الفصل 28 | من 34 فصل

رواية ظلمت لكونها انثى الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم عفاف شريف

المشاهدات
23
كلمة
4,347
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 82%
حجم الخط: 18

اتسعت عينا أحمد بذهول وهو ينظر نحو الواقف أمامه، والابتسامة تتسع على وجهه، كمن تحققت له أمنية لطالما تمناها، ودعوة دعا بها ليلاً نهار. يقف أمامه يخبره موافقته بكل بساطة. تفقد ملامحه بدقة، يحاول أن يفهم ما يحدث، فأدم الواقف أمامه ليس نفسه من كان يجلس معه بالأمس، ليس نفس الشخص بكل تأكيد. هذا محب مبتسم ومشرق وموافق، والآخر كان حزينًا رافضًا وقانطًا على ما علمه. ماذا حدث؟ ما سر هذا التغيير؟

لم يمر سوى بضع ساعات، وأتاه مسرعًا يطلب موعدًا لطلب يد فيروزة. الأمر محير وغريب. تنحنح أدم بحرج وهو يلاحظ سكون أحمد، متسائلاً بداخله عن سر صمته. "لذالك سارع قائلاً: أستاذ أحمد، حضرتك سمعتني؟ نظر له أحمد بهدوء وهو يقول: "أيوه يا ابني." أدم بهدوء مكررًا حديثه: "بأسأل حضرتك لو تحدد لي معاد أجي أنا ووالدتي نطلب فيروزة." هز أحمد رأسه وهو يقول بهدوء معززًا من مكانه فيروزة وقيمتها حتى

لا يظن أنه يلقيها لأي أحد: "اديني كام يوم. فيروزة متعرفش إنك متقدم، أنا قررت أبلغها بعد ما أعرفك الوضع. وطالما بلغتني إنك معندكش مشكلة، أنا هاخد رأيها الأول وبعدين أبلغك بإذن الله." أدم بإحراج، فهو كان يظنها تعلم بطلبه: "آه تمام، هستنى رد حضرتك بعد ما تبلغها."

أومأ له أحمد بهدوء، ليغادر الآخر سريعًا. وظل أحمد ينظر في أثره بهدوء، إلى أن استمع إلى سحر تنادي عليه، ليدلف للمنزل مغلقًا الباب خلفه، عازمًا على إخبار فيروزة، متمنيًا أن تتحقق تلك الزيجة، لعلها هي طوق النجاة والسعادة لابنة أخيه. في منزل أدم، كانت تجلس على مقعدها شارده وتفكر فيما حدث صباحًا. *** Flash Back "ماما، أنا عايز أتكلم معاكي." تنهدت بهدوء وهي تقول: "أكيد، تعال اقعد جنبي."

اقترب منها يجلس بجانبها وهو يراها تطوي المصلى وتضعها جانبًا. تلتفت تنظر إليه وهي تقول: "قول، أنا سمعاك." ظل ينظر لها قليلًا.

ثم أردف بتوتر: "حابب قبل ما أتكلم، توعديني الأول أي كان اللي هقوله، سوا هتتقبليه أو لا، سوا حبتيه أو لا، تسمعيني للآخر، تفكري فيه من كل اتجاه، مش بس بقلبك وعقلك كمان، تفكري فيه مش بس من منظورك كـ "آدم"، لا، الأهم بالنسبة لي تفكري فيه كـ "ست". وأي كان قرارك أنا هحترمه، زي ما اتعودتي مني دايما. وتأكدي إني دايما بثق في رأيك. أوعديني تكوني عادلة في حكمك ورأيك." ابتسمت له بهدوء وقالت وهي تربت على ساقه بثقة وتأكيد

وحنان لطالما غلفته به: "أوعدك."

تنهد بتوتر وهي يقول: "أنا بحب فيروزة. معرفش إمتى وإزاي، بس بحبها. لما عمها قالي إنها مطلقة، حسيت بإحساس غريب. رفضت إني أصدق للحظة، رفضت حتى إني أسمع الباقي. كنت حاسس إني مشتت، من كثر الأحلام اللي حلمتها. حسيت إني كنت طاير في سابع سما، وفجأة وقعت على جدور رقبتي في سابع أرض. وكأن كل الأحلام اتحرقت واتحولت لمجرد رماد. ولما رجعت البيت، حاولت إني أنام وأنسى أو أحاول أنسى، بس فشلت. والتفكير فيها كان الحاجة الوحيدة اللي

شغلتني وقتها. التفكير في إني مش قادر أبطل تفكير. ومع تفكير طويل، اكتشفت إن حزني ورفضي مش هيغير الواقع أبدًا. فيروزة مطلقة. هي مطلقة وبس. وأنا مش شايف إن ده حاجة تخليني مثلًا أنفر منها، أو أرفضها. أنا متقبل ده. يمكن اتصدمت في الأول، بس بعدين تقبلت. أنا هعمل أي حاجة لأني بحبها، عشان عايزها وحابب تكون زوجتي. زوجتي وأم عيالي. زوجتي قدام الناس وبموافقتك. قولولي رأيك، لأنه مهم عندي، ولأني مستحيل أعمل حاجة بدون رضاكي. عارف

صعب إنك تتقبلي الفكرة، وإن مرات ابنك تكون مطلقة، بالذات إني لسه عازب، وإنك من زمان بتحلمي بالحلم ده، مستنية تشوفي البنت اللي هتجوزها، وإنك حاطة صورة معينة في خيالك ليها. بس...

