تحميل رواية ظننتك قلبي الجزء الثاني بقلم قوت القلوب pdf
بقلم قوت القلوب
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
للصمت أحيانًا ضجيج يصرخ بما لم تنطق به الشفاة، فكثير ما أنهكتنا ثرثرة الأفكار ونحن بحالة الصمت والسكون. تمر الأيام وغيرها، لكن بداخلنا ذكريات لا تُنسى تتضارب بضجيج داخل عقولنا دون التفوه بها. هناك بعض القرارات تؤخذ رضا للعقل وألم للقلب، لكن حين نسترجعها تزيد من آلامها كما لو كانت وليدة اللحظة. حي النعماني (مكتبة بحر) من النادر أن يبقى الناس كما عهدناهم أول مرة، فهناك من تُغيره الأيام، وهناك من يَظهر معدنه بمرورها. فالذهب يبقى ذهب مهما تغطى بالتراب، والحديد يبقى حديد مهما لمع ببريق مصقول. أرخى "ب...
رواية ظننتك قلبي الجزء الثاني الفصل الحادي عشر 11 - بقلم قوت القلوب
إشتقت لقلبي القديم ، قلب لا يشغله حيرة الحاضر ، إشتقت لكوني شخص مسالم لا أبغض ولا أكره وأيضًا لا أحب ، لم أكن مدركًا أن للحب ضعف وإستكانة حتى وإن كنت صامتًا ، فبداخلي صراع للبوح والثرثرة والصمت بآن واحد ، حيرة مشاعر وحيرة قلوب لكن للصمت حديث أبلغ من الكلام ومهما حاولت إخفاء ما يصرخ به قلبي إلا أنه يسلك طريقه للظهور مجبرًا وليس مخيرًا ...
مقر غرفة العمليات ...
حادث "عمر" بالفعل كان صدمة فارقة بنفوس هؤلاء الأقوياء ، لكن ذلك لن يمنع من إكمال واجبهم عن عملهم ، فتفانيهم به هو ما يمنع تكرار مثل تلك الحوادث ...
ثورة دماء هذا الجَسور على ما أصاب زميله زاده من الشعور بالتحدي بداخله ، فليس "معتصم دويدار" من تُلوى ذِراعه ، ولن يتنازل أو يتهاون عن إثبات تورط هذا المدعو "أحمد علام" أحد رموز الدولة السياسية بهذا التشكيل الإرهابي الذى يعمل على إغتيال قادة لهم وزنهم وقوتهم بالدولة ، فيبدو أن هذا مخطط حقير لزعزعة الأمن والإنتقام من الشرفاء اللذين يمنعون أى تجاوزات فوق القانون ...
لكن برغم ذلك الإنفعال الذي يشعر به إلا أن "معتصم" كان ثابتًا غير عابئ بشكل كبير ، كيف إستطاع التعامل مع الأمر بهذا الثبات الإنفعالي البالغ ، حتى حزنه لم يُظهره بالمرة ، بل إنصب تركيزه على العمل وبدقة متناهية ...
بتركيز تام أخذ أفراد المجموعة يعملون بصمت وهدوء فهناك من يعمل على تحليل الأصوات وآخرون يسجلون محادثات بين بعض أفراد التشكيل ، بينما كانت "عهد" تخترق حساباتهم وهواتفهم بدقة ومهارة ، أخذت تُراقب أحد أخطر أعضاء هذا التشكيل وتتابع تحركاته وإتصالاته أولًا بأول ...
أخذت "عائشة" تتابع بغير مهنية كل تحركات "معتصم" إلى أن فاهت به حتى ظهر على ثغرها المنفلت وعيناها الهائمتان ، فقد تناست تمامًا وجودها وعملها بحضور هذا القسورة أمامها ...
رفعت "عهد" جذعها بإجهاد لتقع عيناها على تلك الحالمة بهيام بـ"معتصم" الذى خلع سترته ليقف منصتًا لأحد التسجيلات الصوتية واضعًا سماعة الأذن الكبيرة فوق أذنيه ...
مالت "عهد" بوجهها بتهكم وقد عقدت أنفها بقوة ناظرة نحو "عائشة" بنظرات تكاد تخترقها وتهتف بها بداخلها ...
- ( بتبصي على إيه جَاك عَمىَ في عينك ) ..
لكنها تماسكت لوهلة وهي تخصها بالحديث اللاذع رغم إبتسامتها المزيفة حتى لا تلفت النظر لهم ...
- بصي في ورقتك يا شاطرة ، أحسن ما يسقطوكِ ولا تطلعي بملحق ..
رمقتها "عائشة" بنظرة مستنكرة ..
- عايزة إيه !!!
رفعت "عهد" حاجبها بتهديد لتردف بنبرة خافتة ...
- عينك لا أخزقهالك وساعتها شوفي مين حيبصلك وإنتِ عورة بعين واحدة ، لو خايفة على عنيكِ الحلوين دول ، نزليهم في حضنك ومشوفش وشك مرفوع لفوق ، أحسن شكلك بتبصي لفوق أوي ...
أنهت عبارتها بحزم أخاف "عائشة" لكنها مازالت تدافع عن نفسها وتحاول إقتناص فرصتها لتردف بذات النبرة المنخفضة ..
- وإنتِ مالك ؟؟! كان يخصك ؟؟!!!!!
ربما سؤالها الإستنكاري كانت بوقت آخر ستتهرب من إجابته أو تنفي ذلك ، حتى بداخل نفسها ترفض التصريح بذلك ، لكنها رغم ذلك لن تتركه لها الآن ، حتى برغم أن مسألة "معتصم" تلك تسبب لها حيرة تامة ...
مدت كفها بخشونة تسحب مقدمة كنزة "عائشة" بين قبضتها لتتسع مقلتيها العسليتان بصورة أثارت الفزع بنفس "عائشة" لتهمس من بين أسنانها ...
- يخصني ، ومالكيش فيه ، لو خايفة على نفسك مشوفش وشك إترفع فوق ، فاهمة ...
أومأت "عائشة" عدة مرات بتخوف لتنكس رأسها تجاه الحاسوب أمامها دون أن ترفع بصرها مرة أخرى تجاه "معتصم" ، بينما تمتمت "عهد" بتذمر ...
-( مش فاهمة أنا بيتلزقوا فيه كدة ليه ، الصفراء مرة والباردة دي مرة والله أعلم مين تاني )
رفعت عيناها تجاه هذا الوسيم الذى أطاح بكل ثوابت حياتها بلحظة رؤياه فقط لتكمل في نفسها إعجابًا به ..
-( ما هم عندهم حق برضه ) ...
