الفصل 29 | من 34 فصل

رواية ظلمت لكونها انثى الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم عفاف شريف

المشاهدات
25
كلمة
4,906
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 85%
حجم الخط: 18

تسمرت قدماه في تلك اللحظة وهو ينظر لها بغير تصديق. شعر أن قلبه توقف للحظة وعاد ينبض من جديد. تنفس بإضطراب وهو ينظر إليها بقوة وذهول وصد/مه والكثير والكثير من المشاعر المبعثرة التي لا يستطيع أبداً أن يعدها. عيناه تخترق روحها. يتفحصها مراراً وتكراراً بغير تصديق. رفض أن يصدق فيتألم مرة أخرى. رافضاً تصديق أنها هنا. هل هي هنا؟ سؤال تردد وتردد بداخله. خائفاً من الإجابة. لكنه يريدها وبقوة. اضطربت عيناه بتشتت أكبر وهو يردد:

هل يتوهم؟ هل يتخيل؟ أغمض عينيه بقوة وعاد ليفتحهما من جديد. وهو يهمس لنفسه: هل وصل به الأمر أن يهذي بتلك الطريقة؟ أن يهذي ويراها بقلبه ناسياً أنه لا يكفي. هو يريدها في أرض الواقع. لا يريد تخيلاً. هو لا يريد سوى الحقيقة فقط. أم أن... أم أن ما يراه ليس بخيال بل مجرد حقيقة. مجرد واقع. وهناك أمامه تجلس فيروزة أرضاً تضم أمه إلى صدرها. فيروزة هنا. فيروزة هنا. ظل يرددها في عقله لعله يصدق. وبعد عدة ثوانٍ من الصدمة. صدق.

فيروزة هنا. فيروزة هنا بحق. وهنا وفي تلك اللحظة تحديداً. اختفت الأصوات. خفتت وخفتت واختفت تمام. كغرفة فارغة لا يوجد بها أحد. اختفى كل شيء. صوته وصوتها. حتى صوت أمه. لم يبقَ سوى صوت أنفاسه الهادرة المتوترة والغير مصدقة. وقلبه الثائر العاشق لتلك المرأة التي أمامه. فيروزة. والاسم يكفي. حبيبته وامرأته هنا. هنا أمامه. وأخيراً. نقل عينيه بشوق لم ولن يقدر على إخفائه أبداً. وهو يتفحصها بدقة وحب.

لم يهتم لأي شيء في تلك اللحظة. سوا أنها هنا. هنا فقط. فيروزة أمامه بشحمها ولحمها. والأهم بروحها. وقلبها. فجأة وبدون مقدمات أصبحت هنا. شقت ابتسامة ساحرة وجهه المتعب. وهو يتأملها. نسمات الهواء تداعب وجهها المحبب إلى قلبه. وخصلة صغيرة تحررت من حجابها فأصبحت تتحرك على وجهها بتحرر. عيونها المتسعة والغير مصدقة وجوده من الأساس. ووجنتاها المحمرتان بتلك الحمرة الخفيفة ولولا تدقيقه بوجهها لما رآها. وفي تلك اللحظة.

لم يعد يرى سواها. ولم تعد ترى سواه. صمتت الألسنة. وتحدثت العيون. انتهى الكلام قبل حتى أن يبدأ. فما حاجة الكلام في تلك اللحظة. لحظة اللقاء وما أجملها بل وأروعها. شعر في تلك اللحظة أنه يضمها. ليس بجسده. بل بقلبه. يضمها بعينه. يضمها بقوة يريد دسها في قلبه. وسيكون هذا أكثر من كافٍ. ابتسم أكثر. وهو يردد: لا شيء مهم. فالأهم أن فيروزة هنا. هنا أخيراً. وبعد طول انتظار. أما هي فلم يكن حالها أفضل منه أبداً.

بل كانت أكثر منه بكثير. فالصدمة ألجمت لسانها. بل وعقدته بألف عقدة معقدة. وهي تتفحصه بغير تصديق. وعيون تلمع وتلمع بعشقه. تدقق النظر في كل شبر من ملامحه. تحفظها عن ظهر قلب. تحفظ تلك الصور. بل وترسخها بقلبها قبل عقلها. فلا تدري متى سيكون لقاؤهم القادم. ربما بعد شهر، اثنين، ثلاث. أو سنة. وربما سنوات. لا تعلم ولا تريد أن تعلم. ربما المرة القادمة يكون مرتبطاً. أو... متزوجاً. متزوجاً بأحد غيرها.

امرأة أخرى تحبه وتغدقه بحبها وحنانها ودلالها. امرأة أخرى تصبح زوجته وحبيبته وكل حياته. صفحة جديدة بحياة لن تكون بها أبداً!! وربما يكون... أباً. أباً لطفل صغير جميل ولطيف يشبهه. أباً لطفل غير طفلها. ستكون حياة جديدة وسعيدة. تجمعت الدموع في عيناها وهي تشعر بقلبها ينهار. يتمزق إرباً إرباً. يتحطم. تشعر أنها تُذ/بح. تُذ/بح بد/ماء باردة. هي لا تريد. لا تريد أن ترى تلك اللحظة. لا تريد أن تراه. لن تتحمل. ألم يكفها عذاب!

ألم يكفها فقدان! ألم يكفِ إلى الآن! تجمعت في عيناها تلك الدمعات الخا/ئنة. أغمضت عيناها تمنعها من النزول بقوة. وهي تردد في داخلها: لم يكن نصيبها. لم يكن يوماً. لم يكن مقدراً لها. واستها نفسها أنها رأته قبل فراقها. رأته بعد كل هذا. فدعاؤها تحقق أخيراً. وهي ترى عبدالرحمن يقف أمامها. حقا هو أمامها. وأخيراً تحققت. تلك الدعوة التي دعتها في كل صلاة. وهي فقط أن تراه.

وها هو يقف أمامها بمظهره الخاطف لأنفاسها وروحها وأخيراً لقلبها. وسيم رغم شحوب وجهه والإرهاق البادي عليه. وطلته المميزة القريبة لقلبها مهما ارتدى من ملابس. تراه الأوسم دائماً وأبداً. تراه الأكثر جاذبية. لطالما رأته هكذا. نقلت عيناها لعينيه وهي تراه يحدق بها بقوة. لم تستطع إزاحتها. كأنه يجذبها أكثر وأكثر كلما أرادت الفرار والهروب بعيداً. الهروب من تلك المشاعر. من ذاك القلب. من هذا الحب. لكنه يعود ويجذبها. كالمغناطيس.