بس أنا بحب فيروزة." قالها بتأكيد، نقل عينيه بتردد نحو وجه أمه الساكن. لا ملامح محددة، لا موافقة ولا رفض. فقط ملامح هادئة. وهذا ما بعث القليل من الأمل بداخله. كاد أن يتكلم مرة أخرى محاولًا إقناعها، لكن قاطعته هي قائلة بكل هدوء: "أنا موافقة." والرد صدمه، بل صنمه في محله، متسع العينين غير مصدق. كان يعلم أن أمه شخص واقعي وحكيم، ولن ترفض سعادته. لكن أن توافق بتلك السرعة، هذا ما لم يتوقعه.

ابتلع ريقه بدهشة وهو يردد: "موافقة؟ بجد؟ " قالها بشك. ابتسمت له أمه بهدوء وهي تقول بتأكيد: "بجد."

وأكملت بشرح: "عارفة إنك مكنتش متوقع الرد ده، بس أنا ببساطة مش شايفة مشكلة في جوازك من فيروزة. أنا شفتها يمكن مدة صغيرة، بس أنا ليا نظرة، وهي إنسانة لطيفة ومحترمة. يكفي إنها من طرف أستاذ أحمد. أما بقى بالنسبة لكونها مطلقة، فأنا شايفة إنه مجرد لقب. لقب مش هيغير من قيمتها ولا مكانتها حاجة أبدًا. هي مطلقة وده شئ ميعيبهاش، بالعكس المفروض تكون فخورة إنها رفضت تعيش حياة غير سليمة وقررت إنها ترفضها. أنا ست وعندي بنات، واللي مقبلتوش على بناتي مقبلتوش على بنات الناس. عشان كده أنا موافقة. ده اختيارك وأنا هدعمك فيه. في الآخر أنت اللي هتتجوز وأنت اللي هتعيش. سعادتي في إني أشوفك سعيد. وطالما سعادتك معاها، فأنا موافقة." قالتها بكل تأكيد ورضى.

Back عادت من شرودها على دلوف ابنها للمنزل وجلوسه بجانبها. انتظرت أن يتحدث ويخبرها ما حدث، لكنه ظل صامتًا. "إيه." "إيه." ردت عليه بعصبية: "ما تنطق يا بني! أنا هتحايل عليك؟ انجز، أنا قاعدة على أعصابي من أول ما خرجت." أدم بغيظ: "استهدي بالله يا حجة." وأكمل: "طلعت مش عارفة إني متقدم." ردت بدهشة: "أصلًا؟ رد بقنوط: "أصلًا." قال هيقولها ويبلغني ردها.

ربتت على رأسه وهي تقول: "على خيرة الله يا حبيبي. ربنا يقدم لك اللي فيه الخير ويرزقك بيها لو كانت نصيبك." "والخير ليك." أدم بتساؤل: "إيه ده؟ متضايق ليش؟ جمّدت حاجبيها وهي تقول باستغراب: هتضايق من إيه؟ ادم ببساطة: توقعت مثلاً إنك تعملي زي ما بشوف في المسلسلات. وتقولي: "هم أصلاً كانوا يطولوا ولا يحلموا؟ "المفروض يوافقوا على طول." "هو أنا ابني أي حد؟ "ده أنتِ ألف واحدة تتمناك." ضحكت أمه وهي تقول: "هو فعلاً في ناس كده."

"بس أنا زي ما قلت لك، بحط ابني أو بنتي مكان اللي قدامي." "لو رضيته عليهم، برضاه على اللي قدامي." "والعكس صحيح." "وكمان هم من حقهم ياخدوا فرصة يفكروا ويسألوا عليك." "في الأول والآخر دي بنتهم." ادم بهدوء: ربنا يقدم الخير يا أمي. دعواتك. ردت بحب: ربنا يرزقك السعادة يا ابني. يا رب يا حبيبي. وأكملت: قومي يلا عشان تفطري وبعدين تتوكلي على الله. مش عايزة تتأخري على العيادة. ابتسم لها وكاد أن يتحرك. إلا أنه اقترب منها

يضمها لحضانه وهو يقول بحب: شكراً. ضمته هي لصدرها وهي تقول بتأكيد: معنديش حاجة أهم من سعادتك. ربنا يرزقك بيها يا حبيبي لو كانت نصيبك. ولو كانت سعادتك. ................................... دلف أحمد للمطبخ وهو يقول: يلا سحر خلينا نفطر. عشان كله يشوف وراه إيه. أومأت له وهي تشير للجميع بالخروج. وحملت باقي الأطباق. ونظرت له وهي تقول بتساؤل وهي تراه يخرج من المطبخ: مين كان على الباب؟ رد عليها

بهدوء وهو يتوجه للطاولة: ده واحد من سكان العمارة. يلا اقعدي. اقعدوا يا ولاد. شعرت سحر أنه يحاول تجنب الإجابة أمام الجميع. لذا صمتت منتظرة أن يكونوا بمفردهم. وانضمت لهم في جو هادئ وأسري. وهي تقول: مين عنده دروس النهارده؟ أجابتها مروة سريعاً: أنا وحبيبة يا طنط. عندنا درس فيزياء. وبعدين أحياء. سحر بهدوء: الاثنين ورا بعض؟ حبيبة: لا، في فاصل ساعة. هنقعدها في السنتر ناكل أي حاجة ونفصل عشان نقدر نركز.

