الفصل 27 | من 34 فصل

رواية ظلمت لكونها انثى الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم عفاف شريف

المشاهدات
21
كلمة
3,457
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 79%
حجم الخط: 18

مجرد نظرات أو حتى كلمات كانت قادرة على هدمي هدم روحي قبل جسدي ولما لا؟ فأنا بالنهاية مجرد أنثى مهما بلغت قوتي أسقط صريعة في نهاية المطاف، امتلاء بالخيبات أسقط وأصبح مجرد فتات فتات أنثى أنا مطلقة تلك الكلمة كانت وستظل بألف كلمة بألف سوط فوق قلبها الصغير المسكين بألف إهانة ونظرة ازدراء في عيون القريب قبل الغريب كأنها وباء يبتعد عنها الجميع خوفاً منها خوفاً على زوج. على إبن. حتى خوف على ابنه. كأنها نكرة.

تقابلها تلك النظرات، خوف منها واشمئزاز. ولم لا يبتعدوا؟ أهلها نفسهم استنكروا طلاقها. رفضوه. كادوا أن يجبروها أن تعود، أن تتقبل هذا الوضع. لولا إصرارها. وحصلت على الطلاق. وظلت تلك الكلمة رفيقة لها. مجرد بضع حروف بلا قيمة. قادرة على هدم حياتها. وحياة كل من مثلها. كفيلة بذبح روحها حية. طعنها وخنقها ألف مرة ومرة. قالتها بصوت مرتجف، رأس منخفضة. ويد تضغط على الأخرى بقوة تريد كسرها. حتى كسرها سيكون أخف ألم من هذا الشعور.

هذا الشعور الحارق. أغمضت عيناها بارهاق متعب، تبتلع تلك الغصة المؤلمة. تريد أن تربت على ذاك القلب المسكين. قلب تحمل الكثير والكثير من تلك النظرات. كمن ارتكب فعل قبيح شنيع. أو جريمة مريعة. قالتها بخنوع وقلب يشكو ظلم الحياة لها. ظلم مجتمع وضعها في مكان ليس بإمكانها. وضعها أسفل الأرض. متمنين دفنها أو حتى حرقها كالوباء يسارع الجميع بالتخلص منه. ضحكة ساخرة. وقلب يترجف رعباً وحرجاً. وهي تقابل هذا الصمت التام.

سكون مريب ومخجل. جعلها تود أن تدفن حية. وهي تفكر بالم. لا تستطيع أن تنظر لتلك السيدة. لن تتحمل تلك النظرة من جديد. لا تريد. لا تريد. لما الحياة بتلك القسوة؟ لما؟ صرخت بها بداخلها. وحينما طال صمت الأخرى، لم تجد مفر سوا رفع عيناها. بتردد خجول. وهي تنظر لوجه تلك المرأة. كان متوتراً بشكل غريب لم تفهمه. كانت شاحبة. متعرقة. تمسح على عباءتها بقوة. ملامحها تبدو حزينة ومتوترة. عقدت حاجبها باستغراب.

وهي تسأل بداخلها: لماذا هذا التوتر؟ هي المطلقة وليس العكس. لما تبدو حزينة؟ طال الانتظار. وأخيراً تحدثت. "ربنا يعوض عليكي يا حبيبتي. بإذن الله ربنا هيرزقك بالشخص الأحسن اللي يصونك." أومأت لها فيروزة بشرود. وهي تفكر: أي شخص هذا؟ من ذا الذي يقبل بها الآن؟ تكاد تشك أنها أصبحت غير قابلة للزواج. أو حتى غير قابلة للحياة من الأساس. ما تعرضت له كان كثير. ما عايشته مع عادل كانت قاتلة. قتل روحها. وظل فقط جسد، مجرد جسد.

كان حقير، أراها الويل. كسر كبرياءها. وروحها. وأمه. تلك المرأة الحاقدة. آه كم كانت بشعة، حقودة قوية. اجتمعوا كلهم على كسرها. اجتمع الجميع على تحطيمها. كسروا كل شيء. كسروها وتبقي الفتات. والفضل يعود لوالدها. ذاك الذي لم يكن يوماً لها يوماً أب. تنهدت بتعب وقهر، وتلك الدمعة أبت أن تظل حبيسة لعيناها المجهدة، لتسقط على وجنتيها معلنة أنها تحررت. رفعت يدها بسرعة تمسح تلك الدمعة. تحت أنظار والدة آدم التي تنظر لها بشفقة.