نهرت نفسها بصمت في ذات اللحظة لتعود لجهازها تتبع مصدر معلوماتها دون أن تدع وجوده يؤثر على عملها ، لتزداد إنتباهًا بوجود محادثة جديدة لتبدأ تدقيقها وتجسسها عليها لمعرفة فحواها ...
دقائق قليلة حتى إنتهت تلك المحادثة وإستطاعت "عهد" للوصول لمبتغاها ، جهزت معلوماتها وأغلقت حاسوبها بقفل رقمها السري فهي غير معتادة على أن تعطي الأمان لسواها حتى لو كانوا زملائها بنفس العمل ...
تقدمت نحو "معتصم" المنشغل بالإستماع لتقف على مقربة منه ، لاحظ "معتصم" وجودها ليلتفت نحو تلك التي شتتت إنتباهه بحضورها ، فحتى صمتها حديث ، إستقام بوقفته وهو يزيح السماعات عن أذنيه منتبهًا لها ...
- أيوه يا "عهد" ...
تلبية ندائها الذي لم تتفوه به كان أكثر من مُرضي لنفسها ، أرادت لو أن تلتفت نحو "عائشة" تكيدها بأنها هي فقط من تستحوذ على إنتباهه ، لكنها جنبت كل تلك المشاعر الهرمونية المتضاربة ، فقد أصبحت شخصية مضطربة للغاية بحضوره ...
سحبت شهيقًا طويلًا ثم أردفت بصوت خفيض ...
- فيه جديد ...
إنتبه "معتصم" بذكاء ليمد يده تجاهها فلا داعي للحديث الذي ربما سيجذب الإنتباه ، وكسيمفونية عزف مشترك فهمته "عهد" على الفور لتمد يدها بأحد الأوراق دون حديث ، تطلع "معتصم" بإقتضاب تجاه المحادثة المطبوعة وتحديد "عهد" لعناصرها الهامة بها لينظر نحوها بحديث عيونهم الصامت ...
-( لا داعي لإخبار أحد بالأمر في الوقت الحالي)
بإيمائة كادت تكون غير ملاحظة من الأساس تجاوبت معه "عهد" ...
-( بالطبع ، لا تقلق ) ..
مزق "معتصم" الأوراق حتى لا يستطيع سواهما بالحصول على تلك المعلومات حفاظًا على السرية في الوقت الحالي ، إستدارت "عهد" لتعود لمقعدها حين لاحظت عبث "عائشة" بحاسوبها لتبتسم بتهكم على تلك محدودة التفكير فهي لا تدرك عمن تتعامل ، فهي "عهد مسعود" التى لم تأمن لأحدهم قط ، فكيف تسقط بخطأ كهذا وتترك حاسوبها لكل من سولت له نفسه على التطفل ...
جلست "عهد" ولم تنحي عيناها عن تلك المخادعة فهي لا تثق بها بالمرة ، ولن تنخدع بنعومتها ولطافتها كالبقية ..
أنصت الجميع لـ"معتصم" الذى أعطاهم أوامر مبهمة فقط للإستعداد ...
- عندنا مداهمة قريب ، الكل لازم يستعد في أي لحظة ، بدون تحديد زمان ومكان ...
- معاك يا قائد ...
هنا فقط لم تكن معلومات المداهمة حاضرة سوى له ولها فقط ، كقوقعة أغلقت أصدافها على لؤلؤتهم الغالية لا يدرك سواهما مكنوناتها ...
كلاهما يدرك أن وقت المداهمة هو يوم الجمعة المقبل لإنقاذ حياة وزير الطاقة من براثن هؤلاء المجرمين والقبض عليهم ، فبعد تلك الرسائل الموجهة والتى فكت "عهد" شفرتها أصبحت المعلومات واضحة ويسيرة بين أيديهم ، لكن الآن السرية مطلوبة حتى لا تفشل المهم ويخسران حياة هذا الرجل ...
بدأ "معتصم" إتخاذ بعض التدابير الأمنية الإحترازية تحسبًا لأى خلل قبل موعد المداهمة ...
بيت محفوظ الأسمر ...
لكل شخص خطيئة ، حتى الأنقياء خطيئتهم هي ظنهم بأن الجميع مثلهم ، هذا النقاء الذى يهلكهم ويزيد من أذيتهم وهم يظنون أنهم لن يلاقوا الأذى فهم أصحاب القلوب الصافية ...
فزعها من أن يكون "عاطف" مازال يحوم حولها ، يدنو منها ويبتعد ، يرسل لها رسائل تحذيرية تخشاها ، جعلها ترتعد خوفًا ، لكن ترى هل كل ما تشعر به الآن سببه هذا الفزع لنفسها الهشة ...
جلست "وعد" برفق على أحد المقاعد بغرفة "محب" بشقة والديه ، تلك الغرفة التى كانت تمر بها لمجرد لحظات من قبل ، ها هي ستصبح غرفتها الجديدة بعد أن قرر "محب" بقائها هنا بعد ما أصابها ...
بعيون فارغة تمامًا تطلعت "وعد" نحو الأمام لتزيد من ألم "محب" الذى جلس إلى جوارها يتحدث دون رد منها ، فصدمتها لم تفقدها بصرها فقط ، بل وسمعها أيضًا ، فمنذ هذه اللحظة هي بعالم آخر لن تشعر ولن تسمع ما يحدث حولها ، لقد إنسلت من عالمهم البغيض لتبقى بعالم نقي كانت تحلم به ...
تلمس "محب" كفها بحنو ليدنيه نحو شفتيه يقبله بندم وتألم لما وصلت إليه ...
- حقك عليا ، لو أعرف بس طريقة ترجعي بيها زي الأول ، أنا عارف إن الموضوع صعب ، لكن أكيد مش مستحيل ، عارف إنك مش سمعاني ، بس أنا جنبك لحد ما الدكتورة النفسية بتاعة ماما تلاقي طريقة تعالجك بيها ، مش حسيبك أبدًا يا "وعد" ...
تحسست "وعد" بكفها الآخر حتى وصلت لوجه "محب" قائله بإدراك ...
- "محب" ، هو إيه إللي حصل ليا ؟؟! أنا ليه مش شايفاك ؟؟!! إنت ليه ساكت أوي كدة ؟!!
كلماتها كانت كالخناجر تغرس بقلبه لتُعقد ملامحه بتأثر منكسًا رأسه بتحسر ...
- مش قادر أستحمل أشوفك كدة ، والله ما قادر ...
أنصتت "وعد" للحظات لتعيد تساؤلها المؤلم لنفسه ...
- "محب" ، ما تتكلم ، ساكت ليه ؟!!