حنان بهدوء: خلوا بالكم من نفسكم. حاضر. قالتها كل من حبيبة ومروة. لتردف سحر: متسيبوش بعض يا مروة. مطرح ما تروحوا سوا. أنا وأمك بنبقى على أعصابنا وأنتم بره. ولما تخلصوا متتحركوش، عمو أحمد هييجي ياخدكم. أومأوا لها موافقين. لتنظر إلى الصغار الثلاثة، أولاد حنان، وهي تقول بحنان: وأنتم كمان؟ في دروس النهارده؟ عليها عبد السلام بطفولة: بس أنا معملتش الواجب. كادت حنان أن توبخه،

لتمنعها سحر وهي تقول: بعد الفطار هنقعد أنا وأنت ونعمله. أومأ لها وهو يبتسم بسعادة. فقد بدأ يحصل أخيراً على اهتمام أحدهم. لتلتفت إلى حازم وعزت وهي تقول: وأنتم عملتوا إيه؟ حازم بسرعة: أنا عملت. تبعه عزت هو الآخر: وأنا كمان يا طنط عملت الواجب. والمرة اللي فاتت خدت نجمة. والميس قالت لي شاطر. سحر بحنان وهي تضمه: يا حبيبي شاطر. وأكملت وهي تشير إلى إخوته: كلكم شاطرين. وأنا هجيب لكم اللي نفسكم فيه. وكان الرد صادم للجميع.

وتحديداً حنان التي شحبَت ملامحها وهي تستمع إلى عزت، وهو أصغر أطفالها. وهو يقول برجاء: أنا عايز أشوف بابا. .................................... أظلمت عيني فيروزة وهي تستمع إلى رجاء أخيها الصغير بقلب متألم. وكادت أن ترد ليسبقها أخوها عبد السلام وهو يقول ببكاء: لا بابا وحش. بابا كان بيضرب ماما ويخليها تعيط كتير. مش عايزين نشوفه. اتسعت عينا حنان بذهول وهي تستمع إلى لهجته الحادة، غير مناسبة لسنه أبداً،

حتى أنها صرخت فيه: عبد السلام! إيه قلة الأدب دي؟ صرخ الصغير: أنا بكرهه! لم تشعر بنفسها سوى ودموعها تهبط بقوة. ولم تشعر بنفسها سوى وهي تضمه لصدرها. لا تعلم لما شعرت أنه لا يحتاج إلى صفعة، بل إلى ضمة. بكت نادمة على سنوات ذاقت فيهم الويل. حتى أطفالها لم يسلموا. بكت أكثر وهي تستمع إلى عزت الصغير وهو يقول بدموع هو الآخر: هي ماما بتعيط ليه؟ خلاص مش عايز أشوف بابا. بس بلاش تعيطي. قالها وهو يحتوي وجهها بين كفاه الصغيرين.

بكى الجميع متأثرين بذاك الموقف. بكت مروة في أحضان شقيقتها بقوة. واحتضنت سحر حازم بقوة. وهي تفكر. أن عبد السلام لن ينسى تصرفات و إهانات والده أبداً. الصغير رأى أكثر مما ينبغي أن يرى. حتى وصل الأمر إلى الكره. أغمض أحمد عينيه بغضب. فأثر محمد ما زال كأنه هنا. أحمق دمر أبناءه بيده. بكل غباء. دمر كل شيء. حتى أطفاله. فتح عينيه وهو يشير لسحر أن تتصرف. وكانت فعلاً قد احتوت الموقف. وتوقف الجميع عن البكاء.

وانزوى الصغير عبد السلام كعادته. عقد أحمد حاجبيه بضيق وهو يفكر. كيف لم يلاحظ أن الصغير متأذٍ لتلك الدرجة. تنهد بتعب وعزم على اصطحابه إلى طبيب نفسي في أقرب فرصة. فالصغير مدمر. بل الجميع مدمر. والسبب واحد. محمد. ....................................... رحلت مروة وحبيبة. بعد أن تأكدت سحر أنهم بخير. دَلفت حنان لغرفتها بصمت قاتل يمزق القلوب. فانفجر الصغير ألم الجميع، لكن كانت هي أول المتألمين.

أنهت سحر وفيروزة تنظيف الطاولة سريعاً. وظلت سحر تنظر لفيروزة الشاردة. إلى أن قالت بهدوء: مفيش شغل النهارده. مش هنعمل حاجة في المطبخ. اللحمة والشوربة والرز موجودين، واقفين على التسخين بس. فيروزة بتعب: تمام. سحر بحنان محاولة التخفيف عنها: إيه رأيك تعملي حاجة جديدة النهارده؟ فيروزة: زي إيه؟ سحر: أوضة حبيبة فيها مكتبة. ادخلي اختاري كتاب لو حابة، واعملي فنجان نسكافيه أو شاي، واقعدي في البلكونة على رواقة شوية، وهجيلك.

فيروزة بشرود: فكرة جميلة. هدخل أختار واحد، عن إذنك. أومأت لها سحر. وهي تنظر لها بحزن. تنهدت بتعب. وأسرعت تدلف الغرفة خلف زوجها سريعاً. دَلفت للغرفة لتجده يحضر نفسه للذهاب للعمل، ويبدو على وجهه علامات الضيق والشرود. اقتربت منه وهي تقول بخفوت: أحمد. نظر لها وهو يقول: عبد السلام وعزت وحنان عاملين إيه؟ سحر بحزن: مش عارفة. أنا مكنتش متخيلة إن الوضع يوصل لهنا. الله يسامحه أخوك، دمر العيال. أحمد بتعب: آه والله.

