الفصل 30 | من 34 فصل

رواية ظلمت لكونها انثى الفصل الثلاثون 30 - بقلم عفاف شريف

المشاهدات
22
كلمة
5,187
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 88%
حجم الخط: 18

روايات ظلمت لكونها انثى الفصل الثلاثون 30 - بقلم عفاف شريف

الفصل_الثلاثون

ظلمت_لكونها_انثي

عفاف_شريف

.........................................

إهداء الي الجميله سارة

.........................................

انظر الي القمر كم هو جميل وحيد وخلاب

لم اري اجمل منه ابدا

بل يوجد

حقا ! ما هو؟ عيناك... وقلبك... خطت هبه خطواتها الهادئة بجانب يحيى المبتسم بسعادة لا تعلم سببها. إبتسامته المشرقة الجميلة من وقت خروجه من غرفة الطبيبة تحديدًا حينما علم جنس جنينها. فتاة. وكانت الكلمة كفيلة بتفجير براعم السعادة بقلبها وروحها وكل كيانها. لم تستطع حينها أن تمنع عبراتها من الهبوط على وجنتيها. لم تستطع منع تلك الشهقات الصغيرة وهي ترى الصغيرة وتستمع إلى صوت الطبيبة يطمئنها أن صغيرتها بألف خير. بكت بسعادة وفرحة لم تذق طعمها منذ مدة طويلة. بكت وكأنها حصلت على جائزة كبيرة وهدية رائعة من القدر لها. تلك الصغيرة هي عوض من الله لها. عوض تلك الأيام والشهور والسنوات من الألم. أراد الله أن يجبر قلبها وروحها. فرزقها الصغار، مليكة، وأخيرًا محاربتها الصغيرة. تلك الصغيرة التي تشبثت بالحياة حينما لفظتها هي في البداية خوفًا ورعبًا من محمود. حينما كادت أن تخسرها وتجهض. حاربت وتشبتت بالحياة. وكم تحمد الله على ذلك. ابتسمت بحب وهي تربت على بطنها. وتردد: فتاة. صدا الكلمة لا يغادر عقلها أبدًا. يتكرر ويتكرر فتبتسم دامعة شاكرة. إنها فتاة. لم تتوقع. لم تحب حتى أن تتوقع. أرادت أن تتفاجأ. وحدث فعلًا. كانت تتمنى منذ صغرها أن تحصل على فتاة. طفلة صغيرة تشبهها. تحبهم بل تعشقهم. لطفاء مشاكسين وبهم كل الصفات الجميلة التي من الممكن أن تتخيلها. ومع هذا هي لم تقنط يومًا أو تحزن على إنجابها لحسن وحسين. هم أبناؤها، لا تهتم بتلك الأمور. صبي أم فتاة. ليس مهم أبدًا. المهم أن أطفالها بخير أصحاء وبأحضانها. لذلك أحبتهم وبشدة. هم روحها وقلبها. هم أطفالها الصغار ملائكتها. وجاءت مليكة تلك الصغيرة ابنتها. نعم ابنتها، وكيف لا تكون. وأخيرًا تلك المحاربة الصغيرة. أفاقت على صوت يحيى: "هبه." التفتت تنظر له وهي تقول: "أيوه." يحيى بابتسامة: "إيه رأيك نحتفل." تخضبت وجنتاها بخجل، هي ترى ملامحه السعيدة، بل السعيدة جدًا، كأنه حصل على خبر رائع، خبر لطالما تمناه، كأن تلك الصغيرة ابنته. ابنته هو من صلبه. تلك النقطة ضخت بداخلها الكثير والكثير من السعادة. الرغبة في البكاء. الرغبة في أن تلقي بنفسها بين أحضانه. تضمه بقوة، تضمه للأبد. وعند تلك اللحظة نهرت نفسها. وهرموناتها الغبية. للمرة الثانية تفكر بتلك الطريقة. أي حضن، أي حضن. يا للمصيبة، أفيقي يا غبية. أحضان إيه وقلة أدب. احترمي نفسك يا قليلة الأدب، ألتلك الدرجة. وصل بك الحال أنتِ وهرموناتك المتخلفة تلك. قالتها لنفسها وهي تنهرها. قلبت شفتاها بضيق وهي تنظر لذاك المبتسم بسعادة أمامها. هو يبتسم وهي. ماذا تفعل؟ هي تبكي على حظها الأحمق الغبي. الذي أوقعها في رجل مثله. رجل رائع، لكن. لكنه يحب غيرها. رجل مخلص. رجل ما زال يحب زوجته الراحلة. يحبها بل ويموت كل يوم على فقدانها. فعشقها متشبث بقلبه. ولن يحب غيرها. وعند تلك النقطة. انطفأت ابتسامتها واختفت تدريجيًا. هي لم ولن تحصل على الحب. يبدو أنه غير مقدر لها. ولم تكن يومًا قانطة على قدرها. لتفعل الآن. قالتها لنفسها بكل ألم. نظرت أرضًا، تحاول منع تلك الدمعة من الهبوط وهي ترد بخفوت حزين، وكان حالها تغير إلى غير حال، إلى النقيض تمام: "لا، ملوش لازمة." "خلينا نروح، أكيد الولاد تعبوا." نظر لها باستغراب. وعيناه تتفحصها. اختفت الابتسامة وحلت محلها ملامح جامدة حزينة. منك/سرة. تطلع لها وهو لا يفهم ما حدث لكي تصبح هكذا. تنهد وهو يقول بإصرار وتأكيد: "الولاد نايمين، أنا لسه مكلم أسماء، وحتى لو صحوا، فـ هي هتعرف تتصرف." "انتي ناسيه إنها أم هي كمان." "وأظن خبر زي إنك حامل في بنت ده يستحق الاحتفال." وأكمل بتأكيد: "ده أجمل خبر." زمت شفتاها بخجل وهي تتطلع إلى عينيه. كانا يشعان حبًا وفرحًا وسعادة غامرة. مشاعر غريبة ورائعة. اختفى الحزن وحل محله قلوب حمرا غبية مثلها. وهي تسير بجانبه بسعادة وفرح. كطفلة صغيرة يرضيها القليل من الحب. فقط القليل. وهي لا تريد سوى الحب. فقط الحب. ظلمت_لكونها_أنثي عفاف_شريف في تلك العيادة. وبأحد الغرف. تحديدًا على فراش قديم قذر مهتري. كانت مجيدة تستند على ظهر السرير تضم جسدها بشرشف قديم ذي رائحة سيئة وهي تنظر أمامها برعب وقهر وذل. تلطم خدها بقوة وجنون ورعب: "يا مصيبتي." "يا مصيبتي." "يا مصيبتي." "إيه