تحميل رواية ظننتك قلبي الجزء الثاني بقلم قوت القلوب pdf
بقلم قوت القلوب
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
للصمت أحيانًا ضجيج يصرخ بما لم تنطق به الشفاة، فكثير ما أنهكتنا ثرثرة الأفكار ونحن بحالة الصمت والسكون. تمر الأيام وغيرها، لكن بداخلنا ذكريات لا تُنسى تتضارب بضجيج داخل عقولنا دون التفوه بها. هناك بعض القرارات تؤخذ رضا للعقل وألم للقلب، لكن حين نسترجعها تزيد من آلامها كما لو كانت وليدة اللحظة. حي النعماني (مكتبة بحر) من النادر أن يبقى الناس كما عهدناهم أول مرة، فهناك من تُغيره الأيام، وهناك من يَظهر معدنه بمرورها. فالذهب يبقى ذهب مهما تغطى بالتراب، والحديد يبقى حديد مهما لمع ببريق مصقول. أرخى "ب...
رواية ظننتك قلبي الجزء الثاني الفصل الأول 1 - بقلم قوت القلوب
للصمت أحيانًا ضجيج يصرخ بما لم تنطق به الشفاة، فكثير ما أنهكتنا ثرثرة الأفكار ونحن بحالة الصمت والسكون.
تمر الأيام وغيرها، لكن بداخلنا ذكريات لا تُنسى تتضارب بضجيج داخل عقولنا دون التفوه بها.
هناك بعض القرارات تؤخذ رضا للعقل وألم للقلب، لكن حين نسترجعها تزيد من آلامها كما لو كانت وليدة اللحظة.
حي النعماني (مكتبة بحر)
من النادر أن يبقى الناس كما عهدناهم أول مرة، فهناك من تُغيره الأيام، وهناك من يَظهر معدنه بمرورها. فالذهب يبقى ذهب مهما تغطى بالتراب، والحديد يبقى حديد مهما لمع ببريق مصقول.
أرخى "بحر" رأسه مستمعًا لوالدته بإنصات، فقد مرت به الليلة وبهذا الوقت خصيصًا لتفيقه من غفلته وتنقذه من أن ينجرف مع التيار لتخسره للأبد.
وقفت تلك السيدة الخمسينية تُحدث ولدها الوحيد بحِدة لم تعتادها معه من قبل.
- وأخرتها معاك يا "بحر"، لحد إمتى حتفضل ماشي في الطريق ده، أخدت منه إيه بس غير وجع القلب!!!
تنهد "بحر" وهو يرفع عيناه للفراغ ململمًا جرح قلبه المنشطر قبل أن يردف بصوت متحشرج.
- الليلة كتب كتابها يا ماما، مش قادر أروّح البيت وأعدي من قدام بيتهم وأنا متأكد إن الليلة دي آخر ليلة، كان عندي أمل الدنيا تتغير وتسيب "مأمون" ده.
مطت "أم بحر" شفتيها بإمتعاض لتردف بعقلانية.
- هو يعني إللي خلقها مخلقش غيرها، ما خلاص بقى هي إختارت إبن عمها وخلصنا. (ثم عقبت بنفس ضائقة) وبعدين أنا مكنتش عايزاك تعرف الناس دي ولا تقرب منهم طول عمرك، يا ريتني عرفت إن بنتهم هي إللي بتشتغل معاك هنا في المكتبة، إبعد يا إبني عن طريقهم دول ناس ميتعاشروش.
تهدجت أنفاسهُ بضيق ليقبل الأمر على مضض قائلًا.
- خلاص يا ماما، معدش له لزوم الكلام ده، روحي إنتِ البيت وأنا حبقى أقفل وأجيلك.
"ليس للهوى سلطان" مقولة محقة تمامًا، لهذا إستسلمت "أم بحر" للأمر لتومئ بخفة مغادرة المكتبة برضوخ.
- ماشي يا "بحر"، متتأخرش، ملهوش لازمة الشغل يوم الجمعة كمان.
حاول "بحر" مجاراتها حتى تتركه بمفرده، فلا طاقة له بالحديث لأحدهم فيكفيه ضجيج رأسه وأفكارها.
- حاضر يا ماما، إتفضلي إنتِ.
خرجت والدته ليجلس "بحر" بهدوء فوق المقعد الذي كانت تتخذه "نغم" من قبل لينكس رأسه بين كفيه متذكرًا تلك الأيام الماضية بعد لقائه بـ"نغم" و"مأمون" أمام بيت النجار.
ليتذكر أنه لم يتحمل "بحر" تجرؤ "مأمون" عليه والحط من شأنه بتلك الصورة خاصة أمام "نغم"، فقد تعمد إزدرائه بصورة مخجلة إنتهى به الأمر ليطرده بتلك الصورة المهينة.
عاد "بحر" أدراجه وقد أظلمت الدنيا بعينيه من شدة غضبه من هذا الحقير "مأمون" متوعدًا له بأن ينتقم منه ويزيحه عن طريقه وطريق "نغم".
إنتبه لأمر ما ليتجه نحو أحد معارفه القدامى فقد طرأت برأسه فكرة قد تخلصه نهائيًا من "مأمون".
بعد وقت ليس بالقليل فقد اتخذ إحدى الحافلات للوصول لهذا الرجل المدعو "شبارة" أحد تجار الأسماك بشادر السمك.
توقف "بحر" أمام هذا المتجر الخاص ببيع السمك الطازج حيث يعمل "شبارة" ليلقي التحية أولًا لجذب انتباهه إليه.
- السلام عليكم، إزيك يا معلم "شبارة".
انتبه هذا الرجل الأسمر ذو الجلباب المعقوص لمن يناديه ليلتفت إليه لتتضح ملامحه المقتضبة ووجهه الطويل وشاربه الكثيف أسود اللون.
تهللت ملامحه بإرتخاء مرحبًا بـ"بحر" بحفاوة شديدة.
- أستاذنا، ده إيه النور ده، إتفضل يا غالي.
ثبت "بحر" بموضعه ليردف بتأدب.
- متشكرين يا معلم، كنت بستأذنك عايزك في موضوع كدة.
نفض "شبارة" يده عن تلك الأسماك التي كانت يمسكها بين راحتيه ليمسح كفه بجلبابهِ الملطخ والذي تفوح منه رائحة عطب قوية.
- أوى أوى يا غالي، إنت تؤمرني.
تقدم "شبارة" بضع خطوات تجاه "بحر" الذي عزم الأمر على ما تفكر به.
- شوف يا معلم "شبارة"، أنا عندي مصلحة وعارف إن مفيش غيرك حيقضيها لي.
ضرب "شبارة" رقبته بخفة بكفه الغليظ مجيبًا بإبانه.
- تحت أمرك، رقبتي.
- تسلم يا معلم. (ثم اخفض "بحر" صوته متلفظًا بها دفعة واحدة) أنا عاوز حتة حشيش.
رفع "شبارة" حاجبيه بإستسهال للأمر.
- بس كدة، من عنيا، غالي والطلب رخيص، بس ااا متأخذنيش يا أستاذنا، أنا مكنتش أعرف إن ليك في الصنف.!!!
زاغت عينا "بحر" ببعض الدهاء لتتبدل شخصيته لغير ما اعتاد عليه.
- عايزها في مصلحة كدة.
أومأ "شبارة" بإنصياع وهو يشير تجاه أحد المقاعد.
- أقعد يا أستاذنا، نص ساعة وطلبك يكون جاهز.
لم يخب "شبارة" ظنه ولم يمر أكثر من ساعة إلا وكان "بحر" بطريق عودته يحمل قطعة من (الحشيش) بين خبايا سترته لتنفيذ خطته بإقصاء "مأمون" نهائيًا من طريق "نغم" ليفسح له المجال بمفرده للوصول لقلبها.
خطة ماكرة بوضع قطعة (الحشيش) ببيت "مأمون" أو بحوذته للتخلص منه وإبلاغ الشرطة.
لكن سرعان ما تلاشت أحلامه بالتخلص منه، فقد كان "مأمون" أكثر دهاء منه فحين علم ببداية الأمر بوجود "بحر" ببيت النجار وسبب تلك المشكلة المفتعله من والدته، أوصى "مأمون" أحد العاملين بالوكالة لملازمة "بحر" و مراقبة تحركاته كاملة وإستطاع "مأمون" كشف مؤامرته التي كاد "بحر" أن ينجح بها لو كان قد غفل عن مكره.
لقاء آخر جمع "مأمون" بـ"بحر" لكن هذه المرة بعيدًا عن بيت النجار حيث فاجئه قبل وصوله لشقة "مأمون" الجديدة مواجهًا إياه بعيون حادة وقوة تميل للقسوة أحيانًا حين قطع "مأمون" طريق "بحر" المتفاجئ بوجوده.
- طلع الحشيش.
إضطرب "بحر" لكشف "مأمون" له لكنه تحلى بالثبات رغم ذلك.
- حشيش إيه، إنت فيه حاجة في دماغك!!!!
بإستعلاء شديد ضم "مأمون" شفتيه ثم أردف بإستهزاء.
- ما هو ما تتخيلش بمخك إللي على قده ده إن حتة واد دلوعة أمه زيك إنت حيهددني أنا يا روح ماما، ده أنا برضه "مأمون النجار".
كز "بحر" بأسنانه بغيظ من هذا المتطاول، ليقبض بكفه يكوره بقوة يناظره بحِيِرة، فمن أين علم بأمر (الحشيش)، فلم يمر سوي القليل منذ تحصل عليه من "شبارة".
- لم نفسك بدل ما أعلمك الأدب.
رفع "بحر" قبضته تجاه "مأمون" لكنه تصدى لها وقبض بكفه قبضة "بحر" بقوة ليضع عيناه نصب عينيه وقد لمعتا بحدة ليردف مهددًا إياه.
- لآخر مرة بقولها لك بالذوق يمكن تفهم، لو مبعدتش عن طريقي وطريق "نغم" لا حندم أمك عليك، وحتة الحشيش اللي كنت ناوي تبليني بيها دي حتلاقي أنقح منها في بيتك وأقدر ألبسك بدل التهمة عشرين، فبدل ما تخسر نفسك وأهلك إحترسني يلا، أنا لحمي مُر، ومتاكلش بسهولة، إحترس نفسك.
دفع "مأمون" قبضة "بحر" يفلتها من بين كفه ليمد يده بجيب سترة "بحر" عُنوة مخرجًا منها قطعة (الحشيش) قبل أن يضحك بتهكم.
- متشكرين على الواجب يا أبو الواجب.
كان هذا آخر لقاءه به، لكنه كلما حاول التحدث مع "نغم" لاقته بصدود بكل مرة حتى تيقن أن الأمر قد إنتهى وأعلنت تلك النهاية.
﴾أغمض "بحر" عيناه بقلة حيلة بعد تذكره ما حدث بذلك اليوم، عائدًا لواقع مُر، فاليوم سيُعقد قرآنها على هذا الحقير وهو الضعيف الذي لم يستطع التغلب عليه واستسلم له رغمًا عنه، خاصة بعدما علمت والدته بما حدث وأصرت أن يتجنب الأمر تمامًا فهم ليسوا بأهل للمشاكل ولا تود إقحام نفسها بها، أغلق "بحر" المكتبة عائدًا لبيته القريب ليناظر بيت النجار بتحسر قبل أن ينتهي المطاف به ببيته يتمنى مرور تلك الليلة التي لن تمر على قلبه بسلام.
بيت محفوظ الأسمر (شقة وعد)
في عالم من الأحلام حلقت تلك الفراشة ترفرف بأجنحتها بين الأغصان والزهور. هل تلك ما تسمى بالسعادة؟ إنها لأمر جميل للغاية، لقد شعرت بقلبها يتراقص فرحًا كلما سمعت همس صوته الحالم. لقد أصبح "محب" عنصر هام ليومها، فلا يوم يستحق أن يُحسب من عمرها إلا بوجود "محب" به فقط.
أشرق وجهها ولمعت عيناها ببريق الحياة، أصبحت مُقبلة عليها، سعيدة بيومها وبحياتها الهانئة.
وجود "محب" بحياتها كاد أن ينسيها "عاطف" بالمرة، بل هي بالفعل نسيته. خرجت "وعد" بحركة رشيقة نحو غرفة المعيشة لتحمل "زين" للأعلى تدور به ببهجة تداعبه بحنو.
- حبيب قلب مامي، روح قلب مامي.
طبعت قبلة حانية فوق وجنته الصغيرة لتضمه بعدها بقوة قبل أن تتوقف عن دورانها بأنفاس متهدجة.
- ااه، مامي تعبت يا "زون"، كفاية لعب بقى.
أمال الصغير رأسه تجاه اليسار بوداعة قائلًا.
- أصير (عصير).
وضعته "وعد" أرضًا وهي تعبث بشعره المموج.
- حاضر يا عيون مامي، حالًا أجيب لك عصير الفراولة إللي بتحبه.
على الفور اتجهت نحو المطبخ لتخرج من البراد قنينة عصير الفراولة لكنها وجدت العبوة فارغة. امتعض وجهها قليلاً لتلتف عائدة لصغيرها لكنها تفاجئت بـ"محب" يقف خلفها تمامًا لتصدم به لحركتها السريعة. لحظة من الإندهاش تلتها ضحكة صافية احتلت وجهها الناعم.
- مسمعتكش وإنت جاي، خضتني.
ابتسم "محب" مغازلًا إياها.
- أعمل إيه قلبي طاير ومخليني أطير من على الأرض عشان أوصلك.
علقت ذراعيها تشابكهما برقة خلف رقبته متسائلة بفضول.
- لا بجد، إنت إزاي كدة، مش بسمع لك صوت خطوات خالص، بجد خفيف جدًا.
داعب أنفه بأنفها قائلًا بغرور مازح.
- أنا رياضي، مفيش مني إتنين، وزن الريشة، تعرفي وزن الريشة.
نظر نحو البراد مستفهمًا عما كانت تبحث عنه.
- كنتِ بتدوري على إيه؟!!
تنهدت بإستياء قبل أن تجيبه بضجر.
- عصير "زين" خلص، وحيعمل فيلم دلوقتِ عشان وعدته أجيب له العصير.
فاه بخضراوتيها بهيام لتدق ضربات قلبها متسارعة بنبضاتها حين همس بحالميته التي تسرق قلبها.
- هو إنتِ لم توعدي لازم توفي؟؟! يعني لو وعدتيني بحاجة حتنفذيها.
شعرت بالإضطراب لطريقته التي تلقيها ببحور من الرومانسية الحالمة لتبتعد خطوة نحو الخلف بخجل.
- أنا حروح أشوف "زين".
جذبها "محب" من مرفقها يوقفها قبل أن تهرب منه.
- خلاص تعالي، بلاش تهربي مني كدة، يلا غيري هدومك إنتِ و "زين" حننزل الهايبر نشتري لوازم البيت والعصير إللي إنتِ عاوزاه.
حتى بأدق التفاصيل يشاركها بها، كم هي محظوظة للوصول لما تتمني وما حلمت به لسنوات طويلة، لكنها أشفقت عليه فمنذ ليلة زواجها وهو يصطحبهما يوميًا خارج البيت لقضاء وقت لطيف أو شراء ما يحتاجونه أو لتناول الطعام ولم يحظى على أي وقت للراحة والاسترخاء.
- هو كل يوم تاخدنا بره كدة.؟!!
بتقبل شديد وسعادة حقيقية أجابها بصدق.
- ولو كل لحظة طالما دي حاجة حتفرحك وتسعدك.
ضمت شفتيها بسعادة لوجود هذا المحب بحياتها الباهتة ليكسبها بوجوده رونق الحياة والألوان الزاهية.
بدلت ملابسها في عجالة لترافق "محب" و"زين" لشراء لوازم البيت من السوق.
فيلا الأيوبي
لم تكن بليدة الإحساس سعيدة بهروبها ونجاتها وحدها من قهر بيت العائلة، فكم اشتاقت لأمها وأختها وأشفقت على ما هم فيه الآن، فلابد أن اليوم هو يوم عقد قرآن "نغم" بـ"مأمون".
وقفت "شجن" بشرفة البهو الكبير تتطلع نحو حدائق الفاكهة من حولها بمشهد بديع رائع لكنها كانت تشعر بالاختناق والضيق لبُعدها عنهم، لكن ذلك ربما يكون دافعًا لهم ليستفيقوا من تعمقهم بإيذاء أنفسهم.
مر أسبوع كاملًا وهي تقيم ببيت "أيوب" الكبير تشعر به بالألفة والمحبة والقلوب الصافية.
روتين يومي معتاد فالجميع يستيقظ بالصباح يدور ويجول بداخل المزرعة إلا "أم محمد" وابنها هما فقط من يسمح لهم بدخول البيت، فالسيدة "أم محمد" تعتني بنظافة البيت وترتيبه وتجهيز الطعام، بينما ابنها يشتري لوازم البيت من خضروات وبقالة وغيرها وأيضًا يساعد "أيوب" للاعتناء به حين يطلب منه ذلك.
إن "أيوب" بالفعل يعيش بمفرده فطوال هذا الأسبوع لم يأتي أحد لزيارته ولم يتصل به أحد على الإطلاق، كم هو رجل وحيد للغاية.
يتحرك "أيوب" بصعوبة بالدور العلوي عن طريق المقعد المتحرك لكنه لا يتجاوز الحركة من غرفة لأخرى فقط.
تنهدت "شجن" بضيق لتدلف نحو الداخل لتتجه نحو غرفة العم "أيوب" لتطمئن عليه قبل خلودها للنوم.
طرقت الباب بخفة لتستمع لصوته الواهن يسمح لها بالدخول.
- تعالي يا "شجن".
تقدمت "شجن" نحو "أيوب" قائلة بابتسامة مصطنعة.
- معاد الدواء جه، وخفت أتأخر عليك أكتر من كدة، ها، يلا بينا.
تملل "أيوب" متسائلًا بضجر شديد.
- هو لازم الدواء ده كل يوم كدة، أنا زهقت منه.
جلست "شجن" تشاطره الضجر الذي ظهر على ملامحها.
- معلش يا عم "أيوب"، الدكتور عاوز كدة.
تفحص "أيوب" ملامحها بفراسة قبل أن يسألها بشكل مباشر.
- إنتِ زعلانه على أختك.؟!!
صمتت للحظات متذكرة تلك الأيام الماضية التي قصت له بها عن سبب تركها لوالدتها وأختها واضطرارها للرحيل، تلك الذكريات التي مازالت تتخبط بضجيج برأسها الصغير، زفرت بقوة قبل أن تجيبه بملامح مستاءة.
- أنا زعلانه على تفكيرها وإللي وصلت ليه، زمانهم النهاردة بيكتبوا الكتاب، كان نفسي يرفضوا ويقولوا لأ، بس هم خوافين أوي.
حاول "أيوب" إيجاد مبرر معقول لتصرفاتهم.
- ما يمكن يا بنتي الراجل ده يطلع غير إللي في دماغك ده ويبقى راجل كويس يصون أختك ويحافظ عليها، هو إنتِ مكلمتيش حتى والدتك تطمني عليها.
دارت بعينيها نحو الأعلى قليلاً ثم عادت لتجيبه بنبرة تميل للضيق والغضب من تصرفاتهم.
- لأ، ومش حكلمهم، أنا من ساعة ما سبت البيت وأنا قفلت التليفون خالص، إللي بيعملوه ده غلط، غلط يا عم "أيوب"، و "مأمون" ده لو أحسن راجل في الدنيا يغور من وش أمه وسلبية أبوه.
ضيق "أيوب" بين حاجبيه بعدم فهم ليردف مستفهمًا.
- أيوه يعني إيه السبب إن الست والدتك مصممة تفضلوا في البيت ده؟!!
اعتدلت "شجن" بجلستها لتقص الأمر بإستفاضة على "أيوب".
- شوف يا عم "أيوب"، أنا حقولك، الشقة إللي إحنا فيها دي شقة أبويا إتجوز فيها أمي زمان، وجاله مرض وتعب جدًا ومات وإحنا صغيرين، وكان قبل ما يموت كان بيوصي أمي دايمًا متفرطش في حقنا عشان إحنا بنات يعني والمفروض ملناش ورث في الشقة، والدي قالها إن الشقة كتبوها بإسمنا أنا وأختي عشان محدش يتحكم فينا، ولما مات قعدنا ندور على عقد الشقة دي ملقيناهوش، خوفنا عمي ومراته يعرفوا إن العقد مش معانا وإنه ضايع يطردونا بره. ومن وقتها أمي متجنبه أي مشاكل معاهم عشان ميقولولهاش هاتي العقد، أمي خوافه أوي مستحملة كل حاجة عشان منترميش في الشارع ولا حتى نقدر نبيع الشقة لإننا مش معانا أي إثبات إنها بتاعتنا.
تفهم "أيوب" ذلك الأمر لكنه احتار بإيجاد سبب لتحمل والدتها كل ذلك العناء مقابل الشقة، ليُعقب بدبلوماسية.
- أكيد والدتك كانت عايزة مصلحتكم ولو كان عندها سبيل تاني كانت عملته.
لوت "شجن" فمها بإمتعاض.
- يمكن، بس إحنا تعبنا وإتذلينا أوي، وأظن كفاية لحد كدة.
بقلب أب حنون التمسته "شجن" وكانت بالفعل بحاجة إليها.
- إرمي يا بنتي حمولك على الله وإن شاء الله كله يتعدل، وأهو إنتِ معايا هنا، وإعتبري إن ده بيتك من هنا ورايح ومتشيليش أي هم، ويمكن ربنا ينور بصيرة والدتك وأختك ويخلصوا هم كمان من أفكارهم دي.
تفهمت "شجن" حديث "أيوب" لتشكره بإمتنان على مساعدته لها.
- مش عارفة أشكرك إزاى يا عم "أيوب"، حقيقي بحس إنك زي بابا الله يرحمه، ده إنت حتى شبهه.
سحب "أيوب" نفسًا مطولًا قبل أن يجيبها ببعض الخمول.
- تشكريني إيه بس، ده أنا إللي المفروض أشكرك على حاجات كتير أوي، كفاية وجودك هنا معايا ومونساني، ووقفتك معايا وقت الحادثة.
تعجبت "شجن" لوهن "أيوب" المفاجئ وتباطؤ حديثه معها.
- مالك يا عم "أيوب"، إنت عاوز تنام ولا إيه.؟!!
أخفى "أيوب" شعوره بالوهن الذي يتردد عليه مؤخرًا ليومئ لها بالإيجاب.
- الظاهر كدة، أنا حاخد الدواء وأنام، وبكرة إن شاء الله نقعد مع بعض كتير أوي.
ناولته "شجن" الدواء ليبتلع أقراصه مستسلمًا للنوم فيما خرجت "شجن" بهدوء من الغرفة تناظر البيت الساكن من حولها لتعود مرة أخرى لشرفة البهو تناظر السماء متفكرة بأمر أمها وأختها تتمنى لو أنها تسمع صوتهم وتطمئن عليهم لكن عنادها يمنعها من الرضوخ حتى يشعرا بجثامة ما أصروا عليه.
بيت النجار
يوم نظن أن تغلبنا فيه الأفراح وتتعالى به الضحكات، لكن اليوم غابت الفرحة والضحكة، رُسمت بالنهاية بسمة باهتة على الوجوه وكَسرة قلب كنا نظن أنها ستضمحل بهذا اللقاء.
أنهى الشيخ عقد قرآن "مأمون" و "نغم" وسط سكون صامت لم تتعالى به الزغاريد أو تصفق له الأيدي، بل انزوت العروس بنفسها لتترقرق دموعها الحزينة بصمت.
خرج الشيخ من شقة "زكية"، هذا المكان الذي لم تكن تتخيل "نغم" أن حفل زواجها سيكون بنفس شقتهم المتهالكة. عاد "فخري" بوجه مقتضب مشفقًا على تلك الحزينة التي لم تهنأ بسعادتها كونها عروس اليوم، أردف بهدوء.
- خلاص بقى يا "نغم"، إفرحي كدة النهاردة، وإن شاء الله ربنا حيحلها.
رفعت "نغم" عيناها الواسعتان تجاه عمها. هل ترى منه بعض الحنان الآن!!!!، ارتعتشفت شفتيها ببكاء مرير لتردف من بين شهقاتها التي بدأت تتعالى.
- مش عارفه أفرح يا عمي، مش عارفه.
عاد "مأمون" بعد إيصال الشيخ لخارج الشقة ليجاور والده ناظرًا نحو "نغم" الباكية.
- إن شاء الله إسبوع كمان وكل حاجة حترجع زي ما كانت، بس إنتِ متزعليش كدة.
نظر "فخري" تجاه "مأمون" أولًا ثم أعاد وجهته لـ"نغم" معقبًا.
- "مأمون" معاه حق، إسبوع كمان والدنيا تبقى تمام، وأدينا أهو كتبنا الكتاب وحنأجل الفرح أسبوع، ما هو مينفعش تفضلي قاعده لوحدك كدة.
قوست "نغم" شفتيها بتعاسة.
- طب إزاى!!! وماما؟!! حتجوز وهي مش معايا كدة؟!! حفرح إزاى وهي مش جنبي؟!!
بعقلانية شديدة أجابها "مأمون".
- بصي يا "نغم"، إللي حصل لمرات عمي ده مالناش يد فيه، وقعادك لوحدك ده مينفعش أبدًا، إحنا أجلنا الدُخلة كمان إسبوع يمكن الظروف تتحسن، وأكيد هي مش حترضي بالوضع ده وإنك تفضلي هنا لوحدك.
برضوخ لرأيهم واستسلام لتلك الفكرة أومأت رغم عدم تقبلها للأمر فهي لم تشعر بسعادة كونها عروس اليوم لغياب أمها وأختها أيضًا، كانت وحيدة بيوم كانت تظن أنها ستحاط بالمحبين الذين سيغدقونها بفرحتهم ومحبتهم لا أن تكون بعقد قرآنها وحيدة برفقة عمها و"مأمون" فقط.
خرج بعد ذلك "مأمون" و"فخري" ليتركوا عروس اليوم تقضي ليلتها بمفردها تتخبط بضجيج أفكارها بما حل بهم بالأسبوع الماضي.
شقة فخري النجار
سعادة حلت بوجه تلك السمراء الغليظة تتضاحك بعد أن كادت تنسى كيف تكون السعادة.
وقفت "صباح" بالشرفة تناظر رحيل "فخري" و "مأمون" بعد عقد قرآن ابنها وابنة "زكية" لتعقب بشماتة.
- أحسن، أحسن، أهي باظت، ولسه ياما حتشوفوا مني، بقى أنا يحصل فيا ده كله بسببها واسيبها تتهني.
وقفت "راوية" من خلف أمها تناظر الطريق ثم أردفت.
- هم خلاص كتبوا الكتاب.؟؟!
استدارت "صباح" نحوها تملؤها النظرات الشامتة، تتسع ابتسامتها عن آخرها.
- ولا مكتبوش، المهم إن أنا ورا الجوازة دي لحد ما تبوظ، وورا "فخري" لحد ما يرجع لي تاني، أنا مش حسيبهولها تتهني بيه الخدامة.
مالت "راوية" بفمها بإستياء.
- بس "مأمون" مكمل في الجوازة أهو، ما خلاص كتبوا الكتاب، ناقص إيه تاني.؟!!
أشارت "صباح" بكفها الغليظ لتُصمِت ابنتها.
- بس بس، متعكننيش عليا، أنا دماغي كدة متكلفة ومتظبطة أوي، هو يعني كل إللي إتكتب كتابهم إتجوزوا!!!!
مالت "راوية" برأسها للأمام قليلاً.
- في دماغك إيه تاني يا ماما، ناوية تعملي إيه.؟!!
ضحكت "صباح" ساخرة من تفكير ابنتها المحدود، لكنها مازالت تشعر بالزهو بما حققته حتى الآن.
- دماغي دي فيها حاجات كتير أوي، ولسه حتشوفوا كلكم، أنا إللي حطلع كسبانة في الآخر.
حركت "راوية" رأسها بتخوف مما ستُقدم عليه والدتها فقد زادت من تجبرها ومكرها المخادع بصورة كبيرة للغاية، لكنها تربح جولاتها مرة أخرى من جديد.
قاعة الاحتفالات (عقد قرآن رؤوف ونيره)
أضواء متلألئة وورود بيضاء توزعت بشكل باهر بتلك القاعة الصغيرة التي حضرها أهل العائلتين فقط بتجمع حميم لعقد قرآن "رؤوف" و"نيره".
وقف "رؤوف" بإنتظار "نيره" التي تقدمت برفقة والدها نحو الطاولة المستطيلة الخاصة بعقد القرآن ليجلسا إلى جوار الشيخ بإنتظار بدء تلك المراسم.
اختيار "نيره" للون فستانها الفستقي كان غير موفق بالمرة فقد أكسبها طلة باهتة لكنها أصرت على هذا اللون لتكون مختلفة وغير متوقعة.
جلست بالبداية ببسمة واسعة أظهرت أسنانها العريضة بشكل كبير، أخذت تناظر الحضور تتباهى بجمالها تنتظر سماعها لعبارات الإطراء لحسنها وجمالها وطلتها الأخاذة كما تظن.
لم تلتفت حتى لمرة واحدة تجاه "رؤوف" الذي وقف كطفل صغير فقد أمه، كانت نظراته تائهة مشتتة، نفَسهُ منقبض وصدره مختنق.
دار بعينيه الصغيرتين بوجوه المدعوين حتى وصل لوجهته تمامًا - "مودة"-، جلست بهدوء منكسر حول إحدى الطاولات الجانبية تناظره بتحسر، نظرة أدرك معناها على الفور فهي بالكاد تتمالك دموعها من الإنهمار.
طالت بينهم النظرات الموجعة كما لو كان يعتذر منها عما سيحدث بعد قليل، نظرات متحسرة على قلبه المنشق لنصفين لكنه يتوجب عليه السير بهذا الطريق.
رغمًا عنه نكس عيناه عن عينيها التعيستين ليلتفت نحو الطاولة حيث جلس والده وأخيه "عيسى" كشهود على العقد بينما بالجانب الآخر جلس والد "نيره" وهي إلى جوار والدتها.
حاول التنفس بعمق لكن هناك شيئًا متحشرجًا بداخله، غصة عالقة بنفسه وألم بدأ يزداد بمعدته.
تغاضى عن الألم ليتقدم نحو الشيخ ليجلس إلى جواره لبدء عقد القرآن.
نظرات مغتبطة تعالت الوجوه لاحظها "رؤوف" جيدًا بينما نظرات "مودة" كانت على النقيض تمامًا، حتى "غدير" رغم تظاهرها بالسعادة إلا أنها لاحظت نظرات تعيسة بعيون كلا من "رؤوف" و "مودة" فيبدو أن للأمر رابط بين قلبيهما لكن القدر أسقط حكمه وعليهم التنفيذ.
وقف "معتصم" بنهاية القاعة يناظر إلتفافهم حول المنضدة استعدادًا لعقد القرآن ليستمع لرسالة واردة بهاتفه أسرع بقراءتها.
لحظات يناظر تلك الكلمات المرسلة إليه ليتسلل برفق شديد خارجًا من القاعة متجهًا نحو بيت "عهد" الذي أدرك عنوانه جيدًا منذ أن قام بإيصالها الجمعة الماضية بعد إصابته بالمهمة الأخيرة.
مرت بضع دقائق حتى سُمع صوت الشيخ يقرأ إحدى الآيات القرآنية ببداية حديثه، نظر "رؤوف" نظرات فزعة تجاه مستقبله الذي يضع الخطوط الأساسية به الآن واقترانه بـ"نيره" لبقية حياته.
لحظات من الترقب الفزع ليجد فجأة سواد أعظم يغشو عينيه وإحساس بالبرودة يجتاح جسده المرتجف كما لو كانت روحه تسحب منه تمامًا، ودون أن يدري سقط أرضًا فلم يعد لديه القدرة على التحمل.
صرخات فزعة متتالية من الحضور وهم يناظرون هذا الملقى على الأرضية لينتفض المدعوون نحوه ليلتفوا بأعين متخوفة.
ركزت "منار" بفزع تدنو من ولدها بقلب مرتجف متخوف.
- "رؤوف"، مالك يا حبيبي، فوق يا "رؤوف".
لكنه لم يستجب لمحاولتهم مطلقًا، ليهتف "خالد" على الفور.
- كلم الإسعاف يا "عيسى"، مالك يا "رؤوف"، فوق يا إبني.؟؟؟
وقفت "نيره" تطالعه بصدمة دون التقدم نحوه لا تدري ما يتوجب عليها فعله الآن لتبقى متيبسة تناظره بأعين متسعة متخوفة للغاية.
بينما لم تجد "مودة" سوى دموعها المتخوفة على هذا المغشي عليه دون سبب، التفتت مع بقية المدعوين تخشى الاقتراب وإظهار قلقها حتى لا يفضح عشقها المكنون.
مرت بضع دقائق حضرت بهم سيارة الإسعاف ليتم نقل "رؤوف" إلى المستشفى وتأجيل عقد القرآن حتى يتماثل للشفاء أولًا.
بيت محفوظ الأسمر
يا ليتني عهدت منذ زمن بعيد معنى كلمة أسرة، فكم هي لشيء لطيف مبهج للقلب، مجرد أفعال بسيطة تزيد الترابط وتحلق بنا في السماء.
مجرد تبضع لاحتياجات المنزل كان أملًا بحد ذاته بحياة "وعد"، عاد ثلاثتهم من السوق يحملون العديد من الأكياس ببهجة كما لو أنها كانت نزهة طويلة، شعورها بأن زوجها المحب يشاطرها كل خطواتها لهو أمر يسعد قلبها، لقد سرق قلبها بأيام قربه لم تكن تتخيل أنها تحمل له كل تلك المشاعر من قبل.
توقفوا بتفاجئ حين فتحت "عتاب" باب شقة والديها تناظرهم بأعين حاقدة وحاجب مرفوع وضجيج ملأ رأسها الطويل.
ظلت تحدقهم بنظراتها المتهكمة قبل أن تتفوه بحديثها اللاذع.
- طب مش كنتوا تقولوا إنكوا رايحين الهايبر كنت جيت معاكم، ما إنت عارف يا "محب" إن البيت ناقصه حاجات كتير!!!
زمت فمها بصورة مشمئزة وهي تطالع الأكياس بأيديهم لتشعر "وعد" بأن نظراتها اخترقت الأكياس رغم شفافيتها نوعًا لتستكمل "عتاب" بحدة.
- إيه مش حتدخلوا ولا خايفين آخد حاجة من إللي إنتوا جبتوها.
رسمت "وعد" ابتسامة باهتة متخوفة من "عتاب" ورد فعلها القاسي لتردف باضطراب لم تشعر به منذ زواجها من "محب".
- لا إزاي، جايين أهو، ولو عاوزة كل حاجة إتفضلي أكيد.
مالت "عتاب" ببسمة متهكمة وهي توسع بخطواتها الجانبية لهم الطريق ليدلفوا نحو الداخل.
مر "محب" من خلف "وعد" لتتحدث عيون "عتاب" المتسائلة مع عيون "محب" المتحيرة كما لو أنها تريد معرفة إلى ماذا وصل معها، لكن "محب" التفت على الفور تجاه "وعد" حتى لا تنتبه لنظرات "عتاب".
وضعت "وعد" بعض الأكياس عن يدها وتلاها "محب" قبل أن تجلس "وعد" تاركة "زين" يلعب مع بنات "عتاب".
سارعت "عتاب" بشكواها المستمرة.
- أمك تعبانة يا "محب".
وقف "محب" مجيبًا إياها بما يريحها.
- أنا إتفقت لها مع دكتورة علاج طبيعي، حتيجي لها ولو محتاجة معالجة نفسية ممكن هي توصلنا بيها، إهدي بقى يا "عتاب". (ألقى نظرة نحو "وعد" ليميل هامسًا بأذنها قائلًا) بعد إذن حبيبي، أنا داخل أطمن على ماما بسرعة وجاي على طول مش حتأخر.
ابتسمت "وعد" بسعادة متناسية وجود "عتاب" التي كانت تتجول بنظرها بداخل الأكياس تارة وبين "محب" و "وعد" تارة أخرى حتى تحرك "محب" تجاه الغرف ليطمئن على "قسمت" اليوم.
بعد مرور بعض الوقت كان ثقيلًا مجهدًا لنفس "وعد" للغاية حملت بعض الأكياس بين يديها لكن "محب" رفض ذلك تمامًا قائلًا بمحبة.
- كفاية شيلتي الأكياس من العربية لحد هنا، أنا حكمل وأجيبهملك فوق.
نظرت "وعد" لتلك الأكياس العديدة لتردف بإشفاق.
- بس دول كتير أوي، خليني أساعدك شوية.
رفض "محب" تمامًا بشكل قاطع ليردف بحزم.
- لأ، يلا خدي إنتِ "زين" واطلعي وأنا حجيبهملك.
رضخت لطلبه لتحمل طفلها الصغير صاعدة درجات السلم بينما تبعها "محب" يحمل كل الأكياس دفعة واحدة غير مبالي بثقلهم فكل ذلك أمام راحتها شيء لا يذكر.
دلفا لداخل شقتهم فيم وضع "محب" الأكياس بالمطبخ ليستمع لنداء "عتاب" مرة أخرى.
- يا "محب"، تعالى، الدكتورة إللي بتقول عليها جت أهي.
زفر "محب" مطولًا ليظهر كم هو متملل من "عتاب" وتصرفاتها ليردف بإعتذار.
- معلش حبيبي، حنزل أشوف الدكتورة وآجي على طول.
بتفهم أجابته "وعد".
- براحتك يا "محب"، أنا حغير هدومي وأرتب الحاجات دي في المطبخ عقبال ما تيجي.
غمز "محب" مداعبًا "وعد".
- طب ما أحضر فقرة تغيري هدومك دي وأنزل.
ضحكت "وعد" بخجل محذرة إياه.
- إلحق "عتاب" أحسن تطلع تعلق لك المشنقة.
إنتفض "محب" بمزاح.
- يا ستار يا رب، معاكِ حق، أنا حروح لها.
خرج "محب" لتبدل "وعد" ملابسها وملابس "زين" على الفور ثم اتجهت للمطبخ لترتب أغراضهم التي اشتروها، بدأت بإخراج محتويات الأكياس حتى وصلت للكيس الخاص بقوارير العصير الخاص بـ"زين".
تهدلت ملامحها وقد بهتت تمامًا وهي تناظر محتوي الكيس، فكل ما به قوارير لعصير الكيوي فقط.
شعرت بتثلج بأطرافها كما لو أن الدماء لم تعد تتدفق بعروقها لتهمس بحشرجة.
- أنا مجبتش العصير ده، أنا جبت عصير الفراولة، أنا مجبتش كيوي!!!!!!!!!!
رفعت عيناها باضطراب بالغ حتى كاد جسدها يرتجف من شدة البرودة التي اجتاحتها لتشعر بتباطؤ ضربات قلبها هامسة بتفزع.
- "عاطف" هو إللي بيحب العصير ده، أنا مجبتش العصير ده، إزاي جه هنا؟!!!!!!!!!!
تبقى لها أملًا وحيدًا لتشعر بالاطمئنان، أن يكون "محب" هو من بدله.
حملت قارورة من العصير بين كفها المتجمد كما لو كانت تحمله قنبلة موقوتة لترتعش يدها بقوة تنتظر "محب" بالصالة.
فور سماعها لصوت مفتاح الشقة يفتح الباب نظرت بأعين هلعة تجاه "محب" وقد تهدج صدرها صعودًا وهبوطًا وهي تسأله مباشرة.
- إنت إللي جبت العصير ده.؟!!
أليس من المفارقة البائسة أن غيابك هو أكثر شيء حاضر بحياتي، تعودت غيابك حتى أصبح حضورك يؤلمني، ليتك ظللت بعيدًا حتى لا أتذكر كيف كنت حاضرًا معي، ليتك بقيت غائبًا.
وصل "معتصم" لبيت "عهد" بملامح غامضة صامتة، لا يظهر بها هل هو سعيد بتلك الزيارة أم أنه متضايق منها.
لم يكن يود أن زيارته الأولى لها تكون بهذا الشكل وبدون موعد أيضًا.
تفرس المحيط من حوله يستكشف الأجواء فبالتأكيد هناك شيء غامض غير مفهوم بالنسبة له.
طوال أسبوع مضى تجاوز به آلام جروحه المتفرقة وابتعد عن عمله بإجازة إجبارية لم يتسن له رؤيتها أو حتى معرفة أية تفاصيل عن إتمام المهمة التي كُلفوا بها.
لكن تلك الرسالة التي وصلته منذ قليل أثناء عقد قرآن "رؤوف" جعلته يتحرك على الفور للتأكد من فحواها والأهم من ذلك من الذي أرسلها.
كان فحوى الرسالة.
[ لو "عهد" تهمك أوي روح لها دلوقتِ وإنت حتشوف منظر عمرك ما كنت تتخيله ]
رسالة مبهمة لكنه خشي عليها وتخوف من أن يصيبها أحدهم بمكروه، لكن يبقى السؤال الذي يسبب له الضجيج برأسه، من أين علم صاحب الرسالة بأنه يهتم لأمر "عهد" حتى يرسل له رسالة كتلك.!!
رغم شكوكه التي بدأت تراوده إلا أنه صعد نحو الطابق العاشر كما علم من حارس العقار.
كضابط متمرس وضع الحذر بخطواته الأولى لحمايتها وحماية نفسه أيضًا من أي غدر يحل بهما.
وصل "معتصم" للطابق العاشر متجولًا بعينيه الثاقبة تجاه أبواب الشقق ليتجه صوب إحداهم ظنًا منه بأنه باب شقتها، فجميع الأبواب ذات لون خشبي فاتح إلا هذا الباب الأسود قاتم اللون.
دق جرس الباب متحفزًا لمن يفتحه كما لو كان بمداهمة بإحدى مهماته الخطرة.
لكن رؤيته لها كانت لها وقع آخر، تناسى تخوفه وشكوكه وانصب تركيزه بها هي فقط، متوحشته سارقة قلبه، سرعان ما زادت دقات قلبه حين وقعت عيناه عليها، عسليتاها الناعستان ثبتتا نحوه بإندهاش لوجوده ليطيح بهدوئها فها هو متجسدًا بشخصه أمامها.
طالت نظرة اشتياق بين كلاهما لتتسائل "عهد" باستغراب.
- "معتصم".؟!!
وجوده معها بتلك اللحظة كانت أقصى ما يتمنى بالفعل، تلاشى بعقله تركيزه المنصب بعمله فقط واحتلت تلك الحسناء كل جوارحه، هام بحسنها بتلك اللحظة تحديدًا فلم تعد المتوحشة الشرسة، بل كانت هادئة وديعة للغاية.
هل يخدع نفسه أم يخدعها إنه لم يعشق غيرها، لقد استولت على عقله وقلبه معًا، تلك الفريدة من نوعها التي يرضخ هذا الشامخ لها وهو راضٍ وسعيد بذلك بل وسيساعدها على استسلام قلبه لها.
نطق أخيرًا باشتياق لرؤيتها.
- وحشتيني.
إنها كلمة واحدة، لم تقلب كيانها لمجرد سبعة أحرف نطق بها، زُلزلَ قلبها بقوة يدق بانفعال ارتجف له جسدها.
تهدجت أنفاسها بوجوده أمامها لكنها شعرت بالتوجس من وجوده بشقتها بهذا الوقت المتأخر، فما هي نواياه الآن.
خشيت على نفسها من وجوده فإما ستنساق له وهذا أمر مرفوض، أو ستهتز من داخلها وترضخ لقلبها الذي أعلن تمرده فور رؤيته.
بنظرة قلقة تساءلت "عهد".
- إنت جاي ليه دلوقتِ، وإزاي تيجي لي بيتي بالشكل ده.؟!!
إنها محقة تمامًا فماذا ستظن به الآن. بالتأكيد ستظن أنه يخالها من هؤلاء المنحلات اللاتي يعشن بمفردهن ويفعلن ما يحلوا لهن دون رقيب أو حسيب.!!!
كان لابد وأن يوضح لها الأمر ويخبرها بأمر الرسالة والشك الذي انتابه منها ومن مرسلها، هم أن يخرج هاتفه ليوضح لها الأمر حين شعر بدفعة أحدهم له من ظهره ليدلف لداخل الشقة كما لو كان مالكها.
احتدم وجه "معتصم" بقوة وكاد يهتف بانفعال بهذا الشخص لكن عيناه لم تسعه تصديق ما يرى.
لقد سحب هذا الشخص "عهد" بين ذراعيه يطوقها بهما بقوة ليزيد من احتضانه لها قائلًا.
- وحشتيني أوي يا "عهد".
صدمة مقلتيها وهي متيبسة من شدة تفاجئها وهي تردف بذعر.
- إنت.!!!!!!!!
رواية ظننتك قلبي الجزء الثاني الفصل الثاني 2 - بقلم قوت القلوب
قلق وتوتر عم أرجاء مستشفى (السلامة) بعد وصول "رؤوف" في حالة إغماء يلحق به عائلته وعائلة "نيره" بالكامل.
حتى أن "مودة" أصرت على مرافقة "غدير" و"عيسى"، فقلبها لم يتحمل أن تكون بعيدة عنه.
وعليها الإطمئنان عليه أولًا قبل أن تبتعد وبشكل نهائي.
فلن تقبل أن تكون طرف ثالث متطفل على حياتهم، فقد إختار "رؤوف" ولن تقف بسبيل سعادته بعد الآن.
نُقل "رؤوف" لأحد غرف الطوارئ، بينما وقف البقية بالخارج ينتظرون خبر من الطبيب ليطمئنوا على حالته وما أصابه فجأة.
إمتعضت ملامح "نيره" بضيق يميل للغضب وهي تهمس بغيظ بأذن والدتها.
- ده إيه البخت ده، يعني كان لازم يتعب النهاردة، أنا متضايقة أوي يا ماما، كتب كتابي باظ وملحقتش أفرح.
همست والدتها بأذنها تتمتم بحنق.
- مش عارفه ليه كان قلبي حاسس، من ساعة ما روحتي البيوتي سنتر وأنا مش مطمنة.
مالت "نيره" بفمها بإستياء متفكرة بصوتها الهامس.
- تفتكري لو بقى كويس حنروح نكمل كتب الكتاب؟
قوست والدتها شفتيها للأسفل بمعني لا أدري.
- مش عارفه، بس أظن الشيخ مشي، مين ساعتها إللي حيكتب الكتاب؟
زفرت "نيره" بإختناق وتذمر.
- أووووف، ده إيه الحظ ده.
بزاوية أخرى وقفت "غدير" مع "مودة" بحالة من القلق.
لتسحب "غدير" مرفق "مودة" تنبهها بنبرة خفيضة للغاية.
- إهدي شوية، الناس حتاخد بالها، ملهوش لازمة تبيني قلقك كدة، ولا أقولك، روَّحي، روَّحي وأنا حطمنك عليه.
حركت "مودة" رأسها بعنف بالنفي قائله.
- لا لا، بالله عليكِ، حسكت خالص أهو، أتطمن عليه بس ووالله حروَّح وماليش دعوة بيه تاني.
عقدت "غدير" ذراعيها أمام صدرها متقبلة الأمر على مضض.
ليعتريها شعور متخوف من أن تلاحظ "نيره" قلق "مودة" الظاهر على ملامحها بقوة.
فرك "خالد" كفيه بتوتر لتظهر على ملامحه الجادة إضطراب وقلق من النادر جدًا أن يشعر بهما هذا الثابت الراسخ بمشاعره.
لكن قلقه على ولده جعله يشعر بإحساس لم يتخيله من قبل.
الآن فقط أدرك أن أبنائه وأسرته هم نقطة ضعفه الوحيدة.
أشار بكفه نحو "منار" المرتجفة إلى جواره قائلًا.
- إنتِ مش دكتورة ولا إيه؟ ما تدخلي تشوفي الولد يا "منار".
بهتت ملامحها وتثلجت أطرافها خوفًا على صغيرها.
- مش قادرة يا "خالد"، شكل "رؤوف" وهو مرمي في الأرض مخلي أعصابي مش مظبوطة أبدًا.
دار "عيسى" برأسه بجميع الإتجاهات ليتسائل بضيق.
- أُمال "معتصم" راح فين هو كمان؟ هو مجاش معانا ولا إيه؟
دارت عينا "خالد" و "منار" حولهما ليزداد قلقهما.
لتجيبه "منار" بتخوف.
- لأ بقى هي مش ناقصة "معتصم" كمان، مش كفاية عدى من ضرب النار الإسبوع إللي فات بأعجوبة، أنا مش عارفه بتعملوا فيا كدة ليه، أنا قلبي ميستحملش كدة يا ولاد.
ربت "عيسى" برفق فوق كتف والدته يطمئنها.
- بإذن الله مفيش حاجة، تلاقيه هنا ولا هنا، هو "معتصم" يتخاف عليه.
صمت "خالد" كان مقلقًا.
فلقد دارت به الظنون عن سبب ما حل بـ"رؤوف" وقلقه على "معتصم" أيضًا.
ليهتف بقلق لم يعتاده "عيسى" من والده.
- كلم "معتصم" شوفه فين وإطمن عليه.
بإنصياع لرغبة والده أخذ "عيسى" يدق بأخيه يحاول الإتصال به لكن النتيجة دومًا لا رد.
لم يشأ أن يزعجهما بهذا الأمر ليردف "عيسى" يخفي الأمر.
- مفيش شبكة، تلاقيه موجود هنا ولا هنا متقلقوش، أنا حفضل وراه لحد ما يرد.
أنهى عبارته وعاد لزوجته وأختها وهو يحاول الإتصال بـ"معتصم" الذى لا يجيب على إتصاله مطلقًا.
شقة عهد.
غِيرة أم حنق وغضب، خزلان أم خيانة، مزيج من المشاعر المتضاربة كلها تدفعه للإنفعال بقوة.
هو الشرس المغوار الذى لا يتقبل أن يكون مغفلًا، إنها له وحده لا تخص غيره ليتجرأ بفعل مثل هذا.
لقد إتقدت غِيرته و ثارت الدماء بعروقه وهو يناظر هذا الرجل الذى إحتضن "عهد" أمام عيناه بهذا الشكل.
إنه لم يكترث لوجوده بل يبدو أنه يعرفها جيدًا وهي أيضًا.
فقد سمعها للتو متعجبة لوجوده حين نطقتها.
- إنت...!!!!
تفحص هذا الرجل الذى أولاه ظهره بزمجرة شرسة لا تقل شراسة عن تلك التى تقوم بها "عهد".
كان رجل متصابي لا يستطيع تحديد عمره بدقة لكنه كان يصبغ شعره باللون الأسود فذلك يظهر بشكل ملحوظ.
يرتدي ملابس تميل للشباب عمن هم بمثل عمره، رجل منفر للغاية.
ليمتعض "معتصم" بقوة ينهره عن تشبثه بها.
- إييييه، فيه إيه يا راجل إنت، إنت مين؟ (ثم بأعين تصب إتهامها لـ"عهد" سألها "معتصم" بحدة) ، مين ده؟ وبيعمل إيه هنا؟
زاد تهدج أنفاس "عهد" وهي تدفع بذراعي هذا الرجل بنفور شديد.
لكنها بذات الوقت تطلعت بتخوف نحو "معتصم" الذى يبدو أنه يتهمها بشيء مخل الآن.
صراع قوي بداخل رأسها فهل تُخبره من يكون أم أنها لا تقبل أن تكون بموضع إتهام.
وهل تدفع هذا الرجل بعيدًا عنها أم تتقبل الأمر بهدوء فلا داعي لنشر غسيلها المتسخ أمام "معتصم".
زاغت عيناها بِحِيرة بينهما.
لتعلُ دقات هاتف "معتصم" لعدة مرات متتالية لم يكترث لها مطلقًا.
بل تسلطت قاتمتيه الثاقبتان نحوها حتى كادت تُجزم أنهما يشعان بريقًا خفيًا يدب الفزع بقلبها.
لما تخشاه وهي التى لا تخشى أحد؟!!!!
ضغطت بأسنانها بقوة وهى تلاحق نظراتها بينهما.
لكن غلب غضب "معتصم" من هذا الرنين المتكرر ليجيب أخيه "عيسى" بإنفعال حانق.
- فيه إيه يا "عيسى"؟!!!!
أخفض "عيسى" صوته حتى لا يثير قلق من حوله ليردف بنبرة مستهجنة.
- مبتردش على التليفون ليه؟ بابا وماما قلقانين عليك أوى، إنت فين؟
أكمل بعصبية ليس معتادها مع أخيه وهو يحملق بقوة بـ"عهد" يتمنى لو يدرك علاقة هذا الرجل بها والذى أتى به لشقتها ليلًا.
- هو أنا صغير، جرى إيه يا "عيسى"؟!!!!!
لم يجد "عيسى" بُد من أن يخبره بما أصاب "رؤوف" فيبدو أن هناك أمر قوي يشغله ويسبب له هذا الضغط العصبي الآن.
- مش وقته، "رؤوف" تعب أوى ونقلناه المستشفى، إحنا هناك دلوقتِ، لغينا كتب الكتاب.
زاغت عينا "معتصم" لينكسهما قليلًا محاولًا الإستفهام.
- إيه؟ وعنده إيه؟ الدكتور قال إيه؟
أجابه "عيسى" بقلة معرفة.
- مش عارفين لسه، خلص إللي إنت فيه وتعالى على مستشفى السلامة.
- طيب طيب، سلام.
أغلق هاتفه ليحاط بين أمرين كلاهما مُر.
فعليه المغادرة فى الحال للإطمئنان على صحة أخيه، وبين أن يبقى ليفهم الأمر الشائك الذى يحدث هنا، فلا داعي لأن يترك الأمر للظنون.
كما وقفت تلك المتمردة على نفسها قبل أن تتمرد عليه بأنها لا يمكن أن تكون بموضع إتهام يومًا وليس عليها التبرير.
لكن شيء ما بداخلها يدفعها لتوضيح الأمر حتى لا يساء بها الظن.
مال "معتصم" برأسه للأمام ومازالت سوداوتيه ترمقانها بقوة يحثها على النطق وتوضيح الأمر في الحال.
تلك النظرة التى جعلتها تشعر بأنها كطفلة صغيرة أخطأت خطأ فادح وعليها الإعتذار.
لقد خشيته، تخوفت من رد فعله، شعور لم تشعر به من قبل.
إنها تشعر الآن أنه الأقوى، المُسيطر بلا منازع، له سطوة قوية على نفسها كافة وليس قلبها فحسب.
شعرت برجفةٍ قويةٍ و رغبة بتوضيح الأمر حتى لو على حساب عِنادها و كِبر نفسها، لقد أصبحت له الغلبة الآن رغمًا عنها.
بصوت متحشرج للغاية تفوهت بإحتقان.
- ده، ده يبقى والدي.
قالتها كما لو أنها ترفض تلك العلاقة، تشعر بالخزي من مجرد التفوه بها.
لكنها جعلت "معتصم" يهدأ قليلًا وتتحجم ثورة غضبه ليردد كلمتها بدون إستيعاب لها.
- والدك!!!!!!!!
أومأت عدة مرات وهى تحاول رفع رأسها بتعالى.
فلن يتواجد أبدًا من يحط منها ومن قدرها.
رفع "معتصم" كتفيه ثم أهدلهما بعدم فهم لكن توضيح الأمر مقبول لنفسه إلى حد كبير.
- أنا، مكنتش أعرف إن والدك ااا.... !! أقصد يعني ربنا يديه الصحة، مكنتش أعرف إنه حي، موجود هنا معاكِ.
حاولت تقبل الأمر بغصة علقت بنفسها دون إجابة.
ليعتذر منها "معتصم".
- أنا أسف (ثم تنهد بقوة مستأذنًا للإنصراف) ، أنا لازم أنزل دلوقتِ، وبكرر أسفي مرة تانية.
تركها "معتصم" برفقة والدها غريب المظهر المتصابي ليلحق بهم إلى المستشفى.
لكن مازالت الأسئلة المتوجسة متعلقة برأسه، فمن هذا الذى أراد الإيقاع بينهم ورؤيته لوالدها معها بالشقة وأن يظن بها السوء.
من يعلم بعشقه لها ويحاول أن يفسد الأمر.
بيت محفوظ الأسمر (شقة وعد).
للمرة الثانية وهي تقف بذات الوقفة، أيدي مرتجفة ووجه شاحب ودماء هاربة من عروقها.
هكذا كانت "وعد" بمنتصف الصالة تشير تجاه "محب" بإحدى قارورات العصير تتسائل بنبرة تميل للفزع.
- إنت إللي جبته؟
تقدم "محب" من "وعد" غير عابئ بما تحمله بيدها لكنه كان قلقًا للغاية لمظهرها الشاحب المذعور.
ليمُد ذراعيه الطويلتان تجاهها متلمسًا مرفقيها بحنان ثم تسائل بحيره.
- مالك يا "وعد"، فيكِ إيه تاني؟
رفعت كفها بالقارورة وهي تناظر عيناه دون حياد ثم أخذت تكرر نفس سؤالها لا غيره.
- إنت إللي جبته؟
أسقط "محب" نَظَرِه تجاه ما تحمله ليرفع وجهه يتطلع نحوها بدون فهم قائلًا.
- قصدك إيه؟ العصير يعني؟
أومأت بالإيجاب وهي تنتظر إجابته بترقب شديد.