لتقول بتردد خجل تردف بحزن: "عن إذنك يا طنط أنا اتأخرت." أومأت لها الأخرى بهدوء. وهي تراها تخرج من المنزل برأس مطاطة حزينة. منكسرة قلباً وقالباً. وودعتها هي بصمت قاتل. بعكس استقبالها المرحب الودود المحب لها. وظلت تنظر في أثرها بقلب حزين متألم لأجل تلك الصغيرة المسكينة. لأجل فتاة أخذت هذا القب بهذا العمر الصغير. ولأجل وحيدها صغيرها. ذاك الذي كان يطلب منها الدعاء أن تكون من نصيبه. أين ذهبت دعواتها الآن؟

أغمضت عيناها بحزن. وهي تغلق الباب خلفها. متحسرة على ابنها. متحسرة على المسكين. فقط خسر معركة لم يخضها حتى. على القهوة. فيروزة مطلقة. قالها للذي يجلس أمامه. قالها بكل هدوء وثقة وبساطة. ولما لا؟ هو لا يخجل ولن يخجل أبداً. ففيروزة لم تخطئ ولم ترتكب ذنب. هي فقط مطلقة. وهذا الأمر لا يقلل منها. ومن يرديها. فليتقبلها كما هي. وإلا فلا يستحقها أبداً. قالها أحمد لنفسه مؤكداً وواثقاً. وهو ينظر إليه بهدوء.

محاولاً تفسير ملامحه المضطربة. أن يعلم ما يدور بداخله. منتظراً إجابة. وربما سؤال حتى. لكن. بقي الصمت هو الإجابة الوحيدة في تلك اللحظة. تتطلع إليه آدم بعيون متسعة مصدومة. صدمة زلزلت كيانه. فجرت كل ذرة منه. حرك رأسه بنفي. كأنه لم يستوعب ما قيل سوا الآن فقط. ماذا قال عمها؟ فيروزة مطلقة. ابتلع ريقه بتوتر. وهو لا يصدق ما سمعه. يبدو أنه يعاني من مشكلة في السمع. هو لن يصدق أن ما سمعه مجرد حقيقة.

رفع عيناه يتفحص ملامح أحمد بسكون قاتل. متأملاً إياه عله يجد أثر مزحة سخيفة حمقاء أو اختبار مثلاً. أو. أي شيء. أي شيء غير أن الفتاة التي طلبها للزواج. تلك الفتاة التي رآها ووقع في غرامها. برقتها وبساطتها وخجلها. الفتاة التي أرادها زوجة له. ودعا باسمها في كل صلاة. الفتاة التي جمعه بها الكثير والكثير من الأحلام والأماني. تلك التخيلات. منزل الأحلام. أسماء الأطفال. وكل هذا. تلك الفتاة. لا بل المرأة. ليست فتاة. تلك المرأة.

مطلقة. والكلمة قاتلة. مسح وجهه بعصبية متوترة. محاولاً إيجاد تلك الكلمات المناسبة. ذاك الحديث الذي لابد أن يقال. أي كلمة. أي حرف. لكنه لم يجد. اختفت. وظل الصمت هو الحديث الوحيد في تلك اللحظة. تنهد أحمد بضيق وهو يستغفر ربه. كان يتوقع تلك ردة الفعل. بل توقع الأسوأ. كان مستعداً لأي شيء. لأي حديث. لكن. كان هناك أيضاً بعض الأمل. ظن أن آدم مختلف. ظن أنه الرجل المنشود لابنه أخيه. للحظة نسج أحلاماً وهو يراها سعيدة.

مستقرة أخيراً. والابتسامة تلمع بعينيها قبل شفتيها. كان يتوقع. أن يفهم مثلاً. يعلم أنه لم يكن يوماً بذنب. لكن اتضح أنهم نفس الشخص. لكن مع تغير الأسماء والأشكال. كلهم واحد. لكن مع هذا. وهو لن يلومه أبداً. ليس من حقه أصلاً. تلك المسائل لا تقاس إلا بمبدأ واحد. إيجاب وقبول. ولم يتوافر الأمرين هنا. لذلك لم يجد نفسه إلا وهو يقف.