اللي حصل." "يا لهوي يا لهوي يا فضحتك يا مجيدة." "يا فضحتك." "اتفضحت اتفضحت خلاص." قالتها وهي تنظر لذلك الرجل النائم بجانبها. رجل نائم بجانبها هي. تحركت بضعف وتشتت وهي تشعر بالوهن والتعب يقتحم جسدها بقوة يكاد يسقطها أرضًا. لا تدري ماذا حدث. ماذا حدث. ماذا فعلت بها تلك الطبيبة القذرة. لا تتذكر سوى أنها سقطت في ثبات عميق بفضل ذلك المخدر. لتستيقظ على ذلك المشهد. نائمة بجانبها رجل غريب عنها. ماذا حدث. ماذا حدث. "يالهوي يالهوي." قالتها وهي تلطم خدها بقوة والدموع تأخذ مجراها بقوة. التفتت حولها وهي تستمع إلى صوت. لتجد بابًا صغيرًا بالغرفة يفتح. يتبعه دخول الطبيبة القذرة لتهجم عليها مجيدة. محاولة ضربها. لتمنعها الأخرى وهي تكمم فمها وتقول: "هشش." "صوتك يطلع، هخرجك من هنا بزفة." "مش عايزة أسمع صوتك." ارتجفت مجيدة وهي تقول: "انتي عملتي فيا إيه؟ مين الراجل ده؟" "انتي عملتي إيه؟" "مين ده؟ انطقي، ده أنا هوديكوا في ستين ألف داهية." "أنا هفضحكم." قالتها بجنون وهي تبكي. ضحكت الطبيبة بفجر وهي تقول وتحرك يدها تشير لمظهر مجيدة: "ومالو." "بس ممكن تقوليلي هتقولي إيه؟" "هتقولي كنت رايحة أعمل ترقيع عشان أرجع بنت بعد ما غلطت في الحرام." "فـ اغتصبوني هنا." قالتها بمكر. "إنتِ فاكرة نفسك فين؟" "ده مكان مشبوه يا حبيبتي." "هنا الكل بيجي يداري وساخته." ابتلعت مجيدة ريقها برعب. وهي تشعر أنها تموت. وهي تردد والدموع تأخذ مجراها: "حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الله ونعم الوكيل." "أنا عملتلك إيه؟" "أنا هعمل إيه؟" "أنا اتفضحت." ضحكت الطبيبة وهي تقول: "اهدي يا حبيبتي." "متخفيش، معملتش حاجة أكتر من اللي عملتيها مع اللي قبله." "اهدي كده وبلاش جنان." "الراجل ده مبيجيش هنا إلا عشان مزاجه." "ونادر ما بيجيلي حد في جمالك هنا." "ودي كانت فرصة." "وعجبيه." "أقول للرزق لا." "يرضي؟" قالتها بتهكم. استندت مجيدة على الجدار وهي تشعر أن الأرض تميد بها. لقد سقطت. جاءت لتخفي فضيحتها. حملت فضيحة جديدة. ستفضح. أخرجتها الطبيبة من شرودها وهي تقول: "استهدي بالله كده." "أنا وعدتك هرجعك زي ما كنتي." "واعتبري اللي حصل غلطة وهنصلحها." "تعالي يلا." قالتها وهي تمد لها يدها. نظرت لها مجيدة بكره وقهر. ليس أمامها سوى أن تخضع. أن ترضى وتُداس كرامتها وشرفها الذي دُاس تحت قدم طبيبة قذرة مثلها. ليس أمامها سوى أن توافق فقط. لتعيد عذريتها. الطبيبة بهدوء: "يلا، الراجل اللي معاكي بره كل شوية يسأل عليكي." "يلا خليني نرجعك صاغ سليم." تحركت معها مجيدة بروح ميتة. روح ذبحت بكل دم بارد. وهي تدلف من نفس الباب الصغير. تتسطح على الفراش. تاركًا إياها تفعل ما تشاء. فلم يعد هناك ما تخسره. ظلمت_لكونها_أنثي عفاف_شريف بعد مدة لم تعلمها. ارتدت ملابسها. وكادت أن تخرج من الغرفة. لتمنعها الطبيبة وهي تخرج رزمة من المال وهي تقول: "دول نصيبك." "ولو حبيتي الموضوع، أنا هنا دايما." "هظبطك." نظر لها مجيدة بروح خاوية تارة وللمال تارة. والتفتت تخرج من الغرفة. ليقابلها حبيبها وهو يقول: "انتي كويسة يا حبيبتي." نظرت له بتعب وهي تلقي بنفسها عليه وتردد: "روحني." أومأ لها سريعًا وهو يخرج بها من ذلك المكان. وهي لا يفهم سبب بكائها. وظلت هي تبكي بقوة. إلى أن وصلت بيتها. تركته وصعدت بسرعة. دخلت الشقة. وركضت لغرفتها. تلقي بنفسها على الفراش تبكي وتصرخ بقهر في الوسادة تمنع صراخها من الظهور. تبكي على كل شيء. انتقامها حرقها هي. انتقامها قتلها وذبحها. لكن ستكمله. فقط خسرت الكثير. بسببهم، بسببهم. تركت فراشها. وهي تقف أمام المرآة. خصلاتها المبعثرة. وجهها الأحمر أثر لطمها. وعيونها الحمراء وبشدة كبركة دماء. وجسدها. أزالت عباءتها بك/سرة وهي تتطلع إلى جسدها الذي انتهك. انتهكت وانتهى الأمر. ستنتقم. ستنتقم على كل شيء. سنوات عمرها التي ضاعت بسببهم. سنوات بسبب أمها وخالتها يرفضان كل من يتقدم لها. سنوات بحجة أنها لمحمود. سنوات والجميع يبتعد عنها لكونها عانس. سنوات حتى أصبحت كأرض بور. حتى وجدت من تحب. أحبها وتقدم لها. وكسروا هم قلبها. صرخت وبكت لكن أمها رفضت. رفضت وأخبرتها أن أرادت الزواج لتخرج وتنسى أن لها أم. ولن تدفع قرشًا واحدًا في تلك الزيجة. حتى هو تخلى عنها. عندما أخبرته أنها ستتزوجه لكن لم يعد تملك شيئًا. تركها وهجرها. وتعهدت هي بذبح روحهم. كما ذبحوها بتفكيرهم. ذبحت سنوات من تلك النظرات والهمسات. نظرت إلى نفسها وهي تردد: "سانتقم." "مهما كلف الأمر." "حتى إن كانت نفسها هي الثمن." ظلمت_لكونها_أنثي عفاف_شريف في أحد محلات الحلو. جلست هبه بسعادة. وهي تشاهد ذاك المحل بفرحة. فيحيى قرر أن يحتفلوا هنا. مكان يشع ألوانًا ذا ديكور مبهج. وأنواع حلوى تريد أكلها كلها. أمسكت المنيو. وهي تتابع الأطباق