مش فاهمة كان بيستفاد إيه. ادي الواد كرهه. سحر بهدوء: أظن عبد السلام محتاج يروح لدكتور نفسي. أحمد بموافقة: لسه كنت بفكر. بإذن الله هحجز له. مش هينفع يفضل كده. لازم يتابع مع دكتور كويس. سحر بحنان: كله هيهون. صدقيني خير. الشهر الكريم قرب، وهيهل معاه كل الخير. أحمد بابتسامة متعبة: ربنا يعود علينا الأيام بخير يا رب. سحر: آمين يا رب العالمين. وأكملت: كنت عايزة أقول لك إن طالما عزت طلب يشوف أبوه. لازم نخليه يشوفه.

بدل ما يترسخ في عقله إن أبوه وحش. هو آه وحش، بس مينفعش نثبت له ده. مهما حصل هيفضل للأسف أبوهم. أحمد بقلب متعب: عارف والله يا سحر. أنا كل يوم بتصل بيه، بس مفيش رد. تقريباً بيتجاهل اتصالي عشان متخانقش معاه. ربنا يقدم الخير، هبقى أخده يشوفه بإذن الله. أومأت له بهدوء. إلا أنها قالت متذكرة: صح، نسيت أحكيلك اللي حصل امبارح. وقصت له ما أخبرتها إياه فيروزة بخصوص العمل والتغيير من حياتها.

دون الدخول في التفاصيل حفاظاً واحتراماً لخصوصية مشاعرها. تنهد أحمد وهو يقول: تمام. معاكي الفلوس، اعملي كل اللي هي حابة تعمله، المهم تكون مرتاحة وسعيدة، ده أهم حاجة عندي وبس. وأنا النهارده هكلم واحد صاحبي، وإن شاء الله يلاقي لها شغل. سحر بأمل: بإذن الله. وأكملت بسرعة: آه صح، مين كان على الباب؟ جلس أحمد على الفراش وهو يرتدي حذاءه ويقول: آدم. اتسعت عينا سحر وهي تقول: آدم! كان عايز إيه؟ مش قلت امبارح إنك رفضت؟

أحمد بتأكيد: قلت، بس قلت بناءً على ملامحه ورد فعله. سحر: أومال عايز إيه؟ أحمد: عايز معاد ييجي يتقدم لفيروزة. ضحكت سحر بفرحة. وجلست بجانبه وهي تقول: بجد؟ ما شاء الله تبارك الله. الحمد لله يا حبيبي، مش قلت لك لو نصيبها أكيد هيوافق. ووقفت بحماس وهي تقول: طيب قولي، حددت معاد؟ هيجوا إمتى؟ أحمد بهدوء: استهدي بالله بس. محددتوش طبعاً. سحر بغيظ: ليه يا راجل؟ أحمد بضحك: إنتي عايزة شقلب واجري؟ مش لما نقول لحنان الأول.

وناخد رأي فيروزة. سحر بتأكيد: أيوه صح، أنا نسيت. فعلاً لازم حنان تعرف. طيب هتقولهم إمتى؟ أحمد: كنت عايز دلوقتي. عشان أسيبهم يفكروا براحتهم. بس مش هينفع عشان اللي حصل. أنا كده كده مش هتأخر. هخلص كام حاجة وارجع. وابقى أقولهم. سحر بابتسامة: خير، صدقيني. ربنا هيرزقها ويفرح قلبها. أومأ لها أحمد وهو يقول بتعب: معلش يا حبيبتي، اعملي لي شاي قبل ما أنزل عشان دماغي مصدعة. قبلته من وجنته وهي تقول بحب: بس كده، عيوني.

وغادرت سريعاً. وظل هو يفكر في القادم. .................................... في غرفة حنان. كانت تجلس على الفراش تنظر إلى اللا شيء. تفكر بتعب وإرهاق وقلب متألم، إلى أي حال وصل حالها وحال أطفالها الصغار. إلى أي حال ذهبت بقدميها. ألقت بنفسها إلى النار. واحترق قلبها وأطفالها. هي السبب. صمتت سنوات وسنوات. صمتت عن ذلك الذل والإهانة. عن تلك الكلمات القبيحة. عن كل تلك القذارة التي كان يفعلها.

حتى وإن كان محمد مُخطئاً، وهو العامل الرئيسي في دمار أسرتها واستغلال ضعفه. بسبب غبائه وجحوده. فهي أيضاً ليست بريئة أبداً. يكفي أنها كانت ضعيفة. ستظل هي السبب، صمتت، تغافلت، وكان هذا بأكبر خطيئة. نسيت أن أطفالها هم أول المتحطميين، وليس هي. في البداية فيروزة وما حدث لها. زواجها من عادل مرر حياتها وحولها لجحيم. وحياتها مع زينب دمرتها. حتى انتهى الأمر بطلاقها. حتى حصلت على ذلك اللقب العقيم الذي سيظل يلازمها إلى النهاية.