ويردف بهدوء: "بص يا ابني أنا كنت صريح معاك من الأول. فيروزة بنت أخويا مطلقة من كذا شهر. جوازها كله مستمرش غير ست شهور. وحصل الطلاق. وده شيء ما يعيبهاش أبداً لكن كان لازم تعرف. الأمور دي مبنية على الصدق وبس. أي كان رأيك فربنا يرزقك ويرزقها بالأصلح. السلام عليكم." وذهب. ذهب وتركه بكل بساطة. كأنه لم يلقِ قنبلة على رأسه وقلبه. قنبلة هشّمته وحطّمته. كان ما قيل لم يهدم أحلامه. ليكون وضعه كمن كان يحلق في السماء.

وأصابته مصيبة. ليسقط على جذور رقبته. متحطماً خاسراً. كان ما حدث لم يكن سوى كابوس مظلم. مجرد مسرحية لا يعلم متى بدأت. يعلم فقط أنها انتهت. قصة قصيرة قدر لها النهاية قبل حتى أن تسطر البداية. انتهت بكل ألم. ذهب. وتركه. ألقى الكرة في ملعبه ورحل. دَلفت فيروزة للمنزل بهدوء ليقابلها جلوس أمها وزوجة عمها معاً. سحر بابتسامة: "خلصتي يا حبيبتي؟ أجابتها بسرعة: "آه خلصت كل الوجبات." أومأت لها سحر بقلق وهي تلاحظ شحوب وجهها.

سحر بحنان وهي تقف تضمها إلى صدرها: "شكراً ليكي يا روزة، وإنتي كمان يا حنان." "لولاكم كنت اتبهدلت النهارده." حنان بابتسامة: "مفيش بينا كده أبداً." وأكملت: "أنا هقوم أنام، عايزين حاجة؟ سحر بهدوء: "تسلمي، تصبحي على خير." حنان: "وإنتي من أهل الخير." ودلفت لغرفتها. فيروزة بهدوء: "أنا هدخل أغسل المواعين قبل ما أنام." سحر برفض قاطع: "لا الصبح وأنا اللي هعملهم." فيروزة برفض أكبر: "محتاجة أعملهم وأطلع طاقة."

أومأت لها سحر بقلق. وهي تراها تدلف للمطبخ بتعب وإرهاق. تنهدت بحيرة. وهي تجلس تفكر في السبب. إلا أن استمعت إلى صوت الباب. نقلت عيناها للباب لتجده أحمد. انتفضت من مكانها بسرعة وحماس. اختفى تمام وهي ترى ملامحه الواجمة. اقتربت منه بهدوء وهي تقول: "حصل إيه يا أحمد؟ تطلع لها بحزن وهو يقول: "فيروزة فين؟ سحر بتشتت: "في المطبخ." أومأت لها بهدوء. وهو يقول: "تمام." أمسكت يده وهي تدخله للغرفة. أجلسته على الفراش وجلست بجانبه.

تربت على يده بهدوء وهي تقول: "حصل إيه؟ قلت لآدم؟ قال لك إيه؟ قولي." أحمد بهدوء: "مقالش." قطبت حاجبها باستغراب وهي تقول: "مقالش؟ "مش فاهمة." "مش إنت قلتله على موضوع فيروزة؟ يعني إنها مطلقة." "إيه ردة؟ أحمد بتأكيد: "مردش." "سكت." "سمع وسكت." "الرفض كان واضح ومش محتاج رد." سحر بحزن: "لا إله إلا الله." "متزعليش يا حبيبي. أكيد مش نصيبها." "صدقيني ربنا هيبعتلها الشخص اللي يحبها زي ما هي."

"لا يفرق معاه هي آنسة أو مطلقة حتى." "يحبها وبس." أحمد بحزن: "كان نفسي يكون من نصيبها." "آدم شاب كويس جداً." "ومحترم فعلاً كان نفسي يكون نصيبها." قاطعته سحر: "بس مش نصيبها." "ولو كان كان الوضع بقى مختلف." أحمد بشك: "تظني هيجي الشخص اللي يتقبلها زي ما هي بدون ما يبصلها نفس النظرة." "من غير ما يعايرها إنها مطلقة." "من غير ما يعاقبها على غلطة مش غلطتها." "وتحاسب على حاجة ملهاش ذنب فيه." "لحد إمتى؟

"لحد إمتى هتفضل المطلقة تتعامل معامل المجرمة؟ "لحد إمتى يا سحر هيفضل المجتمع والناس يفكريهم عقيم لدرجة دي؟ "ليه بيحسسوني إن المطلقة دي مش إنسانة ليها حق تعيش تحب وتتجوز تاني؟ "ليه تفضل طول حياتها تتعامل كأنها منبوذة؟ تنهدت سحر بضيق وهي تقول بصدق: "للأسف الناس مبقاش في قلوبها رحمة." "بيستنوا أي فرصة عشان يأذوا بعض ويتكلموا على بعض." "ويكرهوا بعض في بعض."