- أيوه.
حرك "محب" رأسه بالنفي.
- لا يا حبيبي، إنتِ إللي جبتي العصير إللي بيحبه "زين"، مش إنتِ إللي قلتي أنا عارفه العصير إللي هو بيحبه.!!!
إرتجفت نفسها وتساقطت دموعها سريعة التجمع بمقلتيها لتردف بنفس مهتزة.
- لأ، لأ يا "محب"، أنا مجبتش العصير ده، أنا جبت عصير الفراولة، أنا مش بحب عصير الكيوي، "عاطف" بس هو إللي بيحبه، أنا لا يمكن لا يمكن أكون أنا إللي جبته.
أحاط "محب" وجهها الناعم بكفيه ليردف بهدوء شديد.
- إهدي بس يا "وعد"، يمكن جه بالغلط ولا حاجة، متضايقيش نفسك كدة.
إرتجف جسدها بالكامل وهي تنفعل بقوة لا تتمالك أعصابها التى أوشكت على الإنهيار.
- لا يا "محب"، أنا حاسه إن، إن، إن فيه حاجة غلط، أنا حاسة إن "عاطف" هو إللي بيعمل كدة، حاسة إن "عاطف" لسه موجود حوليا، أنا متأكدة، أنا، أنا.....
تهدجت أنفاسها المضطربة بقوة وهي ترتعد خوفًا وهلعًا لتؤكد ما تظنه.
- قبل كدة الخاتم، ودلوقتِ العصير، لا، ده أكيد "عاطف" مفيش غيره.
إجابة مختلفة تمامًا كانت بالفعل تحتاج إليها حين دفعها نحو صدره برفق ليضمها بحنو.
- شششش، بس يا حبيبي بس، إزاي بس، "عاطف" خلاص مات، متخليش دماغك تتخيل حاجات لا يمكن تحصل، "عاطف" خلاص مش موجود، ولا يمكن يكون موجود، ولا يمكن حيأذيكِ ولا يأذي "زين" أبدًا.
ثم أبعدها لوهلة ينظر مباشرة بخضراوتيها يعدها بقوة وهيام بعشقها.
- وحتى لو موجود، خلاص إنتِ مراتي ولا يمكن حسمح له ولا لغيره إنه يقرب منك ولا يأذيكِ، بلاش الخيال ده وإتطمني، أنا معاكِ ولا يمكن أسيبك أبدًا.
ليستطرد محاولًا طمأنتها.
- ده أكيد إتحط بالغلط فى الأكياس بلاش تخلي تفكيرك يروح لبعيد، طمني قلبك يا قلب قلبي.
تنهدت "وعد" ببعض الراحة لكن بدون إقتناع تمامًا.
لكن وجوده إلى جوارها لتستكين بهدوء متغافلة عن تلك الأفكار التى تجمح بخيالها فالمنطقي أن ما تفكر به مجرد هواجس لا أكثر.
مستشفي السلامة.
"العائلة دائمًا أولًا"، هكذا كان دومًا والدهم يبث بهم هذا المعتقد، فلا شئ أهم من العائلة مهما كلفهم الأمر.
أسرع "معتصم" راكضًا نحو داخل المستشفى يبحث عن عائلته جميعها تاركًا كل ما يشغل ذهنه خلف ظهره فأخيه يحتاجه الآن.
تنشئة إستطاع بها "خالد" أن يشعر بالفخر والإعتزاز، فأبنائه هم ثروته الحقيقية التى إستطاع إستثمارها على مدار سنوات عمرهم الطويلة.
وقف "معتصم" يدور بقاتمتيه كما لو كانت جهاز حاسوب يحدد أماكن الجميع وتعبيرات وجوههم قبل أن يدنو منهم ويسألهم عما حدث.
إجتمع مع والديه و "عيسى" ليتسائل بإهتمام وقلق.
- إيه إللي حصل، ماله "رؤوف"؟
كانت إجابة والدته أسرعهم جميعًا لشدة قلقها وتلهفها على سماع خبر يطمئن قلبها المضطرب.
- مش عارفين، أخوك أغمى عليه فى القاعة ومن ساعتها جوه مع الدكتور ومحدش قال حاجة.
عقد "معتصم" وجهه بحدة ليتفوه بإنفعال أثناء تحركه نحو غرفة الطبيب المناوب.
- هو إيه ده، وإزاى لوحده جوه، هو ملهوش إخوات ولا إيه؟!!!
لكن قبل أن يشتد إنفعاله وقلقه فـ بالفعل نفسِه مشحونة من قبل وصوله للمستشفى فمازال آثار ما حدث مع والد "عهد" باقيًا بنفسه.
فُتح باب غرفة الطبيب والذى أغلق الباب من خلفه قبل أن يُحدث أهل "رؤوف".
- حضراتكم أهله؟
سؤال بديهي لكن عليه سؤاله تنبيهًا لهم.
فيما أسرع "معتصم" متصدرًا حديثه مع الطبيب.
فحتى والده القوى كان يخشى لحظة توضيح حالة "رؤوف" فمن داخله أب حنون يخفيه خلف ستار الحدة والقوة.
أجابه "معتصم" منصتًا بإهتمام.
- أيوة، إتفضل أنا أخوه، ماله "رؤوف"؟
إمتعض وجه الطبيب قليلًا قبل أن يصرح بتشخيصه المبدئي لحالته.
- أنا آسف فعلًا، بس التشخيص المبدئي بيقول إن أخو حضرتك مصاب بورم فى المعدة.
خبر مفجع إنهال عليهم جميعًا كالصاعقة حتى يكاد يجزم بأن جميع من كان بالمستشفى شهق بأنين صادم لهول الخبر.
إستكمل الطبيب رغم ما أدركه من رد فعل حزين ظهر بوجوه كل المحيطين به.
- الإغمائه إللي جات له سببها ضغط أو إرهاق، لكن لما عملنا أشعة تشخيصية لقينا فيه ورم بالفعل، وعشان نتأكد أخدنا عينة نعمل لها مزرعة ونحللها عشان نشوف نوع الورم ده إيه بالضبط.
هتفت "منار" بصدمة لإدراكها كل هذه التفاصيل الطبية لكنها لم تكن تتخيل أن هذا قد يصيب ولدها يومًا.
- إبني....!!!!!! ... لا، لا يا "رؤوف"، أنا مش بعترض على حكمك يا رب، بس إبني، يا رب والنبي حبيبك بلاش توجع قلبي عليه يا رب.
ضغط "خالد" بكف "منار" يدعوها للتماسك الذى لا يقوى عليه إلا بصعوبة.
- إستني بس يا "منار" خلينا نفهم، (ثم سأل الطبيب مستفسرًا) ، قصدك إن لحد دلوقتِ يا دكتور مش واضح ده ورم حميد ولا، لا قدر الله خبيث، صح؟
أومأ الطبيب بالإيجاب موضحًا.
- بالضبط كدة، المزرعة دي هي إللي حتحدد ونعرف نوع الورم إيه، لكن يا ريت نكون متماسكين شوية عشان خاطر المريض نفسه.
أنهى الطبيب وصف الحالة تاركًا إياهم بردود أفعال مختلفة تنبع من داخلهم دون تزييف، فالحقائق التى تظهر وقت الشدائد لـ هي شيء متأصل بالنفس.
كتمت "منار" فمها تمنع شهقاتها الباكية لتلقى برأسها فوق كتف شريكها الفرح والألم والحزن معًا.
ليغمض "خالد" عيناه متأملًا في الله أن يمروا من تلك المحنة ولا يصيب ولدهم الضر.
إهتز هذا الجبل العتيّ من داخله فصغيرهم مريض وربما مرضه خبيث لا يحتمل.
إكفهرت ملامح "معتصم" بصمت لبعض الوقت يحاول إستيعاب تلك الكارثة التى حلت بهم وتبدل فرحهم بتعاسة بتلك الليلة.
أخفض من نبرته محدثًا أخيه "عيسى" الذى لم يختلف رد فعله عنه.
- خد بابا وماما و"غدير" وأختها و روَّحهم البيت، ملهوش لازمة وجودهم هنا، وأنا حفضل هنا مع "رؤوف" ولما يبقى كويس حجيبه على البيت.
تفهم "عيسى" ذلك ليتجه صوب والديه ليقنعهم بالأمر فلا داعي لوجودهم الآن.
على جانب آخر تحاملت "مودة" ألا تنهار بصدمتها بهذا الخبر المفجع.
لكنها ألقت رأسها تحبس دموعها فوق كتف أختها، فتلك الضربة جائت في مقتل لقلبها.
لتتمنى من صميم قلبها ألا يكون هذا الورم خبيثًا أبدًا، فهو نقي القلب لا يستحق الألم.
بينما ضاق تنفس "غدير" فـ"رؤوف" بمثابة أخ أصغر لها وقد تأثرت للغاية بهذا الخبر المشؤوم.
لم يتبقى سوى تلك المُفترض أن تُلقب بزوجته اليوم.
لكن القدر شاء بعدم حلول ذلك.
ورُب قدر محتوم يكشف نوايا القلوب.
فلتتيقن أن الله في النهاية سيحفظ لك علاقتك بمن يستحق أن يبقى بحياتك، فرب الخير لا يأتي إلا بالخير.
هذا ما يحدث عندما تضع من هو ليس بقدرِة فيضعك بما لا يناسب قدْرَك.
زاغت عينا "نيره" بتفاجئ شديد كمن تشاهد مشهد تمثيلي وليس حقيقة واقعة أمامها.
لم تتأثر بالشكل الذى كان من المفترض أن يُرى منها، بل تيبست تمامًا.
لتهمس بنبرة منخفضة للغاية تجاه والدتها.
- إلحقى يا ماما، ده "رؤوف" شكله عنده كانسر.!!!!
لوت والدتها فمها بإمتعاض ثم أردفت ببعض الراحة.
- ده إنتِ باين عليكِ ربنا بيحبك، إن كتب الكتاب متمش، كان زمانك مراته رسمي دلوقتِ.
دارت أمام عيني "نيره" صورة تخيلية لحياتها القادمة مع "رؤوف" وهو يدور من مستشفى لأخرى ومن علاج لعلاج.
يتساقط شعره ويصبح دميم الخَلق، يطلب دعم ومساندة ومساعدة مستمرة.
وربما بالنهاية يموت وتصبح أرملة وهي لم تتمتع بحياتها بعد.
لا، ليست تلك الحياة التى رسمتها بخيالها الحالم لمستقبلها القادم.
إنه يحتاج لممرضة وليس لزوجة.
أومأت بذهن مشتت و أعين زائغة متفقة مع والدتها برأيها.
- عندك حق، كويس إن كتب الكتاب متمش، أنا مقدرش أتحمل كدة، أنا أه بحبه، بس نفسيتي بتتعب أوي من الحاجات دي، مش بستحمل أشوف حد عيان قدامي.
ربتت والدتها بدهاء فوق كتفها لتردف بتنبيه لها.
- أيوة، إنتِ مش وش البهدلة دي، تعالي معايا نسلم على أمه بسرعة ونروَّح بيتنا على طول، ويبقى بينا كلام بعد كدة لما نتأكد من موضوع الورم ده، عشان لو فعلًا خبيث يبقى ميزعلوش مننا، إحنا مش راميينك يا بنتى.
حركت "نيره" رأسها بالإيجاب لتنساق كالحَمل خلف أمها تخرج من فمها بعض كلمات المواساة التى لا تشعر بها من داخلها.
لتنتهى تلك الليلة بعودة الجميع لبيوتهم بينما ظلت "مودة" متشبثة ببقائها بالمستشفى مع "معتصم" لرؤية "رؤوف" والإطمئنان عليه قبل أن يعود للبيت.
شقة عهد.
حين تسألني من أنتِ؟
سأجيب بما يريح عقلي من هذا العبث و أخبرك بأني السئ والأسوأ وأنتم ملائكة من السماء.
فلن أُجهد نفسي حتى بعناء معاتبتكم، فالعتاب بين الأحبة، ولست حبيبة أحد.
وقفت "عهد" تناظر الفراغ الذى خلفه "معتصم" منذ قليل بعد رحيله.
لم تكن تتمنى هذا الرحيل، بل كانت تتمنى لو بقى لتخبره بما بها.
هو فقط من أرادت أن تلقى بأثقال قلبها عليه.
لكنه رحل، رحل وهو يظن أن هذا الرجل له علاقة بها، حتى لو صدق أن هذا والدها، فقد ظن أيضًا أن هناك ما يجمعها به وهي أبعد من ذلك حقًا.
كل ما تراه حُلوها تتذوق مرارته بحلقها.
كانت تظن بعد أن أخرج ما بقلبه تجاهها أنها يمكنها أن تنسى ماضيها وتلقى آلامها خلف ظهرها لتبدأ من جديد.
ليظهر هذا العابث بحياتها مرة أخرى ليدمرها كما دمرها من قبل.
عدوانية شرسة لم تعد تتحمل كل مرة يهدم حياتها برعونته.
لقد كرهت حياة الخضوع والإستسلام من أجل هذا المدعىّ بأُبُوتَه.
ألقت كل ما يذكرها بكونها أنثى ناعمة خلف ظهرها من أجل ألا تلتقى بمن هو على شاكلته.
هو الذى يجسد كل معاني الخزلان والخزي والبغض.
لم عاد الآن بعد أن تأقلمت على حياتها بدونه؟
منذ متى له دور كأي أب سمعت له يومًا، فلا وجود له.
غيابه أكثر شيء إعتادت عليه، عشقت غيابه فهو الأكثر تأثيرًا بحياتها.
إستدارت نحوه بأعين متوهجة حادة للغاية.
فإن جاء ليكسر لها غُصن فستقتلع له شجرة، فهي لم تعد ورقة بمهب الريح لقد مدت جذورها لتصبح أقوى مما يظنه بمخيلته.
لم تعطه فرصة ولم تعامله كأب غائب إشتاقت لوجوده.
بل كانت حادة فظة بشكل كبير.
- إنت جاي ليه؟
وقف هذا الرجل المتصابي بطول يناسب طولها الممشوق ووجه أبيض مستدير وشعر أسود مصبوغ بشكل بدائي للغاية.
تغطت ملامحة بصدمة مزيفة لا تنبع من داخله.
- "عهد"!!!! هو ده ينفع، بقى دي طريقة تكلمي بيها أبوكِ إللي جاي مشتاق يشوفك.!!!
رفعت أنفها بتهكم دون تصديق هذا الرجل الذى تعدهُ غريب عنها.
- مشتاق إيه!!!!!!!! إنت مصدق نفسك؟!!! إنت فاكر إنك أب زي بقية الأبهات ولا إيه؟!! ولا تكون فاكر إنك راجع من الخليج وعيالك وحشينك!!! إنت جاي النهاردة عاوز إيه؟
بحزن مفتعل لصدها له نكس "مسعود" رأسه يحركها بنفي وخزلان من إبنته الكبرى.
- ليه بس كدة يا بنتي؟!! ليه تطعنيني في قلبي كدة!! هو أنا مش أبوكِ برضه، ده ربنا إللي يعلم أنا بحبك إنتِ وأختك قد إيه؟!!
عقدت "عهد" ذراعيها أمام صدرها تناظره بإستهزاء لتضحك ضحكة ساخرة قصيرة قبل أن تعقب.
- لا والله، ويا ترى بقى بتحبنا قد إيه إن شاء الله؟!!!
تنهد "مسعود" بضيق ليردف بإستكانة لا تليق مع مظهره المُغثي للنفس.
- و ليه بتستهزأي بيا كدة، مش يمكن أكون حسيت بالندم ونفسي أرجَّع ولادي في حضني، أنا كبرت يا "عهد" ونفسي تسامحوني وترجعوا في حضني أعوضكم عن إللي فات.
هو من سبب لها هذا الإهتزاز النفسي والذى جعلها لا تصدق أيًا كان.
هل بتلك السهولة ستنسى كل ما فات وتصدق كذبه!!!!!
هتفت به بإنفعال ترفض هذا اللين الذى يدنو به نحوها، إنه خلسة الثعابين.
لم تصدقه من قبل ولن تصدقه اليوم.
- إنت تعوضنا!!!! هو إنت شايفني إيه، عبيطة وساذجة زي أمي ولا أختي، لا، أنا "عهد"، الدنيا دي كلها بتعمل لي ألف حساب، وإنت كمان لازم تعمل لي ألف حساب، فاكرني بسهولة ممكن أصدقك كذب التعابين بتاعك ده، وقال يا عيني راجع تلم عيالك في حضنك، شوف إنت عامل إزاي!!!!! شوف كنت فين السنين دي كلها وإرجع مكان ما جيت، أنا مش محتاجالك ولا ححتاج لك عمري حتى لو بموت، إمشي، إمشي من هنا وشوف مصلحتك في حته تانية، أنا لا يمكن أصفى لك وأسامحك أبدًاااااا مهما حصل.
بإصرار على إقناعها بأنه تغير وشعر بالندم أخذ "مسعود" يستجدي إبنته أن تسامحه وتغفر له قسوته معها.
- سامحيني يا بنتي، ده ربنا غفور رحيم، أنا إتغيرت ونفسي أرجع لكم، أنا مش عاوز غير إنك تسامحيني وتديني فرصة تانية أثبت لك فيها إني فعلًا ندمت وإتغيرت.
كان كمن ضغط زر الإنفجار لتشتد حِدة نظراتها القاسية نحوه وتزداد ثورتها إشتعالًا وإنفعالًا لتصرخ بشراسة فقد أتت فرصتها السانحة.
- أنا أسامحك إنت!!! وكمان عايز فرصة تانية!!!! ليه، عشان إيه أديك فرصة تانية؟?! وإنت مديتناش ليه فرصة واحدة إننا نعيش زي البني آدميين، ليه كنت مؤذي وقاسي، ليه سبتنا وجريت ورا نفسك ومصلحتك وسبت أمي بمرضها عشان مزاجك و دماغك، ليه رمتني أنا وأختي بعد ما عرفت إن أمى ماتت ورحت تجري ورا نزواتك وراحتك، رمتنا بنتين لوحدنا للدنيا تخبط فينا يمين وشمال، وقتها مكناش نستحق فرصة تانية؟!!!!!! ، وقتها مصعبناش عليك؟!!!!!!! ، مفكرتش يوم واحد حناكل منين ونصرف إزاى!!!! ، أمى المريضة دي مفكرتش في يوم توديها لدكتور ولا تجيب لها علاج، مفكرتش غير في القسوة والحرمان من كلمة تطبطب بيها علينا، مفكرتش غير في نفسك وبس، طفشت وسبت البيت يولع باللي فيه.
أخذ جسدها ينتفض بقوة فتلك لم تكن مجرد كلمات عابرة تنطق بلسانها بل كانت تتحدث بكل جوارحها لسنوات عمرها التى جرعتها القسوة و هشمت قلبها اليانع.
خزلان وحرمان و قسوة هذا ما لاقته منه، هذا ما تجرعته لسنوات عجاف لم تلاقي ولو لمرة واحدة طيفه قريب منهم بل هرب منهم ومن مسئوليتهم فكيف ستسامحه بتلك السهولة وهو من أسقاها العلقم بيديه، كيف يطالبها بلين القلب وهو من جرعها قسوة الأيام.
إشرأبت بعنقها بشموخ فلن تهتز ولن تنكسر أمامه بالخصوص لتشير نحو باب الشقة بجمود شديد.
- مالكش مكان هنا، إتفضل مع السلامة.
لملم "مسعود" بقية كرامته ليخرج متهدلًا بخزي من طردها له.
لحظات حتى خرج من الشقة لتدفع بإغلاق الباب بصفقة قوية تقطع بها محاولته لوصلهم.
تحركت ببطء نحو الداخل لتشعر برجفات متتالية لم تتحملها أعصابها الهشة ونفسها المحطمة.
تذكرت نفسها كفتاة بالرابعة عشر تترجى والدها الذى حمل حقيبته لمغادرة بيتهم القديم ألا يتركهم.
﴿ - بالله عليك يا بابا خليك متمشيش.
رمقها "مسعود" بنفور ليدفع كفيها الصغيران عن ذراعه الذى تشبثت به "عهد" يدفعها بقوة نحو الخلف لتهوى أرضًا مصطدمة بصلابتها كما لو إرتد الألم بقلبها بذات اللحظة ليردف بقسوة إعتادتها عليه لسنوات سابقة.
- غوري يا بت من وشي، مش ناقصة إلا البنات وخلفتها، روحي إلزقي في أمك خليها تنفعك إنتِ وأختك، أنا ناقص قرفكم (ثم إستدار نحو "عايدة" زوجته الطيبة المستكينة تمامًا كـ"وعد" حتى أنها تشبهها إلى حد كبير ليتطلع نحوها بإشمئزاز مستكملًا) ، يعني عيانة وخيبانة وإستحملتك، رضيت بحياة الذل معاكِ وإنتِ لا بتروحي ولا بتيجي زي الستات الشاطرة الواعية دي إللي بتعرف تكسب القرش وتعيش أجوازها في نعيم، كمان خِلفتك كلها بنات!!! يعني حفضل طافح الذل ده طول عمري، أنا حغور من هنا وأشوف نفسي، حفضل مدفون ما بين شوية حريم!!!! ، أنا إللي زيي يتاقل بالألماظ، راجل مفيش بعد كدة، قيمة وسيمة، أروح أشوف نفسي وأعيش شبابي إللي حيروح في القبر إللي عايش فيه ده مع واحدة كئيبة متتعاشرش زيك.
خرج "مسعود"، خرج ولم يعد ولم يسأل عنهن بعد تلك اللحظة، رحل تاركًا إمرأة لا تقوى على العمل وإطعام بناتها، يتذللون مرارة البحث عن لقمة تسد جوعهم وملاذ آمن يحميهم من السؤال.
قسوته و أنانيته دفعت تلك الطفلة للصمود والتحلي بقوة لا تمتلكها، لم تعد لديها رفاهية الطفولة وعليها البحث عن كسب المال لتعيل أمها المريضة وأختها "وعد" ذات الست أعوام، طفلة لا تدرك من الحياة شيئًا ولا تتذكر هذا الأناني المتصابي، فقد وعيت "وعد" على أختها القوية التى تتحمل مسئوليتها هي وأمها لسنوات تتخبط من عمل لآخر، تجتهد بتعليمها ورعاية أختها ووالدتهم، ساعدتها إحدي السيدات كنوع من المساعدة بدفع مقدم تلك الشقة التي تسكن بها الآن وعليها توفير إيجارها الشهري منذ ذلك اليوم حين إنتقلت هي وأمها و "وعد" إليها بعد معاناة لسنوات لمرض الربو الذي تعاني منه "عايدة".
لم تكل ولم تشتكي بل أصبحت قاتمة، قاسية، تتحمل كل الصعاب ولا تخر قواها ولا تلين لذكر، فكلهم "مسعود المدبولي"، لا يفكرون سوى بأنفسهم و أغراضهم فور تملكهم للجنس الآخر، يسقطون عليهم عقدهم ويعلقون عليهم أخطائهم ويتملصون من مسئولياتهم تجاههم.
وفاة والدتها كان صدمة أخرى قاسية على نفسها لتزداد إنغلاقًا، حتى أنها أبدلت ألوان الشقة وأثاثها للألوان القاتمة كلون مميز لحياتها التى تشبهها حتى تزوجت "وعد" بشخصية تشبه والدها لتزداد يقينًا بأنهم جميعًا لا يختلفون بالنهاية ولو تبدلت الوجوه ﴾.
سنوات قاست بهم "عهد" الحياة حتى بدأت تعمل كخبيرة تقنيات لدراستها الحاسوب كدراسة تخصصية، تفوقت بمجال سمح لها بالتقدم للضباط المتخصصين لتسلك طريق قوى يشد أذرها ويصقل شخصيتها الجافة لكنها لم تستطع نسيان ما فات.
لتها إستطاعت لكانت تركت لقلبها العنان وشعرت ببعض المحبة والحنان الذى تفتقدهم، لكنها تفتقد الأمان والسند أكثر من الحب ومشاعره.
تفتقد أن تكون الأولوية بحياة أحدهم.
ضغطت "عهد" بكلا كفيها فوق فمها تكتم شهقات بكائها، فلماذا عاد والدها اليوم ليعيد إحياء جراحها القديمة.
ألن تكف الدنيا عن صفعاتها التى كيلت إليها، أكل هذا لمجرد أنها بدأت تميل تجاه "معتصم"، ألن يكتب لها السعادة والفرح مطلقًا!!!!!
برفض تام لأن تكرر مأساة والدتها وأختها وخالتها "زكيه" إنها لن تنصاع لحديث القلب، لن تهوى من تحب.
لقد كُسرت من قبل حتى أصبحت كل حوافها حادة، من أراد قُربها لابد وأن تجرحه، فلم يعد لديها القدرة على تضميد كسور كلما لملمتها تهشمت.
إنها قوية أقوى مما تتصور وأقوى مما يتخيلها الجميع، وستظل قوية ولن ترضخ أبدًا مهما حدث.
بيت النجار (شقة زكيه).
إنتهى وقت التجمعات وحان وقت الخلو بالنفس.
دارت "نغم" حول نفسها بتعاسة وهي ترى وحدتها تحيط بها بين تلك الجدران المتهالكة.
لقد كانت تتقبل هذا المكان لوجود أحبائها به، لكن بعد غيابهم أصبح البيت لا يحمل هذا المعنى بداخلها.
لقد عادت لكونها جدران صماء لا حياة فيها، وحتى بكونها جدران فهي لا تتحمل بشاعتها و قُبحها.
بدلت فستانها بمنامة شتوية باهتة لتجلس حاملة لفافة من الخبز تتناول طعام عشائها الذى لا طعم له ولا قابلية لها.
تذكرت "نغم" بعد مرور يوم الجمعة الحزين برحيل "شجن" وما شعرت به والدتها من حزن و هم، حتى أنها حاولت إخراج والدتها من دائرة حزنها حين أحضرت لها مرتبها الذى أحضره لها "بحر".
عم رأسها ضجيج أفكارها الصامتة وتذكرها لما حدث باليوم التالي حين أخذت "زكيه" المال الذى إقترضته من السيدة "خيرية" لتعيده إليها.
﴿ تحركت "زكيه" بتخوف مما حدث باليلة السابقة مع "صباح" لتسرع بخطواتها نحو منزل "خيرية" القريب.
قبل أن تدق الباب لاحظت أن الباب مفتوحًا لتدلف مباشرة بخطوة واحدة نحو الداخل تنادي "خيرية" لتنبهها بوجودها.
- "خيرية"، يا "خيرية".
نداء في الفراغ لا يتبعه سوى السكون، قلق ما إعتراها ودفعها للتقدم للإطمئنان على تلك السيدة الوحيدة.
لكن هول الصدمة حين وقعت عيناها على داخل الغرفة جعلها تصرخ بهلع وتشدقت عيناها عن وسعهما فقد طعن أحدهم السيدة "خيرية"، قتلها في مقتل.
أخذت تهتف "زكيه" بهلع شديد حتى يلحق أحدهم بتلك السيدة الطيبة الخيرة.
- يا نااااااس، يا هووووو، إلحقونا يا ناس.
ظنت أنها بذلك تساعد "خيرية" وأن يقوم أحدهم بإسعافها أو نقلها للمستشفى.
لكنها فوجئت برجال الشرطة وليس الجيران أو المسعفين، إلتف رجال الشرطة حولها وحول خيرية ليتم القبض عليه بتهمة قتلها.
صرخات إستغاثة لكن هذه المرة ليس لنجاة "خيرية" بل لنفسها.
- لاااا، إلحقوني يا ناس، أنا معملتش حاجة، معملتش حاجة.
توقفت عن صراخها حين سمعت حديث الشرطي يحدث الضابط الواقف أمامها.
- تمام يا فندم، كل المصوغات والفلوس إتسرقوا يا فندم.
إستدارت "زكيه" نحوهم بفزع ليعقب الضابط الذى عادت إليه ببصرها.
- "زكيه" إنتِ مقبوض عليكِ بتهمة سرقة الست "خيرية" وقتلها عمدًا، قدامي يلا، خدها على البوكس يا عسكري.
عاشت طوال عمرها تهرب من كلمة وموقف، تحارب الجبروت بالإستكانة والخضوع وفي النهاية لما تكبدته وتحملته تُتُهِمَ بالقتل والسرقة.
لم يتحمل قلبها الضعيف ما حل بها لتسقط مغشيًا عليه بحالة إنكار وعدم تصديق لما حدث. ﴾
رواية ظننتك قلبي الجزء الثاني الفصل الثالث 3 - بقلم قوت القلوب
قُربك لم يكن يكفيني فلقد رأيتُ مِنك ما يجعل من الغريبِ أقرب.
لقد أصبحت أخشى كل شيء لكني لم أعد أخاف، فهل سأخشى النيران وأنا الحريق نفسه.
***
مرت ساعات الليل الطويل لتشرق شمس صباح جديد، بداية يتأملها البعض ويهرب منها البقية.
خلال تلك الساعات الماضية بقى "معتصم" بمستشفى السلامة بإنتظار الخروج بصحبة أخيه "رؤوف".
شعور بالإستغراب يطوف به كلما نظر تجاه "مودة" التى رفضت بشكل قاطع عودتها للبيت برفقة "غدير" و"عيسى".
ليلوح برأس "معتصم" أمر واحد فقط، أنها بلا شك تحب أخيه وإلا فلما مازالت تنتظر رؤيته.
تحاملت "مودة" قلة النوم والإرهاق بإنتظار لحظة السماح لهم برؤيته بعد إعطاء "رؤوف" مهدئ جعله يغفو بعد الفحص وأخذ العينة.
دقت تمام السادسة لتبدأ مناوبة أخرى للتمريض بالمستشفى مع مرور الطبيب ببعض الحالات ومن بينها "رؤوف".
دلف الطبيب للغرفة ليفحص "رؤوف" للمرة الثانية ليخرج بعد قليل محدثًا "معتصم" وإنصات "مودة".
- هو أحسن دلوقتِ، ممكن يروَّح البيت.
- وممكن أشوفه بعد نتيجة العينة ما تطلع.
- بإذن الله خير، حمد الله على سلامته.
كلمات ثابتة مكررة ما بين مريض وآخر.
تَفهم "معتصم" الأمر لينظر نحو "مودة" بتفحص يكشف ما تخفيه تلك الصغيرة ليسألها مستكشفًا بعينيه الثاقبتين كعادته.
- مروحتيش مع "غدير" ليه؟ تعب عليكِ كدة.
شعرت "مودة" بالإرتباك لتردف بتردد.
- قلت أطمن على دكتور "رؤوف" الأول وبعدين البيت مش بعيد عن هنا.
بإيمائة كاشفة وإبتسامة جانبية إكتفى "معتصم" ردًا عليها ليدلف لغرفة "رؤوف".
***
لم يتذكر "رؤوف" شيئًا بشأن ليلة الأمس.
لحظة غفوة أفاق منها يدور برأسه يتفحص تلك الغرفة متغاضيًا عن الألم الطفيف الذى مازال يشعر به.
تحركت عيناه تجاه المغذى الموصل بكفه فيبدو أنه تناول بعض الأدوية المسكنة للألم.
دلف "معتصم" أولًا لينتبه له "رؤوف" متسائلًا.
- "معتصم"، إيه إللي جابني هنا، و.....
قطع حديثه طلة "مودة" الهادئة من خلف "معتصم".
صمت لوهلة يتأكد من رؤيته لها ليعلنها قلبه صراحة بدقاته المتسارعة إنه سعيد برؤيتها.
لو كان قلبه ينطق لصرح بأنها الوحيدة التى كان يتمنى رؤيتها الآن.
صمت "رؤوف" المباغت وإنتظار "مودة" كان واضحًا للأعمى بأن هناك عشق خفى يربط قلبيهما.
لكن !!! أليس هذا العشق من حق "نيره" وهي أولى به ؟!!!
همس "رؤوف" بوهن.
- "مودة" ...
وقفت "مودة" خلف "معتصم" تشعر بالحرج لبقائها لتردف بعجالة.
- أنا بس كنت بطمن عليك، وكويس إنك بخير، حمد الله على السلامة.
قالتها لتستدير مغادرة تهرب مما وضعت نفسها به موبخة نفسها بشدة على تهورها وبقائها بهذا الشكل.
توقفت عن الحراك حين قام "رؤوف" بندائها يمنعها من المغادرة.
- إستنى بس، رايحه فين ؟!!
نظرت بالبداية نحو "معتصم" بقلق فعيناه تؤكد إدراكه لمشاعرها بوضوح لتعيد عينيها تجاه "رؤوف" معتذرة.
- معلش، أصل يا دوب أروَّح، وبإذن الله حطمن عليك من "غدير"، سلام عليكم.
خرجت بعجالة تؤنب نفسها على إصرارها على البقاء، فهذا القرار خاطئ للغاية، فـ"رؤوف" بالنهاية يعد غريب ولا يصح بقائها هنا.
لكنها عادت تبرر ذلك بأن هذا كان الحل الوحيد لتطمئن بعينيها عليه أولًا.
بهدوئه المستفز مال "معتصم" تجاه أخيه يمط شفتيه الممتلئتان قائلًا.
- طب ما كانت قدامك قبل "نيره"، ما خطبتهاش ليه ؟!!!
بأعين متفاجئة نظر "رؤوف" تجاه أخيه المتقد الذكاء متلعثمًا بحديثه.
- قصدك إيه، هي مين؟ مفيش حاجة يا "معتصم".
ضحك "معتصم" بقوة لتظهر أسنانه المتراصة و تتجلى وسامته المثيرة.
- "أوفه"، باين على وشك، مش حتخبي عليا أنا.
تنهد "رؤوف" بحنق ثم أردف بتحسر.
- مكنتش واخد بالي ولا منها ولا من إللي جوايا ناحيتها إلا الإسبوع إللي فات، ويوم ما عرفت بابا حدد معاد كتب كتابي أنا و "نيره".
أكمل "معتصم" عن أخيه بإدراكه للأمر.
- وطبعًا مش حتقدر تسيب "نيره" وتخلى بيها، فوافقت على إتمام الجواز غصب عنك.
حرك "رؤوف" رأسه بخفة مصدقًا على ما تفوه به أخيه.
عقب "معتصم" بجدية.
- عمومًا ربنا مش بيجيب حاجة وحشه، يلا بينا نروح دلوقتِ وكل حاجة لها وقتها، المهم تشد حيلك وتبقى كويس.
بدون توضيح لأكثر من ذلك أشار "معتصم" لأخيه بمرافقته بينما لم يفهم "رؤوف" مقصد "معتصم" جيدًا لكنه كان يود العودة للبيت.
***
بعد أقل من النصف ساعة كان "معتصم" يصطحب "رؤوف" عائدًا للبيت ليجد الجميع مازالوا بإنتظاره ليطمئنوا عليه.
نظرة متوجسة رآها "رؤوف" بعيونهم ودموع خفية تتحجر بداخلها.
حديث مخفى يظهر بوجوههم دون أن يدرك سبب تلك النظرات المشفقة التى تملأ قسماتهم.
لكنه شعر ببعض الألم بمعدته جعله يتغاضى عن ذلك ليلتمس بغرفته بعض النوم والراحة فيما خرج "معتصم" مرة أخرى متجهًا لعمله بالجهاز، فقد إنتهت إجازته للتو وعليه إستئناف عمله و بالأخص رؤية تلك المتمردة الشرسة ليفهم سر غموض الأمس الذى لم يتسنى له الفرصة لمعرفة الأمر كافة.
***
إنه موعد الإستيقاظ الثابت لديها.
دقات منبهة علت لتصدح بالغرفة الساكنة تعلن عن موعد الإستيقاظ، لكن هذا لمن إستطاع أن يغفو وينال راحة الليل.
تطلعت "عهد" برنين هاتفها لتغلق الصوت فهي لم تغفو بعد.
نظرت لصورة تجمعها مع والدتها وأختها "وعد".
تذكرت مقدار المشقة التى مرت بحياتها حتى هذه اللحظة.
أرادت لو تعيد لذاكرتها كل لحظات العناء التى سببها لهم والدها حتى لا تضعف وترضخ لبعض الكلمات الكاذبة عن الندم.
لقد أصبح كالغريب، بل هو بالفعل غريب عنهم، لا يعرف شيئًا عنها وعن طباعها عن تفاصيل حياتها ومشاعرها.
إنه حتى لم يتقابل معها منذ أن كانت طفلة بالرابعة عشر، فما الذى ذكرَّهُ بها وبأختها الآن؟
هل عاد ليزيد أوجاعهم ويذكرهم بأنهم على هامش تفكيره وحياته؟
أليسوا هم أنفسهم من تركهم دون مال ولا سند.
تنهدت بقوة لتنهض من فراشها لتبدأ روتين حياتها بالعودة لعملها فقد إنتهت الإجازة.
بنطال أسود وكنزة صوفية رمادية، كان هذا إختيارها لما سترتديه اليوم كنوع من التغيير لسهولة حركتها فلا تدري ماذا ستقتحم من مفاجآت لم تحسب لها حساب كيومها الأخير بالمهمة بالأسكندرية.
إتجهت بعد ذلك مباشرة نحو الجهاز وقد زاد تجهمها وإقتضابها عن المعتاد.
مقابلة لم تكن تودها بتلك اللحظة.
لحظها وصولها لمبني المخابرات العامة (الجهاز) كان نفس توقيت وصول "معتصم".
وما بين كلاهما شعور مختلف.
أراد أن يتحدث معها ويتفهم منها ما حدث بالأمس ويخبرها سبب حضوره لبيتها بهذا الشكل.
بينما شعرت أنه يسرق قلبها رغمًا عنها، سيحولها لصورة متكررة من إمرأة ضعيفة لن تتحمل أن تكون كالبقية.
أشاحت بوجهها عنه مصطنعة عدم رؤيته بلا مبالاة أدركها "معتصم" على الفور، فقد رأى عيناها التي لمحته قبل أن تشيح عنه.
لن يركض تجاهها ليسعى لإرضائها فهو أكبر من ذلك، لكن الأمر قد إستفزه بصورة غريبة.
لكن قلبه دفعه لندائها ولو لمرة واحدة.
- "عهد"، يا "عهد".
أغلقت أذنيها كما لو أنها لا تسمعه لتتعجل بخطواتها القوية نحو الداخل مما أثار حنقه وإستفزازه مرة أخرى ليغمغم بضيق.
- ده شكل النهاردة مش فايت.
رفع نظارته الشمسية فوق عينيه برغم أنه دلف لداخل المبني وتشدق بعنقه لتتخذ خطواته قوة وشموخ كنوع من التحدي ليعبر الردهة الطويلة بخطوات تكاد تثقب الأرض من تحتها.
زاد الأمر حينما مر إلى جوارها متخطي وجودها ليتجه نحو مكتب السيد "نظمي".
عناد من نوع آخر جعلها تستشيط غضبًا.
ألم يكن منذ وهلة يناديها، والآن هو يتخطاها دون الإلتفات لها، أى مزاح هذا !!!
إتجهت صوب مكتبها لتدور بإنفعال حول نفسها مغمغمة بسخط.
- ماله ده ؟!! منين كان بينادي عليا ومنين سابني وراح المكتب، إيه أصله ده ؟!!
تهدج صدرها بإنفعال بينما أخذت تلوم نفسها بقوة تنهرها عن ضعفها.
- بس يا "عهد" إنتِ إتجنني، مش هو ده إللي إنتِ عاوزاه، مش عايزاه يبعد عنك عشان ميضعفكيش، مش هو ده إللي إنتِ خايفة يسيطر عليكِ ويتحكم فيكِ !!!!!
لكن هذا الثائر بين ضلوعها يترجاها بأن تقبل حُبه و قُربه.
إنها بالفعل بحاجة إليه وإن أنكرت ذلك، قلبها بأمس الحاجة لقلبه الذى لن يتكرر بحياتها مرة أخرى، فهو فرصة نادرة إن لم تقتنصها ستخسرها للأبد.
***
وما بين قُرب و بُعد بداخلها فقط ظلت تتخبط الأفكار برأسها ويقيم بقلبها وعقلها صراع أجهدها تمامًا حتى أُرسل إليها طلب لحضور إجتماع عاجل بمكتب السيد "نظمي".
***
طبيعة ساحرة تخطف العيون قبل الأنفاس لكن رغم ذلك هناك من يُحرَم من التمتع بها.
بوجه شاحب وجسد متيبس جلس "أيوب" يطالع وجه مرافقته الحسناء التى أضفت روحًا وحياة على حياته الرتيبة.
أعدل "أيوب" من وضع رقبته حين ساعدته "شجن" بوضع وشاح صوفي سميك تدثر به ساقيه حين جلس بالمقعد المتحرك خاصته.
بروحها المرحة أردفت "شجن".
- إيه رأيك بقى بكوبايتين شاي بالنعناع في البلكونة، الجو النهاردة تحفة والشمس ملعلعة.
إبتسم "أيوب" إيجابًا.
- ده يبقى حاجة حلوة أوى.
غمزت "شجن" بشقاوة وفضول أيضًا.
- وأهو بالمرة نكمل رغي مع بعض.
دفعت "شجن" المقعد نحو الشرفة ثم ألقت نظرة خاطفة مرة أخرى نحو داخل الغرفة قبل أن تردف.
- ثواني يا عم "أيوب" حأسقي الزرعة إللي جوه الأوضة وأجيب الشاي من "أم محمد".
على عجالة أسقت هذا الأصيص الذي وضعته بنفسها بداخل الغرفة ليبعث بعض البهجة بنفس "أيوب".
ثم أحضرت أكواب الشاي لتشارك "أيوب" جلسته بالشرفة يستمتعان بهذا الأجواء الساحرة.
لتسأله "شجن" بسؤال طالما راودها منذ لقائها به.
- إنت ليه عايش لوحدك يا عم "أيوب"، فين أهلك وحبايبك، معندكش أولاد ولا حاجة ؟!!
ضحك "أيوب" ساخرًا من حاله ليجيبها بتحسر رغم تهكمة بمفارقة على حياته القاحلة.
- عارفة يا "شجن"، أنا إتجوزت ثلاث مرات.
أوسعت عيناها بصدمة لتردف بإندهاش.
- ثلاث مرات... !!!!!
أكمل بضيق نفس رغم تظاهره بعكس ذلك.
- أيوة ثلاث مرات، كنت شاب بقى وسرقاني السكينة زي ما بيقولوا، منكرش إني كنت أناني وكمان كنت وحيد أبويا وأمي، يعني شاب وحيد ومعايا فلوس، مكنتش عارف إن العمر والوحدة حيعملوا فيا كدة.
سألته "شجن" بجدية لتأثرها بحياة الدلال التى يعقبها ألم ووحدة.
- وهم فين الثلاثة دول، وإزاي إتجوزتهم ؟!
عاد لذكريات الماضي متذكرًا ليقص عليها.
- كنت شاب هوائي أوي، إتجوزت "نعمة" بنت خالي، أنا ليا أعمام كتير مش شقايق أبويا لأ من أم تانية، إلا إني كنت قريب لخالي والد "نعمة".
- هي كمان كانت مختلفة عن الكل، إتجوزنا ثلاث سنين وبعدين حسيت إنها مش هي دي الإنسانة إللي تناسبني، مكنتش كملت تعليمها وحسيت إن ده عيب كبير أوي فيها، كمان كانت من المنطقة من هنا فيها طبع ريفي شوية، مع إن أنا إللي كنت أخترتها لكن حسيت إني إتسرعت.
- رحت لأبويا وقلت له أنا عاوز أتجوز تاني واحدة تفهمني وأفهمها، أبويا زعل جدًا لكن مع ضغط والدتي عشان هددتهم إني حسيب البيت وأمشي وافق.
تهدل حاجبي "شجن" بضيق معقبة.
- ومراتك، وافقت ؟؟؟؟
تنهد بتحسر قبل أن يردف.
- للأسف لأ، مستحملتش فكرة إني أتجوز عليها، كمان كانت بتحبني أوي طلبت الطلاق، أنا وقتها كنت طايش، ما صدقت بصراحة عشان أكمل حياتي بدون ضغط أو مسؤولية خصوصًا مكنش فيه بينا أطفال.
حزنت "شجن" لظلمه لتلك السيدة.
- وطلقتها ؟!!
- طلقتها، ورحت إسكندرية، دورت على بنت حلوة تعجبني بقى مش الريفية بتاعتنا، وفعلًا الناس رشحت لي بنت جميلة أوي إسمها "سوزان" وإتقدمت لها، بس بعد الجواز إتضح لي إنها إنسانة مش كويسة، طماعة و أنانية، لسانها طويل، مقدرتش أكمل معاها هي كمان وطلقتها بعد خمس شهور.
لوت "شجن" فمها بإستياء كما لو أنها تتشمت به نيابة عن بنات جنسها.
- ده ذنب "نعمة" بنت خالك.
رغم إدراكه لذلك إلا أنه أكمل بتحسر.
- أنا فعلًا قلت كدة، عرفت الفرق بينها وبين "سوزان" وإن ظفر "نعمة" بألف من واحدة زي "سوزان".
إعتدلت "شجن" قائلة بحماس.
- طيب، يبقى ترجعها على طول.
- ده إللي أنا فكرت فيه إني أرجعها وأعتذر لها وأستسمحها وإني عرفت قيمتها فعلًا بس للأسف ملقيتهاش.
ضيقت "شجن" حاجبيها بإستغراب.
- ملقيتهاش، ليه ؟!! راحت فين ؟!!
- خالي طبعًا زعل مني دي مهما كانت بنته الوحيدة، وأخد على خاطرة لما عملت كدة في بنته وكسرت قلبها ونفسها، بعد الطلاق سابوا البلد كلهم وسافروا مصر وحاولت أوصل لها لكنها رفضت تمامًا تقابلني أو تتكلم معايا.
عقبت "شجن" بإنفعال.
- طبعًا، كرامتها وجعاها.
أومأ "أيوب" إيجابًا.
- أيوة، وعشان كدة قعدت سنين طويلة حاسس بالذنب وفعلًا حسيت قد إيه إني غلط وخسرتها، ندمت بجد إني فكرت بالسطحية دي، لكن لما والدي إتوفي وبعدها والدتي ولقيت نفسي لوحدي قلت أتجوز والسلام وحصل، إتجوزت أرملة كبيرة في السن ما أنا كمان وقتها مكنتش صغير وشباب زي الأول، قعدنا مع بعض ثمان سنين لحد ما إتوفت السنه إللي فاتت وبقيت زي ما إنتِ شايفة، عايش لوحدي.
رغم أخطائه إلا أنها أشفقت عليه بالفعل لتردف بحنو.
- طيب متزعلش نفسك، وأديني معاك أهو بونسك.
بسمة مجاملة لاحت للحظات ليردف بعدها.
- مش عارف من غيرك الأيام دي حتعدي إزاي.
***
طرقات صدحت بباب الغرفة تلاها صوت السيدة "أم محمد".
- يا حااچ، يا ست "شچن" ...؟؟
أعلت "شجن" من صوتها.
- تعالي يا "أم محمد".
دلت السيدة نحو الداخل تطل برأسها قائلة.
- فيه واحد غريب عاوز الحاچ تحت.
نظر "أيوب" لـ"شجن" قائلًا.
- شوفي إنتِ يا "شجن" مين الغريب ده وعاوز إيه.
تحركت "شجن" برفقة "أم محمد" لمقابلة الغريب ببعض التوجس فهو أول زائر يمر بهما منذ أن جائت إلى هنا.
***
بيت النجار (شقة زكيه).
سحبت "نغم" حقيبتها الصغيرة لتعلقها بكتفها فقد تجهزت تمامًا في الموعد المحدد.
دقائق قليلة وسمعت طرقات بباب الشقة لتتلهف لأصحابها وتفتح الباب على عجالة.
- صباح الخير يا عمي، (ثم تطلعت نحو "مأمون" من خلف "فخري")، صباح الخير.
تطلع "فخري" لملابسها متسائلًا بما يدرك إجابته مسبقًا.
- جاهزة يا "نغم" ؟
أومأت "نغم" بالإيجاب ليجتاحها توجس وتخوف سبب برودة لأطرافها.
- أنا جاهزة بس ااا، هو ممكن ماما تفضل في الحبس يا عمي ؟
أجابها متأملًا بذلك بالفعل.
- إن شاء الله المحامي يحاول النهاردة يطلعها بكفالة وتروح معانا إن شاء الله.
تضرعت "نغم" بالدعاء بتمنى.
- يااااا رب.
هبط "فخري" الدرجات أولًا ليبقى "مأمون" مرافقًا لـ"نغم" متحدثًا بنبرة خفيضة للغاية.
- مش عاوزك تشيلي هم خالص، المحامي ده أكبر محامي في البلد وإن شاء الله مرات عمي تروح معانا النهاردة.
تنهدت "نغم" بضيق وهي تعد الأيام بإحباط شديد.
- النهاردة بقالها ثمان أيام في الحبس، أنا مخنوقة أوي، ماما وحشتني أوي، لولا إنها أصرت لما رحنا لها المرة إللي فاتت إننا لازم نكتب الكتاب مكنتش رضيت بكدة وهي بعيد عني هي و "شجن"، عارف، والله يا "مأمون" ماما متعملش كدة أبدًا، أبدًا.
هتف مؤكدًا الأمر ليبث بها بعض الطمأنينة.
- أنا متأكد يا "نغم"، وبعدين هي فاهمه كويس الظروف وعارفة إن مينفعش تقعدي لوحدك وهي مش ضامنة حيحصل لها إيه في القضية، من خوفها عليكِ أصرت نتمم كتب الكتاب مش هي إللي قالت كدة، كمان أنا مش عاوزك تقلقي خالص، ولا أنا حسيبها ولا بابا حيسيبها، هو وعدني إنه حيفضل جنبها لحد ما يثبت برائتها.
بعفوية لا تناسب فتاة تمر بكل تلك الضغوط والعقبات عقبت بإندهاش.
- الصراحة متزعلش مني، أنا متفاجئة جدًا من موقف عمي "فخري" ووقفته مع ماما، ده حتى هو إللي جاب المحامي وسعى كتير أوى عشان نزورها النهاردة.
أكمل "مأمون" طريقه برفقة "نغم" للحاق بوالده دون أن يكفا عن الحديث متجهين لقسم الشرطة لزيارة "زكيه" برفقة أحد المحامين البارعين.
لم يدركا أثناء مرورهم أمام شقة "فخري" أن "صباح" كانت كعادتها تقف خلف الباب تسترق السمع لهم لتستدير بوجه متوهج تكاد الدماء تثور منه وهي تستكمل توعدها.
- بقى كدة يا سي "فخري"، بقى سايبني مرميه هنا وداير ورا الست "زكيه" تجيب لها محاميين وتزورها كمان.
لتنتبه لما هو أبعد من ذلك.
- ده مش بعيد لو طلعت من الحبس يتجوزها، أيوة، هو عاوز يتجوزها من زمان، وخلاص الجو خلي له.
لتعلي من صوتها الخشن مهددة.
- ده أنا أطربقها على الكل، ولا يهمني، ده أنا لو روحي فيه، يا يبقي ليا لوحدي، يا بلاش.
ليبقى عليها فقط الإنتظار لثبوت التهمة على "زكيه" أولًا وإلا فعليها البحث عن أمر آخر يخلصها منها ومنه إذا لزم الأمر.
***
فيلا الأيوبي.
ربما تموج الظنون بالعقول لكنها لا تظهر للعيان، فإن كانت ظنونك سيئة لم لا تملك قوة المواجهة؟
فلتكن كالصاعقة تضرب ولا تبالي فهي على قسوتها إلا أنها حقيقية مباشرة لا تطعن بالظهر كسوء الظن.
بخفة ورشاقة خرجت "شجن" من باب الفيلا الخشبي الكبير لمقابلة هذا الغريب.
رغم جرأتها التى تتمتع بها إلا أن لها بسمة عذبة للغاية ترسم بشفتيها طوال الوقت.
تقدمت لعدة خطوات لتعبث الرياح بخصلات شعرها القصير بحالمية.
كانت خاطفة للأنظار بشكل ملفت، خاصة أنظار هذا الشاب الذى وقف بإنتظارها والذى لقب بالغريب.
شاب وسيم ذو ملامح لطيفة مبتسمة أيضًا له وجه مثلث وشعر ناعم ذو خصلات طويلة مصفف بعشوائية أظهرت عيناه البنيتان الواسعتان ذات الأهداب الطويلة، كان مظهره لطيف بشكل ملحوظ، لكن بملابس بسيطة للغاية ليدل على حالة إجتماعية بسيطة.
توقفت "شجن" بمقابلته تنتظر منه التعريف عن نفسه فيما فاه بوجود فتاة حيوية بهذا البيت فلم يكن يعلم بأن هناك أيه أولاد هنا.
مالت "شجن" برأسها تحركه بدون فهم تحثه على التحدث لتهتف بالنهاية.
- أه، إيه، مين إنت ؟!!
إنتبه الشاب لها ليجيبها ببعض التشتت.
- ااا، أنا "رحيم".
عقبت "شجن" بسخرية مازحة.
- وااو، برافو (ثم تساءلت تنبهه أنه لم يوضح بعد من هو)، أيوة برضه مين حضرتك ؟!!
تشتت "رحيم" بتلك الأفكار التى تواردت إليه فمن تكون تلك الفتاة؟
وماذا تفعل ببيت هذا الرجل؟
الجميع يدرك أن "أيوب" رجل وحيد لا أولاد له، أيعقل أن تكون هذه زوجته !!! أو ربما على علاقة ما به ؟؟!
تلاعبت الظنون برأسه كما فعلت مع العديد ممن يحيطون بـ"أيوب"، فلم يدرك أحدهم سبب وجود فتاة غريبة ببيت رجل بمفردهما.
شعر "رحيم" بالإرتباك فهي جريئة خفيفة الظل، مختلفة عمن يعرفهم ليردف بهدوء فهو يتمتع بشخصية لطيفة هادئة بشوش الوجه، سحب شهيقًا طويلًا ثم زفره دفعة واحدة ليجيبها بإبتسامة متوجسة من الرفض.
- أنا كنت جاي عشان شغل، حد هنا قالي إنكم محتاجين سواق.
رفعت رأسها بإدراك للأمر.
- ااااه، طيب تعالى.
قالتها وهي تستدير نحو الداخل ليتبعها بينما تعجب "رحيم" من أمر تلك الفتاة فيبدو أن لها سُلطة ما بهذا البيت.
لحق بها "رحيم" حين دلفت لداخل الفيلا ليتطلع بأركانها وثراء صاحبها بعكس حالته المادية المهترئة ليجد "شجن" تصعد الدرج مما جعله يثبت بموضعه فبالتأكيد لن يقتحم البيت ويلحقها نحو الأعلى.
إستدارت "شجن" تحثه على المواصلة بإنتقاد لتوقفه.
- وقفت ليه يا إبني، يلا تعالى.
تطلع بها "رحيم" بإندهاش ممتعض من جرئتها الزائدة.
أتطلب منه الصعود للأعلى نحو غرف النوم، يا لها من فتاة غريبة !!!
إنها تدفع الجميع لسوء الظن بها.
لحق بها ليرى نهاية هذا الأمر فيجب أن تكون هي من تخشى قدومه وليس العكس.
دلت للغرفة الكبيرة ليتبعها "رحيم" ببعض النفور لكن حين دلف من خلفها وجد غرفة واسعة بنهايتها يجلس رجل مسن مقعد على أحد المقاعد المتحركة قرابة الشرفة.
لقد أساء بها الظن، فقد كانت ترشده لـ"أيوب"، لكنها لم توضح له الأمر لتترك الأفكار تعبث بخياله زادها وساوس الشيطان.
حرك "أيوب" المقعد تجاه "رحيم" يناظر وجهه الغريب فهو لم يراه من قبل، لتوضح "شجن" الأمر لـ"أيوب".
- ده "رحيم" يا عم "أيوب"، مش عارفه مين قاله إننا محتاجين سواق !!!!!
قلب "رحيم" نظراته بين "شجن" و"أيوب" محاولًا فهم تلك العلاقة بينهما فهي تناديه (عم)، أهي إبنة أحد أقربائه؟
أم أنها فتاة غريبة تتلفظ بها لكبره بالسن.
تفحص "أيوب" هذا الشاب فبرغم أنه لم يلتقيه من قبل إلا أن به شيء مألوف للغاية.
- أهلًا يا إبني، إنت من هنا، أصل شكلك مش غريب عليا، زي ما أكون أعرفك ؟!!
إتسعت إبتسامته لتتجلى وسامته بهدوء طبعه وتظهر أسنانه البيضاء لتكسبه طلة محببة للنفس تخترق القلوب.
أجاب "رحيم" دون تباطئ.
- لا يا حاج، أنا مش من هنا، ده أنا غريب وبدور على شغل، لما وصلت هنا حد من البلد قالي إنك كنت بتسأل على سواق.
تفهم "أيوب" الأمر متسائلًا بفضول.
- إنت أصلًا سواق، متأخذنيش يا إبني، أصل شكلك كدة متعلم ؟؟!
أجابه "رحيم" بقلة حيلة.
- وهو فيه شغل يا حاج، أنا معايا ليسانس حقوق بس ملقتش شغل، فكنت بدور على أى شغلانة كويسة وخلاص.
سأله "أيوب" مرة أخرى ليزداد إطمئنانًا له.
- إنت منين طيب ؟!!