بجوع شديد. أصبحت تجوع وتشتهي الحلو بكثرة. يحيى بهدوء: "هتطلبي إيه." هبه بابتسامة خجولة: "أي حاجة." ابتسم يحيى وهو يقول: "أطلب على ذوقي." احمرت وجنتاها خجلًا وغباءً وهي تؤمي له كمراهقة حمقاء في نزهة مع حبيبها. وليست كمطلقة وأم لثلاثة أطفال. والرابع قادم في الطريق. ذهب يحيى للطلب. وظلت هي تدندن مع أغاني فيروز الرائعة. تغني معها بصوت خافت. تربت على بطنها بحب. ولم تلاحظ ذاك الواقف أمامها. يتطلع إليها بكل حب العالم. بعيون رجل يحب بصدق. ويخاف بقوة. يحبها، أنكر هذا. لا والله. لن يستطيع. فحبها يتسلل إلى قلبه. بكل لحظة. ضحكتها، خجلها، حتى حزنها. هي كلها بقلبه. وستظل. اقترب منها. وهو يقول: "طلبت، أتمنى يعجبك." فتحت عيناها تبتسم ببلاهة لكونها نسيت نفسها واندَمَجت. قليلاً بعد وستقف ترقص. نهرت نفسها. تلك نفسها ستقذف بها في مصيبة يومًا ما. ولم يمر الكثير. وأتى النادل. بطبقين كبيرين. أحدهم. وافل بالكثير من الشوكولاتة. والآخر سينابون مغرق بالصوص الخاص به. وطبقين صغيرين بهما مثلجات، أحدهم شوكولا والأخرى يبدو أنه ليمون. نظرت لهم هبه بجوع. وأمسكت الملعقة تتذوق وهي تغمض عيناها بتلذذ. وتقول: "تحفة السينابون." "بجد روعة." وظلت تأكل بشهية لم تعلم من أين أتت. بدأ يحيى في تناول طبقه. لكن شعر أنها تنظر إليه. رفع عيناه ليجدها تتطلع نحوه. ليس له. بل لطبقه. تماسك يحيى ألا يخرج ضاحكًا على مظهرها. فيبدو أنها تشتهي طبقه. كاد أن يطلب لها مثله. لكن صدمته وهي تقول ببرائة: "ينفع أدوق." زم شفتاه. سيضحك وستغضب. كتم الضحكة بداخله. وهو يمرر لها الطبق. لتأخذه بابتسامة سعيدة. وهي تأكل بنهم. وظل هو يشاهدها بمشاعر تتجدد كل يوم. مشاعر لا يريد حتى أن يسيطر عليها. يريدها وبقوة. ظلمت_لكونها_أنثي عفاف_شريف انتهت هبه أخيرًا. لترفع عيناها نحو الجالس أمامها. لتجده يتطلع لها بتلك النظرات الحنونة. لكن صدمتها كانت أنها لم تتذوق طبقه. أبدًا. بل أكلته كله. زمت شفتاها بخجل وحنق. آه منها آه. غبية. التهمتهم كالبقرة. لم تترك له سوى المثلجات. سارعت تنهر نفسها وهي تقول: "كتر خيرك والله." "كلي دراع الراجل أحسن من كده." "إيه يا بت الحرمان ده." زمت شفتاه أكثر وكادت أن تبكي. ليقول بحنان: "تحبي أجيب لك عصير." ابتسمت بخجل وهي تضحك داخلها وتقول: "عصير بعد كل ده." أومأت له بالرفض. ليشير لها لكي يذهبوا. وطلبت منه أن تسير. هي تريد أن تتشبث بكل لحظة. لعلها الأخيرة. وسارت بجانبه. والصمت حليفهم. ربما صمتت الأفواه. لتتحدث القلوب. ظلمت_لكونها_أنثي عفاف_شريف وصلوا أخيرًا أمام البناية. دلفت هبه ويحيى متجهين نحو شقتها. لتقف هبه قبل أن تفتح الباب. قالت بابتسامة وعيون لامعة: "شكرًا." يحيى بتأكيد: "مفيش شكر بينا." وأكمل بهدوء: "هبه." "أنا كنت عايز أقولك." وقبل أن يكمل كان الباب يفتح. وتقف أمامهم أسماء تحمل مليكة تنظر لهم بترقب. وهي تقول بشك: "انتو بتعملو إيه." نظر لها يحيى بشر وهو يود قتلها. غبية حمقاء كالعادة. توترت هبه وهي تدلف للشقة تحمل مليكة وهي تقول بتلعثم: "انتي عرفتي منين إننا جينا." أسماء بتأكيد: "سمعت صوت." "ولما بصيت من العين لقيتكم واقفين." نظر لها يحيى شرزًا. وتحدثت من تحت أسنانه: "يلا يا حبيبة أخوكي." "هاتي شنطتك." ابتلعت أسماء ريقها بخفوت وهي تقول: "لا، ليه." يحيى بهدوء وابتسامة شريرة لما سيحدث لها: "هريحك." "قصدي هروحك." نظرت له أسماء بشك. ودلفت للغرفة لتحضر حقيبتها. أما يحيى فاقترب منها ينتشل الصغيرة. يضمها لصدره يمرغ أنفاسه بخصلاتها الناعمة ورائحتها الطفولية الجميلة مثلها. حضرت أسماء. ليعطي الصغيرة لهبه. ويشير لها باللحاق به. لكنها ترد بحماس متذكرة: "آه صح، طلع إيه." ابتسمت هبه وهي تقول: "بنت." قفزت أسماء وهي تحتضن هبه تبارك لها بسعادة. وهي تقول: "ما شاء الله تبارك الله." "ألف ألف مبروك يا روحي." "عقبال ما تقومِ بالسلامة يا رب." وظلت أسماء تبارك وتحتضن هبه بسعادة. إلا أن نفذ صبر يحيى. وهو يجرها جرًا لشققته. وهي تحاول الفرار معترضة. تريد الاحتفال. ليكمم فمها حاملاً إياها لشققته. ضحكت هبه بقوة تغلق الباب. وتحتضن الصغيرة هامسة لها بحب. "هيجيلك أخت." "تخيلي." ابتسمت الصغيرة فقط لابتسامة هبه. لتضمها الأخرى بحب. الكثير منه. ظلمت_لكونها_أنثي عفاف_شريف دلف يحيى لشققته ليغلق الباب بساقه. ويلقي بشقيقته فوق الأريكة بملل. أسماء بعصبية: "انت إزاي تشلني زي الشوال كده." يحيى بتحذير: "صوتك." غمغمت أسماء بضيق وهي تقول: "بس بقي، أنا مفروسة منك." "كنتوا فين يا حبيبي لحد دلوقتي." "أنا قلت الواد هيدخل عليا بشوية حرنكش." "طبق تين." "داخل فاضي." اتسعت عينا يحيى وهو يتطلع إلى أخته بعدم تصديق. يحيى: "قومي يلا على بيتك يا حبيبتي." "مش عايزة أشوف وشك هنا تاني، يا ريت." ضربت أسماء