"الغريبة إن لو شفت ست عايشة مع جوزها حياة بشعة فعلاً يفضلوا يقولوا إنتي مستحمـلة إزاي؟ "إنتي إزاي صابرة وساكتة؟ "أنا لو مكانك كنت اتطلقت من زمان." "ووقت ما تتطلق الكل يبعد ويمشي ويتكلم." "واللي خايفة على جوزها تخطفه." "واللي على ابنها." "وعلى عيالها تبوظ أخلاقهم." "تحس إنها عملت جريمة." "مش بكل بساطة رفضت حياة مينفعش تعيشها." "وزوج استحـل الإهانة والضرب وسيلة لإثبات رجولة مش موجودة أصلاً."

"الناس دايماً بتبص للقشرة الخارجية." "بس عمرهم ما هيبصوا على جواهم." "على كمية التعب والألم اللي المطلقة بتمر بيه." "عن النظرات اللي بتقتل." "والكلمات الجارحة القذرة." "بدون مراعاة لمشاعر إنسانة." "مجرد إنسانة." "مش عايزة أكتر من إنها تعيش في هدوء." "حتى دي استكتروها عليها." تنهدت بعصبية وهي تكمل: "الكلام في الموضوع ده عمره ما هيخلص." "لأن الناس مش عايزة تتغير." "بالعكس بيتطاولوا أكتر."

"المصيبة إن اللي بيساعد الناس إنهم يكملوا في الفكر والتفكير ده هم معظم الأهل." "لو كل الأهالي دعمت بناتها." "ووقفت في وش اللي يقول نص كلمة." "كان زمان الوضع غير." "بس حتى الأهل شايفين المطلقة." "مجرد منبوذة." أحمد بحنان وهو يرى احمرار وجهها دليل على غضبها وعصبيتها المفرطة: "استهدي بالله." سحر محاولة الهدوء: "لا إله إلا الله." وأكملت بحزن: "أنا بس صعبان عليا فيروزة." "حتى لو مش بتظهر." "هي جواها مجروحة أوي يا أحمد."

أحمد بتأكيد: "هنعمل أي حاجة عشان نسعدها." "فيروزة بنتنا." "وهنعمل أي حاجة عشان نشوفها سعيدة." سحر بتأكيد: "أيوه طبعاً." وأكملت بحب: "ربنا يبارك لنا فيك يا حبيبي." ضمه إلى صدره وهو يردد بكل حب وصدق وثقة: "وفيكي يا سحر." "مش عارف من غيرك كنت عملت إيه." ضحكت برقة وهو تردد: "بحبك." والإجابة كانت ضمة كبيرة تحمل الكثير الكثير من الحب والامتنان. وكفى. وفي الخارج. كانت تقف بجسد متيبس أثر تلك الصفعة.

كممت يدها تمنع تلك الشهقة من الخروج. إستمعت إلى كل شيء. آدم تقدم لها. لكن رفضها. ولما لا؟ فهي مجرد مطلقة. وأمه. لهذا كانت تلك ردة فعلها. انزلقت منها دمعة منكسرة. قلب محطم. وروح ماتت. ماتت وحرقت. ركضت إلى المطبخ مرة أخرى. ووقفت تحاول أن تفعل أي شيء. تريد التحرك. تريد أن تنسى تلك الكلمات. تريد أن تمحو تلك المشاعر القاتلة. اندفعت إلى الحوض تنظف الأطباق بسرعة ودقة. تحاول إفراغ تلك الشحنة الغاضبة. "لن أبكي. لن أبكي."

قالتها صارخة بداخلها رافضة. "لن أبكي." "هي لم تفعل الحرام. هل الطلاق حرام؟ "هل أخطأت عندما تطلقت؟! "لكن كيف كان لها أن تعيش بتلك الحياة... "لا لا لم تكن حياة." "كانت جحيم." "كانت نيران تحرق قلبها وأحشائها بكل لحظة." "بكل لحظة ذل وكسرة نفس عاشتها مع ذاك الشخص." "كانت الأسوأ." "حتى أنها ظنت أنها نهايتها ستكون بذاك المنزل." "لكن." "لماذا يحدث هذا؟ "لما تسير الحياة ضدها في كل مرة؟ "هي فقط."

