الفصل 26 | من 34 فصل

رواية ظلمت لكونها انثى الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم عفاف شريف

المشاهدات
23
كلمة
3,386
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 76%
حجم الخط: 18

اتسعت عيناها وهي تنظر لذالك الواقف أمامها. تفكر بداخلها. "يحيى." لم يقل ما سمعته بكل تأكيد. نعم، تتوهم من كثرة الضغط المعرضة له. زمت شفتاها بقوة وهي تردد داخلها: "يحيى لم يعرض عليها الزواج." "يحيى لم يعرض عليها الزواج." "يحيى لم يعرض عليها الزواج." كررتها ثلاث مرات زيادة تأكيد لعقلها المغرم الأحمق. "لا يمكن! "أعرض عليها الزواج حقاً؟ "أنسي وضعها؟ "إنها حامل؟ "أنسي أن محمود لن يتركها؟ "ولن يترك أطفالها!

محمود كاد أن يذ/بحها. إتهمها في شرفها. نسب أطفالها... واختفى بعدها. وهي لا تعلم ما سر اختفائه. قد يظهر مرة أخرى من العدم. هي لم تعد تفهمه. ولا تتوقع أفعاله. فقد أتاها صباحاً مهللاً بإرجاعها. وليلاً بقت/لها وذ/بح أطفالها. كيف تأمن ولا تخاف منه. قد أصبح مختل. وإن كانت لا تخاف على نفسها. فبكل تأكيد تخاف على صغارها. لكن... هي تحبه. تلك المشاعر تجتاحها بقوة. تفرض نفسها على قلبها. تحارب لتفتت حصونها. تلك الحصون التي بنتها.

طوبة فوق طوبة. فعلتها مرة. وسمحت لمحمود بالدخول. وندمت أشد الندم. فمحمود لم يكن أهلاً لحبها. لم يكن يستحقه أبداً. كان مخادع حقير. دهس على قلبها. أتكررها مرة أخرى. أتفتح أبواب قلبها ثانية. ماذا؟ ماذا إن كان نصيبها الخذلان! مرة أخرى. أما هو فقد كان ينظر لاتساع عيناها بمشاعر غريبة. عيناها حقاً جميلة. هادئة صافية بهم الكثير من الحزن. لكن مع هذا تظل جميلة. رموشها الكثيفة. ووجهها الطفولي المرهق. تبدو كمراهقة متعبة وبشدة.

وليس أم لثلاث أطفال. نقل عيناه أخيراً. لشفتاها المزمزمه كطفل صغير يفكر في معضلة أكبر من سنه. ضحك بخفوت. وهو ينادي عليها مرة أخرى بترقب وخوف من ردة فعلها أو حتى جوابها. يبدو حقاً أنه قد تسرع. ليته صبر قليلاً. لكن أكان ينتظر رحيلها. كيف له أن يتحمل. ألم يكف ما خسره. ألم يكف أنه خسر حبيبته. أكانت لتكون مثلها. لم يستطع أن يرى خسارته مرتين. فليحدث ما يحدث. لم ولن يندم. أفاقت من شرودها على صوته الحنون: "هبه."

نظرت له بشك وهي تردف: "هو انت قلت إيه دلوقتي؟ نظر لها يحيى وهو يفكر. هل ترفض عرضه بلباقة أم ماذا. تنهد بضيق وهو يرد بهدوء مؤكداً: "سألتك تتجوزيني." ظلت تنظر له قليلاً إلى أن أردفت بأسف وهي تتحس بطنها: "مينفعش يا يحيى." "مينفعش." لم يص/دم من ردها. تحديداً وهي تتحس بطنها. ليسألها بهدوء: "ليه؟ هبه بتاكيد: "ببساطة أنا حامل." "مفيش جواز لأني ليا عدة." "والعدة لسه مخلصتش." "ومش هتخلص غير لما أولد."