تلك الحياة. حياة لم تحمل لصغيرتها سوى الألم والإرهاق والأيام البائسة الناقمة. وعندما ظنت أن الحياة تبتسم لها. حدث ما حدث. وأتى دور عبد السلام، صغيرها البالغ من العمر عشر سنوات. فقط عشر سنوات. ماذا يعرف عن الكره حتى يكره والده؟ صغيرها الذي كان لا بد أن يحيا حياة هادئة مليئة بالسعادة. حياة أخرى مليئة بالمشاكل. أغمضت عينيها والدموع تأخذ مجراها. وهي توقن أنها تدفع ثمن كل لحظة صمت. كل لحظة خضوع لذلك الذي كان زوجها.

دفعتها في ابنتها أولاً. وها هو عبد السلام ثانياً. والله أعلم من سيصبح ثالثاً. شهقت بقوة ودموعها تأبى التوقف وهي تقبض على يدها بقوة متخيلة أن يدفع جميع أبنائها ثمن ما فعلته طوال تلك السنوات. يا رب يا رب. رحمتك يا رب. قالتها برجاء وقهر وقلب محترق. ......................................... في الشرفة. جلست فيروزة بجانبها كوب الشاي بالنعناع. تحمل بين يديها أحد الكتب.

تحديداً رواية وجدتها وسط العديد من الروايات التي تخص حبيبة. بدأت فيها واندَمجت قليلاً وعاشت في مكان غير المكان. وأخذتها تلك الرواية لعالم تمنت أن تحصل عليه يوماً ما. لكن قاطعها قدوم سحر المبتسمة وهي تقول: شاي بالنعناع من غيري؟ أسرعت فيروزة تترك الكتاب لكي تحضر لها، لكن منعتها سحر وهي تقول ممازحة: يا بنتي بهزر. مش هتبطلي تاخدي كلامي كله بشكل جدي كده. هروح أجيب صينية الشاي كلها والسبرتايه وأجي. نتمشى سوا.

وفعلاً ذهبت وعادت بعد خمس دقائق تحمل تلك الصينية المشهورة بالمنزل. فهي كبيرة تحمل كل أنواع المشروبات. شاي، قهوة، شاي أخضر وبالمنكهات وسكر. والفناجين وأخيراً السبرتايه. وضعت سحر لنفسها كوب شاي بالنعناع وهي تشرب بتلذذ قائلة: ياااه الواحد مش عارف من غير القعدة دي كان عمل إيه. فيروزة بتأكيد: الحقيقة معاكي حق، القعدة دي بتخلي الواحد في مكان تاني خالص. تحديداً إن منك للبحر، الجو والمنظر روعة. يخطفك كده خطف.

سحر بستمتاع: ولسه في رمضان. بنفطر هنا بقى، لا تقولي لي شقة ولا بتاع. وبنفضل قاعدين طول اليوم. فيروزة بشرود: تعرفي يا طنط. كل رمضان بابا كان بيتعمد يكسر فرحتنا بيه. كان يتعمد قبل الفطار يعمل خناقة عشان محدش ياكل. ويعمل خناقة كبيرة أوي مع ماما تنتهي بضربها على حجج ملهاش لازمة. زي العصير مش ساقع. الأكل مش سخن. فين الملح؟ أسباب تافهة. كانت بس حجج عشان يكسر فرحتنا. وأكملت بألم: كانت أيام. الله لا يعيدها.

اختفت ابتسامة سحر بألم. وهي تشعر أنها تموت قهراً على تلك الأسرة. التي تحملت أكثر بكثير مما كانت تعلمه هي وأحمد. يوم تلو الآخر تكشف حقيقة محمد الأبشع من البشاعة. وتعلم أن الحياة معه كانت مستحيلة. ابتلعت تلك الغصة في حلقها. وهي ترد ممازحة محاولة التخفيف عنها: متيجي أعمل لك تسريحة. فيروزة باستغراب: تسريحة إيه؟ سحر بتأكيد: مش عارفة. روحي هاتي المشط وشوية توك. وتعالي نفنن في شعرك. البت حبيبة دايماً بتتحايل عليّ أعملها.

من كتر ما أنا شاطرة. ابتسمت لها فيروزة بحماس وهي تسرع لتأتي بالمطلوب. وظلت سحر تتنهد بتعب. داعِية أن تحصل تلك الصغيرة على السعادة. ولو مرة. ................................. بعد ساعة. التفتت فيروزة حول نفسها تشاهد مظهر خصلاتها الجديدة على هيئة ضفائر مرتبة. مهندمة. جعلت مظهرها غاية في الجمال والطفولة. ابتسمت فيروزة أكثر وهي تتحسس شعرها بفرحة. كطفلة سعيدة. سحر بابتسامة: عجبتك التسريحة؟

فيروزة وهي تتأمل شعرها: حلو أوي أوي. وأكملت وهي تحتضنها بسعادة أكبر: شكراً أوي يا طنط، ربنا يخليكي ليا يا رب. وأكملت بتأكيد: ليها حق حبيبة تتحايل عليكي. دي روعة. قالتها بعيون تلمع. ابتسمت سحر بسعادة وهي تفكر. ففيروزة يسعدها ولو القليل. ولم تطلب الكثير. فهل هذا كثير؟ ..................................... في منزل أم عبد الرحمن. كانت مسطحة على فراشها بإرهاق. تشعر أنها ليست بخير. تشعر أنها مخطئة لكن تكابر. تريد ولا تريد.