إجابة تلقائية بإبتسامة بشوشة حين أردف.
- أنا من البحيرة يا حاج وبقالي فترة بدور على شغل، كنت عارف إن فيه هنا مزارع فقلت آجي أشوف رزقي.
شعر "أيوب" بالألفة لهذا الشاب ليومئ بالإيجاب ليوجه حديثه لـ"شجن".
- شوفتي بقى، أهو حييجي كمان واحد يونسنا أهو، خلي "محمد" يشوف له الأوضة إللي في الجنينة يسكن فيها ويسلمه مفاتيح العربية.
أجابته "شجن" بتفهم.
- ماشي يا عم "أيوب" (إلتفت نحو "رحيم" قائله)، إتفضل معايا يا "رحيم" أوريك الأوضة إللي تحت.
أوقفهما "أيوب" قبل مغادرتهم بطلبه الإستلقاء قليلًا.
- طيب قبل ما تمشوا عاوز أنام، حاسس إني تعبان شوية.
تمعنت به "شجن" للحظات قائله بفراستها.
- مخبي إيه تاني يا راجل يا عجوز، إنت فيه حاجة بتوجعك صح ؟!!!
تغاضى "أيوب" عن آلامه مردفًا بمحبة.
- كل يهون بأمر الله يا بنتي.
حاولت "شجن" مساعدة "أيوب" ليستند بيده فوق الفراش محاولًا رفع جسده الثقيل عن المقعد ليسرع "رحيم" بمساعدتهم بوضعه بالفراش للإسترخاء قليلًا فيما خرجا كلاهما بعد ترك "أيوب" بوضع مريح بعض الشيء.
هبطت "شجن" الدرج تشير نحو الخارج موضحة.
- فيه أوضة بحمام في الجنينة تحت بس حلوة جدًا دي حتقعد فيها زي ما عم "أيوب" قال، ومفاتيح العربية مع "محمد".
تسائل "رحيم" بعدم إدراك.
- مين "محمد" ؟!!
أجابته "شجن" موضحة بصورة مبهمة أكثر.
- "محمد" إبن "أم محمد".
تعالت ضحكات "رحيم" بصورة ساحرة لخفة ظل تلك الفتاة مما جعلها تشاركه الضحك رغم عدم تقصدها لهذا الإيضاح المُبهم، فهي كانت تجيبه بالفعل لتعيد توضيحها للأمر بصورة أكثر دقة.
- "أم محمد" دي الست إللي قابلتك من شوية، بتيجي كل يوم هي وإبنها تنظف البيت وتعمل الأكل وكدة.
وجد "رحيم" نفسه يسألها مباشرة بما سبب له تلك الظنون.
- طب وإنتِ !!! مين وبتعملي إيه هنا ؟!!
أدركت "شجن" أنها لم توضح له شيء عن نفسها لتجيبه بعفوية.
- يا خبر، هو كل ده وأنا مقولتلكش، أنا "شجن النجار"، ممرضة مقيمة هنا مع عم "أيوب"، لسه جاية هنا طازة من إسبوع بس، يعني جديدة زيك.
هنا أدرك "رحيم" سبب وجود "شجن" ليتفهم الأمر لكن يبقى أمر توجسه عن سبب إقامتها بشكل دائم، أيمكن أن تكون طامعة بمال هذا الرجل، أومئ رأسه بتفهم دون الإفصاح عما يظنه ليستكمل طريقه برفقتها نحو الخارج لتفقد تلك الغرفة ليتأقلم على وظيفته الجديدة كسائق هنا وتقبله للإقامة بهذه الغرفة لبدأ حياة جديدة برفقة مجموعة من الأغراب يظلهم بيت واحد.
***
شركة عسرانكوا للإستيراد والتصدير.
وجوده بالبيت رغم تلك الضغوط كان سيشكل أمر أكثر إيلامًا.
فـ"خالد" القوى الصامد شعر برجفة من داخله لمجرد ظنه بأن ولده مصاب بهذا المرض اللعين، فما بال إذا تأكد الأمر.
وصل "خالد" لمقر الشركة بعد أن دلف "رؤوف" للنوم وبقاء "منار" و"غدير" إلى جواره دون المغادرة، لكنه لم يستطع البقاء، ولن يقوى على تحمل هذا الإختبار القاسي على قلبه بالتأكيد.
جلس بمقعد مكتبه يتلمس ألم إجتاح مقدمة رأسه بضيق شديد يتمنى بداخله لو أن كل ما مروا به ليلة الأمس ما هو إلا حلم سوف يستيقظ منه بالقريب لتعود حياتهم لطبيعتها كما كانت.
دلف "فوزي" بعد أن طرق الباب بخفة ثم أغلق الباب من خلفه متحدثًا بنبرة ماكرة منخفضة للغاية.
- باشا، أخبارنا إيه النهاردة.
سؤال إستفز هذا الساكن الصامت لينهره بحدة فهو لا يتحمل سخافته الآن.
- مش ناقصك يا أستاذ "فوزي"، أنا تعبان ومش فايق للكلام.
إمتعض "فوزي" قليلًا ثم ألقى ما بجعبته قبل أن يقطع حديثهما قدوم أحدهم.
- أنا عارف ومقدر مشغولياتك يا باشا، بس الأستاذ "حسين" بيأكد على حضرتك إن إحنا تمام ومستنيين زي ما إتفقنا، إحنا ناس بتوفي بوعودها، وإنت كمان حتوفي بوعدك ونظبط العقود دي، تمام يا باشا.
زفر "خالد" بقوة يريد التخلص من هذا الأفاق.
- طيب، طيب، سيبني لوحدي دلوقتِ.
حرك "فوزي" رأسه بحنق فمع رضوخه وإتفاقه معهم مازال يتعامل معهم بتعالي وترفع.
- ماشي يا باشا، سلام.
خرج "فوزي" بعجالة كما ولج ليبقى "خالد" متفكرًا بتلك الضغوطات التى تحيط به من كل جانب.
***
مبني المخابرات العامة (الجهاز).
بعد إجتماع مطول بين "نظمي" و "معتصم" و "عمر" قرر "نظمي" حضور بقية المجموعة التى إختصت بالعمل تحت قيادة "معتصم" لبحث أسباب الخلل التى أدت لإصابة "معتصم" و "حليم".
حضر جميع أفراد المجموعة بإستثناء "حليم" الذى مازالت إصابته تمنعه من مواصلة العمل لكنه كان محظوظًا ببقائه على قيد الحياة.
جلس "معتصم" بغرور طبعه يسترق بعض النظرات خلسة نحو "عهد" التى دلفت للتو دون أن تنتبه لتلك النظرات.
أخذ يعبث بشفتيه بإبهامه كنمر شرس ينتظر لحظة إنقضاضه على فريسته.
جلس جميع أفراد المجموعة حول طاولة الإجتماعات البيضاوية يترأس جلستهم السيد "نظمي" يتوسط كلا من "معتصم" من اليمين و "عمر" إلى اليسار.
تلك المرة ترك "عمر" مجال الحديث لقائدهم القوى "معتصم" والذى إنتظر بموضعه حتى جلس الجميع لينهض ببطء ليزيد طوله إستقامة وقد عُقدت ملامحه بجمود وحلت تلك النظرة التى تعرفها "عهد" جيدًا، إنها نظرته الثاقبة التى أطاحت بثباتها وقلبها بسويسرا، نظرة تحمل القوة والشراسة والغموض معًا.
إجتاحها نفس الإحساس عندما رأته لأول مرة لتزيغ عينيها عن حادتيه متهربة من النظر المباشر نحوه، فرصة ليستغلها هذا القناص ليتطلع نحوها من آن لآخر دون أن تنتبه له فقد أخذت تنظر بعدة إتجاهات إلا صوبه.
بدأ "معتصم" حديثه بجدية وحدة فما حدث لا يمكن التهاون به.
- ممكن أعرف رأيكم في إللي حصل في إسكندرية ؟!!!!
همهمات بين الجميع ليدلي كل منهم بتبرير يبرئ ساحته بأن لابد والخطأ غير مقصود أو ربما تم كشف غطائهم دون إدراك، تبريرات عدة تفوهوا بها بينما إلتزمت "عهد" الصمت تشعر بالسخرية من مبرراتهم الطفولية والتى ليس هذا مكانها.
تفاجئوا جميعًا برد فعل عنيف من "معتصم" حين ضرب الطاولة بكفيه بغضب ليستند بهما ناظرًا بشراسة يوزع نظراته بين الجميع قائلًا.
- ده كلام عيال في مدرسة، مش شغل ظباط، أرواح الناس متعلقين في رقبتنا وإنتوا جايين تستهتروا، يعني إيه التشكيل ده يعرف معاد وصولنا إسكندرية ويجهز لنا كمين، كان ممكن كلنا نروح فيها، ده غير إننا إنكشفنا ولازم نغير طريقتنا، إحمدوا ربنا إننا قدرنا ننقذ اللاجئ ده وإلا كان حيبقى الحساب أصعب من كدة.
إستقام بجمود ليستكمل توبيخه لهؤلاء الصامتين اللذين يزدردون لعابهم بصعوبة.
- عايز من كل واحد فيكم تقرير مفصل عن شغله في المهمة دي، وملاحظات عن كل فرد فيها.
عقب "عبد الرحمن" بتوجس.
- هو حد فينا قصر يا قائد، ده كله صدفة أكيد.
مال "معتصم" بإندهاش ليردف بحدة.
- نعم !!!! صدفة !!! إحنا في شغلتنا دي مينفعش نسيب حاجة للصدفة، أنا متأكد إن فيه خاين ما بينا، سواء مجموعة الرائد "عمر" أو المجموعة إللي كانت معايا، وفي الحالتين أنا بقولكم أهو أنا حعرفه، وبطريقتي.
أومأ "عبد الرحمن" بتخوف من حدة "معتصم" فربما يطاله عقاب لا يستحقه بسبب أفعال خائن مندس بينهم.
كان طريقة "معتصم" لإرهابهم هي طريقة متفق عليها بين ثلاثتهم قبل طلب حضور بقية المجموعة فقد توصلوا بالفعل للخائن العميل الذى سرب تلك المعلومات، إرهابه بهذا الشكل لجعله يتخبط ويظهر ما قام به بخلاف موعد وصولهم.
أشار لهم "معتصم" بالإنصراف لنهاية الإجتماع لكن روح القناص تملكته لينهي ظنونها والتحدث معها الآن.
بدأت المجموعة يغادرون المكتب حين هتف "معتصم" بإسمها ليمنعها من المغادرة.
- إستني يا "عهد".
كما لو ضغط بزر ليتضارب دقات قلبها إثر سماعها لإسمها بصوته الشجي، أغمضت عيناها لوهلة تلوم نفسها الضعيفة التى تتمرد على إرادتها، تصنعت عدم سماعه لتهم بالمغادرة سريعًا، هذا الأمر الذى زاده إستفزازًا فشرسته لا تروض بيسر مطلقًا.
خرجت من المكتب دون الإلتفات خلفها بينما لم يبالي "معتصم" بكل المحيطين فلن يتركها مهما حدث.
إقتحم الجموع للوصول إليها بينما كانت خطواتها المتسارعة لا تضاهي سرعة نفاذه بينهم فهو النمر المهاجم الذى لا يخسر معركة يود الظفر فيها.
تفاجئت "عهد" به يلحق بها حتى أوقفها عنوة قائلًا بقلة صبر.
- مش أنا بنادي عليكِ.
توقفت "عهد" مرغمة متهربة بوقاحة.
- وإيه يعني، إللي عندك قلته وخلاص.
زمجر بقوة ليدفعها من مرفقها نحو خارج المبني.
- إتفضلي قدامي، عايزك ضروري.
أزاحت يده محذرة إياه ترفض الإجبار من أى نوع.
- لو سمحت، إلتزم حدودك.
وقف "معتصم" بمواجهتها كندٍ عنيد.
- أيوة بالضبط، هو ده إللي عاوز أعرفه، إيه حدودي يا "عهد".
كظمت إنفعالها بينما كان كلاهما موضع مراقبة من الجميع ليهمس أحدهم بخفوت.
- هما مالهم كدة، هو فيه بينهم حاجة.
ليهمس آخر بإستحسان للأمر.
- مش عارف، بس تصدق لايقين على بعض.
تطلع "طه" نحو زملائه يرمقهم شزرًا ليهتف بهم بإنفعال.
- يلا يا أخويا إنت وهو على مكاتبكم.
ليتحرك الجميع نحو عمله بينما تظاهر باللامبالاة بينما كانت تنهشه الغيره لرؤية "عهد" مع "معتصم".
أشار "معتصم" نحو الخارج بدعوة دون إجبار رغم أن نبرته كانت آمرة إلى حد بعيد.
- أرجوكِ تعالي معايا عاوزك.
نفرت بوجهها لتتقدم نحو الخارج وهو يتحرك معها جنبًا إلى جنب في تعادل قوى كقائدان بأحد المعارك وليس لعاشقان يتهربان من حديث قلبيهما.
رواية ظننتك قلبي الجزء الثاني الفصل الرابع 4 - بقلم قوت القلوب
هكذا توجب علينا الإستمرار ، أن نسمع كما لو كنا أصماء ، علينا ألا نلتفت إلى الوراء ألا ننصت لأحاديث تثبط عزيمتنا وتحط من قدرنا ، فبعض الكلمات تخترق القلوب قبل الآذان لهذا توجب علينا أن نستمع بأذن عمياء ....
❈-❈-❈
قسم الشرطة ...
تفيض المشاعر ممن حُرم منها حتى تغدقه بفيضها بعد جفاف دام لليالي طويلة مظلمة للغاية ...
تشبثت "زكيه" بإبنتها تضمها لصدرها بقوة ترتوي تعطشها للقائها منذ ثمانية أيام ، شهقات مختلفة لا يُدرك من منهما صاحبتها لكن الوقت قد طال ولم يتحدثوا بكلمة واحدة ، فقط إرتمت "نغم" بأحضان والدتها وإنهمرتا بالبكاء ...
ضغط "مأمون" برفق فوق مرفق "نغم" هامسًا ...
- كفاية بقى المحامي عايز يسأل مرات عمي شوية أسئلة ...
جفف "نغم" دموعها مبتعدة عن والدتها لتترك المجال للمحامي بالإستفسار عن بعض النقاط قبل أن يتحدث مع وكيل النائب العام ...
بدأ المحامي يتحدث مع "زكيه" التى ظنت أنها تتوهم وستفيق ببيتها وبين بناتها ، لكن يبدو أن الأمر واقع مرير وليس وهم وخيال على الإطلاق ...
لقد أُتهمت بقتل تلك السيدة الطيبة و وُجِدت ببيتها الذى سُرقت منه مصوغاتها وأموالها ، فقرها وحالتها المادية المتعثرة جعل الإتهام يقرُب للظن بنفوس الكثيرين أنها من قامت بهذا الفعل الشنيع خاصة وقد كانت ببيتها بوقت لا يتناسب مع موعد زيارة أحدهم فقد كانت تطرق بابها بالصباح الباكر ، ما أكد لهم الأمر هو وجود مبلغ مالي بحوزتها فظن بها الجميع أنه من المسروقات وإلا من أين أتت بهذا المال ...!!!
تطلعت "زكيه" بثلاثتهم بعد أن إنتهي المحامي من سؤالها لتردف بإمتنان تجاه "فخري" و "مأمون" ...
- كتر خيركم ، ده كفاية إنكم واخدين بالكم من "نغم" ...
مال "فخري" بوجه مقتضب معاتبًا "زكيه" ...
- وده إسمه كلام يا "أم شجن" ، ده إحنا أهل ، متقلقيش على "نغم" دي في عنينا ، وإن شاء الله وكيل النائب يسمح لك بالخروج بكفالة النهاردة ...
رفعت عيناها للأعلى بتمني ..
- يا رب ، أنا مش قادرة على الحبسة دي ، والله ما جيت ناحية "خيرية" ولا سرقت منها حاجة وربنا العالم ...
عقب "فخري" مؤكدًا ذلك ...
- طبعًا يا "زكيه" ، هو إحنا لسه حنعرفك ، أصبري بس وربنا حيفرجها من عنده ..
هزت رأسها بيأس لكنها تتأمل بالحل من الله فقط لتردف بيقين رغم ضيقها ...
- ونعم بالله ، هو القادر إنه يخرجني من المصيبة دي ...
تطلع "مأمون" تجاه غرفة النائب العام ليردف بتنبيه لهم ...
- وكيل النيابة وصل ، يلا يا مرات عمي ، متقلقيش ، الأستاذ "عبد الصمد" المحامي راجل عُقر ، حيخلصها بإذن الله ...
ترقبوا جميعًا موعد إستكمال التحقيق معها فربما يسمح لها اليوم بالعودة لبيتها لحين تحديد موعد للمحاكمة ، لم يكتفي "فخري" بطمأنة إبنه لها ليدنو منها قبل أن يتم عرضها على وكيل النائب العام قائلًا بخفوت مساندًا تلك السيدة التى إمتلكت قلبه منذ زمن بعيد ...
- متقلقيش يا "زكيه" أنا حفضل جنبك لحد ما تطلعي من هنا بالسلامة ، ومش حسيبك لوحدك أبدًا ...
شعور طالما إحتاجته وتمنت أن ترزق بهذا الإحساس - السند - ، لقد أمضت عمرًا كاملًا هي الأب والأم معًا ، عليها الحزم والحنان ، تحملت أعمال قاسية وليالي حزينة قَصُرَت بها يدها عن بناتها ، تمنت لو كان هناك من ترمي عليه حمولها لكنها صبرت وتحملت ...
ترقرت الدموع تأثرًا بعينيها لتردف بإمتنان ...
- كتر خيرك يا سي "فخري" ، ده العشم برضه ...
لم يكن يفعل ذلك لمجرد مساعدة أرملة أخيه ، بل كان لمحبةٍ كُتب عليها التواري بداخل قلبه مجبرًا ، لكن الآن لم يعد هناك ما يمنع ظهورها والتعبير عنها ..
- لا مش عشم ، ده واجب عليا ، إنتِ غالية علينا أوي يا "زكيه" ...
طالت نظرتها نحوه دون فهم مقصده لكنها إنتفضت حين سمعت صوت الشرطي قائلًا ...
- البيه وكيل النيابة عايزِك جوه ...
رافق المحامي دخول "زكيه" ليبدأ وكيل النيابة إستجوابها ...
بعد مرور بعض الوقت خرجت "زكيه" بوجه محتقن بينما كان المحامي متحليًا بجدية ليتحدث نيابة عنها موضحًا الأمر ...
- للأسف ، الست "زكيه" جددوا لها الحبس الإحتياطي على ذمة التحقيق ، وكيل النيابة رفض الكفالة ...
أسرعت "نغم" نحو والدتها دون تحمل لغيابها لأكثر من ذلك فقد تأملت بأن اليوم ستعود لبيتها وتؤنس وحشتها ..
- لا يا ماما ، لأ ، إزاي مرضيش ، طب أدخل أكلمه ، والله ماما بريئة ، معملتش حاجة ، معملتش حاجة ...
حاوطتها "زكيه" بإشفاق على حالها خاصة حين أخذ الشرطي يزج بها نحو غرفة الإحتجاز ...
- يلا يا ست بلاش لكاعة ...
إضطرت "زكيه" لمرافقته وهي ترتجف بتخوف لتحدث إبنتها وقد تستدير برأسها للخلف ...
- حاولي تتصلي بـ"شجن" ، يمكن ترد عليكِ ، خدي بالك من نفسك ، متنسيش "شجن" يا "نغم" ، دوري على أختك وقوليلها ..
أسرع "مأمون" نحو "زكيه" منتهزًا تلك الفرصة قبل أن يزج بها مرة أخرى لغرفة الإحتجاز ...
- إستنى يا شاويش ، لحظة بس ...
قالها وهو يدفع بمبلغ مالي يُقحمه بجيب سترته ليتوقف إثرها الشرطي يسمح لهما بالحديث ، ليستطرد "مأمون" ...
- مرات عمي ، بقولك إيه ، بيني وبينك إحنا لحد دلوقتِ مش عارفين إيه إللي حيحصل ، والحكم حيبقى إيه وإمتي ، هو يعني إن شاء الله خير ، بس محدش عارف حاجة ...
بصدر ناهج تساءلت "زكيه" بدون فهم ..
- قصدك إيه ؟!!
زاغت عيناه تجاه "نغم" ليعيد بصره نحو "زكيه" موضحًا ...
- "نغم" يا مرات عمي ، مينفعش تقعد لوحدها ، وإحنا أجلنا الدخلة لحد ما نشوف موضوع حبسك ده ، أنا بقول لو الأسبوع الجاي نتمم الجواز عشان تبقى معايا وتحت عيني بدل ما هي قاعدة لوحدها كدة ...!!!
نظرت "زكيه" نحو إبنتها الباكية بحيرةٍ ، فهي لم تكن تتمنى مطلقًا أن تتزوج بهذا الشكل التعيس لتتحسر على حالها ، لكن فكرة "مأمون" هي الأوقع والأفضل لها فضلًا عن بقائها وحيدة دونهما ...
- الأمر لله ، خد بالك منها يا "مأمون" ، "نغم" دلوقتِ ملهاش غيرك ...
إبتهج "مأمون" على غير طبعه الغامض المتجهم ...
- في عنيا يا مرات عمي ، متقلقيش عليها خالص ...
ردد الشرطي بخشونة ..
- خلصتوا ، يلا يا ست متجبيلناش الكلام ...
تحركت "زكيه" مرغمة لتغيب عن عيونهم فيما أخذ "فخري" يوصي الشرطي على أن ينتبه لها ...
رافق "مأمون" تلك التعيسة قائلًا بإبتهاج وحنو ..
- كلها أسبوع بالكتير ونتجوز ، وتبقى في بيتي يا "نغم" ، ما أنا مكنش ينفع أفضل قلقان عليكِ وتفضلي في مكان وأنا في مكان ...
فرحة منقوصة لم تسعد لها "نغم" كما كانت تتخيل لتجيبه بإنكسار ...
- إللي تشوفوه ...
لحق بهم "فخري" ليصطحبهم لخارج قسم الشرطة مشفقًا على حال "زكيه" وإبنتها أيضًا ، لكن عليه بالفعل إتمام زيجتهم والإطمئنان على "نغم" بتلك الظروف العصيبة ...
❈-❈-❈
حي النعماني (مكتبة بحر) ...
سأظل أحارب حتى لو لم تدرك مدى بسالتي ، لن أستسلم حتى لو رفضت قلبي ، لن أقبل بهزيمة بمعركة لا تدري عنها شيئًا ، وإن هزمت بها فمازالت الحرب دائرة ...
وقف "بحر" يترقب هذا القادم بنفس متتوقة لإيجاد حل ، رغم أن طبعه يتحلي بالهدوء وعدم فرض نفسه مهما كلفه الأمر ، إلا أن "نغم" تستحق التغيير وتستحق المجازفة بما يقدر عليه وما لا يقدر أيضًا ...
وصل للمكتبة أحد الشباب غريبي الهيئة ، فلا قاسم مشترك بينه وبين هيئة "بحر" على الإطلاق صافح الشاب "بحر" بقوة قائلًا بلسان ثقيل كالسكارى ...
- إزيك يا صاحبي ...؟!!
تنحى "بحر" ليفسح المجال له للولوج لداخل المكتبة ...
- أهلاً يا "شوقي" ، تعالى ...
جلس "شوقي" دون دعوة يتفحص أركان المكتبة معجبًا بها ليردف بلكنة عجيبة كما لو أنه مغيب الوعي ...
- حلوة مكتبتك ، ده إنت غيرت المكان خالص يا صاحبي ...
أومأ "بحر" بخفة لينتهي من مقدمته التى لا داعي لها ...
- أه أه ، المهم ، لقيت حل ؟!!
إعتدل "شوقي" بجلسته ليرفع ساقه فوق الأخرى بعنجهية وطمع ...
- أيوه يا صاحبي ، بس اااا، الحوار ده حيكلفك شوية ...
لاح بريق أمل بنفس "بحر" ليردف على عجالة متحمسًا بقوة ...
- أى حاجة ، بس قولي حتعمل معاه إيه ؟!!
بالتحقير من قدر "مأمون" أجابه "شوقي" بغرور ...
- ولا يساوي حاجة ، متشلش همه ، ده أنا بعون الله أطربقهاله على دماغه ...
زفر "بحر" بتردد بينما عقب بتحذير ...
- بقولك إيه ، أنا مش عاوز وش ، الموضوع ده يتم بعيد عني ، المهم تبعدوه عن طريقنا نهائي ..
- ولا يكون عندك فِكر ، أنا حعرف لك كل كبيرة وصغيرة وأخرته على إيدي ...
رغم توجسه من هذا الرجل لعدم وثوقه به ، فلا يعرِفه حق المعرفة فقد بحث كثيرًا عمن يراقب "مأمون" ليبحث عن ثغراته للتخلص منه وقد رشح له أحد معارفه "شوقي" الذى أثني على قدرته بالتخلص من أى عقبه بسهولة وبدون المساس بمن يستأجرة ...
- طيب يا "شوقي" ، المهم "مأمون" مسمعش عنه تاني ، فاهمني ...
- عيب عليك يا رجوله ، خلصانه ...
وضع "بحر" بعض لفافات المال بأحد المغلفات ليعطيها لـ"شوقي" الذى نظر نحو المغلف بإستهزاء قائلًا ...
- برضه ولاد الناس بيبانوا ، حاجة برفكتو بصحيح ...
حمل "شوقي" المغلف مغادرًا المكتبة بينما تبعته أعين "بحر" متمنيًا إتمام الأمر هذه المرة وأن يكون حظ خطته أفضل من سابقتها التى كشفها "مأمون" بسهولة ...
❈-❈-❈
لقاء عاصف كتلك الصخور التى توقف عندها "معتصم" بسيارته يطالب تلك المتوحشة بالترجل ...
- إنزلي ...
نيران ثائرة بنفسها لم تعد تقدر على إخمادها ، إنها قوية وستظل قوية ، هتفت به بإنفعال وهي تناظر هذا المكان الخاوي تمامًا...
- أنزل فين ، إنت فاكر نفسك مين عشان تتعامل معايا بالصورة دي وبالتحكم ده كل شوية ...؟!!!!
إحتدت عيناه ببريق هادر أرجفها وشعرت بإهتزاز ينبع من داخلها لحظة سماعه ليكون له الغلبة والقوة وأيضًا الشراسة ...
- بقولك إنزلي ، مش كل حاجة لازم تتم على مزاجك ...
لملمت نفسها لتترجل بشموخ رغم لحظة تخوفها الماضية ، وقفت فوق تلك الأرضية الصلبة من الصخور لتناظر هذا المكان الغريب الذى لا يتواجد به سواهما ...
إلتفت "عهد" حول مقدمة السيارة لتقف عاقدة ذراعيها بقوة ليتلقاها "معتصم" بنفس الهيئة بالمقابل ...
زوجان من النمور الشرسة يطلقان شررًا من أعينهما ، ليست تلك بنظرات محبة مطلقًا ، بل حرب دائرة لينتصر بها الأقوى ...
إنتظرت "عهد" لوهلة أن يبدأ "معتصم" حديثه ليخبرها لما أتى بها إلى هنا ، إنتظار لم يدوم طويلًا ليبدأ "معتصم" عتابها لكن بشراسته التى تستحقها فإلى متى سيتيهون بتلك المتاهة بسبب تقلب مزاجها ونفسها ...
- وأخرتها معاكِ ، لحد إمتى حنفضل كدة مع بعض ، نضرب ونجري ، مالك يا "عهد" ، لما كنا في إسكندرية قلت لك على إللي جوايا ، وبالعافية نطقتيها وفي ثانية رجعتي فيها ...
زاغت عيناها بسوداوتيه لتهاجمه بشراسة ...
- وأنا قلت لك إنه مينفعش ، أنا مش عايزة أكون ضعيفة ، قبل ما أدور على الحب محتاجة سند وأمان ومشاركة ...
لوح بكفيه بعدم تحمل لتراجعها عما إتفقا عليه ...
- وقلت لك إدينا فرصة ، فرصة تشوفي من قريب يمكن تلاقي فيا الصفات دي ، إيه إللي جرى ، كل ده عشان جيت لك البيت إمبارح !!!!!
تذكرت أمر والدها وأنه لابد وقد شك به وأنه غريب المظهر يسيء لها أكثر مما يعلي من شأنها ...
- أنا وهو ااااا ....
قاطعها "معتصم" على الفور ينفي عن نفسه أي إتهام مما ستلقيه عليه ، فقد ظن أنها غاضبة من مجيئه وظنه بوالدها ورؤيتها معه دون فهم الصلة بينهم ...
- أنا مكنتش أعرف إنه والدك ، أنا مكنش قصدي أظن كدة ، الظروف والرسالة هــ ..
لم تعطه "عهد" الفرصة لإستكمال الأمر لتقاطعه هي تلك المرة وقد تهدج صدرها بإنفعال كما لو أن والدها تُهمة بحد ذاتها تود إقصائها عن نفسها ...
- متقوليش والدك !!! أنا معرفوش ، أنا مش عايزة أفتكر إن ليا أب عايش على وش الدنيا ، أنا مش عارفه إيه إللي فكره بيا ، بعد كل إللي عمله معايا أنا وأمي وأختي ، بعد ما رمانا في الشارع سنين ، راجع دلوقتِ يطلب إنه يكون أب لينا !!!!! أنا ماليش أب ، وعمري ما حكون زي أمي ولا أختي ، أنا لا يمكن أكون ضعيفة وحد يأذيني ، أنا مش عايزة حياة غير حياتي ، أنا قوية من غير أي حد ...
إرتجاف جسدها وإنفعالها الحانق أوضح لـ"معتصم" سبب خشونة وشراستها ، تشبثها بكونها قوية ورفضها للخضوع واللين ظنًا منها أنها تحمي نفسها من هذا الخزلان والأذى الذى سببه له والدها ، بتلك اللحظة فقط أطاحت بقوته وغضبه ، لقد تفهم بفراسته مدى ضعفها وإحتياجها لقلب حنون والشعور بالأمان ، لقد صدقت بما طلبته ، إنها لا تريد عشق فقط لكنها بإحتياج لما هو أكبر من ذلك ، إحتياج لما فقدته بغياب والدها ...
هدأت نفس "معتصم" ليتحول لشخص آخر لم يظهر من قبل ، شخص أخرجته هي فقط من داخله ، شخص متفهم حنون ، أهدئ من نبرة صوته المنفعلة ليردف بهدوء شديد ليظهر لأول مرة مدى عشقة لتلك المتوحشة ...
- ممكن تهدي ، لو سمحتي ...
نبرته الهادئة جعلتها تتمالك إنفعالها قليلًا لتردف بنبرة مختنقة تعبر عن إحساسها بالإنكسار الذى لم تكن تدرك أنه بداخلها ...
- أنا بجد نفسي أعيش ، نفسي مكونش قاسية كدة ، ولا عصبية كدة ، نفسي بجد أحب وأتحب ، لكن ، لكن .... (صمتت قليلًا تستجمع شتات نفسها لتستطرد بنبرة مهتزة ) ، لكن أنا بخاف ، بخاف يا "معتصم" ، بخاف أكون صورة تانية من كل ستات عيلتنا ، أنا عملت نفسي كدة بالعافية ، معنديش إستعداد أخسر نفسي وأضعف ، أنا مش عايزة أعيش ضعيفة ، ومقدرش أعيد مأساة أمي مع أبويا ، وأستحمل حياة كلها إهانة وخوف أنا قادرة أحمي نفسي ، مش مستنية حد يحميني ...
تقدم نحوها "معتصم" ببطء يحدثها بنبرة تذوب عشقًا بها ...
- أنا مش أي حد يا "عهد" ، طب جربي ترمي حمولك عليا ، جربي وشوفي إنك محتاجة لي ومحتاجة وجودي ، جربي شاركيني ...
نظرت نحوه "عهد" مطولًا بتخوف من المجهول إن إنصاعت له لتجيبه بشك ...
- إنت نفسك مش متأكد إنك بتحبني على فكرة ، أنا مجرد بنت مختلفة شدت إنتباهك ، أنا مجرد حالة غريبة عمرها ما عدت عليك ، أنا متأكدة لو إتحطيت في إختيار بيني وبين أى حاجة تانية ، حتختار أى حاجة غيري ...
حرك رأسه نافيًا وهو يتطلع بعسليتيها الناعستين المتوهجة بإحتقان ...
- بيتهيألك ، أنا عارف ومتأكد من مشاعري ناحيتك ، أنا مش متردد ولا موهوم ، ولا إنتِ بالنسبة لي مجرد حالة شدت إنتباهي ، "عهد" أنا بحبك ، حقيقي بحبك ...
واقع سماعها لكلمة (أحبك) من شفتيه لـ لها وقع يُطرب قلبها ، يخترق أذنها العمياء عن تلك المشاعر التى تتدفق منه ، تريد إطلاق العنان لنفسها ومشاعرها لكنها على ما يبدو معقدة ، لا تستطيع التجاوب معه بتلك السهولة ...
طأطأت رأسها قليلًا تتهرب برفض لحبه لكنه أدرك ذلك على الفور ليطيح بثباتها بصوته الشجي فوجودها بحياته كانت لأجمل صدفة على الإطلاق ولن يضيعها ...
- إوعي ترجعي تاني يا "عهد" ، إوعي تضيعي مننا أجمل إحساس ممكن نحس بيه ، أنا راضي بيكِ زي ما إنتِ ، قاسية وشرسة ومعقدة ، بحب توحشك وعصبيتك ، أنا وإنتِ زي قمر وإنقسم نصين ، مينفعش نص فينا من غير التاني إنتِ نوري وقمري ، بلاش تتمسكِ بفكرة وبس في دماغك ( ثبت سوداوتيه بعينها مستكملًا بعشق أذاب قلبها المنتفض ) ، أنا بحبك ، وعايزك بكل عُقدك ودماغك دي ، حبيني يا "عهد" ، إدي لنفسك وقت وإديني معاكِ فرصة مش يمكن نبقى حظ بعض الحلو ...
ترددت بقبول عشقه الصادق فهناك دائمًا بقلبها شيء لا يحكى ، لم تخرج بعد كل تخوفاتها التى تراكمت لسنوات لتخرج "عهد" الصلبة كالحجر ، لكنها وجدت نفسها تلملم شفتيها بإنصياع خارج عن إرادتها بالصمت ، صمت تقبل دون توغل ، صمت حذر خشية أن تسقط ببئر الهوى ولا تقوى على الهرب ...
إبتسم "معتصم" بهدوء وهو يرى تقبلها تلك المرة بصورة مختلفة فهي بحاجة إليه كما هو بحاجة إليها رغم عنادها لكنها تمردت مرة أخرى قائله ...
- خلاص قلت إللي إنت عاوزه ، ممكن نرجع الجهاز بقى ..
- بس أنا لسه مخلصتش كلامي ...
رفعت رقبتها تتشدق بجمود زائف ...
- بس أنا خلصت ، ويا ريت متضغطش عليا أكتر من كدة ...
ربما طلبت المغادرة لكن بطبعه المتحكم ليس عليه الإنصياع ليبقى يتحدث معها رغم صمتها وتظاهرها بعدم الإهتمام وقت سرقه من الزمن برفقتها لتمر الساعات دون أن يدري كلاهما بأن اليوم قد مر دون الشعور بالزمن ، فهما معًا عكسا مفهوم الفيزياء ليقف الزمن عند لقاء يجمعهما معًا ...
❈-❈-❈
بعد عدة ساعات حل بها المساء ، و بأحد المقاهي القديمة (مقهى السلطان) ..
جلس ينفث أرجيلته بإستهتار لا يتناسب مع عمره كرجل تخطي الستون ، أشار نحو عامل المقهى ليعلي صوته مناديًا إياه ...
- يا "حُمص" ، زود لي المعسل ده ...
أقبل فتى لا يتجاوز السادسة عشر ليزيد من وضع المعسل بأرجيلته بينما إخترق مسامعه صوت حاد من خلفه يزج به بعيدًا عنه ...
- وسع كدة ، إمشي من هنا ...
تطلع الفتى بإمتعاض تجاه هذا الرجل ليدخل إلى المقهى يستكمل عمله بينما وضع "مسعود" مبسم أرجيلته فوق الطاولة مرحبًا بأعين ماكرة ...
- أهلًا يا "طه" باشا ، منور القهوة ...
جلس "طه" يتلفت حوله بإشمئزاز قبل أن يزجر "مسعود" بحدة ...
- إيه المكان البيئة ده ، ملقتش إلا هنا !!!!
أجابه "مسعود" بدون إكتراث لضيقه وهو يرفع مبسم الأرجيلة لفمه ...
- والله المكان هنا عزيز على قلبي أوى ، وبعدين إنت عاوز مني إيه تاني ، ما قلت لك إللي فيها يا باشا ...
ضرب "طه" الطاولة بكفه بغضب ليتدارك نفسه حين حملق به رواد المقهى بإستنكار ليتفوه من بين أسنانه ...
- وهو ده إللي إتفقنا عليه ، مش قلت لك لازم تسيطر عليها ، هو إنت مش أبوها ولا إيه ؟!!!
رفع "مسعود" أنفه بإستهتار كما لو كان يظن نفسه مازال شابًا لا يبالي ليردف بتملل ...
- أبوها بقى ، مش أبوها ، أهو كدة وخلاص ، أنا ما صدقت نسيتها هي وأمها ، ولولا إنك كلمتني لا كنت جيت ولا شوفت وشها ، دي بت مسترجلة ...!!!
تذكر "طه" ما قام به من بحث عن أى وسيلة تصلح للضغط على "عهد" ، لم يجد سوى والدها ، فعندما بحث وجد أنه مازال على قيد الحياة وقد تخلى عن "عهد" وأمها وأختها منذ زمن بعيد ، كانت فكرته أن يعيده إليها ليصبح متحكمًا بها ويجبرها على ترك "معتصم" وإجبارها على الزواج منه ، فهو بدونها لا يمكنه الحياة ...
إقناع "مسعود" لم يكن سهلًا مطلقًا بل كان عليه أن يُطمعه بالمال لإشباع جشعه لكن يبدو أن ذلك أيضًا لم يجدي نفعًا ، فـ"عهد" رفضته تمامًا بحياتها ، بل وطردته أيضًا من بيتها ...
زفر "طه" بغيظ من هذا المتصابي ليزجره بقوة ..
- إنت إيه يا راجل إنت ، إيه البرود ده ؟!! ده المفروض إنت إللي تحس على دمك وقلبك يحن على بنتك ، إنت إيه ، جِبِله ...!!!!
إكفهرت ملامح "مسعود" الغاضبة من صراخ "طه" عليه ...
- بقولك إيه يا باشا ، أنا بره الشغلانة دي ، وفلوسك أهي ، مصرفتش منها حاجة ، البت دي أنا ماليش دعوة بيها ، شوفلك حد تاني يعملك إللي إنت عايزة ، أنا ماشي ، ومن غير سلام ...
تركه "مسعود" بإنفعال فما أعطاه له لا يكفي جشعه ، فلا يتطاول عليه ظنًا منه أنه إمتلكه بهذا المبلغ الضئيل ...
وضع "طه" النقود بجيب سترته بوجه مقتضب فيجب أن يبحث عن طريقة أخرى يضغط بها على "عهد" ، فقد إنتظر ما يكفي وعليه التحرك الآن فلن يُبقى آذانه عمياء إلى الأبد ...
❈-❈-❈
الجبناء من يحاربون من خلف الظهور ، يخفون حقيقتهم بقناع كاذب ، يتصنعون المثالية لكن أخطائهم ستكشف ألاعيبهم ، فالكلاب ستنبح يومًا بالخطأ ...
فور مغادرة "مسعود" للمقهى يليه رحيل "طه" ، رفع أحدهم هاتفه بحرص شديد لينزوي بعيدًا قبل أن يبدأ حديثه ...
- تمام يا فندم ، "طه" لسه ماشي حالًا ، هو يا فندم ، تمام يا قائد ...
إنتهت تلك المكالمة ليلتفت "معتصم" إلى "عمر" و"نظمي" بإجتماع سري لم يعلم به أحد حتى "عهد" التى تركها منذ قليل قرابة بيتها قبل أن يعود إلى (الجهاز) لبحث أمر الخائن ...
مال "معتصم" بجذعه للخلف بدهاء وهو يخبر "عمر" و"نظمي" لما توصل إليه ...
- "طه" ، هو الخاين إللي بلغ عن معاد وصولنا ، فيه سبب أنا متأكد منه ، و إللي أقدر أقوله لكم إنه سبب شخصي بحت خلى "طه" عاوز يأذيني وفي نفس الوقت يقرب من "عهد" ...
حرك "نظمي" رأسه بدون إدراك لمقصده معترضًا على ظن "معتصم" ...
- لأ طبعًا ، أكيد فيه حاجة غلط ، "طه" ظابط مستقيم ، مش من الناس الخاينة ، حيعمل كدة ليه ، نجاح المهمة دي كان حيبقى نجاح له هو كمان ..!!!
نهض "معتصم" مستندًا بكفيه فوق المكتب بحركته المعتاده حين يتحدث بجدية ...
- إللي قاله "عبد الرحمن" ليا تحديدًا إن بعد ما إتحركنا أنا و"عهد" و "حليم" إنه أقنعه ينام وهو حيمسك المراقبة مكانه ، وبعد حوالي نص ساعة "عبد الرحمن" قلق ونزل يشوف "طه" ملقهوش ، مسك المنظار عشان يتطمن إن الدنيا تمام شاف سكان الفيلا خارجين كلهم زى ما يكونوا عرفوا حاجة خلتهم يسيبوا الفيلا ، رجع مكان نومه وحس بإن "طه" رجع تاني ...
إستقام "معتصم" مستكملًا لتوضيحه ...
- يبقى كدة إيه !!! إن "طه" خرج ودخل من غير ما يحسس "عبد الرحمن" بيه ، حتى لما "عبد الرحمن" عمل نفسه لسه صاحي من النوم وسأله إن كان فيه جديد أو خرج ولا حاجة ، أنكر ده كله ، وده اللي خلاه يشك فيه ...
إغتاظ "نظمي" من هذا الخائن ليهتف بإنفعال ...
- لازم يتقبض عليه فورًا ، ويتحول لمحاكمة عسكرية ...
- بس لازم الأول نعرف هو قال لهم إيه تاني ، ده غير إن عندي معلومات خطيرة عن التشكيل ده وأنا بنفسي إللي حقبض على الناس دي واحد واحد ...
تخوف "عمر" من ثقة "معتصم" الزائدة ...
- خد بالك يا "معتصم" ، الناس دي مش سهلة وعيونهم في كل حته ، بلاش تهور ، إنت مشوفتش عملوا إيه في "سليم" ...
هتف "معتصم" معتدًا بنفسه وبقدراته رغم تحذير "عمر" له ...
- أنا مبيهمنيش ، أنا مبخافش من حد ...
وقف "نظمي" يحذره بتخوف ...
- "معتصم" لازم تكون حريص على نفسك أكتر من كدة ، بلاش ثقتك الزيادة دي ، دي ناس قلبها ميت ، "سليم" كان زيك كدة وقاوح ومسمعش الكلام ، وأهو راقد في غيبوبة بين الحياة والموت ، ما هو كان شغال مع "عمر" قبلك ، حتى "عمر" نفسه جاله رسايل تهديد ...
شاركهم "عمر" وقفتهم موضحًا ...
- إللي إنت بتقول إنك وصلت له ده حيخليك على وشك تقبض عليهم ، وهم مش بالسهولة دي ، ده ممكن إنت نفسك تكون على قايمة الإغتيالات بتاعتهم ...
لم يبالي "معتصم" بتحذيراتهم بل يراها ضعف وخضوع لتلك العصابة من الخارجين عن القانون ، هو الأقوى بطريق الحق ....
❈-❈-❈
نيره إستور لمستحضرات التجميل ....
هناك فئة يجب أن تغلق لهم كل الأبواب ، أن تقطع لهم كل السبل ، أن يختفوا من حياتنا تمامًا ، إنهم المنافقون متصنعون الود ...
جلسة ظنتها "نيره" حميمية بين الأصدقاء حين إستقبلتها "إسراء" بتأثر بالغ لإفساد ليلة عقد قرآنها بهذه الصورة ، حتى أنها أظهرت حزن عميق حين علمت بشكوك الطبيب بمرض "رؤوف" ...
تنهدت "نيره" بتحير تنتظر أن تغدق عليها "إسراء" بأفضل تصرف في الوقت الحالي ...
- روحت أنا وبابا وماما ، ماما قالت لي إن كويس أوي إن كتب الكتاب متمش ...
رفعت "إسراء" حاجبيها بإعجاب لتعقب على الفور دون تفكير ...
- مامتك دي أستاذة ، صح جدًا على فكرة ...
نظرت نحوها "نيره" بتردد ...
- تفتكري ؟!!
أجابتها"إسراء" تؤكد لها ذلك ...
- طبعًاااا ، طب فكري معايا كدة ، إن "رؤوف" طلع عنده كانسر ، حتبقى حياتك كلها هم وغم ، حتبقي مجرد ممرضه ، ده لو عاش يعني ، أنا أسمع إن كل إللي بيجيله المرض ده بيموت ...
إتسعت عينا"نيره" بإندهاش ...
- معقول ، لأ طبعًا ، فيه ناس بتتعالج يا "سوسو" ...
زفرت "إسراء" تعجبًا من تلك الفتاة قليلة الإدراك ...
- وإفرضي ، يبقى تعيشي سنين سواد كلها من المستشفى دي للمستشفى دي ، ليه يعني ، إيه إللي يجبرك على كدة ...
تهدلت ملامح "نيره" بأسى ...
- "رؤوف" صعبان عليا ...
ضحكت "إسراء" بقوة تحاول أن تنبه تلك الغافلة لنفسها ...
- وإنتِ مش صعبانة على نفسك ، عمومًا يا ستي لما يبقى كويس إرجعوا لبعض ، لكن معلش يعني لو وافق إنه يكمل معاكِ بحالته دي يبقى أناني أوي ومش بيحبك ، هو بس عايزك جنبه تاخدي بالك منه وتخدميه ، لكن أصلًا لو بيحبك هو إللي المفروض يقولك إبعدي ...
تفكرت "نيره" بحديث "إسراء" جيدًا فهي محقة بالفعل ، لو أحبها لكان هو من طلب منها ذلك لتردد بتشتت ..
- صح يا "سو" معاكِ حق ...
لتبدأ "إسراء" طريقتها بالضغط على "نيره" للتخلص حالًا من أي إرتباط خوفًا من أنها تتورط معه بزواج محكوم عليه بالفشل ...
❈-❈-❈
بيت المستشار خالد دويدار ...
كاد اليوم أن ينتهي لكن تلك الساعات التى مرت كانت كسنوات قاسية ، إلتزمت "منار" بيتها اليوم كل ما تفكر به هو ولدها الصغير وما ألم به ، بعد أن إرتاح "رؤوف" لعدة ساعات إستيفظ من بعدها ليتناول بعض الأدوية التى وصفها له الطبيب ليشعر ببعض الراحة ...
خرج لمشاركة والديه لبعض الوقت بدلًا من البقاء بغرفته بمفرده ، رؤيتهم له كانت مبهجة متألمة بمشاعر متناقضة بلحظة واحدة ...
يكفيهم وجوده بينهم وقد رُسمت على شفتيه تلك الإبتسامة المرحة التى تُميزه ، للحظات عصفت أفكار برأس "خالد" تؤنبه للغاية لما كان ينهره طوال الوقت ليحدث نفسه بلوم شديد ...
-( مكنش لازم أقفلها عليه وأسيبه يعيش زي ما هو عايز ، ليه أجبره يكون قوي ومتماسك ، ليه أفرض عليه معاد جوازه بالشكل ده ، لازم يعمل إللي هو عاوزه ، مش عايز أحرمه من حاجة هو نفسه فيها ...) ...
بينما كانت برأس "منار" أفكار مختلفة تمامًا وهي تناظر ولدها الذى يقف قبالها على قدميه بعد سقوطه ليلة الأمس ...
- ( ربنا ما يوجع قلبي فيكِ يا حبيبي ، ده إنت الضحكة الحلوة ، يا رب يطمنا عليك وميكونش فيك حاجة أبدًا ...) ...
تشتتهم بأفكارهم منعتهم من سماع حديثه نحوهم ، كما لو أن آذانهم أصبحت عمياء ، صماء ، ينظرون إليه ولا يرونه أو يسمعونه ، أعاد كلماته بنبرته المازحة مرة أخرى ...
- إيـــــــــــــه ، وحدووه ، مساء الخير عليكم ...
إنتبهوا له لتردف "منار" بإبتسامة زائفة فقد إتفقوا ألا يخبروه شيئًا إلا بعد التأكد من نتيجة العينة ...
- لا إله إلا الله ، مساء الخير يا حبيبي ، تعالى أقعد معانا ...
راقب "خالد" جلوس "رؤوف" بأعين مشفقة محبة دون أن يتفوه بكلمة ، نظرات غريبة إحتلت عيونهم ليبدأ "رؤوف" توزيع نظراته المتوجسة بينهم ...
- مالكم ، بتبصوا لي كدة ليه...؟!!
كما لو أن سؤاله كان تنبيهًا لهما ليتداركا نظراتهم على الفور ليجيبا بنفي ...
- لا ولا حاجة ...
رفع "رؤوف" كتفيه وأهدلهما وهو يقوس شفتيه للأسفل بمعني لا أدري ، صدح رنين هاتفه لينظر لإسم "نيره" الذى يضيء شاشته ليتذكر إعيائه بالأمس وإلغاء عقد القرآن ...
رفع الهاتف لأذنه مجيبًا إياها وهو يتحرك مستأذنًا منهما نحو غرفته ليتحدث معها ببعض الأريحية ...
- عن إذنكم ، ألو ، أيوة يا "نيره" ...
نظرت "نيره" نحو "إسراء" التى تشجعها على إكمال مكالمتها كما إتفقتا لتستطرد بنبرة مختنقة يشوبها تأثر مصطنع ...
- أيوة يا "رؤوف" ، عامل إيه دلوقتِ ؟!
- الحمد لله ...
لوت فمها قليلًا نحو الجانب لتستكمل بجفاء ..
- بص يا "رؤوف" ، متزعلش مني ، إنت لو مكاني كنت حتعمل كدة ، وإنت لو بتحبني أكيد ده حيكون طلبك قبل مني ...
تسائل "رؤوف" بعدم فهم ...
- طلب إيه و أعمل إيه ؟! إنتِ عايزة تقولي إيه بالضبط يا "نيره" ؟!!
ألقت بها كطلقات الرصاص على غزال أعزل مباغتة دون مراعاة لشعوره أو تألمه ...
- "رؤوف" إحنا لحد دلوقتِ مفيش إللي يربطنا كزوج وزوجة ، مكتبناش الكتاب عشان أبقى مضطرة أستحمل مرضك وتعبك ، أنا مقدرش أتحمل الحياة القاسية دي ، أنا صغيرة أوي إني أتحمل مسؤولية وعلاج ومستشفيات ، إنت عندك كانسر مش حاجة سهلة ، مش دور برد ويعدي يعني ، أنا ........
حتى هذه اللحظة وأصبحت كل كلماتها مبهمة لم يستطع سماعها أو إدراكها إنها مجرد ضوضاء ، فقد توقف به الزمن عندما ألقت عليه كلمة ( عندك كانسر) ، منذ متى وهو مريض بهذا المرض اللعين ...
تشوش وتخبط دار بعقله بلحظة واحدة ، لا يصدق ذلك ولا يستطيع إستيعاب هذا الإختبار العظيم الذى وضع به ، نعم يشعر بآلام معدته بأوقات عدة ، لكنه لم يكترث لها ، لم يدرك أنه مصاب بمرض ، أهذا سبب إعيائه بالأمس ؟!! أهذا سبب تجهم والديه بهذه الصورة ؟!!
إتسعت عيناه مدركًا للأمر ليهمس بصدمة ...
- أنا عندي كانسر ؟؟!!!!!
هنا فقط توقفت "نيره" عن الحديث لتؤكد ذلك بتعجب ...
- أيوه ، إنت متعرفش ولا إيه ؟!!!
سحب الهواء من رئتيه ليشعر بضيق ودوار ليستند بطرف الفراش ليهوى ملقيًا جسده بذهول ...
- أنا !!!!!!!
صمتت "نيره" لبعض الوقت فيبدو أنها تسرعت بإخباره ، فقد ظنت أن والديه أخبراه بما حدث بالأمس ، إبتلعت لعابها بتوتر حينما نادته برفق ...
- "رؤوف" إنت معايا ؟؟!
رغم صدمته إلا أنه حاول ربط حديثها وطلبها الذى تتحدث عنه بفراسة ...
- معاكِ يا "نيره" ، وإنتِ بقى شايفه إني عشان مكونش أناني إننا نفسخ الخطوبة وكل واحد يروح لحاله ، لأن أنا مش ضامن حيجرى لي إيه وحتعالج ولا ...( أكمل بنفس متحشرجة وصدر مقبوض ) ، حموت ...
صمتت "نيره" دون رد فوقع الكلمات كان مؤلم للغاية ، هي تحبه لكنها لا تتحمل تلك الحياة القاسية عليها ...
أسرع "رؤوف" بإنهاء الأمر بشكل تام فمن يتخلى عنه بمحنته لن يعطيه أكثر من لحظة يفكر به ...
- عندك حق ، كل واحد مننا لازم يروح لحاله ، أنا مش أناني ومش حجبرك تعيشي مع واحد مريض محكوم عليه بالموت ، من النهارده كل واحد فينا في طريق وأنا بتمنى لك الخير دايما ، مع السلامة ...
أنهى الإتصال فيم شعرت بأن قلبها متألم للغاية ، كانت تود أن تخبره أنها ستنتظر شفائه لكنه أنهى كل شيء بلحظة ...
هتفت بها "إسراء" بإستحسان ما حدث حتى لا تتراجع ...
- برافو عليكِ ، شوفي بقى حياتك ومتبصيش وراكِ تاني أبدًا ...
كانت كمن فعل ذنب لا يغتفر لكنها حاولت إقناع نفسها أنه إن كان بمحلها لكان فعل نفس الشيء ...
شحب وجه "رؤوف" محاولًا إمتصاص الصدمة قبل أن يخرج لوالديه ، وقف أمامهم بعد دقائق يناظرهم بأعين تعيسة للغاية يتمعن بعيونهم التى تحمل من الكلمات ما لا ينطق به ألسنتهم ليردف بنبرة منكسرة حزينة ..
- خبيتوا عليا ليه ؟!! أنا عرفت إني عندي كانسر ...
قفز كلاهما يحاوطانه بحنان من كلا الجانبين ليهتف والده بحزم ...
- الكلام ده مش صحيح ، ده مجرد تخمين وبإذن الله حتكون بخير ومش مريض أبدًا أبدًا ...
لتؤكد "منار" حديث "خالد" ...
- أيوه ، هي شكوك بس ، وبإذن الله تحليل العينة يكون سلبي ونطمن كلنا ...
تمسك "رؤوف" بكفيهما بقوة فهما رزق يحلم به الكثيرون وهو محظوظ بوجود عائلة كعائلته تسانده بكل الأوقات ، حتى وإن كان الأمر صحيحًا فهو سيرضي بقضاء الله وسيحارب بعلاجه هذا المرض الذى يدعو الله أن يشفى منه هو وكل من أصابه من المرضى ...
❈-❈-❈
بيت المستشار خالد دويدار (شقة عيسى) ...
كل تلك الأمور التى تسبب لها ضيق التنفس جعلتها تقبع بشقتها مستاءة للغاية منذ الظهيرة ، دلفت "غدير" للمطبخ تحاول أن تمضي بعض الوقت لحين عودة "عيسى" فمازال هناك متسع من الوقت حتى يحين موعد عودته ...
وضعت بعض الخضروات أمامها تتفكر بصنع طبق مميز قد شاهدت وصفته اليوم ، لكنها فوجئت بصوت باب شقتها يفتح للتو ...
سحبت "غدير" إحدى المعالق الخشبية لتخرج من المطبخ تلوح بها ظنًا منها أنه لص أتى لسرقتها ، لكنها تفاجئت بوجود "عيسى" ، لتهتف بقلق ...
- "إيسوو" !!!! جيت بدري ؟!!!
تنفس "عيسى" بأنفاس متسارعة وهو يدلف لغرفة مكتبه الخاصة ...
- كنت في المكتب وإفتكرت إني جبت الملف هنا وكنت عاوز منه حاجة ضروري ...
رفعت "غدير" كتفيها وأهدلتهما بدون تركيز ...
- أوك ...
بإنتباه شديد فتح "عيسى" درج مكتبه ليخرج ملف قضية "رمزي" لتسحب الدماء من وجهه ليعيد البحث عدة مرات بعصبية حتى كادت الأوراق تتقطع من بين يديه ليهتف بـ"غدير" ...
- "غديــــــــر" ...
أسرعت "غدير" نحو غرفة المكتب بقلق ...
- أيوه يا "عيسى" ...
ظهر الإنزعاج على ملامحه الجادة ليشير بالأوراق تجاهها ...
- الملف حد حد جه جنبه ، حد فتح درج المكتب ...؟!
أومأت "غدير" بالنفي رغم نظراتها القلقة فهو منزعج للغاية ...
