في شقه هبه تحديداً في غرفة أطفالها كانت تمسد خصلات صغارها بحب وهي تفكر إلى أين أخذها قرارها إلى رجل لا يصلح أن يكون أب وحبيب حطم روحها يوم بعد يوم انسدلت دمعة مقهورة بعينيها وهي تلعن غبائها للمرة التي لا تعلم عددها بكل تأكيد استمعت إلى صوت الباب يفتح ويغلق معلناً عن حضور زوجها المبجل انسحبت ببطء من بين أطفالها وهي تقبلهم بحب لتخرج بعدها مغلقة الباب خلفها توجهت حيث يجلس وجلست بجانبه نظر لها بتفحص
من منامتها الداكنة وخصلاتها المعقودة في ضفيرة ثم أردف بتأفف: إيه القرف اللي انتي لابسااه وعملاه في نفسك تجاهلت حديثه وهي تقول: طلقني يا محمود وهتنزل لك عن كل حاجة هاخد ولادي وبس مش عايزة منك حاجة نظر لها بخبث وهو يقول: لو عايزة تتطلقي يبقى تخرجي لوحدك وتنسي إن ليكي عيال نظرت له بكره وهي تقول: انت بجد عايز إيه مستحيل تكون عايز العيال عشان بتحبهم
انت حتى فين وفين لما بتشوفهم ومعاملتك معاهم بشعة بيخافوا منك إذا ماكنوش بيكرهوك انت عايز مني إيه تاني لتفضلي هنا معايا ومع الولاد لتخرجي بس لوحدك قالها بكل بساطة وهو يتحرك من مكانه تارك إياها تنظر له بحسرة ظلت تفكر ماذا تفعل إلى أن أمسكت الهاتف سريعاً وهي تدقق في التاريخ وتبتسم بانتصار فبعد أسبوع موعد أخذ حصتها من ميراث والدها أسبوع فقط وينتهي الأمر في شقة فيروزة فتحت عيناها بضعف وهي ترى الصورة المشوشة تتضح ببطء
التفت حولها وهي ترى نفسها بغرفتها بدأت تحاول تذكر ما حدث لتتسع عيناها بقوة وهي تتذكر لقد رأته يستحيل أن تكون تتخيل نعم نعم رأته عبد الرحمن ومن سواه رفيق الأحلام عبد الرحمن جارهم في البناية وحب الطفولة وسنوات كثيرة حب من طرف واحد تتذكر جيداً عندما استمعت إلى خبر سفره لأحد دول الخليج للعمل وتكوين نفسه كانت تعلم إنه لن ينظر لها أبداً لكن بخبر سفره تحطمت كل الآمال والأحلام وسقطت متحطمة انزلقت تلك الدمعة وهي تردد بداخلها
أحقاً عاد لكن لما الآن لما الآن بعد أن أصبحت مطلقة هل من الممكن أن يكون مجرد سراب طيف ورحل أخرجها من شرودها جلوس أمها بجانبها وهي تقول: بقالي ساعة بنادي عليكي فيكي إيه فيروزة بهدوء: أبداً بس كنت سرحانة وبحاول أفتكر حصل إيه حنان بهدوء: بقالك يومين نايمة يدوب تفوقي تاخدي الدوا وتنامي تاوهت بخفوت هي حتى لا تتذكر إنها تفيق نظرت لأمها بتوتر وهي تبتلع ريقها وتنظر في كل اتجاه ما عدا أمها: ماما أنا قبل ما يغمى عليا
شفت إن في حد دخل الشقة مين نظرت لها أمها بهدوء وهي ترد: ده عبد الرحمن ابن خالتك سماح كان ...... ظلت أمها تتحدث دون أن تعي نظرات فيروزة الباهتة وهي تردد بخفوت: لقد عاد حقاً انتفضت على صوت أمها وهي تقول: في إيه يا بنتي تاني مرة أكلمك ومترديش عليا فيروزة بتوتر: أبداً بس دايخة شوية حنان استني هجيبلك لقمة تاكليها أومأت لها بصمت وهي تنظر للفراغ بهدوء وتفكر ماذا ستفعل الآن وإلى أين يتجه مصيرها هي تريد أن تحيا بحق
أن ترى ذلك الجزء من العالم حتى وإن كان بعيد أفاقت على دخول والدتها تحمل صحن به بعض الطعام وضعته لها وهي تقول بتعب: والله يا بنتي تعبانة قومي بالسلامة عشان تساعديني شغل البيت قاطم وسطي فيروزة بهدوء: مش قلتلك يا ماما عودي أخواتي كل واحد ينضف مكان ما بيبهدل نظرت لها أمها بإستنكار كأنها قالت حديث خارج: ومن امتى والرجالة بتشتغل في البيت يا بنتي الراجل راجل مهما حصل فيروزة محاولة التوضيح لأمها:
