاهتمام، تريد تلك الكلمات الطيبة، تريد كل هذا. لما عليها أن تخسر دائمًا؟ لماذا؟ خسرت أباها، وحان موعد خسارة يحيى ومليكه. عند هذا الحد شعرت أنها تموت.
تلك الصغيرة ابنتها. تلك الصغيرة ستتركها أيضًا. يا رب رحمتك. قالتها بقلب ملتاع. أما هو، فظل محله ينظر لها، يستمع إلى حديثها الذي كان بمثابة سوط على قلبه. ستتركه. هي الأخرى. كإيمان. ست رحل. سيصيبه هو. سيخسر من يحب. ابنته. ابنته. ستصيبه ابنته. مرة أخرى. ستتركه. صرخ به بداخله. حينها أردف بسرعة وقوة: "تتجوزيني يا هبة؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!