- لأ ، خالص ، إنت يا "عيسى" إللي حطه بنفسك ...
ضرب جبهته بقوة ليلتف حول نفسه بإنفعال شديد ليزيد من قلق "غدير" التى سألته بتخوف ...
- مالك يا "عيسى" ، فيه إيه ؟!
أشار بكفه نحو الملف ليتحدث بنبرة حادة وضيق بالغ ...
- الورق بتاع القضية ، الورق إللي كنت جبته عشان أثبت الرشاوي والتحويلات كلها ضاع ، الورق إختفى مش لاقيه خالص ...
إتسعت عينا "غدير" بصدمة لتحاول مساعدته ...
- يمكن واقع هنا ولا هنا ، أو يمكن وقع منك في المكتب قبل ما تجيبه هنا ، إنت دورت هناك ...
رفع "عيسى" رأسه متذكرًا لتلمع عيناه ببريق متوعد ...
- يكونش اااااا ....
رواية ظننتك قلبي الجزء الثاني الفصل الخامس 5 - بقلم قوت القلوب
لم يكاد "طه" أن يصل إلى بيته بعد جولة في الأنحاء إلا وتفاجأ بمحاوطة رجال الشرطة له. انتفض رافضًا ذلك الوجوم على وجوههم وهم يلتفون حوله، بينما قبض أحدهم مرفقه بقوة لينهر "طه" بحدة.
- إنت بتعمل إيه؟!! أنا ظابط...!!!
تلقى الشرطي أمرًا من الضابط المرافق له يهتف به بجمود.
- خده يا عسكري.
زجره "طه" محاولًا التهرب من هذا الوضع المشين ليعنف الضابط لتجاوزه حدوده معه.
- بقولك ظابط، إيه مبتسمعش، إنت تبع مين؟!! إزاي تعمل كدة!!!!
لم يكترث الضابط له ليدفع رأسه لداخل السيارة قبل أن تنطلق بعجالة متجهة لمقر المخابرات العامة كما طلب منه.
وضع مخجل حين دلف لمبنى الجهاز مقيدًا كالخارجين عن القانون، وهو الذي كان قبلها بساعات ضابطًا له حيثية ومكانة بين الجميع.
وُضع "طه" بأحد غرف الاستجواب بمفرده دون التعرض له، ليبق بها طوال الليل حتى يحل الصباح كما أمر الضباط تمامًا.
***
بيت النجار "شقة فريد".
أوصدت "حنين" باب غرفتها بالمفتاح تحسبًا لدخول أحدهم. إنها أول مرة تفعل ذلك على الإطلاق، فهي لا تطيق بابًا مغلقًا سواء بالشقة أو بالغرفة، لكنها مضطرة لذلك الآن.
نظرت نحو جسدها الذي أخذت هذه البثور دميمة المظهر تغطيه بصورة كبيرة. شعرت بالنفور تجاهها. أمسكت بالمرهم الجديد الذي ابتاعته من الصيدلية لتعيد وضع كمية كبيرة منه على جسدها، لكن يبدو أنه لا يجدي نفعًا بالمرة، بل يزداد حدة وانتشارًا.
سمعت طرقات متتالية بباب الغرفة قبل أن يليها صوت "فريد" الذي عاد للتو من الوكالة.
- افتحي يا "حنين"!!! من إمتى بتقفلي عليكِ الباب كدة!!!!!!
أسرعت بارتداء جلبابها الفضفاض تخفي آثار تلك التقرحات المتعددة قبل أن تفتح الباب بوجه ممتعض.
- أهو يا "فريد"، الله، هي الدنيا طارت، كنت بغير هدومي يا أخي.
لاحت نظرات الشك بعينيه وهو يناظرها بعدم اقتناع.
- من إمتى يعني!! ما إنتِ عمرك ما قفلتي باب!!!!
زفرت "حنين" بضجر وهي تلتفت نحو الفراش لتجلس عليه بتذمر.
- هي ناقصاك!!!
تمالك "فريد" نفسه، فعليه ألا ينفعل خشية من ثورتها وأيضًا حتى لا يلفت انتباهها للظنون التي تعصف به، ليردف بخضوع ونبرة لينة اعتادت "حنين" سماعها منه.
- أنا بس بطمن عليكِ يا "نونه".
لوت فمها بقوة لتتمدد أنفها الطويلة بشكل واضح لتردف بتملل من عديم القيمة هذا.
- المهم، "حامد" مقالكش البضاعة حيحطها إمتى، أنا خايفة أبوك ولا "مأمون" يشموا خبر، أحسن دول نابهم أزرق.
كان يشعر لوهلة أنه لا يرى زوجته التي طالما أحبها، بل كان لها مظهرًا بشعًا للغاية كما لو كانت وحشًا قبيحًا له أنياب شرسة. شعر بالتخوف قربها ليبتعد عنها قليلًا محدثًا نفسه بإندهاش.
(معقول مكنتش واخد بالي من كل الشر ده، معقول أنا كنت ماشي وراها في أذية أبويا وأخويا، كل ده عشان الفلوس، اللي هي أصلًا بتاعتي، يعني أنا بسرق مالي من أبويا، ويا ريتنا عايشين، ده إحنا على طول مفيش فلوس ومحتاجين).
تنهد "فريد" متعجبًا حاله الذي تبدل كما لو أن تلك الغشاوة تزول من أمام عينيه، لكن صوت "حنين" الحاد أفاقه من شروده حين هتفت به.
- يا "فريد"، الله، ما ترد عليا!!!!
انتبه لها فريد متسائلًا.
- أيوة يا "نونه" بتقولي حاجة؟؟
مصمصت شفتيها ساخرة منه بإستهزاء.
- إسم الله بتعرف تفكر وتسرح أوي، يلا، بقولك إيه، جبت لي الفلوس، البيت فاضي والعيال عايزة مصاريف الدروس وبقية مصاريف المدرسة.
أومأ "فريد" بالإيجاب وهو يمد يده بجيب سترته مردفًا.
- أيوة أهو، جبت لك الفلوس.
أخرج من جيبه لفافة كبيرة من النقود لتخطفها بكفها على الفور وقد لمعت عيناها ببريق مبتهج لتنهي تلك الليلة بعد وصولها لغرضها بعبارة واحدة.
- ماشي يا أخويا، تصبح على خير.
ربما تلك نهاية الليلة، لكنها ليست النهاية بالنسبة إليه، فهو يتوق لمعرفة كل شيء عن "حنين" وبأقرب وقت ممكن.
***
ساعات تخلف ساعات حتى يحين شروق الشمس، تلك البداية التي ينتظرها الكثيرون. ربما للبحث عن الراحة وربما لإنهاء أمور عالقة، لكن يبقى الصباح أمل كل ساهر مرتقب لبعض السكينة.
***
بيت المستشار خالد دويدار (شقة عيسى).
بعد أن عاد "عيسى" بالأمس بحثًا عن قائمة رجال الأعمال الذين يتهمهم "رمزي" بحصولهم على الرشوة ووجدها قد اختفت تمامًا من الملف، لاحت برأسه ذكرى خاطفة لهذا اليوم الذي أراد به العودة للاطمئنان على "غدير" لكنه نسي الملف بالمكتب ليعود ليفاجئ بـ"سندس" بمكتبه تتفحص الأوراق بغيابه.
لحظة من الانتباه ليدرك أن "سندس" لها علاقة باختفاء تلك القائمة، لكن كان الوقت متأخرًا لوجود "سندس" بالمكتب، فإضطر "عيسى" للانتظار حتى حلول الصباح للمرور بالمكتب ومواجهة "سندس". فيبدو أن الأمر تعدى الفضول وحب الاستطلاع، يبدو أنه هناك مؤامرة.
استعد "عيسى" بأناقته المعتادة للمغادرة بنفس متأهبة وقلق لم يتسن له النوم بسببه، فقد لعبت برأسه الظنون التي كادت تجنح لليقين بأن "سندس" من فعلتها.
***
معاودة الأعمال لم تكن من نصيب "عيسى" فقط، فقد استعد "رؤوف" لبداية يوم عمل جديد حتى وإن ظن أنه وقع بشباك هذا المرض. اتجه "رؤوف" لشركة الأدوية التي يعمل بها، لكنه لم يكن بالنفس المرحة التي يتحلى بها، بل كان جادًا متألمًا متجهمًا بصورة لم تمر بحياته من قبل. فقد غشي عيناه ظلام جعله يشعر بأن النهايات وشيكة للغاية. مجرد الشك بإصابته بهذا المرض أشعر قلبه بإحباط، لكن ما عليه سوى التحمل والصبر.
دلف لداخل الشركة متجهًا صوب مكتبه دون الانتباه لأي من العاملين كما يفعل دائمًا، لكنه لم يدري بتلك العيون السوداء المترقبة لحضوره - موده -.
يوم كامل لم يهنأ قلبها دون الاطمئنان عليه، لكنها شعرت بالخجل والاستياء من نفسها لانتظارها له بالمستشفى، لهذا ظلت يوم الأمس كاملًا بالبيت. لكنها تحفزت اليوم لرؤيته بالعمل لتطمئن قلبها القلق دون التسبب بأي مشاكل أو حرج له أو لـ"نيره" وعائلته.
فور رؤيته يتقدم لداخل الشركة شعرت بأن الكون كله أصبح بخير، يكفي أنه بخير، ويكفي قلبها أنها تراه أمام عينيها ولم يصبه سوء.
أغلقت حاسوبها لتتحرك بخطوات متعجلة نحو مكتب "رؤوف" تلحق به لتتحمد على سلامته بعذوبتها الناعمة.
- صباح الخير يا دكتور "رؤوف".
التفت نحوها "رؤوف" بوجه مقتضب تشق وجهه بسمة باهتة. رؤيته لـ"موده" أمامه جعلته يتذكر حديث "نيره" بالأمس، حين طلبت منه ألا يكون أنانيًا ظالمًا لها بوجودها معه، ليظن أن لابد أن لـ"موده" نفس الشعور. فبالرغم من إنه أصبح الآن حرًا من قيوده التي منعته من التصريح بمشاعره لها واختياره لإكمال زيجته من "نيره"، إلا أنه الآن لن يكون أنانيًا أو يظلمها كما طلبت منه "نيره" تمامًا.
نظر نحوها للحظات بصمت ثم أجاب تحيتها بفتور.
- صباح الخير يا "موده".
ظنت أنه ربما يكون قد تضايق لوجودها معه بالمستشفى لتطاطئ رأسها بحرج تعتذر عن ذلك.
- أنا أسفه ما كنتش فاكرة إني حايقك بالصورة دي.
حرك رأسه بخفة نافيًا الأمر، يظن أنها تقصد تحيتها له الآن ليردف بيأس.
- لا عادي، شوفي شغلك محصلش حاجة.
ظلت تناظره لبعض الوقت وهي تشعر بثقل طغى فوق قلبها لرؤيته حزينًا تظهر التعاسة والانطفاء بعينيه اللاتي كانت دومًا تضيء ببريق الحيوية والمرح، لتلقي بأمر حرجها خلف ظهرها متسائلة باهتمام.
- ليه زعلان أوي كده؟؟
تهدجت أنفاسه باضطراب يظن أنها لم تعلم بعد ما أصابه، أو ربما تخفي عنه هي أيضًا الأمر. لكنه يود الآن ألا يشعر بأنه محط شفقة، أو ربما ترفض وجودها معه كما فعلت "نيره". زفر ببطء ثم أجابها بصراحة مباشرة حتى ينهي الأمر من بدايته قبل أن يلحق به خذلان آخر.
- "موده"، أنا مريض كانسر، أنا عرفت كل حاجة خلاص، مفيش داعي إنك تخبيه عليا.
اقتضبت عيناها وارتعشت شفتيها بحزن لتجيبه بأعين دامعة.
- وإفرض، ده قدر وربنا كاتبه، مش لازم نستسلم ليه ومش لازم يبقى هو ده كل تفكيرنا وكل اهتمامنا، ده اختبار وإنت قادر إنك تعدي منه.
استدار بمواجهتها ليلوح بكفيه مستنكرًا تعاملها مع الأمر بتلك البساطة.
- الموضوع مش بسيط بالصورة دي، إنتِ إزاي مبسطه الأمور كده؟؟
بسمة جانبية مستنكرة كان رد فعلها لتجيبه بيقين.
- هو كده، ربنا بيكتب لنا أقدارنا، نعرفها بقى ما نعرفهاش مش مهم، ده مش داعي إننا نستسلم للإحباط واليأس، في حاجة اسمها علاج، وبعدين مين قالك أصلًا إن الموضوع كده، لسه نتيجة العينة ما طلعتش، ليه تيأس من دلوقتي ويمكن الموضوع كله يكون ولا حاجة!!!
لحظات كان يود أن يصرخ هاتفًا بها يخبرها بما يشعر به تجاهها، لكنه حبسها بداخله قائلًا محدثًا نفسه.
(أنا عرفت كل حاجة، يا ريتني قدرت من بدري أقولك على اللي حسيت بيه، لكن كل حاجة بتمنع ده وتقف قصادي، أنا عرفت متأخر أوي إني بحبك).
لكنه رغم ذلك أجابها بما يبعدها عن طريقه.
- مفيش داعي الكلام ده دلوقتي، "موده" أنا عارف آخرة مرضي إيه.
تحولت تلك الناعمة بلحظة لشخصية قوية، شرسة خرجت من داخلها تثور على خضوعه واستسلامه بتلك الصورة.
- لا يمكن، إنت أقوى من كده، إنت مش لوحدك كلنا معاك، وحتى لو حصل لا قدر الله والنتيجة كانت إيجابية، أنا عارفة إن إنت مش من الناس اللي بتستسلم بسهولة، ليه اليأس ده، لازم نخلي أملنا بالله كبير، ده ربنا بيقول أنا عند حسن ظن عبدي بي، وإحنا ظننا في الله خير وإن هو بإذن حيشفيك ويرجع لك صحتك وحياتك وضحكتك، ما تخليش أي حاجة ثانية تكسر عزيمتك إنت قوي يا "رؤوف" طول عمرك قوي بتواجه كل الصعاب بضحكتك إوعى تتنازل عنها.
كم كانت مختلفة تمامًا عما فعلته "نيره" التي تخاذلت وتركته ببداية الطريق. زاغت عيناه بتردد قبل أن يردف محاولًا التأكد من مشاعرها تجاهه.
- لو قصدك على أهلي، أنا عارف إنهم معايا، وعارف إنهم بس اللي حيكونوا معايا.
أرادت أن تنطق بها لكنها خشيت أن تكون احتلت دورًا ليس من حقها، فهناك من هي أحق بها منها. لتردف بنفس منهزمة.
- و"نيره"!!! أكيد معاك.
إلى هنا فقط ظن أنها تلقي بمزحة ما ليعقب ساخرًا.
- لا والله، "نيره" خلاص اعتذرت عن الدور ده.
حركت "موده" رأسها بدون فهم لتتساءل بترقب.
- قصدك إيه!!! يعني إيه اعتذرت؟؟؟
أكمل "رؤوف" موضحًا يترقب رد فعلها.
- أنا و"نيره" سيبنا بعض خلاص.
بلحظة تراقص قلبها فرحًا، ولاحت آمال السعادة به، لكنها حاولت إخفاء ذلك، فهي لن تسعد بتحطيم قلبه، إنها تود له السعادة حتى لو لم تكن لها حظ بها.
- إنت بتقول إيه يا "رؤوف"!!! ليه سبتوا بعض؟؟؟
رفع "رؤوف" كتفيه وأهدلهما بتأثر ضعيف للغاية، حتى أنه تعجب من كونه لم يكن حزينًا مفطور القلب لتركها له، ليعقب على ذلك بلا مبالاة لم يكن يتخيلها.
- أنا مش أناني ومش حظلمها معايا، وهي اللي اختارت كده.
بتلك اللحظة أراد أن يوصل لها ذات الرسالة، فعليها أن تبتعد عنه نهائيًا، فلن يقبل أن يظلمها أو يفكر بأنانية، فحتى إن سنحت له الفرصة أخيرًا إلا أنها لا تستحق ذلك منه.
أردف "رؤوف" ببعض الغموض يقصدها بالأمر دون التصريح به بشكل مباشر.
- أنا حتى لو كنت بحب حد تاني وكنت فاكر إن الوقت بس هو اللي جه غلط، لكن دلوقتي ما أقدرش أقولها، ما أقدرش أظلم حد تاني معايا في وضع ما يسمحليش إني أكون أناني فعلًا، "نيره" كان معاها حق.
نظرات عيناه المحبة التي كان يتطلع بها نحوها كانت تقصدها، لقد شعرت بذلك لن تنكر ذلك. لقد كان حديثه واضحًا للغاية، إنه يخبرها بحبه لها، لحظة اعتراف متوارية يليه رفض صريح لتخوفه.
ما كان لها إلا أن تتماشى معه بحديث مبهم كإجابة عن تخوفه.
- طب افرض إن الحد اللي بيحبك ده مش فارق معاه وعايز يكون معاك.
حديث أكمله العيون العاشقة قبل أن تخرج الكلمات من شفتيهما، لكن "رؤوف" استطرد بطريقته المبهمة أيضًا كما لو لم تكن هي المقصودة بذلك.
- لأ طبعًا، و ليه حد يرتبط في الظروف دي، ليه أكون أناني، ليه أكتب على حد إنه يعيش معايا شفقة، أو إنه يكون مجبر يتحمل وجعي وألمي ومرضي، يمكن لو وقت تاني كنت حكون سعيد أوي، أسعد إنسان في الدنيا، لكن دلوقتي ما ينفعش أنا مش البني آدم السليم اللي أقدر أختار، كل اللي حختاره دلوقتي حيكون أنانية مني وبس.
ضربت "موده" بكل الحواجز عرض الحائط فلا يهمها الآن إلا أنها ترى المحبة بعينيه، وأن قلبها لا يخطئ ولن تترك فرصة يمكنها أن تكون بها إلى جواره إلا وسوف تقتنصها. لن تدع اليأس وسوء الظن يفرق بينهما، سواء كان مريضًا أم لا، إنه هو بذاته "رؤوف" الذي أحبته وسيظل "رؤوف" مهما تغيرت الأحوال. سحبت نفسًا عميقًا لتزفره ببطء لتتخلى عن خجلها قائلة بوضوح.
- "رؤوف" إنت بتحبني؟؟؟
صراحتها جعلته يتيبس بموضعه يطالعها بصمت لكن عيناه خانته وصرحت بذلك قبل أن يطاوعه لسانه الذي أجابها بنفسه مهشمة.
- ويفيد بإيه دلوقتي؟؟
تحلت بالجراءة لتجيبه بقوة.
- لأ، يفيد كتير أوي، إنت لو فعلًا بتحبني ومتأكد من مشاعرك ناحيني، أنا ما يهمنيش كل اللي إنت بتقول عليه ده.
انتفض "رؤوف" بتعجب.
- إزاي تقولي كده!!! إزاي توافقي تربطي حياتك بواحد بيموت؟؟؟
نهرته بقوة من هذا الخضوع واليأس المظلم.
- أوعى أسمعك تقول كده تاني، إنت بإذن الله حتعيش وحتفرح، إنت مفيش عندك أي حاجة.
تهدلت عيناه متهربًا من عينيها المسلطتين نحوه.
- ده أمل بس، لكن من جوايا أنا متأكد، أنا عارف وحاسس بنفسي كويس.
لتستكمل "موده" بنفس القوة.
- حتى لو حصل، أنا معاك وعمري ما حأسيبك وخطوة بخطوة وإيدي بإيدك لو كان مكتوب إنك تعدي الاختبار ده حعدي معاك، مش لازم تكون لوحدك.
بنظرات متحيرة ما بين الموافقة على وجودها بحياته، وبين رفضه بأن يظلمها بمستقبله المظلم تساءل بحيرة.
- حتى لو كانت دي نهاية الطريق؟؟؟
ترقب متشبثًا بأمل كما لو كانت كالشمس التي تضيء حياته من بعد ظلام طويل انتظر إجابتها التي لم تتوانى عن التفوه بها.
- مهما كان إنت "رؤوف" وحتفضل "رؤوف" لآخر لحظة في عمري وعمرك، كل اللي إنت بتقول عليه ده مش فارق معايا، ولو كان الطريق صعب يبقى لازم نخطيه سوا مش لازم كل واحد فينا يمشي في طريق لوحده، إحنا مع بعض نقدر نوصل بإذن الله، ولو حد فينا خاف أو يأس، التاني حيشده لقدام.
لأول مرة شعر "رؤوف" بأنه قد أحسن أخيرًا الاختيار. فكم كانت عيناه مغيبتان عن هذا الجمال والقلب النقي والنفس الرائعة، كم كان مغفلًا دون أن يدرك مقدار حبها الذي ينبع من كل حرف تنطق به. الغريب بالأمر أنه يشعر بأن قلبه سعيد للغاية، شعور لم يشعر بمثله من قبل.
إن بها شيء فريد من نوعه لا يمكن مقارنته بأي فتاة أخرى، إن بها (موده) لم يشعر بها من سواها، فهي حقًا (موده).
ابتسم "رؤوف" بعد أن ظن أن الابتسامة لن تمر بشفتيه مرة أخرى. لقد كان أوشك على الاستسلام للتعاسة، لكنه حتى إن كُتب عليه المرض سيحارب لأجل غاية أجمل، من أجل حياة قادمة مع سارقة قلبه "موده". همس بهيام بتلك الجميلة.
- تصدقي ما كنتش عارف إني بحبك أوي كده.
توردت وجنتيها بحمرة خجل وهي تبتسم بعذوبة.
- أنا بقى كنت عارفة.
يكفيه هذا أملًا ليدفعه لتحمل قسوة الأيام القادمة يدًا بيد مع من دق لها فؤاده، "موده".
***
مقر المخابرات العامة (الجهاز).
مكتب "معتصم".
أعاد جذعه بأريحية لظهر المقعد الجلدي الخاص بمكتبه وهو يرفع ساقيه بغرور فوق سطحه لتتجلى تلك الابتسامة المعتدة بنفسه وهو يدير القلم بين أصابعه بحرفية شديدة.
رفع سماعة هاتفه متحدثًا بثقة متناهية مع رفيقه "عمر" يخبره بما توصل إليه من معلومات هامة للتو.
- صباح الخير يا "عمر".
أجابه "عمر" بترقب.
- صباح الخير، "معتصم" باشا بيتصل يصبح عليا، لأ طبعًا، قول يا باشا، شكل الموضوع كبير.
ضحك "معتصم" بغرور لثقته المعتادة بنفسه وبما توصل إليه.
- هو إنت كده فاهمني على طول.
- على طووول، ها، وصلت لإيه؟!!
اعتدل "معتصم" ليخفض ساقيه بإنتباه وجدية تامة.
- وصلت لمعلومات حتخلينا نوصل للمحرك بتاع التشكيل ده، ومش حتصدق مين، الموضوع أكبر من تشكيل إرهابي أو شوية تجار سلاح يا "عمر"، الموضوع داخل في حتة ضلمة أوي.
كان رد "عمر" يحمل جدية وتخوف بذات الوقت.
- إنت وصلت لإيه، شكل الحكاية مش سهلة زي ما كنا متخيلين!!!
طرق "معتصم" بقلمه فوق سطح المكتب بينما استكمل "حديثه".
- مش سهلة خالص، لازم أشوفك، الكلام ده مينفعش في التليفون، لأن ده شغل عايز تجهيز بشكل مختلف المرة دي.
بإذعان شديد كان "عمر" متحمسًا بقوة.
- عمومًا لازم أشوفك النهاردة، إلا قولي، عملت إيه مع "طه"؟؟؟
تطلع "معتصم" بساعة يده قبل أن يجيبه.
- أهو مرمي بقاله ييجي عشر ساعات جوه، لما أعصابه تفلت على الآخر نبدأ نستجوبه، بس خد بالك ده مش حد يتعمل له حساب، الحكاية كلها شوية حقد كدة جواه، لكن فيه ناس مش سهلة أبدًا لازم ناخد بالنا منهم، هم دول الخطر الحقيقي.
توجس "عمر" بشدة خاصة وهو لم يصرح بعد بماهية هؤلاء الأشخاص.
- قلقتني بجد، عمومًا قابلني الساعة أربعة تقولي على التفاصيل، بس أنا عارف، مفيش حد إنت متقدرش عليه.
ضحكة قصيرة كانت رده على "عمر" قبل أن يستطرد.
- ماشي يا سيدي، حقوم أشوف موضوع "طه" ده عشان أعرف منه عمل إيه بالضبط.
- تمام وأنا في انتظارك زي ما قولت لك. سلام.
أنهى حديثه معه ليضع القلم فوق سطح المكتب ليخرج بعدها متجهًا لغرفة الاحتجاز لمتابعة التحقيق مع "طه".
***
مكتب عيسى للمحاماة.
أرق أصابه منذ ليلة الأمس، وكيف يغفل وهو يرى تحطم آماله وخسارة وشيكة لتلك القضية، والسبب بالتأكيد هو تلك المحامية الفضولية لتتحلى بأسوأ الصفات التي يكرهها "عيسى" الكذب والخيانة.
ثورة انفعال تجلت على ملامحه حين دلف للمكتب ووجدها أمامه تعبث ببعض الأوراق فوق مكتبها. رفعت "سندس" وجهها نحو هذا القادم الذي شعرت بخطواته داخل المكتب لتتسع عيناها اندهاشًا.
- أستاذ "عيسى"!!! غريبة أوي، ده مش معادك خالص.
تلك النظرات النارية التي أخذ يحدجها بها جعلتها تتلعثم قليلًا ليباغتها بإنفعال صارخ.
- فين الورق يا "سندس"؟؟؟
اضطربت قليلًا دون فهم لمقصده لتردف نافية رغم ذلك.
- ورق إيه بس!!! أنا مش عارفه حاجة.
رفع "عيسى" جذعه للأعلى متشدقًا بملامح معقودة من شدة غضبه بصورة أول مرة تراها "سندس" به.
- الورق فين يا "سندس" أحسن لك!!!
رفعت ذراعيها تلوح بهما بمعنى لا أدري بينما تساءلت بأعين متخوفة من غضبه.
- والله ما فاهمة؟؟؟ قصدك إيه يا أستاذ "عيسى"، ورق إيه بس؟!
ضرب كفيه بعضهما ببعض مصدرًا صوتًا انتفضت له "سندس" لتجفل بعينيها لوهلة لحظة صدوره. اشتد وجه "عيسى" حمرة وهو يضغط بحروف كلماته بغضب يتحكم به بقوة حتى لا ينفعل بها لأكثر من ذلك.
- ورق قضية "رمزي" اللي فيه أسماء الناس والرشاوي اللي أخدوها، الورق اللي كنتِ ماسكاه في إيدك يوم ما رجعت المكتب ولقيتك دخلتي من غير إذني وفتحتيه.
فغرت "سندس" فاها بصدمة لتردف بذهول.
- الورق ضاع!!! لأ طبعًا، أنا مشفتهوش يا أستاذ "عيسى".
لم يستطع "عيسى" كبح غضبه لأكثر من ذلك مرددًا بإنفعال.
- "سنــــــــــــدس"، هاتي الورق أحسن لك، أنا عمري ما أذيتك عشان تأذيني بالشكل ده، مستحمل كل عيوبك دي وبقول أهو فضول وخلاص، لكن توصل لدرجة تسرقيني وتخوني ثقتي فيكِ، ده لا يمكن أعديه بالساهل.
نفت "سندس" تلك التهمة عن نفسها فقد شعرت بالضيق لهذا الاتهام، وضيق أكبر لغضبه منها لتهتف بنفي قاطع.
- محلصش والله ما حصل، أهو إنت بتقول دخلت المكتب وأنا الورق كان في إيدي وأخدته من إيدي ونزلت وسبت المكتب، معرفش إنت أخدته وديته فين، بس أنا مأخدتهوش، أنا معرفش حاجة.
(وجدتها فرصة لتخبره بكل ما يضيق بصدرها وتعترف له بعشقها الذي يطغى على كل شيء آخر بحياتها). أنا عمري ما أفكر أأذيك عارف ليه!! عشان بحبك، بحبك لدرجة إني مستعدة أعمل أي حاجة وأكون جنبك، يبقى إزاي أفكر أأذيك، أنا لا يمكن، لا يمكن أعمل كده، شوف مين له مصلحة لكن أنا مصلحتي إنك تبقى كويس وإني أفضل جنبك وبس.
تغاضى "عيسى" عن هذا الاعتراف كما لو كانت أذنيه عمياء تمامًا. كل ما انصب فكره عليه هو تذكر هذا اليوم وخروجه منفعلًا حاملًا الملف ليضعه بغرفة مكتبه بشقته، ليظن أنه ربما أسقط هذا الورق الهام وهو لم ينتبه له.
هوى فوق المقعد بتحسر فكيف سيجده بعد ضياعه بهذا الشكل. شعر بالدماء تتدفق برأسه ليزداد الصداع الذي غطى بألمه رأسه كاملًا. أسند رأسه بكفيه بتألم لتناظره "سندس" بإشفاق ومازال صدرها يتحرك صعودًا وهبوطًا إثر انفعالها الأخير.
أردفت بنبرة مختنقة.
- أعملك قهوة؟؟
أومأ "عيسى" رأسه بخفة فيما خرجت "سندس" من المكتب لصنع القهوة، بينما جلس "عيسى" متحسرًا على خسارته القادمة للقضية التي باقي من وقت محاكمتها أقل من ثلاثة أسابيع فقط وها هي ورقته الرابحة قد فقدها، لكن ترى أين ذهبت وكيف اختفت من الملف.
***
بيت النجار "شقة فريد".
ارتدت "حنين" عباءتها ذات الأكمام الطويلة تخفي آثار تلك البثور والتقرحات. حملت حقيبة يدها الجلدية السوداء لتضع بها أولًا لفافة المال التي أحضرها "فريد" بالأمس ثم أغلقتها وخرجت من شقتها دون أن توصد الباب كعادتها.
لم تكترث لأبنائها الذين تركتهم بمفردهم بالشقة، ولا بأنها لم تستأذن زوجها للخروج، بل كانت تهتم فقط لأن تخرج دون أن يلاحظها أحد.
تحركت بخطوات مترددة تعبر الطريق لتشعر بالاطمئنان نوعًا ما لابتعدادها عن الحي، لكنها لم تبتعد كثيرًا بل اتجهت للحي المجاور تعلم وجهتها جيدًا.
بعد مرور دقائق قليلة كانت "حنين" تقف مقابل بيت قديم بآخر الحي، بيت هادئ كما لو كان خاليًا من أصحابه. دلفت نحو الداخل دون سؤال أو استئذان، كان وجهتها أيضًا بالدور الأرضي كما لو أنه قد كتب عليها هذا الطابق القابض للنفس.
طرقت الباب عدة مرات ليُفتح على الفور. ناظرها شاب طويل مملوح الملامح قوي البنية ذو شعر أسود قصير وبشرة سمراء برونزية جذابة. إنه "محمود شومان" برغم قوته الظاهرة إلا أنه عاطل عن العمل، يعيش كالآفات فوق بقايا الآخرين دون جهد، يستغل وسامته الفقيرة لإغواء سيدات يغدقن عليه بالمال لأجل إسعادهن ووجوده بحياتهن، يشعرهم بحبه وولهه بهن تمامًا كتلك المغفلة "حنين"، والتي تزوره كلما تحصلت على مال يكفيه لترى بعينيه تلك النظرات المحبة وحديث العاشقين الذي يخدعها به بملذاته المحرمة.
وقفت "حنين" بخنوع وتذلل لعشقها لهذا الشاب المخادع كما لو كانت امرأة مختلفة تمامًا عن تلك التي تحاول فرض سيطرتها وبغضها لزوجها. كانت لطيفة بل متذللة له.
- صباح الخير يا "حودة".
تطلع بها "محمود" مصطنعًا تلك المحبة التي لا يعرفها حقيقة، فهو كاذب محتال مخادع حتى بمشاعره المزيفة، أجابها بوله.
- "نونااا"، وحشتيني يا قلبي.
دلت "حنين" نحو الداخل تعلم تفاصيل الشقة كما لو كانت مقيمة بها.
- إيه يا "حودة" مسألتش عليا الكام يوم اللي فاتوا يعني؟؟
دلالها المغثي للنفس كان منفر للغاية لكن عليه تحمله، فطالما جائته اليوم فذلك يعني حصولها على المال. أجابها بتهرب رغم قسمة.
- والله كنت تعبان يا "حنين"، مش كنتِ تيجي تسألي عليا، وأنا تعبان ومفلس ومش معايا حتى حق الدوا.
ضربت "حنين" صدرها بفجعة.
- يا لهوي، تعبان وأنا معرفش، حقك عليا يا أخويا، والله لولا قاعدة مستنية المخفي جوزي يجيب الفلوس لكنت جيتلك.
نظر بطمع تجاه حقيبتها التي مازالت تعلقها بذراعها.
- و... جبتي الفلوس ولا إيه؟؟؟
فتحت "حنين" حقيبتها بعجالة تخرج منها لفافة المال كلها.
- اه يا "حودة"، أهي يا أخويا.
خطفها بيده بسرعة يتمسك بها بقوة وابتهاج سعد له وجهه ليتطلع نحوها بحديث معسول فيما يظنه مقابل لذلك المال، فهذا ما تنتظره تلك الحقيرة الخائنة لزوجها.
- حبيبة قلبي يا "حنين"، كنت عارف إنك بتحبيني زي ما أنا بموت فيكِ.
تناست "حنين" نفسها لتخلع تلك العباءة لتجلس بحريتها فيما لاحظ "محمود" تلك التقرحات المقززة بجسدها ويديها حتى رقبتها بشكل أثار غثاء نفسه.
- إيه القرف ده؟؟ إنتِ جسمك عامل كده ليه؟؟
نظرت "حنين" لما ظهر من جسدها من تقرحات فقد نسيت الأمر تمامًا لتنهض تجاهه تخشى أن ينفر منها.
- لالالا، متخفش، ده، ده، ده ناموس.
لوى ثغره بنفور وهو يقفز للخلف بتخوف من أن تلمسه حتى.
- لأ، لأ، خليكِ بعيد عني، ده شكله مقرف أوي، أخاف أتعدي منك.
توسلت إليه "حنين" لأن يتقبل هذا الأمر المؤقت دون خوف.
- متخفش يا حبيبي، أنا باخد علاج، والمرة الجاية حيكون راح خالص.
خشي "محمود" على نفسه ليدفعها بأطراف أصابعه بعيدًا عنه بتقزز.
- ولا مرة تانية ولا مرة تالتة، خدي عبايتك المقرفة دي وإطلعي من هنا، ويا ريت متجيش تاني، أنا مش ناقص المرض كمان.
تهدلت ملامحها بذهول.
- "حودة"!!! إنت بتقول إيه، مش إنت بتحبني؟!! أصبر كام يوم والعلاج حيخليها تروح خالص.
هو لا يحب ولا يخشى إلا على نفسه فقط، وغير ذلك لا يهم ليردف بجفاء وخشونة.
- أنا مبحبش حد، وغوري من هنا أحسن ألم عليك الخلق كلها ويفضحوكِ.
لمعت عيناها بشرر غاضب لتهدده وهي تحاول سحب لفافة المال من بين يديه.
- بقى كده، طب هات فلوسي بقى يا حيوان، أحسن والله ما يحصل طيب.
دفعها "محمود" بحدة فهو يفوقها قوة وجثامة ليظهر نفسه البشعة التي كان يخفيها خلف قناع المحبة.
- فلوس مين يا أم فلوس، دي حقي يا ماما، أمال أنا حقبل واحدة زبالة زيك ليه، على حلاوتك ولا جمالك، غوري من هنا يا بت، ولو شوفت خلقتك دي تاني يا جربانة أنا اللي حروح لجوزك "فريد" وأقوله إنك بتجيلي البيت هنا، فاهمة، لسانك ده يفضل جوه بوقك لأحسن أقطعهولك، مش فاضل إلا الجربانين كمان يتأمروا.
كل حديثه كان جارح بصورة مؤلمة، لملمت عباءتها لترتديها بنفس منكسرة، كم شعرت بالدونية والحقارة، فلم يكن يحبها بل كان يخدعها لأجل المال.
خرجت من بيته وهي تكفكف دموعها التي لم تتساقط من قبل، فهي للأسف أحبت هذا المحتال، وإهانته لها غرست كالخنجر بقلبها، جرجرت ساقيها عائدة نحو البيت الذي أصبح كما لو كان طريقه بعيد للغاية.
***
فيلا الأيوبي (النوبارية).
إنه فقط الفضول، ذلك الخيال الذي دفعني لاكتشافك، لا لأن تقبع بقلبي وتسحبني رغمًا عني لأقع فريسة بهواك، كأن بك شيء خلق لأجلي جعلني أقسم ألا أتركه.
مال "رحيم" يفغر فاهه عن ابتسامة عريضة دون أن يشعر بذلك وهو يطالع "شجن"، تلك صاحبة الروح المفعمة بالحياة والإقدام. كانت تتحدث عن مواقف عدة مرت بها خلال عملها، مواقف طريفة وأخرى مؤلمة. استمتعت السيدة "أم محمد" وولدها أيضًا لتلك الجلسة الرباعية أثناء احتسائهم أكواب الشاي بوقت قيلولة "أيوب".
فبعد حضور "رحيم" طلب "أيوب" من "أم محمد" وولدها البقاء معهم بالبيت ليكونوا ونسًا وعزوة لـ"شجن" حتى لا تبقى وحدها بالمنزل برفقة "رحيم".
منذ الوهلة الأولى استطاعت "شجن" جذب قلب وانتباه "رحيم" الذي شعر بألفة غير عادية بوجود تلك الفتاة، لكن هناك حاجز ما يقف بينه وبينها، قبولها لهذا العمل وترك أهلها، إنه لأمر محير للغاية بل يدعو للشك وبث الظنون بنفسه. لكنه لا ينكر أن لتلك الفتاة وقع غريب بنفسه يجعله دومًا سعيدًا قربها.
وجود "رحيم" أشعل نارًا خامدة بداخل قلب "شجن" الصامت لكن دون الإفصاح عن ذلك، بل كانت تتعمد البقاء برفقة ثلاثتهم لتتحدث وتتحدث لترى تلك النظرة المعجبة بحديثها بداخل عيناه. فهل وقعت بعشق من النظرة الأولى، أم أنها تتوهم وتظن شيئًا ليس بالوجود.
دفعت خصلتها خلف أذنها وهي تسترق نظرة خاطفة تجاه "رحيم" قبل أن تستكمل قصصها الساخرة.
- كل ده وكان مش في وعيه أبدًا، البنج ده رهيب.
تعلق نظراته نحوها وهو يبتسم ببشاشة ليضحك بخفة، فهي خفيفة الظل منمقة الحديث بشكل جعله يهوى رغم عنه ببئر يسمى "شجن". أيام قليلة استحوذت بشكل كامل على عقله وقلبه المتوجس ناحيتها.
نهضت السيدة "أم محمد" قائلة بعتاب مازح.
- ربنا يحفظك يا ست "شجن"، أقوم (أقوم) أني بقى أحضر الغدا.
لحق بها ولدها مستأذنًا من "رحيم" و "شجن".
- لا مؤاخذة، أقوم أني كمان أنضف الجنينة.
لاحظت "شجن" نظرات "رحيم" المتعمقة نحوها، حتى أنها طالت لوقت طويل أثار حفيظتها لتتساءل بتوجس.
- فيه حاجة يا أستاذ "رحيم"؟؟؟
سؤالها رغم أنه يظهر به بعض الاستياء لنظراته الغريبة، إلا أنها سببت لها نشوة داخلية، إحساس مؤجل لم يمر بقلبها من قبل، فكان كل اهتمامها قبل مجيئها هنا هو كيف تتعايش بذل زوجة عمها والهروب منها واستسلام والدتها لهذه المهانة، لكنها الآن تترك العنان لكل شيء بها فقد زالت كل الضغوط وتبقى لها الحياة لتخرج كل ما كانت لا تدركه بنفسها.
اعتزل "رحيم" متداركًا تطلعه المخجل نحوها ليحاول بارتباك الاعتذار عن تصرفه العفوي كطبيعته العفوية المسالمة.
- أسف، ما أخدتش بالي.
كانت عيناه تحمل العديد من الأسئلة التي لم ينطق بها لكنها كانت تتحلى بالجرأة لسؤاله.
- حاسة إنك مخبي حاجة، مش عارفه ليه، وعلى فكرة أنا إحساسي مبيخيبش.
ضحك "رحيم" أولًا قبل أن يجيبها بشفافية تامة.
- يمكن عشان كلامي قليل، طبعي غريب شوية، المفروض الناس بتستنى من الشباب الكلام والحركة والانفعال، بس أنا طبعي هادي شوية.
بنظرة متفحصة باغتته "شجن" بتخمين صائب.
- إنت ابن وحيد، صح؟؟
اندهش "رحيم" للغاية من فراستها وذكائها.
- صح، عرفتي إزاي؟؟
أجابته بغرور لطيف زاد من انبهاره بشخصيتها الفريدة.
- مفيش حد له إخوات بيبقى هادي أبدًا، الهادي ده حد زيك كده عايش لوحده مع بابا وماما.
شعر بنوع من الاستياء كما لو كانت تقلل من قدره وتشير لكونه مدلل.
- بس أنا مش دلوعة بابا وماما يا آنسة "شجن".
تهدلت ابتسامتها ببعض الاقتضاب فقد ساء فهمها لتردف باعتذار عن ذلك.
- أسفه والله ما أقصدش كده، أنا قصدي لما بيبقى لك إخوات بتبقى متعود على العصبية والخناق، مقصدش حاجة تانية والله، وبعدين فيه حد متدلع يسيب أهله ويدور على شغل في حتة بعيدة.
هنا لاحت أسئلته التي يتمنى بالفعل معرفة إجابتها والتي سببت له هذا التخوف منها.
- طيب وإنتِ!!! مش غريبة تسيبي أهلك وتيجي تقعدي مع راجل غريب؟؟؟
شعرت بلمحة من الاتهام بسؤاله لتجيبه بحدة.
- والله أكل العيش مفيهوش قريب ولا بعيد.
أنهت عبارتها وهي تنهض من جلستها بضيق ليشعر "رحيم" بأنه قد تسبب بإثارة ضيقها.
- أنا أسف والله مكانش قصدي أضايقك.
حركت رأسها نفيًا وهي تتجه نحو داخل البيت.
- لا عادي، أنا داخلة أشوف عم "أيوب"، زمانه صحي.
تقبل "رحيم" عذرها للمغادرة بضيق فهو لم يقصد الإهانة لها أو سوء ظنه بها، لكن وضعه مريب يدعو للشك، ليردف بنبرة خفيضة للغاية.
- ما هو برضه الوضع مريب أوي، بنت حلوة زيك إزاي تعيش لوحدها في بيت راجل غريب، حتى لو كان قد أبوها، يبقى إيه، أكيد فيه سبب، أو طمعانة فيه.
زفر "رحيم" بقوة ليتجه لغرفته الموجودة بالحديقة. لم يكن يود إغضابها، لكن شيء ما بداخله يدفعه لمعرفتها فقد خانه قلبه وتعلق بها قبل أن يطمئن لها أولًا.
لم تكترث من قبل للظنون لكنها اليوم فور أن شعرت بأن هناك بعض الأفكار تدور برأس "حليم" شعرت بضيق بالغ. لا تدري هل لأنها أصبحت تهتم بأشياء لم تحصل على فرصة من قبل للاهتمام بها لانشغالها بألاعيب "صباح"، أم أن هذا الشاب له تأثير مختلف عليها، حتى أنها تنتظر رد فعله وإعجابه بحديثها كما لو كانت تتمنى أن يكون الحديث يخصه هو فقط. أهذا ما يسمى بالحب من أول نظرة، أم مجرد لهفتها بأن تكون محط إعجاب أحدهم.
صعدت "شجن" لغرفة "أيوب" فقد ظنت أنه قد استيقظ من قيلولته، طرقت الباب برفق لتطل برأسها المستدير من خلفه لتجده استيقظ بالفعل لكن وجهه ممتعض بشكل كبير. هتفت به بحيويتها.
- إيه النوم ده كله يا عم "أيوب"، ده إحنا عدينا العصر.
رفع "أيوب" رأسه بتألم.
- والله يا بنتي ما جاني نوم، جنبي واجعني بزيادة النهاردة.
أشفقت "شجن" على حاله لتردف بتأثر.
- ما هو المغص الكلوي اللي بييجي لك من وقت للتاني ده مؤلم شوية، ربنا يشفيك يا عم "أيوب"، لازم تاخد الدوا وتشرب مياه كتير.
أومأ بوهن ليعقب ناظرًا نحو أحد الأركان.
- أيوة، أنا والزرع ده عاوز مياه.
ابتسمت "شجن" وهي تتقدم نحو إصيص النبات الموضوع بغرفة "أيوب" لتسقيه ببعض الماء.
- أدي الزرع شرب، يلا بينا بقى ناخد الدوا إحنا كمان.
تلوى "أيوب" متألمًا وقد زاد امتعاض وجهه.
- شكل المغص اشتغل تاني.
هنا لم تستطع "شجن" التصرف كطبيبة فهي بالنهاية ممرضة وتخشى أن تخطئ لتردف بقلق.
- لأ بقى، كده لازم نجيب الدكتور، مش حتفضل تعبان كده.
- لا مفيش داعي، حاخد الدوا وأبقى كويس.
رفضت "شجن" بإصرار لتهتف أثناء مغادرتها الغرفة.
- لا مينفعش، أنا حروح مع "رحيم" نجيب الدكتور ونييجي.
لم يعترض "أيوب" فقد زاد ألمه حدة، بينما تركته "شجن" مسرعة نحو "رحيم" تطلب منه التحرك بعجالة بطريقتها التي تسبب له بعض التوتر لحدتها بالطلب.
- يلا بسرعة حرك العربية.
وقف "رحيم" بعدم فهم.
- حنروح فين؟؟
أوسعت من عينيها بطريقة مضحكة ثم هتفت.
- الله، إتحرك الأول هو أنا حاكلك.
ضحك "رحيم" فمزاحها الطريف كسر حدة ضيقها منذ قليل ليتحرك بالسيارة لخارج البيت متجهين لطبيب القرية ليأتوا به لـ"أيوب".
***
ترجلت تلك الحسناء القصيرة من إحدى سيارات الأجرة لتعدل من وضع حقيبتها الصفراء فوق كتفها لتخطو بضع خطوات بحيِّهم القديم. رفعت هاتفها نحو أذنها قبل أن تهتف بخفة ظل.
- "أدوداااااا"، أنا خلاص جيالك، حضري الغدااااا.
ضمت "مودة" قبضتها تجاه شفتيها بتفاجئ ثم أردفت.
- يا خبر، ده أنا نسيت خالص إنك جايه، معلش يا "غدير"، روحي الشقة وأنا حخلص في الشركة وجيالك.
لوت "غدير" فمها بإستياء مازح وهي تجيبها.
- طيب يا "دودا" متتأخريش، حقعد أتفرج على فيلم أكشن كده لحد ما تيجي.
ضحكت "مودة" ساخرة من أختها.
- قصدك كارتون.
- وهو الكارتون ده مفيهوش أكشن، إسكتي إسكتي ده إنتِ غلبانة وعلى نياتك، يلا متتأخريش.
نظرت "مودة" تجاه "رؤوف" قبل أن تجيبها بحماس مستتر.
- تمام، متروحيش إلا لما أجي لك فيه موضوع مهم أوي.
أجابتها "غدير" بتلقائية.
- قاعدالك يا أختي، متتأخريش إنتِ بس.
- حاضر.
أكملت "غدير" طريقها نحو شقتهم القديمة بينما تطلعت "مودة" نحو "رؤوف" الذي أرسل بطلبها منذ قليل متسائلة بفضول.
- خير، قالولي إنك عاوزني.
بسمته المميزة وبروز أسنانه الأمامية بلطافة أجابها بصدق لم يشعر به من قبل بوصف إحساسه.
- مش عارف، كنت عاوز أشوفك وبس، ممكن تقعدي معايا شوية قبل ما تروحي.
رغم مكالمة "غدير" وإدراكها بأنها ستنتظرها وحدها إلا أنها لم تستطع رفض طلبه الذي كان يومًا حلمًا لها.
- ماشي، شوية صغيرين بس، "غدير" جايه لي البيت.
أجابها بحالمية تخصها هي فقط وليس كمجاملة لطيفة كما كان يفعل مع الجميع من قبل.
- وأنا راضي بالشوية الصغيرين دول.
***
كالشمس أنتِ شروقها قوة وغروبها جمال، لا يضاهيك شيء فكل ما بك لا يقارن، فريدة أنتِ كإستثناء الحرير؛ ناعم يخطف القلوب والعيون ورغم نعومته قوى لا ينقطع.
نظرت بحدة نحو باب مكتبها لا تصدق ما سمعته أذنيها للتو لتسرع "عهد" تفتح مقبض الباب بقوة لتخرج كريح عاتية متجهة نحو مكتب "معتصم" للتأكد من الأمر.
أنهى "معتصم" للتو تحقيقه مع "طه" ليعود لمكتبه يشعر بالفخر وأيضًا بالصواب. نعم هو مدرك لأن توصله للأمر صحيحًا بالتأكيد لكن إرضاء ضميره وأن "طه" مذنب بالفعل لأمر يريح ضميره تمامًا فهو لا يرضى بالظلم مطلقًا.
طرقات حادة دقت بباب مكتبه لتجذب انتباهه على الفور، أمر ما لاح بداخله أنها هي لا غيرها. نظر "معتصم" نظراته الثاقبة تجاه الباب وهو ينطق برزانة.
- إدخل.
كشمس أشرقت تنسج خيوطها الذهبية لحظة فتحها للباب ليشعر بقلبه كمن سرق بالكامل ليصبح طوعًا لها ولم يعد يملك منه سوى بعض الدقات التي تضخ به الحياة.
دلت بوجومها تتساءل دون تريث كقطار انطلق ولا يمكنه التوقف.
- يعني إيه "طه" اتقبض عليه؟ إزاي؟ "طه" من أكفأ الضباط هنا.
دفاعها عنه جعله يشعر مرة أخرى بهذا الشعور البغيض (الغيرة). وقف منفعلًا ليهتف بحدة.
- أنا مظلمتهوش، "طه" فعلًا خاين، وهو اللي بلغ عن وقت وصولنا، أسيبه؟؟؟
هي لا يهمها "طه" بحد ذاته على العكس تمامًا لكنها كانت تظن أنه لن يكون ضابط فاسد مطلقًا لتردف بحيرة.
- متأكد!!!
كان يمكنه إخبارها بالأمر من البداية لكنه لم يشأ أن يصدمها بالأمر، لكن غيرته الآن لدفاعها عنه جعله يلقي الأمر دفعة واحدة ليمحي "طه" عن فكرها تمامًا.
- طبعًا متأكد، "عهد" أنا عاوز أقولك إن "طه" لما إنتِ رفضتيه لما كنا في المراقبة الحقد والغيرة ملوا قلبه وعنيه وقعد يدور على طريقة يأذيني ويأذيكِ بيها، وللأسف كان قدامه طريقين مشي فيهم، أول حاجة بلغ أفراد التشكيل عني وقالهم معاد وصولنا اسكندرية عشان يتخلصوا مني، وتاني حاجة للأسف "طه" قعد يدور عنك لحد ما وصل لوالدك اللي سابكم من زمان وهو اللي طلب منه ييجي لك البيت ويخدعك بإنه اتغير عشان تسامحيه ويقدر وقتها يجبرك على الجواز منه.
شردت بقلب مهموم فحتى ندمه لم يكن حقيقي، لم أنت يا أبي نقطتي السوداء بحياتي، عذابي الذي لن يمنحني السعادة والهناء وأنت بها.
صمتت بوجوم فهو بالفعل يبيعها لأجل نفسه ومصلحته كما فعل بالماضي. شعر "معتصم" بحزنها العميق فهو بالنهاية والدها، ليزفر متمالكًا انفعاله يجبر نفسه على الهدوء مردفًا بنبرة يشوبها بعض اللين والحنو.
- ممكن متفكريش في الموضوع ده، أهو أنا عشان كده مرضتش أقولك.
رفعت هامتها بشموخ تدعي عدم تأثرها وأنها تتعامل بحيادية وعملية دون الاكتراث لأنه والدها.
- لأ طبعًا، كنت قولي، عادي جدًا ده شغل والمصلحة عايزة كده.
أخذ يتقدم نحوها بهدوء بعد أن انتبه لأنها معه أخيرًا ودون أن يقاطعهما أحد، تناسى أمر العمل منفصلًا تمامًا عن الواقع ليهيم بتلك الناعسة الشرسة التي امتلكت قلبه.
تقدُمه نحوها بهذا الشكل الوله جعلها تضطرب بقوة لتتراجع بهدوء دون إظهار توترها الذي حل بها بحضوره حتى كادت تصل لمقبض باب المكتب لتديره استعدادًا للتهرب منه لكنه باغتها بوضع كفه بقوة ليعيد إغلاق الباب مرة أخرى ليصبح على مقربة منها بصورة أرجفته قبل أن ترجفها.
لكن قُربه منها إلى هذا الحد جن جنونه حتى تناسى وجوده بالعمل، تناسى قوته وشراسته وأفكاره، كل شيء انمحى تمامًا ولم يعد يهتم إلا بقربها ووجودها هنا معه.
اتسعت عسليتاها الناعستان وهي تطالعه بتخوف أخفته خلف قوة واهية وهي تبتلع ريقها القلق.
- مالك؟؟ ما تظبط كده!!!!
زاغت قاتمتيه بهيام مجيبًا إياها.
- أظبط إيه!!! هو أنا جنبك عارف أنا مين!!!
رغم عدم وجود مساحة كافية إلى جانبها إلا أنها تزحزحت قليلًا قائلة.
- لو سمحت، متخلنيش أزعلك.
رفع حاجباه بتحدي.
- زعليني، أنا عايزك تزعليني.
- متفتكرش إنك قادر عليا، ده أنا مهما كنت "عهد مسعود".
مال تجاه أذنها ليهمس بصوته الشجي حتى شعرت بأن قدمها لا تطأ الأرض.
- قصدك "عهد قلبي".
رفعت سبابتها محذرة إياه فطريقته الناعمة تلك زائدة عن الحد.
- بقولك إيه، أنا مش بتاعة النحنحة والكلام ده.
التف بوجهه بمقابلة وجهها تمامًا ليتابع رد فعلها المضطرب بسعادة كمن أمسك بفريسته داخل المصيدة.
- أمال بتاعة إيه!!!
تهدجت أنفاسها بقوة حتى شعرت بتعاظم نبضات قلبها المتسارعة فكم هو وسيم ساحر، حتى هي لا تستطيع الثبات بوجوده، لقد وقعت بالفخ وسقطت ببحور عشق هذا المراوغ.
غلبها بالفعل حتى أوشكت على رفع راية الاستسلام وهي تناظر عيناه التي اخترقت بنظراتها المثبتة بعينيها حتى وصلت لداخل أعماق قلبها.
لملمت شفتيها بارتجاف فقد حاصرها وتلاشت له قوتها بينما فاه هو بها، سحرته دون حديث بل ترك العنان لعينيهما يموجان ببحور العشق بحديث يخصهما وحدهم.
لن أجاهد وأعاند، لن أتيبس وأرفض، لأعلنها صراحة (أحبه)، حتى هو الذي بدأ قربه كتحدي وفرض قوة وسيطرة، أصبح ضعيف مستسلم أمام عينيها وقلبها.
لحظات مسروقة من الخيال ليهيما محلقين بسماء عشقهما هما فقط، فهي بالفعل لا تقارن ولا تشبه غيرها إنها مثال للتفرد لها حق الغرور والتباهي فهي ليست مثلهن.
طرقات خفيفة دقت بباب المكتب لتشعرهما بنهاية تلك الوصلة الرائعة التي لم يودا أن تنتهي. رغم استفاقتهم من غياهب بحور العشق إلا أن هناك نظرة بقيت بعينيهما لا تريد إنهاء تلك الحالة، لكن معاودة الطرقات جعلت عيناه تتساءل بشوق [متى سيكون الوصال فقد أنهكت من الهوى].
تلقت "عهد" تلك الرسالة بقلب يحلق بسعادة رغم محاولتها الفاشلة للعودة لجمودها وخشونتها.
ابتعد "معتصم" لخطوات قبل أن يفتح الباب متعجبًا مما يراه أمامه.
لحظات صامتة كانت تنتظر بهما "عهد" أن تستمع لصوت أحد زملائها بالجهاز لكنها انتفضت فزعة وتحلى قلبها بغضب وإحساس آخر جعلها تنقبض بضيق حين سمعت صوت أنثوي لطيف يستطرد حديثه الموجه لـ"معتصم".
- "معتصم" باشا، أنا "عائشة علي".
رواية ظننتك قلبي الجزء الثاني الفصل السادس 6 - بقلم قوت القلوب
يُقال أن ليست كل المكاسب في المعارك هي رِبحها، فأحيانًا يكون المكسب أن تدرك من هو عدوك، فليس كل متصنع الود حبيب، وليس كل قاسٍ عدو.
فلا تقيس مقدار محبة الآخرين بكلمات منمقة وحديث مُحب، فهناك من هم حديثهم شيء وحقيقتهم شيء آخر، ولعل أكثر كاشف للكذب هي الأيام، فأترك لها كل شيء، فهي كفيلة بذلك.