على ساقه وهرعت للداخل. أما هو فـ تسطح على الأريكة يتطلع إلى اللا شيء. والابتسامة لا تغادر شفتاه. خرجت أسماء من المطبخ تحمل في يدها طبق الفاكهة تأكل منه. لتجد أخاها على ذاك الوضع. ارتفع حاجبها بمكر. وهي تقترب منه تجلس بجانبه. وهي تقول: "قولي بقي، مخبي إيه." انتفض ينظر لها لا يدري متى أتت من الداخل. أسماء بمكر: "قولي بقي." "ده أنا أختك حبيبتك." "لما متحكيش ليا، تحكي لمين." "أخص عليك." نظر لها بشك. لكنها أكملت: "قول بقي، في حاجة مخبيها عليا." "كنت حاسة." نظر لها بتوجس يخاف أن يخبرها. ليقول بهدوء: "مفيش أسئلة." أسماء بتأكيد: "مفيش أسئلة." ليكمل: "مفيش رغي ولت ودودودود، مفيش." أومأت له. ليتنفش بعمق قائلاً: "أنا طلبت من هبه الجواز." اتسعت عينا أسماء بشدة. ليكمل بقنوط: "ورفضت." ظلمت_لكونها_أنثي عفاف_شريف اتسعت عينا أسماء أكثر وهي تنظر له بعدم تصديق. إلى أن نطقت: "إيه." "مش فاهمة." "طلبت منها الجواز." "إمتي." "ورفضت ليه." "فهمني، إيه اللي حصل." تنهد يحيى بقنوط وهو يحكي لها ما حدث. انتهى أخيرًا. وهي تنظر له ببرود وتقول: "رفضت بس." "الرفض قليل عليك." "في حد يعمل كده." قالتها وهي توكزه في ذراعه. "في حد يتقدم لوحده ويقولها هنتجوز عشان انتِ أم بنتي." "إيه يا يحيى، من إمتى وأنت دبش كده يا حبيبي." "لولا إني كنت عارفة علاقتك بإيمان، كنت صدقت إن ده انت." "بس انت شخص عمره ما كان متردد." وأكملت بحنان وهي ترى علامات التردد على وجهه. "فـ فهمني بس." يحيى بتعب: "مش عارف يا أسماء." "حاسس إني بخون إيمان." "الإنسانة اللي حبتها من كل قلبي." "اللي عشت معاها أجمل سنين حياتي." "وربنا أراد إنه يسترد أمانته." "وفجأة طلعت هبه." "معرفش إمتى وإزاي." "بس." "بس." أغمض عيناها برفض. لتكمل هي: "بس انت بتحبها." "ببساطة بتحبها." "بص يا يحيى، إننا نكمل حياتنا ونبدأ صفحة جديدة عمرها ما كانت خيانة أبدًا." "بالعكس، تظن إيمان هتكون فرحانة وانت وحيد عايش كأنك مش عايش." "حياة لا فيها طعم ولا لون." "أنا مبقولكش إنسي الماضي وإيمان." "بس مش من حقك تهدم المستقبل." "انت بتحبها." "عارفة يعني إيه." "يعني لازم تعترف لنفسك الأول قبل ما تعترف لها." "هبه تستحق." "يحيى، هسألك سؤال." نظر لها لتكمل. "مَجاش في بالك للحظة." "إن هبه ممكن تكون هي كمان بتحبك." اتسعت عينا يحيى. وهو يفكر. تحبه. أمن الممكن أن تكون تحبه. ربتت أسماء على ساقه. وهي تودعه وتغادر. وظل هو يفكر: هل من الممكن. أن تكون هبه تحبه. والفكرة كانت صادمة. ظلمت_لكونها_أنثي عفاف_شريف صباح جديد للجميع. في منزل أحمد وسحر. استيقظ الجميع مبكرًا بعد نوم طويل. دلف أحمد للشقة يحمل الفطور الساخن. ليجتمع الجميع أرضًا لتناول الطعام. انتهوا بأكواب الشاي الساخنة بالنعناع. أحمد بهدوء: "هتروحوا فين النهارده." سحر بحماس: "خلاص فاضل يومين على رمضان." "عايزة أروح الحسين والسيدة زينب." "هنشتري حاجة رمضان." "تمر ومكسرات وقمر الدين وكل حاجة." كانت تتحدث ولم تر نظرات حنان الساكنة. لم يشتري محمد يومًا لهم ياميش رمضان، كان يرفض ويضربها إن أصرت. ولولا حقيبة رمضان التي يرسلها أحمد ما دخلت بيتهم. أفاقت على صوت سحر وهي تقول: "ناقص إيه تاني يا حنان." حنان بهدوء: "تقريبًا مفيش." سحر بتأكيد: "آه، بس والزينة." أحمد بضحك: "ناوية على المرّ كله شكلك." سحر بتأكيد: "أيوه." ضحك أحمد والصغار. وأكمل هو: "تمام." "هنزلكم في الحسين." "وهروح أقابل صاحب الشقة، عايز أخلص كل حاجة عشان نستلم الشقة." سحر: "على خير يا رب." "تمام، يلا يا ولاد، الكل يجهز." "هنجيب فوانيس رمضان." ركض الصغار يرتدون ملابسهم. وتوجهت سحر خلف زوجها بعد أن طلب منها اللحاق به. دلت للغرفة. لتجده يحضر الأموال. أحمد بهدوء: "ناقص..." سحر: "عملت حسابي." وأخرجت من إحدى الحقائب. علبة الذهب الخاصة بها. وهي تقول: "بإذن الله هيكفي ويفيض." أحمد برفض: "أنا لسه رافض بيع الدهب." سحر: "وأنا لسه مصرة عليه." "يا أحمد، ده لازم يحصل." "بكرة تعوضهم." "مش قلتلك الرايح لله هيجي أضعاف أضعافه." "ثق فـ الله." "خير." "يلا بقي قوم البس." "عشان تلحق تودينا، اليوم هيكون طويل." أومأ لها. لكن قبل أن تذهب. ضمها إلى صدره وهو يخبرها بكل صدق: "بحبك." ظلمت_لكونها_أنثي عفاف_شريف أوصلهم أحمد حيث طلبت منه سحر. وتركهم وذهب لاتمام إجراءات الشقة. أما سحر فقد أعطت لكل شخص طفل. حبيبة عزت. مروة عبد السلام. فيروزة حازم. وجعلتهم أمامها هي وحنان لا تغفل عيناها عنهم. مشت في شوارع القديمة تستمتع إلى أغاني رمضان. وتتطلع إلى الزينة الخلابة. الفوانيس. شكائر التمر المكسرات. وياميش رمضان المنتشر في كل مكان. الزحام المحبب لقلبها. رائحة الشوارع كانت مختلفة. بها دفء وروح مميزة. خاصة فقط بالشهر الكريم. بدأت في شراء الياميش. من