هشرحلك يا ماما في الفترة اللي كنت فيها مع عادل الوقت الفاضي بتاعي كنت ببحث في أمور الدين أكثر وكنت بزعل قد إيه أنا معرفش عن ديني ف بدأت أبحث ووقتها اكتشفت حاجات كتير مكنتش أعرفها من ضمنها مساعدة الرجل لزوجته وأهل بيته لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال "إن أفضل الرجال من هو خير لاهله" وفي حديث تاني بيقول "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي " تعرفي يا ماما إن النبي صلى الله عليه وسلم هو أول من طبق شعار
(اخدم نفسك بنفسك) وقرأت كمان عن الأسود بن يزيد رضي الله عنه "سألت عائشة رضي الله عنها " ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله يعني خدمة أهله فاذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة يعني المساعدة مش هتقلل من حد، بالعكس دي حاجة مهمة جداً. وأكبر دليل إن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام كان بيساعد أهل بيته. حنان: برفض متوتر: لا يا بنتي، زمان غير دلوقتي.
وثم إنتي عارفة أخواتك، محدش بيرضي يعمل حاجة. هسيبك تكملي أكلك وأشوف اللي ورايا. نظرت لها الأخرى بصمت، مكملة طعامها بشرود وقلب مفطور. وبعد عدة ساعات. كانت تجلس وحدها كعادتها. لتجد أمها تدخل عليها وهي تقول: قومي يا بنتي، البسي عباية وحطي أي طرحة على راسك بسرعة. فيروزة: بستغراب: ليه يا ماما؟ حنان: بهدوء: عبد الرحمن جاي يطل عليكي. انتفضت بقوة وهي ترد بفزع: إيه؟ حنان: بستغراب من هيئتها: مالك يا بت؟
الراجل جاي يطمن عليكي بعد ما راسك اتفتحت. فيروزة: بتوتر ورفض: ها، أه. لا لا. قوليله نايمة. أي حاجة بس مش قادرة أقابل حد. حنان: بغضب طفيف: بس يا بت، بلاش قلة أدب. الراجل جاي مخصوص عشان خاطر يطمن عليكي. انحزي، أبوكي مش هنا والراجل قاعد لوحده بره. بسرعة عقبال ما أعمل كوباية شاي. وتركتها وذهبت سريعاً. أما الأخرى، ظلت تركض هنا وهناك في محاولة أن تجد ما ترتديه، لكن لا يوجد سوى تلك العباية. ماذا تفعل؟
حاولت أن ترتدي أي من ملابس مروة، لكن لا تدخل بها أبداً، فهي سمينة. نظرت لنفسها بقنوط وهي تتوجه لتلك العباية السوداء، ترتديها بتعب وتضع على رأسها الحجاب بهدوء. وتوجهت نحو الخارج بتوتر، تقدم قدماً وتؤخر أخرى. ............... في الخارج. كان يجلس على أحد الأرائك، ليجد والدتها تضع أمامه أحد أكواب الشاي وهي تقول: منور يا ابني، اتفضل. عبد الرحمن: ببتسامة: تسلمي يا طنط. حنان: ببتسامة: تسلم من كل شر. عامل إيه يا حبيبي؟
بقالي سنين مشفتكش. عبد الرحمن: ببتسامة زادت من وسامته: الحمد لله، أهو الواحد رجع أخيراً. حنان: بهدوء: أيوه كده تتجوز بقى وتبني بيت. وعند تلك الكلمة، خرجت فيروزة. ظلت تنظر له وهي تتعرف على شخص آخر غير الذي رأته آخر مرة، قوي البنية وحسن المظهر، يرتدي ملابس أنيقة ومصفف الشعر بعناية. واه من تلك الغمازة التي تؤثر قلبها. أفاقت على صوت أمها وهي تنطق اسمها.