❈-❈-❈
مقر المخابرات العامة (الجهاز) ....
أليس هذا ما كان منذ لحظات يحلق بهيام بتلك المتوحشة؟ أليس هو من كاد يفرغ صبره وهو يناظر ملامحها التى عشق تفاصيلها بداخل قلبه قبل عينيه؟ كيف تحول لهذا المتبلد الغامض بلحظة حين قام بفتح الباب؟
تَحولَهُ لهذا الجمود كان أمر يستحق الإنبهار من تلك الواقفة جانبًا تطالعه كيف تحول لمهنية جادة بلحظة واحدة.
نظرت "عهد" تجاه "معتصم" بإنبهار شديد، سرعان ما تحول لجمود كما فعل تمامًا، لتستكمل تفحصها لتلك الواقفة بباب المكتب.
فتاة قمحية جذابة ترتدي ملابس عملية للغاية من بنطال أسود وكنزة سماوية وسترتة باللون الأزرق القاتم، أعطاها مظهر منمق ملفت للنظر، لكن ما لفت إنتباه "عهد" هو تلك الإبتسامة التى علت ثغرها أثناء حديثها مع "معتصم"، إبتسامة لا تمر بملامحها مطلقًا لتكسب تلك الفتاة أمر مميز مختلف عنها تمامًا.
شعرت "عائشة" بإبتهاج حقيقي لوقوفها أمام ضابط قوي أسطوري بهذا الشكل، لتستكمل حديثها بطريقة عملية لكنها كانت تميل لبعض النعومة، فمن يدنو من هذا الـ"معتصم" ولا يود إقتحام حصونه.
- أنا جيت لحضرتك عشان لو كنت محتاج فرد في المجموعة مكان الضابط "طه".
إيمائة متكلفة ورمشة بجفنيه فقط كانت إجابته بالتفهم دون حتى النطق بكلمة إيجاب، تلك الطريقة الواثقة بغموض تزيد من تلك الهالة التى تحيط به لترضخ له القلوب دون عناء.
ضحكة قصيرة نبعت من تلك الجذابة فقد أطاح بثباتها أمام شموخه اللامبالي، لتستطرد "عائشة" وقد فاهت به على الفور.
- أنا مستعدة عشان نبدأ في، ااا، في الشغل مع حضرتك يا قائد.
هذا الإضطراب المبالغ فيه لم يكن له سوى معنى واحد فقط، لقد وقعت بشباكه على الفور، إعجاب جديد لم يكترث له "معتصم" لكنه أشعل بداخل "عهد" نيران غريبة لإحساسها المُثار دون إدراك سبب لهذا الغضب الجارح الذى إحتل نفسها بمجرد رؤية تلك الفتاة.
لم تدرك أن هذا هو شعور الغيرة، فلا يغار إلا من يحب، هذا الإحساس الذى تنكره بداخل نفسها وتتنكر من الإعتراف به.
وجدت نفسها تهتف بعدائية شديدة أثارت إندهاش "معتصم" قبل "عائشة".
- وهو حد قالك عايزين حد زيادة؟ حد طلب منك تتحشري في إللي ملكيش فيه؟!!!!
بسمة خفية علقت بداخل "معتصم" وهو يحدق بـ"عهد" التى أخذت تهاجم ولا تبالي، ليس هناك سبب يدعوها لهذا الإنفعال إلا أمر وحيد، إنها غارت، فعلى الرغم من أنه كان سيرفض وجود "عائشة" معه بالفريق إلا أن رؤية "عهد" تعود لتلك الشراسة وسعادته بغيرتها عليه جعله يعيد تفكير بالأمر ليعود ببصره تجاه "عائشة" ليجيبها بما يزيد حنق "عهد" على تلك الفتاة.
- تمام يا حضرة الضابط، فيه إجتماع كمان ساعتين في مكتبي، مش عاوز تأخير ولا تراخي في الشغل وإلا إعتبري نفسك بره المجموعة دي.
تملك "عائشة" الحماس لتردف على الفور.
- أكيد يا فندم، أكيد، حكون موجودة في المعاد، بعد إذنك يا فندم.
تحركت نحو الممر مبتعدة فيما كانت "عهد" تحدجه بنظرات مشتعلة شرسة للغاية، لولا عنادها لكانت إنقضت عليه توبخه على موافقته لمشاركة تلك الفتاة العمل معهم لكنها آثرت الصمت عن الإعتراف بغيرتها بل الإعتراف الصريح بعشقها له.
عيونها المؤنبة له، جسدها المنتفض، غيظها المكتوم، كلها إشارات جعلته يشعر بالإنتشاء والسعادة، ليتها تدرك أنها لا تقارن بأخرى وأنه لم ولن يهتم بسواها، فهي فقط من إحتلت قلبه وأخرجت مكنوناته العاشقة لها، فمن قبلها وبعدها لن تهز أى إمرأة سواها كيانه، ولن يكون هذا العاشق الذى يتخلى عن رزانته وقوته إلا لأجلها، لقد قامت بما لم تستطع عليه كل بنات حواء، ليتها تدرك أنه لا مثيل لها.
بمشاكسته التى إفتقدها منذ عودتهم من سويسرا.
- إهدي كدة، إيه بوتاجاز؟ ما تسيبي البنت تشتغل.
يكاد يجزم أن بتلك اللحظة كادت تكيل له إحدى اللكمات لتخرسه تمامًا، لكنها تمالكت غضبها لتصك على أسنانها بغضب.
- تشتغل!!!! وهو يعني مفيش غير البنت دي تشتغل؟ من قلة الضباط هنا!!! (ثم إستطردت لا تتحمل غيرتها لتذكره بـ"كاتينا" وميوعتها المغثية للنفس). ولا إنت وَحَشك الدلع الماسخ يا "ماوصي"!!!!!
لم يتمالك "معتصم" ضحكته ليطلق قهقهة عالية للغاية، فلم يكن يدرك أن لغيرتها شعور لذيذ رائع بداخله، فقد أعجبه هذا الشعور بأنها تهتم له وتكاد تميز غضبًا من شدة إشتعال الأمر بداخل قلبها، عقب "معتصم" بإبتسامته الساحرة بعدما تمالك ضحكته القوية.
- ده إنتِ طلعتي قلبك إسود أوي.
إكتفت بأن عقدت أنفها بصورة ساخرة متهكمة من تعليقه على غضبها وهي تحاول التماسك حتى لا تزيد من الأمر بِلة وتُخرج كل مشاعرها الثائرة بغيرتها من تلك الفتاة.
مال نحوها بهمس بشجي.
- أنا عندي مقابلة مع "عمر"، أشوفك كمان ساعتين يا "متوحشة".
شعرت بأنه يتهكم عليها، وربما يراها خشنة جافة ليست مثل تلك الفتاة اللينة أو "كاتينا" من قبل، لتردف بعدائية مُحببة لنفسه.
- أنا "متوحشة" يا "رخم".
ضحك "معتصم" لإثارة حنقها ليردف وهو يستدير للمغادرة.
- بحبك برضه يا أم لسان طويل.
رغم تحركه نحو خارج المقر إلا أنها إبتسمت بخفة بعد إبتعاده فقد أرضى غرورها بكلماته الأخيرة، لكنها مازالت تشعر بالحنق من إقحام "عائشة" معهم بالمجموعة لتظن أنه ربما أراد قُربها لتشتعل غيرتها وتزداد حدة رغم ذلك لتعود بخطواتها المنفعلة نحو مكتبها تنتظر موعد الإجتماع القادم.
❈-❈-❈
فيلا الأيوبي ....
فور عودتهم أسرعت "شجن" تشير للطبيب بغرفة "أيوب" بوجه قلق، هذا القلق الذى لم يستطع "رحيم" فهمه.
طرقت "شجن" باب الغرفة.
- عم "أيوب"، أنا جبت الدكتور.
دلف الطبيب من خلف "شجن" بعبارته المعتادة.
- ألف سلامة يا حاج، خير إن شاء الله.
إعتدل "أيوب" قليلًا بينما ساعدته "شجن" وهي تصف للطبيب شكواه.
- عم "أيوب" بقاله فترة بياخد علاج الكلى، بس من يومين المغص بيزيد ومش بيروح ولا بالعلاج ولا بالمسكن.
تفهم الطبيب الأمر موجههًا سؤاله نحو "أيوب".
- بتشتكي من حاجة تانية يا حاج؟!!
ببساطة متناهية أجابه "أيوب".
- والله يا إبني الواحد مش عارف يقولك إيه ولا إيه!! الحمد لله على كل حال.
- ونعم بالله يا حاج، بس برضه ربنا خلق الطب والدوا، لازم ناخد بالأسباب.
نظر الطبيب تجاه "شجن" قائلًا.
- ممكن كوباية مياه لو سمحتِ.
أومأت "شجن" بخفة قبل أن تتركهم متفهمة قصد الطبيب بإعطائهم مساحة من الحرية لسؤاله، ليبدأ الطبيب بفحص "أيوب" متفهمًا منه ما يشعر به بدقة.
خرجت "شجن" بتوتر حين قابلت "رحيم" الذى سألها بريبة.
- إنتِ قلقانة أوي كدة ليه عليه، مش غريبة شوية؟ إنتِ لسه جاية من كام يوم كممرضة يعني؟!!
تلك المرة لم تتركه لظنونه لتجيب تساؤله المرتاب بها.
- أنا أعرف عم "أيوب" من قبل كدة، هو بيفكرني ببابا الله يرحمه أوي، كمان ساعدني في شدتي، يبقى إيه!!! مش أقل حاجة أقلق عليه، ده راجل وحداني ولا عيلة ولا أولاد.
صمت "رحيم" لوهلة قبل أن يسأل بشك.
- إزاي ده؟ هو فيه حد لا له عيلة ولا ولاد!!! ده أنا حتى سمعت إنه كان متجوز ثلاثة..!!!!
قضبت حاجبيها بإندهاش لتتسائل بإرتياب به تلك المرة.
- وإنت عرفت منين؟!!
زاغت عينا "رحيم" قليلًا ليجيب بإضطراب، فهو ليس من ذوات الثبات الإنفعالي، فهو يرتبك من أبسط الأمور.
- "أم محمد" حكت لي، وبعدين هنا الناس كلها عارفة بعض.
أومأت بشك تلك المرة، لكنها أسرعت تلبي نداء الطبيب الذى خرج للتو من غرفة "أيوب" ليلحق بها "رحيم" ليطمئن عليه أيضًا.
- خير يا دكتور.
إمتعض الطبيب قليلًا قبل أن يستطرد حديثه.
- الصراحة مخبيش عليكم، الحاج لازم يعمل تحاليل وأشعة بأسرع وقت لأن أنا شاكك إنه عنده فشل كلوي وفيه مشاكل فى الرئة برضه.
صدمة حزينة بقلوب كلاهما، ليسأله "رحيم" بتخوف.
- يعني إيه؟؟؟ ممكن يتعب أكتر؟!!
- إحتمال كبير، الحاج وضعه الصحي مش مستقر خالص، أنا إديته حقنة مسكنة قوية حيبدأ مفعولها على طول وحيرتاح شوية.
تطلع "رحيم" بغرفة "أيوب" لبعض الوقت بينما تهدلت ملامحة بتعاسة واضحة، عقبت "شجن" بعملية.
- قول لنا بس نعمل إيه وإحنا حنتصرف، إحنا زي ولاده.
تطلع بها "رحيم" بدهشة لكنه إلتزم الصمت، لا يدري لم يظن بها ظن آخر وأنها هنا لغرض ما.
أكمل الطبيب توجيهاته وتوصياته قبل أن يرحل، وقبل أن يدلفا لغرفة "أيوب" أوقفت "شجن" لهذا القلق متسائلة بتوجس.
- غريبة!!! مش إنت إللي كنت بتقولي متأثرة ليه ده إنتِ لسه عارفاه، إنت إيه حكايتك بالضبط؟!!!
أجابها "رحيم" بقلب حزين ظهر جليًا على ملامحه.
- صِعِب عليا لما قولتي معندوش ولاد، أنا إفتكرت إن ولاده مسافرين مثلًا أو أي حاجة.
أخفت "شجن" إبتسامتها، فيبدو أن هذا الشاب ضعيف القلب لا يتحمل الظروف القاسية، يبدو أنه إسم على مسمى (رحيم).
دلفا لغرفة "أيوب" يتضاحكان ويخففان عنه بعض الألم حتى يبدأ المسكن بالتأثير ليرتاح قليلًا.
❈-❈-❈
مكتب "عهد" ....
صدق من قال مُرة كالقهوة لا يتحملني إلا من يحبني، سأظل متنافرة غير راضخة، لن أعترف بالعشق ولن أترك قلبك، فحنيني لك سرًا وجمودي جهرًا بين عيني وعينيك.
عادت "عهد" لمكتبها منفعلة ثائرة لكن قلبها ينتفض من فرط سعادته، كم كانت مزيج متفرد لكيانين متناقضين.
جلست لبعض الوقت بهدوء قبل أن تناظر ساعة يدها، فمازال هناك وقت طويل حتى يحين موعد الإجتماع، قررت الإتصال بخالتها "زكيه" فلها فترة من الوقت لم تتصل بها.
سمعت صوت الإتصال لكن لا مجيب، لتعاود مرة أخرى فربما خالتها مشغولة بأمر ما، وبعد فترة من الرنين لم يجيبها الصوت المنتظر، بل كانت "نغم" هي من أجابتها.
- ألو، إزيك يا "عهد".
توجست "عهد" أن تكون خالتها متعبة أو مريضة لتباشر سؤالها.
- كويسة، خالتي فين، تعبانة ولا إيه؟!!
ربما كانت تلك الرقيقة تنتظر سؤالها لتجيب بنشيج متأثر.
- ماما في مصيبة يا "عهد"، ماما قبضوا عليها في القسم محبوسة.
إنتفضت "عهد" واقفة بقوة غير مصدقة لما تسمعه أذنيها.
- إيه!!! بتقولي إيه؟!! إمتى ده و ليه؟!!
أجابتها "نغم" بصوت مختنق.
- السبت إللي فات، راحت تدفع فلوس كانت مستلفاها من واحدة جارتنا في الشارع هنا، راحت لقيتها مقتولة وإتهموها إن هي إللي قتلتها وقبضوا عليها.
ضاق تنفس "عهد" فخالتها هي من بقيت لها من كلمة عائلة، ليس لديها سواها، فكيف إبتعدت إلى هذا الحد حتى يمر أسبوعًا كاملًا لا تدري به عن خالتها ومُصابها، أردفت "عهد" تلوم "نغم" بحدة.
- وإنتِ إزاي مقولتيليش حاجة زي كدة، ولا حتى "شجن"؟ معقول ده؟!!
سحبت "نغم" نفسًا متهدجًا لتبرير إخفائها للأمر.
- كنت فاكره إنهم حيعرفوا على طول ويسيبوها، و"شجن" زعلانة مننا عشان أنا إتجوزت "مأمون" إبن عمي وسابت لنا البيت ومشيت ومعرفش راحت فين.
لو كانت تتعمد إثارة أعصابها بالفعل؛ ما كانت لتخبرها بهذا الشكل مطلقًا، لتنفعل "عهد" بغضب شديد.
- إستنى إستنى، هو إيه العَك ده!!! يعني إيه تتجوزي إبن "صباح"، ويعني إيه أختك تسيب البيت!!!! إنتوا جرالكم إيه؟!! وإنتِ ليه تتجوزي الجوازة السودا دي!!! ناقصة عك وقرف!!!
قلبت "نغم" شفتيها بإستياء، فلا أحد يُقدِّر عشقها ورغبتها.
- ماله "مأمون" كلكم عليه ليه؟!! ده حاجة تانية خالص، بلاش تظلموه، وبعدين إحنا في إيه ولا في إيه يا "عهد"!!!!
دفعت "عهد" أحد الأقلام أرضًا تنفث عن غضبها من تلك الفتاة السطحية.
- هو إنتوا كلكم خيبة كدة، مفيش واحدة جامدة ولا قوية، تسلم دماغها "شجن" ليها حق تطفش وتسيب الخيابة دي، بس راحت فين؟!!
- منعرفش!!
أغمضت "عهد" عيناها للحظات تحاول تمالك أعصابها الثائرة من تلك الفتاة حتى لا تنفعل عليها لتردف بخشونة.
- طيب يا أختي، أنا حروح لخالتي القسم أشوف الحكاية إيه، وبعد كدة أول بأول تبلغيني، مش أبقى زي الأطرش في الزفة وآخر من يعلم!!!!!
- حاضر.
أنهت "عهد" مكالمتها لتغادر مكتبها متجهة نحو قسم الشرطة لزيارة خالتها ومعرفة ما حدث حتى تحاول مساعدتها.
❈-❈-❈
بيت النجار (شقة زكيه) ....
بعد أن أنهت "نغم" مكالمتها مع "عهد" زادها الأمر ضيقًا وهي تناظر الجدران التى إزدادت بشاعة لوحدتها الآن، لم تجد سوى الشُرفة لتخرج إليها تناظر المارة هنا وهناك، فربما يمر ساكن قلبها بعد قليل، أيمكن أن يكون إنتظارها وحده غاية لها.
لكنها لم ترى من كانت تتمنى، بل وجدت عيونًا أخرى تحمل لها عِتاب أكبر، عِتاب مخفي برسائل لم تنطق، عيون متألمة كمن غدرت به، لكنه حديث القلب، لم يكن بيدها، إنها تُحب.
وقف "بحر" يطالع "نغم" بعيون متحسرة، كم إشتاق إليها ولوجودها وضحكتها الناعمة، لؤلؤة قلبه الخائن الذى لم يعرف الراحة منذ وقعت عيناه عليها، تنهد بتحسر، لكن مازال هناك بريق أمل بأن يجد له "شوقي" حل يُبعد "مأمون" بشكل نهائي عن "نغم"، يتمنى أن يزيح تلك الغُمة عن حياته و"مأمون" عن طريقه.
تقدم "بحر" بضع خطوات كادت أن تخرج كلمات التلهف والإشتياق بشفتيه قبل أن يفاجئ بوجه شرس يطالعه بحقارة ليهتف به بإشمئزاز.
- إنت مش ناوي تجيبها لبر بقى!!!!!
أرخى "بحر" عيناه تجاه "مأمون" الذى إعترض طريقه ليرفع من رأسه بشموخ قبل أن يطالعه بتقزز.
- لأ يا "مأمون"، عشان عارف إنك مش سالك، ووراك كل المصايب مهما حاولت تقنعني إنك راجل مظبوط، وبتحب "نغم"، إنت مبتحبش غير نفسك وبس، عشان كدة بقولها لك بالذوق، إبعد عنها بالرضا، أحسن ما تبعد عنها غصب عنك.
ضحك "مأمون" ساخرًا يطالع ضعفه وقلة حيلته.
- بس يا بابا، شوف إنت بتكلم مين!!! ها، أحسن لك إنت خليك بعيد عن طريق "نغم" (ثم أكمل يُشعره بتغلبه عليه). مراتي...
مجرد سماعه للكلمة لم يتمالك "بحر" نفسه ليلكمه بقوة مباغتة سقط إثرها "مأمون" أرضًا وقد سال خيط من الدماء بجانب شفتيه، مسحها "مأمون" بأطراف أصابعه لينهض بغيظ يحاول رد اللكمة بأخرى، فلن يقلل منه هذا اللين صاحب المكتبة.
لكنه حين رفع قبضته منعها "بحر" من أن تطاله ليتواجه كلاهما بنظراتهما الشرسة يَكِنُّ بها كل منهما حقد دفين للآخر لتنتهي تلك المواجهة بضربات متتالية لكلاهما، فلن يعلن أحدهما الخضوع والإنهزام.
إلتف المارة حولهم يحاولون الحول بين كلاهما ليتمكن الإنفعال بقلوبهم ونفسهم المشحونة، لم تتوقف إلا بعد صراخ "نغم" بهم.
- كفاية بقى، أنا معدتش قادرة أستحمل، متزودوهاش عليا، خلاص يا "مأمون" عشان خاطري (كلمة أرجفت قلب "بحر" لترجيها له وإختيارها له مرارًا، ثم أكملت تناظر "بحر" بتأثر). كفاية كدة وإبعد عن طريقي، أنا تعبت.
لملم "بحر" إنفعاله ليردف بتحذير.
- أنا حبعد، بس والله لو أذاكِ في أي حاجة ما حرحمة أبًدا (قالها وهو يحدج "مأمون" بقوة ثم أهدل عيناه تجاه "نغم" قائلًا بنبرته العاشقة المحتضرة). أنا موجود في أى وقت تحتاجيني فيه، متسمحيش لأي حد ييجي عليكِ أبدًا، وعمومًا أنا حبعد بس لو عوزتيني، حتلاقيني يا "نغم".
نبرته الحزينة اليائسة جعلت قلبها يتألم بشدة لتتعلق سوداوتيها به أثناء رحيله، رحل وإنتزع شيء ما بداخلها لا تدري ما هو، لم تكن تظن أن غيابه سيؤثر بها لهذا الحد.
إنتبهت على صوت "مأمون" مرددًا بنبرة غاضبة.
- المركب إللي تودي، يا ستار، بني آدم غتت.
نكست "نغم" عيناها بحيرة لتلملم حزنها معاودة لشقتهم مرة أخرى، فيما أخذت "راويه" تتابع هذه المشادة من بدايتها بشرفة شقتهم قبل أن تشاركها والدتها "صباح" أيضًا التى كانت تطالع كلاهما بإستهزاء وهي تتمتم.
- مش عارفه بيتخانقوا عليها الإتنين ليه!!! هو إللي خلقها مخلقش غيرها.
زفرت "راويه" بقوة، فمتى سيكون لها قلب مُحب يتمناها كما يتمنى كلاهما "نغم".
❈-❈-❈
عبرت "حنين" الطريق بعد أن لاقت بغض "محمود" لها، شعرت بمعني كلمة منبوذة، تلك الكلمة التى كانت تتمناها لـ"راويه" وبنات "زكيه"، كانت تتشمت دومًا بهن وببقائهن بدون زواج تمامًا كالمنبوذين، فاليوم يحق الحق وتدفع الفواتير.
غُمت عيناها دموع مقهورة، فمن أحبته كرهها ومن يحبها تكرهه، لكن عليها العودة لبيتها وإخفاء إنكسارها فلن يشمت بها أحد.
رفعت وجهها تعدل من وضع وشاحها المتطاير فوق رأسها لتضغط فوق عينيها بقوة تتأكد مما رأته عينيها لتهمس بشك.
- هو ده "فريد"....؟؟!!
أسرعت بخطواتها لتلحق بهذا المتعجل أمامها كما لو كان يخفي نفسه منها لكي تتحقق إن كان هو بالفعل زوجها أم لا.
أخذ يتحرك بعشوائية يزيغ وسط الزحام حتى وجدت نفسها بحيِّهم، فإضطرت لتهدئة خطواتها بينما ساورها الشك بأن "فريد" كان يلحق بها.
دلت لداخل البيت تنظر بين أرجائه لكن "فريد" لم يكن هنا، خلعت وشاحها لتلقيه على حافة المقعد قبل أن تجلس بأعين متفكرة وذهن مشتت.
-(يكون "فريد" شافني وأنا خارجة من بين "حودة"، ولا يكون معدي بالصدفة؟!!!! ولا يمكن مش هو أصلًا).
ثم أخذت تستنكر أفكارها.
-(لأ لأ لأ، مش هو إزاي، هو الجاكيت بتاعه هو أنا حتوه عنه).
إتسعت حدقتيها بإرتعاب مستكملة إدراكها للأمر.
-(يا حوستي!!! ده لو عرف حيعمل فيا إيه؟؟! ده غبي ومخه واقف مبيفهمش، ده ممكن يموتني فيها).
إنتفضت من جلستها تدور حول نفسها وهي تلطم خديها بهلع.
- يا لهوي، يا لهوي، روحتي في شربة ميه يا "حنين"، طب والعمل، أعمل إيه!!!!
أومأت برأسها عدة مرات لتلك الفكرة التى نبتت برأسها.
- أيوه، هو كدة، لازم أخلص منه قبل ما يخلص عليا، لازم...
رفعت هاتفها تتحدث لـ"حامد" فهو منجدها الوحيد.
- ألو، أيوه يا "حامد"، بقولك إيه، إسمعني بس.
- خير يا "حنين" ما بالراحة.
بأنفاس متلاحقة أكملت بعجالة.
- قولي بس، إنت شحنت حاجات بإسم حمايا ولا لسه؟!!
تملل "حامد" من تكرار اسئلتها ليردف بتذمر.
- لسه لسه، جرى إيه يا "حنين" هو بالساهل كدة، الأمور دي بتتعمل بالراحة عشان نأمن نفسنا.
دبت قدمها بالأرض بتذمر وهي تنهي المكالمة.
- أوووف، طيب، طيب، سلام.
وضعت كفها فوق فمها للحظات لتبدأ بقضم شفاهها بتوتر قائله.
- كدة مش حينفع أبلغ عنه، أعمل إيه دلوقتِ؟
لمعت عيناها الماكرتين بوميض غادر، فليس أمامها سوى التخلص منه قبل أن يفكر بأذيتها، فهو إن كان يراقبها بالفعل لن تأمن على نفسها معه بعد الآن، أو ربما تستطيع السيطرة عليه كما كانت تفعل دائمًا، فهو ضعيف للغاية أمامها.
❈-❈-❈
قسم الشرطة.
إستقطعت "عهد" وقت ضروري لزيارة "زكيه" بمحبسها وتمد لها يد المساعدة، أسرعت "عهد" لقسم الشرطة وطلبت على الفور من الضابط المختص بزيارة عاجلة لخالتها.
حضرت "زكيه" بأعصاب تالفة لتقابل "عهد" التى هرعت لتشكو لها مصابها.
- شوفتي يا "عهد" إللي حصل لخالتك....!!!
طلبت منها "عهد" الجلوس للإستفهام منها عما حدث.
- تعالي إحكي لي إيه الحكاية بالضبط.
قصت "زكيه" الأمر على "عهد" بأدق التفاصيل، فقد كررت قصتها لعدة مرات بالإستجواب الخاص بها من ضابط لآخر، حتى أخبرتها قرار تجديد حبسها حتى موعد المحاكمة.
حاولت "عهد" المساعدة بقدر إستطاعتها حين حاولت فهم موقف خالتها بهذا الإتهام حين أخبرها الضابط.
- حقيقي يا حضرة الضابط خالتك وضعها صعب جدًا، لأنها إتقبض عليها في الشقة جنب القتيلة وفي نفس التوقيت تقريبًا، ده غير إن وصلنا بلاغ بإعتداء على الست "خيرية" وطلبها للنجدة، وكمان وجدنا معاها فلوس وفي نفس الوقت الست "خيرية" إتسرقت، للأسف مفيش دليل واضح على كلام الست "زكيه" خالص.
تفكرت "عهد" لبعض الوقت وهي تحاول تحليل الأمر بحسها المخابراتي.
- طيب يا فندم لو هي سرقت فعلًا فين بقية الفلوس والدهب إللي بتقول إنها سرقتهم، وبرضه مين ده إللي بلغ، مكتبش إسمه ليه في البلاغ.
إمتعض وجه الضابط موضحًا.
- كل إللي إنتِ بتقولي عليه ده فكرنا فيه، لكن للأسف خالتك معندهاش أي دليل أو حجة عكس الكلام ده.
بضيق شديد إضطرت "عهد" على مضض تقبل الأمر مع التوصية بحسن معاملتها حتى تجد مخرج من تلك الورطة التى لا مهرب منها حتى الآن.
❈-❈-❈
إنها لوحة فنية، لا تعد مجرد أنثى، لو رآها الجميع بمقلتي لصار الشعراء بالصفوف ترسو.
تسلطت عينا "رشيد" بتلك المتوهجة التى مرت للتو من أمام المطعم لينتفض نحو الخارج يتابع توجهها لبيت أختها.
قضم فوق شفته السفلى بإشتياق، فبينه وبينها مجرد خطوات، ومضت عيناه ببريق متحمس، فها هي "غدير" قد أتت بنفسها إلى هنا مجددًا.
وقف بناصية الطريق يحدق بقوة تجاه "غدير" التى دلفت للبيت الأخير للتو ليخرج هاتفه لبدء أمر شغل فِكره منذ لقائهما الأخير.
صعدت "غدير" نحو شقتهم القديمة لتقف أمام الباب منكسة رأسها تبحث بداخل حقيبتها الصفراء عن مفتاح الشقة.
دبت الأرض بقدمها متذمرة كالأطفال وهي تصطنع البكاء من غبائها المتكرر.
- لأ بقى، نسيت المفتاح في الشنطة السوداء، والست "مودة" لسه مجاتش، أعمل إيه دلوقتِ يا ربي....!!!
أخرجت هاتفها من الحقيبة لتتصل بـ"مودة" تحثها على القدوم سريعًا بلا تلكؤ، لكن يبدو أن الحظ لم يحالفها بهذا الأمر أيضًا، فعندما نظرت بشاشته وجدت أن الهاتف قد نفذ شحن بطاريته لتتذمر مرة أخرى.
- لأ بقى كدة كتير أوي.
زمت شفتيها بإستياء لتضطر لأن تذهب لمركز الإتصالات (السنترال) بالأسفل للإتصال بـ"مودة".
هبطت الدرج مرة أخرى لتعود بخطواتها المبتهجة نحو (السنترال) لتدلف للداخل بحيوية و إبتسامة عريضة.
- مساؤوووو، إزيك ياض يا كرمله.
تطلع بها فتي لم يتجاوز السابعة عشر ببسمة وتحية لطيفة.
- أبلة "غدير"، يا أهلًا يا أهلًا.
نظرت نحو أحد الهواتف قائله بحركة من حاجبيها.
- عايزة أتكلم في التليفون يا "كيمو".
مد "كريم" يده بأحد الهواتف بدون تردد.
- إتفضلي طبعًا يا أبلة.
سحبت "غدير" الهاتف من بين أصابعه لتدق رقم الهاتف الخاص بأختها والتى لم تتأخر بإجابتها.
- إنتِ حتتأخري ولا إيه!!! أنا نسيت المفتاح.
ضحكت "مودة" ساخرة من عشوائية أختها، فهذا موقف متكرر للغاية قد إعتادت عليه.
- طيب خدي المفتاح الإحتياطي، أنا مخبياه تحت الزرعة الكبيرة إللي على السلم.
حركت "غدير" رأسها بتفهم وإعجاب بذكاء أختها.
- أروبة يا بت يا "دودااا"، ماشي، متتأخريش بقى.
- حاضر، جاية على طول أهو.
أنهت "غدير" إتصالها لتخرج من (السنترال)، لكنها فوجئت بعد تحركها ببضع خطوات بماء ينهمر فوق رأسها، والمفجع أنه لم يكن ماء نظيف مطلقًا.
تشنجت أطرافها بتقزز وهي تناظر حالها المبلل وفستانها المتسخ وشعرها الملطخ لتهتف بإنفعال.
- يعع، إيه ده!!!! مش تحاسبوا.
لم تكترث بتلك الكلمات المعتذرة لتسرع نحو شقة أختها لتتدارك هذا الأمر، فلن تبقى بهذا الشكل حتى لا تصيبها نوبة تنفسية أخرى، فعليها تبديل ملابسها المبتلة وتنظيف نفسها من أثر تلك المياه الغير نظيفة.
شعرت "غدير" بحرج بالغ حتى أنها تعجلت بخطواتها بشكل ملحوظ لتصعد نحو الشقة تختبئ عن تلك العيون التى تحملق بها وهي بهذا الشكل، لم تنتبه لهذه العيون الزرقاء التي تناظرها بحدة كادت تخترقها.
فور إختفاء "غدير" عن أعين المحدقين بها وتحركهم نحو وجهتهم، رفع "رشيد" هامته يطالع المارة هنا وهناك بأعين ماكرة وهو يتراجع لخطوات دون أن يلاحظه أحد.
❈-❈-❈
بيت المستشار خالد دويدار (شقة عيسى) ....
وصل "عيسى" للتو بنفس مختنقة، فضياع تلك الأوراق الهامة سيجعله موقفه وموقف موكله بغاية السوء، دلف لداخل الشقة دون البحث عن منبع الحياة الخاص به بل ألقى بنفسه فوق أحد المقاعد يزفر بقوة ينفث به ضيق حاله وشتات أفكاره.
أغمض عيناه لوهلة وهو يعيد رأسه للخلف كمحاولة فاشلة بالحصول على بعض السكينة و الراحة حتى سمع بعض التنبيهات الواردة بوصول رسائل له، فتح عيناه بإنتباه لهاتفه وهو يقرأ فحوى تلك الرسائل.
للحظة نظر تجاه تلك الكلمات المخطوطة بأعين متوهجة ليعتدل بجلسته يعيد قرائتها مرة أخرى بتمعن يحاول إستيعاب ما لا يمكن لعقله قبوله.
رسائل متتالية كتب بها.
[ ورق القضية مضاعش منك، الورق إتسرق، وإللي أخدته كسبت كتير أوى من وراه، لو مش مصدق، دور في شُنط مراتك وإنت تفهم، "غدير" مراتك باعتك وقبضت التمن وإتأكد بنفسك، فاعل خير]
لم تكن تلك أبدًا أفعال فاعل خير، بل وساوس شيطانية جعلت "عيسى" يشعر بإنفعال من صاحب الرسائل، لم يكن ظنه بـ"غدير" فهي حبيبته ولن تكون مطلقًا موضع شك.
رفع هاتفه يحاول الإتصال بهذا الرقم الذي أرسل له تلك الرسائل لكن بالطبع الهاتف مغلق.
دارت عيناه المضطربتان للحظات قبل أن يحاول الإتصال بـ"غدير" ليجد أن هاتفها مغلق أيضًا، إضطر بالإتصال على "موده" فهي بالتأكيد معها الآن.
أجابته "موده" دون تأخير.
- السلام عليكم.
حاول "عيسى" ضبط أنفاسه ليتسائل بجمود.
- وعليكم السلام، هي "غدير" عندك يا "موده"؟!!
سؤال معتاد ومتوقع، لكن إجابة "موده" لم يكن يتوقعها "عيسى".
- لأ، أنا لسه في الشغل، "غدير" في البيت عندي، أنا شوية كدة وحروح أهو، فيه حاجة؟!!!
رغم إمتعاضه لعدم تواجدهن سويًا إلا أنه لم يظهر ذلك.
- لا أبدًا، أنا بطمن عليها بس.
أردفت "موده" بتفهم.
- لأ هي كويسة متقلقش، وأنا بس قدامي شوية وقت وأروح البيت زي ما إتفقت مع "غدير".
- تمام.
أنهى بذلك "عيسى" مكالمته مع "موده" دون فهم علام إتفقتا!!! ولم ليست مع "غدير"، ولم "غدير" بالشقة بمفردها دون أختها؟!!!
أخذ يحرك ساقيه بإنفعال لتبدأ موجات وموجات من الظنون، تلك الظنون التى لم يستطع كبحها هذه المرة والتى دفعته للنهوض نحو غرفتهم للبحث بين حقائب "غدير" ليتيقن أن لا شيء بالمرة مما يفكر به حقيقي، بل كلها ظنون لا أساس لها من الصحة.
وقف "عيسى" أمام الخزانة مترددًا ينهر نفسه بقوة عما يفكر به، فكيف يسمح لنفسه بالشك بـ"غدير"، كاد أن يتراجع ويستدير دون البحث، لكن نَفسِه ضعفت أمام تلك الحقائب لتتراود لنفسه فكرة تستحسن الأمر وتصيغة بشكل آخر.
- أنا حطمن بس، مش أكتر.
بحث بين الحقائب الواحدة تلو الأخرى حتى وصل للحقيبة السوداء، فتح سحابها لتلفت نظره علبة من القطيفة ذات لون أرجواني غريب، أسقط الحقيبة من بين يديه ليمسك بالعلبة كما لو كان يحمل قنبلة ستنفجر بين خبايا قلبه أولًا قبل يديه، فتحها ببطء لتتسع عيناه بصدمة لرؤيته محتواها، إنها خاتم من الألماس باهظ الثمن.
❈-❈-❈
مقر المخابرات العامة.
دلت "عهد" بخطواتها الصارمة فقد أوشك موعد الإجتماع الذي حدده "معتصم" ولن تتأخر عنه مهما حدث، دقات رنين هاتفها لم تكن بالأمر الذي سيعطلها عن مشاركتها بهذا الإجتماع لترفع سماعة هاتفها تجيب الإتصال أثناء تحركها نحو الطابق الثاني.
سماعها لصوت "وعد" الحنون أثار بداخلها تساؤل واحد.
- إزيك يا "وعد"، إنتِ مقولتيليش ليه؟!!
تعجُب "وعد" بالطرف الآخر كان واضحًا بشدة حين تساءلت بدون فهم.
- مقولتلكيش على إيه؟!!
بسرعة بديهة سألتها "عهد" لتتأكد من معرفتها بأمر خالتهم أم لا.
- إنتِ آخر مرة كلمتي خالتك إمتى؟!!
تفكرت "وعد" لبعض الوقت قبل أن تجيبها.
- مش عارفه، تقريبًا من أيام كتب كتابي على "محب"، أصلي إنشغلت أوي بعدها.
أيقنت "عهد" أن لا فكرة لـ"وعد" عما حدث لخالتهم لتظن أنه لا داعي بأن تخبرها بالأمر، فهي رقيقة القلب وسوف تتأثر بشكل قاسي وشديد.
- طيب تمام.
توجست "وعد" من سؤال أختها لتردف بقلق.
- هو فيه حاجة حصلت؟!!!
بجمود شديد أجابتها "عهد".
- لا عادي، كنت بسأل بس عن أخباركم مش أكتر.
نظرت "وعد" تجاه ولدها الذي كان يعبث بألعابه أمامها وهو يتناول بعض الفاكهة المقطعة.
- إحنا كويسين خالص، والدنيا مستقرة الحمد لله، ده أنا حتى كنت عايزة آجي لك شوية لو إنتِ فاضية، أصل "محب" حيتأخر في المعرض النهاردة.
وصلت "عهد" لمكتب السيد "نظمي" (مقر الإجتماع) لتهدئ من خطواتها قبل أن تنهى تلك المكالمة.
- أنا مشغولة شوية اليومين دول، أخلص شغلي وأكلمك، سلام عشان عندي إجتماع مهم.
تفهمت "وعد" ذلك لتردف مودعة أختها.
- طيب يا "عهد" خدي بالك من نفسك، سلام.
- سلام.
سحبت "عهد" الهاتف من فوق أذنها لتغلقه حين إصطدمت بها "عائشة" أثناء مرورها بعجالة متجهة لداخل المكتب لتُعلق بتعالى أثناء تخطيها لها.
- سوري، سوري، ما أخدتش بالي.
رفعت "عهد" حاجبها الأيمن بتهكم من تلك الفتاة التى يبدو أنها قد أثارت المتاعب على نفسها الآن.
تعجلت بخطواتها لداخل المكتب لتصدم "عائشة" بعنف أثناء دخولها للمكتب حتى ترنحت تلك النحيلة نحو أقصى اليمين لتظهر "عهد" بالمقدمة لتتسلط العيون عليها فقط.
ألقت تحية المساء بخشونة.
- مساء الخير.
همهمات تعالت بين الأصوات الذكورية لتشاركهم "عهد" بالجلوس دون النظر لتلك التى عادت بإستقامتها لتبحث عن مقعد تجلس به فقد لحقت "عهد" المقعد الأخير.
إضطرت "عائشة" لطلب من أحد السعاة إحضار مقعد لها لتظل متوقفة لبعض الوقت فيما كان "معتصم" يراقب بزاوية عيناه عنف "عهد" الغير مبرر مع "عائشة" وهو يخفي إبتسامته فقد بدأت غيرتها التى تشعره بالسعادة، فهي إعتراف خفي منها بالعشق.
بدأ "معتصم" حديثه بالوقوف على آخر المستجدات بالمهمة.
- كلنا عارفين إن حضرة الضابط "طه" هو إللي كان السبب في تسريب المعلومات بمهمتنا الأخيرة، وطبعًا عرفتوا إللي حصل له، حنقفل الصفحة دي هنا بتحذير لكل شخص موجود وسطنا وممكن يفكر ولو مجرد تفكير في الخيانة، محاكمة "طه" حتكون رادعة فأتمنى نكون كلنا قلب واحد همنا هو مصلحة بلدنا وبس وأي مصالح شخصية تتجنب تمامًا.
نظر نحو "شادي" ثم أكمل.
- حضرة الضابط "شادي" جاب لنا تسجيلات جديدة تم الإتفاق فيها على محاولة إغتيال لشخصية كبيرة جدًا، وبدون التوضيح لمين هو صاحب الشخصية دي، التشكيل ده لازم نعرف كل أفراده بأسرع وقت، بدون أي أخطاء، مش حسامح في أي خطأ المرة دي كمان.
أشار "معتصم" نحو "عبد الرحمن" بقيادية حازمة.
- "عبد الرحمن" حيبلغكم بأماكن المراقبة الجديدة وحيوزع المجموعات من أول وجديد لأن المعلومات إللي عندي إن ضربتهم الجاية قريبة جدًا ولازم ناخد إحتياطنا ومفيش وقت نزرع حد وسطهم، إحنا حنراقبهم على مجموعات والمعلومات فورًا توصل ليا أنا شخصيًا، التشكيل ده أنا قدرت أعرف منه حوالي عشر أفراد، ولسه لازم نعرف المحركين لهم ومصادر التمويل بتاعتهم.
بإنصات شديد من المجموعة ككل أكمل "معتصم" بصورة أكثر تحديدًا.
- توزيع الأدوار حيبدأ من الليلة مع "عبد الرحمن" و "شادي"، فيه مجموعة مخصوصة حتكون معايا أنا والضابط "عمر" و...
قاطعته "عائشة" بحماس تقفز من موضعها مهللة.
- أنا، أنا معاك يا قائد في المجموعة دي، يا ريت أكون معاك نفسي أتعلم منك أوي.
تناست "عهد" نفسها لتسيطر عليها غريزة الأنثي الشرسة التى يُسلب منها رَجُلها الذي يخُصها لتهاجم بضراوة وقد إتسعت عيناها بنظرات حادة مخيفة توجهها نحو "عائشة".
- رايحه فين إنتِ، هو إيه الإستعباط ده، إتنيلي أقعدي وإسمعي الأوامر لأخبطك على دماغك أجيب أجلك، ناقصة مُحن هي.
رغم قسوتها وتفاجئ الجميع إلا أن قلب "معتصم" تراقص فرحًا، إنها تغير وتهاجم لأجله، شراستها إقتلعت قلبه وأصبح ملكها.
لملمت "عهد" شراستها لتحجمها قليلًا فقد تمادى الأمر منها وخانها قلبها مسيطرًا بدلًا من عقلها لتتراجع ببعض من الصمت حين هتف "معتصم" يزيد من الأمر إشتعالًا، فهو يريد قطته البرية دومًا بحالة هجوم.
- سيبيها يا حضرة الضابط، أنا موافق يا حضرة الضابط "عائشة"، إنتِ معايا في الفريق.
فغرت "عهد" فاها بصدمة ممزوجة بغيظ تجاه "معتصم" قبل أن تردف بحدة تسأله بإستنكار.
- يعني إنت شايف كدة؟!!!!
رواية ظننتك قلبي الجزء الثاني الفصل السابع 7 - بقلم قوت القلوب
لك مني ما أراه منك، وكيف ذلك إن كنت أرى بعينيك أنت؟ أود لو أن تعمى عيناي ويبقى قلبي فقط هو من أستمع إليه. لقد كذبت كل شيء وصدقتك. كانت كل الإشارات واضحة لكنني فضلت ألا أرى. توقعتها من الجميع إلا أنت.
***
بالتأكيد هناك شيء خاطئ، شيء غير مفهوم بل كاذب. هكذا شعر "عيسى" وهو يحملق بخاتم الألماس الذي وجده بحقيبة "غدير". ظل يومئ بالنفي لعدة مرات قبل أن يتنفس الهواء المكتوم بصدره وهو يخرج كلماته المتحشرجة بحلقة بصعوبة.
"لأ لأ، لالالالالالا. أكيد فيه حاجة غلط. استحالة لأ، دي "غدير". عمر "غدير" ما تعمل فيا كدة. عمرها ما تبيعني! "غدير"! "غدير" بتحبني، لا يمكن تعمل كدة، لا يمكن!"
أهذه أمنية قلب أم أنها الحقيقة؟ أمر غير مدرك مطلقًا وهو يمسك تلك القطعة النفيسة الرخيصة بيده. تهدج صدره بصعوبة قبل أن يرفع عينيه المقتضبتان نحو الأعلى. فلن يترك الأمر للظنون، سيسألها عنه. والآن.
استدار "عيسى" بعجالة مغادرًا البيت على الفور، ذاهبًا لشقة "موده" للقاء "غدير" وفهم الأمر بدلًا من هذا التخبط.
***
بيت موده.
صعدت "غدير" نحو الطابق العلوي تشعر بالخجل من ملابسها المبتلة بهذا الماء المتسخ، تشعر بالتقزز والإشمئزاز من نفسها لتغمغم بقوة.
"منك لله، الواحد بقى شبه إللي واقع في البلاعة. أعوذ بالله."
دنت من إصيص النبات الموضوع بجانب الدرج لترفع بعد الحصى بأصابعها وترفع مفتاح الشقة الذي أخفته "موده"، لتثني "غدير" عليها معجبة بذكائها.
"أروبة يا بت يا "دودااا"."
فتحت الباب بعجالة وأغلقتته بنفس السرعة، فعليها الاغتسال على الفور فلم تعد تطيق نفسها.
لحق "رشيد" بـ"غدير" دون أن ينتبه أحد لتسلله ليصعد درجات السلم مراقبًا "غدير" وهي تبحث عن المفتاح ليستعد للحاق بها إلى داخل الشقة، لكنها فور أن دلفت أغلقت الباب بسرعة حتى أنه لم يلحق بالاقتحام لتغلق الباب بوجهه مباشرة.
عقص "رشيد" وجهه بقوة فلم يستطع تنفيذ ما خطط له ليدق الباب بطرقات خفيفة بإنتظار أن تفتح له "غدير" الباب لإقتناص تلك الفرصة وهي بمفردها بالداخل.
طرقاته الخفيفة حتى لا ينتبه له أحد من الجيران لم تصل لمسامع "غدير" التي دلفت إلى المرحاض مباشرة لتغتسل أثر تلك المياه والقاذورات التي علقت بها. بينما ظل "رشيد" واقفًا بباب الشقة، فعليه تنفيذ الخطة بأكملها، فهي فرصته لاستعادة "غدير"، وإن لم يحدث ذلك فهي أيضًا فرصته للانتقام منها.
***
مقر المخابرات العامة (الجهاز).
طالت القوة والصبر لسنوات وسنوات، وتأتي الغيرة بساعة واحدة تهدمه. فلقد برهنت للتو بأنها عاشقة متيمة تغار على قلب رجل تملكته. لا عاد للظنون حديث، لقد أظهرت اليقين كاملًا.
من هذا الذي يتحمل غضب امرأة إذا غارت؟ فهو شعور مؤلم يقتل صاحبه ويساعده على قتل غيره إن لزم الأمر.
وقفت "عائشة" بذهول من هجوم "عهد" المباغت عليها، لكن أرضاها اختيار "معتصم" لها. فيبدو أنه يكن لها بعض الإعجاب كما تشعر هي بذلك نحوه. ومن تقدر على مقاومة سحر هذا الغامض محطم الأعصاب والقلوب.
نهضت "عهد" من فوق مقعدها تود لو تهدد "معتصم" بالاختيار بينها وبين "عائشة"، لكنها تراجعت عن التفوه بذلك، فهذا سيفضح الأمر أمام أعين الجميع المترقبة. لينهي "معتصم" تلك الحالة من التحفز.
"اتفضلوا دلوقتِ و"شادي" حيبلغكم مهماتكم بالضبط. "عائشة" لو سمحتِ حضري نفسك بكرة الصبح لبداية مهمتك معانا. (ثم التفت أخيرًا نحو تلك التي كادت تنفث الدخان من رأسها المشتعل) "عهد" إستنيني لحظة، اتفضلوا على مكاتبكم."
خرج الجميع من المكتب تحت أنظار "عهد" التي توهج وجهها بحمرة مشتعلة من شدة غضبها منه، فلمَ يتسم بهذا البرود كما لو كان يتعمد هذا الأمر. كانت ستلحق بالبقية فلن تبقى معه ولو للحظة واحدة بعد الآن، فهي ليست لعبة يوجهها كما يشاء، لكن اعتراضه لخروجها من المكتب أوقفها بموضعها.
بمشاكسة لطيفة بدأ "معتصم" يزيد من حنق "عهد".
"مالك يا "عهد"، حاجة ضايقتك؟"
حدقته "عهد" بقوة لتلف أصابعها بإنفعال إشارة عن الجنون وهي تجيبه بخشونة.
"إنت مجنون!!!!!!"
تظاهر بعدم الفهم ليزيد من إثارتها لجعلها تعترف ولو لمرة واحدة أنها قد وقعت بالعشق وبحوره.
"ليه بس!! إيه اللي حصل؟ شايفك متضايقة، قولي على طول مين اللي ضايقك، وشوفي أنا ممكن أعملك فيه إيه..!"
كورت قبضتها بغيظ حتى كادت تلكمه بقوة، فهو يتعمد ذلك، لتبتر كلماتها لكن انفعالها كان على أهبة الانفجار.
"مفيش..."
مال بعينيه الثاقبتين يخترق عسليتها بقوة متسائلًا بمشاكسة.
"متأكدة؟?"
اعتدلت بوقفتها تهاجمه بشراسة بينما كان يتحلى بثبات أشبه بالبرود وهو يتلقى غضبها بابتسامته الهادئة حين هتفت بحدة.
"أنا مش عارفة إنت متعمد تغيظني ولا عايز إيه بالضبط! إنت فاهم وعارف إيه اللي حصل، فبلاش نستعبط على بعض."
أجابها ببرود تام.
"لأ، مش عارف إيه اللي حصل، قوليلي، إيه مضايقك؟?"
زاغت عيناها قليلًا فلن تعترف بغيرتها لتهتف بمغالطة.
"لازمتها إيه تدخلها في المجموعة، ما إحنا اللي بدأنا الشغل وإحنا نقدر نخلصه، مش محتاجين خدماتها في حاجة."
"هو ده بقى اللي مضايقك!!!! إني دخلت "عائشة" المجموعة....؟!!!"
مجرد ذكره لاسمها بين شفتيه جعلها تنتفض بغضب أشد لتقضم شفاهها وهي تردف من بين أسنانها.
"أيوة زفتة!!! لازمتها إيه تحشرها، ولا إنت مبسوط بالمُحن والمياصة دي...!!!"
نطقتها وهي منفعلة ولم يعد لديها القدرة على التراجع لتشعر بجثامة ما نطقت به، خاصة وهي ترى توهج عينيه حين لحقها بسؤال كانت لا تود سماعه مطلقًا.
"عهد، إنتِ غيرانة؟!!!"
تهدج صدرها صعودًا وهبوطًا لتلتزم الصمت لبعض الوقت تحاول الهرب مما فهمه وأدركه. لقد خانها لسانها وأخرج ما تخبئه بقلبها. ابتلعت ريقها بتوتر لتزيغ بعينيها عنه قائلة.
"إيه التخاريف دي، غيرة إيه وكلام فاضي إيه، أنا بتكلم عن المهمة."
إن كانت هي ستنكر فهو لن يتراجع عن هدف يسعى إليه، وقد أصبحت بحد ذاتها هدف سامي يتتوق للوصول إليه. همس نحوها بنبرته الشجية بهدوء يخترق قلبها كالسهام لينفذ إليه دون عناء.
"قلت لك كل الناس في مكان إلا انتِ في قلبي يا عهد، انتِ غيرهم كلهم، خليكِ واثقة من ده، بس ده ميمنعش إني سعيد أوي وأنا شايفك غيرانة عليا، مش بيقولوا اللي يحب بيغير."
كانت ستهتف وترفض وتتهرب كالعادة لكنه أنهى ذلك حين أكمل.
"مش عايزك تقولي حاجة، بلاش تهربي بأي كلام، لأني مش هصدقه، وأنا مستني اليوم اللي هسمع منك كلمة بحبك فيه، وصدقيني اليوم ده هيكون بعمري كله."
اكتفت "عهد" بالصمت فلم تجد ما تنطق به بعد حديثه العاشق، فبرغم كل تلك المناوشات إلا أن بداخل قلبها سعادة لا توصف، لكنها ما زالت مختبئة بداخل جنباته تحتم عليه الاختباء، فلن تعترف بتلك السهولة، فما زالت لم تطمئن بعد.
***
بيت النجار (شقة فريد).
بعد تخبط دام لبعض الوقت لم تجد "حنين" بفكرها سوى أمر واحد فقط، أن تتخلص من "فريد" قبل أن يؤذيها.
لابد وأن تتخلص منه نهائيًا قبل أن يفكر بأن يؤذيها. عليها أن تستغل ضعفه وذكائه المحدود الذي بالطبع سيحاول انتظار لحظة غفلة منها، فهو أضعف من مواجهتها. وبذلك ستكون تخلصت منه قبل أن تتاح له الفرصة للتخلص منها.
مر وقت كانت تنتظر به "حنين" بترقب لمجيئه. دلف "فريد" بهدوء ظاهري على النقيض تمامًا مما يثور بداخل نفسه. وقف قليلًا يناظر "حنين" دون التفوه بكلمة واحدة. تلك النظرات المبهمة التي لم تستطع "حنين" إدراك مغزاها، فكم كان غامضًا مثيرًا للشكوك.
حدثت نفسها بحيرة.
"هو ماله ده، ساكت كده ليه، وبيص ناحيتي كده ليه؟ يبقى صح، هو أكيد شافني عند "حودة". بس ده ولا اتكلم ولا نطق، إيه!!! هيحاول يعمل نفسه مخدش باله ولا كأنه مشافش حاجة؟!"
خيال برأسها كله يدور حول سلبية "فريد" وتخوفه من أن ينفعل عليها أو يفكر بأذيتها. ذلك السكون الذي جعلها تطمئن لضعفه وقلة حيلته، بل تمادت بما هو أكثر من ذلك، فأصبحت لا تكترث وتتبجح بالأمر لتنطق بتقزز.
"إيه، مالك مبحلق لي كده ليه؟ أول مرة تشوفني يا "فريد"!!!!!!"
لأول مرة يشعر بأنه يراها على حقيقتها. لقد أزيلت الغشاوة عن عينيه وأصبح يرى بشاعتها وقمائتها الدنيئة. تلك الخائنة البشعة.
بعد تحديق طال لدقائق خرج "فريد" عن صمته بملامح معقودة وغضب مكبوت.
"كنتِ فين يا "حنين"؟"
جفلت عيناها نحو الأعلى لتدرك أنه بالفعل رآها، لكن يبدو أنها أعطت للأمر أكثر من حجمه، فهو أضعف من مواجهتها.
"هكون كنت فين يعني؟ ما تخلص وتقول عاوز إيه!!! أنا تعبانة وعايزة أنام."
خرجت ضحكة قصيرة متهكمة معقبًا بغموض.
"هتنامي، متقلقيش، هترتاحي أوي."
دب شعور بالارتياب والفزع بداخلها، فلمَ هو هادئ بهذا الشكل وماذا يقصد بأنها سترتاح؟ اهتزت نبرة صوتها واختل ثباتها قليلًا وهي تدلف لداخل المطبخ.
"طب غير هدومك، هحضر لك الأكل."
إحساسها بأنه لا يتصرف بشكل طبيعي أخذ يزداد بقوة مما زاد تخوفها وقلقها. أوقفها عن حركتها صوت "فريد" الغاضب حين صرخ بها.
"استني عندك هنا."
توقفت برجفة، فمن أين أتى بتلك القوة؟ فهو الضعيف الخاضع لها ولسيطرتها. التفت نحوه بجسد مضطرب وقلب فزع لتقفز منتفضة حين صرخ بها مرة أخرى.
"كنتِ فين يا "حنين"؟!"
سؤاله بتلك القوة ونبرته الممتلئة بالتهديد جعلها تجيبه باضطراب.
"هكون كنت فين يعني، روحت عند بيت أبويا شوية و...."
قاطعها "فريد" يكشف كذبها.
"كذابة، أنا لسه جاي من عندهم، ومكنتيش هناك، إنتِ مرحتيش هناك من أصله، ها، هتقولي لوحدك، ولا أقولك أنا كنتِ فين...!!!"
ابتلعت "حنين" ريقها المتحجر، فلم تكن تظن يومًا أنها ستخشى غضبه، إنها لم تعتد ه رجلًا يؤخذ في الاعتبار، بل ظنت أنه ضعيف خانع لها ولأوامرها، لن يخرج عن طوع يديها. لم تظن أنه ذئب له أنياب بل لم يتعد فرخًا بحظيرة طيورها.
لكن ها هي الشراسة ظهرت جلية واضحة وسنت الأنياب استعدادًا للانقضاض. تهدج صدرها بقوة لتتلعثم حروفها قائلة.