"لأن عدة المرأة الحامل تنتهي بالوضع." قاطعها يحيى سريعاً وهو يرد: "هبه أنا عارف." "عدة المرأة الحامل بتنتهي إمتى." قال تعالى: "وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن". نظرت له بإستغراب وهي ترد: "انت كمان عارف الآية؟ رد عليها بضحك: "حد قالك إني مش مسلم؟ ردت سريعاً بإرتباك: "مش قصدي والله." يحيى بهدوء: "عارف يا هبه." "أنا بس بوضحلك إني عارف عدتك هتنتهي إمتى." هبه بستغراب: "طالما عارف." "يبقى بتطلب مني الجواز إزاي؟

أحرجته هي تلك المرة. ليرد عليها موضحاً: "أنا بطلب منك الجواز بعد ما العدة تنتهي." "وقتها مش هيكون في أي مانع لإتمام الجواز أبداً." "كام شهر ونتجوز." ظلت صامتة إلى أن تنهدت. وهي ترد بتاكيد: "للأسف حتى دي مش هتنفع يا يحيى." يحيى بهدوء: "ليه؟ هبه متسائلة: "خليني أنا أسأل السؤال ده." "ليه؟ عقد حاجباه وهو يرد: "ليه إيه؟ هبه: "ليه عايز تتجوزني." "أنا واحدة مطلقة وحامل." "والمشاكل مع طليقي مبتخلصش." "وبنتك اتخطفت بسببي."

توتر قليلاً وهو يستمع إلى حديثها. ماذا يقول. أيخبرها بحبه. أيصارحها بتلك المشاعر. حقاً الآن. صعب بل مستحيل. لا يستطيع. هو بالكاد يعترف لنفسه. تلك المشاعر المرفوضة صارت أمر واقع. هو يحب هبه. يشعر بالخيانة. يشعر بمشاعر كثيرة تتضارب بداخل قلبه. يريد ولا يريد. يريد البقاء جوارها والمضي قدماً. ولا يريد أن يخون حب لزوجته الراحلة. يريد أن يضمها إلى صدره. ولا يريد أن تقربه أنثى من بعد حبيبته. تنهد بتعب. هذا الصراع سيقتله.

ليرد بأول رد أتى بعقله: "عشان انت أم بنتي." وكان أغبى رد على الإطلاق. أحسنت يا يحيى. فعلاً أحسنت. تزوجها شفقة أفضل من هذا الرد يا أحمق. قالها مؤكداً لنفسه. أما هي فنظرت له بخيبة أمل تزداد بكل دقيقة من هذا الحديث. يريدها زوجة. لكن على ورق. مجرد زواج صوري. لترد بقلب مفتت: "عشان أم بنتك آه." يحيى موضحاً بهدوء: "مليكة متعلقة بيكي." "انتي خلاص بقيتي أمها." وأكمل

بحزن وعيون تلمع بإشتياق: "هي ملحقتش تعيش مع أمها الله يرحمها." "بس ربنا أراد تكوني انتي الأم دي." "صدقيني الجوازة دي مهمة للطرفين." "من ناحية هيحميكي انت والولاد." "وهيخلي محمود ميقربش منك أبداً." "هنقدر نكون أسرة من أب وأم." "يعيشوا فيها الأولاد مرتاحين ومستقرين نفسياً." كانت تستمع إليه وملامحها تبهت أكثر وأكثر. موبخا نفسها. يريد عائلة من. أب وأم. لا زوج وزوجة. ضحكت بداخلها ساخرة. ماذا كانت تظن.

أتظن أنه سيتزوجها حب بها. هو فقط. يريدها أم لابنته. مربية بالمعنى الأدق. يريدها هكذا فقط. أفاقت من شرودها على صوته وهو يكمل: "أنا كفيل أحميكي." "محدش هيقدر يقرب منك أبداً." هبه بهدوء: "اسمعني يا يحيى." "أنا هفضل أم مليكة حتى لو مفيش جواز." "مليكة بنتي وحتة من روحي زي حسن وحسين." "وهتفضل معايا زي الأول." "بس." "موضوع الجواز صعب جدا يا يحيى." "محمود يقدر يردني في أي لحظة طول فترة حملي."