تريد السعادة لابنها، ولدها الوحيد، قُرة عينها. ولا تريد فيروزة لكونها مطلقة. كيف يريدون منها أن تقبل؟ هو ابنها الوحيد. أمن العدل أن تكون أول فرحتها بزوجة سبق لها الزواج؟ هذا حرام. لما هي المخطئة؟ هي فقط تريد فتاة وليست امرأة. تنهدت بتعب وهي تعيد الاتصال بعبد الرحمن. لكن كالعادة منذ الصباح مغلق. هاتفها أمس أكثر من مرة. اطمأن عليها. وحينما طلبت رؤيته. تردد قليلاً قبل أن يخبرها أنه سيأتيها في أقرب وقت. ظنت أنه اليوم.

لكن لم يأتي إلى الآن. لم يأتي. وهي هنا بمفردها. لطالما اقترح عليها أن يأتي بمن تظل معها. لكنها لا تريد. تريده هو، ولدها. ....................................... في عمل عبد الرحمن. كان منكب على الكثير من الأعمال. يلعن داخله العمل وصاحب العمل. فبسبب شجار نشب بين الموظفين تدخل هو لحله. انكسر هاتفه. ليست تلك المشكلة. لكن ليس هناك وقت حالياً لشراء آخر. مضطر أن ينتظر إلى أن ينتهي الدوام حتى يذهب. غامت عيناه وهو يفكر.

إلى أين الطريق الآن؟ كم مرت أيام. لا يعلم، لم يعد يحسب. لكن ربما مر الكثير، هو يشعر بهذا. يشعر أنها سنوات أخرى تسرق من عمره أمام عينيه، ويقف هو ينظر لها بحسرة. أغمض عينيه بتعب وهو يستمع إلى آذان الظهر. ترك ما في يده سريعاً وهو يسرع للمسجد. فصلاته أولاً وآخراً. مهما كان منشغلاً. توضأ ودلف إلى المسجد. صلى الظهر. وظل مكانه لا يريد أن يتحرك. هنا يشعر بالراحة، هنا يجد السكينة لقلبه.

ولم يجد نفسه سوى وهو يكبر ويصلي ركعتين لله بنية قضاء حاجته. لم يعرف كم بقي يصلي. لكن يعرف أنه دعا كثيراً بقلب يحترق. وتلك الدموع التي لا تسقط إلا للعزيز. سقطت وأعلنت أنها لن تصمد أكثر. بكى دون خوف أن يسمعه أحد. دعا لله ولم يرد سوى أن يسمعه الله. دعا أن يدله الله على الطريق الصحيح. فكم من الصعب أن يوضع في الاختيار. بين بر والدته. والمرأة التي أحبها. كلاهما موت بلا الأخرى. كيف يحيا دون رضى أمه حبيبته؟

تلك المرأة التي ضحت بسنوات عمرها لأجله. كم أعطته دون مقابل؟ أعطته ولم تنتظر أبداً. كيف له أن يتركها، أن يخذلها؟ والأخرى. هل يتزوج غيرها فيظلمها ويظلم نفسه؟ هل يظل أعزباً مقطوع النسل لكونه لا يستطيع أن يكون مع غيرها؟ دعا ودعا. حتى انتهى. انتهت الركعتين. وآخر دعوة قالها: اللهم أرح قلبي. ولأنه الله سيستجيب. ........................................... في عمل محمود. كان يقدم على سلفة ضخمة لأجل زواجه بمجيدة.

فطلبات خالته لا تنتهي. وأمه والغريب أنها مؤيدة بحجة: كل حاجة هترجع لك لما تكون في بيتك يا خايب. وهو ينفذ كالعمى. ظناً منه أنها ربما تكون زَيجة العمر كما تخبره أمه. مجيدة تلك التي أسَرته في أحلامه لأول مرة. أرادت أن يقع في شباكها، ويبدو أنها نجحت. فمحمود وقع. وقع على وجهه كالأحمق. تنهد بتعب وهو يمضي على تلك الإيصالات لاستلام المال. استلم الشيك وعاد إلى مكتبه. مُفرحاً أمه أنه حصل على المال. لشراء شبكة مجيدة.

تلك الشعْلة النارية التي يتوق للحصول على دفئها بأسرع وقت. نسي أن القرب من النار لا يدفئ فقط. بل يحرق. وربما حان موعد حرقه. ............................. في منزل أم محمود. جلست أمام مجيدة وأختها. وهي تقول بفخر: محمود جهز الفلوس. نقدر في أي وقت نشتري الدهب. ابتسمت أختها بسعادة وهي تقول: خلاص على خيرة الله. ننزل بكرة نشتريه. أم محمود باستغراب: بسرعة كده؟ ردت أختها بمكر: العريس والعروسة وموجودين. والفلوس خلاص اتحلت.

يبقى نستنى إيه؟ خير البر عاجله. أم محمود باقتناع: خلاص على خيرة الله. لما محمود يجي من الشغل هبلغه. وأكملت بسعادة وهي تحتضن مجيدة: مستنية اليوم اللي تنوري بيتي يا مرات ابني. ابتسمت مجيدة بحقد. وهي تردد داخلها بكره: ولسه الدور عليكي يا خالتي. هحرقكم كلكم بنار اللي كويتو ني بيها. ................................ في منزل زينب. تحديداً في غرفة فاطمة ووفاء. كانت وفاء تجلس تنظر إلى أوراق تنازل أمها

عن الأملاك بتشفي وهي تقول: أمك طلعت غبية أوي. فاطمة بتردد: أنا خايفة. وفاء باستغراب: من إيه؟ فاطمة بتأكيد: من أمك. إنتي فاكرة أمك سهلة؟ لو عرفت هتطربق الدنيا على دماغنا. وأكملت بخوف: ومش بعيد تبوظ الجوازة. وإحنا ما صدقنا. إنتي ناسيه كانت بتعمل إيه؟ كانت بتتعمد ترفض عشان نفضل جنبها. سنين وإحنا قاعدين مخللين جنبها. بسبب أنانيتها. تظني اللي زيها هيسيبنا في حالنا؟ وفاء بتأكيد: هي مش هيكون عندها القدرة وقتها حتى يا فاطمة.