لم يقدر "محب" على التحمل ليسرع تاركًا إياها بالغرفة بمفردها ليخرج منها بقلب متألم ، خرج نحو الصالة الخارجية بخطوات متعجلة ومازال ملامح التأثر تغلبه لكن سرعان ما تبدل رد فعله لآخر جامد للغاية دون ذرة تأثر واحدة قائلًا ...
- دخلتي "زين" مع البنات ...؟!!
أومأت "عتاب" بخفة ...
- أه ، بس بقولك إيه ، بكرة تجيب لهم خدامة تخدمهم ، أنا مش ناقصة ...
بتملل من فرض سيطرتها طوال الوقت ...
- طيب يا "عتاب" ، ما خلصناها الحكاية دي ، مش كل شوية تقولي ...
نظرت "عتاب" نحوه بشك ...
- "محب" !!! إوعي تكون صعبت عليك !!!!! إحنا لازم نكمل ، تعب أبونا كله معاها ...
بإستهزاء تام من طريقتها الماكرة ...
- طب وحتعملي إيه يا أختي بعد ما بقت لا بتسمع ولا بتشوف .. !!!
رفعت "عتاب" حاجبها بلا مبالاة ...
- وحتى لو ماتت ، أنا لازم أوصل ، وإنت لازم تساعدني ، دي فلوسي ، حلالي اللي أخدته على الجاهز ...
أوضح لها "محب" بنبرة محذرة من غدرها ...
- فلوسنـــــــــا ، فاهمة فلوسنــــــــــا ...
لوت "عتاب" فمها بإستياء من تدقيق "محب" معها كلمة بكلمة ...
- أه طبعًا أومال إيه ، ما أنا أقصد فلوسنا أكيد ...
ربت ساخرًا فوق كتفها بنوع من التحذير ...
- كويس إنك واخده بالك ، انا نازل المعرض ورايا شغل ، عينك على "وعد" و "زين" عقبال ما أرجع ...
تمتمت بتذمر ...
- حيجرى لهم إيه ، ما هم متلقحين جوه ...
إكتفى "محب" بحديثه معها لهذا الحد ليغادر البيت متجهًا للمعرض مبتعدًا عن كل تلك الأجواء المشحونة ...
فيلا الأيوبي ...
توارت "شجن" عن الأعين لتخفي الملف الذي أعطاه لها "أيوب" بغرفتها ، أخذت تبحث عن موضع آمن له لكنها خشيت أن يدلف أحد غرفتها أثناء عدم تواجدها به ويجده لهذا تفدق إلي ذهنها فكرة جيدة ، بحثت بداخل خزانة ملابسها عن تلك الحقيبة المصنوعة من القماش ، وضعت بها الأوراق بالفعل ومعها هاتفها المغلق وهويتها ونقودها أيضًا لتشعر بالإطمئنان لوجودهم معها ...
أخذت تتسلل دون أن ينتبه لها أحد لتخرج من الفيلا متجهة نحو مرآب السيارة بالخارج وبعد أن إطمئنت أن لا أحد لاحظ وجودها أخفت الحقيبة القماشية أسفل المقعد الأمامي للسيارة فهذا المكان لا يمكن يظن أحدهم أنها قد خبأتها به ، خرجت مرة أخرى نحو الحديقة لتقابل "رحيم" و"أم محمد" وولدها كعادتهم اليومية ...
شعرت بالسكينة حين لم تجد أيًا منهم قد ظهر بعد ثم توالى قدومهم لتبدأ جلستهم بإحتساء الشاي قبل بدأ أعمالهم بداخل البيت وخارجه ...
لم يكن "رحيم" مبتسمًا مبتهجًا كعادته بل كان متوجم يطالع "شجن" بأعين متشككة فتصرفاتها غاية في الغرابة ، كيف لفتاة جميلة مثلها أن تترك أهلها بتلك السهولة لتعيش بمنزل رجل غريب ، كيف يسمحون لها بذلك ؟! ، والأغرب والذي يثير ريبته هو ماذا تدبر في الخفاء لهذا الرجل الوحيد الثري ، لابد وأنها تستغل ذلك لمصلحتها بالتأكيد خاصة عندما رآها اليوم تخرج بملف غريب وإتجهت متسللة نحو غرفتها ....
رغم تأنقها بشكل ملفت للنظر لإثارة إعجاب هذا الصامت كمحاولة منها لتخرجه عن خجله المتكرر إلا أن ظنها بأن وجوده للعمل هنا ليس بمحض الصدفة ، بل إنه ربما يكون الجاسوس لأقارب "أيوب" ...
كلاهما يعبث بهما الظنون ، لكن ما ظهر من أفعالهم تظهر غير ذلك ، فقد إقتربت "شجن" قائله بشقاوة ...
- شكلكوا شربتوا الشاي من غيري ، صح ؟؟ أنا مش مسامحة على فكرة ...
دعتها "أم محمد" بكرمها الريفي الزائد ...
- والله ما يحصل ، مستنيينك بأحلى كوباية شاي يا ست "شچن" ...
جلست "شجن" تسترق النظر بخفة نحو هذا الصامت لتستفزه بالحديث ...
- بس شكل الأستاذ "رحيم" مش عاوز يشرب الشاي معايا ...؟!!
إضطرب "رحيم" وهو يجيبها بصدق يدفع عن نفسه هذا الإتهام ...
- لا والله ، ليه يعني !!!
ضحكت "شجن" لبساطته وتلقائيته رغم شكها به ...
- خلاص يا "رحيم" بهزر معاك ...
ضحكتها الساحرة جعلته يفيه بها وبحسنها المتألق ، فكم كانت اليوم مميزة ذات طلة ساحرة ، ليحدث نفسه بتحسر ...
-( لو بس مكنتيش طماعة وفيكِ حاجة غريبة مع الراجل الراقد وهو مش حاسس ، قلبي بيقولي وراكِ مصيبة ، كان زمان كل حاجة متغيره ) ...
نهض "محمد" قائلًا بإنشغال ...
- حقوم أني أخلص تنظيف چوه عقبال ما تخلصوا الشاي ...
إستندت "أم محمد" أيضًا لتنهض لاحقة بإبنها ...
- إستنى يا "محمد" أمال ، خدني معاك ، يوه ، عايزة أنظف للطير ...
ها هي جائت فرصتها الجريئة لتبث بعضًا من روحها لتدفع هذا الخجول بالتحرك وإظهار إعجابه بها ، لكنها تود الإطمئنان له أولًا ...
- إلا قولي يا "رحيم" ، إنت مقولتليش إنت منين بالضبط ، يعني مش بتتكلم عن نفسك كتير !!