"ودي حاجة أنا متأكدة إنه هيعملها." تهد/يده وكلامه بيقول كده. "غير كل ده أنا أصلاً مش متوقعة ولا قادرة أتخيل رد فعله بعد كده." "كل شوية مصيبة شكل." "محمود لسه ليه سلطة عليا." "ولو مش هيردني عشان عياله." "هيعملها عشان يذلني ويك/سر نفسي." "سوا أنا حابة أو لا." "عايز أو لا." "هيردني وقت ما يحب." ينظر لها إلى أن رد بقوة: "ولو مردكيش." "لو محمود مردكيش." "إيه هيكون قرارك؟ قالها وعيناه مصوبة نحوها. منتظراً الإجابة.

رفعت عيناها تنظر له بدهشة وهي لا تتوقع سؤاله. ظل تحاول أن تجد الكلمات المناسبة. أن ترفض بتهذيب. هي لن تستطيع أن تتزوج رجل يحب غيرها. ف يحيى كان وما زال يعشق زوجته الراحلة. تخاف. تخاف أن توافق فت/جرح. يك/سر قلبها. ويتحول إلى فُتات. على الأقل وهي بعيدة لن تجرح بنفس الدرجة. أغمضت عيناها بتعب. ماذا يحدث معها. كل يوم توضع في اختبار أقوى وأشد. إلى متى. إلى متى.

لترد بهدوء: "يحيى كلامنا عن الجواز وطلبك أصلاً مينفعش حالياً وأنا حامل." "لا يجوز شرعاً." يحيى بسرعة: "أنا عارف أنا مش بتكلم على دلوقتي." أخفضت عيناها بتعب وهي لا تجد الرد المناسب. رفعت عيناها بصدمة. وهي تسمعه يقول: "أنا طالب إيدك للجواز." "ليكي الحق تقبلي أو ترفضي." "من هنا لوقت ما تولدي." "انتي والولاد في حمايتي." "حتى لو موافقتيش هتفضلي كده." "وردك على عرضي هستناه لما تولدي." "طلبي للجواز منك هيفضل موجود."

"لحد ما تقومي بالسلامة." "بس تأكدي إنك هتكوني بأمان دايماً." قالها وهو يطمئنها مؤكداً. لتؤمئ له بصمت. راغبة أن تقبل عرضه. أن تحصل على ذاك الحنان. على تلك المشاعر. راغبة لكن خائفة. خائفة من خسارة معركة لم ترد خوضها. في منزل زينب. كانت في غرفتها. تجلس على فراشها بتعب. تعد أموالها بحسرة وغيظ. وهي تضعها في حقيبة صغيرة. فتلك الأموال ستخسرها بعد قليل. بسبب شراء ما يتطلب لزواج ابنتيها. أموالها تأخذ من بين أحضانها.

ستموت قهراً. زينب بقلب متألم: "يا لهوي يا لهوي كل دي فلوس هتتدفع تاني." "لا لا مش هقدر." "الجوازة دي جايه عليا بخسارة." قال وأنا قعدت أقول هكسب من الجوازة. "جوازة الندامة." "أديني بخسر." "وعمالة أدفع بالهبل." "ده كله بسبب بنت.... الي بيتهددني علي اخر الزمن بت مفعوصه تلوي دراعي بالشكل ده. ايه العمل بس يا ربي؟ تحويشة العمر تروح كده. ده انا عماله اشيل القرش علي القرش ومستخسره في نفسي. يجيو يطيرو فجأه كده. وعلي إيه؟

علي مقصوفه الرقبه هي واختها. حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا فاطمه. اللهي ما تتهني بيهم انتي واختك يا بعيده يا رب. قاطع حديثها دلوف ابنتها وهي تقول بسرعه غير منتبهه لملامح أمها الممتعضة: ماما هاتي ألفين جنيه يلا. شهقت زينب بصدمة من الرقم وهي ترد: لا طبعاً. ألفين جنيه بتوع إيه؟ فاطمه بلا مبالاة: هنزل أنا ووفاء نجيب مكياج وشوية إكسسوارات لزوم الجواز، خلاص الفرح قرب. زينب بستنكار ورفض: شوية زفت مكياج بألفين جنيه ليه يعني؟