ليرفع الآخر وجهه سريعاً متطلعاً حيث تنظر والدتها، ليجدها تلك الفتاة التي تركها من سنوات عديدة. عكسه، هي لم تتغير، بل ظلت كما هي، تحاوطها تلك الهالة من الرقة والهدوء. أنزل عينيه سريعاً وهو يراها تتقدم منهم وتقول بهدوء: السلام عليكم. وعليكم السلام. قالها بهدوء. وأكمل: عاملة إيه دلوقتي يا فيروزة؟ ردت بخفوت: الحمد لله، شكراً. خيم الصمت على الجميع. لتردف أمها بهدوء: طمنّي أنت عنك يا حبيبي وعن شغلك.
عبد الرحمن: كله تمام يا طنط، الحمد لله، ربنا ميسر الدنيا. وهكمل شغل هنا خلاص. حنان: بفرحة: أحسن يا بني، بلا غربة بلا هم. أما هي، ظلت تستمع لهم بهدوء. إلا أن سمعته يقول: وانتي بقى يا فيروزة، دخلتي كلية إيه؟ تحجرت عيناها بضعف وألم وهي تنطق بحروف متحشرجة: احم، لا، أنا مكملتش من بعد الثانوية. نظر لها الآخر يحاول إيجاد كلمات مناسبة، إلى أن أنقذه صوت هاتفه. فقال بهدوء: عن إذنكم. ورد سريعاً وهو يقول: الو. حاضر يا حبيبتي.
دقايق وأبقى عندك. عايزة حاجة تانية؟ تمام، سلام. وأغلق الهاتف وهو يقول: أستأذن أنا بقى. وحمد لله على سلامتك مرة تانية. سلام عليكم. ذهب ولم يرى تلك النظرات المنكسرة. ...................... في شقة عبد الرحمن. دلف إلى الشقة بهدوء وهو يمسك بيده عدة حقائب. ليجد والدته الحبيبة تجلس بغرفة المعيشة تعد القهوة على السبرتايه كما تحب. وحينما رأته، ابتسمت له وقالت: حماتك بتحبك، جيت في وقتك. هعملك فنجان قهوة إنما إيه عسل. أبتسم لها
بقوة وهو يقبل رأسها ويقول: تسلم إيدك يا ست الكل. والله وحشتني قهوتك. وحشتني كل حاجة بتعمليها. الغربة وحشة أوي. كفاية إنها كانت حرمانني منك يا أمي. أغلقت السبرتايه وجذبته سريعاً لأحضانها. ابنها الوحيد ورجلها في هذه الحياة بعد زوجها المرحوم. أديك رجعت يا حبيبي. وأكملت: مش آن الأوان بقى تفتح بيت يا ابني؟ أنت في الأصل كنت مسافر عشان تكون نفسك، والحمد لله ربنا كرمك من أوسع أبوابه.
والشركة اللي كنت شغال فيها هناك قبلت تنقلك الفرع هنا. وأكملت بحماس: ها، تحب نروح نخطبلك إمتى؟ ضحك بقوة وهو يرد: أنا لحقت؟ أنا لسه راجع من يومين. وثم مش لما ألاقي عروسة. قاطعته بسرعة: العرايس كتير والحمد لله. عندك مثلاً مرفت بنت الحجة سعدية. ولا أقولك، بلاش مرفت، عصبية. في فاطمة بنت دلال، دي بت زي القمر. وعليها طبق ملوخية عسل يا واد يا عبد الرحمن. ضحك بقوة وهو يقول: يا أمي، صلي على النبي. ملوخية إيه بس؟
صمتت قليلاً مفكرة. وقالت بحماس: بس لقيتها. ................. في منزل فيروزة. كانت تعاون والدتها في إعداد الطعام. لتسمع صوت وصول والدها. تركت أمها وتوجهت حيث يجلس. لتجده يدخن بشراهة وضيق. لتجلس بجانبه وهي تقول: بابا، إحنا إمتى هنروح ناخد حاجاتي؟ محمد: بهدوء: أنا بكرة هاخد عمك عبد السميع هو وعياله وأروح أشيل عفشك. تنهدت براحة. لم تكتمل وهي تسمعه يكمل موجهة حديثه لوالدتها
التي خرجت من المطبخ: وجهزي نفسك، أول ما العدة تخلص، نجوزها على طول. في عريس كويس قدامي. جحظت عيناها بقوة وهي تنتفض وتقول بتعلثم وقوة: مستحيل. أنا مستحيل أتجوز بالطريقة دي تاني. أنا كنت رافضة الجوازة الأولانية وقلتلك وقتها إني مش حباها ومش مرتاحة لأهله اللي كانوا بيبيعوا ويشتروا فينا كأننا مجبرين على الجواز، قبلت ورضيت، وكل مرة كنت أتكلم كنت بتقولي كل الرجالة كده، هو إنتي أول واحدة، وكأني مجبرة بس استحمل.