أراد لو كان هو من سبقها بهذا السؤال فهي سريعة البديهة تسبقه دومًا بخطوة ...
- قلت لك على فكرة ، أنا أصلي سافرت كتير ورجعت تاني يعني ، أكل العيش بقى ، قوليلي إنتِ ، إزاي جيتي هنا وأنا عرفت إنك من القاهرة ، مش غريبة شوية ؟!!
شعرت بأنه لا يتجاذب معها أطراف الحديث بل أشبه بإستجواب وتدقيق فهي من الذكاء لتدرك الفارق بينهما ، دب الشك بقلبها فهل يمكن أن يكون يسألها ليخبر أهل "أيوب" عنها ، دارت بمقلتيها بمكر مردفة بإجابة مبهمة ...
- أكل العيش برضه ، زي ما حكم عليك ، حكم عليا (نظرت نحو كوب الشاي لتتهرب من إستجوابه الذي لا داعي له ) ، إشرب ، إشرب الشاي أحسن يبرد ...
تدخل صوت ثالث بينهم ليجذب إنتباههم نحوه ...
- طب ما تدوني كوبايه ينوبكم فيا ثواب ...
تطلع "رحيم" و "شجن" بهذا الرجل الثلاثيني ذو الوجه المستدير وبشرة بيضاء باهتة ، يرتدي نظارة طبية وملابس عملية لكنها منمقة للغاية ...
نهض "رحيم" كرجل مسؤول من الموجودين بهذا البيت ...
- مين حضرتك ؟!!
تطلع الرجل بـ"رحيم" بإبتسامة مصطنعة ثم دار بعينيه الوقحتين تجاه تلك الحسناء "شجن" لتثبت عيناه تجاهها معرفًا بنفسه ...
- أنا المهندس "عادل عوض" المهندس الزراعي إللي الحاج "أيوب" مسلمني المزرعة بتاعته أباشرها له ، مين حضرتِك أنا أول مرة أشوفك هنا ؟! إنتِ بنت الحاج "أيوب" ؟!!
قبل أن توضح "شجن" من هي وما علاقتها بـ"أيوب" ثار بداخل "رحيم" إحساس غريب لتطاول هذا الوقح وتخطيه للتحدث معها ، فحتى لو كان شخصًا هادئًا مسالمًا إلا أنه يدرك نظرات الرجال الوقحة و أغراضها الدنيئة ...
شعور بالغيرة عليها تملكة كما لو كانت تخصه ولا يمكن لرجل غريب مطالعتها بهذا الشكل المنفر إطلاقًا ، مد "رحيم" كفه ليدفع بوجه "عادل" تجاهه مُبعدًا إياه عن التطلع بـ"شجن" ...
- خليك معايا هنا ، كلامك معايا أنا ، ملكش دعوة بيها ...
إحساسها بغيرته أسعدتها للغاية وجعلتها تشعر بوجودها وبأهميتها عنده ، نشوة غريبة إجتاحتها لتستمع بصمت لحديثه مع "عادل" ...
- فيه حاجة يا باشمهندس ؟!
نظر "عادل" تجاه "رحيم" بإشمئزاز ليردف بعدم تقبل ..
- كنت جاي للحاج ، عايزين فلوس للكيماوي بتاع البستان ...
أومأ له "رحيم" بوجه مقتضب ...
- حاضر ، حنبلغه ، إتفضل إنت وإبقى تعالى وقت تاني ...
عاد "عادل" بوجهه تجاه "شجن" بسماجة ...
- أيوه برضه متعرفناش ؟!!
ثار "رحيم" بهذا اللزج ليدفعه بقوة نحو مدخل الحديقة ...
- لأ ده إنت بارد بقى ، إتكل على الله من هنا ، ده إيه البرود ده يا أخي ...
ثم إستدار نحو "شحن" يهتف بها بضيق ...
- إدخلي إنتِ كمان جوه ، الله ...
لم يكن مجرد شخص لطيف حنون ، بل رجل غيور يخشى العيون المتطفلة بأهل بيته ، كم تعشق تلك الشخصية المزدوجة الشرسة التى تحمى أحبائها و تتلطف بهم بذات الوقت ...
أسرعت تلبي طلبه بالدخول للفيلا بينما تركته ليطرد هذا المهندس ذو الأعين الوقحة ...
لحظات فارقة بين أن دلفت "شجن" للداخل وبين "رحيم" الذى تخلص من هذا السمج وعاد مسرعًا تجاه الفيلا ليلحق بـ "شجن" ...
- "شجن" ، إستنى عايزك ...
توقفت "شجن" بإنتظاره وهي تشعر بالحماس والغبطة لحميته وخوفه عليها ...
- نعم ..
إقترب نحوها ومازال وجهه يشع بحمرة الإنفعال ليردف بحدة لكنه كان مسيطرًا على إنفعاله بشكل واضح ...
- لو سمحتي بلاش تلبسي لبس ملفت زي ده هنا تاني ، إحنا في منطقة أرياف ومينفعش كل من هب ودب يبص لك كدة ، ولا أقولك ، ملتبسيش حاجات زي كدة أصلًا لو فيه حد غريب عنك ، بلاش تعرضي نفسك لنوعية الـ**** ده ، أنا عارف ماليش إني أطلب منك كدة ، بس ده خوف عليكِ مش أكتر ...
لم تمهله وقت طويل يبرر سبب طلبه ، لكنها شعرت بخوفه عليها بصدق حقيقي لتهتف بإنصياع دون مناقشة ...
- حاضر ، آخر مرة والله ...
مجرد سماعه للكلمة بأذنيه شعر ببرودة وإستكانة إحتلت قلبه لتنفرج بسمته المعتادة تلتها بسمتها العريضة فيبدو أن هناك ما يحطم الظنون ويقبع بالقلوب دون منازع ...
مكتبة بحر ...
هل عاد لحياته الرتيبة وروتين يومه الكئيب مرة أخرى ، غياب "نغم" بالفعل لشيء مؤثر مؤلم للغاية لم يكن يظن أن بهذه الفترة القصيرة إستطاعت قلب موازيين حياته وقلبه معًا ...
حاول شغل يومه بالترتيب لبعض الأرفف المرتبة بالأساس لكنه يشغل نفسه حتى لا يترك طيف لؤلؤته بالمرور بعقله فيكفيها ساكنة بقلبه المختنق ...
إلتفت نحو مدخل المكتبة ناظرًا نحو المتحدث إليه ...
- بتعمل إيه بس يا أستاذنا ..؟!!
ترك "بحر" الكتاب من يده متجهًا لمصافحة "شوقي" ...
- إزيك يا "شوقي" ...
- أنا كويس يا أستاذنا إنت أخبارك إيه ؟
بإيمائة خفيفة أجابه "بحر" ...