في الآخر هيترمو. بلا كلام فارغ. امشي من قدامي مفيس فلوس. كفاية اللي عمالة أكله. هاتي هاتي هاتي. إيه مفيش دم؟ مش شايفه الفلوس اللي بصرفها بسببك انتي واختك؟ أنا اللي غلطانة إني ساكتة على الجنان ده. وأكملت بتأكيد: مفيش فلوس. خلاص شطبنا يا حبيبتي. عايزة تجيبي حاجة خلي حماتك تجبهالك. فاطمة بمكر وتهديد: شطبنا إزاي يا ماما؟ أومال فلوس الورث فين؟

ورثنا من أبونا الله يرحمه، وورثنا من أخونا، وفلوس بيع عفش عادل، ودهب فيروزة. كل ده راح فين؟ اتسعت عينا زينب وهي تستمع إلى حديث ابنتها. ابنتها المصونة تهددها. تهددها بما فعلته في فيروزة. ابنتها تلعب على المكشوف. زينب بصدمة وعينين متسعتين: إنتي بتقولي إيه؟ إنتي اتجننتي يا فاطمة؟ فاطمة بقوة:

أبدا، أنا بس بوريكي إن في فلوس. وفلوس كتير كمان. وأنا وإنتي عارفين ده كويس أوي. واللى أنا ووفاء بناخده نقطة في بحر اللي معاكي. إيه البخل ده يا ماما؟ هتعملي بيهم إيه؟ في الآخر متر في متر. وكل حاجة هترجع لنا. شهقت زينب وهي تصرخ بها: بتقولي عليا يا بنت الـ... فاطمة بهدوء: اخص عليكي، أنا برضه أعمل كده؟ بوضحلك بس. وأكملت بملل: ويلا بقى هاتي. وبعد كده أول ما أطلب لازم تنفذي. وإلا؟ زينب بقوة هي الأخرى: وإلا إيه يا بنت بطني؟

قولي وإلا إيه؟ فاطمة ببساطة: وإلا هتدفعي التمن غالي أوي يا ماما. إنتي عارفة أنا ممكن أعمل إيه. متضطرنيش أعمل حاجة مش هتعجبك. ظلت تنظر لها بقهر وذل. إلا أن فتحت حقيبة المال وأخرجت منها ألفين جنيه سريعا وهي تعطيها إياهم بحقد وحزن على أموالها. ابتسمت فاطمة بظفر وهي تقول: شاطرة يا ماما. كده احنا حبايب.

وتركتها. وظلت هي تلعن نفسها وابنتها. جزت على أسنانها بغضب وكره. ابنتها تهددها. ابنتها الحقيرة. تشعرها بالعجز لأول مرة. بالعجز عن الأخذ بحقها. تشعر إنها كسرت. وما زال الثأر مستمر. فلكل فعل رد فعل. في منزل أم عبد الرحمن.

كانت تقف في المطبخ تعد كوب شاي لكي تضعه بجانب الفطور. تنهدت بتعب. لم يعد لشيء طعم بعد ذهابه من هنا. أصبح البيت فارغ. مع أنه كان مسافر لسنوات عديدة إلا أنها لم تشعر بأنها وحيدة. اتصالاته المتكررة يوميا لم تشعرها يوم أنها بمفردها. لم تشعر بهذا الشعور سوا الآن. تشعر إنها بمفردها. لن تظلمه. هو يحادثها يوميا أيضا. لكن ليس نفسه ابنها. ليس ذاك الذي كان يحادثها بروحه وقلبه كما اعتادت. بل مجرد مكالمة هادئة. بضع أسئلة عن أحوالها. عن صحتها. حتى إنه لا يخبرها أنه يشتاقها. تلك الأسئلة الروتينية قاتلة. لا تريدها. لا. مع كل تلك الأسئلة ينسى دائما أهم سؤال. لم يسألها عن قلبها. قلب أمه. أنسيه. لماذا هذا البعد؟

لأجل ماذا؟ هي لم ترد إلا أن تراه متزوجًا بمن تليق به. لكن فيروزة مطلقة. كيف يمكنها تقبل أن يكون أول حظه مطلقة؟ هناك الكثير من العازبات. وسط هؤلاء. لم يحب سوا فيروزة. لماذا؟ لماذا لا تستطيع أن تتقبل؟ هي تريد سعادته. وسعادته مع فيروزة. كل الخيوط تذهب إلى فيروزة.