متشغليش بالك. أمك هتكون خلصت خالص. لا هتهش ولا تنش. فاطمة بخوف: إنتي ناوية على إيه يا وفاء؟ إنتي هتعملي إيه لأمك؟ وفاء بشر: هاخد حق سنين عمري اللي ضاعت. هخليها تدفع الثمن غالي أوي. .................................... في منزل هبة. كانت مسطحة على الفراش. وبجانبها يلعب الصغار حسن وحسين وقد عادت لهم صحتهم والحمد لله. وكم بكت وهي تراهم بخير أمام عينيها.

دمعت عينا وهي تداعب خصلات الصغيرة النائمة جوارها. تحرك يدها في الهواء تدعوها للعب هي الأخرى. ضمتها إلى صدرها. وهي تقول بخفوت: قلبي جعان. جعان يا روح ماما إنتي. اتسعت عينا وهي ترى اقتراب الصغيرين منها بسرعة بمجرد اقترابها من مليكة. الصغار يغارون منها. اتسعت عيناها وهي تراهم يحاولون الصعود على الفراش. كادت أن تساعدهم. لكن منعها دخول أسماء وهي تقول: مش قلنا بلاش جهد؟ أنا هطلعهم.

صعد الصغيران بسرعة ولهفة وهم يلقون بأنفسهم فوقها. ضحكت أسماء بقوة وهي تقول: معقول. هبة بسرعة: هم بيغيروا. أسماء وهي تحمل الصغيرة مليكة تضمها إلى صدرها: أيوه تقريباً من مليكة. هبة بهدوء: هحاول محسسهمش بفرق. هم ومليكة واحد. وأكملت: معلش يا أسماء. مليكة باين عايزة ترضع. حطلها ببرونة. أصلاً أنا زعلانة من وقت ما الدكتورة قالت لي أوقف رضاعة عشان الحمل. أومأت لها أسماء وهي تقول: يا بنتي ده الصح.

معلش الحمد لله مليكة اتقبلت الصناعي. هبة بشرود: الحمد لله. وأكملت بتسرع: أسماء. التفتت لها أسماء وهي تقول: أيوه. هبة بخفوت: احكي لي عن ماما مليكة. نظرت لها أسماء بشفقة. وهي تجلس تطعم الصغيرة وتحكي لها. كل ما يخص ماضي يحيى. وليتها لم تعلم. يحب زوجته الراحلة. بل يعشقها. والكلمة كانت قاتلة. ................................. في المساء. تحديداً في منزل أحمد. عاد أحمد أخيراً من العمل. اجتمع الجميع على طاولة الطعام.

تناولوا الطعام والفاكهة. ليدخل الأولاد جميعاً لغرفهم. ويظل فقط هو وزوجته. وحنان وفيروزة. ارتشف أحمد من كوب الشاي وهو يقول: كنت حابب أقول لك حاجة يا حنان. وإنتي يا فيروزة. تركت حنان ما في يدها وهي تقول: أكيد في حاجة ولا إيه؟ أحمد بهدوء وهو ينظر إلى سحر: فيروزة متقدم لها عريس. اتسعت عينا حنان وهي تنظر لفيروزة بسعادة. وفرحة وتقول: بجد؟ مين؟ إحنا نعرفه؟ أحمد بهدوء: آه أعرفه. هو دكتور أعزب.

جارنا في العمارة هنا عايش مع والدته. اسمه آدم. حنان بذهول: أعزب؟ وأكملت بتردد: عارف يعني إن فيروزة. أحمد مقاطعاً إياها: آه وموافق كمان. معندوش أي مشكلة. والتفتت ينظر لفيروزة. تلك التي تحجرت في مكانها. تنظر لهم بهلع ورفض وتعب. لا لا، ألم يرفض؟ كيف وافق مرة أخرى؟ صراع قاتل داخلها. هي. هي لا تريد. هي تحب آخر. حتى وإن لم يكن نصيبها، هي لا لن تريد سواه. لن تتزوج مرة أخرى سواه. هل لن ترفضه رداً لكبريائها أبداً؟ والله.

سترفض لحبها. وعشقها. عشقها لعبد الرحمن. لذلك ردت بقوة: أنا مش موافقة يا عمو. وكان ردها حاسم. .................................. اتسعت عينا حنان بصددمة وهي تقول: ليه يا فيروزة؟ بيقول لك دكتور. واكيد عمك مش هيقولنا غير لو حد كويس. صح يا أحمد؟ قالتها وهي تحدث أحمد. أحمد بتأكيد: هو من ناحية كويس، فـ هو كويس. الشاب كويس جداً كمان. بس ليه رافضة يا فيروزة؟ إنتي حتى متعرفيهوش.