"تريد أن تعيش دون تلك النظرات." "دون القيل والقال والأحاديث الجارحة." "القاتلة في بعض الأحيان." "هل الأمر بتلك الصعوبة؟ وضعت الطبق في مكانه بعصبية. وهي تنظف وتمسح الأرضية بقوة. تحارب أن لا تسقط تلك الدمعات. وتصرخ بداخلها: "لم لا ترتاح؟ "لما لا؟ "تريد الراحة." "لما لا تحصل عليها؟ "ألا تستحقها؟ وعند تلك النقطة توقفت عن العمل. وهي تسقط أرضاً تبكي بقوة وصوت شهقاتها يعلو ويعلو. وتردد بداخلها بقلب محترق

قلب ذاق كل أنواع العذاب: "يبدو أنني لا أستحق السعادة والراحة فعلاً." خرجت سحر من الغرفة بعد أن غفى أحمد. ليلفت انتباهها صوت غريب. ما هذا؟ إنه صوت بكاء. انتفضت سريعاً تخطو نحو المطبخ حيث الصوت. وهناك كانت الصدمة. حيث فيروزة تجلس أرضاً بملابس مبللة وجسد مرتجف. تضم ساقها إلى صدرها. تدفن وجهها وتبكي بقوة. تصنمت محلها وهي تشاهد ذاك الانهيار. فيروزة انهارت. توقعت حدوثه، كانت تنتظر لحظة انهيارها. فمهما حدث.

كانت تعلم أن هذا سيحدث. وحان موعده. تحركت بهدوء نحو الجالسة أرضاً. جلست بجانبها تربت على رأسها بحنان. انتفضت فيروزة بخضة تنظر لسحر بتشتت وضياع. نظرت سحر لوجهها الأحمر الباكي وعيونها الخائفة. كان مظهرها مريع. شديدة الضعف والوهن والألم. كامرأة محطمة مهشمة ذاقت الكثير والكثير من الألم. لم تجد نفسها إلا وهي تضمها إلى صدرها. بقوة داعمة إياها، مربتة على خصلاتها بحنان وحب. لتنفجر فيروزة مرة أخرى في البكاء.

بكاء بشهقات متألمة. شهقات تمزق القلب. شهقات متعبة مرهقة يائسة. وتلك المرة كانت بصرخات طويلة متألمة. صرخات بعدد تلك السنوات والشهور والأيام. بعدد كل لحظة ألم. بعدد كسر قلبها وروحها. بعدد سنين عمرها. بعدد هؤلاء البشعين في حياتها. بكت وكان البكاء لا ينتهي. والأخرى تضمها بكل قوة وحنان. مخبرة إياها أنها هنا. فلتبكي قدر ما تشاء. ولم يروا الواقفة تبكي وتصرخ دون صوت. تبكي ندماً على ترك صغيرتها. تبكي على فشلها.

فشلها في حتى أن تكون مجرد أم. بعد مدة. وقفت سحر في الشرفة تتطلع إلى السماء بروح متعبة خائفة على تلك الصغيرة. التي تحملت ما يفوق عمرها أضعاف مضاعفة. جلست على مقعدها المفضل. في انتظار انتهاء فيروزة من الاستحمام. بعد وصلة بكاء وصرخ. حمدت الله أنه لم يسمعها أحد. ظلت قليلاً بمفردها. إلا أن شعرت باقتراب فيروزة. نقلت عيناها إلى وجهها. شاحب متعب وأحمر. لم يختفِ أثر البكاء بعد. عيون حمراء كالدماء.

خصلاتها المبللة أثر الاستحمام. منامتها النظيفة. مدت لها يديها تحسها على الاقتراب. اقتربت فيروزة وجلست بجانب سحر. تتطلع هي الأخرى للسماء. كم تعشقها. كانت وما زالت الجلسة المفضلة لديها. صفنت لبرهة. وهي تتذكر. لكم تمنت تلك الجلسة مع عبد الرحمن. كم مرة تخيلت حياتهم. ضحكاتهم. حتى أولادهم. وبيتهم. وحبهم. كانت مجرد أحلام. حرقت ونثر رمادها أمام عينيها. أحلام قتلت في مهدها. وأصبحت غير صالحة. أصبحت لا شيء.