أفاقت من شرودها وهي ترى المياه تتساقط من كثرة الغليان. أطفأت النار. وأضافت الماء للكوب. وهي تخرج للخارج بكسل لم يكن فيها أبدا. وتوقفت عند تلك الغرفة. غرفة ابنها وحبيبها. ابنها الوحيد. كانت فارغة لسنوات. تحفظها له لكي تنيرها بحضوره. وعندما حضر غادر بلا عودة. فتحت الباب بقلب منكسر. وهي تطالع الغرفة بقلب مشتاق. قلب أم. دلفت للغرفة بخطوات بطيئة. تطالع كل انش. الفراش. بجانبه المكتب الصغير. بجانب الخزانة. الشرفة. المرآة.

المقعد الكبير. مقعده المفضل. ابتسمت بحزن وهي تتذكر. كل ليلة تجده نائمًا عليه يحتضن أحد الكتب. سواء وقت الدراسة أو في الإجازة ليقرأ كتبه المفضلة. وكوب القهوة الفرنسية اللذيذة بين يديه من يدها هي. نقلت عيناها لفراشه. لكم ضمته لأحضانها ليلا وهو صغير. ودثرته وهو كبير. وداوته وهو مريض. رفعت عيناها المغرورقة بالدموع للشرفة. كانت مكانه المفضل. كانت ملجأه وقت الغضب. وذاك المقعد الصغير. مشاهد تكرر أمامها لسنوات. واليوم الغرفة

فارغة. الفراش. المقعد. الشرفة. الغرفة نفسها تغيرت. تغيرت وفقدت عبقه. تغيرت وتغير هو. وتركها. تركها بسببها. آن الأوان أن تعترف. إنها السبب. لقد كسرت قلب ابنها. لكن ليس بيدها. ترفضها. ترفض أن يتزوج امرأة تركها آخر. ماذا إن كانت سيئة؟

أو خائنة؟ أو عقيمة مثلا؟ الكثير والكثير من الأسباب أتت بعقلها. الكثير من الأمور المخجلة. لماذا طلقت؟ إذا لم يكن سبب من تلك الأسباب. استغفرت ربها. وهي تبكي وتستغفر. منذ متى وهي صاحبة نية سيئة بتلك الطريقة؟ منذ متى تضع الأحكام؟ من هي أصلا لتحكم عليها؟ حتى وإن كانت ترفضها. ليس من حقها. وعلى من تطلق؟

على فيروزة. تلك الفتاة التي ربتها كابنتها. لم تكن يومًا سيئة. بالعكس كانت من صغرها فتاة ذات قلب جميل مثل وجهها. لطيفة مطيعة وذات خلق. تجدها ببابها بمجرد أن تعلم بمرضها. تهتم بها. لن تنسى تلك المرة التي سهرت معها طوال الليل بسبب مرضها. لن تنسى ذلك أبدا. حتى بعد زواجها كانت تزورها. لكنها تريد لصغيرها أن يتزوج عزباء مثله. تريد أن تراه مع فتاة لم تعرف قبله. كما لم يعرف هو. يكون أول رجل وأول حب. كما ابنها. كيف يريد منها تقبل هذا؟

كيف؟ لم تكن يومًا ظالمة. لكن اليوم ها هي ظالمة. في إحدى الشركات. تحديدًا بمكتب عبد الرحمن. كان يجلس أمام الكثير والكثير من الملفات. يدفن نفسه بين الأعمال. لعله ينسى. وهل ينسى الإنسان قلبه؟ هل ينسى روحه؟ وأخيرًا هل ينسى أمه؟ ماذا يفعل؟ يحادثها وبداخله الكثير من مشاعر الاشتياق. لكن تأتي تلك المشاهد. تهددها. طردها له. هذا فقط لأنه اختار. هي تريد سعادته وسعادته معها. ماذا يفعل إذا؟