حاصرها بعينيه اللامعتين المحبتين. كما حاصرها قبلاً بقلبه وروحه. كم تحبه بل تعشقه. وكم تتألم. فحبه مؤلم. وليته لا تتألم. فاقَت فيروزة على صوت نداء أم عبد الرحمن المتعبة وبشدة وهي لا تستطيع التنفس بشكل جيد. تحاول التقاط أنفاسها بتعب وإرهاق شديد بادي على وجهها. فقالت بسرعة وخوف وهي يرى ملامحها الشاحبة الخائفة ومحاولتها للتنفس ووجهها يتصبب عرقاً: عبد الرحمن. عبد الرحمن الحق طنط.

أفاق الآخر من شروده واندفع يركض بسرعة وصد/مه نحو أمه الراقده أرضاً يهتف بر/عب: ماما. ماما. إيه اللي حصل. ماما ردي عليا. سمعاني. ماما انتي سمعاني. قالها وهي يمرر يده على وجهها يحاول أن يفهم ما بها. وأكمل بهلع وصر/اخ: فيروزة اطلبي الإسعاف بسرعة. وهاتي أي ريحة من جوه. قالها وهو يضم أمه لصدره بقوة وخوف يزداد مع مرور كل دقيقة. وكان الوقت لا يمر. انطلقت فيروزة تطلب الإسعاف. وتأتي بالعطر لتفيقها. لكن الأخيرة فقط تبكي.

وعبد الرحمن المر/تعب يخاف أن يحركها فتتأذى مضطراً أن ينتظر وصول الإسعاف. يتفحصها بدقة يحاول أن يفهم ما حدث. وما أثار خوفه ور/عبه. بكاء أمه الذي ازداد يعلو ويعلو. وهمسها بتعب وإعياء والغثيان يداهمها بقوة: دايخة. الحقني. مش قادرة. قالتها وهي تتحسس صدرها بقوة. اتسعت عيناه بر/عب وهو يسمع إلى همسها المتعب. تلك الهمسات كانت قادرة على رسم أبشع السيناريوهات بداخل عقله في تلك اللحظة.

وهو يتخيل أن يكون أصابها مكروه لا قدر الله. وظل يلوم نفسه. هو السبب. هو السبب. انزلقت تلك الدمعة من عينه. وهو يتخيل أن يفقدها. فجأة بدون مقدمات. ترحل من حياته. وعند تلك اللحظة انتفض بقوة يضمها أكثر. وهو يردد بخوف وملامح تنبض ر/عب من أن يفقدها لن يقوى يكفي أنه خسر أباه لن يستطيع: ماما خليكي معايا. خليكي صاحية ومركزه معايا عشان خاطري. ماما ردي عليا. ماما. ماما. ردي عليا بالله عليكي. سامحيني أنا آسف. أرجوكي ردي عليا.

أنا آسف. خليكي معايا أوعدك مستحيل أزعلك. أنا عبد الرحمن ابنك حبيبك. بالله عليكي ردي. خليكي معايا. متسيبينيش. ماما. متسيبينيش. لم تنطق بل زاد بكاؤها وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة. تدفع نفسها بسن أحضانه. تستنشق عبيره تضمه أكبر قدر ممكن. ضمها إلى صدره بر/عب. وهو يستمع إلى صوت بكائها يمزقه. والدموع تهبط من عيناها بقلب تعب وإرهاق بشدة. بكت وبكت. إلى أن صمتت فجأة. صمتت ولم تنطق. في شقة محمد.

كان لا يزال أحمد يقف في نفس مكانه. يضم الصغير عزت إليه. خائفاً من القادم. فمحمد حق/ير ويتوقع منه أي شيء وكل شيء أصبح توقع مصيبته القادمة أمر سهل. فأينما يحل تحل مصيبة ورائه. وها هي مصيبته الجديدة. وقف ينظر إليه وتلك المرأة التي أصبحت زوجته بصد/مه وذهول وتعب. لم يستطع إخفاءه. زوجته. زوجته. الكلمة ثقيلة. أي زوجة أي زوجة تلك. أخاه تزوج. تزوج ببساطة. تزوج ولم يمر الكثير على طلاقه.

وإلقائه لزوجته وأطفاله الصغار كأنهم مجرد قمامة. كأنه لم يمر بحياتهم كلهم دون استثناء. تزوج ويحيى شهر عسل مع فتاة بعمر أبنائه. تزوج وترك خلفه أطفالاً ممزقين مشتاقين لرؤيته. أو حتى سماع صوته. لقد فهم الآن. واتضحت الصورة. لهذا لا يرد عليه. لهذا يتجاهله ويتجاهل اتصالاته. كان يظن أنه يعيد حساباته. أنه يصلح من نفسه ليعود لزوجته شخصاً آخر. شخصاً أفضل. لكن محمد لن يتغير. صار أسوأ بل أبشع. كان وما زال وسيظل حق/ير.

محمد سيظل هكذا مهما مرت الأيام والشهور أو حتى السنوات. سيظل يحب نفسه فقط للأبد. سيظل ينسى أن هناك أرواحاً غيره وأن الحياة ليست له فقط. تنهد بإرهاق وهو يقول بعدم تصديق: اتجوزت. بجد. طيب. إمتى وإزاي. السؤال الأهم هنا. لمين. لواحدة من بناتك. الفرق بينك وبينها عمر بحاله. سبت مراتك وعيالك ود/مرت بيتك. عشان إيه. عشان تبني فوق الد/مار بيت جديد. انت متخيل إنك صح وإنك ماشي في الطريق الصح. انت بتعمل إيه في حياتك.