كل شيء اثنين. واحدة لها وواحدة لحنان. ولم تهتم أبدًا لاعتراضها. فهي أختها مهما حدث. وأخيرًا انتهت ولم يتبق سوى الفوانيس. الجزء الأقرب لقلبها وقلب الجميع. دلفوا لأحد المحلات. لتجلس سحر وحنان بجانب الحقائب. وتطلق العنان للصغار في شراء أي فانوس. وفعلًا انطلق الصغار أمامها. إلا فيروزة وعبد السلام. اقتربت سحر من عبد السلام وهي تقول: "يلا يا بودي." "اشتري أي حاجة، ماما هي اللي قالتلي أقولك." نظر بتردد إلى أمه. لتومئ له الأخرى بعينين دامعتين. فسحر لم تصلحها فقط، بل تصلح علاقتها بأبنائها. سحر لفيروزة الشاردة: "وانتي كمان يلا." أومأت لها فيروزة بشرود. وهي تحاول أن تكون طبيعية. لكنها لا تستطيع أبدًا. لكن في النهاية اندمجت مع الصغار. وأحضرت لنفسها وللمرة الأولى. فانوس رمضان. ضمته إلى قلبها بسعادة. سعادة طفلة صغيرة لم تذق طعم السعادة. ظلمت_لكونها_أنثي عفاف_شريف في المستشفى. كان عبد الرحمن يجلس على أحد المقاعد منذ ليلة أمس. في انتظار أن يطمئن على أمه. فالقلق ينهش قلبه والذنب يقتله، فإن كان أحد ما السبب فيما يحدث الآن. فـ بكل تأكيد هو. أراح رأسه للخلف وهو يفكر. ماذا سيحدث الآن. ما سيكون وضعه بعدما حدث ما حدث. أمه وفيروزة، يبدو أنها حل تلك المعادلة سيظل مستحيلًا إلى الأبد. استمع إلى صوت الطبيب ينادي باسمه. وقف وهو يقول: "طمني يا دكتور." الطبيب: "الوضع بدأ يستقر، لكن لازم أحذرك أن لو لا قدر الله وأصابتها ذبحة ثانية هيكون التدخل جراحي." "لازم تمشي على التعليمات ونظام الأكل والأدوية بانتظام." "هي عايشة لوحدها." عبد الرحمن بتعب: "لا، أنا عايش معاها." الطبيب: "كويس جدًا." "اتفضل معايا على المكتب." "هشرح لك الوضع هيكون عامل إزاي." وذهب خلفه بقلب منكسر لأجل أمه. ولأجل حلم احترق أمام عينيه حينما ظن أن هناك أملًا. ظلمت_لكونها_أنثي عفاف_شريف في منزل آدم. اجتمع مع أمه على طاولة الغداء. وهو شارد صامت وحزين. ربتت على يده وهي تقول: "لسه مردوش." آدم بهدوء: "لا." "البواب قالي إنهم سافروا." ردت بتأكيد: "متعرفش ظروف الناس." "يا حبيبي." "أوعى تزعل." آدم بشرود: "تظني رفضت." زمت شفتاها وهي تقول: "ولو." "متظنش، حقها." "أنا أظن، حقها ترفض أو تقبل." "ولازم تتقبل ده." آدم باستغراب: "إيه الهدوء ده يا ست الكل." وأكمل بسخرية: "أنا أتألم." ابتسمت بهدوء وهي تضع له كوب العصير. وتقول: "للأسف." "بس مش يمكن مش نصيبك." آدم برفض: "بس أنا بحبها." "تظن الحب من طرف واحد كافي." قالتها بتساؤل. اتسعت عينا آدم وهو يقول: "انتي خلاص حاسة إنها رفضت." "لا، وكمان بتحب." هزت رأسها برفض وهي تقول: "أنا بس بجهزك لرد." "سواء بالقبول هنتقبل ونفرح." "أو بالرفض وهنتقبل ونرضى." "مينفعش تفضل مقتنع بالموافقة." "وناسي إن في رفض." "مينفعش يا آدم." "انتوا اتنين مش واحد." "ولحد ما تبقوا واحد، لكل شخص رأيه اللي لازم تتقبله." وقف آدم من على مقعده وهو يودعها سريعًا ويخرج. وظلت هي مكانها تنظر في أثره. تخاف أن يجرح. لكن لابد أن توضح له. فجرح اليوم أهون من الغد. ولعله يشكرها أنها جرحته. ظلمت_لكونها_أنثي عفاف_شريف انتهى أحمد أخيرًا من الاتفاق وعاد ليأخذهم حيث هم في انتظاره. ركب الجميع السيارة. سحر وعزت في الأمام. وفي الخلف. حنان وفيروزة وحبيبة ومروة والصغار. سحر بهدوء: "عملت إيه." أحمد: "الحمد لله، خلصت كل حاجة." "وكله مشي بسهولة، سبحان الله، كانت متيسرة." "والراجل كان محترم وكرمني في السعر." "بس لسه مدفعتش الفلوس." "بإذن الله مع التسجيل لما نرجع." سحر بسعادة: "الحمد لله، الحمد لله." أحمد بسعادة: "وتخيلي إيه كمان." سحر بهدوء: "إيه." أحمد: "خدتها بالعفش." "هو وراني الصور." "والحقيقة العفش نضيف جدًا." "ناقص بس الأجهزة الكهربائية." "تاخدي حنان وتنزلِ تجيبيها." سحر بابتسامة: "نبقى ننزل أنا وانتي يا حنون." حنان بهدوء: "بإذن الله." أحمد متسائلًا: "قولولي بقي جبتو إيه." "شايف شنط كتير." أسرع عزت بطفولة: "بص يا عمو، أنا جبت إيه." "فانوس حلو." سحر بحنان وهي تحتضنه: "انت الحلو وبس." ضحك عزت. ليرد أحمد: "حلو أوي يا زيزو." أسرع حازم يريه هو الآخر. وبقي عبد السلام ينظر له بتردد. وأخرج فانوسه يريه إياه. أحمد بهدوء: "جميل أوي يا بودي." "كل سنة وانتو طيبين يا ولاد." "عقبال كل سنة." "آمين." قالها الجميع. وابتسم عبد السلام بخجل مندسًا في حضن أمه بسعادة. سعادة تنمو وتنمو مع تلك العائلة. في منزل مجيدة. كانت مسطحة على فراشها بروح خاوية. خصلات مقطعة من كثرة الشد. عيون منتفخة باكية تصرخ ألمًا. تبكي بقوة وقهر وعجز. لأول مرة تشعر بذاك الشعور. عاجزة أن تصرخ. تشعر أنها مقيدة. مكبلة. محطمة. لا تعلم ما سيحدث الآن. هي تفعل لا تُجبر. لكنها أُجبرت. أجبروها. أغمضت عيناها بقهر. والأفكار السيئة تزداد بداخلها