لهفتك على الجواز حسستني إني قليلة وخلتهم يبيعوا ويشتروا فيا. عارفة إنك خايف علينا، عايز تجوزنا بس. بس يا بابا، أنا دايماً كنت بشوف نفسي قليلة في عينهم، كانوا عارفين إنك مش هتقبل إني أطلق، فكانوا بيعملوا كل اللي عايزينه. أنا مستحيل، مستحيل أتجوز بالطريقة دي تاني. أنا مش سلعة تتباع وتتشري. أنهت حديثها بقوة. ظل ينظر لها قليلاً. ثم وقف وهو يقول: كلامي وقلته في الموضوع ده.
ومن هنا ورايح مفيش خروج من البيت إلا مع أمك، أنتي بقيتي مطلقة والناس مبترحمش. هتفضلي هنا لحد العدة ما تخلص. وبعدين نكتب كتابك. وتركها وذهب. ظلت تنظر في أثره بعجز وألم، كأنها تحمل العالم فوق قلبها. وحينما رفعت عينها، وجدت أمها تقف تنظر لها بحسرة. .............. أما في منزل عادل، وتحديداً بشقة فيروزة سابقاً، بغرفة نومها. كانت تجمع ملابس فيروزة. وابنها الحبيب، فلذة قلبها، قُرة عينها، الذي فقدته بسبب تلك الفتاة.
بسببها مات ولدها، فقدته للأبد. نظرت لملابسها بكرة وهي تقول: هتندمي يا فيروزة. ظلت تقلب في محتوى الخزانة وهي ترى قمصان النوم ومنامتها الجديدة كأنها لم تمسسها. أخذت تضعها بالحقائب، مقررة أخذها لأحدي بناتها، هم أحق بها. ظلت تضع الملابس حتى ظهر لها صندوق صغير. ابتسمت بشر، وهي واثقة من محتواه، حتماً به صيغتها. وسارعت بفتحه، لتجد خاتم وسوار كان قد اشتراهم ابنها الحبيب. أمسكتهم وهي تضعهم بيدها، عازمة على أخذهم.
انتهت أخيراً. ونادت بأعلى صوتها: بت يا وفاء. أتت ابنتها تركض إليها وهي تقول: نعم يا ماما. زينب: بقوة: ابعتي لعمك محفوظ، قوليله يجيب حد يشتري كل العفش ده، وهاكرمه في السعر. وفاء: بأستغراب: هتبيعي العفش ليه يا ماما؟ زينب: عايزني أستنى لما الحرباية فيروزة تيجي تاخده وتتجوز بيه؟ لازم أحرق قلبها هي وأهلها على كل قرش. قالتها بحقد وكره. ................. في منزل عبد الرحمن. عبد الرحمن: بأستغراب: لقيتي إيه؟
ردت بفرحة: عروسة ابني إن شاء الله. ضحك بقوة وهو يقول: مين بقى المرة دي؟ يا ست الكل، استهدي بالله. كل حاجة في وقتها حلوة. ضربته بخفة على ساقه وهي تقول: اسكت يا واد أنت. قولي بقى إيه رأيك في: مروة؟ عبد الرحمن: بأستغراب: مروة؟ مروة مين؟ أردفت أمه بسعادة: مروة بنت الحاج محمد وحنان، أخت فيروزة يا واد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!