انت أكيد اتجننت يا محمد. انت اتهبلت في دماغك. إزاي تعمل كده أصلاً. طيب وحنان والعيال. نسيتهم. وأنا أخوك. انت إيه يا أخي مش هتطبل قر/ف بقى. هفضل لحد إمتى ألم قر/فك. فوق بقى يا أخي. وحس على دمك. انت إيه. قالها بصرا/خ. لينتفض الصغير عزت بر/عب وخوف يضم ساقي عمه بخوف لا يفهم شيئاً. فما يحدث أكبر وأعمق من أن يفهمه صغير مثله. بكى الصغير بضعف وخو/ف. وهو يتشبث بعمه أكثر وأكثر. خا/ئف بل مر/تعب.

لعن أحمد نفسه وهو يغمض عينيه بتعب. أنه مرهق وبشدة فحتى هو شارك في إيذاء الصغير المسكين عزت. تنهد بتعب وهو يربت على رأسه. وهو يقول بصوت حاول أن يكون هادئاً: عزت يا حبيبي ادخل أوضتك يلا. رفع الصغير رأسه من ساق عمه وهو... ينظر له بتردد وخو/ف يلمع في عينيه البريئة وهو يهز رأسه برفض ويقول بخفوت: لا أنا خايف. وأكمل بعيون بدأت في البكاء مرة أخرى: متمشيش وتسبني. أنا مش عايز أقعد هنا. أنا عايز أرجع لماما وطنط سحر.

أغمض أحمد عينيه بألم كأن الصغير صفعه على وجهه وبقوة ليقول وهو يبتلع تلك الغصة. إنحنى نحو الصغير وهو يقول بحب وهو يمسح دموعه بحنان: أو/عى تخاف إحنا قلنا إيه. عزت بطفولة: مينفعش نخاف طول ما ربنا معانا. هو هيحمينا ويحافظ علينا. وكمان مينفعش نخاف طول ما عمو أحمد موجود. عشان هو حلو وبيحب عزت أوي أوي قد البحر وسمكاته صح. لمعت عينا أحمد بتأثر وهو يضم الصغير ويقول: صح يا قلب عمو بحبك أوي أوي.

يلا ادخل الأوضة هتكلم مع بابا كلمتين بسرعة وهاجي آخدك عشان نروح سوا. وهجيبلك كل حاجة نفسك فيها. وصدقني مش همشي من غيرك. عزت بتردد: وعد. أحمد بتأكيد: وعد. أومأ له عزت وهو يدلف لغرفته سريعاً كما أخبره عمه. والتفت أحمد نحو محمد ينظر له بقر/ف وهو يقول: عايز أتكلم مع أخويا لوحدنا. نظرت له الفتاة برفض وكادت أن ترفض. ليرد محمد ويأمرها: ادخلي جوه يا شيماء. سبينا لوحدنا يلا. تأففت بغيظ وهي تدخل غرفتها. تغلق الباب خلفها بقوة.

ظل ينظر له أحمد بعيون تطلق شر/ار. والآخر ينظر له بلا مبالاة. ليقترب أحمد منه في هدوء. ويقف أمامه يتطلع إلى ملامحه بوجوم. وفجأة رفع يده لتسقط على وجنته. صافعاً إياه وبقوة. ليطلق الآخر صيحة ألم. ويرتد للخلف بصد/مه وذهول مما حدث. أخاه صفعه. أخاه ضر/به كأنه طفل صغير. كأنه يعاقبه. ليندفع يصر/خ وهو يحاول ضر/به هو الآخر. ويسبه بأبشع الألفاظ والش/تايم. لكن كان أحمد أقوى وأذكى وهو يتفادى لكماته وصفعاته.

ليلقيه على المقعد بغ/ضب وهو يقول: بس يا... غبي. هتفضل طول عمرك غبي. من وقت ما كنت طفل لحد دلوقتي. وانت زوج وأب غبي. كاد أن يرد عليه ليصر/خ به أحمد بعصبية مفرطة: اخر/س. آخر/س مش عايز أسمع صوتك. انت ازاي بالقر/ف ده. إيه القر/ف اللي انت فيه ده. إيه كمية القذ/ارة دي. إزاي قادر تكمل حياتك وتتجوز وأنت مد/مر حياة أسرة كاملة. خمسة أطفال وأمهم مد/مرون. حياتهم جح/يم. مهما حصل جواهم شرخ مش قادر يتصلح.

مهما عملت عشان أسعدهم لمعة الحزن مش قادر أمسحها. انت متخيل إنهم مش قادرين يكونوا مبسوطين. بسببك. بسبب الشرخ اللي في قلبهم واللي انت السبب فيه بكل حق/ارة ووسا/خة. انت عايز إيه. فهمني. مش خايف من ربنا مثلاً. معقول مبقاش تخاف من ربنا. إيه ضامن الجنة. مش خايف فجأة تلاقي نفسك بين إيد رب كريم. مش خايف من عقاب ربنا على كل ذنب لكل عيل من العيال دي. ذنب فيروزة. بنتك فيروزة. آه صح. فاكرها ولا نسيتها.

فيروزة اللي حرمتها من التعليم وقهر/تها. وجوزتها غصب عنها ود/مرت حياتها. وفرطت في حقها. فيروزة اللي دوست على حياتها بجزمتك. لمجرد إنك أبوها. لمجرد إنك شايف إن حقك تشكل حياتها بمزاجك. ولا حنان. فاكر دي كمان ولا إيه يا محمد. نسيتها. خليني بقى أفكرك. حنان يا سيدي. الست اللي استحملتك عشرين سنة. عشرين سنة مفيهمش حاجة حلوة أبداً. عشرين سنة قر/ف وق/هر وكل حاجة قذ/رة. انت نفسك شخص لا يطاق. ليها الجنة فعلاً مش مجرد كلام.

أنا مش جاي النهارده أحاسبك. انت كبير بما فيه الكفاية إنك تعرف الصح من الغلط. وبرضه كبير كفاية تتحمل نتيجة الغلط ده. بس جاي أفوقك للمرة الأخيرة. للمرة الأخيرة صدقيني. وهقولهالك تاني. اتقي الله. اتقي الله في عيالك اللي رامييهم. لولا عزت مكنتش هحب أشوف وشك. بس حظه إنه طفل وللأسف أنت أبوه. ابنك كان عايز يشوفك عشان وحشه. شوف عملت فيهم إيه وهم لسه باقين عليك. عيالك في بيتي. اللي هو بيتهم.