هو يتزوج ليصبح سعيدًا. لا لشيء آخر. يتذكر مهاتفات آدم المستمرة يسأله عن قدومه. وهو لا يجد رد. إلى أين يذهب؟ أبوها يرفض. وأمه ترفض. وهي... هي. لا يعلم. حتى إنه لا يعلم رأيها. فليعلم مكانها أولًا حتى يسألها. تنهد بتعب. وهو يفكر ماذا سيفعل. يتزوج من يحب فيخسر رضا أمه. يرضي أمه ويخسر قلبه. وضعه أصبح كغرفة خانقة. لها مخرجين. والاثنين قاتلين. في منزل ولاء والدة هبة.

كانت مسطحة على الفراش تتأوه بتعب. حينما قررت أن تذهب لابنتها. وقعت وكسرت يدها. تنتظر أن تصبح بخير قليلا حتى تذهب لها. لا تعلم ما سيحدث. لكنها تريد أن تكون بجانبها. تريد أن تكون حقًا أمًا لها. بدون تلك المشاكل. بدون أي شيء. في منزل محمود. كان يجهز ملابسه للذهاب إلى العمل. ليقطعه دلوف أمه للغرفة. وهي تقول بابتسامة: صباح الخير يا حبيبي.

نظر لها قليلًا. تبتسم وتتجاهل ما حدث أمس. تتجاهل ما قالته. وما كاد أن يفعله بسبب حديثها. زفر بضيق وهو يرد: صباح الخير. ربتت على ظهره وهي تقول: حضرت لك فطور إيه؟ ملوكي. يلا يا حبيبي عقبال ما تخلص تكون خالتك ومجيدة وصلوا. التفت لها بسرعة وهو يقول بزهق: وإيه جايب خالتي ومجيدة على الصبح كده؟ ردت أمه: فيها إيه يا واد ده بيت خالتك تيجي في أي وقت. وثم إنت ناسي إن مجيدة في حكم مراتك دلوقتي يعني تيجي وقت ما تعوز.

وأكملت وهي تخرج: يلا قوام هم على وصول. وتركته يلعن مجيدة وأمها. وأمه. في منزل مجيدة. كانت ترتدي حجابها وهي تغني. إلا أن دلفت أمها وهي ترد بغضب: يا بت انجزي. خالتك عمالة ترن ترن ترن. انجزي يختي. عقبال ما تتكحل العمشة. مجيدة بغضب هي الأخرى: فيه إيه يا أما؟ مش بتزفت أزوق، يكش أعجب ابن اختك المنيل. ردت أمها بسرعة: يلا ياختي. هروح ألبس الجزمة ألاقيكي ورايا. هنسل وأسيبك.

أشارت لها مجيدة بلا مبالاة وهي تضع أحمر الشفاه وتكمل غناء. لكن أوقفها رنين هاتفها. لتتلقفه بسعادة وهي ترد: صباح الفل. آه بلبس. ضحكت بقوة وهي تقول: بس بقى. خلينا في الجد. آه رايحة. يكش نخلص من القرف ده. بجد زهقت. خبر حلو. إيه هو؟ وأكملت بفرحة: بجد خلاص اتحدد. الحمد لله الحمد لله. أنا كده اطمنت. كده كله تمام. وكل حاجة ماشية زي ما أنا عايزة وأكثر. خلاص هظبط إني أنزل اليوم ده. استمعت إلى المتصل لترد بشماتة:

أنا مش أي حد. واللي مجيدة عايزاه بيحصل. كله ماشي زي ما خططنا. متخيلتش إن كل حاجة هتكون سهلة كده. المهم عندي إنه خلاص حددنا المعاد. وده أهم حاجة حاليًا. الباقي أكيد محلول. استمعت إلى المتصل وهي تقول: لا هبة مش مهمة حاليًا. ممكن قدام. بس حاليًا المهم محمود. محمود وبس. وأكملت بقوة وحقد: لازم يعرف إن الله حق. هرد له بدل القلم اللي ضربهولي عشرة. وكل قلم أقوى من اللي قبله. عشان يعرف مين مجيدة. في منزل محمود.