"فريد، مالك بس؟ إنت زعلان ليه كده يا حبيبي؟"
تيقنت بأنها لن تستطيع التخلص منه عن طريق "حامد"، فلتحاول خداعه للتملص من هذا الغضب الجديد عليه. مدت كفها تربت برفق فوق عضده تستجديه للهدوء.
"وحد الله كده و...."
نفض يدها بعنف ليمسك قبضته السمينة بمرفقها النحيل وهو يدني وجهه قرابة وجهها صارخًا بغضب.
"إيدك ده متلمسنيش، ولا إنتِ فاكرة إنك هتضحكي عليا بحركاتك دي!!! لاااااا، فريد القديم مات، مات واتدفن يوم ما شفتك بعيني في شقة "محمود" يا خاينة يا بنت الـ***...."
ترك مرفقها وسط ذهولها من غضبه وصراخه الهادر بها، لكن لم تلبث إلا لحظات من الدهشة حتى تلقت أول صفعة من كفه الثقيل فوق وجنتها وهو يصرخ.
"يا خاينة، يا *****، إما أوريكِ مبقاش أنا فريد النجار."
لم يمهلها فرصة للرد أو الصدمة بل تابع صفعاته واحدة تلو الأخرى دون انقطاع. ضربات متتالية يخرج بها ثورته الكامنة بداخله ليشعر لأول مرة بأن له قوة وقدرة على الرد، وأنها ليست بهذا الحجم الذي كان يراها به، بل هي مجرد ضئيلة لا تقوى على مواجهته أو التصدي له.
شعور بالاعتداد بالنفس والقوة ممزوجًا بألم لخيانتها وغضب يشعل النيران بدمائه الثائرة. لم يشعر بأنه ضعيف كالعادة، بل قوي، قوي بشكل مخيف فقد ظن نفسه أحقر وأدنى من أن يكون مثل بقية الرجال.
لكنه اليوم يثبت لنفسه قبل أي شيء أنه قادر وبقوة على مواجهة أيًا كان.
لم تجد "حنين" سوى صرخاتها وسيلة لتعبر بها عن آلامها إثر صفعات "فريد" وهي تستجديه لأن يسامحها ويعفو عنها.
"بالله عليك يا "فريد"، خلاص، خلاص، ارحمني."
نظرات تعيسة باكية احتلت أعين أبنائه الذين وقفوا بأحد الزوايا يطالعون مشهدًا لن ينسى بين والدهم ووالدتهم جعلته يتوقف عن صفعها ليرمقها بحدة وسط تلاحق أنفاسه الثائرة مطلقًا كلماته التي كانت أقوى من طلقات الرصاص.
"إنتِ طالق يا "حنين"، طالق، طالق، طالق. قدامك ساعة واحدة أرجع البيت ملاقيش خيالك فيه، لأني لو رجعت ولقيتك قدامي معرفش ساعتها ممكن أعمل فيكِ إيه."
تعالت شهقاتها وهي تخفي وجهها بين كفيها لتجثو بالأرض في حالة انهيار تام. اتجه "فريد" نحو أبنائه قائلًا.
"تعالوا معايا."
لن يترك أبناءه لتلك الخائنة مطلقًا، بل عليها استكمال حياتها وحيدة منبوذة محرومة من أبنائها وزوجها ورخاء معيشتها التي كانت تحتقره. أعاد "فريد" تحذيره وهو يوليها ظهره أثناء مغادرته بأبنائه.
"ساعة وراجع، مشوفش وشك هنا."
خرج من الباب ليصفقه بقوة دبت بقلبها لتنتفض إثرها. جلست لبعض الوقت تبكي وتشتاق، لا تدري لم هي حزينة. ألم تكن تمقت "فريد" ولا تطيق وجوده بحياتها؟ لم تشعر الآن بأنها خسرت شيئًا عظيمًا للغاية!
لم لا نشعر بقيمة ما بحوزتنا إلا عند خسارته.
ساعة واحدة كانت آخر ما يربطها ببيت النجار وبتلك الحياة التي لم تعتد غيرها، ساعة واحدة هي نهاية علاقتها بـ"فريد" وأبنائها وعليها الرحيل. كانت تظن أن خسارتها لـ"فريد" لأمر مبهج للنفس وأنها لن تحزن يومًا على فقدانه أو خسارته، لقد ظنت فقط، لكنها لم تدرك أن بعض الظن إثم.
***
بيت "مودة".
لم تستمتع "غدير" بهذا الماء الساخن المنهمر فوق رأسها وجسدها كعادتها، بل كانت تغمغم بسخط لسوء حظها اليوم، فما كانت لتظن مطلقًا أنها تتحمم ببيت أختها وبهذا الطقس البارد.
"كان مستخبيلك فين يا "دورا" كل ده، حمايه ولا على البال وعلى الخاطر."
شعورها بالبرد جعلها تبقى لأطول فترة ممكن تحت الماء الساخن، حتى أن رذاذ الماء المتساقط أخذ يصدر بعض الضجيج الذي منعها من الاستماع لتلك الطرقات الضعيفة المتتالية بالزجاج الخاص بباب الشقة.
وقف "رشيد" يطرق بأطراف أصابعه فوق الزجاج خوفًا من أن يثير انتباه الجيران، فلابد أن يكون بالداخل الآن، فوجوده خارج الشقة يفسد الأمر بأكمله.
توقف "عيسى" بسيارته بالقرب من بيت "موده" وفي داخله مناديًا بألا يصعد ويواجه "غدير"، فما بقلبه يشفع لها أي خطأ، عشقه لها أقوى من مجرد مال وعمل. وربما لم يكن هذا ما يوده، بل خشيته من أن يتأكد من أن ما يظنه صحيحًا، فلن يتحمل أن تغدر به، فـ"غدير" ليست غادرة. لكنه بالنهاية ترجل من السيارة، فهاتفها مغلق ولا يستطيع التوصل إليها وعليه التأكد من سبب وجود خاتم باهظ الثمن كهذا بحقيبة يدها.
دلف "عيسى" لداخل البناية القديمة لتصدر خطواته المتصاعدة صوتًا متتاليًا لوضع أقدامه بدرج السلم. تلك الأصوات الخفيفة التي جعلت "رشيد" ينتبه لصعود أحدهم نحو الطابق الأعلى.
على عجالة لم يجد سوى حل واحد فقط، فتح أزرار قميصه ليظهر مقدمة جسده العاري، ثم عبث بخصلات شعره السوداء ليثيرها بفوضاوية. انتظر للحظة حاسمة وهي اقتراب "عيسى" من الطابق الذي به شقة "موده" ليثير بنفسه الشك بأنه قد خرج للتو منها.
كإنتظار عقارب الساعة لتدق بتنبيهها لوقت محدد، انتظر "رشيد" بترقب تام كما لو كان سينفذ أمرًا غاية في الخطورة والدقة. لحظات يعد بها عداد عكسي للانطلاق.
وفجأة دقت ساعة الحسم ليسحب الباب المغلق من الأساس كما لو أنه أغلقه للتو مصدرًا صوت ضجيج واضح حين ضربه "رشيد" بقوة، ثم تحرك لخطوة متقدمًا بها إلى بداية الدرج ملمًا قميصه ليظهر كما لو أنه يهرب دون اللحاق بارتداء ملابسه كاملة.
لقاء بين "عيسى" و "رشيد" لتظهر بعيني "عيسى" نظرات حادة محاولًا ربط من أين أتى هذا الشاب، هل بالفعل خرج من الشقة أمامه؟ حدجه بقوة ملاحظًا تفكك أزرار قميصه وهيئته المشعثة وارتباكه الملحوظ لحظة رؤيته. حتى أن "رشيد" أشاح بوجهه باضطراب واضح للغاية جعل "عيسى" يشعر بالريبة من هذا الشاب.
تخطى "رشيد" لـ"عيسى" قبل أن تتسع عينا الأخير بتوهج حين تيقن أنه هو نفسه الشاب الذي كانت "غدير" تقف معه تلك الليلة. قبل أن يمسك به "عيسى" أسرع "رشيد" راكضًا كمجرم يفلت من فعلته.
وجود "رشيد" بهذا المشهد وخروجه للتو من شقة "موده" التي لا يتواجد بها سوى "غدير" وهروبه بهذا الشكل لحظة رؤيته جعلت "عيسى" يلتفت نحو الشقة بنفس ثائرة، حتى أن الدماء تصاعدت لرأسه وتوهجت بضراوة ولم يعد بعقله سوى ظن واحد فقط (الخيانة).
تناسى أمر الورق والخاتم وكل ما دار برأسه هو مشهد خيانة يشطر قلبه بخنجر بارد ويثير الدماء بعروقه.
قفز بخطوة واحدة نحو باب الشقة يطرقه بانفعال لعدة مرات متتالية بقوة لا تضاهي ومضة مما يعتمل بداخله.
"غدير".
مع سماعها لضربة عنيفة ضربت باب الشقة ظنت أنها ربما تكون "موده" قد عادت من الشركة. أغلقت صنبور الماء لترتدي مأزر الحمام الخاص بـ"موده" والمعلق خلف باب المرحاض تاركة شعرها المبلل تتساقط منه قطرات الماء لتخرج نحو الصالة قائلة بمزاح.
"عايزة حاجة ألبسها عشان...."
نظرت حولها لم تجد سوى نفسها تتوسط الصالة فلا أثر لـ"موده" على الإطلاق. رفعت "غدير" كتفيها وأهدلتهما وهي تقلب شفتيها بمعنى لا أدري لتتجه نحو غرفة النوم لتبحث بنفسها عن ملابس مناسبة لارتدائها.
لكنها سمعت طرقات عنيفة متتالية بباب الشقة جعلتها تستدير بتوجس متجهة نحو الباب لتتسائل من خلفه بقلق.
"مين؟"
إنها "غدير" بنفسها وليس غيرها، هي من تتواجد بالداخل ليته يحلم. سيتحمل كل أنواع الألم إلا هذا. لا يستطيع تخيل أن "غدير" خائنة. إلا "غدير".
تهدج صدره بقوة وعلقت بحلقه غصة مؤلمة ليجيب سؤالها بصعوبة بالغة.
"أنا عيسى."
تهلل وجه "غدير" بسعادة، فكم من مشاعر متناقضة بين كلاهما، عاصفتان مختلفتان تمامًا، فإحداهما تتطاير بها أجنحة السعادة وأخرى موجات من النيران الضارية.
"إيسوووو."
فتحت الباب على الفور، فممن ستتوارى وتختبئ؟ إنه زوجها مالك قلبها وعقلها. تصرف عفوي حين قابلت "عيسى" بهيئتها المبللة مرتدية هذا المأزر المثير.
هكذا ظنت، بينما ماجت ظنون أخرى برأسه وهو يناظرها بصدمة حين دلف لداخل الشقة. تيبس عن الحركة وتسلطت عيناه المنصدمة بها لتتخبط رأسه بعاصفة عاتية، فلم الظنون وما يراه يثبت بما لا يدعى بالشك، إنها حقًا خائنة.
***
بيت محفوظ الأسمر.
جلسة مطولة كانت بين "محب" وتلك الطبيبة التي بدأت بعلاج والدته ليتفهم منها حالتها ومعرفة التقدم بها، فقد طالت فترة مرضها بدون استجابة ليتسائل بشك.
"يعني قصدك إنها هتفضل كده؟"
أجابته الطبيبة بتوضيح أكثر.
"زي ما قلت لحضرتك، هي كل مشكلتها نفسية مش عضوية خالص، آه إحنا بنساعد بالعلاج الطبيعي لكن لازم حاجة تخليها تتمسك بالحياة عشان تبدأ تتعامل بطبيعية."
زاغت عينا "محب" تجاه الباب ليعاود سؤالها بحرص شديد.
"أنا عاوز إجابة محددة، لو أنا طلبت منها تعمل لي حاجة مش هتعمل صح!!! يا ريت تكون عندك طريقة تخليها تتفاعل معايا."
امتعضت الطبيبة بشفتيها بأسف.
"حقيقي والله يا أستاذ محب، وضع والدتك صعب تقييمه، خصوصًا إن مفيش تقدم في حالتها خالص، زي ما يكون فيه حاجات بتفكرها كل شوية، الإنسان في العادة بيتعود على الفقدان وبيبدأ يتأقلم، لكن هي كل جلسة زي ما يكون أول مرة."
تنهد "محب" بقوة ليومئ متفهمًا للأمر.
"ماشي، متشكر يا دكتورة، تقدري تروحي إنتِ دلوقتِ."
غادرت الطبيبة بيت محفوظ ليدلف لغرفة والدته ليبقى معها لبعض الوقت كما اتفق مع "عتاب" التي تمللت من بقائها معها طوال الوقت لتنتهز تلك الفرصة للترفيه عن نفسها لبعض الوقت.
جلس "محب" بغرفة والدته يحدثها كما لو كان يحدث نفسه فلا تأثر ولا رد.
"يعني إنتِ عاجبك كده!!! وضعك بالشكل ده مبقاش مريحنا، حاولي تفهمي كويس إن الدنيا مكانش فيها "عاطف" بس، فيها كمان "محب"."
جفل بعينيه لوهلة قبل أن يستطرد ممددًا ساقه بجلسة مريحة بشكل ملحوظ فوق هذا المقعد الطويل من القطيفة الرمادية بالغرفة.
"أنا لحد دلوقتي مش عايز أخسر "عتاب" وعارف إن إللي في دماغها أكبر بكتير من إنها تدور على الورق، بس لحد دلوقتي ملقتهوش، عايزك تفوقي وتردي عليا، أنا مكمل عشان أنا كمان محبش أخسر، وإللي أنا عاوزه لا يمكن هتنازل عنه وإنتِ عارفه كده كويس."
حملق بالسقف لبعض الوقت مستكملًا.
"أنا خسرت مرة، ولا يمكن أخسر تاني، حاولي معايا أكيد هتقدري، بلاش السلبية دي، الدنيا موقفتش على "عاطف" بس."
ظل يتحدث ويتحدث، لكن إن أجابه الحائط كانت "قسمت" ستجيب، فقد أصبحت كالصخر تمامًا لا شعور ولا حديث.
***
بأحد الكافيهات الراقية جلست "عتاب" ترتشف قهوتها بإستمتاع، فكم تعشق تلك الحياة المترفة التي ترضي بها غرورها وهدوءها النفسي، حياة البذخ التي كانت تحلم بها منذ تفتقت عيناها للدنيا.
تحملت زوج بعد آخر لأجل هذا المال، حاربت وستحارب كل عائلتها للحصول على الأموال التي تجعلها سعيدة هانئة.
وضعت فنجانها بهدوء وهي تبتسم بتعالٍ بوجه هذا الرجل الذي يجلس بمقابلتها لتردف بهدوء.
"ولو معرفتش أوصل للورق ده يا متر، هيبقى إيه الحل؟"
بعد نظرة مطولة لـ"عتاب" بدأ هذا الرجل الأربعيني ذو الوجه المثلث واللحية المنمقة الممزوجة شعيراتها بين اللونين الأبيض والأسود استكمل حديثًا كان قد قطعه.
"هو كل قاعدتنا هتبقى على مرات أخوكِ والورث اللي هياخده الولد الصغير."
لملمت "عتاب" نظراتها بغرور، فيبدو أن هذا الوسيم له رأي آخر بحياتها الرتيبة، فكم اشتاقت لأن تكون موضع اهتمام وتغزل أحدهم.
"أستاذ "باسم"!!! عايز تقول إيه؟"
نظرات ماكرة من هذا المحامي المتمكن تطلع بها نحو خبيثة النوايا، فكلاهما مثال للطيور على أشكالها تقع، لكن يا ليتها طيور إنها ثعابين متآلفة. أنهى نظراته بتلك التي تظهر إعجابًا بفاتنته.
"عتاب، أنا معاكِ من بداية القصة دي ومكمل معاكِ للنهاية ومش عايزك تقلقي، الفلوس حتاخديها حتاخديها، وكلها كمان، حتى أخوكِ بس يعمل اللي بتقوليله عليه وهو نفسه مش هيطول حاجة وأنا معاكِ، لكن اااا..."
انتبهت بقلق لتتسائل بتوجس.
"لكن إيه؟ فيه مشكلة؟"
زم "باسم" شفتيه يتمالك ابتسامة واثقة من قدراته.
"مشكلة!!!!! وأنا موجود، ليه، مش واثقة فيا!!! أنا بس عشان أطمنك، أنا ممكن أمسحهم لك كلهم من الدنيا دي، أشطبهم من دفتر الوجود، ده أنا "باسم المحمدي" إنتِ مستهينة بيا ولا إيه، أنا مش عايزك تقلقي خالص، أنا بتكلم في نقطة تانية خالص."
هزت رأسها تصطنع عدم الفهم متحيلة بدلال لا يليق بها.
"حاجة تانية!! زي إيه؟"
"زي جوازنا اللي بتأجليه!!! عتاب أنا داخل من الباب وشاريِك، مستنية إيه؟!!!"
حركت كتفها بتغنج وهي تملس بجانب شعرها الأسود تشعر بالرضا لطلبه بينما تظهر عكس ذلك كنوع من الرزانة وعدم الاكتراث.
"مش وقته يا "باسم"، أرجع فلوسي الأول، أنا هاين عليا أمسك الواد المفعوص ده وأخلص منه، بس برضه مش هطول الفلوس."
أعاد "باسم" جذعه لمسند المقعد بثقة مردفًا بما يطمئنها.
"خليكِ ماشية على الخطة بالضبط وفي أقل من شهر كل حاجة هتبقى باسمك، وساعتها أظن إن مش هيبقى فيه حاجة تمنع جوازنا."
ابتسمت "عتاب" بخجل لا يناسب قلبها المتحجر ليشعر "باسم" بالإطراء لرؤية قبولها الظاهر، فيبدو أنه أيضًا على مقربة من تحقيق حلمه ومكسبه الذي لم يكن يحلم به مطلقًا، فقد أتت إليه تلك المغفلة لتوقع بجميع عائلتها لتحصل على أموالهم ليخطط لها هذا الماكر الأمر الذي سيمكنها من الحصول عليه وبسهولة للغاية، سيصل هو للمال بدهائه وخداع تلك الطامعة.
فكم من نفوس تصارعت تحت بريق الطمع لتهدم ذاتها وتتحسر بالخسارة، فلا ربح ناله طامع.
***
بيت المستشار خالد دويدار.
كيف يكون مريضًا وهو يشعر بأنه يطير فوق السحاب يتألق بلمسات لتلك النجوم؟ من يرى حاله بالأمس حين علم "رؤوف" بتخوفهم من أن يكون مريضًا وتعاسته التي ضاقت بصدره لا يتوقع سعادته البالغة اليوم.
أنهى "رؤوف" عمله ليتجه صوب البيت وقد تملكه الحماس لإخبارهم بقراره بالزواج من "موده"، نقية القلب لطيفة المعشر، تلك التي أخفتها غشاوة عينيه عن رؤيتها واختيار "نيره" المسيطرة الأنانية.
حينما دلف من الباب كان يتوقع يومًا اعتياديًا انشغل فيه والداه بالعمل، لكنه وجدهم بإنتظاره وقد ارتسمت على وجوههم علامات القلق، أدركها "رؤوف" على الفور خاصة حين بادر "خالد" سؤاله.
"اتأخرت ليه يا "رؤوف"!! إنت كويس؟"
نظرات والدته القلقة وانتظارها لإجابته جعلته يبتسم بسعادة، فمحظوظ من يكون نصيبه بالدنيا والدين كوالديه وحب يشمله بتلك الصورة.
أقبل يقبل كفيهما وهو يتوسط جلستهما قائلًا بصدق.
"لو تصدقوا لما أقولكم إن النهاردة بالذات هو أكتر يوم في حياتي أنا كويس ومبسوط فيه."
كان لوقع كلماته راحة وسكينة غمرت قلبيهما لتتسائل "منار" بفضول.
"وإشمعنى بقى النهاردة؟"
حاوطهما "رؤوف" بذراعيه الممدودتين فوق كتف كل منهما.
"يعني لما ألاقيكم مستنيني بالصورة دي، وكل الحب والاهتمام والقلق اللي في عيونكم ده، كل اللي بتعملوه عشاني وحبكم ليا، مكونش مبسوط، ده غير كمان فيه حاجة كده عاوز أقولكم عليها."
دلف "معتصم" يضع كفيه بجيبي بنطاله ليقف شامخًا أمامهم قاطعًا حديثهم.
"طب ما تقول وتفرحنا معاك."
اتسعت ابتسامة "رؤوف" المميزة وظهرت أسنانه اللطيفة وقد تملكه الحماس لإخبارهم.
"أنا عاوز أقولكم إني عاوز أتجوز "موده" أخت "غدير"."
دارت عيونهم بين بعضهم البعض بحيرة واستنكار قبل أن تتسائل "منار" بالبداية باندهاش وامتعاض.
"موده!!!! طب و"نيره"؟ إيه اللي غير رأيك كده يا "رؤوف"!!! هي بنات الناس لعبة يا ابني!!!!"
سؤال بديهي ومتوقع كان "رؤوف" في أتم الاستعداد للإجابة عنه ليسحب شهيقًا طويلًا قبل أن يردف بهدوء.
"نيره طلبت مني إن كل واحد فينا يروح لحاله، هي مش قادرة تكمل مع واحد مريض وشايفه إني لو طلبت منها كده هتبقى أنانية مني، وفي نفس الوقت لقيت "موده" عايزة تكون جنبي ومتمسكة بيا حتى في مرضي، أنا في الفترة الأخيرة حسيت بمشاعر تجاه "موده" لكن مكنتش أقدر أكسر قلب "نيره" وإحنا خلاص بنرتب للفرح والعفش، إحساس قتلته جوايا وكأني معرفش عنه حاجة، لكن بعد ما "نيره" قررت تبعد لقيت "موده" شكل تاني، عكس "نيره" في كل حاجة."
طأطأ رأسه متذكرًا احتمال إصابته بالمرض ليردف بنبرة منكسرة بائسة.
"أنا عارف إني احتمال كبير أكون مريض وطلبت من "موده" تبعد وبلاش أظلمها معايا، لكن لقيتها مصرة إننا نكمل ونبقى مع بعض وتقف جنبي في وقتي الصعب، لولا تعبي ولا كنت عرفت اخلي "نيره" عني ولا كنت هقرب من "موده"، زي ما يكون الموضوع ده حصل عشان أعرف حقيقة كل واحدة فيهم، وأتأكد مين اللي بيحبني ومين اللي بيحب نفسه، أنا نفسي اتفاجئت قد إيه أنا بحب "موده"."
نبرته المتألمة وحديثه المتأثر جعلهم لا يعارضون الأمر، خاصة بعد تخلي "نيره" عنه، كما أن "موده" فتاة رائعة كـ"غدير" تمامًا.
شعورهم بأنه بحاجة لوجودها بتلك الفترة العصيبة كان يبعث بداخلهم رغبة بالموافقة، فهو يستحق السعادة رغم كل شيء. إشفاقهم على حالته جعلهم يرددون بدون شك.
"ربنا يسعدكم يا ابني، طالما مظلمتهاش وهي اللي اختارت يبقى تعمل اللي يريحك."
شرد "خالد" بذهنه لبعض الوقت لينتبه لموافقة "منار" معقبًا.
"زي ما تشوف يا "رؤوف"، أنا عمري ما هجبرك تاني، على راحتك يا ابني."
ابتسم "رؤوف" ليحرك رأسه بإيمائة خفيفة بينما عقب "معتصم" برزانة.
"مبروك يا "رؤوف" بس يا ريت تكون متأكد من مشاعرك ناحية "موده"، هي كمان مش لازم تظلمها معاك."
"متقلقش من الناحية دي."
لحظات من الصمت وتشتت الذهن قطعها "خالد" مطالبًا "منار".
"ما تقومي تحضري لنا لقمة مع "أم مجدي" ولا هتسيبونا جعانين كده."
نهضت "منار" على الفور ملبية طلبه.
"لأ إزاي طبعًا، دقايق والعشا يبقى جاهز."
فور أن غابت "منار" عن أعينهم مال "معتصم" بنظرته الكاشفة تجاه والده قائلًا.
"إيه يا سيادة المستشار، قمت ماما عشان تقول لنا إيه؟"
بإنبهار شديد لا يخلو من الدهشة نظر "خالد" بوجه "معتصم" الذي استطاع أن يفهم بفراسته أنه يريد الاختلاء بهما ليجيبه بشكل متوارٍ.
"أمكم بتتعامل مع الأمور بعاطفة عشان كده عاوزكم تفكروا بشكل عملي، إنتوا خلاص بقيتوا رجال يعتمد عليكم، لكن خلي في بالكم العيلة أهم حاجة، ولازم لما تكونوا عيلة تكونوا واثقين في نفسكم وفيهم حتى لو الظنون لعبت في دماغكم افتكروا إن بعض الظن إثم، امشوا ورا قلبكم واللي ربيتكم عليه، فاهمين."
أومأ كلاهما بتفهم ليعيد "خالد" الأمر بصورة جدية للغاية.
"فاهمين قصدي كويس؟"
رغم أن حديث والدهم كان كلامًا مرسلًا لم يستطع "رؤوف" فهم مقصده بالفعل، لكنه أجاب بالتفهم.
"فاهمين طبعًا."
بينما اكتفى "معتصم" بالتطلع بوجه والده الذي يبدو أنه يخفي عنهم شيئًا عظيمًا ولا يود التصريح به، فإصراره على ذكر أن اهتمامهم الأول يكون بالعائلة والثقة بها بالطبع له صلة ما بهذه التوصية الآن.
***
اشتقت إليك ولم أتركك بعد، فكم كان قلبي متلهفًا لهذا اللقاء، لكن لغتي هربت مني جميعها حين سقطت عيناي ببحور عيناك.
تراقص قلب "موده" الصغير فرحًا، فما حدث اليوم لهو درب من الخيال وحلم بعيد الوصول، لكن اليوم قد انتهى وعادت من عملها بقلب زُخْم بعشق طال تحمله والآن فقط سيخرج للنور، فالجميع بشر إلا أنت نجم متلألئ بسماء قلبي.
أسرعت بخطواتها تدلف لداخل الحي للحاق بـ"غدير" حتى تبلغها بأعظم خبر مر بحياتها، ستتزوج "رؤوف" مُهجة الفؤاد وحياته.
خطت لداخل بنايتهم القديمة لتصعد الدرج بحماس وقلب طفلة لن تخفي سعادتها عن نصف قمرها بل ستسرع لمشاركتها إياه.
صدمة واتهام واضح وصريح بالخيانة لم يتفوه به "عيسى" وهو يناظر تلك الواقفة أمامه بهيئتها التي لا تناسب زيارتها لبيت أختها، فمنذ متى تأتي كزائرة لعدة ساعات وينتهي بها المطاف بالاستحمام والخروج بمأزر الحمام بداخل الشقة، إنه لوضع مريب مثير للشك ومعظِّم للظنون التي أخذت تعبث برأسه.
نظر نحو "غدير" مطولًا وقد احتلت نظراته نحوها تصفعها بقسوة دون أن ينطق بكلمة أو يتحرك لخطوة، فقط يناظرها بصورة غير معتادة، فأين حنانه الذي يغدقها به، وأين لطفه معها دون سواها.
مجرد لحظات صامتة جعلت "غدير" تشعر بغرابة الأمر، فلمَ أتى الآن ولم يبدو عليه الغضب. إحساسها بأنه ليس على طبيعته جعلتها تسأله بنبرة مترددة وصوت منخفض.
"مالك يا "عيسى"؟"
تعالت أنفاسه وهو ما زال يحدق بها بقوة ليثير بنفسها الاضطراب، فهو غير طبيعي بالمرة. أعادت سؤالها بنبرة تميل للقلق.
"فيه إيه يا "عيسى"، مالك ساكت أوي كده؟"
زاغت مقلتاه كما لو أن هناك العديد والعديد من الكلمات تدور برأسه دون النطق بها، فقد كان يتوقع الخيانة من الجميع إلا هي.
هل بالفعل هي خائنة؟ وإن لم تكن فمن هذا الرجل وماذا كان يفعل هنا؟ لم كان مضطربًا يرتدي قميصه بعجالة كما لو أدرك وجوده فهرب قبل حضوره؟ لم بدلت ملابسها وارتدت مأزر الحمام فأين ملابسها؟ لم تتواجد ببيت أختها وهي ليست به؟ أليس من المفترض أنها جاءت لزيارتها؟
كلها أسئلة مؤلمة دارت بعقله بنفس اللحظة، كما أنه لم ينس أمر الخاتم أيضًا.
ابتلع ريقه بصعوبة وهو يحاول إخراج ولو سؤالًا واحدًا فقط من كل تلك الأسئلة، فربما إجابتها تريح قلبه المنهك. إنه لا يود أن يعرف، لا يود أن يصدم. قلبه الخائن يحبها.
بعد صمت دام للحظات نطق "عيسى" أخيرًا وهو يسحب العلبة القطيفة ذات اللون الأرجواني ليخرجها أمام عينيها الحائرتين ليظهرها بشكل واضح.
"إيه العلبة دي يا "غدير"، وإيه اللي جابها في شنطتك؟"
أهدلت نظراتها المتعلقة بعينيه نحو العلبة التي لم تنتبه لها للوهلة الأولى بل انشغلت بـجديته وحدته التي لم تعتاد عليهما منه. نظرت نحو العلبة لتتذكر تلك العلبة الغريبة، إنها نفسها التي كانت بحوزة "رشيد" لتشعر ببرودة تجتاح جسدها دفعة واحدة، حتى ضربات قلبها أخذت بالتزايد بحدة، فمن أين أتى بها، وماذا ستخبره الآن!
تعلق عينيها بتلك العلبة جعل مقلتيها تتسعان بفزع حتى أن جسدها أخذ ينتفض بشدة وضيق تنفسها أخذ بالظهور بأزمة جديدة قادمة بالطريق. همهمت بحشرجة شديدة لم تظهر كلماتها بوضوح.
"جبت العلبة دي منين؟"
لم تنتظر طلبه للتوضيح لتسعل بقوة تسمح لمخارج حروفها بالظهور لتعيد كلماتها.
"جبت دي منين يا "عيسى"؟"
رفع رأسه للأعلى منتصبًا بهامته وهو يكظم شفتيه بقوة، فإضطرابها لا يعني إلا شيء واحد أنها تخفي أمرًا ما. أجابها باقتضاب.
"من شنطتك السوداء، طلعت الخاتم ده من شنطتك يا "غدير"، جبتيه منين؟"
رفعت عينيها الواسعتين تناظره بتشبث ألا يظن بها السوء. ترى لم بحث بأغراضها ليخرجه وهذا ليس من شيمه مطلقًا! هل أخبره "رشيد" بذلك ليفسد علاقتهما وحياتهما الهانئة؟
ابتلعت ريقها وهي تدفع بنفسها للتحدث مدافعة عن نفسها وتمسكًا به، فمهما حدث لن تترك "رشيد" يفوز بإفساده لحياتها.
"ده ااا، ده ااا، "عيسى" متفهمش غلط، أنا مش عارفة جه منين وإزاي!!! مش بتاعي، مش بتاعي والله."
تمنى من داخله أن تكون صادقة، لكن اهتزازها النفسي يوحي بالنقيض، إن نبرتها وارتجافها يخبره بأنها كاذبة. كم يود تصديقها لكنها كاذبة. قلبه لا يطيعه بالغضب فهي الحبيبة وساكنة فؤاده، لكنه رجل حر ولن يقبل بخائنة مهما تعلق بها قلبه.
دنا منها لعدة خطوات يريد الصراخ بها، يعنفها ويقسو عليها، لكن نبرته كانت تلتمس منها ولو إجابة واحدة صادقة، كم هو مؤلم اتهام قلبك ونفسك، إنها روحه وسكنه فكيف يستطيع الغضب من قلبه.
عيناه حملت توسل للصدق، نبرته اهتزت بتألم لسؤاله وما سيتفوه به لسانه، لكنه مجبر، يريد سماع كلمة واحدة تبرئها ليلقي بما في جعبته دفعة واحدة.
"إنتِ بعتيني يا "غدير"؟ غدرتي بيا وبعتي الورق بخاتم ألماظ!!!! الورق اختفى وجت لي رسالة إنك إنتِ اللي أخدتيه وده المقابل...."
أخذ يلوح بعلبة الخاتم وهو يقبض عليها بقوة لينتفض جسده بانفعال شديد رغم محاولته الفاشلة بتمالك نفسه.
قبل أن يكمل ظنونه حركت "غدير" رأسها بالنفي وهي ترفع سبابتها تشير بـ "لا"، إنهمرت دموعها متلاحقة بشدة، ليس لاتهامه لها بل لتلك النظرة خائبة الرجاء التعيسة التي حلت بعينيه. لن تكون أبدًا من تسبب له هذا الألم، أردفت بنبرة حزينة للغاية لكنها تدفع بهذا الاتهام عن نفسها.
"لا يا "عيسى"، متقولش عليا كده، مش أنا اللي أعمل فيك كده، مش أنا اللي أوجعك كده أبدًا أبدًا."
نحى هذا الأمر الذي أصبح تافهًا تمامًا الآن عن رأسه لتتجلى ظنونه الكبرى ليلقي بعلبة الخاتم أرضًا كما لو كانت قذارة بين يديه ليتمسك بمرفقيها وقد لاحت دمعة خفية بمقلتيه شعرت بهما "غدير" على الفور، تحدث بنبرة مهتزة منهزمة تموج بها حزن وتعاسة لم تراها به من قبل.
"إيه اللي جابك هنا وأختك مش هنا؟ ليه لابسة روب الحمام وشعرك مبلول كده؟"
فتحت فاها لتجيبه بصدق عما حدث لكنه استكمل بكلمات تعثرت للغاية للخروج من شفتيه بطبيعية فقد كاد يبكي من أثر تلك الغصة التي ظهرت بكلماته حين استكمل ملقيًا اتهامه الموجع لها.
"مين اللي كان نازل من عندك ده؟!!!!!!!!! مين ده اللي بتقابليه هنا من ورايا؟!!!!!!!!! إنتِ بتخونيني يا "غدير"؟!!!!!"
اتسعت عيناها أكثر وأكثر، فما نطق به مفزع للغاية، اتهام لا يصدق ولا يمكن أن يفكر به مطلقًا. أجابته وسط بكائها بتساؤل مستنكر.
"إنت بتقول إيه يا "عيسى"؟ أنا!!!!!!! أنا أخونك، أنا!!!!!!!!"
تهدج صدره بانفعال واهتزاز ليشعر بالضعف، إحساس لم يمر به من قبل، يتمنى لو كان كل ذلك مجرد ظنون، لكن الأدلة تشير لخيانتها، إنه رجل قانون والأدلة دليل إثبات واضح. أعلى من صوته رغم ملامحه المتأثرة.
"أنا شايفه بعيني خارج من عندك هنا، وشايفه معاكِ يوم ما جيت أخدك من هنا يوم المطرة، كفاية بقى متكدبيش عليا، لما إنتِ مش عايزاني ومش بتحبيني مكملة معايا ليه، بتخونيني وتوجعي قلبي ليه، ليه، ليــــــــــــــه!!!!!!!"
أدركت "غدير" أنه يتحدث بالفعل عن "رشيد"، ذلك الكريه الذي يبدو أنه قد نصب إليها مكيدة لتهوي بها. سيخسرها حياتها وحبها، لكنها لا، لن تستسلم، ستظل تدافع وتتمسك بـ"عيسى" مهما كلفها الأمر، لن تترك الظنون تفسد حياتهم وتخسرها حبهم وتفاهمهم، لتصرخ موضحة لكنها كانت تتخبط بصورة عشوائية بحديثها.
"لالالا، أنا عمري في حياتي أبدًا ما أخونك، أنا بحبك يا "عيسى" ولا يمكن أحب غيرك، ده كداب، ده واحد عاوز يوقع بيني وبينك، أنا مكانش فيه حد معايا، لأ، والله ما حصل، أنا فيه مياه مش نظيفة اتكبت عليا وطلعت آخد دش، والله ما خونتك، أنا بحبك يا "عيسى"، لا يمكن أعمل كده، اسأل "موده"، أنا كلمتها، شوف حتى أي حد واسأله، أنا معملش كده."
أحنى رأسه وهو يغمض عينيه بقوة محاولًا تحمل فكرة خيانتها، وأن الحياة بينهم لا يمكن أن تستمر. إنها تدرك من هو، تدرك هذا الكريه المقصود، إنها تنفي أمرًا لا يمكنها إنكاره، إنها تكذب، ولا يكذب إلا من يخفي سر، وها هو أدرك ما تخفيه.
ترك مرفقيها متراجعًا بجمود ليردف دون النظر نحوها حتى لا يضعفه قلبه المتيم بها.
"يعني إنتِ عارفه هو مين كويس، إنتِ بتكدبي عليا، وطالما بتكدبي يبقى فيه حاجة غلط، إنتِ فعلًا بتخو........."
قاطعته "غدير" قبل أن ينطق بها لتضع كفها فوق فمه تمنعه من الاستطراد بالأمر لتردف وسط بكائها وشهقاتها التي لم تستطع السيطرة عليها فلا تدرك كيف تثبت له أنها بريئة من اتهامه لها، ليتها أخبرته كل شيء ولم تخفي عنه شيئًا. لو كانت أخبرته بالحقيقة وما حدث منذ ليلة لقائها بـ"رشيد" لما وصل الأمر لهذه الظنون والاتهامات. لم تجد سوى حل واحد تمنعه من أن يبتعد عنها حتى تثبت له أنها لم تخونه قط ولم تعشق سواه. نطقتها بتسرع دون تفكير.
"إوعى تقولها، إوعى تبعد عني، أنا، أنا، أنا حامل يا "عيسى"."
رفع بنيتيه بصدمة يناظرها باتساعهما، فتلك مفاجأة تغير كل ما كان ينوي فعله.
رواية ظننتك قلبي الجزء الثاني الفصل الثامن 8 - بقلم قوت القلوب
«لا يمكن ... !!!»
ليتنا نعلم ما تُخبئه القلوب، فربما تطمئن به نفوسنا، فالظنون إثم ووهم وألم، لكنها تترك داخلنا شعورًا يفوق تفاصيل الكلمات.
بريئة مُذنبة دون أن أدري، لا أقوى على رفع الظلم عني، ولا أريد سوى أن أُعامل كنقاء روحي ولين قلبي. عَفوية أُخفي ما ظننته سيؤذيني، ورأيت أن البوح لكان أطيب من الظن.
***
بيت المستشار خالد دويدار
كانت عودة "معتصم" ما هي إلا محطة قبل أن يغادر بعدها بوقت قصير متجهًا لما يسمونه (غرفة العمليات ـ صفر)، تلك البناية الخاصة بمقر المخابرات والتى سوف يتم بها تجهيز العمل لمتابعة أمر هذا التشكيل الإرهابي بعدما كُشف مقرهم السابق بعد خيانة "طه".
إن المرء مهما تقدم بالعمر وزادت خبراته إلا أنه ما زال طور التعلم، وهذا ما فعله "معتصم" هذه المرة. لسنوات طويلة اعتمد بها على نفسه فقط دون شريك بالعمل، وهذا ما حقق نجاحه الساحق، لكن وضعه مع مجموعة من الضباط الجدد كان تحديًا من نوع آخر وعليه أيضًا النجاح به.
وبرغم خيانة "طه" إلا أنه أدرك أن هناك معلومات يجب أن تُخفى تمامًا عن بقية المجموعة حتى لا يتعرض لفشل مهمته بسبب خيانة أخرى، لكنه يتقاسم معلوماته مع رفيقه الذي يثق به تمامًا، الضابط "عمر".
استقل "معتصم" سيارته بعدما أسدل ستار الليل وقلت المارة بالطرقات، متجهًا لغرفة العمليات كما اتفق ضمنيًا مع "شادي" فقط لضبط بعض الأمور قبل بدء عملهم مع بقية المجموعة بالغد.
***
شقة مودة
طعنة المُحب لموجعة أكثر من العدو، فإن المرء يهزم بالأشياء التي يحبها. ربما بعض الأحيان يتوجب علينا التغافل، لكن حتى التغافل يحتاج قوة، فقد سقط ببحور عشقها وعلق.
كلمة خرجت من شفتيها المرتعشتين جعلته يتيبس بموضعه. فعندما قرر بلحظة أن تلك هي النهاية، ألقت بورقة الضغط التي ألجمته عن التمادي بقراره. إنها حامل!
طفل تمناه وتمنته ولم يحظيا به، ها هي تعلنها الآن لتعيده لنقطة الصفر. تخبط بداخل نفسه، فكيف سيقبل وجودها بحياته وهو يدرك خيانتها؟ لكنه طفله، رابط بينهما كان أملًا لكل منهما بوقت من الأوقات.
أعاد "عيسى" الكلمة بنبرة منخفضة وقد تجلت به حالة من الصدمة وعدم التصديق.
- حامل!
تَعرِفه حق المعرفة، بل تحفظه عن ظهر قلب. إنه سيرضخ لها ولن يبتعد بعد تلك الكلمة، سيبقى إلى أن تُصلح ما أفسده هذا الدنيء. بجسد مرتجف وأنفاس متحشرجة، أومأت عدة مرات لتعيدها مرة أخرى.
- أيوه يا "عيسى"، أنا حامل.
زاغت عيناه بتشتت ليبتلع بقية حديثه، فلن يجدي التفوه به، لكنه غير راضٍ، مجبر على البقاء حتى مع ظنونه التي تحولت ليقين، حتى مع إدراكه لكونها خائنة، إلا أنه لن يتركها الآن على الأقل.
أغمض عيناه متحملًا بصعوبة.
- أنا راجع البيت.
قفزت "غدير" أمامه بنظرات مستجدية وشهقات مستمرة.
- وأنا؟
تهربت عيناه عن رؤية ألمها، فهو مطعون بقلبه وشرفه، وعليه التقبل والصمت. أجابها وهو يشيح بوجهه عنها.
- مش عارف، مش قادر أشوفك قدامي.
تركها مغادرًا، في حين زاد ضيق صدره واختناق روحه. نعم، يحبها، لكن تقبله لها الآن أصبح لأمر قاسٍ جدًا على قلبه. تقابل مع "موده" بمنتصف درجات السلم ليعبر من جوارها بصمت ووجه متعب متألم، حين ألقت تحيتها عليه.
- إزيك يا "عيسى".
تنهد "عيسى" بضيق دون رد، ليسرع بخطواته إلى خارج هذا البيت الذي شهد على تهشم قلبه وخيانة حبيبته.
تعجبت "موده" لتجاهل "عيسى" لها، لتسرع نحو الشقة، فيبدو أن هناك أمرًا عظيمًا بينه وبين "غدير". تقدمت نحو باب الشقة الذي ما زال مفتوحًا، لتسقط عيناها القلقتان على "غدير" مبللة الشعر، مرتدية مأزر الحمام بشكل فوضوي مثير للريبة. بتوجس شديد أشارت "موده" نحو الباب متسائة بقلق.
- ماله "عيسى" يا "غدير"؟ بكلمه مش بيرد عليا؟
كان ذلك إذنًا لها بالانهيار، لتسقط أرضًا جالسة فوق البساط تتشاهق بتحسر ومرارة، منكسة رأسها بعدم تصديق لما حدث لها وغضب "عيسى" منها. تأوهت بألم لقلبها المختنق.
- ااااااه...
تأكدت "موده" بأن هذا الأمر ليس هينًا بالمرة، لتسرع نحو الباب تغلقه أولًا قبل أن تجثو أرضًا تشارك أختها جلستها مستفسرة عن الأمر.
- إيه اللي حصل يا "غدير"؟
وضعت "غدير" كفها فوق صدرها المتعب، فالأزمة زادت حدة حتى أن أنفاسها كانت مؤلمة للغاية، لكنها أخرجت ما كبتته من كلمات بوجود "عيسى".
- "عيسى"، "عيسى" يا "موده" فاكر إني بخونه مع "رشيد"؟ مش عارفة إزاي بيقول إنه شافه طالع من هنا، بس والله والله أنا لا شفته ولا عارفة دخل إزاي، والله ما شفته.
ضمتها "موده" بحنان تحاول تهدئتها قليلًا، فصوت أنفاسها كان متحشرجًا للغاية.
- طب إهدي بس كدة عشان أفهم.
أكملت "غدير" غير عابئة بألمها لتستطرد موضحة.
- حد قال لـ"عيسى" إن أنا اللي أخدت الورق بتاع شغله وبعته بخاتم. أنا معرفش الزفت ده حط الخاتم في شنطتي إمتى! (لتنتبه "غدير" قائلة بإدراك) أيوه، يبقى هو اللي حط الخاتم في الشنطة وقال لـ"عيسى" كده عشان يشك فيا. ولما جيت النهارده كان عارف إن "عيسى" جاي وعمل نفسه طالع من هنا. "عيسى" كمان شافني المرة اللي فاتت لما شفته على أول الطريق. الـ*** عمل لي مصيدة عشان "عيسى" يفتكر إني بخونه معاه. آه يا ****.
وضعت "موده" كفها بصدمة فوق فمها، فكم كان خبيثًا للغاية وسيهدم حياة أختها طيبة القلب، لتردف بتخوف.
- يا نهااااار، وبعدين يا "غدير"؟ "عيسى" صدق طبعًا!!!
رفعت كتفيها وكفيها بعدم إدراك.
- أكيد طبعًا، "عيسى" راجل دمه حامي وعمره ما كان حيเขา يقبل يعرف إني خونته وغدرت بيه في شغله كمان ويقبل ده. عرف يلعبها الشيطان اللي اسمه "رشيد". ااااااه، مش عارفة أتنفس، هاتي الجهاز من الشنطة يا "موده" بسرعة.
أسرعت "موده" تُخرج جهاز التنفس الخاص بـ"غدير" من حقيبتها وتضع به الدواء على الفور ثم ناولتها إياه، لكن الأزمة لم تهدأ بل زادت مع انفعالها المتزايد حين أكملت تلوم نفسها بقوة.
- وعشان أطلع من الورطة دي دخلت نفسي في ورطة تانية. أنا قلت لـ"عيسى" إني حامل عشان ميسيبنيش.
رفعت "موده" حاجبيها بإندهاش لتردف بشبح ابتسامة لبريق الأمل الذي استشعرته.
- بجد، إنتِ حامل ومتقوليليش؟
مسحت "غدير" دموعها المتلاحقة بكفها قائلة باختناق.
- لأ، مش حامل، مش حامل، أنا قلت له كده بس عشان ميبعدش عني ويسيبني.
تهدلت "موده" بانهيار تام وهي تناظر أختها بملامة.
- إيه؟ ليه كده يا "غدير"؟ بقى بدل ما تقولي له الحقيقة كلها ترجعي تكدبي عليه تاني؟ طب لو عرف إنك مش حامل حيبقى الوضع إيه دلوقتِ؟
- مش عارفة، مش عارفة، هو ده اللي جه في بالي ساعتها، خوفت يطلقني ولا يبعد عني، أنا بحبه ومش عايزة أبعد عنه.
كيف كانت ستتحمل رحيله عنها؟ إنه ساكن بين خبايا ضلوعها، تتنفسه هواه ولا يمكنها الحياة بدونه. ولو استطاعت لفعلت ما هو أكثر من ذلك لتشتري به بقاءه لفعلت، لكن يبقى الظنون التي حالت بينهم، فكيف ستعيد بناء ما هدمته الظنون بلحظة؟
***
غرفة العمليات ـ صفر
وصل "معتصم" لهذه البناية الذي يطلقون عليه (غرفة العمليات ـ صفر) ليبدأ بمتابعة أدق الأمور بنفسه، فلن يسمح بخطأ آخر تحت قيادته. لم يكن هناك سوى "شادي" الذي كلفه بالمجيء لقضاء الليلة للبدء بالتحضيرات اللازمة لاستكمال المهمة.
خلع "معتصم" سترته وأثنى أساور قميصه الأبيض ليسمح له بالتحرك بحرية. فتح الأزرار العلوية لقميصه ليظهر مزيجًا بين اللون الأبيض الساطع وبشرته البرونزية لتكسبه مظهرًا مثيرًا جذابًا.
رفع سوداوتيه تجاه "شادي" متسائلًا.
- الإنترنت واصل؟
أومأ "شادي" بالإيجاب.
- تمام يا قائد، أنا ظبطه قبل ما تيجي.
أمسك "معتصم" بجبهته محدثًا نفسه بصوت واضح.
- الناس دي مبتهزرش، بس لازم نعرف بأسرع وقت مين اللي بيحرك الناس دي قبل ما حد يتأذى.
أجابه "شادي" بحماس لوجوده تحت إمرته.
- كلنا معاك يا قائد، وإحنا جمعنا أسماء مجموعة منهم وممكن في لحظة نقبض عليهم.
استدار نحوه "معتصم" بحنكة مخضرمة.
- نقبض عليهم، وفجأة نلاقي ريسهم عمل شبكة جديدة منعرفش أعضائها يبدأ في سلسلة الاغتيالات. لأ طبعًا، لازم نوصل للعقل المدبر الأول، وإحنا كده كده بنراقبهم بأكثر من طريقة ومسيرهم يقعوا.
نظر "شادي" تجاه غلاية الماء ليدعو "معتصم" لاحتساء مشروب ما.
- طب طالما الليلة قدامنا سهر وتجهيز، نشرب شاي أو أي حاجة.
أردف "معتصم" بالإيجاب.
- مفيش مشكلة.
وضع "شادي" الأكواب ليحضر كوبين من الشاي، حين أخذ يسترسل بالحديث، لكن "معتصم" كان هادئًا تمامًا يتابع جهاز الكمبيوتر دون الاكتراث لتلك الثرثرة الفارغة، فطبعُه الثقيل يجعله يتغاضى عن الأمور التافهة.
صمت "معتصم" وانشغاله بالكمبيوتر جعل "شادي" يتابع عمله بصمت، فقد شعر بالحرج لعدم تجاوب "معتصم" معه، لكنه معه الحق بذلك، فهذا ليس وقتًا مناسبًا للثرثرة، بل عليهم العمل حتى مجيء بقية المجموعة بالصباح.
***
بيت المستشار خالد دويدار (عيسى)
غم السواد عيناه واحتل الاختناق بقلبه حين أقبل "عيسى" بعودته للبيت. تلك العودة التي كان يتمناها من قبل، الآن أصبحت همًا مثقلًا بنفسه. لم يعد يتمنى عودته ولا يرجو عمله ولا يسعد بحياته، إنه لا يريد شيئًا، لقد فقد شغفه بالحياة. فأي حياة تلك التي انشق بها قلبه وأُجهد بها عقله؟
دلف لشقة والديه، فلن يصعد لشقته التي جمعته بتلك الخائنة. لم يكرهها، فلن يستطيع ذلك، فقد امتلكت قلبه وروحه، إنها نقطة ضعفه السوداء التي لا يقوى على مواجهتها.
ألقى بمفاتيحه لتصدر صوت ضجيج فوق المنضدة الزجاجية، قبل أن يلقي بنفسه بإنهيار فوق المقعد ليزيح رأسه للخلف مغمضًا عينيه بقهر. ذلك الإحساس الذي لم يكن يدري كيف هو، الآن علم كيف يشعر به. قهر لتقبله ما يرفضه، قهر لقلبه الخاضع لها، فمع خيانتها إلا أنه ما زال يشعر بحبها ينبض بقلبه، ما زال لا يفكر إلا بها. متى سيدب كرهها بقلبه ليشعر بقوته مرة أخرى؟ متى سيتحرر من عشق توغل به وقد سمح له بذلك؟ ومع كل ما حدث سيتقبل وجودها بحياته لأنها ستصبح أمًا لولده.
لاح بعقله ظن آخر جعله ينتفض بجلسته ليعتدل بأعين مشتتة، فكيف يتأكد من أن هذا الطفل ولده حقيقة وليس طفل شخص آخر؟ مجرد أن لاح هذا الظن برأسه وتوهجت عيناه بغضب آخر. ألهذه الدرجة وصلت الأمور بينهم؟ أن تخدعه وتخونه ويشكك بطفلها؟ أهي "غدير" التي يعرفها أم أنها شخص آخر؟
خطوات اقتربت من "عيسى" الذي لملم جراحه بصعوبة ليلتزم الصمت فقط، فحتى طاقة الحديث سُلبت منه تمامًا وأصبح غير قادر عليها. انتبه لـ"رؤوف" الذي جلس إلى جواره بوجه ضاحك مبتسم.
رفع "عيسى" وجهه المحتقن يطالع أخاه بإشفاق، فلن ينطق أو يظهر له ما حدث من "غدير"، فهو مريض ويكفيه ما ألم به. لكن كان لـ"رؤوف" رأي آخر حين سأله باهتمام أخوي.
- مالك يا "عيسى"؟ وشك مقفول ليه كده؟
غصة علقت بحلقه جعلته يردف بصوت محتقن.
- مفيش يا "رؤوف" شوية مشا مشاكل في الشغل.
أومأ "رؤوف" بتفهم ليوسع من ابتسامته يزف إليه خبره السعيد.
- ده أنا عندي حتة خبر حيخليك تطير من الفرحة إنت بالذات.
صدرت ضحكة تهكمية غريبة على "عيسى"، فهل هناك ما يفرحه بعد خسارته لقلبه وحبيبته "غدير" للأبد؟ أردف "عيسى" بتهكم لم ينتبه له "رؤوف".
- والله.
عقب "رؤوف" بحماس ما زال يشتعل بقلبه المبتهج.
- أنا و"نيره" سبنا بعض، هي مش عايزة تكمل مع واحد مريض زيي، بس ده أحسن عشان أنا أصلًا مكنتش عايز أكمل. عارف ليه؟ عشان بحب واحدة تانية وعاوز أتزوجها.
امتعض وجه "عيسى" لهذه القرارات المصيرية المفاجئة، لكن "رؤوف" أكمل دون انتظار لاستفهام "عيسى".
- أنا حتجوز "موده" أخت "غدير"، أنا قلت لبابا وماما ووافقوا.
اتسعت عينا "عيسى" بصدمة واندهاش من تلك التطورات الغريبة، ليبقَ بنفسه تحذير ألا يكمل بتلك الزيجة بعد ما لاقاه من "غدير". أراد أن ينطق بها، أن يصرخ رافضًا معلنًا خيانتها، لكن قلبه ولسانه لم يطاوعانه على قولها وتشويه صورتها بأعينهم. قلبه الضعيف الذي ما زال يحبها، إنه بالتأكيد ليس قلبه، إنه قلبها وملك لها. فحتى مع كل ما فعلته إلا أنه لا يقدر حتى على قول ذلك عنها.
تلجم لسانه لتتشنج ملامحه لبعض الوقت مما أثار قلق "رؤوف".
- "عيسى"، فيه إيه متقلقنيش؟ إنت تعبان ولا مش موافق ولا إيه؟
تنهد "عيسى" بألم وهو يمسك بمقدمة رأسه المتخمة.
- أنا عايز أنام، طلعني أنا بره القصة دي.
نهض "عيسى" مستقيمًا ليتجه نحو غرفته القديمة للمبيت بها، فلن يقدر على رؤيته لـ"غدير" إن عادت. لكن "رؤوف" أشار نحو باب الشقة ممازحًا.
- رايح فين يا أخ؟ شقتك من هنا.
أجابه "عيسى" دون الالتفات إليه.
- لأ، حنام النهارده هنا.
ضيق "رؤوف" جبهته باستنكار ليهمس لنفسه بانتباه.
- ااه، دي شكلها مشكلة بقى بين "غدير" و"عيسى"، هو يعني لولا كده حيسيبها وينام هنا، ده عمره ما عملها من يوم ما اتجوز.
ظل "رؤوف" يومئ رأسه لبعض الوقت، في حين أقفل "عيسى" باب غرفته لينعزل عن الجميع متفكرًا بأمر حمل "غدير" الذي أثار بعقله الظنون والشكوك بعد معرفته خيانتها له.
***
بيت النجار (شقة فريد)
بعد غياب لعدة ساعات عاد "فريد" بالنهاية لشقته ومعه أولاده بعد أن ترك مساحة من الوقت لـ"حنين" بالرحيل. بالتأكيد هذا هو أصوب قرار اتخذه بحياته. فهي لم تعد "حنين" التي أحبها وطلب رضاها، إنها خائنة كانت تخدعه للحصول على المال لتغدق به على عشيقها. إنه لم يكن سوى وسيلة لمال أبيه فقط.
جلس بنفس مهترئة يراجع كل ما فعله وما حل به منذ زواجه من "حنين". كيف أصبح طامعًا بمال هو ماله ومال أبيه من الأساس، كيف حاول توريط نفسه وأبيه وأخيه أيضًا بأعمال مشبوهة قد تقضي عليهم جميعًا، كيف كان يختلس الأموال من غير علم والده ليحضرها لـ"حنين" التي خدعته لسنوات ظنًا منه أنها تنفقها على أولاده. لقد ظن أنها زوجة صالحة رزق بها لينعم بحياة بها أحد يحبه ويتقبله ويبحث عن مصلحته.
لكنه أفاق من وهمه وظنونه وانقشع الغبار عن حقيقة "حنين"، لكن ما زال هناك توابع أفعاله التي ربما تخسره وتخسر والده كل شيء.
بتتمعن شديد ولأول مرة حاول التفكير بمنطقية دون مساعدة من "حنين" التي كانت بمثابة العقل المدبر لكل شيء. تفوه "فريد" بما يفكر به بصوت يكاد يكون مفهومًا محدثًا نفسه.