يوم ما تفوق وتحب تشوفهم بلغني أحددلك معاد. بره البيت. حنان عايشة في بيتي ومستحيل أجر/حها وأدخلك البيت أبداً. وأخيراً. هسألك سؤال وهسيبك تجاوب نفسك. اقترب من أذنه وهمس: إيه اللي يخلي واحدة في سن مراتك تتجوز واحد زيك. أزاح رأسه وهو يردد بتأكيد: مش قلتلك غبي. ومن غير سلام. ودلف للغرفة أخذ الصغير الذي غفى على الفراش. ورحل. رحل تاركاً محمد يغرق في بركة من الو/حل. بركة هو من أغرق نفسه بها. وزاد الط/ين على رأسه.

وإن أراد الخروج. فليساعد نفسه بنفسه. وإن أراد الغرق. فليغرق. فهو يستحق الأبشع في كل الأحوال. محمد يستحق. كما قيل ..... داين تدان. وربما حان وقت دفع الثمن غالياً. اندفع يغادر الشقة. يهبط لأسفل ليجد فيروزة تسير بجانب سرير يحمل امرأة. وهي تقول بخفوت: هتبقي كويسة يا طنط. نظر لها عبد الرحمن. لينطق أحمد بسرعة: فيروزة. انتفضت فيروزة تنظر لعمها وهي تتذكر ما يحدث. وما حدث. نعم عمها هنا. كيف نسيت.

اندفع عبد الرحمن مع أمه بخوف ور/عب نحو عربة الإسعاف. ينقلها بخوف وهو يسأل المسعفين عما يحدث. والجميع يخبره: إنها ستصبح بخير. صعد عبد الرحمن بسرعة ور/عب مع المسعفين لينطلقوا للمستشفى. يتبعهم فيروزة التي ركضت إلى سيارة عمها وهي تقول بسرعة: خلينا نروح معاهم يا عمو. لازم أطمن على طنط مامت عبد الرحمن. نظر لها أحمد بإستغراب وهو يرى ملامحها الخائفة بل المر/تعبة. لهفتها الواضحة وضوح الشمس. تلك اللمعة.

تلك اللمعة في عيناها لا يخطئها أبداً. كيف له أن يخطئها. يراها في عيون زوجته وحبيبته الوحيدة سحر. تلك اللمعة. لمعة الحب. أيعقل أن تكون فيروزة. تحب. دلف أحمد للسيارة بشرود وخو/ف من شعوره. وكاد أن يتحرك ليستمع إلى صوت هاتفه. وكانت سحر. أحمد بهدوء: أيوه يا سحر. نص ساعة تمام أنا هو/دي فيروزة وعزت الشقة وهاجي آخدكم عشان العربية تكفي. تمام خلي بالك من نفسك. ومن الولاد. لا لا اله إلا الله يا حبيبتي. سلام. وأغلق معها ليلتفت

إلى فيروزة وهو يقول بأسف: للأسف مش هينفع نروح وراهم المستشفى. خلاص نص ساعة وهيوصلوا ومش هنلحق. نظرت له فيروزة بحزن. ليربت على يدها وهو يقول: بإذن الله هحاول آخدك تطمني عليها. أومأت له فيروزة بحزن. لينطلق هو في طريق جديد. طريق غير الذي أرادته. واستندت هي على الزجاج. تردد بداخلها: هل هذا آخر لقاء. وصلت سحر أخيراً لمحطة القطار. لتهبط هي وحنان والصغار معها بحرص وتعب. سحر بهدوء: أحمد لسه مجاش بيقولي قدامه ربع ساعة.

تعالوا نقعد على الكراسي دي. أومأت لها حنان وهي تمسك بصغارها ليجلسوا على المقاعد منتظرين أحمد. عبد السلام بجوع: ماما أنا جعان. فتحت حنان حقيبة الطعام لكنها كانت فارغة. حنان باستغراب: هو الأكل خلص إمتى. كان في كتير هنا. مروة بحرج: أنا كلت يا ماما. حنان بغ/ضب: مو لما يحشي رقبتك. كل ده. نظرت مروة للأرض بخجل وحزن. وترقرق الدموع في عيناها. لتو/كز سحر حنان بغيظ وهي تقول: قلنا إيه يا حنان. بالهنا على قلبها.

حبيبتي مروة تاكل زي ما هي عايزة. صح. غمغمت حنان بغيظ وهي تقول بضيق تحت نظرات سحر الحادة: آه بالهنا. رفعت مروة عيناها لأمها بتردد وهي تقول: بجد يا ماما. رقت عينا حنان قليلاً وهي تقول: آه. اندفعت مروة تحتضنها وهي تقول: طيب أنا جعانة. تسمرت حنان محلها من وقع الكلمة. لين/فجر بعدها الجميع في الضحك حتى الصغار. على مروة وعشقها للطعام. حنان بغيظ: جعانة بت انتي عندك ديدان لازم نعالجك.

ضحكت سحر وهي تقول: يا حنان صلي على النبي هتحسدي البت. حنان بهدوء: عليه أفضل الصلاة والسلام. بس هي لحقت. سحر: مش مشكلة. كمان أنا جعانة. هقوم أجيب حاجات من الكشك ده. استنوني هنا. حنان برفض: لا يا سحر هاتي لنفسك بس طول الطريق عمالة تشتري حاجات بصي الشنط قد إيه. سحر بحنان: وماله أنا عيوني ليهم. وكمان مش قلنا نبطل نتكلم في المواضيع. هقوم أجيب. حبيبة ومروة: وأنا هاجي معاكي. حنان بحزم: الدنيا زحمة خليكم هنا.

سحر بهدوء: هخلي بالي منهم. خلي بالك من الولاد عقبال ما نرجع. أومأت له حنان. وذهبت والفتيات للشراء. ولم يمر الكثير. واندلع في المحطة شجار كبير لم تعلم متى بدأ. لتتسع عيناها بر/عب وهي تنظر حيث اتجاه الشجار. فهناك ذهبت سحر والبنات. أمسكت الهاتف سريعاً تتصل بسحر. لكن سمعت الصوت بجانبها لتعلم أن سحر تركت هاتفها. ظلت على حالها عشر دقائق إلى أن انتهى الشجار ورأت سحر والفتيات قادمين. تنهدت براحة. وما أن وصلوا إليها.