أغرورقت عيناها بالدموع. وهي تستغفر ربها. لم تكن يوماً ناكرة فضل الله عليها. هي تخلصت من عادل. ونجت من يد والدها. ورزقها الله بعائلة جديدة. تضمها بين أحضانها. رزقها بعد الهدوء. هدي أمها. يوماً بعد آخر ستستقر حياتها. تثق في هذا. تثق في الله. التفتت إلى زوجة عمها. لتجدها تطالعها بنفس النظرة. تلك النظرة التي تربت على قلبها. نظرة الحب والاهتمام. التي لطالما تمنتها لسنوات من أمها. حصلت عليها من زوجة عمها.

فيروزة بصوت مبحوح: "شكراً." سحر بحنان وهي تربت على خصلاتها: "ف بنت تقول لأمها شكراً؟ مفيش كده." ابتسمت لها فيروزة. وظل الصمت ثالثهم في تلك اللحظة. لتقطعه فيروزة وهي تقول متسائلة: "هو أنا وحشة يا طنط سحر؟ التفتت لها سحر سريعاً. تنظر إلى ملامحها المنكسرة بعد هذا السؤال. استجمعت سحر شجاعتها. وامسكت يد فيروزة وهي تقول: "هقولك سر." اعتدلت فيروزة تستمع لها بانصات شديد.

لتبتسم سحر وهي تكمل: "زمان ماما الله يرحمها قالت لي سر." "ماشية بيه لحد دلوقتي." "قالت لي:" "لو عايزة تعرفي إنتي جميلة ولا لا." "متبصيش لنظرة الناس ليكي." "أبداً." "بصي لعينك إنتي." "لنظرتك إنتي." "لو شفتي نفسك جميلة في عينك." "تأكدي الناس هتشوفك بنفس عينك." "وحتى لو شافوك بعكس كده." "تأكدي أن رأي الناس مش مهم أبداً." "جمالك هيجي منك إنتي." "هيجي من ثقتك إنك جميلة." "وإن رأي الناس ملهوش لازمة."

"ولأن مهما كنتي جميلة الناس هتطلع فيكي الوحش وبس." "محدش بيتكلم عن الحلو." "الوحش وبس." نظرت له فيروزة بهدوء. لتكمل بتأكيد وهي تتحسس وجهها: "إنتي جميلة أوي يا فيروزة." "ثقي إنك جميلة قلباً وقالباً." "ولو في حد قالك غير كده." "فده ليه سبب واحد بس إنه مريض." "مريض ومحتاج يتعالج." "ثقي في نفسك، في جسمك، في شعرك، في شكلك." "حبي نفسك زي ما هي." "ولو حابة تغيري حاجة غيرها لنفسك برضه." "لنفسك وبس." "إنتي تستحقي."

"تستحقي كل السعادة." ابتسمت لها فيروزة بامتنان. فسحر محقة. دمعت عيناها وهي تستمع إلى سحر تردد: "نحن نرى جمالنا في عيوننا." "وليس في عيون من حولنا." "فجمالنا لنا." "وليس لغيرنا." فيروزة بحب: "الكلام ده كلام جميل." سحر: "جميل عشان ليكي." ابتسمت فيروزة بخجل. وظلت صامتة قليلاً. إلى أن ردت بقوة: "طنط سحر أنا محتاجة مساعدتك." ابتسمت سحر بفخر. فها هي البداية. فيروزة بقوة: "أنا عايزة أخس، يعني عايز أقلل وزني."

"حاولت كتير بس ولا مرة نجحت للأسف." سحر بتأكيد: "طالما عايزة." "يبقى ليه لا." "الموضوع يمكن بس محتاج قوة." "بإذن الله نروح لدكتور تغذية تمشي معاها على نظام مناسب ليكي." "ونشترك لك في جيم كمان عشان يكون عامل مساعد." "وتخرجي طاقتك." "وممكن كمان نتمشي سوا كل كام يوم." اتسعت ابتسامة فيروزة بسعادة وهي تستمع إلى حديثها. سحر بسعادة: "أنا جنبك ومش هسيبك غير وإنتي واصلة للوزن المثالي." "واصلة للجسم اللي بتحلمي بيه."