- كده "حامد" ممكن يودينا كلنا في داهية لو هرب حاجة في البضايع بتاعة الوكالة. أنا مش لازم أدي له الفرصة دي، ده أبويا وفلوسنا برضه مهما كان.
ليعتزم "فريد" الأمر بإنهاء اتفاقه مع "حامد" قبل أن تدق الطبول على رأسهم جميعًا. صحوة ضمير بالوقت الضائع، لكن ما زال هناك أمل لإنقاذ الأمر قبل أن يعلم أحد من عائلته بما كان يخطط له.
***
شقة فخري النجار
لا يدرك البعض كيف يحافظ عليك وألا يخسرك، لكن الشعور بالتملك وأنك ملكيته الخاصة لا يمكنك الذهاب لسواه. هكذا كانت "صباح"، فمع كل ما قامت به كان شاغل تفكيرها لهو أمر وحيد، ألا يذهب "فخري" لسواها، أن يبقى معها حتى ولو مُكرهًا.
دقات مختلسة دقت بباب شقة "صباح" لتنهض من جلستها بصعوبة متجهة صوب الطارق دون طلب من "راويه" بفتح الباب كما لو كانت تعلم هوية هذا القادم.
فتحت الباب لتطالع بسوداوتيها أن لا هناك آخر خلف هذا الشاب قصير القامة الذي وقف ببابها لتشعر للوهلة الأولى كما لو أنها لم تراه وتبحث عن سواه. فور اطمئنانها أن لا أحد بالجوار أشارت له نحو داخل الشقة قائلة بصوتها الخشن.
- ادخل يا "صاصا".
دلف "صاصا" لداخل الشقة دون التوغل بها، فقد كانت مجرد خطوات منتظرًا "صباح" التي أغلقت الباب من خلفه لتستدير نحوه متسائلة.
- عملت إيه؟
كانت كلمتها بمثابة إشارة لأن يلقي ما بجعبته من أخبار متتالية بإيضاح بالغ.
- الحاج "فخري" وكّل المحامي عشان الست "زكية" وفضل معاها طول النهار في النيابة لحد ما دخلت الحبس، وقعد يزق في المحامي ويقوله لو عايز محاميين تاني يجيبهم، بس الظاهر وضع الست "زكية" مش ولا بد، تقريبًا كده يا ست "أم فريد" القضية لبساها، بس سمعت بردك إن الحاج "فخري" عاوز يخلصها من القضية ويتجوزها لما تطلع، كان بيقول كده للمحامي اللي كان وياه.
لمعت عينا "صباح" بشرر لتطبق فمها بغيظ وهي تدفع بقبضتها السميكة بمحفظتها مخرجة حفنة من الأوراق المالية لتمدها نحو "صاصا" قبل أن تطلب من الرحيل.
- ماشي، خد دول، وخليك مراقب "فخري" وأول ما تعرف أي حاجة تجيني طوالي.
سحب "صاصا" المال بقوة وهو يناظره بابتهاج شديد مجيبًا إياها وهو يعد النقود بشراهة.
- طبعًا، طبعًا، وده اسمه كلام، لو عرفت حاجة حجيلك أوام، بالإذن يا ستنا.
خرج "صاصا" لتبقى "صباح" و"راويه" التي كانت تشاهد الأمر من بعيد مستمعة لتذمر والدتها الغاضب.
- بقى كده يا "فخري"، عايز تتجوز الخدامة دي عليا، بقى تسيب بنت الحسب والنسب وتجري ورا واحدة رد سجون، مــــــــــاشي، يا أنا يا إنت يا "فخري"، ما هو مش بعد كل اللي عملته عشانك ده ترميني أنا وتروح لها، إنت بتاعي أنا، أنا اللي عملتك بني آدم، لكن لأ، وربنا ما سايباهم هما الجوز.
***
شقة مأمون الجديدة
قد يُحاط المرء بما يُغلفه من سوء الظن، كثرتهم لا تعني صدقهم، لكن حتى وإن ساء بهم الظن ألا يمكن للمرء امتلاك فرصة لإثبات حسن النوايا؟ ألا ينبغي أن نحصل على فرصة واحدة للسعادة؟ أم أن السفينة عندما تنطلق لا تقف بالموانئ؟
دارت عينا "مأمون" بنظرة رضا وهو يطالع شقته التي تجهزت تمامًا كما أراد لزواجه من "نغم". مالت شفتيه ببسمة جانبية محدثًا نفسه.
- أظن كده الشقة جاهزة وتمام، ويوم الجمعة تيجي هنا يا "نغم"، أخيرًا.
صبر قد طال كثيرًا لأجل تلك الغاية التي لم يشارك بها أحد من قبل، لكن يفصله أيام قلائل على حلم بعيد قد تمناه بشدة.
خرج "مأمون" من شقته ليقضي سهرته بأحد المقاهي، فاليوم يشعر بالسعادة رغم إخفاء ذلك بداخله.
***
شقة مودة
تلك الحالة التي اجتاحت "غدير" لم تُمكّن "موده" من إخبارها بقرارها بطلب "رؤوف" للزواج منها وموافقتها له. ظلت "موده" تراقب أختها المنهارة لما حدث بينها وبين "عيسى". لم تظن أن كل هذا الحب يمكن أن يُهدم بهذه السهولة لمجرد ظنون، وإن كانت تميل للتصديق، فلما لم يسألها ويخبرها بظنونه؟ وهي أيضًا لم تخفِ عنه لقاءها بـ"رشيد". كلاهما مخطئ بحق نفسه وحق الآخر، لكن هذا ليس الوقت المناسب لأن تخبرها بذلك لتلتزم "موده" الصمت والتحسر لرؤية هذان القلبان يتحطمان بهذا الشكل.
رغم هدوء "غدير" وتخليها عن وجودها الصاخب، إلا أن دموعها لم تجف، ظلت تنهمر دون توقف، فخسارتها لـ"عيسى" ليس بالأمر الهين، كذلك كذبتها بأمر حملها لا تعلم إلى أين سيؤدي بها هذا الطريق المغلق.
أحضرت "موده" كوبًا من عصير الليمون لأختها لتهدئ من روعها.
- خدي حبيبتي هدي نفسك شوية وإن شاء الله كل حاجة حتتحل.
تحشرجت أنفاسها بحدة لتسعل لعدة مرات فقد زادت أزمتها التنفسية قوة، ورغم ذلك حاولت ارتشاف القليل من هذا العصير لكنها تقيأت ذلك على الفور فحتى معدتها لم تتحمل حزنها لتزج بالكوب بعيدًا قائلة.
- مش عاوزة، مش عاوزة، أنا حروح لـ"عيسى"، مش حقدر أنام وأنا بعيد عنه.
ربتت "موده" بخفة فوق كتفها.
- روحي يا "غدير" يمكن يهدا من ناحيتك ويفهم اللي حصل.
أومأت "غدير" بحزن، لكن أنفاسها ضاقت تمامًا لتجد نفسها لم تعد تتحمل كل ذلك السواد، فسقطت مغشيًا عليها.
أسرعت "موده" تحاول إفاقتها.
- "غدير"، "غدير"، فوقي يا "دورا"، فوقي حبيبتي، "عيسى" لا يمكن يستغنى عنك، شوية زعل وكل حاجة حتبقى كويسة، قومي حبيبتي، قومي.
مع إعياء "غدير" الكامل لم تستطع العودة لبيتها لتبقى الليلة برفقة "موده" ببيت والديها، لتكون تلك سابقتها الأولى ببُعد "غدير" عن "عيسى" لأول مرة منذ زواجهم، فكل منهما توقف بطريق وحالت بينهم الظنون.
***
فيلا الأيوبي
هدوء يعم أرجاء بيت "أيوب" كاملًا بعد أن خلدت "أم محمد" وولدها للنوم بعد صلاة العشاء مباشرة، فحياة الريف تحكم أوقاتهم وأعمالهم، إضافة إلى ذلك مرض "أيوب" الذي أخذ يشتد ويزيد من تدهور حالته وإبقاء المسكنات له بالنوم غالبية الأوقات.
أغلقت "شجن" غرفتها بعد أن دلفت إليها منذ قليل لتتأكد من أنها توصد الباب جيدًا بالمفتاح، فهذا من دواعي أمانها هنا، فهي لا تنسى أن هناك رجلان غريبان بالبيت حتى لو اطمأنت لهم.
جلست بهدوء فوق فراشها العريض تتنهد بحالمية وهي تطلق العنان لنفسها وقلبها النابض بالتنفيس عن مكنوناته، وقد لاحت بسمة لطيفة فوق ثغرها حين أخذت تتذكر حديث "رحيم" لها اليوم.
لطافته الشديدة وابتسامته الدائمة استطاعت سرقة قلبها لتهوى ببحور العشق الذي طالما سمعت عنه، فها هي تشعر بأحاسيس تجتاح قلبها لهذا (رحيم). جذبها قلبه العطوف ولينه الغريب الذي لم تر مثله من قبل.
أسندت جذعها لمؤخرة التخت تتذكر إعجابه بالطعام الذي حضرته "أم محمد" اليوم ليردف بتلقائية.
- أنا زي ما أكون أول مرة باكل بط، بجد يا طنط "أم محمد" تسلم إيديكِ.
ابتسمت "شجن" بقوة حين تذكرت تهكمها ومزاحها لطريقته التي لا تناسب وجوده هنا ولا عمله كسائق لدى "أيوب".
- (طنط)!!! "أم محمد" تزعل منك كده، قولها يا ست "أم محمد"، يا خالتي "أم محمد"، ولا حتى قوليها يا "أم محمد" وخلاص، محسسنا إنك دلوعة ليه كده، ما تقولي له حاجة يا "أم محمد"؟
- على راحته يا ست "شجن".
توهج وجه "رحيم" بشدة فقد شعر بالحرج من مزاح "شجن" ليبتلع كلماته ويصمت ببعض الخجل. رد فعله التلقائي وحرجه البالغ وعدم قدرته على الرد جعلها تشعر بالاستياء من نفسها، فهو خلوق للغاية ولا يمكنه الرد بقسوة ليدفع السخرية عنه لتعاود "شجن" حديثها بالاعتذار، فهو لا يستحق ذلك. ليس عيبًا أن يكون خلوقًا هادئًا يحمل اللطف واللين بحديثه وتصرفاته.
- آسفة بجد يا "رحيم"، أصلك ابن ناس أوي وأنا مش متعودة على كده.
اعتذارها جعله يشعر ببعض السكينة، فهو لم يخطئ باحترامه على طريقته لتلك السيدة التي بعمر والدته. كان رد فعله ابتسامة متقبلة دون عتاب أو ملامة، طريقة لطيفة لم تعتدها "شجن"، فمعاملاتها لجميع الرجال الذين تعاملت معهم خشنة كطباعهم القاسية المتحجرة.
ابتسمت لتذكرها كم هو خلوق ولطيف لتعترف لنفسها غير مصدقة لما تشعر به.
- شكلي حبيتك يا محترم، حاجة كده بلسم أوي في نفسه.
ضحكت من وصفها له. حاولت بعد ذلك استقرارها بفراشها استعدادًا للنوم حين شعرت بالعطش لتضطر للخروج من غرفتها لشرب الماء أولًا ثم العودة للنوم.
تحركت بخطوات هادئة حتى لا تزعج النائمين وينتبهوا لها، لكنها وقفت تطالع بتعجب هذا الواقف مراقبًا بصمت. مشهد مثير للريبة، فما سبب وجود "رحيم" بهذا الوقت يتطلع نحو غرفة "أيوب" كما لو كان ينتظر شيئًا ما. وجوده بهذا الوقت وتلك الطريقة أطلقت ظنون عدة برأسها لم تحدد سببها بعد، لكن وجوده لأمر غريب للغاية ومثير للشك أيضًا.
***
بيت عائلة الأسمر
انتهى لقاء "عتاب" مع "باسم" بعدما أخبرها ببعض التعليمات التي يجب عليها أن تلقيها على "محب" لتنفيذها ليقربهم من وصولهم لغايتهم.
عادت "عتاب" للبيت لمقابلة "محب" الذي طلبت منه بإصرار أن ينتظرها لحين عودتها. وبالطبع لم يخالف "محب" طلبها، فقد بقى طيلة الوقت برفقة والدته الصامتة.
دَلفت "عتاب" بنظرات صارمة، فكم تحلت بقوة وتجبر خلال تلك الشهور الماضية جعلتها غامضة مخيفة قاسية لحد بعيد، لا تهتم إلا بالمال فقط، أو ربما كانت كذلك، لكن لم ينتبه لها أحد من قبل.
مطت شفتيها وهي تطالع "محب" بضيق قائلة.
- أهلًا، أخيرًا فوقت وركزت معايا.
جلس "محب" غير مكترث بطريقتها المتهكمة ليبتسم لها بهدوء يميل للبرود كعادته.
- ملهوش لازمة الكلام ده، ها، كنتِ عايزاني في إيه النهارده؟
شاركته "عتاب" جلسته مردفة بتذمر.
- نهشتك الزيادة دي مع اللي ما تتسمى بتغيظني، أنا قلت لك خليها تحبك عشان متشكش فيك، بس مش للدرجة دي، إنت كده بتغيظني أنا.
ضرب "محب" كفيه بعضهما ببعض متعجبًا من أمرها.
- لا حول ولا قوة إلا بالله، مش إنتِ اللي عايزاني أسيب الدور، دلوقتي تقولي كده، الله!
لوت "عتاب" فمها بامتعاض لتستكمل دون تعقيب على ذلك.
- خلينا في المهم، إحنا لازم لازم ناخد خطوة أكبر، النهارده ولا بكرة بالكتير لازم تعمل اللي حقولك عليه.
عقد ذراعيه أمام صدره بتملل من فرض تعليماتها المتكررة.
- ها، قولي، أنا سامعك.
أشارت نحو بسبابتها وهي توضح له خطوتهم التالية بالتفصيل.
- ركز معايا.
***
شقة وعد
ارتجاف الصوت لا يعني الصمت، فبعض الأصوات تنبئ بالحق حتى لو كانت بصوت مرتجف. لم يكن تغاضي "وعد" عن كل الأحداث الماضية يجعلها تنسى ذلك، بل تعمدت ألا يؤثر بنفسها الهشة المتخوفة حتى لا تنزلق بهاوية لا يمكنها النجاة منها.
طال الوقت دون عودة "محب" كعادته، فاليوم كان خاويًا جدًا بدونه، لكن ما كان عليها سوى الانتظار.
سقط طفلها غافيًا، فقد تأخر الوقت وحان موعد نومه لتحمله بين ذراعيها لتضعه بفراشه.
أمر معتاد روتيني للغاية، لكنها حين غادرت غرفة الصغير شعرت بأن هناك انقباض بروحها. تشممت عطر "عاطف" المميز يملأ الأجواء. دارت بعينيها بين هنا وهناك كما لو كان طيفه مر من هنا. نعم، كل شيء بموضعه هذه المرة، لكنها تشعر بوجوده.
دارت بأرجاء الشقة لكنها كالعادة لم تجد أحد. تهدجت أنفاسها بتخوف من تكرار الأمر، أرادت لو تشعر ببعض الطمأنينة وأن تبث بنفسها الهشة بعض القوة. لهذا لم تجد سوى شخص واحد يتطرق بذهنها، إنها سندها وجدارها الصلب، أختها "عهد".
سحبت هاتفها لتدق برقمها لتستمد منها بعضًا من قوتها وصلابتها، فهي على وشك السقوط ولا تود ذلك بالفعل. فور سماعها صوت "عهد" شعرت براحة واستكانة، فلا شيء سيهمها إذا كانت أختها إلى جوارها.
- "عهد"، وحشتيني.
نظرت "عهد" لساعة الحائط المعلقة باقتضاب قبل أن تجيب أختها بتعجب.
- وحشتك!!! دلوقتِ؟ مالك يا "وعد"، صوتك مش طبيعي؟
ابتْلعت "وعد" ريقها وهي تتطلع حولها بأعين مشتتة.
- مش عارفة يا "عهد"، فيه حاجة مخوفاني، أنا حاسة إن "عاطف" هنا.
رفعت "عهد" حاجبيها باندهاش لتردف باستخفاف.
- "عاطف" هنا!! هنا فين؟ ما تعقلي كده، هو اللي مات بيرجع تاني؟
تنهدت "وعد" بهشاشة نفس ثم استطردت.
- والله زي ما بقولك كده، مرة ألاقي الخاتم بتاعه بعد ما كان ضايع ودوخت وأنا بدور عليه، ومرة ألاقي عصير الكيوي في الشقة وأنا أصلًا مجبتهوش، ودلوقتي أنا شامة ريحة البرفيوم بتاعه، أنا حتجنن خلاص، أنا خايفة أوي يا "عهد"، تفتكري "عاطف" لسه عايش وبيعمل فيا كده؟
مسحت "عهد" وجهها بكفها من غيظها المكتوم من سطحية أختها وسذاجتها لتردف بسخرية.
- "وعد" أنا دماغي فيها خمس آلاف حاجة، عايش إيه وكلام فارغ إيه، بلاش هبل، تلاقيكِ بيتهيألك ولا حاجة.
أجابتها "وعد" بتأكيد.
- أبدًا والله، زي ما بقولك كده.
زمت "عهد" فمها باستياء متسائلة بشك.
- وسي الأستاذ "محب" فين من ده كله بقى؟
- مش بيبقى هنا، ولما بقوله يقولي يمكن "زين" لقى الخاتم أو الحاجات دي بتحصل بالغلط، بيحاول يطمني خلاص، بس أنا قلبي مش مرتاح، أنا خايفة.
زفرت "عهد" بقوة فلم يكن ينقص يومها تخوف "وعد" أيضًا، لتحاول بث بها بعض القوة والتفكير بعقلانية، فلا يمكن لـ"عاطف" أن يعود من الموت.
أخذت "عهد" تلقي إليها ببعض العبارات التي تمدها بالقوة، حين فتح "محب" للباب ليدنو منها بخطواته الرزينة وابتسامته الجذابة.
استكملت "وعد" مكالمتها مع "عهد" وهي تبتسم تجاه "محب" بسعادة لعودته.
- أه، أه، فهمت، حاضر، ماشي يا "عهد"، سلام حبيبتي عشان "محب" جه بقى.
أنهت مكالمتها ليجثو "محب" إلى جوار المقعد الذي تجلس عليه هامسًا بنبرته العاشقة التي تسحبها معه لبحور الهيام.
- وحشتيني.
تصنعت "وعد" الضيق بدلالها الناعم.
- هونت عليك طول اليوم سايبني لوحدي.
قبّل كفها بقلبة عميقة مطولة قبل أن يردف.
- لو عليا أجيب عمر فوق عمري وأفضل بس جنبك يا قلبي، بس غصب عني، رجعت من المعرض وقعدت مع ماما شوية، ما إنتِ عارفة حالتها عاملة إزاي.
أومأت "وعد" بتفهم.
- ربنا يشفيها يا رب.
غمز لها بمحبة مستكملًا بحديثه المتغزل.
- بس تعرفي، كل ما أبعد أكتر بشتاق لك أكتر وأكتر، وأنا ميهونش عليا زعلك ولازم أعوضك حالا.
استقام "محب" بطوله الفارق ليحملها بين ذراعيه القويتين وهي تطلق ضحكاتها الخجلة من جرأته التي لا تستطيع الهرب منها.
- "محب" وبعدين.
- ولا قبلين، حبيبي وواحشني، نقول له لأ.
أجابته بخجل.
- لأ.
اتجه لغرفتهما لتنتهي ليلة المحبين بسعادة لتزيد من عشقهما الوليد ونهاية ليلة أخرى سعيدة بحياتهما.
***
شقة عهد
لم تكد تنتهي الليلة بالنسبة لـ"عهد"، فما أبقاها ساهرة سوى انتظارها للرسالة التي ستخبرهم بموعد التجمع وساعته كما اتفق معهم "معتصم".
أنهت مكالمتها مع "وعد" ليدق هاتفها برسالة نصية.
[موعد التجمع بغرفة العمليات رقم صفر في تمام الخامسة صباحًا]
رسالة مبهمة لمن لا يفهمها، لكنها أدركت فحواها تمامًا، فتلك البناية التي يطلقون عليها (غرفة العمليات صفر) لها عنوان محدد يدركونه جميعًا. تطلعت بساعتها التي تخطت الثانية عشر، فما بقى لها سوى ساعات قليلة لهذا التجمع، وبالطبع ستستغلها بالراحة حتى تكمل عملها بوعي تام وتركيز كبير.
لم تكن "عهد" الوحيدة التي أرسل إليها تلك الرسالة، بل شملت بقية مجموعة العمل أيضًا. كان الجميع في ترقبها، خاصة "عائشة" التي وجدت فرصة ذهبية لاقتناص بعض الوقت مع "معتصم" هذا القوي محطم ثبات القلوب بشجاعته وقوته ووسامته المميزة.
أسرعت "عائشة" تجهز من نفسها ليس لأداء مهمة ما، بل لإعجاب بهذا الرجل، فربما اليوم متاحًا لإظهار إعجابها به وتألقها أمام عيناه البراقة الغامضة التي جذبتها.
قبل موعد التجمع كانت "عائشة" تقف أمام البناية (صفر) كما يطلقون عليها لتستعد لما خططت له. دقت بالاتصال بـ"شادي" لإدراكها أنه هو من يرافق "معتصم" الآن.
***
تبادل "شادي" مع القائد "معتصم" تقسيم ساعات الراحة لمتابعة تلك الهواتف التي يتم مراقبتها لمعرفة أي معلومة جديدة عن هذا التشكيل. وبعد أن حصل "شادي" على بعض ساعات الراحة كان هذا هو وقت "معتصم" الذي قرر أن يغفو قليلًا فوق أحد المقاعد العريضة ممددًا ساقه فوق الطاولة الخشبية القصيرة ليرفع ذراعه الأيمن فوق عينيه ملتمسًا بعض الراحة.
عندما دق هاتف "شادي" أسرع بكتم صوت رنينه حتى لا يزعج "معتصم" النائم. تقدم ببعض الخطوات قرابة الباب ليجيب الاتصال بصوت هامس.
- ألو، أيوة يا "عائشة".
- أيوة يا "شادي" بقولك إيه، أنا جاية في الطريق بس حسيت كده إن المنطقة فيها ناس غريبة، الوقت ده المفروض الدنيا فاضية، خد بالك، أو أقولك فكرة، إنزل خد جولة كده اطمن إن محدش بيراقب المكان.
زاغت عينا "شادي" بتفكر، فيجب بالفعل الاطمئنان أن لا أحد توصل لمقر تجمعهم وكشفهم مرة أخرى ليضطر بتفقد المحيط لدواعيهم الأمنية.
- فكرة برضه، أنا حنزل أشوف الأوضاع، إنتِ قريبة؟
ابتسمت "عائشة" بخفة بانتصار لمخططها الأول.
- آه، أنا وصلت تحت المبنى أهو، استنى أطلع وإنزل إنت اطمن إن كل حاجة تمام.
- تمام.
دقائق قليلة حتى وجد "شادي" طرقات خفيفة للغاية تطرق بالباب، كان من البديهي إدراك أن تلك هي "عائشة".
فتح لها الباب برفق قائلًا بذات النبرة الخفيضة.
- ادخلي وخدي بالك القائد نايم، هي عشر دقايق وحكون رجعت متقلقيش، (ثم عقب باستنكار)، إنتِ جيتي بدري ليه أصلًا؟
أجابته "عائشة" بطريقتها المراوغة.
- الساعة بتاعتي مقدمة، وبعدين إحنا في إيه ولا في إيه دي هي نص ساعة يعني، يلا إنزل، وإتطمن كويس متستعجلش، أنا مش بخاف.
بحركة لا مبالية تحرك "شادي" لخارج الشقة، بينما دلفت "عائشة" بتسلل نحو الداخل فقد وقعت عيناها على "معتصم" الغائب بغفوته عنها.
دق قلبها بضربات متسارعة كلما تقدمت خطوة منه، كم كان حتى بنومه وسيمًا يخطف الأنفاس وتتصارع له دقات القلوب. انخفضت لتجثو بركبتها فوق الأرض وهي تتأمله بوله وتدنو منه بدرجة كبيرة فقد تناست نفسها تمامًا أمام قوته الساحرة التي جذبتها دون وعي منها.
تناست أنه قائدها وأنها ضابط شرطة وتذكرت فقط كونها أنثى تحكمها غريزتها أمام سطوة هذا الرجل الطاغي. تملكتها غريزة عشق تدنيها منه دون وعي بخطورة الأمر والمكان كالمغيبة، وماذا سيحدث إن استيقظ وشعر بها؟ لا شيء، فهل هناك رجل يرفض قرب امرأة حسناء تود قربه وتتودد إليه؟
***
وصلت "عهد" أمام البناية التي تدركها جيدًا، فقد عملت بأحد المهام بها من قبل تحت إمرة ضابط آخر أثناء تجهيز المعلومات الإلكترونية وقتها، كما أيضًا تدرك خباياها وتفاصيل تلك البناية ظهرًا عن قلب.
صعدت درجات السلم بهدوء لتصل لركن خفي بالقرب من مطفأة الحرائق المعلقة بالممر لتخرج أحد المفاتيح الاحتياطية التي توضع هناك، هذا الأمر الذي ربما لا يدركه سواها لعملها هنا من قبل.
صعدت نحو الشقة الصغيرة التي تُجهز بها الأجهزة للمراقبة لتلك المهمة لتضع المفتاح بالباب دون الطرق عليه، فثقتها المتعالية تجعلها تتعامل مع المهمة كما لو كانت هي الآمرة بها.
بذات الوقت كانت "عائشة" تمد أصابعها الطويلة تجاه "معتصم" الذي ما زال يغط بالنوم دون الانتباه لتلك الهائمة إلى جواره، لكنها فور أن لمست ذراعه القوي حتى انتفض من نومته ممسكًا بساعدها يضغط فوقه بقبضته القوية وهو يطالعها بأعينه الشرسة المتفحصة محاولًا إدراك من هذا الذي يتلمسه.
فتحت "عهد" الباب لتفاجئ بـ"معتصم" يمسك بذراع "عائشة" وهي تكاد تلصق وجهها بوجهه الذي يناظرها بقوة، فيبدو أنها قطعت وصلة قرب لكلاهما فقد كانا بمفردهما تمامًا. تعلقت نظرات "عهد" المنصدمة بهما وقد تيبس جسدها تمامًا حين التفت "معتصم" نحوها قائلًا بتفاجئ.
- "عهد"!
رواية ظننتك قلبي الجزء الثاني الفصل التاسع 9 - بقلم قوت القلوب
أريد أن أبقى، ألا يتم استبدالي حتى لو كنت أسوأ من بالعالم. لكن هل يمكن أن يمل القلب من الانتظار؟ ألا يمكن أن يكون هناك من يتحملني حتى النهاية؟ أبعد أن لان قلبي أسقط بسهولة حين تحين ساعة الانهيار؟ إنها الساعة التي يتشمت بها العقل بالقلب ليخبره (أرأيت)….!!
❈-❈-❈
إنه الاتهام الذي يظهر جليًا على مقلتيها الناعستين اللتين تناظره بهما. إنه يدرك ذلك بالفعل. أدرك "معتصم" على الفور ما يدور بخلد "عهد" حين فتحت الباب لتجده ممددًا فوق المقعد والطاولة يتمسك بذراع "عائشة" التي مالت حتى كادت تلتصق به. مشهد خيانة معروف بشكل مقزز.
طالعتهم "عهد" بغصة متألمة لبعض الوقت قبل أن تسحب شهيقًا قاسيًا متراجعة نحو الخلف كحركة تلقائية للمغادرة بصمت متألم. فلن تدني نفسها لهذا المستوى من الدناءة والحقارة. كم كانت لو تصرخ بهم وتثور لما تظنه ملكًا لها، لكانت أطاحت بكلاهما دون رأفة. لكن ما حقها بذلك؟
كم هو مؤلم بقاؤها وحيدة لسنوات طويلة، لكن الأشد إيلامًا هو شعورها بأنها تهون وأنه قد تم استبدالها. نعم، هي لم تقبل تصريحه لها بعشقه ولم تخطو خطوات برفقته في طريق المحبة معًا. لكنها شعرت بعاطفة قلبها التي مالت نحوه هو فقط. شعرت بأنه يخصها وحدها دون غيرها، وأنها غاية بالنسبة إليه وليست مجرد علاقة هوائية عابرة في حياته.
خذلان وغصة تلقتهما منه وعليها التظاهر مرة أخرى أن لا شيء حل بها؛ وأنها لم تتأثر ولم تشعر بحبه يولد بقلبها. يجب أن تشعره أنه لا شيء بالنسبة لها. إنها لن تجعل ذلك الإحساس الذي ولد حديثًا بقلبها يسحبها نحو نفس مصير نساء عائلتها وتقبل المذلة والهوان.
حين تراجعت تلك الخطوة كان "معتصم" مدركًا لتوابع الأمر بشكل متفرس ليدفع بذراع "عائشة" بقوة لتترنح الأخيرة نحو الخلف إثر دفعته القوية. قفز من موضعه ليلحق بـ"عهد"، تلك المتفردة بتربعها على عرش قلبه دون سواها. لكن يا ليتها تدرك ذلك، يا ليتها تدرك أن لا مثيل لها بقلبه.
أسرع يلحق بها قبل أن تغادر البناية فقد كانت خطواتها سريعة للغاية. إنها هاربة تسيء الظن به. أوقفها بجسارة ليلتف أمامها يمنعها من التقدم بأنفاس متلاحقة وقد ومضت عيناه بقوة حتى أن لون مقلتيه الأسود كاد يضيء من شدة توهجه.
– رايحة فين يا "عهد"؟ استني، إنتِ فاهمة غلط.
حدقت به للحظات قبل أن تهتف بهدوء مخالف لتلك النيران التي اشتعلت بقلبها.
– فاهمة إيه غلط يا حضرة الضابط؟
أكمل دون الحياد عن عينيها المتألمتين واللاتي تخفي التصريح بذلك.
– "عهد"، أنا معرفش "عائشة" جت إمتى، أنا كنت نايم صحيت لقيتك ولقيتها، إفهميني.
تهربت عيناها عن تلك الثاقبتين اللتين تنفذان لداخل روحها.
– براحتك يا باشا، هي تيجي، إنت تنام، شيء ميخصنيش، عادي يعني.
عاد "شادي" بعد جولة لا ضرورة لها ليجد "معتصم" و"عهد" يقفان بمدخل البناية. لتباطأت خطواته قائلًا بإبانة.
– صباح الخير يا قائد، أنا كنت بس بطمن على الأمن في المكان. "عائشة" قالت لي شافت حد غريب واضطريت أنزل من غير ما أصحي حضرتك، وقلت لـ"عائشة" متعملش إزعاج لحد ما أرجع.
تطلع به "معتصم" بحدة يحاول ربط ما قامت به "عائشة" لإبعاد "شادي" عن المقر. لينهره بقوة.
– ليا حساب معاك بعدين، خليك هنا ومحدش يطلع المقر لحد ما أطلب منك.
استدار "معتصم" تجاه "عهد" المتحفزة ببعض النظرات الغاضبة آمرًا إياها.
– اتفضلي معايا.
عقدت ذراعيها أمام صدرها بإنفعال.
– لأ طبعًا.
أوسع عيناه بحدة يعيد أمره بما لا يترك مجالًا للنقاش.
– قدامي يا "عهد".
تحركت بغيظ تسبق خطواته بخطواتها أولًا حتى دلفت لداخل المقر ليلحقها "معتصم" موجهًا حديثه لـ "عائشة".
– اطلعي بره، خليكِ مع "شادي" والبقية لما ييجوا.
لملمت "عائشة" شفتيها بإمتعاض لما آلت إليه الأمور فهي لم تكن تود إغضابه بالمرة. أسرعت نحو الخارج ليلحقها "معتصم" آمرًا إياها بنبرة صوته الشجية.
– اقفلي الباب وراكِ.
سحبت "عائشة" الباب دون فهم لم يهمه مظهره أمام "عهد" بالخصوص لتهبط درجات السلم نحو "شادي" الذي كان ينتظر بالمدخل.
بوضوح شديد بدأ "معتصم" حديثه مع "عهد" فلن يترك مجالًا للظنون. فأقصر طريق بين نقطتين هو الخط المستقيم، هكذا هي حياته ولن يتبدل مهما تغير الأمر.
– ممكن تفهميني إيه اللامبالاة اللي إنتِ فيها دي؟
إشرأبت بعنقها بتعالى مردفة.
– لا مبالاة إيه، أنا عادي على فكرة.
– لأ مش عادي، لما يكون ده رد فعلك لما تلاقيني مع واحدة يبقى مش عادي. كدة أبقى أنا مهمكيش من الأساس. لو كنت مهم عندك كنتِ على الأقل عاتبتيني، مش تمشي.
ضحكت "عهد" بسخرية ثم قالت تنفي أمر محبتها له.
– ده لو كنت مهم عندي، لكن إنت بالنسبة لي عادي، زيك زي أي حد. كدة كدة متهمنيش. (أضافت "عهد" بنبرة تحمل غيرة وغضب لكنها أخفت ذلك). دخلت لقيت واحدة تقريبًا في حضنك وإنت ماسك إيديها، إنت حر، أنا مالي.
مال "معتصم" بعينيه متفرسًا بملامحها المغتاظة المشتعلة بنيران الغيرة.
– عادي!!! يعني لا غيرتي ولا حاجة؟
إبتلعت ريقها المضطرب بينما أردفت بثبات.
– أغير!!!! أغير من إيه؟ هو إنت تهمني، أنا بس قلت أخلي لك الجو مع القطة الجديدة بتاعتك. (ثم هتفت بحدة كما لو كانت تعنفه). ما إنت كل شوية معاك قطة جديدة، يا.. “ماوصي”.
أنهت عبارتها بتهكم لتزداد ابتسامة "معتصم" فهي قد اشتعلت بغيرتها لكنها لم تقو بعد على التصريح بذلك. لكن إلى متى سيظلان يتنافران طيلة الوقت، متى سيصبحا ألطف وأقرب.
قالها صريحة مرة أخرى ربما يحرك ذلك مشاعرها ونفسها وتنطق بها.
– “عهد”، بقولها لك تاني، إنتِ عندي مش زي أي حد. أنا ولا حب ولا بحب غيرك، إفهمي بقى وبلاش عناد. انطقيها وريحيني وريحي نفسك.
قضبت ملامحها بقوة فهي لن تمرر الأمر بهذه السهولة. إنه يقلب الأمور حتى لا يعترف بملاطفته لـ"عائشة". لقد رأت قربه منها بعينيها لم يخبرها أحد.
– إنت الظاهر خيالك واسع، أنا لا بحبك ولا ححبك، إنت عادي جدًا بالنسبة لي، وأقل من العادي كمان. وبعدين إنت زعلان ليه، ما إنت قاعد تعطف وتلطف مع قطة ناعمة أهي، إشبع بيها، إن شاء الله تولعوا.
حدد بها "معتصم" لبعض الوقت كادت عيناه الغاضبتان ترجف أوصالها. لقد شعرت بالاهتزاز بالفعل حين رمقها بنظراته الحادة ليلجمها عن بقية حديثها التي كانت ستستطرده ليعقب بنبرة محذرة.
– قلت لك بلاش أسلوبك الدبش ده، وبقولك وإنتِ سمعتي بنفسك "شادي" لما قال إن "عائشة" عملت فيلم ملوش لازمة عشان تبعده عن المقر. يا ريت تكوني ذكية وتفهمي لوحدك.
رغم شكها بـ"عائشة" من الأساس وتصديق حديثه الصريح إلا أنها لن تعترف بخطئها وتخبره أنه كان على حق. كما أنها لن تخبره بأنها أيضًا تحبه وتغار عليه لتجيبه بعدم اهتمام رغم رفضها لنعته لها بالغباء.
– إيه يا ريت تكوني ذكية دي!!! إنت شايفني غبية ولا إيه!!! والله الهانم بقى عملت فيلم ولا معملتش أنا قلت لك الموضوع ده كله مش هاممني، إنت… حر.
صمت "معتصم" لوهلة فهي عنيدة ولن تتراجع عن موقفها بسهولة ليستخدم نفس وسيلة الضغط (عائشة). فهو كان سيستبعدها بعد ما فعلته إلا أنه الآن قرر بقاءها فربما وجودها يحرك الصخر وينطق الحجر.
– كدة، ماشي يا "عهد".
رفع هاتفه متصلًا بـ"شادي".
– أيوه يا "شادي"، اطلعوا، كلكم، حتى "عائشة" خليها تطلع.
أنهى المكالمة وهو يتطلع بتحدي تجاه "عهد"، التي بدورها رمقته بغيظ مكتوم لكنها لم تقو على الاعتراض لتنهر نفسها بقوة عن عنادها ومشاكساتها له فهي السبب بعودة "عائشة" مرة أخرى.
بذلك الوقت كان بقية ضباط المهمة قد تجمعوا حتى صدر أمر "معتصم" بالصعود لمقر (غرفة العمليات). لكن سؤال مبهم من "عائشة" انتبهوا له جميعًا قبل صعودهم.
– هي إيه الحكاية؟ هو فيه حاجة بين القائد و"عهد"؟
نظر بعضهم لـ"عائشة" بنظرات أخرستها فلا شأن لهم بحياتهم الخاصة. بينما أجابها "شادي" بنبرة هامسة خوفًا من أن يطاله نظرة من نظراتهم الحادة.
– مش عارف بس "طه" كان بيقول كدة برضه.
رفعت "عائشة" حاجبيها وأهدلتهما بتفهم مستنكر. فإن كان الأمر هكذا فيبدو أن هناك خلاف حدث بسببها ويمكنها استغلال ذلك لصالحها.
صعد الفريق للمقر لتبدأ مهمتهم التالية لكن مازالت الأجواء مشحونة بين "عهد" و "معتصم" دون إدراك للسبب الفعلي لذلك.
يوم مقلق لكن حاول الجميع ببيت عائلة دويدار أن يمر بهدوء على أية حال. فاليوم هو موعد معرفة نتيجة التحاليل ومزرعة الأورام التي قام بها "رؤوف".
أصر "منار" و"خالد" بأن يرافقا "رؤوف" إلى المستشفى فلن يتركوه بمفرده يتلقى تلك النتيجة دونهما. لكن علامات القلق ارتسمت بملامحهم جميعًا خاصة "منار" فقلبها لا يتحمل ما قد يؤذي أبنائها بالمرة.
رغم توتر "رؤوف" وقلقه البالغ إلا أنه كان متماسكًا راضيًا بقضاء الله أيًا كان ابتلاءه. فلو كان اختبارًا عليه التحلي بالإيمان للنجاح به كما قالت له "موده".
لم يخبر "رؤوف" "موده" بأنه سيحصل على نتيجة التحليل اليوم حتى يتأكد هو أولًا قبل أن يخبرها بما أصابه تحديدًا.
اتجه ثلاثتهم لمستشفى السلامة حيث تم تحديد لهم موعدًا مع الطبيب الاستشاري اليوم. جلسوا بالاستقبال حتى حان دور "رؤوف" لينهض بتخوف ناظرًا لوالديه وهو يشفق عليهما أكثر مما يشفق على حاله.
– خليكوا إنتوا هنا، بس أطمن وأبعت لكم.
رفض "خالد" بصورة قاطعة.
– لا يمكن، رجلنا على رجلك، ونطمن كلنا مع بعض.
فركت "منار" كفيها بتوتر وهي تشعر بالبرودة تسري بجسدها لتتمسك بكف ولدها الصغير.
– خلينا معاك يا حبيبي، ربنا يطمنا كلنا.
رضخ "رؤوف" لرغبتهم ليومئ بخفة ثم دلف ثلاثتهم لداخل حجرة الطبيب.
رحب بهم الطبيب وهو يأشر لهم بالجلوس ليبدأ حديثه بالإطمئنان عن حالة "رؤوف" بالأيام الماضية.
– أخبار صحتك إيه يا "رؤوف"؟
– الحمد لله، من يوم ما تعبت وأنا مفيش مشكلة خالص.
تطرق الطبيب للتقارير المصاحبة للتحاليل ونتيجة مزرعة الأورام الخاصة بـ "رؤوف" ثم أردف يشرح لهم حالته بإيضاح تام.
– كويس أوي، شوف يا "رؤوف"، الإغماءة اللي حصلت لك دي كان سببها نفسي مش عضوي، بمعنى إن مكنش فيه للإغماء أي سبب عضوي أبدًا. الألم كان حاجة والإغماء كان حاجة تانية.
تذكر "رؤوف" ضغطه النفسي بتلك الليلة لإجباره على إتمام زيجته من "نيره". كما شعر "خالد" بتأنيب الضمير تجاه هذا الأمر ليلتزم الصمت مستمعًا لبقية توضيح الطبيب.
– وده من حسن حظك على فكرة.
إقتضبت ملامح "رؤوف" بإستفسار.
– يعني إيه من حسن حظي؟
– يعني لولا قلقك النفسي وفقدانك للوعي مكناش عرفنا إن فيه ورم ولا تعب في معدتك، لأن حجم الورم صغير جدًا وكمان في طور البداية في مرحلته الأولى كمان.
إتسعت عينا "منار" بفزع وهي تستكمل حديث الطبيب.
– قصدك إنه مصاب بالسرطان فعلًا؟
بإيماءة دبلوماسية حرك الطبيب رأسه ليوضح بنوع من الإطمئنان.
– أيوه، لكن حضرتك دكتورة وعارفة إن المرحلة الأولى بإذن الله علاجها سهل وممكن الشفاء منها بأمر الله بسهولة.
أغرورقت عيناها فمهما كان مرحلة المرض إلا أنه يظل مريضًا.
– فاهمة بس ااا...
أمسك "خالد" بكفها يحثها على التماسك بينما شعر "رؤوف" بالضيق والإختناق رغم طمأنة الطبيب لهم. بينما استكمل الطبيب.
– علاج المرحلة الأولى عن طريق عملية استئصال وكورس علاج مصاحب وبإذن الله يُشفى تمامًا. ولازم يكون عندنا ثقة في الله وفي علاجه مهما كان.
طأطأ الجميع رؤوسهم مرددين.
– ونعم بالله.
– طيب إحنا المفروض نعمل تحاليل دم عشان نجهز للعملية في أسرع وقت إحنا مش عاوزين المرض يتمكن ولا قدر الله الحالة تسوء، ولا إيه؟
هتف "خالد" يسبقهم جميعًا.
– أيوه طبعًا، أكيد يا دكتور، على طول اتخذ اللازم.
– بإذن الله.
دون الطبيب بعض الملاحظات لعمل اللازم من التحاليل لتحديد موعد لإجراء تلك العملية الجراحية دون تباطؤ.
– دي التحاليل اللازمة، يا ريت نعملها على طول والأسبوع الجاي نعمل العملية.
– بأمر الله.
خرجوا من حجرة الطبيب بينما كان "رؤوف" صامتًا ببعض التخوف. فحتى لو حفز نفسه بأنه أمر قدري وعليه أن يتلقى الخبر برضا وإيمان بالله إلا أن وقع الخبر مخيف لنفسه المضطربة. غادروا المستشفى بينما اتخذ "رؤوف" طريقه للشركة و "خالد" لعمله لاستكمال يوم عملهم رغم ضيق نفوسهم.
نيرة إستور لمستحضرات التجميل.
ليس بالضرورة أن يكون عدوك عابسًا بوجههك بل يمكن أن يكون أكثرهم ابتسامًا. فما خفي بالقلوب أعظم. ليت المنافق يصبح صريح العداوة. لكنه بالنهاية يسمى منافق.
شعرت "نيره" بضيق بالغ بعد تركها لـ"رؤوف" بتلك المحنة. لكن تشجيع والدتها و"إسراء" لها جعلها تشعر بأنها تسلك المسار الصحيح. لكنها رغم ذلك مازال هناك شعور من داخلها بالاستياء لتخليها عنه.
جلست صامتة بغير عادتها تتأرجح الأفكار بعقلها بين "رؤوف" ومرضه وبين ابتعادها عنه واشتياقها له أيضًا فهي لا تنكر أنها برغم كل تلك المشاكل بينهم إلا أنها بالفعل أحبته.
دنت منها "إسراء" وقد تفهمت سبب وجومها لتتحدث على الفور.
– متفكريش كتير، هو ده اللي كان لازم تعمليه. حياة "رؤوف" دلوقتي هتبقى خنقة أوي، حياة كئيبة إنتِ متستاهليهاش. إنتِ صغيرة وحلوة المفروض تفرحي بحياتك مش تقضيها بين الأدوية والمستشفيات.
أومأت "نيره" رأسها بالإيجاب مقتنعة تمامًا برأي صديقتها، كما لو أنها جنبت تفكيرها وعقلها وتركت الأمر والنهي لتلك الفتاة التي أصبحت تسيطر على حياتها بشكل ملحوظ.
– أنا عارفة يا "سوسو" بس خايفة أكون اتسرعت مثلًا. كمان "رؤوف" وحشني أوي.
حركت "إسراء" رأسها الصغير لتهتز شعيراتها المصبوغة وهي توضح بعمق فلسفي لتزيد تأثيرها على "نيره".
– ده جوه عقلك الباطن بس، لكن الواقع لو عشتيه حتكوني تعيسة جدًا. بلاش ترجعي لورا، عيشي حياتك وإفرحي إنك متورطتيش معاه.
– أيوه صح، ده لو كانت الجوازة تمت الله أعلم كان زماني مستحملة إيه دلوقتي.
مطت "إسراء" شفتيها.
– بالضبط.
نظرت لمقدمة (الإستور) المتجر ثم هتفت بها باستغلال.
– هو الفطار اتأخر ليه، ده أنا حموت من الجوع.
أخرجت "نيره" هاتفها تتصل بأحد الأرقام وهي تحدث "إسراء" بالبداية.
– حتصل أأكد عليهم الأوردر وأشوفه اتأخر ليه.
عادت "إسراء" بجذعها بارتياح فكل ما يحدث يسعد قلبها الخبيث للغاية. بينما انساق "نيره" خلف مكرها لتخسر قلبًا كان محبًا عطوفًا دون أن تدري.
شقة موده.
هناك دومًا إحساس يجتاحنا يشعرنا بأننا بالطريق الخطأ. لكن العناد ورفض الواقع والإقرار به يجعلنا نزداد بالخسارة. لو كنا أدركنا ذلك من البداية لكانت خسائرنا لا تذكر.
استيقظت "غدير" بعد إعياء ليلة مؤلمة مهلكة للغاية. بالكاد استطاعت فتح عينيها لتدير مقلتيها تستشف المكان الذي تنام به، فقد مرت بكابوس مزعج للغاية.
لحظات من اختلاط الواقع بالخيال حتى أدركت أن ما مرت به لم يكن حلمًا بل بالفعل "عيسى" يظن أنها تخونه وأنها مازالت بشقة "موده". لحظات من استرجاع ما حدث بالأمس وإدراك أنها قد قضت ليلتها هنا ولم تعد لبيتها وحصنها الآمن لتهتف بصوت مبتئس وأنفاس متهدجة متحشرجة للغاية.
– "عيسى"، "عيــــــسى"، إنت فين يا "إيسوووووو".
أسرعت "موده" تجاه غرفة أختها بعجالة وقد ظهر القلق بملامحها.
– مالك يا "دورا"؟
إعتدلت "غدير" مردفة بقلب مهشم.
– أنا إيه اللي خلاني أنام هنا؟ مروحتنيش بيتي ليه؟ إزاي أبيت من غير "عيسى"؟
جلست "موده" بقربها تشد من قبضتها بكفها تحثها على التقبل والهدوء.
– بالراحة حبيبتي، الأزمة بتزيد، بالراحة على نفسك، ده إنتِ أغمى عليكِ امبارح، واضطريت أخليكِ تباتي معايا أهو، وهو "عيسى" يهدأ شوية والأمور حتتصلح إن شاء الله.
تطلعت "غدير" بتحسر بوجه "موده" متسائلة.
– و"عيسى" مسألش عليا لما ما روحتش البيت؟
نكست "موده" عيناها بتهرب لتجيبها بالنهاية.
– لأ.
تحشرجت أنفاس "غدير" حين انهمرت دموعها بغزارة وهي تنهض من فراشها.
– يبقى زعلان مني أوي، أنا لازم أروح البيت، لازم أروح له، مش عاوزاه يزعل مني.
أمسكت بها "موده" بتشبث.
– إستنى بس رايحة فين، إنتِ تعبانة، خليكِ هنا كام يوم لحد ما تهدوا شوية.
طالعتها "غدير" باستنكار.
– لأ طبعًا، لا يمكن أسيبه، لا يمكن أبعد عنه حتى لو هو عاوز كدة، ده روحي يا "موده"، ده أنا أموت عشانه. وبعدين أنا لما يبقى فيه حريقة في بيتي أطفيها ولا أسيبها تنطفي لوحدها، مقدرش أسيبه زعلان وأقعد هنا.
أسرعت "غدير" بتبديل ملابسها التي اقترضتها من "موده" بأخرى لتغادر بيت أختها عائدة لبيتها وعشها الدافئ.
بيت عائلة دويدار.
قبر عميق لا يشعر به سوى من دفن كلماته بداخله رغم حاجته الشديدة للبوح بها. لكن كتمانها مؤلم للغاية ذلك ما لم يدركه "عيسى" إلا اليوم.
مسح وجهه المتعب بإرهاق فلم تغفو عيناه طيلة الليل. فكلما حاول تجلى أمامه خيال هذا الرجل الحقير الذي خرج من بيت "غدير" ثم مظهر "غدير" وهي ترتدي مئزر الحمام. ليته لم يذهب ولم يعرف، فكم هي الحقيقة موجعة. يشعر بأن صدره شق نصفين لحظة رؤيتهما. لكن صوت "غدير" أخذ يتردد بذهنه مرارًا.
– (أنا حامل، أنا حامل، أنا حامل).
وضع "عيسى" كفيه فوق أذنيه كما لو أن ذلك سيمنع سماعه للكلمة.
تلك الكلمة التي كان يتوق لها منذ بداية زواجهم أصبحت همًا ثقيلًا فوق كتفيه وسندان فوق قلبه المطعون بخنجر خيانتها.
لتبدأ الظنون ووساوس الشيطان تتلاعب به.
-(يا ترى إللي في بطنها ده ابني أنا ولااااااا..؟!!)
سؤال مؤلم يغشى بالسواد لحياته كلها. تحرك من غرفته القديمة ببيت والديه ليصعد نحو شقته بالأعلى ليبدل ملابسه للذهاب للمحكمة. يتمنى بتلك اللحظة ألا يراها مطلقًا حتى لا يضعف مرة أخرى بسبب قلبه الخائن الذي تعلق بها.
فتح باب الشقة ليلاحظ أن الهدوء يعم الأرجاء بشكل يثير الريبة. دلف للداخل ليشعر ببرودة تعم جسده، فأين الراحة والدفء والطمأنينة؟ هل اختفت بغيابها.
تحرك بهدوء تجاه غرفة النوم ليجدها مرتبة تمامًا فيبدو أن "غدير" لم تأت بليلة الأمس ولم تقض ليلتها هنا. تنهد "عيسى" بألم.
– للدرجة دي!!! ما رجعتش حتى البيت!!!! دي عمرها ما عملتها من يوم جوازنا.
دلف لداخل الغرفة ليبدل ملابسه بقلب ضاق براحه بالدنيا الواسعة ليغادر البيت دون انتظار فإحساسه بالغدر والتعاسة تملكه منه بضراوة.
شركة بيكو للأدوية.
فرصة للهروب من نظرات الشفقة التي احتلت عيون والديه ليتجه "رؤوف" للشركة ليحاول تناسي تأكيد الطبيب لمرضه وربما ليقابل (مودته) التي تنسيه قسوة الدنيا التي حلت به.
لكن الإحباط كان حليفًا له حين وجدها لم تأت للعمل اليوم. لكنه يريد لقاءها ولن يمرر هذا اليوم دون رؤياها لهذا قرر مهاتفتها على الفور.
كانت هي أيضًا تتوق لرؤيته لكن إعياء "غدير" وما أصابها بالأمس جعلها تتغيب اليوم عن العمل. لحظات ووجدت اسمه يدق بهاتفها لتجيب بحماس وسعادة.
– صباح الخير يا "رؤوف".
تلقائيًا وجد نفسه يحدثها بكلماته المعسولة لكن هذا المرة كانت مختلفة تمامًا. فهو يقصدها بكل حرف وبكل كلمة ليس كما كان يتحدث في السابق مع الجميع.
– صباح الفل يا عيون وقلب وروح "رؤوف".
ضربات قلبها المتعالية أخذتها بعيدًا عن الواقع وحلقت بسماء المحبة تستمع لكلماته التي عزفت كمقطوعة موسيقية نادرة تطرب بآذانها لتردف بقلب متيم.
– ياااه، كل ده.
أجابها بنبرته الولهة.
– وأكتر، إنتِ لسه شوفتي حاجة، مش سكنتي قلبي، استحملي بقى.
بصدر مضطرب أجابته "موده" وهي تحمد الله أنه لا يراها الآن فقد سقطت ببحور هواه غارقة دون طوق نجاة.
– يا ريت أفضل طول العمر ساكنه كدة.
جلس "رؤوف" بأريحية بداخل مكتبه مستكملًا مكالمته معها.
– كدة برضه متجيش النهاردة وأنا كنت عاوزك ضروري.
تذكرت "غدير" و"عيسى" وسوء الفهم بينهما لتجيبه باستياء.
– معلش غصب عني.
تذكر زيارته للطبيب في الصباح ليعود لتجهمه فقد تناسى مرضه فور سماعه لصوتها ليستطرد بجدية وتأثر.
– النهاردة رحت للدكتور وعرفت نتيجة التحاليل.
انتبهت "موده" بإنصات تلوم نفسها على عدم تواجدها معه الآن.
– بجد، وقالك إيه، بالله عليك متخبيش عليا.
أجابها بصدق فهو بالفعل يحتاج لسماع كلماتها التي تشد من أزره.
– فيه ورم ومحتاج عملية.
سهم مؤلم غرس بقلبها لكنها ستظل قوية لتمده بقوتها فهذا وقت احتياجه لها.
– وإيه يعني، عملية بسيطة وتقوم منها بألف سلامة وأحسن من الأول كمان.
– مالك واخداها بسهولة كدة ليه؟
أجابته وهي تخفي قلقها عليه.
– عشان أملي في الله كبير، وإنت كمان لازم تكون واثق إن اللي إنت فيه ده هو أفضل شيء بالنسبة لك. عارف لو كان ربنا خيرك بين الأقدار كنت حتختار كدة بالضبط.
شرد بذهنه بأنه بالفعل لولا ما حدث ليلة عقد قرانه بـ"نيره" لكان متزوجًا بها الآن وبعيدًا عن "موده" ولن يدرك أنانية "نيره" وتخليها عنه بأكثر الأوقات حاجة لها أن تكون إلى جواره. فلولا مرضه ما كان اتخذ خطوة قربه من "موده" مطلقًا.
– فعلًا، معاكِ حق، صحيح، نسيت أقولك، أنا بلغتهم عندنا في البيت إني عاوز أرتبط بيكِ وهم مرحبين جدًا.
هل كل الأحلام تتحول لحقيقة بتلك السهولة؟ أهي كقطع الأحجية حينما تضع قطعة تتوالى حل البقية.
عقبت بابتهاج شديد.
– بجد يا "رؤوف"، يعني إحنا كدة نعتبر مخطوبين صح؟
– صح، لكن ده بشكل مؤقت، بس إن شاء الله أعمل العملية ونعمل حفلة خطوبة كبيرة أوي تليق بيكِ يا حبي.
تورّدت وجنتيها بخجل بينما توجس قلبها بإتمام خطبتهم خوفًا مما حدث بين "عيسى" و "غدير". لكن ذلك لن يمنع وجودها إلى جواره حتى يعبر من تلك المحنة ويعود لكامل صحته أولًا حتى لو لم تتمم خطبتهم فيكفيها وجودها إلى جواره.
بيت المستشار خالد دويدار (شقة عيسى).
رغم إعياؤها إلا أن "غدير" عادت لشقتها فأنفاسها الغائبة لن تعود إلا بقربها من "عيسى". لكنها مازالت لا تدرك كيف ستحاول إثبات برائتها من ظنونه لها بخيانته، وأيضًا ورطتها الكبرى حينما أخبرته أنها حامل وهي ليست كذلك.
دلفت مسرعة لداخل الشقة تبحث عن نسيم روحها بالداخل لكنها لم تجده. هوت فوق أحد المقاعد بإحباط شديد لعدم تمكنها من اللحاق به قبل ذهابه للمحكمة.
أخرجت جهاز التنفس من حقيبتها لتستنشق الدواء ليسمح للهواء بأن يمر برئتيها. لكن التعاسة التي حلت بعينيها قتلت كل الضحكات والحيوية التي كانت تضج بالحياة. فلا سعادة بعد "عيسى".
طرقات خفيفة صدحت بباب الشقة لتقفز "غدير" ملبية إياها فربما هو "عيسى" يدق الباب لأي سبب. لكنها حينما وقعت عيناها على "منار" أحبطت للمرة الثانية لكنها أشارت بهدوء نحو الداخل.
– أهلًا يا طنط، اتفضلي.