حتى هتفت حنان بر/عب: شفتوا الخناقة. ات/عبت ليحصل لكُم حاجة. انتوا كويسين. سحر بهدوء: متخفيش أول ما شفتها خدت البنات وبعدنا لحد ما خلصوا. حنان: الحمد لله. بدأت سحر توزع الطعام. إلى أن قالت: خد يا عبده. لكن لم يرد. رفعت عيناها من الحقيبة وهي تقول بر/عب: فين عبد السلام. انتفضت حنان تنظر بجانبها. لكن لم تجد عبد السلام. لقد اختفى. دلف أحمد لمحطة القطار. وهو يبحث عن سحر وحنان والأولاد. لم يجدهم في البداية.

لكن أخيراً لمح سحر. كاد أن يبتسم ويشير لها. لكن انتفض يركض نحوهم وهو يرى ملامحها الباكية. اقترب منها بخضة وهو يرى بكاء الجميع: فيه إيه. حصل إيه. سحر برجاف: مش لاقيين عبد السلام يا أحمد. معرفش راح فين. دورنا كتير بس مش لاقينه. قالتها ببكاء شديد. أحمد بر/عب: يعني إيه. بلغي البوليس فوراً. والتفتت إلى حنان الباكية وهو يقول: فوقي يا حنان هنرجعه مش همشي غير عبد السلام في حضنك. يلا هندور تاني. انتي روحي من هنا.

مروة وحبيبة هناك. إيدكم في إيد بعض أو/عوا تبعدوا. خليكي يا سحر هنا. سحر ببكاء: خدني معاك. أحمد بحنان: خليكي هنا عشان لو رجع. أومأت له ببكاء وهي تضم الصغير الآخر لصدرها خا/ئفة بل مر/تعبة. فعبد السلام والصغار أطفالها حتى وإن لم يكونوا من رحمها. ورددت: يا رب. اندفع الجميع يبحث في كل مكان. لكن لا أثر لعبد السلام. وقف أحمد بر/عب يدور حول نفسه ويدعو بأمل: يا رب رحمتك يا رب. التفت ليبحث في مكان آخر.

لكن شعر أن أحدهم يحدق به. أدار رأسه للخلف سريعاً. ليلمح أحدهم يختبئ. سار ببطء نحو مكان صغير مكركب ككشك صغير. والصد/مه أن الصغير كان مختبياً داخله. في المستشفى. كان عبد الرحمن يقف ينظر للغرفة بر/عب شديد. يخشى الفقد. لا لا كلمة يخشى صغيرة على ما يشعر به في تلك اللحظة. اللوم عليه وحده هو السبب. لو كان بجانبها ما كان حدث ما حدث. هو السبب. أراح ظهره على الحائط وهو يتمتم يدعو.

من كل قلبه أن تصبح بخير هو لن يتحمل والله لن يتحمل. ألا يكفي ما يحدث معه. ألا يكفي خسارته لمن أحبها وسيظل يحبها للنهاية. وهنا أغمض عينيه بتذكر. فيروزة كانت هنا. لا يزال لا يصدق. كان يبحث عنها. وفجأة أصبحت أمامه. دون بحث فقط ظهرت مرة أخرى. تنهد بتعب الحياة تضغط عليه أكثر مما يجب. كيف له أن ينساها بعد أن رآها مرة أخرى. كيف له أن ينسى ملامحها وعينها وقلبها وروحها. كيف ينسى تلك المشاعر التي وشمت على قلبه وعقله معاً.

وشمت على كل ذرة منه. كيف له أن يتحمل فراقها من جديد. كيف. قالها قلبه المسكين. نظر للغرفة مرة أخرى قبل أن يذهب سريعاً للصلاة. هو بحاجة لذلك. لا راحة له سوى في القرب من الله. اقترب أحمد منه وهو يقول بنبرة لينة: بودي. انتفض الصغير وكأنه كان يخشى أن يراه. وانكمش على نفسه أكثر. ليقترب أحمد منه دون أن يحاول أن يخرجه وهو يقول: أنت كويس.

رفع عبد السلام عينيه باستغراب فهو كان يتوقع أن يص/فعه كما فعل أباه من قبل حينما فقده في أحد الشوارع. لكن عمه لم يص/فعه. بل ببساطة يطمئن عليه. عبد السلام: آه. أحمد بهدوء: ليه مستخبي. نظر له عبد السلام ثم صمت ولم يرد. أحمد بهدوء: اللي بينا هيفضل سر. تردد الصغير قليلاً قبل أن يقول: أنا مش عايز أجي هنا. عايز أرجع بيتك. بيتك حلو هنا لا. أنا مبحبش بابا بكره البيت.

أغمض أحمد عينيه وبكل لحظة يتأكد أن عبد السلام بحاجة لطبيب نفسي وبشدة. أحمد بهدوء: أنت مش هتروح لابوك. أنت معايا أنا. أنت كنت فاكر إني هرجعك لابوك. أومأ له الصغير سريعاً. ليضمه أحمد لأحضانه وهو يردد: أنتوا هتعيشوا معايا من هنا ورايح. عبد السلام بفرحة: بجد. أحمد بهدوء: أيوه. وأكمل: بس توعدني متعملش كده تاني أبداً. مامتك والكل مر/عوب عليك. عبد السلام بحزن: مكنتش عايز أرجع. أحمد بهدوء: ولو تقدر تقولي وأنا أكيد مش هغصبك.

بس أو/عى تخوفنا عليك كده تاني. أومأ له الصغير. ليساعده على الخروج ويحمله نحو سحر وحنان. اقترب منهم وبمجرد أن رأوهم اندفعت نحوهم تحمل عبد السلام تقبله وتبكي بقوة. وهي تردد: كنت هم/وت عليك. احتضنها الصغير بحب. ليشير لهم أحمد بالحركة. يكفي ما حدث إلى الآن. فالجميع بحاجة للراحة. وتوجه الجميع مغادر. بملامح مرتاحة أخيراً. في المستشفى. مرت الكثير ولم يطمئنه أحد. وهو يذهب للصلاة بشكل متكرر من شدة خوفه.