كان يرتدي قميصه بملل. إلا أن فتح الباب فجأة. كادت أن يصرخ في أمه. لكنها لم تكن أمه. كانت مجيدة. التفتت عنها سريعا يغلق أزرار قميصه. وهو يردد بغضب: فيه حد يدخل كده؟ اخرجي بره حالا. لم تعر حديثه اهتمام. وهي تقترب منه. تضع يدها على ظهره وهي تقول بغنج: الله يا محمود. إنت ناسي إنك خطيبي. وهتبقى جوزي. التف إليها يطالعها بغضب وهو يقول: إنتي اتجننتي يا مجيدة؟ خطيبك مش جوزك. فيه فرق. أول وآخر مرة تدخلي الأوضة دي.

وخرج سريعا من الغرفة. ولم يسمعها تقول بتأكيد ومكر: بكرة الأوضة وصاحب الأوضة يبقوا بتوعي. في المشفي.

وقفت هبة أمام غرفة الصغار. تتطلع إليهم في اشتياق. اليوم هو اليوم الأخير. وغدًا ستعود معهم لشقتها. ويعودوا هم لأحضانها. أطفالها قرة عينها. شاهدت الممرضة داخل الغرفة فأشارت لها أنها هي الأخرى تود الدخول. ولم يمر الكثير. وكانت بالداخل. تضم حسين إلى صدرها تشبعه قبلات وأحضان. تركته في فراشه. وضمت حسن تدلله كأخيه. فهما واحد لديها. ولم تفرق بينهم يومًا. وأخيرًا ختامها مسك مليكة. اقتربت من الصغيرة التي تلعب بيدها. لتحملها. وما إن ضمتها لصدرها حتى ضحكت الصغيرة. ضحكة أسرت قلبها. لتضحك هي الأخرى بحب. ضحكة أسرت قلب من يقف خلفها.

في منزل أحمد. استيقظ الجميع في نشاط. في اليوم سيتم إعداد الطعام وتوزيعه على الناس. فطر الجميع في جو أسري سعيد ضمهم جميعًا. غادر أحمد للعمل. خلفه حبيبه ومروة والأولاد للدروس. وبقي فقط سحر وحنان وفيروزة. كادت سحر أن تتحرك وتبدأ في تحضير الوجبات. لتمنعها حنان قائلة بحزم وهي تجلسها: لا يا سحر. إنتي هتقعدي. الدكتور أكد مفيش شغل. إحنا هنحضر. خليكي إنتي على الكرسي. اعترضت سحر قائلة:

لا بالله عليك ده الأكل طالع لله إزاي مش أشارك فيه؟ حنان بهدوء: الأكل هيتعمل. بس صحتك أهم. ولو على المشاركة هخليكي تعملي الخفيف وإنتي قاعدة. أومأت لها سحر. وظلت فيروزة تنظر لأمها بابتسامة فخر. لمحتها حنان وهي تخرج الأواني للإعداد الطعام. وكم كانت سعيدة. يكفيها تلك النظرة. بدأت حنان في إعداد الأرز. وفيروزة في طهو وسلق اللحم. وسحر في فتح الخبز. ستحضر رغيف من الخبز بداخله أرز وقطعتين من اللحم. سحر بسعادة:

متتخيليش بكون سعيدة قد إيه بالأكل اللي بيطلع لله ده. قرأت قبل كده إن "اللقمة تزيح النقمة". الحقيقة كل ما أحس إني في كرب. لازم أطلع زكاة. أو آكل لله. بحس براحة. راحة إني أقرب وأتودد إلى الله. حنان بتأكيد: فعلاً مفيش أجمل من إن الإنسان يكون قريب من ربنا. ربنا يديمها علينا نعمة يا رب. أمين. قالتها كل من سحر وفيروزة. وكل منهم يشعر بالامتنان للآخر. ولكل منهم أسبابه الخاصة. في شقة آدم.