- ماشي الحال ، ها فيه جديد ؟!!
سؤال متلهف وإجابة غير كافية ...
- والله بدور ، الراجل إللي إسمه "مأمون" ده بحوره غريقة أوي ، بس حجيب لك قراره وحشيله من طريقك متقلقش ، بس الحكاية عايزة شوية مصاريف ...
تفهم الآن "بحر" سبب زيارة شوقي ، رغم عدم ثقته بأنه سيوصله لشيء إلا أنها محاولة لن يتنازل عنها في سبيل وجوده مع "نغم" ...
أخرج له بعض الأوراق المالية قائلًا بتحذير ...
- يا ريت المرة دي نوصل لحاجة عشان أنا جبت أخري ...
- أكيد يا أستاذنا ، متقلقش ، أتكل أنا على الله ، كمان شكل الحاجة جاية علينا ...
خرج "شوقي" بعجالة لتقابله والدة "بحر" أثناء مرورها به لتدلف بفم ملتوي ونظرات الإستياء تعلو عيناها ...
- الراجل ده بيعمل إيه تاني هنا يا "بحر" ، إنت لسه متعلق بالبنت دي ؟!!!!!!
سيحارب لأجلها حتى لو حارب نفسه بذاتها ...
- إفهميني يا ماما ، أنا مقدرش أبعد عنها ، "نغم" الوحيدة إللي قلبي حبها ، وهي على نياتها ومش فاهمة حاجة ، مقدرش أسيبها تورط نفسها مع إللي إسمه "مأمون" ده ، أنا متأكد إنه مش سالك ...
عقدت والدة "بحر" ذراعيها بقوة أمام صدرها لتتحدث بغضب وضيق متحلي بمرارة وألم ...
- لو كنا عايزين نقرب من الناس دي كنا قربنا من زمان ، لكن مفيش وراهم إلا الشر ، يغور الخير إللي من ناحية الناس دي ، يا إبني إبعد عنهم ، دي ناس مؤذية وهي أكيد زيهم ...
حاول "بحر" بترجي أن تتفهم والدته أن "نغم" وأختها وأمها لمختلفات تمامًا عن بقية العائلة ...
- بالله عليكِ إفهميني يا ماما ، هم حاجة تانية ، أنا عرفتهم وقربت منهم ، أنا عارف كويس إنك مش بتطيقي عيلة النجار ، بس دول بجد حاجة تانية صدقيني ..
بقلب مرهف متخوف من غدر تلك العائلة التى لا يُأمن أي فرد بها مطلقًا ...
- لو كانوا ناس يعرفوا ربنا كان زمان حاجات كتير أوي إتغيرت ، أنا خايفة عليك منهم يا "بحر" ....
زاغت عيناه بيأس شديد ...
- يا ريت بس أعرف أقرب لها ، ووقتها بس متخافيش على إبنك ، أنا أقدر أحمي نفسي وأحمي "نغم" من الكل ، بس للأسف الغشاوة مغمية عنيها ، مش شايفة "مأمون" على حقيقته ، ومش حتصدقتي ، وأنا بحبها ، بحبها أوي يا ماما ...
تنهدت والدته رفقًا به لتردف رغم كرهها للأمر ...
- لو فيها خير ربنا يجمعك بيها يا إبني ، وتشوف قد إيه إنت بتحبها وحتخاف عليها ...
بتمني شديد عقب "بحر" ...
- يا رب يا ماما ، يا رب ...
قسم الشرطة ...
ها قد حل المساء ومازالت "زكيه" بنفس حالها راضخة مستسلمة لمصيرها ، فحتى لو حاولت إنقاذ نفسها فكيف ستثبت أنها بريئة من تهمة قتل "خيرية" وسرقة مالها ...
أيام طويلة وليالي مظلمة قضتها في هذا المحبس الإحتياطي تنتظر كل يوم وآخر تحقيق يلي تحقيق وإنتظار قاسي ...
ربما أكثر ما يؤلمها هو بقاء "نغم" بمفردها ، فحتى عقد قرانها لم تحضره ، لا تقلق على "شجن" كما تقلق على "نغم" ، فهي فتاة سطحية تحكم على الأمور من قشورها دون فهم وتعمق كأختها ...
غمغمت بضيق نفس ...
-( باقي يومين على يوم الجمعة ، أهو على الأقل أطمن إنها مع "مأمون" وفيه حد واخد باله منها ، يمكن ساعتها قلبي يرتاح ، يا رب عدي اليومين دول على خير )
نادى الشرطي يطلبها بصوته الخشن ...
- تعالي يا "زكيه" ، المحامي بتاعك طالب زيارة ...
إنتفضت من جلستها الغير مريحة لترافق الشرطي لمكتب معاون الشرطة بقلب مضطرب ، فمن هذا المحامي الذي يريد مقابلتها فقد قابلت المحامي الذي جلبه لها "فخري" صباح اليوم ...
دلفت لداخل المكتب تلتمس بعض الراحة بهذا المكان بخلاف غرفة الإحتجاز ، لكن وإن إرتاح جسدها فنفسها الضعيفة لا تشعر بالراحة ولا الأمان ...
قابلها رجل خمسيني أنيق ممتلئ الجسم ببعض الترحيب ...
- أهلًا يا ست "زكيه" ، أنا "محروس" المحامي ، جاي لك عن طريق بنت أختك "عهد" ، كانت كلمتني عن المشكلة إللي إتورطتي بيها وكنت عايز أسألك شوية أسئلة عشان لما أقابل بكرة وكيل النيابة أحاول أطلعك بكفالة ...
بريق أمل لاح بنفسها لتردف بحماس الغريق الذي تمسك بقشة بعد أن تخبط بالأمواج وفقد الأمل للنجاة ...
- والله بجد ، يعني فيه أمل أرجع بيتنا ...؟!!
- بإذن الله بس واحدة واحدة كدة إحكي لي إللي حصل بالتفصيل ...
قضى المحامي بعض الوقت برفقة "زكيه" ليتفهم منها الموقف ويطمئنها ببريق أمل لخروجها من هذا المكان المقيت ...
إصطحب الشرطي "زكيه" ليعيدها مرة أخرى لغرفة الإحتجاز لتصادف صدفة غريبة للغاية حين قابلها "فريد" قد دلف للتو يبحث في الأرجاء بأعين مشتتة ...
إندهش "فريد" لرؤية زوجة عمه بقسم الشرطة فأنانيته السابقة جعلته لا يدري عن أي من أفراد عائلته ولم يهتم سوى بنفسه و"حنين" فقط ...
تسائل بغرابة لوجودها بمثل هذا المكان ...