إلى أن فتح الباب وخرجت منه الطبيبة. ليندفع نحوها يسألها بسرعة: طمنيني يا دكتور. الطبيب بهدوء: للأسف ذب/حة صدرية. لكن الحمد لله الوضع مش خطر. لكن بردو لازم تتحط تحت المراقبة الـ 24 ساعة الجاية. وإن شاء الله منضطرش نتدخل جراحياً. بهتت ملامحه وهو يستمع إلى حديثها. ذب/حة. أي ذب/حة. دمعت عيناه وهو يستمع إلى إرشادات طبية. من المحافظة على الدواء. ومتابعة نظام غذائي. والرياضة. والكثير من التنبيهات.

وآخرها الاعتناء بالحالة النفسية للمريض. وغادرت وظل هو يقف ينظر للغرفة بألم. ما حدث حدث بسببه. هو السبب. في منزل مجيدة. كانت تعد الطعام مع أمها بض/جر وملل. فاليوم سيأتي محمود وأمه للغداء. وبعدها لشراء الذهب الخاص بها. وعند تلك النقطة ابتسمت بظفر. كل ما تريده يتحقق رويداً رويداً. كل شيء وأي شيء. وهذا رائع بل أكثر من رائع. انتفضت على صوت أمها الصار/خ وهي تقول: الله يخرب بيتك يا شيخة. حر/قتي الرز. نظرت لها مجيدة بش/ر.

وما لبثت إلا وأوقعت الحلة على الأرض. لينكب الطعام كله. وهي تصر/خ: متدعيش عليا. كملي انتي الطفح بتاع أختك وابنها. بالس/م الهاري يا رب وخرجت. وظلت أمها تنظر في أثرها بصد/مه. وهي تدعو عليها من كل قلبها. فابنتها مثال للابن الضال. أما مجيدة فدَلفت لغرفتها. ت/سب محمود وأمه وأمها. تكر/ههم كلهم. تكر/ههم. ولم ت/كره أحد أكثر منهم. هم بشعين. وهي ستنتقم. استمعت إلى صوت الهاتف. لتمسكه وهي ترد: الو. الحمد لله. وأنا كمان. إمتى.

وأكملت بخوف: بالسرعة دي. خليها شوية. أيوه بس أنا خايفة مر/عوبة. بس النهارده صعب. طيب هجيبهم منين. حاضر ربنا يستر. طيب طيب هتصرف. وأغلقت الخط. وهي تل/عن نفسها أيضاً. وظلت تخطط بخوف ور/عب كيف ستفعل ما تريد أن تفعل. في منزل محمود. كان يستمع إلى أمه وهي تعد ما ستأخذه لمجيدة من أشياء. ليرد عليها برفض: إيه كل ده. أنا مش معايا فلوس. إيه كل ده جاتوه وشوكولاتة وكرتونة عصير وحاجة ساقعة إيه. إيه لـ إيه كل ده.

ردت أمه بقوة: مش رايح تجيب الشبكة. لازم تدخل شايل ومحمل. أومال تدخل فاضي. بطل ق/لة أد/ب بقى. بنت اختي مجيدة مش أقل يا خويا من السنيورة هبه اللي جبتلها شيء وشويات. وحتت جز/مة في بوقي وقتها. طيي تصدق وتؤمن بالله. والله لتجيب لمجيدة الضعف. شوف وأكثر. هو فيه في جمال ولا حلاوة وأخلاق مجيدة. أمال مش تربيتي. ولسه النهارده في الدهب هنجبلها كل حاجة نفسها فيها. أنا اتفقت مع أمها على 10 غوايش. وكام خاتم كده.

محمود بصر/اخ: إيه انتي بتقولي إيه. عشرة ليه ليه. منين أصلاً. انتي إزاي تعملي كده. ردت أمه بصوت عالي: انت مش لسه واخد سلفة كبيرة في إيه. مش كفاية إنها لسه بنت بنوت وأنت مطلق ورضيو بيك. المفروض تبوس إيدك وش وضهر. وثم يا واد هي مجيدة متستاهلش الحاجات دي. بكرة تدلعك أحلى دلع. وتدعيلي. محمد بشك: متأكدة إني هدعيلك. ردت بتأكيد: أيوه. ليهمس بتأكيد هو الآخر: شكلي هدعي عليك. وتنهد وتلك الجملة الشهيرة تتردد بأذنه.

لقد وقعنا في الفخ. وليس أي فخ. في منزل زينب. استقبلت حماها ابنتيها وأبنائها في دعوة من ابنتها للغداء. دعتهم ولم تخبرها سوى صباحاً. واضعة إياها أمام الأمر الواقع. وكم دفعت في تلك الوليمة. الكثير والكثير. فابنتها أرادت التباهي وأعدت وجبة سمك كبير. ومكلف. أفاقت على صوت حماها ابنتها: تسلم إيدك يا حبيبتي. فاطمة بهدوء وفخر: أنا ووفاء اللي عملنا الأكل. وكل حاجة. رشا بفخر: تسلم إيدكم. واضح ستات بيوت شاطرة. وهتشرفوني.

زينب باستغراب: ويشرفوني انتي ليه. يشرفوا جوازهم. رشا بتأكيد: لا أنا. البيت ليه قوانين. ترويق البيت هيتقسم بينهم والأكل كمان. والأكل عندي فطار وغداء وعشاء. دي قوانين ووفاء وفاطمة عارفينها. نظرت زينب لابنتها بعدم تصديق. وهي تقول: إيه اللي بتقوليه ده. فاطمة بهدوء: ماما رشا أمنا طبيعي نساعدها. وأكيد إحنا موافقين. وقفت زينب وهي تصر/خ: انتوا بتقولوا إيه. أنا مش موافقة. ده مكنش اتفاقنا من الأول. مفيش الكلام ده.

عيالي هيفضلوا في شقهم. اخدمي نفسك بنفسك. شهقت وفاء وهي ترى ملامح رشا الغا/ضبة. التي وقفت وهي تقول: اللي عندي قلته. ولو مش موافقين يبقى كل شيء قسمة ونصيب. ولو موافقين هستنى ردكم. واعتذار على اللي حصل ده. سلام عليكم. وغادرت هي وأبنائها. لت/نفجر فاطمة في زينب وهي تصرخ بها: انتي إزاي تعملي كده. حالا كلميها واعتذري منها. انتي مالك إحنا موافقين. ملكش دعوة. زينب بصر/اخ: انتي اتجننتي. إزاي تكلميني كده. أنا مش هعتذر.