صفنت فيروزة وهي تتخيل مظهرها وهي ذات جسد متناسق. جميل. ترتدي ما تريد. كل ما تريد. وليس ما يناسب وزنها. فيروزة بتخيل: "يا يا طنط سحر ده حلم سنين." "حلم من قلبي هدعي ربنا يتحقق." سحر بتأكيد: "هيتحقق." "المهم الإرادة." "والثقة في الله." فيروزة: "ونعم بالله." "وثقة جداً." سحر بابتسامة: "ده المهم." أكملت فيروزة: "كنت عايزة أكلمك في حاجة تانية." سحر بتشجيع: "قوليلي يا روزة." "عمو كان وعدني إنه هيلاقي لي شغل."

"حابة أشتغل يا طنط." "وأتعرف على العالم اللي بره ده." "تعرفي أنا كنت نفسي أكمل تعليمي عشان أشتغل." "وأبني نفسي وأعيش حياتي زي ما كنت بتمنى." "بس مكنش في نصيب." "أنا عايزة أبدأ من أول وجديد." "عايزة أنسى." قالتها بدموع سقطت بوجع. "حاسة إني لازم ألاقي نفسي." "ومش هيحصل غير وأنا بتعامل وبشوف العالم." سحر بدموع هي الأخرى: "هترجعي من أول السنة إن شاء الله." "عمك قال هيقدم لك في الجامعة بإذن الله مع العام الجديد."

"ولو على الشغل أنا هكلم عمك وإن شاء الله نلاقي حاجة مناسبة ليكي." "إحنا جنبك." "وسوا هنحققها." انقضت عليها فيروزة تحتضنها بقوة. بكل حب العالم نحو تلك المرأة. شاعرة أنها تخطو أولى خطواتها. نحو. نحو السعادة. حل صباح جديد. ويوم جديد. وربما مفاجآت جديدة. في المشفي. ساعدت أسماء هبة في ارتداء ملابسها. فأخيراً ستعود للمنزل. تطلعت أسماء إلى ملامح هبة الشاحبة. وهي لا تفهم شيئاً. يحيى الذي يتهرب من لقائها.

وهبة التي لا تنظر لوجهها. ماذا حدث وهي لا تعلمه؟ أسماء بتساؤل: "هبة إنتي كويسة؟ أومأت لها هبة بصمت. وهي تفتح الباب لتقابل يحيى في وجهها. يحيى بهدوء: "الممرضات هيجيبوا الولاد دلوقتي." "أنا جبت العربية بتاعة مليكة وعربية الولاد." أومأت له بصمت. وهو الآخر ينظر لها بضيق. لا يريد أن تكون هكذا. هادئة صامتة شارده في معظم الأوقات. لما أصبحت هكذا؟ لم يمر الكثير وأتت الممرضات بالثلاث صغار. وهنا تبدلت هبة.

وهي تندفع نحو الصغار تقبلهم وتضمهم إلى صدرها أخيراً دون خوف. أو لمدة معينة. ابتسم على تلك الصورة الدافئة. وهي تضم صغيرته مليكة. هبة ببكاء: "وحشتوني أوي." "احفظهم لي يا رب." "مبقاش ليا غيرهم." وهنا سقطت ابتسامته. هبة لم تعد تريد سوى أطفالها. هبة فقد تريد الهدوء. وضعت مليكة في عربتها. والصغار أيضاً بعد أن قبلتهم كثيراً. واستندت على أسماء. عائدين للمنزل. بقلب غير ذاك القلب. في منزل آدم. انتهت أمه من الصلاة.

تستغفر ربها وهي تتذكر ما حدث ليلة أمس. Flash Back. كانت تجلس تصلي لتجد ابنها يدلف للشقة. عكس ما خرج منها. حزين وبقلب منكسر. اقترب منها وهو يقول بدون مقدمات: "ماما." "فيروزة طلعت." قاطعته: "مطلقة." لم يسألها كيف عرفت ولم يسألها عما حدث. فقد كان الصمت هو الإجابة. وكل منهم دلف لغرفته. Back. استغفرت ربها وهي تفكر بتعب. ذاك التفكير مدمر. بل قاتل. خرجت من شرودها وهي تجده يقف أمامها.