- بتعملي إيه هنا يا مرات عمي ؟!!!
أجابته بضيق من حالها ...
- زور والله زور ، أنا مقتلتش "خيرية" ، أنا بريئة والله ...
حرك "فريد" رأسه يستجمع الأمور فقد علم بمقتل "خيرية" لكنه لم يعلم بأنه قد تم إتهام "زكيه" بالأمر ، شعر لأول مرة بقلة حيلة تلك السيدة وجبروتهم أمامها ، أردف ببطء كإستيعابه تمامًا ...
- ربنا يخفف عنك يا مرات عمي ، لو عوزتي حاجة قولي متتكسفيش ...
تعجبت "زكيه" من هذا التغيير المفاجئ الذي طرأ به وبـ"فخري" أيضًا لتجيبه في عجالة قبل ذهابها لمحبسها ...
- تسلم يا "فريد" ، الحاج "فخري" عامل الواجب وزيادة ...
إبتعدت "زكيه" عن ناظريه ليسأله الشرطي بخشونة ...
- خير يا حضرة ...
- أنا جاي أقدم بلاغ ضروري عن واحد مهرب ...
أشار الشرطي نحو أحد الشرطيين الجالسين حول مكتب بآخر الرواق ...
- روح للصول "زينهم" يعمل لك محضر ...
إتجه "فريد" ليقوم بالإبلاغ عن "حامد" ومحاولته لتهريب مواد ممنوعة عن طريق العطارة التي سيتم إستيرادها من الخارج كما أفهمه والده تمامًا ليأمن مكر "حامد" ويخلي مسؤوليته عن الأمر ...
من لا تؤدبه الكلمات تؤدبه الدنيا حين تدور ، وعلمنا أن الطيبون تجمعهم نواياهم ، كذلك الخبيثون تجمعهم سواد قلوبهم ...
فور تيقن "حنين" من أن مرضها الذي زادها قبحًا مُعدي عقدت العزم على الإنتقام من "محمود" الذي تخلي عنها ونفر منها فلن تتركه اليوم إلا وهو مصاب مثلها تمامًا ...
أسرعت نحو شقته لمقابلته وهي تحمل إسوارها الذهبي ، تمامًا كطعم ستليقيه إليه ليقع بشركها الذي تحيكه له ...
طرقت الباب عدة مرات ليفتح "محمود" الباب وهو يقابلها بوجهه الخشن يمنعها من الدخول ...
- جايه تاني ليه ؟؟! عايزة إيه ، مش طردتك من هنا !!!!
رققت "حنين" من صوتها بدلال مصطنع ...
- وحشتني يا "حودة" ، وبعدين ده أنا جايبة لك حتة إسورة دهب إنما إيه تقيلة وتوزن قد كدة ، قلت مش خسارة فيك تفك بيها زنقتك ...
ومضت عيناه ببريق طامع ليسمح لها بالدخول بعدما إرتسمت إبتسامة مزيفة ...
- طب إدخلي ....
دلفت وهي تتوعد له من داخلها بأن تصيبه بنفس المرض ليذوق من نفس الكأس الذي تجرعته وهي تراه ينفر منها بإشمئزاز ، كما سيفعل معه الجميع بعد ذلك ...
جلست برفق وهي تطالبه بضيافته لها ...
- ما تعملنا حاجة سخنة كدة نشربها ...
إنصاع لها "محمود" فلا شيء يضاهي إسورة باهظة الثمن سيحصل عليها بعد قليل ، بتلك الأثناء أخذت "حنين" تفرك كل ما تراه حولها بتقرحاتها حتى تصيبه العدوى ، حتى فراشه وملابسه المعلقة وأدواته المتناثرة هنا وهناك ...
سرعان ما عادت لموضعها حينما سمعت صوت خطواته تقترب منها كما لو أنها لم تفعل شيئًا ، وبمكر الثعابين أخذت تتعامل معه برقة حتى أعطته الأسورة لكنه فور حصوله عليها طلب منها المغادرة لأنه سيذهب لقضاء حاجة ما ، لم تنتظر لوقت كثير فقد أتمت ما جائت لأجله حتى لو كان الثمن إسورة من الذهب ....
حل المساء وسكنت الأجواء بهذه الليلة الهادئة ذات النسمات الباردة ، فمع حلول ليل شتوي آخر إلتزم به الجميع بيوتهم الدافئة وقل المارة بالطرقات ، حان آخيرًا موعد تقسيم المجموعة لمناوبات العمل ...
بأمر مباشر وقف "معتصم" يفكر كرجل شرقي لن يترك ساكنة قلبه تقضي ليلتها بين رجال غرباء ، الأمر كان يحكمه الغيرة بالمقام الأول وليس مهنية العمل ...
- الوقت إتأخر ، "عهد" و "عائشة" أظن دلوقتِ وقت مناسب تروحوا بيوتكم وتيجوا المقر بكرة والبقية حيتوزعوا هنا معايا ، إتفضلوا مع السلامة ..
تناست "عائشة" تهديد "عهد" لها بالصباح لتقفز إلى جوار "معتصم" قائله بصوت حنون مثير ...
- لأ يا قائد ، أنا معاك هنا ، لا يمكن أروح ...
لم تجد "عهد" بُد من إستخدام القوة فيبدو أن الحديث لم يعد يجدي نفعًا ، سحبتها من الخلف تجاهها وقد عقدت أنفها بإشمئزاز مرة أخرى لتردف بخشونة ...
- القائد قالك روحي ، يلا يا روح ماما بلاش لكاعة ..
قبضت بكفها على مرفق "عائشة" تكاد تعتصره بين أصابعها لتخفي "عائشة" تأوهها وشعورها بالألم كما لو أنها لم تتأثر بقوة "عهد" المفرطة وتشعر "معتصم" بأن "عهد" أقوى منها ...
لكن حركة وجهها المتألمة و رد فعل "عهد" العنيف معها قد أسعد "معتصم" لعودة شرسته إليه ، كم يعشق تلك المتوحشة الفريدة من نوعها ، لا تقارن ولا تبدل بغيرها مطلقًا ...
- اووه ، طيب ، طيب يا ستار ..
إضطرت "عائشة" للإنصياع لـ"عهد" لتلوح لهم بخفة مودعة إياهم ...
- سلام أنا ماشيه ..
أجابها الجميع سوى "معتصم" الذى ترقب وداع "عهد" فقط ، شعرت "عهد" بذلك لتردف بهدوء خاطف لتتيقن من أنه ينتظر وداعها بالفعل ...
- سلام ...
هنا فقط أجاب "معتصم" على أنثاه الوحيدة التى يراها ...