عايزة تعتذري اتفضلي. بس أنا لا. وكادت أن تدخل غرفتها. لتوقفها فاطمة وهي تقول: هتعتذري. لو مش بمزاجك غصب عنك. وانتي عارفة نتيجة عنادك هتبقى إيه. وغادرت وتبعها وفاء. وظلت زينب تنظر في أثرهم بصد/مه. تشعر أن البساط سُ/حب من تحت أقدامها. لتسقط على رأسها وبقوة. وظلت تبكي. متسائلة ماذا فعلت في حياتها ليحدث ما يحدث معها. فيبدو أنها نسيت دينها القديم. ولابد من سداده. في منزل هبه. كانت تجلس على فراشها تضم الصغيرة مليكة.

ترضعها بالبرونة الخاصة بها. والصغيرة تلهو وتأكل بنهم وسعادة. ظلت تمسد خصلاتها الناعمة بحب. وحيرة فأحلامها هدمت فوق رأسها وبقوة. ويحيى لا يحبها. لن تلومه ليس لها الحق من الأساس. وكيف تلومه. ومحمود الذي حاربت الجميع للحصول عليه. لم يحبها يوماً. كان فقط يريد أن يمتلكها فقط مجرد تملك. لا يمت للحب بأي صلة. فهل يحيى سيحب مطلقة بثلاثة أطفال. وطليق يسعى لقت/لها. حتى إن طفلته خ/طفت بسببها. تنهدت بتعب وهي تستغفر ربها.

محاولة أن تنسى أن تتخطى كل تلك الأمور. أن تعيش لصغارها فقط. هي لا تريد سوى هم. ولن تحب أحداً كما تحبهم. نظر لمليكة بحب وهي تقول: حتى انتي. بنتي وحتة من روحي. وأكملت وهي تربت على بطنها يا ترى. انتِ ولا انتِ. يا ترى هتكون إيه. شوف على قد ما وجودك قهر/ني. على قد ما بحبك. يمكن خايفة مش خايفة بس مرعوبة. مر/عوبة من أن تكوني سلا/ح للضغط عليا. وتكوني كارت ضدي يرجعني الج/حيم. بس حتى لو. هحارب هحارب بكل قوتي. مهما كلفني ده.

قالتها بتأكيد وهي تنظر لصغارها النائمين. انتهت الصغيرة مليكة من زجاجة الحليب الخاصة بها. لترفعها هبه على كتفها لتت/جشأ وهي تغني لها بحب. انتهت الصغيرة وأرادت اللعب وهي تغمغم بكلمات غير مفهومة. لتلعب هبه معها. بحب وسعادة. داعياً الله أن يحفظها لها. وأن يحفظ. والدها لها. نامت الصغيرة أخيراً. لتضعها بجوار أبنائها وهي تقبلهم بحب. لولا وجودهم لما كانت بخير. لولا صوتهم ورائحتهم لولا كل هذا لكانت غير ما هي عليه.

هم كنزها في تلك الحياة. هدايا القدر لها. تلك الهدايا التي ستظل تشكر الله عليها ليلاً نهاراً. داعياً أن يحفظهم. وينبتهم نبات حسن. هي لم تعد تريد سوى أن تكون بخير. جلست على الأريكة. تربت على بطنها بسعادة اليوم أخيراً ستعلم جنسه. فتاة أم صبي. وعند تلك اللحظة لمعت عيناها بوميض خاص بصغيرها القادم فقط. كم تتوق لتعلم. كم تتوق لتقربه إلى صدرها. تضمه بقوة. ترضعه وتشم رائحته. مشاعر الأمومة تغزو قلبها. هي تحبه قبل أن تراه.

تحبه وتريده. تريد أن تراه. دعت أن يتم حملها على خير. ووقفت من مكانها وهي تشعر بالجوع. لتتحرك بهدوء لإعداد وجبة بسيطة وشهية قبل أن تذهب للطبيبة. فاليوم المنتظر قد حان. ولم يمر الكثير. وأعدت وجبتها. وجلست تشاهد التلفاز وهي تأكلها. ليقاطعها جرس الباب. نظرت إلى الساعة باستغراب. وتركت الطعام جانباً. وارتدت أسدالها لتفتح الباب. ولم يكن سوى يحيى. نظرت إليه بهدوء وخا/نتها نظراتها وهي تطلع إلى ملامحه المتعبة.

فهو يأتي من العمل إلى منزلها للاطمئنان عليهم. ترددت قليلاً وهي تنظر إلى وجهه الوسيم. ملامحه وذقنه المهندمة. وملابسه. وكم كان وسيماً يخطف الأنفاس. أخفضت عيناها سريعاً. تلعن نفسها وهرمونات حملها المتخلفة. خمس دقائق أخرى وستطلب هي منه الزواج. لكن لن تنكر هو حقاً وسيم. قالتها لنفسها بإمتعاض وشفاه مقلوبة متبرمة. حسناً وسيم وجذاب من المؤكد أنه محط لأنظار الجميع. وخاصة النساء. وعند هذا الحد احتدمت عيناها غ/ضباً.

وهي تشعر أنها ستقتله. لتفيق نفسها وهي تنهره وتقول: أنتِ اللي رفضتي يا خايبة. كان زمانك دلوقتي مستنية الفرح. أفاقت من نقاشاتها الداخلية على صوته. القلق وهو يتأمل ملامحها الشرسة الممتعضة. وهو يقول: فيكي حاجة يا هبه. هبه بهدوء: لا. يحيى: يا رب دايماً. ابتسمت بخجل مغفل كأنه أخبرها أنه يحبها. وهي تدعو بداخلها على هرمونات الحمل الحم/قاء مثلها. يحيى بهدوء: جاهزة. هبه باستغراب: جاهزة. لـ إيه. يحيى: معاد الكشف بعد نص ساعة.