كان يرتدي ملابسه لكي يذهب لمقابلة أحمد. لتدلف أمه عليه وهي تقول: ما شاء الله تبارك الله. ربنا يحفظك يا حبيبي. اقترب منها يقبل يدها وهو يقول: ادعيلي يا ست الكل. ادعيلي تكون من نصيبي. ربتت على خصلاته وهي تدعو له من قلبها. وودعها وظلت هي تدعو له. من كل قلبها. أن تكون من نصيبه إن كانت الخير له.

انتهى اليوم سريعًا وتم تعبئة الوجبات أخيرًا. ليأتي أحمد بالسيارة لتوزيعها. ذهبت معه سحر. ولم يمر الساعة وعادوا. أوقف أحمد السيارة تحت البناية. لتسأله سحر: مش هتطلع معايا؟ أحمد: لا رايح أقابل آدم. سألته: هتروحوا على القهوة؟ أحمد: آه هقابله هناك. يلا اطلعي. أومأت له وهي تصعد للشقة ويتوجه هو نحو القهوة. في شقة أحمد. استقبلت فيروزة سحر على الباب وهي تسألها: أومال عمو فين؟ سحر بتعب: راح مشوار.

دلفت للغرفة الجلوس حيث حنان. وأتت لها فيروزة بالماء. سحر وهي تأخذ الماء: فيه كام وجبة باقية يا فيروزة؟ فيروزة بتأكيد: فيه ٢٠ وجبة. سحر: غير بتوع البيت صح؟ فيروزة: آه شلت هنا للكل. سحر: تمام يا حبيبتي. جهزيهم عشان لما عمك أحمد يجي يوزعهم على العمارة. فيروزة سريعًا: ليه نستنى عمو أوزعهم أنا؟ سحر بتفكير: هتعرفي؟ فيروزة بتأكيد: أيوه. هروح ألبس الإسدال وأنزل. أومأت لها سحر وتوجهت فيروزة لتوزيع الطعام. نحو المجهول.

على القهوة. كان آدم يجلس على القهوة في انتظار وصول أحمد. الذي أقبل عليه. ليحييه ويجلس معه. بعد السلامات. تنهد أحمد وهو يقول بجدية: أنا حبيت يكون الكلام هنا. عشان يكون ليك الحق إنك تعرف كل حاجة عن فيروزة قبل ما تيجي تتقدم. ارتبك آدم قليلاً وابتلع ريقه بتوتر وهو يقول: اتفضل يا عمي. أنا سامع حضرتك. أحمد بهدوء: فيروزة مطلقة. وقفت فيروزة أمام الشقة الأخيرة. رنت الجرس. وانتظرت إلى أن فتحت لها باب امرأة بسيطة وبشوشة الوجه.

فيروزة بابتسامة وهي تعطيها الوجبات: طنط سحر بعتة لحضرتك دول. ردت عليها المرأة بهدوء وابتسامة: شكرًا يا حبيبتي. اشكري لي مدام سحر كتير. إنتي قريبة أستاذ أحمد ومدام سحر؟ فيروزة بابتسامة: عمو أحمد أخو بابا. اتسعت عينا المرأة بسعادة وفرح وهي تسألها: إنتي فيروزة؟ ابتسمت فيروزة بحرج وهي تسأل بداخلها من أين تعرفها. لكن ردت بخجل: أيوه. وضعت السيدة الطعام جانبًا وهي تحتضنها وتردد: أهلاً أهلاً. تعالي يا حبيبتي.

صدّمت فيروزة من رد فعل السيدة وهي تتملص منها وترد بهدوء: مرة تانية بإذن الله. لكنها أصرت: لا والله لازم تدخلي. ودلفت فيروزة فعلًا. وجلست معها السيدة تطالعها بسعادة وهي تردد بفخر: أنا أم آدم. فيروزة بتذكر: آدم. قالتها بداخلها. ذاك الطبيب تذكرته. دار بينهما الحديث. والسيدة تسألها عنها ودراستها. وفيروزة تنكمش مترقبة السؤال المعتاد. أم آدم بابتسامة وهي تسألها ببساطة: قلي لي يا حبيبتي إنتي كنتي مخطوبة قبل كده؟

ابتلعت فيروزة ريقها وهي ترد بروح خاوية وقلب متعب: أنا مطلقة.......

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...