فيروزة بدموع: أنا مش عايزة، مش عايزة يا عمو، ارجوك. ارجوكم متغصبونيش. احتضنتها سحر بقوة وهي تقول: خلاص يا جماعة نتكلم وقت تاني في الموضوع ده. كادت حنان أن تتكلم لكي تفيق ابنتها. وتخبرها أن توافق على تلك الفرصة. لكن سحر منعتها وكأنها فهمت ما ستفعل. أمسكت يدها وهي تهز رأسها برفض وخوف. وخضعت حنان للمرة الأولى. وكان في داخلها شيء يخبرُها أن هذا الأصح. حتى وإن لم تكن ترى هذا. .................................

انتهت فيروزة من البكاء. وعم الصمت لم يستطع أحد قطعه. فرفض فيروزة غريب. لم يفهمه أحد. إلا واحد فقط. نظرت لها سحر وهي تؤقن أن قلب فيروزة معلق بآخر، تثق مليون في المائة من هذا التخمين. رفعت حاجبها بفكرة وهي تقول فجأة: أنا عندي فكرة. أحمد بهدوء: فكرة إيه؟ سحر بحماس: فاضل على رمضان أيام معدودة، وكنت وعدتني نجيب حاجة رمضان من هناك. إيه رأيك نسافر كلنا؟ نغير جو. نجيب الناقص. وبالمرة نخلي عزت يشوف باباه.

قالتها بخفوت وهي تنظر لحنان. التي أصرت الصمت. أحمد بتفكير: أنا فعلاً كنت هقول لك إني هسافر بكرة عشان صاحب الشقة اللي هنشتريها. في القاهرة، وقالي مش هيرجع هنا غير بعد رمضان. فقلت أنزل أخلص وأتفق معاه ونخلص. سحر بحماس: حلو جداً. بس اجرِ لنا شقة يومين عشان إحنا كتير. ولازم يكون في شقة. أحمد بحزم: هتسافري إزاي وإنتي حامل كده؟ الدكتورة أكيد هترفض. سحر برجاء: عشان خاطري، عشان خاطري. أنا هكلمها أسألها.

عشان خاطري يا أحمد، عايزة أفسح الولاد وأجيب حاجة رمضان. تنهد أحمد بتعب وهو يقول: لو الدكتور وافقت. وهكلمها بنفسي أتأكد. ابتسمت سحر بحماس وطاقة. وأسرعت في مهاتفة الطبيبة وإخبار الأطفال. وفي تلك اللحظة. كانت لكل منهم مشاعره الخاصة. مشاعر مضطربة، ولكل منهم سبب مختلف. .................................... في الصباح الباكر. في سيارة أحمد. كان يقود متوجهاً نحو القاهرة. بعد أن سمحت الطبيبة لسحر بالسفر.

لكن بالقطار وليس بالسيارة. وبالراحة التامة. ليقرر أن يذهب هو وعزت وفيروزة بالسيارة. فـ عزت بحاجة للقاء والده. وفيروزة بحاجة لبعض الأغراض من المنزل. وظل الصغار وحنان وسحر بالقطار. لكن بالطبع سيصلون بعدهم بمدة طويلة. فالقطار سيأخذ مدة أطول. ركز على الطريق. وبجانبه كانت تجلس فيروزة تحمل هم اللقاء. تتمنى أن تلقاه. تتمنى من كل قلبها. ......................................... بعد عدة ساعات. وصل أحمد أخيراً أمام منزل شقيقه.

ترجل من السيارة. وخلفه فيروزة وعزت. صعدوا الطابق الأول. لترد فيروزة متذكرة: يا ربي، نسيت الشنطة. اللي هعبي فيها الحاجات. أحمد: طيب اطلعي، وأنا هجيبها. رفضت قائلة: لا عادي، أنا هنزل أجيبها. أعطاها المفتاح. لتعود أدراجها للأسفل. ويصعد هو وعزت للشقة. وقف أمام الباب يدق عليه. لم يمر الكثير، وفتح له الباب. لكن لم يكن شقيقه. بل كانت شابة صغيرة في السن. ترتدي قميص نوم ولا ترتدي حجاب. اخفض نظره سريعاً. وهو يحاول أن ينطق.

لكن لا يجد حديث. فلم يجد أن يقول سوى: ده بيت محمد. ردت المرأة بهدوء مستفز: آه، حضرتك مين؟ رفع أحمد عينيه بغضب وهو يقول: إنتِ اللي مين؟ ده بيت أخويا. ارتفع حاجبها بقوة. وردت بغضب: أنا مراته. مرات أخوك. وخلفها كان يقف محمد ينظر له بوجوم وهو يرد بصددمة: أحمد. ........................................ أتت بالحقيبة وعادت لتصعد مرة أخرى. لكن استوقفها صوت غريب. يبدو كبكاء. صوت متحشرج.

والصدمة أنها تأتي من شقة والده عبد الرحمن. اقتربت سريعاً وهي تدق على الباب الذي فتح أمامها كأنه غير مغلق. اندفعت فيروزة سريعاً تشهق بقوة وهي ترى والدة عبد الرحمن ساقطة أرضاً. اندفعت نحوها تصرخ وهي تقول برعب: طنط، حصل إيه؟ أتاها الصوت الباكي الواهن: الحقيني، الحقيني يا فيروزة. هموت. رفعت فيروزة رأسها تضمها وهي لا تدري ما تفعل. كادت أن تصرخ منادية عمها.

إلا أنها صعقت وتصنمت محلها وهي تستمع إلى صوت حبيب لم ولن تنساه للحظة ينطق باسمها بصددمة وذهول: فيروزة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...