- مع السلامة ...
أرخت مقلتيها بزهو من أنه خصها وحدها بتحيته لتستعيد جمودها مرة أخرى قبل مغادرتها المقر برفقة "عائشة" دون أن تغيب تحيته لها خاصة حتى عادت للمنزل لتنتهي أحداث يوم عمل مجهد ، بينما لاحقها بسوداوتيه العشقتان يناظر مغادرتها بقلب مفعم منفعل ، فإلى متى ستظل بعيدة المنال تحير قلبه الوله ..
مكتب عيسى للمحاماة ....
للرحيل قسوة لكن أقسى أنواعه من لم يرحل مني ، توطنت القلب وسكنت الروح فكيف أخرجك منهما ، إنها لمفارقة بائسة أن أقنع نفسي بإنتهائك من داخلي ولم أفكر بسواك ولو لوهلة ...
كما لو كانت الأوراق خاوية لم يدون بها كلمات ، أخذ "عيسى" يطالعهم بفراغ ، لكن بذهنه بقى شيء واحد فقط (غدير) ، رغم ما تؤكدة عيناه إلا أن قلبه مازال لا يصدق ، لم أنتِ خائنة يا مهجة القلب والروح ؟! كيف أقنع نفسي بأنكِ مثل الجميع وقد كنتِ قنديل بعتمة ظلام نفسي ...
تأخر الوقت و"عيسى" مازال هائمًا ببحور أفكاره وظنونه ، فحتى وإن قبل وجود "غدير" بحياته بعد تيقنه من خيانتها إلا أن ذلك فقط لحملها لإبنه بأحشائها ، نعم إن الأمر لا يتعدى ذلك ، هكذا أوهم "عيسى" نفسه بأن لا يربطهما الآن سوى طفلهما وهي لم تعد لها بقلبه سكن ...
طرقت "سندس" باب غرفة المكتب الخاص بـ "عيسى" تطالع بأعينها القلقة تعاسته التى توطنت ملامحه منذ مجيئه بالصباح ، حزنه أحزنها بل حطم قلبها رغم عدم إدراكها لسبب حزنه العميق ...
وقفت بباب الغرفة تطرقه للمرة الثانية دون أن ينتبه لها "عيسى" مطلقًا ، لكنه في النهاية أفاق من شروده ناظرًا نحوها بأعين فارغة ...
- خير يا أستاذة "سندس" ، عاوزة حاجة ؟!!
سحبت شفتيها بإستياء لتردف بإشفاق على حاله الغريب اليوم ...
- مالك إنت يا أستاذ "عيسى" ، إنت مش طبيعي أبدًا النهاردة !!!
تنهد "عيسى" بإختناق مردفًا بإحباط ...
- وهو إيه الطبيعي ، خلاص ، معدش فيه أي حاجة طبيعية ، كله كذب ...
تقدمت نحو الداخل تحاول فهم مقصده ...
- كذب !!! هو إيه إللي كذب ، قصدك إيه ؟!!
حتى وإن شعر بالتهاوي وتأكدت ظنونه بخيانة "غدير" فلن يسمح لنفسه بالوقوع بشرك "سندس" وينجح مساعيها بالتودد إليه ، وبالطبع لن يتحدث عن زوجته أمام الغرباء فيوم ما كانت تجمعهم أوتار المحبة فلن يعيبها حين تنقطع ...
أشار بعدم إكتراث ...
- لا ولا حاجة ، شوفي شغلك بس ...
أشارت "سندس" بتهكم نحو خارج المكتب ...
- شغل إيه ، ده مفيش بني آدم هنا ، إنت مش واخد بالك الساعة كام ؟!!
رفع "عيسى" ذراعه ناظرًا نحو ساعة معصمه ليتفاجئ بها إقتربت من الثانية عشر ليهتف متفاجئًا ...
- ياااه ، أنا ما أخدتش بالي خالص ، طب إنتِ قاعدة ليه لغاية دلوقتِ ، روحي إنتِ الوقت إتأخر ...
هامت بمحبته التى لم تعد تتحمل إخفائها ...
- مقدرتش أروح وأنا شايفاك مخنوق ومتضايق كدة ...
تصدي "عيسى" لقربها الذى يدرك بالفعل خطوتها التالية به ...
- لا إتفضلي روحي ، وبعد كدة متتأخريش تاني بعد الساعة عشرة ، أنا ما ركزتش في الوقت بس ، مع السلامة ...
بإصرار لبقائها معه حتى تطمئن عليه ...
- خليني معاك ونروح سوا ...
رمقها "عيسى" بحدة ليصمتها تمامًا ...
- قلت لك روحي يا أستاذة ، أنا لسه سهران شوية ...
زفرت "سندس" بضيق لتضطر للمغادرة تلبية لرغبته ، بينما بقى "عيسى" بالمكتب متهربًا من لقاء محتوم بينه وبين "غدير" إن كانت عادت الليلة لشقتهم ، فهو إن سيطر عقله على تصرفاته فلا يمكنه السيطرة على قلبه الذى تملكه تلك الخائنة ...
بيت المستشار خالد دويدار (شقة عيسى) ...
لا سبيل للتخلي وإن لزم الأمر سأحتلك أولًا ثم نتفاوض ، هكذا كان رد فعل "غدير" لظن "عيسى" بها ، فكذبها ما كان إلا لإختلاق فرصة للعودة ومحاولة إصلاح ما أفسدته الظنون ...
بعد مرور يوم آخر مؤلم للغاية لقلبها وجسدها ومرورها بتلك الأزمة التنفسية مرة أخرى بقيت بإنتظار عودة "عيسى" الذى تأخر كثيرًا عن موعده لكنها ستظل بإنتظاره ، عليها إصلاح للأمر مهما تطلب من جهد ، فلا حياة بغير "عيسى" ...
مع مرور الساعات إشتدت البرودة لكنها مازالت بإنتظار مجيئه ، جلست بالمقعد المقابل لباب الشقة لتنتبه له حينما يدلف منه لكنها تقوقعت على نفسها تلتمس بعض الدفء تجاهد سيطرة النوم الذى أخذ يداعب جفنيها بقوة فلن تستسلم للنوم وهي بإنتظار "عيسى" ...
بعد وقت طويل ظن بها هذا المتهرب أن الجميع قد خلد للنوم ، عاد "عيسى" للبيت بوقت متأخر للغاية ، صعد نحو شقته مباشرة وهو يحفز نفسه بكذب [ مروري بالشقة لمجرد التأكد بأنها عادت ليس إلا ] ، لكنه لم يدري أن ما يدفعه لذلك هو إشياقه لها ، فتح باب الشقة بهدوء لتتيبس خطواته حين وقعت عيناه على ساحرته الخائنة ، لكن يبدو أن الخائن الآن هو قلبه المنتفض الذي يعلن شوقه ولوعته لها ...