بكل دقيقة. الأفكار تقتلها. تذبحها. ما حدث سيء، بل بشع. لقد اغتصبت. اقشعر بدنها عند تلك الكلمة وهي تبكي تكتم شهقاتها. لقد استغلّوها. لقد ذهبت لتصحيح أمر فزاد الأمر سوءًا. ليتها لم تذهب. ليتها. وما ينفع الندم. ما حاجته. أسيعيد ما أُخذ. أسيعيد شرفها. بكت وبكت. وتمنت أن تختفي. تمنت أن تموت. ما نفع الموت وهي هكذا. منهزمة، مقتولة ومذبوحة. لن تموت. لن تترك تلك الحياة الآن. ليس قبل أن تأخذ حقها. وتسلبهم حياتهم كما أخذوا منها كل شيء. انتفضت من السرير تبحث عن هاتفها بسرعة. بحثت حتى وجدته أخيرًا. أمسكته وهي تتصل بأحد الأرقام. منتظرة الرد إلى أن قالت بغل وكره: "البوليس." "لو سمحت، كنت عايزة أبلغ عن شقة مشبوهة." في منزل محمد. دلف إلى منزله بعد يوم عمل طويل. ليجد المنزل في حالة فوضى. الأشياء مبعثرة. وكل شيء متسخ. دلف إلى المطبخ. ليجد حاله ليس أفضل أبدًا. بل كانت كل الأواني والصحون على حوض الغسيل متسخة. ولم تكن بالمطبخ. أسرع يدخل إلى الغرفة بغضب. ليجدها تجلس على الفراش تلعب في الهاتف. محمد بصر/اخ: "انتي يا هانم." انتفضت الأخرى وهي تقول بخضة: "بسم الله الرحمن الرحيم." "انت جيت إمتى." محمد بعصبية: "ما انتي لو كنتي فايقة كنتي حستي." "ولا نضفتي الشقة اللي شبهه الزريبة." "كتك القرف." قالها وهو يبدل ملابسه. تاففت بضجر وهي تقول: "بس بقي، هو كل يوم نفس الأسطوانة، إيه مبتزهقش." "فكك مني، مش هتعكر مزاجي." تافف هو الآخر وهو يقول: "انجري سخني الأكل." "أنا معملتش أكل، اطلب جاهز." قالتها وهي تخرج من الغرفة. ليلحقها يمسك يدها يصرخ بقوة: "يعني إيه." شيماء بصر/اخ: "زي ما سمعت." "تعبانة مش قادرة، إيه كفرت." "وأوعى بقي، رحتك وحشة." قالتها بقرف وهي تركض بعيدًا عنه. وظل هو يقف مكانه. يتطلع حوله بقليل. قليل من الندم. في منزل رشا. كانت زينب تمشي خلف بناتها بقنوت. فـ بعد اعتذارها المجبر. قررت رشا أن تدعوهم لتناول الغداء. وأيضًا رؤية الشقق. دلت زينب تتطلع للشقة بتهكم. كل شيء سيء. أرضية، حوائط. بيت مهتري. لا يصلح للزواج. يجب تصليح كل شيء. زينب بقنوط: "هتعملي البياض والسيراميك إمتى." رشا بهدوء: "العيال هيجوا في رمضان يدوها وش نظافة كده." "وبس، نبدأ نجيب العفش وحدة وحدة." زينب: "وش نظافة." "دي الحيطان من كثر الوساخة محتاجة تتهد." "والأرض لازم يتركب سيراميك." رشا بهدوء وجرأة: "الشقق كده." "وعاجبة البنات." "أظن الرأي رأيهم." "ولا إيه يا فاطمة." فاطمة بضيق هي الأخرى: "آه طبعًا يا ماما." "بعدين نغير معانا العمر كله." "عادي نمشي حالنا دلوقتي بأي حاجة." زينب بصر/اخ: "انتي اتهبلتي." "هتدخلي في شقة زي دي." "إيه القرف ده." "مش شايفة منظر الأرض." "والحمام والمطبخ." "هتقدري تعيشي هنا." "إزاي هتقدري." "دي عاملة زي الشقق المهجورة." رشا بتأكيد: "السنين جايه كتير، بعدين يغيروا." "كده كده." "هي مش هتطبخ هنا." "الطبخ عندي تحت." "والعيشة تحت." "هنا نوم بس." زينب برفض: "اللي بيحصل ده أنا مش موافقة عليه." "انتوا شكلكم اتهبلتوا." وغادرت سريعًا. لم تهتم فاطمة في تلك اللحظة. نسيت أن مهما فعلت أمها ليس هي من يجب عليه أن يحاسبها. نسيت أنها تعاند نفسها قبل أمها. حتى هي ستحصد ما تزرع الآن. في منزل محمود وهبه سابقًا. دلف للشقة بدهشة وصدمة وهو يرى الباب مفتوحًا. والشقة بها عمال يعملون. الشقة فارغة. لا أثاث ولا أي شيء. علب الدهان في كل مكان على الأرض. والحوائط متغيره اللون. كأنها لم تعد شقته. ماذا يحدث. محمود باستغراب: "انتو مين." "وبتعملو إيه هنا." أتته الإجابة. من أمه الواقفة خلفه وهي تقول بهدوء: "أنا." التفتت لها وهو يقول: "انتي إزاي تتصرفي من غير ما ترجعيلي." "إيه اللي بيحصل هنا ده." "في إيه." نظرت له بحزم. والتفتت إلى العمال وهي تقول: "كملوا شغل يا رجالة، شوية وهبعتلكم الغدا." "هطلع أعملكم الشاي أهو." وغادرت تسحبه خلفها بغضب. دلت للشقة. ليصرخ بها بجنون: "هو إيه اللي بيحصل ده." "إزاي تعملي كده." "انتي هتجننيني." صرخت به: "صوتك ميعلاش عليا، قلتلك قبل كده." "و-ث-م انت عبيط." "بجد، قولي انت عبيط." "عايز تدخل مراتك على شقة قديمة." "مجيدة بنت اختي مش هتدخل على شقة قديمة، لازم كله يتجدد." محمود بغضب: "قديمة، انتي عارفة الشقة دي أنا كلفتها قد إيه." ردت بقوة: "قديمة ولازم يتغير." "أنا مش هتناقش تاني في أي حاجة تخص جوازك." "اللي مش هتعمله." "هعمله أنا." "جهز الفلوس للعمال." "وابعت هات غدا معتبر كده." "وانزل اقف معاهم." "عقبال ما أعمل الشاي." وتركته. وظل هو يقف مكانه يتلقى صدمة تلو الأخرى. تلك الزيجة ست/قتله لا محال. في منزل أحمد. نام الجميع. وغادرت فيروزة غرفتها. متوجهة نحو الشرفة. هي بحاجة أن تكون بمفردها. أن تختلي بنفسها. ليتها لم تره. فالألم بداخلها تفاقم. وزاد