ضيق "منار" وحزنها لم يجعلها تنتبه لحزن "غدير" لتدلف نحو الداخل تريد قضاء بعض الوقت مع زوجة ابنها المحبة لتخفف عن قلبها بعض الحزن بعد تأكيد خبر إصابة "رؤوف" بالمرض.
– صباح الخير يا "دورا".
تحيرت "غدير" ترى هل تلك زيارة معتادة مما تقوم بها أم أن "عيسى" أخبرها بما حدث. لتتمعن بوجهها المقتضب متيقنة بداخلها أنها ليست كعادتها حتى أن الضيق يظهر بملامحها.
رفعت "منار" رأسها وهي تجلس على مقربة من مقعد "غدير" لتلاحظ وجهها المحتقن وأنفها المتوهج لتتسائل بقلق.
– إنتِ تعبانة يا "دورا" ولا إيه؟
زاغت عينا "غدير" لتشعر بالاضطراب كما لو كانت مذنبًة بالفعل. فبماذا ستجيبها الآن؟ هل تخبرها وتوضح لها ظن "عيسى" بها وسبب ذلك، أم تنتظر أن تبدأ هي بالإستفسار. لتكتفي في النهاية بإجابة غامضة.
– الأزمة بس.
تفهمت "منار" لإعياء "غدير" لتردف بألم مؤازرة إياها.
– يا خبر، سلامتك حبيبتي، "عيسى" مقاليش والله كنت جيتلك من بدري، مش عارفه إيه اللي بيصيبكم بس يا ولادي!
ظنت "غدير" أنها تقصد ما حدث بالأمس لتتسائل بتوجس.
– ليه بس يا طنط؟
أجابتها "منار" بأعين دامعة ونبرة مهتزة.
– إحنا لسه راجعين من المستشفى، كنا بنجيب نتيجة تحاليل "رؤوف".
تناست "غدير" آلامها وظنون "عيسى" بها لتنتبه بأذن صاغية فهي تعد "رؤوف" أخيها الأصغر بالفعل.
– وإيه النتيجة؟ الدكتور قال إيه؟
تنهدت "منار" بألم ثم أجابتها وهي تحرك رأسها بالنفي.
– للأسف، إيجابي، ولازم يعمل عملية استئصال الأسبوع الجاي.
فغرت "غدير" فاها بصدمة لتشهق بقوة.
– يا عيني، وهو عامل إيه دلوقتي؟
رفعت "منار" كتفها وأهدلته بإشفاق.
– هيعمل إيه، سكت وراح الشركة، هو عامل نفسه مش متأثر، بس أنا عارفه إنه زعلان أوي من جواه. عارفه يا "غدير"، موضوع إنه عايز يتجوز "موده" على قد ما فاجئني إلا إنه فرحني أوي. "موده" جميلة، شبهك تمام.
تطلعت بها "غدير" للحظات بدون فهم عما تتحدث لتردف بإندهاش.
– "موده" مين!!! "موده" أختي؟
– شكلك مش عارفه حاجة، إحنا كمان اتفاجئنا أوي لما قال لنا امبارح، أصل "نيره" بعدت وسابته لما عرفت إنه ممكن يكون مريض، وهو كان معجب بـ"موده" بس كان يا حبيبي مخبي جواه ولما حس إنه حر ومش مقيد بجوازه من "نيره" الظاهر اتفق مع "موده" وفاجئنا كلنا.
تخبطت أفكار "غدير" بين أن تكون "موده" لها علاقة بانفصال "رؤوف" و "نيره"، أو ربما يرفض بعد ذلك "عيسى" بعد شكوكه بها. لكنها تعود وتطمئن نفسها بأنه بالتأكيد سيغضب لبعض الوقت ثم ستصلح هي الأمر خاصة بعدما أخبرته بحملها.
لكنها عليها فهم الأمر كاملًا من أختها فهن لا يقيمون حياتهم بأنقاض حياة الآخرين.
مقر (غرفة العمليات).
تجمع أفراد المجموعة البعض منهم يسترق النظر بين الحين والآخر بين نظرات "معتصم" الهادئة للغاية وبين نظرات "عهد" المختلسة له والتي تتحلى بغضب مكتوم لتبدأ الظنون تعبث برؤوسهم بما يقرب لليقين أن هناك أمر ما يحدث بين هذان الاثنين.
فرصة عظيمة لـ"معتصم" للضغط على "عهد" التي تتأرجح بين التقدم تارة والهروب تارة أخرى. إنها لا تحسم أمر مشاعرها وتحاول نكرانها لسبب ما. فبطبعه الذي لا يعتاد الخسارة سيجد طريقة قاسية للضغط عليها لتصرح بشكل نهائي بحبها له ولو بالإجبار.
تلك سطحية التفكير والتي تظن أن هناك من تدنو من قلبه سواها. فهي لن تتكرر فكيف لا تشعر بهذه الثقة وتنجرف في غياهب الظنون بأن هناك ما يجمعها مع "عائشة" وهي لا تحرك به شعرة واحدة. لكن طالما الأمر هكذا فعليها تحمل استغلاله للموقف لإثارة غيرتها.
وزع "معتصم" الأدوار بحرفية ليطلب من "عائشة" دون غيرها الاقتراب منه دون النظر لـ"عهد" التي انتبهت بشكل كامل.
– لو سمحتِ يا "عائشة"، خليكِ معايا على رقم التليفون ده، عايز أوصل لكل البيانات اللي عليه.
أسرعت "عائشة" تقترب من "معتصم" بزهو وانتصار لطلبه منها هي فقط أن تتابع معه ذلك.
– تمام يا قائد، أنا حبعت له لينك عشان اخترق الجهاز بتاعه وأوصل لكل الداتا اللي عليه.
نظر نحوها "معتصم" متعمدًا بعد أن لاحظ بطرف عينيه متابعة "عهد" المقتنصة لهما.
– أنا كنت عارف إنك انتِ الوحيدة اللي تقدري تعملي كدة.
– متقلقش يا قائد مش حخذلك أبدًا.
جلس "معتصم" بطرف المكتب وهو يستند بكفه فوق ركبته بجلسته المميزة ليعبر بسوداويته على "عهد" قبل أن يعود بهما تجاه "عائشة".
– أكيد، اقعدي يا "عائشة"، واقفه ليه! إحنا لسه المشوار طويل أوي، بس إنتِ قدها.
هتفت "عهد" بعدم تحمل لتلك التلميحات المتكررة فكم تكره تلك المواقف التي تحمل أكثر من معنى. خاصة معه هو، الذي يستطيع إشعال الشرر بها.
– هو فيه إيه، ما عادي اللي بتعمله ست الحسن كلنا نعرف نعمله، ولا هو السكر وقع هنا بس!!!
رمقها "معتصم" فما تصرخ به أمام المجموعة لا يصح بتاتًا ليصرخ باسمها بحدة جعلتها تزدرد ريقها باضطراب.
– "عهد"!!!!!
عادت "عهد" لجهازها الذي تتابع عليه اختراق لرقم هاتف أحد أعضاء التشكيل بجسد منتفض دون التحمل لضغطه الذي يمارسه عليها.
دق هاتف "معتصم" ليرفعه نحو أذنه مجيبًا إياه على الفور.
– أيوه يا "عمر" إتأخرت ليه، فيه معلومات مهمة أوي عايز أقولك عليها.
أجابه "عمر" بجدية واقتضاب حديثي العهد عليه.
– ده أنا اللي عرفت معلومة ممكن تغير كل اللي إحنا شغالين فيه ده، و ااا... كنت عايز أقولك حاجة كمان.
استقام "معتصم" بقلق.
– صوتك مش مريحني، هي إيه الحكاية؟
– أنا جتلي معلومة مرضتش أبلغ بيها حد غيرك إن "أحمد علام" ورا التشكيل ده، وأول ما عرفت جاتلي رسايل تهديد بالقتل، "معتصم"، الشغل بتاعنا شكله لازم ياخد طريقة تانية تكون أكتر حماية.
ضحكة تهكمية ساخرة وثقة لدرجة الغرور أطلقها "معتصم" ردًا على "عمر".
– جمد قلبك أمال، إحنا قلبنا حديد وميهمناش، متخافش يا "عمر"، أنا مظبط الدنيا، وإنت كدة سهلتها لي أوي.
صرخ به "عمر" بحدة لعنجهيته التي لا تتناسب مع حجم تعقيد المهمة.
– بلاش استهتار يا "معتصم"، إحنا كدة بنضرب في بعض، لازم نبلغ القيادة ونعيد حماية المجموعة "أحمد علام" إيده واصله للبلد كلها.
أجابه "معتصم" بلا اكتراث.
– ولا بيهمني، ولو عايز تسيب المهمة دي براحتك، أنا… مبخافش وإنت عارف كدة كويس، أنا قلبي ميت.
زفر "عمر" بضيق ثم أجابه مرغمًا.
– معاك والأمر لله، العمر واحد والرب واحد، أنا جاي لكم في الطريق أهو، بس أصل الوقت ده الطريق واقف، ومتبلغش حد باللي عرفناه، مش ناقصين تسريب تاني.
– عيب عليك، خلاص اللي فات ده مش راجع تاني، في انتظارك متتأخرش.
أنهى مكالمته ليقف بالزاوية عاقدًا جبهته بقوة فيبدو أن تلك المهمة ليست بتلك السهولة بل يمكنهم أن يفقدوا بها حياتهم إذا لزم الأمر. لكن السرية أصبحت أمر حتمي من الآن فصاعدًا فالأمور تتأزم كلما زادت المعلومات.
نظر بتشتت لأفراد المجموعة كاملة ليتأكد من اختياره لهم فهم من أجود الضباط ولن يخذلونه مطلقًا.
عاد بينهم متغاضيًا عن أمور الغيرة بينه وبين "عهد" ليعملوا بصرامة وجدية فما يحضره لا يستدعي أي خطأ وعليه أن يكون بكامل تركيزه كما كان في السابق.
حتى "عهد" شعرت بأن هناك أمر ما جد على "معتصم" لينغمس بعملية وقيادة حازمة لهم ليتتبعوا الهواتف وإخراج ما بها من بيانات لمعرفة من هو الهدف التالي من تلك الاغتيالات فلم يعد الأمر مزحة أو يحتمل التراخي بأي شكل.
بيت محفوظ الأسمر (شقة وعد).
لطافة الصغار تمحي آثار إرهاقهم لأهلهم، فبمجرد ابتسامة تزيل عبء يوم كامل. أغمضت "وعد" عينيها باستياء فلا تصدق ما فعله "زين" للتو فقد أفرغ محتوي علبة كريم الشعر كاملًا فوق رأسه وملابسه. لكن تلك الامتعاضات ونظرات الاستياء تحولت لضحكة حين ابتسم هذا الصغير بسمته البريئة لتهتف به أمه ذات القلب المرهف الحنون.
– كدة برضه يا "زون"، كدة بهدلت نفسك وحتتعب ماما.
نظر "زين" لنفسه ثم هتف بحماس.
– شعر.. ناعم!!!
تعالت ضحكاتها وهي تومئ بعدم تصديق كم هو برئ ونقي قائلة.
– تحفة، ناعم وجميل، يلا بينا بقى نغير هدومنا اللي اتبهدلت دي وناخد دش كدة ده إحنا لسه في أول اليوم.
حملت "وعد" صغيرها لغرفته أولًا لتضعه فوق المقعد متجهة نحو خزانة ملابسه الصغيرة لتخرج له ملابس نظيفة حتى تبدلها له بعد أن تحممه أولًا رغم أنها بدلت ملابسه عند استيقاظه ولم يكن في نيتها أن تقوم بذلك الآن.
نظرت نحو الكنزات المختلفة لتخرج تلك الوردية التي تستحسن مظهر ولدها بها. تلك التي كان دومًا "عاطف" يوبخها حين تلبسه إياها.
وضعتها جانبًا مع بقية ملابسه لتصطحبه نحو المرحاض لتنظيف رأسه من أثر هذا الكريم.
وقت يمر بإنهاك وهي تنظفه تمامًا وسط استياء تارة وضحك تارة أخرى حتى انتهت تمامًا لتنظر نحو "زين" برضا وهو يتألق بتلك الكنزة الوردية الرائعة.
– يا روح قلب ماما إنت، بقيت قمر يا "زون".
– اه.
إجابة مقتضبة لهذا الصغير ذو الثلاث أعوام قليل الكلمات. أخرجته لغرفة المعيشة ثم وضعت له بعضًا من ألعابه لتدلف لغرفتها لتبدل ملابسها أيضًا فقد أنهكها تحميم "زين".
لم يأت الغدر يومًا ممن كان غريب، بل هو طعنة من القريب. فهناك من يصرون على الأذى وإن لم تؤذهم حقًا. هؤلاء أصحاب سواد النفوس، من يؤذونك ويظهرون أنهم ضحايا قد جار الزمان عليهم.
لم تكن "حنين" تحمل من اسمها شيء بل لا كانت توصف بالحنان ولا بالميل والحنين. لقد كانت لا تفكر سوى بشخص واحد (نفسها). حتى هذا المدعو "محمود" كانت تحبه لأجل إرضاء نفسها بأنها جميلة ومقبولة ويتهافت الرجال عليها. لكن من يبحث عن ذلك هو الناقص بعينه.
خروجها خاوية اليدين من بيت النجار لم يكن هينًا مطلقًا بل أشعل الكيد والحقد بنفسها. عادت لبيت والديها لا تتقبل وجودها ولا تتقبلهم نفسهم لتغمغم قائلة.
– بقى بعد كل السنين دي، ترميني يا "فريد" الـ*** الرمية دي، أنا "حنين" أطلع من المولد بلا حمص!
فإن لم تفز بالمال فعليها إذن الانتقام لتشفي غيظها منه. فمن يكون هذا ليطردها خالية الوفاض. لقد تقبلت هذا الكريه لسنوات طويلة وبم استفادت الآن!!! لا شيء.
أغلقت باب الغرفة الداخلية بعدما أخرجت إخوانها الصغار منها لتستطيع إجراء مكالمتها دون تطفل لأي منهم. دقت برقم "حامد" دون تفكير.
– ألو، أيوه يا "حامد".
تملل "حامد" من طلبات "حنين" المتكررة فلديه أعمال عدة تشغله بخلاف أمر "حنين" وزوجها.
– خير يا "حنين"، هو كل يوم والتاني تكلميني؟
زاغت عيناها بمكر لتهتف به وهي تشمئز بأنفها من ضيقه المتكرر.
– جرى إيه يا "حـــــامد" إنت حتعمل الشوية دول عليا ولا إيه!
زم "حامد" شفتيه ليردف بإنصياع مرغمًا.
– قصره، عايزة إيه دلوقتي؟
هدأت "حنين" قليلًا قبل أن تستطرد.
– كنت عايزة أسألك، إنت شحنت حاجة في البضاعة بتاعة عم "فخري" ولا لسه.
أطلق "حامد" دفعة قوية من الهواء متمالكًا أعصابه حتى لا تنفلت.
– يا ستي وربنا قلت لك لسه لسه، الراجل بتاعنا موصلش الهند دي ومعرفتش أشحن حاجة من هناك.
مطت "حنين" شفتيها باستياء ثم ألقت ما بجعبتها لهذا الطامع.
– طب بقولك إيه، دلوقتي أنا عايزهم كلهم يروحوا في حديد، الـ**** طلقني ورماني عند أهلي، عايزك تبعت حد الوكالة يحط لهم حشيش ولا مخدرات، ما هو مش أنا اللي أترمي كدة، وحلاوتك عندي، بس أشوفهم كلهم متكلبشين في حديد.
باستسهال وثقة مبالغ بها أجابها.
– بس كدة، بسيطة، اعتبريهم كلهم راحوا في داهية وأولهم جوزك ده وأبوه، خلاص يا ستي، يلا بقى عندي شغل.
– ماشي ماشي.
قالتها "حنين" وهي تنهي بذلك حديثها معه لتشعر بالزهو لقدرتها على الانتقام منهم جميعًا خاصة "فريد" لتنتظر الأيام المقبلة وترى أثر طعنتها لهم من ظهورهم كيف سيتملصون من آلامها فهي كالعقرب سامة ولدغتها هو الموت المحتوم.
بيت محفوظ الأسمر (شقة وعد).
انتهت "وعد" من تبديل ملابسها وهندمة نفسها وهي تطالع انعكاس صورتها بالمرآة باستحسان لتتوق بداخلها لرؤية "محب" حين يراها بهذا الفستان البرتقالي المميز. لكن مازال الوقت مبكرًا للغاية على موعد عودته من المعرض فهو بالعادة يصل بالمساء ومازال الوقت بالظهيرة يعدو.
خرجت من غرفتها متجهة نحو غرفة المعيشة لتجلس برفقة ولدها لبعض الوقت قبل تجهيز طعام العشاء.
دلفت بحيوية ونعومة للغرفة لتقف مشدوهة بمنظر مفجع لم تتخيله مطلقًا. تسارعت ضربات قلبها بفزع لتعيد النظر نحو "زين" ثم تستدير حولها في دوائر كمتاهة مشتتة لا تصدق ما تراه عيناها.
إرتعشت أطرافها بشدة وهي تقترب بهلع نحو طفلها الذي تبدلت كنزته الوردية بأخرى زرقاء قاتمة. لم يكن تبديلًا للكنزة فحسب فالكنزة الوردية ممزقة تمامًا وملقاة بالأرض خلف ولدها كقطعة بالية.
تحجر ريقها وتثلجت أطرافها لتجثو بركبتيها إلى جوار ولدها تسأله بنبرة مرتعشة خشية مما سوف تسمعه.
– مين يا "زون" اللي، ااا، اللي غير لك التيشرت، مــــ… مين لبسك ده؟
رغم أن "زين" كلماته قليلة للغاية إلا أنها كانت تترجى أن ينطق باسم من فعلها هذه المرة فهذه ليست تخيلات أو اختلاط للأمور لديها. لقد تمزقت الكنزة ولابد أن أحد فعلها وألبسه كنزة مختلفة.
نطق "زين" كلمة واحدة فقط.
– بابا.
إتسعت عيناها بصدمة حتى شعرت بمقلتيها يؤلمانها من شدة اتساع جفنيها. للحظة تيبس جسدها بارتعب ثم أطلقت صرخة مدوية قوية للغاية وهي تهتف.
– لااااااااااااااااااااااااا.
صرخة كانت كفيلة ليسمعها الجميع بأرجاء البيت كافة. صرخة عقبها سقوط لتلك الهشة مغشيًا عليها.
رواية ظننتك قلبي الجزء الثاني الفصل العاشر 10 - بقلم قوت القلوب
للخوف أهل ونحن لا أهل له، فقد خلقت لنا الجسارة والقوة، تعد لنا العدد وتحسم بنا الأمور، فالانتصار أن نغلب الهوى ونقف على أعتاب دروسنا بصبر، لن نهزم ولن ننحني، سنحمل رؤوسنا فوق كفوفنا، فكما يقال عنا الفدائيين، لن نتراجع أو نتهاون ولو كانت حياتنا تحت التهديد.
مقر غرفة العمليات (صفر).
بعد مكالمة "عمر" وظنه، تناسى "معتصم" حياته الشخصية ليصب جم اهتمامه على تلك المهمة التي يبدو أنها ليست سهلة على الإطلاق. وبرغم توتر بقية المجموعة لحدّة "معتصم" الجديدة كليًا، إلا أن "عهد" استنبطت بذكائها أن هناك أمرًا ما أقلق "معتصم" حتى يستكمل عملهم بهذا الانفعال المتواري خلف حدة غير مبررة بعد مكالمته للضابط "عمر".
ما كان على بقية المجموعة إلا العمل بصمت وتركيز شديد على التوصل للمحادثات بين الأفراد الذين توصلوا لأرقام هواتفهم برصد أي معلومة أو تحرك جديد.
وضعت "عهد" بعض الأوراق أمام "معتصم" المنغمس بالتوجيه.
– المعلومة دي وصلت لها لما اخترقت موبايل "عامر" دلوقتي، أظن إنك لازم تشوفها ضروري.
رفع "معتصم" وجهه متعمقًا بملامحها الجادة، إنها تتعامل بحرفية شديدة حتى أنها تغاضت عما حدث منذ قليل عند مجيئها. نظر نحوها كما لو كان يستمد منها القوة. بتلك اللحظة شعرت "عهد" بأنه حقًا بحاجة إليها، فعينها تحدثت دون أن تنطق بها شفتيه. ذلك الإحساس الذي لم تنفر منه كالعادة، بل كانت بالفعل تود لو أنها تخبره أنها إلى جواره ولا يهمها أي ظنون أخرى ومهما حدث ستظل قوة صامدة يستطيع أن يعتمد عليها معه مهما كلفها الأمر.
إحساس متصل بين كلاهما كما لو كانت عيونهما تتحدث رغم صمت الأفواه. هناك قلق واضطراب بداخله منذ أن أخبره "عمر" بشكوكه بأن هذا الرجل ذو السلطة هو المجهول الخفي وراء هذا التشكيل الإرهابي، ويبدو أن الأمر أكبر من مجرد بعض التفكير التطرفي.
أجفلت "عهد" بجفنيها بإيماءة لم تُلاحظ من خفتها تؤكد عليه أنها معه حتى لو لم يتبقى سواهما بهذه المهمة. تقبل "معتصم" مساندتها بذات الإيماءة لينشرح صدره ببعض الراحة، فهو لا يتذكر منذ متى كان يستطيع الوثوق بأحد لتلك الدرجة.
بدأ بالاستفسار عن فحوى الرسالة.
– مالها الرسالة دي؟
أشارت بإصبعها الطويل على أحد الأسطر دون النطق لعدم لفت الانتباه لهما.
زاغت عيناه بتشتت مع حركة يدها، فلها يد ناعمة بالرغم من تلك الخشونة التي تحاول إظهارها. بسمة سرعان ما اختفت عن ثغره حين دقق النظر بتلك الصفحة المطبوعة لرسائل واردة لهذا الشخص.
– "التقابل في الموقع (ج) الساعة الثامنة مساء، الهدف سيكون في المرمى."
رسالة غامضة لم يفهم منها الكثير ليتساءل بنبرة منخفضة.
– ومقدرتيش تعرفي فين (ج)، أو اسم الهدف؟
مالت بثغرها جانبيًا وهي تحرك رأسها بالنفي.
– لأ، لسه.
استطرد واثقًا بقوة بقدراتها ومهارتها للوصول لتلك المعلومات.
– حتعرفي، زي ما قدرتي تخترقي الجهاز حتوصلي، وأول ما توصلي لحاجة أنا مستنيكِ.
لم يؤمن أحد بقدراتها من قبل، بل كانت دومًا تُعامل كما لو كانت عمالة زائدة أو ينقصها الحنكة والذكاء، لكنه تعامل معها بحرفية واثقًا بما تستطيع بذله في العمل، منحياً حالة التخبط التي وضعته بها من قبل.
عادت لموضعها بإحساس جديد تملكها لأول مرة بحياتها؛ أن تشعر بالقوة وأن تكون مصدر ثقة واعتماد. عانت بعملها هذا لفترة طويلة دون كلمة شكر واحدة، وها هي تتلقاها منه هو بالخصوص ليصبح لها مذاق فريد من نوع خاص.
بتركيز تام وحرفية لمهاراتها التقنية أخذت تتابع عملها تحت أنظار هذا الوله الذي رغم قدرته على التعامل بحزم وصرامة إلا أنه يسترق نحوها النظر بين الحين والآخر أثناء انشغالها وتناسى كلاهما أمر تلك العائشة التي حاولت الاصطياد بالماء العكر.
❈-❈-❈
بيت محفوظ الأسمر (شقة وعد).
تلك الصرخة التي أطلقتها "وعد" جذبت انتباه كل من بالبيت، لكن ما تلى تلك الصرخة هو ما استرعى انتباه "عتاب"، فقد حل الصمت التام بعد تلك الصرخة.
لم يلبث القليل إلا وقد صعد "محب" تلحقه "عتاب" نحو شقة "وعد"، أسرع مهرولًا يفتح الباب قبل أن يدلف للداخل بنفسٍ قلقة وأعين زائغة باحثًا عن زوجته.
دار هنا وهناك حتى وقف متيبسًا عن الحراك تمامًا وهو يناظر "وعد" التي أُلقت كقطعة قماش بالية إلى جوار ولدها الصغير؛ الذي أخذ يضرب بكفه الرقيق فوق وجنتها.
– ماما، ماما.
نظرات مندهشة حتى الصدمة كانت تحتل أعين "محب" حتى لحقته "عتاب" لتقف من خلفه قائلة بتساؤل أجوف دون تأثر وهي تخفض من نبرتها للغاية لتهمس.
– إيه اللي حصل؟
جثى "محب" على ركبته يتحسس الهواء الخارج من أنفها بينما أطلقت "عتاب" سؤالها بنفس النبرة الهامسة.
– هي ماتت ولا إيه؟
استدار "محب" نحوها بأعين متسعة ينهرها عن التفوه بشيء.
– إششش، بس اسكتي خالص، كله من أفكارك الهباب.
لوت فمها بإمتقاض لتستكمل دون تأثر.
– حروح أكلم الدكتورة بتاعة ماما تيجي تشوفها.
لم يعط "محب" بالًا لـ "عتاب" ليمد ذراعه ليحمل "وعد" بخفة متجهًا نحو غرفة النوم ليضعها بحرص شديد فوق الفراش وهو يعدل من وضع رقبتها ورأسها برفق شديد. تنهد قليلًا ليزيح خصلات شعرها عن وجهها لتظهر ملامحها بوضوح ليهيم بحسنها الناعم قائلًا.
– "وعد"، فوقي يا "وعد".
لكنها كانت في غياهب أخرى لا تدري عن الواقع شيء. أحضر زجاجة عطر وأخذ يُدنيها من أنفها لتستنشق رحيقها لكنها كانت جامدة بشكل غريب ليعيد ندائه لها بأنفاس متقطعة.
– فوقي يا "وعد"، فوقي متقلقنيش عليكِ.
ظل "محب" على هذا الوضع لبعض الوقت لكن "وعد" كانت متيبسة هادئة بشكل مريب.
❈-❈-❈
عطارة النجار.
ربما لم يكن بالصرح العظيم أو الوكالة التي تدر الملايين من المال، لكنها بعيني "فريد" كانت ذات قيمة عالية بداخله. دومًا ما كان يتمنى أن تصبح له سلطة على العمل بها وإدارة أموالها ومكاسبها.
لكن رغبته طالما قوبلت برفض وتهرب شديد من والده، الذي يعلم جيدًا أنه يفضل أخيه "مأمون" عليه لقوته وذكائه الذي لا يتمتع هو به.
وقف "فريد" يطالع اللافتة التي كتب عليها اسم عائلته بخزي مما كان سيُقدم على فعله بتحريض من "حنين"، التي ظن أنها تسعى لمصلحته. نكس رأسه السمين خجلًا من نفسه ليدلف نحو الداخل باحثًا عن والده الذي أتى اليوم خصيصًا لمقابلته لكن ليس ككل مرة يسعى لتملقه لتحقيق أغراض "حنين"، بل جاء ولدًا لوالده يملؤه الندم و.. المحبة.
تقدم نحو داخل الوكالة وعيناه مسلطتان على والده الذي جلس خلف مكتبه الخشبي يشعر بالحنين الذي قد تناساه منذ زمن بعيد، كما لو كان بدأ يرى الدنيا بعينين جديدة وأزيلت الغشاوة عنها.
رفع "فخري" رأسه ليتلاقى بالصدفة بأعين ولده الذي تركزت نظراته نحوه ليتملل بداخله.
– (وده إيه اللي جابه دلوقتِ!!! مش عارف ليه بيفكرني بأمه وغلطتي السودا في حياتي).
زفر "فخري" نفسه دفعة واحدة حين اقترب "فريد" منه.
– صباح الخير يا حاج.
أجابه "فخري" بدون تقبل.
– صباح الخير، خير يا "فريد" جاي ليه، فيه حاجة في المخازن؟
سؤال جاف للغاية، لكن "فريد" تغاضى عن ذلك ليستكمل بنفس هادئة دون التفكير بحديث مُلقن ككل مرة.
– كنت محتاج لك ضروري يا بابا.
انتبه "فخري" لبعض التغير بإسلوبه، بل كان يتحدث بصدق شعر به حقيقة، ليتعدل بجلسته مردفًا بشك.
– ليه، فيه مشكلة ولا حاجة؟
جلس "فريد" بالمقعد المقابل ليتحدث بنبرة يملؤها الندم.
– حقك عليا يا حاج، أنا محقوق لك وإعمل فيا اللي انت عايزة، أنا غلطت وجيت لك أقولك على اللي عملته.
شعر "فخري" بأن هناك أمرًا عظيمًا للغاية يخفيه "فريد" عنه.
– عملت إيه، وهببت إيه على الصبح؟
نكس "فريد" رأسه وهو يقص عليه من البداية نواياه ودفع "حنين" له، وماذا فعل من قبل، ثم أخبره بعد تردد عن اتفاقه مع "حامد" ليزيح الثقل عن قلبه ويشعر بميلاد جديد قد تخلص فيه من كل ذنوبه التي اقترفها من خلف ظهر والده.
تطلع "فخري" به بصدمة ليهتف بإنفعال.
– الله يـ*** ****، إنت ومراتك، بقى كدة، ده جزاتي يا ناقص، تعملوا فيا كدة وتخربوا بيتي، عايزني أتسجن أنا وأخوك.
أهدل "فريد" ملامحه متوسلًا إليه أن يسامحه.
– حقك عليا يا بابا، السكينة كانت سرقاني، وأديني جيت لحد عندك واللي تأمر بيه حعمله.
زفر "فخري" بقوة. فرغم كرهه لوالدته إلا أن مجيئه إليه نادمًا وطلاقه لـ "حنين" جعله يشفق عليه ليردف ببعض التقبل.
– خلاص يا "فريد"، بس بقولك إيه، الواد ده لازم نحرص منه أحسن يغدر بينا ويودينا في داهية.
قالها "فخري" محذرًا لتتسع عينا "فريد" الضيقتين بذكاء محدود.
– يعني نعمل إيه يا حاج؟
كما لو أنه لا يمكنه التصرف بمفرده وسيظل تابعًا كما اعتاد، فتلك طبيعة شخصيته الضعيفة. بتفكر في الأمر أردف "فخري".
– الواد ده لازم نبلغ عنه قبل ما يحط لنا بلوة من بلاويه ونروح إحنا فيها.
بإنصياع تام هتف "فريد" إرضاءً لوالده.
– زي ما تحب يا حاج، أنا من إيدك دي لإيدك دي.
وضح له "فخري" ما عليه فعله حتى يوقع "حامد" بشر أعماله ويتقي أذيته بإبلاغ الشرطة عنه.
❈-❈-❈
مكانة الأشخاص لا تهدم إلا بأيديهم، ولو شئنا لأنزلنا بهم عقابنا، لكن الله يبدع في انتقامه، هو العزيز ذو الانتقام، فهو إن أراد يهد الجبال ويلين له الحديد، فقط حينما نكون بولايته.
أخذت "حنين" تزيد من ارتداء الملابس ذات الأكمام الطويلة للغاية وتلفلف رأسها وعنقها لتخفي تلك التقرحات التي تزداد بشكل بشع، حتى هي نفسها أصبحت لا تطيق مظهرها كما لو كانت تحولت إلى مسخ دميم.
سحبت أحد القفازات لتخفي بها كفوفها قبل أن تخرج من بيت والديها ذاهبة نحو أحد الأطباء لفحصها، فربما يصف لهذا المرض علاج، فالأمر يتفاقم بين يوم وليلة بقوة.
على الفور اتجهت للطبيب دون علم أحد، فقط للإطمئنان أن الوضع ما هو إلا مرض عابر سيتم علاجه بأبسط الطرق. لكن بعد فحص الطبيب لها جلس لوهلة قبل أن يخبرها.
– الصراحة يا مدام إنتِ اتأخرتي أوي عقبال ما جيتي، واضح إن العدوى دي بقالها فترة معاكِ.
بالإيجاب حركت رأسها وهي توضح.
– يعني يا دكتور، شوية مشاغل بس، إلا هو إيه ده اللي عندي؟
بمهنية شديدة أجابها دون تنميق.
– إنتِ عندك مرض جلدي نادر يشبه الجذام، بس للأسف اختلط بمرض مناعي كمان، فبقى العلاج بتاعه صعب جدًا، كان ممكن يتلحق في الأول بس دلوقتي حنحاول بس مفيش نتيجة أكيدة قدامي، ده غير إن المرض ده معدي ولازم تاخدي حرصك وإنتِ بتتعاملي مع اللي حواليكِ.
بهتت "حنين" وهي تستمع لتشخيص الطبيب لحالتها لتردف بصدمة.
– يعني حفضل طول عمري زي الجربانين كده؟
بابتسامة باهتة أجابها الطبيب.
– إحنا حنحاول بالعلاج والكريمات الملطفة، بس النتيجة مش مضمونة أوي وحتى بعد العلاج لو قدر يأثر، حيكون فيه تصبغات وبقع في أماكن التقرحات دي.
عقدت أنفها باستنكار لتهتف به بحدة كما لو كان هو السبب بما أصابها.
– يعني حبقى مشوهة طول عمري!
التزم الطبيب الصمت ردًا على سؤالها الاستنكاري، بينما لاح بها الغضب وعدم التصديق لتنهال بغضبها على شفتيها تقضمهم بقوة وهي تستمع لتوجيهات الطبيب الأخيرة وتوصياته ببعض الأدوية والمراهم التي تحتاجها.
لم تدري هل هذا عقاب خيانتها لـ "فريد"؟ أم لسواد قلبها لوالدته وأخته وأيضًا بنات عمه؟ هل ينزل عقابها بها وحدها؟
إنها لم تخطئ بمفردها، فقد كان "حودة" مخطئًا معها، لم ينزل العقاب بها فقط.
وبتفكيرها الأسود وسوادها المظلم بداخل قلبها قررت الانتقام منه أيضًا. ألم يقل الطبيب أن هذا المرض معدٍ؟ إذن عليها الانتقام من "حودة" كما تركها وتنفر منها بعد أن أحبته وجلبت له كل المال الذي يعطيه إياها "فريد"، فكما دفعت له من قبل عليه تسديد دينه أيضًا، فليست "حنين" من يتم استغلالها وتتقبل ذلك بصدر رحب.
❈-❈-❈
فيلا الأيوبي.
إن تكلمت عن الحظوظ فيبدو أنني قد حظيت بها، فمن يدرك أن ينبثق النور من طعنة خنجر، هكذا هي الحياة رغم قسوتها إلا أنها تربت على قلوبنا أحيانًا.
لكن رغم ذلك تتجلى وساوس الشياطين وتفرقك بهموم الظن لتفسد علينا سعادتنا، كل مساعيه تحبط حينما ندرك أن بعض الظن إثم.
تأخرت "شجن" بغرفتها اليوم، فمنذ الصباح الباكر وهي تهندم ملابسها بصورة مبالغ بها، تشعر بأن هناك وميضًا من السعادة يخصها بوجود "رحيم". نظرت لإنعكاس صورتها بالمرآة قائلة بابتسامة معجبة.
– وربنا حلوة، بس مين يقدر، الواد "رحيم" ده بس لو يتلحلح شوية وهو على نياته أوي كده.
ثم بتعجب شديد لتدابير القدر أكملت.
– بس سبحان الله، ربنا يشاء مشكلة ماما و"نغم" والمفترية "صباح" تحصل عشان أسيب البيت وأجي هنا وأقابل "رحيم".
ليبدأ الشيطان إفساده للحظة سعادتها لتقتضب مهمومة.
– يا ترى عملوا إيه؟ تكون "نغم" اتجوزت "مأمون" دلوقتي؟ يا ترى فرحانين ولا زعلانين؟ بس لأ، مش حكلمهم، لازم يعرفوا إن اللي بيعملوه ده أكبر غلط.
عادت للنظر لنفسها بخيلاء.
– خليني أنا في نصيبي اللي جالي لحد عندي، وأهو لما أشوف حيعمل إيه سي "رحيم" النهاردة، لازم ينطق بقى.
ليدخل لها الشيطان من جانب جديد يفسد سعادتها بالظنون.
– بس يا ترى كان واقف عند أوضة عم "أيوب" بيعمل إيه؟ لا يكون حرامي وعامل نفسه سواق وغريب عن هنا عشان يسرق الراجل!!!
استدارت بفزع من الفكرة لتتسارع دقات قلبها لتقع بحيرة بين أمرين، فلو كان لص كل ما يهمه مال هذا الرجل فسوف يتحطم قلبها الذي تعلق به، لكن وقتها عليها الدفاع عن حق العم "أيوب"، أو لو أن كل هذا ما هو إلا ظنون، وإذا عاملته بحذر فربما تخسر فرصتها بالفوز بقلب محب عطوف كقلب "رحيم".
ما كان عليها سوى الحرص والحذر وأيضًا الانتباه لـ "رحيم" أكثر من ذلك حتى تتأكد عما يخبئ هذا الشاب الذي تحيط به هالة من الغموض وعدم الوضوح.
مرت أولًا بغرفة "أيوب" الذي كان يستلقي بوهن فوق فراشه، فتشخيص الطبيب له كان ينذر بفشل كلوي ظهر مؤخرًا مما سبب له كل تلك الآلام.
كما لو كان "أيوب" متوقًا لمرورها به، وفور أن ظهر وجهها المبتسم حتى اعتدل قليلًا قائلًا.
– اتأخرتي عليا النهاردة يا "شجن".
دلفت نحو الداخل بروحها المتفائلة.
– مش كتير يا عم "أيوب"، أصلي صحيت متأخر شوية.
بنظرة متوجسة أشار نحو الباب بعينيه وهو يستكمل بغرابة.
– اقفلي الباب، عايزك في موضوع مهم.
رغم عدم ادراكها لما تلك الجدية إلا أنها أغلقت الباب ثم استدارت نحوه متسائلة بفضول.
– هي إيه الحكاية؟
أشار مرة أخرى تجاه الشرفة بقلب عطوف.
– طلعي الأول الزرع ده في البلكونة، كفاية أنا محبوس هنا، حيبقى أنا والزرع كمان.
بإيماءة خفيفة استجابت "شجن" لطلب "أيوب" لتحمل أصيص الزرع واحدًا تلو الآخر لتضعهم بالشرفة تسطع الشمس فوق أوراقهم التي على وشك الذبول.
عادت للغرفة ومازال بداخلها هذا الشعور بالفضول، فهناك أمر ما يخفيه "أيوب".
– أديني طلعت الزرع، وقفلت الباب، إيه الحكاية بقى؟
أشار لها "أيوب" بوهن.
– اقعدي عاوز أقولك حاجة مهمة أوي.
جلست "شجن" بترقب لما سيخبرها به ليستطرد "أيوب" مرة أخرى.
– أنا كل يوم غير التاني، حاسس إن دي النهاية خلاص، عشان كدة ملقتش غيرك أستأمنك على حاجة مهمة أوي.
اقتضبت ملامحها بتأثر.
– بعد الشر عنك، ربنا يديك الصحة ويقومك بالسلامة.
برضا وقناعة بأمر الله لحق بها "أيوب" مستكملًا.
– ده أمر الله، هو إحنا حنعترض، المهم دلوقتي، فيه ورق مهم أوي عايز أديهولك، شايفة الدرج ده افتحيه وهاتي الملف اللي جواه.
مالت "شجن" لدرج الكومود لتفتحه وتسحب ملف به بعض الأوراق.
– ده يا عم "أيوب"..؟
– أيوه، هو ده، اسمعيني كويس، عارفة أنا كنت ليه في مصر وقت ما عملت الحادثة؟
نفت "شجن" بحركة رأسها.
– لأ، إنت مقولتليش يا عم "أيوب".
– أنا كنت بدور على ابني.
اتسعت عيناها باندهاش حقيقي لتردف بتفاجئ.
– ابنك!!! إنت مش بتقول ملكش ولاد؟
بتوضيح أكثر استطرد "أيوب".
– مكنتش أعرف إن ليا ولد، طول السنين دي وأنا مش عارف، لحد ما عرفت يوم بالصدفة، إن "نعمة" ساعة ما طلقتها كانت حامل ومن زعلها مني مرضتش تقولي.
انتبهت "شجن" متسائلة لتتأكد.
– "نعمة" دي اللي هي مراتك الأولانية، بنت خالك، صح؟
– أيوه.
ثم أكمل ببعض التوجع.
– رحت لها بيت العيلة في مصر بس للأسف ملقتهاش، ومعرفتش أوصل لها ولا لابني أو بنتي، أنا مش عارف هو ولد ولا بنت، وقتها نزلت متضايق أوي، وحصلت الحادثة، ومن ساعتها معرفتش أنزل مصر تاني.
– يعني إنت لا شفت ابنك أو بنتك ولا تعرف عنهم حاجة؟
أومأ بالنفي وقد سيطر عليه اليأس.
– لا يا بنتي، معرفتش، وخوفي تكون بنت مش ولد خلاني جبت المحامي وكتبت كل ما أملكه بيع وشراء له أو لها، أنا خايف من عيال عمي لو جرى لي حاجة، ابني مياخدش حقه، دول نفسهم أموت النهاردة قبل بكرة عشان يورثوني وياخدوا فلوسي.
تجهمت بقوة لتردف باستياء.
– يا ستار يا رب، هو حتى إنت يا عم "أيوب" عيال عمك طمعانين فيك.
بقلة حيلة أجابها.
– أيوه يا بنتي، دول بيتمنوا موتي من زمان، ولو عرفوا بموضوع ابني ده ممكن يأذوه عشان الفلوس، أنا عايزك تاخدي كل الأوراق دي تكون أمانة عندك، مش عايز حد يعرف بيها أبدًا، ولو معرفتش أوصل لابني، إنتِ لازم توصلي له وتديه حقه.
رغم إشفاقها عليه وتمنيها أن يسترد عافيته، إلا أنها أجابته بصدق.
– متقلقش يا عم "أيوب"، حق ابنك في رقبتي، أنا حرجع له حقه.
استكان براحة ليردف بهدوء.
– الحمد لله لك يا رب، أهو كدة أنا استريحت، قومي بقى خبي الورق ده قبل ما حد يعرف إنه معاكِ، أكيد أكيد عيال عمي لهم جواسيس هنا في البيت عشان لو جرى لي حاجة يعرفوا وينهبوا كل اللي أملكه.
طرأ بذهنها مراقبة "رحيم" له بالليلة الماضية لتبدأ ظنونها تتخذ منحى آخر قائلة بنفسها.
– (معقول يكون هو الجاسوس ده؟ معقول إنت يا "رحيم" تكون جاي تبلغ أخبار عم "أيوب" للناس دول؟)
صوت "أيوب" أفاقها من شرودها.
– رحتي فين يا بنتي، قومي قبل ما حد ياخد باله.
انتبهت لذلك لتهض بحرص.
– أيوه صح، أنا حروح أخبي الورق ده قبل ما حد ياخد باله.
خرجت "شجن" من الغرفة وهي تتلفت متسللة حتى لا يلاحظها أحد ثم اتجهت نحو غرفتها مرة أخرى. خطواتها المتسللة أثارت ريبة "رحيم" الذي كان يقف بنهاية الدرج ولم تلاحظه "شجن" بالمرة.
لعبت الظنون برأس "رحيم" قائلًا لنفسه.
– (البنت دي مخبية حاجة أكيد، ويا ترى إيه الورق اللي معاها ده؟)
أخرج "رحيم" هاتفه ليتحدث به بنبرة خفيضة للغاية وهو يتوارى عن الأعين ليستكمل مكالمته بأريحية.
وبين عواصف من الظنون هنا وهناك يشعر كلًا منهما أنه تحت التهديد وأن عليه الحرص والحذر من الآخر بالوقت الحالي.
❈-❈-❈
بيت النجار.
ترقبت "صباح" بنفس شغوفة مجيء المدعو "صاصا" ليخبرها بالجديد من المعلومات عن "فخري". علت طرقات بباب الشقة لتسرع نحو الباب.
لكنها عندما فتحت الباب لم تجد من كان تتوقع بل اندهشت تمامًا لتردف بنبرة متعجرفة مستنكرة.
– إنت!!! خير يا سي "عشري"، جاي ليه الساعة دي؟
رغم امتعاضه من مقابلتها الجافة والمتعجرفة إلا أن غايته تتحتم عليه ابتلاع كلماتها بل ويقابلها بوجه بشوش أيضًا.
– صباح الخير الأول يا ست "أم فريد".
أعلت من صوتها الخشن تستهزئ به.
– وحيجي منين الخير بعد ما شفت وشك العكر.
تمتم بضيق بصوت لم يمكنها من سماعه.
– اللهم طولك يا روح (ثم أكمل بصوت واضح كما لو كانت لم تستهزئ به للتو)، أنا جاي لكم يا ست "أم فريد" عشان ناخد منكم معاد آجي أنا وأبويا وأمي.
شهقت "صباح" ساخرة منه ومن والديه.
– والعيلة الكريمة تيجي هنا بمناسبة إيه اسم الله!!! هو الواحد ناقص فقر.
أجابها "عشري" مباشرة.
– يا ست "أم فريد" إحنا عايزين نيجي نقابل الحاج "فخري" عشان نطلب إيد الأبله "راوية" ليا.
انفعلت "صباح" تمامًا فزواجه من "راوية" من المستحيلات، أليس هو من كان يساعد "زكية" وبناتها، ألم ينقذ "نغم" من قبل من براثن يديها، ألم يأت لـ "شجن" بعملها الأخير بالمستوصف لتهتف بحدة برفض قاطع.
– مين مين، مين مين!!!! معدش باقي غير إنت يا ميكانيكي الهم تيجي تتجوز بنتي، بقولك إيه، رجلك دي تتقطع من هنا ولا أشوف وشك هنا تاني، أحسن وربنا أقطع خبرك من الدنيا كلها، غور من هنا أحسن ما أخليك تسيب الحتة كلها وبفضيحة كمان.
غمغم "عشري" بسخط من تطاول تلك السيدة لينصرف غاضبًا من تعاليها واستهزائها به.
– أستغفر الله العظيم.
لم تتركه "صباح" يهنأ برحيله بهدوء لتستكمل بوابل من السباب أثناء مغادرته وهي تعلي من صوتها ليصل لمسامعه حتى ابتعد تمامًا.
❈-❈-❈
مقر غرفة العمليات.
تبادل الجميع أوقات الراحة حتى لا تترك الملاحظة للحظة، بينما لم يتخذ "معتصم" ولو لدقيقة راحة واحدة بل ظل يعمل معهم يحلل ويدقق ويتابع.
حل وقت راحة "عهد" لتنزوي بأحد الأركان مبتعدة عن المجموعة لتهاتف أحد المحامين الذي دق بهاتفها منذ ما يقرب من الساعة.
– ألو، أيوه يا متر، إيه الأخبار؟
أجابها المحامي بتوضيح.
– أنا كنت عاوز أقولك إني حروح القسم النهاردة، موضوع خالتك ممكن ينتهي لكفاية الأدلة، ونحاول نخرجها بكفالة لحد معاد المحاكمة.
باستيضاح أكثر عقبت "عهد".
– يعني هي لسه متهمة، لكن حتطلع لعدم كفاية الأدلة، طب إزاي؟
أوضح لها المحامي الأمر.
– لأ هي كدة كدة متهمة، وأنا حوضح إنها مفيش أي أدلة تأكد إنها هي اللي قتلت، وساعتها حطلب تطلع بكفالة لحين إثبات الواقعة أو نفيها في المحاكمة.
– اه، فهمت، طب هي ممكن تطلع إمتى؟
– يعني كام يوم كده، لسه بكرة حروح النيابة وأوضح لهم الكلام ده وإن شاء الله خير.
زفرت "عهد" بضيق.
– طيب.
أنهت محادثتها مع المحامي لتتصل بـ "نغم" تلك البلهاء الصغيرة التي لا تدري بمصلحتها.
– أيوة يا "نغم"، أخبارك؟
أجابتها "نغم" بإحباط.
– زي ما أنا، مفيش جديد.
ربما هي تعشق وحدتها ولا تريد مرافقة أحدهم مهما تطلب الأمر، لكن هذا الوضع مختلفًا كليًا الآن.
– طيب، أنا كلمت محامي، وفيه احتمال إن خالتي تطلع بس قدامها كام يوم كده، تعالي أقعدي معايا، بلاش قعدتك لوحدك دي.
رفضت "نغم" تمامًا ذلك لتشبثها ببقائها مع "مأمون"، فهي تعلم أن "عهد" لن تختلف في الرأي عن "شجن" لتردف بإصرار.
– لا لأ، ملوش لزوم، كمان أنا و"مأمون" حنتمم جوازنا يوم الجمعة، يعني مش حبقى لوحدي.
هتفت "عهد" بحدة من تفكيرها المحدود.
– بطلي غباء بقى، سيبك من الجوازة السوداء دي، بدل ما حتطربق على دماغك.
قذفها للكلمات أسلوب معروف عن "عهد" التي تلفظ بالحديث دون وعي لقسواته وتراشقه بهم.
– لا يا "عهد"، خليني على راحتي، مش كمان بتقولي ماما ممكن تطلع قريب، خلاص بقى.
لوت "عهد" فمها بامتعاض لتردف بجمود.
– إنتِ حرة، إولعي، مفيش أخبار عن أختك؟
– لأ.
تمتمت "عهد" بتهكم.
– راحت في أنهي داهية دي كمان، بس ربنا ينجدها من غبائكم.
– خلاص بقى يا "عهد"، متزوديهاش علينا.
– طيب، طيب، يلا سلام، عندي شغل.
أنهت مكالمتها لتعود مستأنفة عملها في حين دق هاتف "معتصم" بمكالمة من رقم غريب لتتحول ملامحه لصدمة على الفور وهو ينتفض من جلسته بأعين متسعة.
– إيه!!! إزاي ده؟ طب بلغني أول بأول.
كانت كلماته المندهشة محط أنظار بقية المجموعة فقد كانت عيونهم تتساءل قبل أن تتفوه بها ألسنتهم ليلقي "معتصم" الخبر الصادم لهم.
– الضابط "عمر" و"عبد الرحمن" عملوا حادثة بالعربية ونقلواهم في حالة خطيرة على المستشفى.
شهقات صادمة لتلك الفجيعة، لكن ما بقي بفكر "معتصم" هو ألا تكون تلك مجرد حادثة عابرة، بل أمر مدبر للتخلص منه بعد رسائل التهديد التي قد وردته وأخبره بها، لكنه فضل الصمت دون إيضاح هذا الأمر حتى لا يفزع المجموعة، فعليه تحمل الأمر بمفرده، فهو لن يخبرهم بالمعلومات التي توصل إليها "عمر" وأخبره بها حتى لا يعرضهم للخطر ذاته.
❈-❈-❈
بيت محفوظ الأسمر.
ما زالت "وعد" غائبة تمامًا عن الوعي، التفت حول فراشها "محب" و "عتاب" وبرفقتهم الطبيبة التي تعالج والدتهم، بينما ظل "زين" بغرفة المعيشة حتى الاطمئنان على والدته.
أخرجت الطبيبة إحدى الحقن لتبدأ بوخز "وعد" بها لتساعدها على الإفاقة، بينما كانت هناك نظرات متبادلة بين "محب" و "عتاب" غير مفهومة.
فبين قلق وتخوف تمكنوا من أعين "محب" ولا مبالاة سيطرت على "عتاب". انتظر كلاهما بصمت تشخيص الطبيبة لـ "وعد".
بدأت الطبيبة حديثها المطمئن.
– متقلقوش يا جماعة، دلوقتي مفعول الإبرة حيشتغل وتفوق وتبقى تمام.
عقب "محب" بقلق.
– بس دي طولت أوي وهي مغمى عليها، مش دي حاجة تقلق برضه؟
تطلعت الطبيبة بوجه "وعد" أولًا ثم أجابته بدبلوماسية.
– إن شاء الله خير، دلوقتي تفوق ونطمن عليها.
عبرت "عتاب" الغرفة تجاه المقعد الخاص بالتسريحة لتجلس بامتعاض.
– طيب، أدي قاعدة لما نشوف آخرتها، أنا تعبت كل ده واقفة.
بدأت الطبيبة بالاستفسار عن حالة "وعد" خاصة بعد سماعها لتلك الصرخة وهي إلى جوار "قسمت".
– هي كانت بتصرخ ليه؟
زاغت عينا "محب" بتهرب ليردف بالنهاية.
– تلاقيها شافت حاجة خضتها ولا حاجة، أصل قلبها رهيف أوي ومش بتستحمل الخضة.
أومأت الطبيبة بغير اقتناع، فهي بعد قليل سترى ما سبب لها هذا الإغماء الطويل.
بدأت "وعد" تتملل بنومتها دلالة على الاستفاقة لينتبه ثلاثتهم لها، فتحت عيناها وهي تتسند لتنهض من تلك النومة لكن تعبيراتها كانت هادئة للغاية، بل كانت فاقدة لأي تعبير كما لو كانت تمثال لا أكثر.
اعتدلت جالسة وقد ثبتت مقلتيها دون حراك ناظرة نحو الأمام بفراغ تام، ظلت على هذا الوضع لحظات قليلة قبل أن تردف بنبرة هادئة.
– "زين"، "زين"، يا "زون"، إنت فين؟ (ثم تمللت قليلًا تحدث نفسها)، هو النور مقطوع ولا إيه، زمان "زين" مخضوض لوحده، يا "زيـــــــــــــن".
بهت "محب" ليجلس إلى جوارها فيبدو أنها لا تراهم ليهتف بها بقلب مضطرب.
– أحنا هنا يا "وعد"، إنتِ مش شايفانا ولا إيه؟
لكنها لم تجبه بالمرة بل انتفضت بجلستها حين شعرت بأن أحدهم إلى قربها لتتسائل بتخوف.
– إنت جيت يا "زين"، ما ترد على ماما، مش سامعاك ليه؟
نظر "محب" بأعين مصدومة تجاه الطبيبة هاتفًا بدهشة.
– هي كمان مش سامعاني؟
تعجبت الطبيبة لأمر "وعد" لتدنو منها وهي تشير بكفها أمام عينيها.
– مدام "وعد"، شايفاني، يا مدام.
لكن "وعد" لم تستجب مطلقًا، بينما أخذ "محب" يهتف إلى جوار أذنها حتى تسمعه.
– "وعـــــــــــــــــــد"، سامعـــــــــــاني، يا "وعد".
لكن يبدو أنها لا تسمع ولا ترى أحد منهم، نهض "محب" باندهاش بالغ يحدث الطبيبة.
– يعني إيه ده بقى؟
رفعت الطبيبة كتفيها وأهدلتهما بتوتر.
– لو هي زي ما بتقول بتتأثر بكل حاجة بزيادة، يمكن حصلت حاجة زعلتها وخلتها تهرب من الواقع بالإنسحاب، يعني لا عايزة تشوف ولا تسمع اللي بيحصل لها ده.
ألقى نظرة يملؤها الحقد تجاه "عتاب" التي تجلت ابتسامة راضية فوق ثغرها ليعيد بصره نحو الطبيبة يسألها.
– طب والحل؟
تنفست الطبيبة بشكل مطول قبل أن تجيبه.
– دي حالة نفسية، ومحتاجة أكيد علاج نفسي.
رفع كفيه بيأس تام فوق رأسه فقد زادت مشاكله وهمومه بشكل أكثر تعقيد ليهتف بإحباط.
– يعني مش كفاية أمي، حتبقى "وعد" كمان.
حل الصمت لبعض الوقت ليهدل "محب" ذراعيه من فوق رأسه قائلًا.
– إتفضلي انزلي إنتِ تحت يا دكتورة وإحنا حنيجي وراكِ.
غادرت الطبيبة بتفهم، في حين وجه "محب" حديثه لـ "عتاب".
– مش حينفع "وعد" تقعد هنا لوحدها بالشكل ده، لازم تنزل تقعد تحت معاكم، كمان عشان الدكتورة تساعدها.
رفعت "عتاب" حاجبيها باستخزاء.
– لا يا شيخ، إوعى تكون فاكرني مصدقة إنك متأثر بجد، ما إحنا دافنينه سوا، قصره، هات المحروسة وابنها يقعدوا في أوضتك، بس يكون في علمك أنا مبخدمش حد، من بكرة تجيب لها حد يقعد بيها وبابنها، فاهم!!!
أجابها "محب" بضيق.
– طيب، طيب، يلا قدامي، خدي "زين" وأنا حجيب "وعد" وجاي وراكِ.
نهضت "عتاب" بتملل لتغادر الغرفة مصطحبة الصغير معها نحو شقتهم بالدور الأول، بينما جلس "محب" يداعب وجه "وعد" بخفة بلمساته المحفوظة التي تخصه وحده لتنتبه له "وعد".
– "محب"، إنت هنا، تعالى، شكل النور مقطوع.
نظرة عشق خالصة ممزوجة باشفاق غريب طغت بعينيه تجاهها ثم مد كفه يمسك بكفها لتتحرك معه.
رغم عدم سماعها له لكنها ظنت أنه يصطحبها لمكان ما خلال الظلام فتبعته دون تفكير ليهبطا درجات السلم برفق شديد.
خشي "محب" أن تتعثر بخطواتها فمال بجذعه قليلًا ليحملها بخفة فوق ذراعيه القويتين ليهبط بها نحو شقة والديه باستسلام تام منها وثقة بهذا المحب.