هبه بتأكيد: أيوه فعلاً أنا كنت هقوم ألبس عشان أروح. يحيى: تمام يلا. روحي البسي عقبال ما أغير هدومي وأجي. هبه بشك: تيجي فين. يحيى بتأكيد: معاكي. هبه بخجل: لا طبعاً مينفعش. يحيى بتأكيد: لازم يا هبه. إحنا مينضمنش محمود ممكن يعمل إيه. متنسيش إنه حر يعني لا قدر الله ممكن يأذيكي. هبه بخفوت: هاخد أسماء. يحيى بتأكيد: أسماء مش هتقدر تحميكي. أنا لازم أكون معاكي. وأكمل: يلا وأسماء جايه عشان تقعد مع الولاد. أومأت له بهدوء.

لتغلق الباب وتدلف للغرفة. بحماس وخوف. لمعرفة جنس الجنين. انتهت أخيراً من ارتداء ملابسها. وكانت حقاً جميلة ولا تدري ما سر تورّد وجنتيها اليوم. حضرت أسماء. لتدلف للعناية بالصغار. وتوجهت هي لفتح الباب بعد أن استمعت لصوت الباب. فتحت الباب لتجده يقف أمامها بطلته الجذابة. خصلاته المبتلة أثر استحمامه. ملامحه الرجولية النقية. وملابسه النظيفة. ورائحته خطفت أنفاسها. يحيى بابتسامة: يلا. أومأت له بخجل وهي تخرج معه. تسير بجانبه.

وتلك المشاعر الجميلة تولد بداخلها من جديد. مشاعر تريدها بشدة. تريدها حقاً بكل قلبها. وجوده بجانبها في تلك اللحظة حقاً مهم. لا تدري كيف كانت ستكون بمفردها في يوم بتلك الأهمية. وصلت أخيراً للعيادة. ليجلسوا منتظرين دورهم. وأنظار الجميع عليهم. فيحيى حقاً وسيم. الأمر جيد وسيء في نفس الوقت. كيف تمنع نظرات الإعجاب تلك. تريد ضر/بهم بالحذاء جميعاً. أغمضت عيناها تش/تم نفسها. أي حذاء يا امرأة أفيقي قبل أن ت/ضر/بي أنتِ بالحذاء.

أفاقت على صوت الممرضة تدعوها للدخول. لتقف. لكن عقدت حاجبيها وهي تراه يسير معها. سألته: رايح فين. يحيى: داخل معاكي. تخضبت وجنتاها وهي ترد بتلعثم: لا طبعاً. مينفعش. يحيى بتأكيد: أنا مضمنش اللي جوه دي. أنا بقيت متوقع من محمود كل حاجة. متخفيش هخليها تقفل الستارة. أنا عارف ربنا ومستحيل أعصيه. أومأت له بتردد. وهي تدلف للغرفة وهو خلفها. دَلفت للغرفة. واستقبلتها الطبيبة ترحب بها وهي تقول: طمنيني عنك يا هبه.

هبه بسرعة: الحمد لله كله تمام. الطبيبة: جاهزة تعرفي جنس الجنين. لمعت عينا هبه وهي ترد بفرحة: أكيد. الطبيبة ليحيى: وحضرتك يا أستاذ. يحيى بهدوء: الرائد يحيى. الطبيبة: جاهز يا سيادة الرائد. أومأ لها بسعادة غريبة لا يعلم سببها. سعادة اجتاحت قلبه وغمرته. حماس أن يرى تلك المحاربة الصغيرة. لا يعلم لماذا يشعر أنها فتاة. هكذا يشعر. وأي كان جنسه. سيحبه كما. كما يحب أمه. قالها لنفسه بكل حب وتأكيد. هبه: مستعدة يا دكتورة.

دَلفت الطبيبة خلف الستار المغلق. لتأكد عليها هبه: اقفلي الستارة للآخر كلها يا دكتورة. تعجبت الطبيبة لكن احترمت رغبتها. وتأكدت أنها مغلقة على السرير بالكامل. ولا يظهر أي شيء سوى الشاشة. الطبيبة بهدوء: الشاشة اللي قدامك دي يا حضرة الرائد هيظهر فيها البيبي. وأشارت لهبه على الأخرى. وهنا كمان يا هبه. أومأت لها هبه بحماس. وضعت الطبيبة الجل على بطنها المنتفخة قليلاً. وبدأت تشرح لهم الوضع. ويحيى يتمعن في الصورة بحب شديد.

وهبه تبكي بسعادة لم تعلم أنها ستكون بتلك القوة والروعة. جنينها الصغير. محاربها القوي. الطبيبة بهدوء وابتسامة: مبارك عليكم. مبارك يا سيادة الرائد: هيجيلك بنت زي القمر. وكان شعوره في محله. وتلك اللحظة. كان الأجمل الأجمل على الإطلاق. انتهى اليوم سريعاً. في غرفة مجيدة. كانت تجلس تنظر إلى الذهب بسعادة. فأخيراً اليوم انتهى. وحصلت على ما تريد. كل هذا لها. استمعت إلى صوت هاتفها. التقطته ترد بسرعة وهي تقول: تمام جايه. سلام.

وأسـرعت ترتدي عباءة سـ/وداء. وأخرجت من تحت ملابسها لفة بها نقاب أسـ/ود. ارتدته سريعاً. وهي تخرج ببطء وحذر. لكي لا تستيقظ أمها وتمسكها. خرجت من المنزل بسرعة. مهرولة نحو الأسفل. لتجد سيارة تقف تنتظرها. دخلتها سريعاً. ولم يمر الكثير. ووصلت عند شقة قديمة جداً. فتح الباب ليطل من خلفه. امرأة غريبة الشكل. تنظر لهم بمكر. تدعوهم للدخول. طلب منها المال. لتخرج له أحد أساورها. وهي تنظر له يعطيها إياه. خمسة عشر دقيقة.

واستمعت إلى اسمها. ارتجفت بقوة. وشعرت أنها ستسقط أرضاً. ليشجعها ويحثها على الدخول. أسندتها الممرضة. وهي تدلف للغرفة بخو/ف من المكان والسيدة والطبيبة. وهي تستمع إلى الهمسات. وصوت الطبيبة وهي تنطق بمكر: هتصحي تلاقي نفسك كما ولدتك أمك. أغمضت عيناها بكره لتلك اللحظات. متحملة فقط فقط. لكي تعيد. تعيد عذريتها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...