أضعاف أضعافه. هي تتألم. تتألم حقًا. لما الأمر بتلك الصعوبة. هي فقط تريده. هل هو كثير عليها. كل هذا لكونها مطلقة. انزلقت دمعة من عيناها. وهي تفكر. أصبحت تمقت تلك الكلمة. تكرهها. تحطمت بسببها. تحاسب على ذنب ليس بذنبها. صباح يوم جديد. في منزل أحمد. استيقظت فيروزة على خبر الرحيل. سحر بهدوء وهي تضع الإفطار: "كان نفسي نقعد يومين كمان." "بس خلاص." "بيقولوا بإذن الله رمضان بكرة." أحمد بهدوء: "بإذن الله نيجي يوم تاني." أغمضت فيروزة عيناها بضعف. لن تبكي. أمر الرحيل أتى أتى لا محال. وفي كل الأحوال يجب العودة سريعًا. هي تتألم هنا. تريد الابتعاد. انتهوا من الإفطار. تحرك الجميع للرحيل. أوصلوا سحر وحنان وحبيبة ومروة للقطار. وسافرت هي معه والصغار لكي لا يحدث شيء مثل المرة الماضية. استندت على الزجاج تتابع الطريق. تتابع حلمًا يرحل مع رحيلها. وقلب يترك قلبها. وروح تنزع منها قسرًا. تتابع تحطم حلمها. وأخيرًا تتابع. خسارتها. خسارتها لرجل لم يكتب لها. ولم تكتب له. في منزل عبد الرحمن. دلف للمنزل يفسح المجال للسرير النقال بالدخول. وضعوا أمه على الفراش وغادروا. وغادر هو للمطبخ سريعًا لتحضير الإفطار كما نصحه الطبيب. ووضع الأدوية والعصير. دلف للغرفة. يحمل طاولة الطعام للسرير. ليضعها أمام أمه. ويجلس ليطعمها بصمت. لا كلام ولا أي شيء. فقط رعاية واهتمام والكثير من الحب. مهما فعلت، هي أمه. مهما فعلت. أنهت طعامها سريعًا. ليساعدها على الاستلقاء. وكاد أن يغادر ليتركها تنام. إلا أنها منعته. وهي تمسك يده. رفع عيناه إلى عينيها. ليجدها تبتسم له. ابتسم له بهدوء. لتقول: "رايح فين." عبد الرحمن بهدوء: "هروح أروق الشقة." "وأجيب طلبات للبيت." "بكرة رمضان، كل سنة وانتي طيبة يا غالية." ردت عليه بحب: "وانت طيب يا حبيبي." "أول رمضان تقضيه معايا من سنين." عبد الرحمن بابتسامة: "آه." "بقالنا سنين طويلة." "من أيام بابا الله يرحمه." ردت بخفوت: "آمين." وأكملت: "عبد الرحمن." "سامحتني." "أنا آسف..." لم تكمل كلمتها وهو يمنعها: "مينفعش تعتذري." "يعني سامحتني." قالتها بخفوت. نظر لها بتشتت وهو يقول: "عمري ما ندمت عليكي." "مهما عملتي." "سوا طردتيني." "أو غضبتي عليا." "حتى لو رفضتي حلم حياتي." "والإنسانة اللي بحبها." "هتفضلي أمي اللي مليش غيرها." ردت عليه بأمل: "يعني هتفضل معايا." نظر للأسفل وهو يرد بتعب: "آه." لتكمل: "يعني خلاص." عبد الرحمن بقلب متألم: "خلاص." اندفعت تحتضنه. وهي تبتسم بسعادة. فـ أخيرًا عاد إليها ابنها. ضمها إليه بقلب منكسر. فـ لقد فقد فرصته الأخيرة. فقدها للأبد. مرت الساعات. وعاد الجميع أخيرًا للمنزل. نام الجميع منهكين ومتعبين. ولم يستيقظوا سوى ليلًا. اجتمع الجميع أمام التلفاز منتظرين إعلان دار الإفتاء. و أخيرًا. عاجل.. دار الإفتاء تعلن رسميا غدا أول أيام شهر رمضان المبارك. سحر بسعادة: كل سنة وأنتم طيبين. رمضان كريم. أحمد: الله أكرم. كل سنة وأنتم طيبين. الجميع: وانت طيب. أحمد بسرعة: أنا هنزل أجيب الطلبات بتاعة السحور. واستلم مفتاح الشقة. وانتم يلا وضبوا الشقة. أومأت له سحر. ليذهب هو. وبدأ الجميع في إعداد المنزل لاستقبال شهر رمضان. دَلَفَت سحر وحنان للمطبخ. وضعت على الهاتف أغاني رمضان وهي تدندن معها هي وحنان. وفي الخارج يتعاون الجميع على تنظيف ووضع الزينة. فغدًا سيبدأ أعظم الشهور. ولكل منهم دعوة يريدها وسيدعو بها. ولعل الإجابة قريبة. قريبة جدًا. ... فتح أحمد باب المصعد وهو يتحدث في الهاتف. ليصطدم في آدم. أشار له في الانتظار وهو يقول: أيوه يا محسن. بس أهم حاجة تكون حاجة كويسة. دي في الأول والآخر بنت. منا، أديتك البيانات. فيروزة محمد... أيوه بس زي ما قلتلك الشغل لازم يكون قريب من هنا ومش صعب. تمام، يلا سلام. أغلق الهاتف وهو يلتفت إلى آدم وهو يقول بهدوء: عامل إيه يا آدم؟ آدم بلهفة: الحمد لله. وحضرتك؟ أحمد: الحمد لله. كل سنة وانت طيب. آدم بابتسامة: وحضرتك طيب. وأكمل بحرج: هو حضرتك بتدور على شغل؟ نظر له أحمد. ليكمل بحرج: سمعت حضرتك. أحمد بهدوء: فعلًا. بدور لـ فيروزة. نظر له آدم بتفكير ثم قال: إيه رأي حضرتك تشتغل معايا؟ أحمد بحرج: آدم. أنا كنت عايزة أقولك. إنه يعني... أنا آسف يا ابني، كل شي قسمة ونصيب. وهنا اختفت ابتسامته. وحل محلها فقط الألم. ... آدم بصد/مة: رفضت. أحمد بهدوء: بص يا بني، أنا صريح معاك. فيروزة لسه خارجة من تجربة سيئة. صعب تدخل في علاقة جديدة. أكيد صعب. صمت آدم لا يجد ما يقول. إلا أن رد بإصرار: أنا عندي اقتراح. طالما هي مش رافضاني كشخص. إيه رأي حضرتك تشتغل معايا؟ مش يمكن لما تتعرف عليا توافق؟ نظر له أحمد بتردد وهو يقول: مقدرش أديك أمل. هكون كداب. هي رافضة الموضوع نهائي حاليًا. آدم بتأكيد: أنا مش هضغطها أبدًا. هي هتشتغل معايا وتتعرف عليا. وأوعدك مكررش طلبي غير وأنا شايف إنها مستعدة. أنا هستناها ولو سنين. نظر له أحمد وهو يحاول الرفض من جديد. لكن بداخله يريد. يريد تلك البداية. فيروزة تستحق بداية. تستحق السعادة. ... دَلَفَ آدم لمنزله مبتسمًا بحزن. لتستقبله أمه وهي تقول: آدم، أنا مكنش قصدي أجرحك. آدم: رفضتني. ابتلعت ريقها وهي تسحبه ليجلس بجانبها وهي تقول: مش نصيبك يا ابني. آدم برفض: لا. أنا بحبها. وقص لها ما حدث مع عمها. هزت رأسها بخوف وهي تقول: أنا مش حابة اللي بيحصل ده. البنت رفضتك. متعرضش نفسك لجرح زي ده. آدم بإصرار: أنا بحبها. وأكمل: احضنيني يا أمي. احتضنته وهي تردد: يارب. احتضنته بخو/ف. خو/ف على قلب صغيرها المسكين. ... عاد أحمد للمنزل. ليجده كما كان متوقعًا. نظيف، مجهز بجو رمضاني رائع بل خلاب. وإذاعة القرآن الكريم التي تحبها زوجته. أخذ منه الأطفال الطلبات. ودَلَفَ للمطبخ بعد أن أعلم حنان بوجوده. سحر بابتسامة وهي تشير للطعام: إيه رأيك؟ أحمد: ما شاء الله. جميل قوي، تسلم إيديكُم. سحر: خدت المفتاح. أومئ لها بهدوء وهو يخرج المفتاح، يضعه في كف حنان. وهو يردف: مفتاح بيتك يا حنان. نظرت لهم حنان تارة، وللمفتاح تارة. وانزلقت منها دمعة سعيدة. لتضمها سحر بحب. وهي تقول بمشاكسة: مش قلنا مفيش عياط؟ حنان بامتنان: شكرًا. أحمد: عيب يا حنان، إحنا إخوات. أومأت له. ليقول: فين فيروزة؟ فيروزة: أنا هنا. قالتها وهي تدلف للمطبخ. أحمد بهدوء: عندي لكِ خبر حلو. فيروزة بحماس: تقدري تبدئي شغل من بكرة؟ سحر بفرحة: بجد؟ فين؟ أحمد بهدوء: في عيادة آدم. حنان باستغراب: اللي رفضته فيروزة؟ أحمد بتأكيد: أيوه، وقبل ما ترفضي. الراجل هو اللي اقترح ومصر. فـ ليه لأ؟ وأكمل: جهزي نفسك يا فيروزة. ولو حابة تبدئي من بكرة كمان. أومأت له بتأكيد. وهي تفكر. ربما تلك البداية. ... يوم جديد. وليس كأي يوم. بل هو أول يوم في رمضان. إفطار أول يوم. يسارع الجميع في نقل الطعام. إعداد الطاولة. العصائر، التمر، الماء. وفي بيت أحمد كان حاله كحال كل البيوت. السيدات في المطبخ لتحضير الإفطار. والأطفال يلعبون بالخارج. لم تبقَ سوى بضع دقائق. والجميع يركض هنا وهناك. وأخيرًا. وضع الطعام واجتمع الجميع. ترأسهم أحمد على رأس الطاولة. وهو يردد: اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت. ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله. وفطر الجميع. في يوم مميز. لما حصلوا عليه منذ زمن. تلك السعادة في الأسرة. تلك السعادة كانت ألف سعادة. كانت الأجمل. ... في منزل محمد. كان يتناول الإفطار مع زوجته. في جو صاخب بسبب التلفاز ومسلسلات رمضان. لا روح للمنزل. لا شيء سوى الصخب. انتهى وغادر، يجلس في غرفته في قنوط. يشعر بالضيق. كأن أحدهم يطبق على نفسه. دَلَفَت زوجته للغرفة وجلست بجانبه. ظلت صامتة إلى أن قالت بكل هدوء: أنا حامل يا محمد. ... في منزل عبد الرحمن. كان يجلس بجانبها يتناول طعام الإفطار. نظرت له بهدوء. وهي تراه ساكنًا، صامتًا. لم يكن ابنها. لم يكن ذاك المشع طاقة وحب وضحك. كان فقط جسدًا. هذا الجالس أمامها فقد روحه. عاد إليها جسد بلا روح. بسببها. بسببها وحدها. ... يوم يتبعه آخر. ومر خمسة عشر يومًا. مر نصف رمضان في لمح البصر. أجمل شهر مر في غمضة عين. في عيادة آدم. كانت تقف تستند على حافة الشرفة. صافنة في هيئة السماء بعد نوبة أمطار شديدة. أحبها البعض والآخر لا. فمنهم من يحبها مثلها. ومنهم من يخاف من يوم نزولها للأرض. لكن عشقتها هي. لطالما كانت تعشق تلك القطرات. تلك الرائحة المنتشرة في الأجواء. نسمات الهواء المعبأة برائحة الأرض. الطرقات الغارقة. الأطفال المتحمسون. والصغار المتجمهرون عند النافذة رافعين أيديهم. مطالبين، وداعين. مصرين على الدعاء وهي تهبط أمامهم. واثقين أنه سيستجيب. كانت وما زالت من هؤلاء الأطفال. بمجرد أن تستمع إلى صوتها. تركض للشرفة بأول غطاء رأس أمامها. كان حجابًا أو حتى ملاءة سرير. تقف ترفع يديها تدعو وتبكي. قد يراها البعض حمقاء. لكنها تحبها، تحبها وتدعو بسقوطها دوماً. ظلت تنظر للسماء تبتسم بسعادة، شاعرة أن اليوم يوم الخير، يوم السعادة. وربما يوم تحقق الأمنيات. لطالما آمنت أن يوم المطر هو يوم يملئه الخير والبركة. تنهدت بسعادة. ولم ترَ ذاك الواقف خلفها. ينتظر أن تنظر إليه. أن تراه. وربما أن تحبه مثلما أحبها. أفاقت على صوت آدم. آدم: فيروزة، تعالي نراجع الملفات دي. التفتت تنظر له، تؤمي له بهدوء. توجهت نحو المكتب لمراجعة الملفات معه. ولم ينتبهوا لذاك الواقف أمامهم بص/دمة زلزلت كيانه. عبد الرحمن بص/دمة: فيروزة. انتفضت بخضة وهي تستمع إلى صوته المحبب، الس قلبه. تنظر إليه وتهمس بضعف: عبد الرحمن. آدم: عبد الرحمن.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...