وهو يقول بهدوء: "ماما أنا عايز أتكلم معاكي." نظرت إلى عيناه. وهي تعلم القادم بكل تأكيد. في منزل مجيدة. كانت تتحدث في الهاتف بعد أن انتهت من ارتداء ملابسها وهي تقول: "حاضر هروح أصالح محمود زي ما اتفقنا." "حاضر تمام." "فهمت خلاص فهمت." "هعمل كده لحد الفرح ونخلص من الهم ده." "وأنا كمان بجد مرعوبة." "عارفة." "تمام أنا هروح دلوقتي." "سلام." أغلقت الهاتف. وهي تسرع بالخروج. فيجب مصالحة محمود. حتى تحقق ما تريد. في منزل زينب.

كانت تجلس على طاولة الطعام تأكل وحدها. فابنتاها تركاها من الصباح الباكر. لمشاهدة بيتهم الجديد. تركاها ورفضا أخذها. بحجة أنها تفتعل المشاكل مع حماتهم. وحتى لو. هي أمهم. تفعل ما تريد. تركاها هنا ولم ترَ سكن ابنتيها. كأنها منبوذة. كأنهم تبروا منها. قذفت الصحن بغضب وهي تلعنهم. هي من ربتهم. هي من أتت بهؤلاء العرسان. وفي النهاية تُترك بمفردها تأكل وحدها. وستظل هكذا للأبد. صرخت بغيظ. وهي تفكر في طريقة كي تنهي هذه الزيجة.

يجب أن يظل بناتها تحت طوعها. مهما كلف الأمر. أفاقت على صوت هاتفها يعلن عن رسالة من ابنتها. اتسعت عيناها وهي تقرأها. ابنتها تخبرها بكل وقاحة أن تأكل طعام الغداء أيضاً بمفردها. فهم سيأكلون مع حماتهم. تنهدت بحسرة وهي ترى أن كل شيء خرج من تحت يدها. ولم يعد شيء تحت السيطرة. تنهدت بتعب وهي تفكر. ما القادم؟ ولا تعلم أن القادم أسوأ بكل تأكيد. في منزل محمود. كان يتناول الإفطار سريعاً لكي يذهب للعمل. ليستمع إلى صوت الباب.

نظر إلى الساعة باستغراب. وذهبت أمه لترى من. وكانت مجيدة. استغفر ربه بضيق. مجيدة. محمود: "نعم جاية ليه؟ نهرته أمه موبخة وهي تقول: "بس يا قليل الأدب." "ادخلي يا مرات ابني." "يلا حماتك بتحبك." قالتها بضحك. وهي تتدخل للمطبخ كي يظلوا بمفردهم. أغلقت الباب وجلست بجانبه وهي تقول: "محمود." رد بهدوء وهو يأكل: "نعم." مجيدة بدلع وهي تتحسس يده: "لسه زعلان؟ أزاح يدها سريعاً بارتباك وهو يقول: "لا." اقتربت منه أكثر

حتى صارت ملتصقة وهي تقول: "بجد." انتفض من مكانه وهو يقول: "مجيدة." مجيدة بدلع: "خلاص خلاص." "مهنش عليا تفضل زعلان." تطلع لها وهو يستغفر ربه. مجيدة توقعه في شباكها. اقتربت منه وفي لحظة خاطفة قبلته من وجنته وهي تقول: "أنا بس جيت أصالحك." "وهمشي." "يلا باي." قالتها وغادرت بمكر وهي ترى وجهه. كأنها لم تفعل شيئاً. وظل هو يقف يتطلع في أثرها. بمشاعر جديدة تنمو وتزهر. يشعر بعدم ارتياح. لكنه ينجذب. ولا يفهم. ولا يعلم.

لا يعلم أن ما خفي كان أعظم. في منزل أحمد. وقفت فيروزة تعد الإفطار. يساعدها الجميع للانتهاء سريعاً. فلكل منهم أشغاله الخاصة. وضعت الطعام على الطاولة. وجلس الجميع. وقبل حتى أن يبدأوا. استمعوا إلى صوت الباب. توجه أحمد ليفتحه ودلفت النساء للمطبخ. وكان على الباب آخر شخص توقع أن يراه. كان. آدم. أحمد بهدوء: "آدم."

آدم بهدوء: "حضرتك مشيت امبارح قبل ما أقولك ردي. أنا معنديش أي مشكلة في إن فيروزة مطلقة. أتمنى حضرتك تحدد لي معاد عشان أجي أنا ووالدتي نتقدم."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...