أغلق الباب بهدوء شديد حتى لا يوقظ تلك النائمة ليدنو منها ومازالت عيناه المشتاقة تملأ برؤياها...
تشتت عيناه بتفاصيلها الفوضوية التى يعشقها ، شعرها الثائر ووجنتها الوردية وملائكيتها النائمة ، جثي فوق ركبته أمامها يتأمل ملامحها الساكنة المتقوقعة على نفسها لشعورها بالبرد ، أراد لو يضمها لصدره يخفيها عن العالم ويدفء فؤاده بجسدها البارد ويحيطها بحنانه ليدفئها قليلًا ...
[ آه لو تعلم مشقة قلبه ببعده عنها ] ، حتى هو القوى لا يتحمل ذلك ...
أخذ يستشق عبيرها برائحة ( اللافندر ) المميزة ، الآن فقط يمكنه النوم لوجودها إلى قربه ...
تطلع نحوها بمزيج من الغضب والعشق والعتاب واللوم والمحبة ، لقد كاد يجن من كثرة الأحاسيس المتضاربة ، فحتى عشقه مهلك له ، ليته لم يعشقها لهذا الحد ، يا ليت قلبه ظل له وحده ، لكنها ملكته وتربعت بعرشه ، لقد ظن أنه قلبه لكن بعض الظن إثم ...
كاد ينسى كل شيء ويدنو منها يحملها بين ذراعيه لكنه تراجع ووقف متجهمًا ينهر نفسه عن التخاذل والخنوع ليذكر نفسه إنها كاذبة خائنة ، ليندفع بغضب مغادرًا الشقة مبتعدًا عنها ، فلن يستطع البقاء هنا فكرامته لا تسمح له بالتغاضي ليقضي الليلة أيضًا بغرفته بشقة والديه كما كان بالأمس تمامًا ...
رواية ظننتك قلبي الجزء الثاني الفصل الثاني عشر 12 - بقلم قوت القلوب
لم أكن أتخيل ...!!
هل تقاس الظنون بحلاوتها أم بمُرها، فهل يطلق على التمني ظنون؟، لكن ما لا يتأرجح بين حلوها ومُرها هي الحقيقة التي تقنع وتشَكك، إنها المواقف التي تثبت وتنفي، إنها ما تبني وتهدم.
متشبث بالظنون متعلق بالهواء بمهب رياح عاصفة لا تطأ أقدامه أرضًا ولا يصل لقمة غاية، فقط يسبح في بحور آمال كاذبة.
تمر الأيام لتسرع بتلاحقها حتى يأتي صباح يوم الجمعة، يوم تستعد به بعض القلوب بتمني الفرحة واقتناص السعادة، وأخرى تتوجس خيفة وندم.
برغم أنه يوم عطلة إلا أنه ليس الجميع يتمتع بها، مرغمًا أو بإرادته فالنتيجة واحدة (الغياب).
يومان لم تقع عينا "غدير" على ساكن فؤادها، فحتى وإن طالت بالسهر لا يأتي إلا وهي مستغرقة بالنوم، لا تشعر به، فقط ترى ملابسه التي يبدلها بين يوم وآخر، لا يبيت معها بالشقة بل يبقى لساعات خاطفة بشقة والديه، حتى أنهم لا يلاحظون بقاءه لتعمده المغادرة بوقت مبكر للغاية.
حاولت معرفة الوقت الذي يمكنها رؤيته به إلا أنها تفشل بكل مرة، حتى أن والديه قد لاحظا توتر العلاقة بين "عيسى" و "غدير" لكنهما لم يتدخلا فهي حياتهم الخاصة ولا يجب عليهم التطفل بها، ولديهم ثقة بأن ما يربط هذان الثنائي الفريد أقوى من أن تزعزعه زوبعة ضعيفة بمقتبل حياتهم.
هل يمكن لتلك الأزمة أن تكون سببًا لإنقباض قلبها أم إبتعادها عن صاحب بهجتها ومطمئن روحها؟، جلست "غدير" بدون وعي مدرك للمحيط بها تتخبط بأفكارها فماذا ستفعل الآن وهو يتهرب حتى من لقائها؟، كيف ستجعله يعود لمسار قلبها من جديد؟، أم كُتبت عليهم الغربة بداخل قلوبهم للأبد.
دفعتها "مودة" بخفة وقد تعلقت عيناها بها بإشفاق على حالها المتعسر منذ تلك الليلة.
"وأخرتها يا "دورا"، حتفضلي عاملة كدة؟!"
بأنفاس متقطعة لم تكن إثر أزمتها التنفسية بل للألم الذي لا ينتهي لقلبها المنهك.
"عيسى مرجعش يا "مودة"، مرجعش عشان أتكلم معاه وأقوله يسامحني، أعمل إيه؟!!!! مقدرش أبعد عنه كل ده، حاسة إن روحي بتروح مني..."
ربتت أختها برفق فوق ركبتها المضمومة بشدة لتلك المتقوقعة على نفسها.
"كل حاجة بتبدأ كبيرة، وتقل واحدة واحدة، أصبري شوية، هو أكيد حيهدى وتقدروا تتكلموا مع بعض، ده إللي بينكم صعب ظن يكسره..."
زاغت عينا "غدير" بوجه "مودة" المتأثر ببعض الحيرة، ليغلبها التمني.
"تفتكري!!! أول مرة نزعل كدة من بعض، أول مرة يصدق كلمة عليا، طول الوقت معايا وسندي، عمر ما خلى حد يتكلم أو ييجي عليا، بس هو منه لله "رشيد" وقعني في المصيبة دي..."
رفعت "مودة" جذعها للخلف وهي تزم شفتيها بغيظ من هذا الرجل عديم الأخلاق.
"منه لله!!!!!! ده إنتِ المفروض تدعي عليه بكل صلاة، ده معندوش ذرة أخلاق ولا تربية وتقوليلي منه لله!!! أنا لو كنت شوفته وربنا ما كنت حسيبه، بس من يومها مشوفتش وشه في المطعم، زي ما يكون عمل العَملة وهرب..."
دفعت "غدير" بكفيها للأمام لتزيح سيرته التي تضيق صدرها.
"يهرب ولا يروح في داهية، أنا المهم عندي دلوقتِ "عيسى"، "عيسى" وبس..."
نظرت "مودة" لمؤشر الساعة ثم عادت لأختها.
"طيب قومي دلوقتِ إرتاحي شوية زي ما قولت لك وأنا حروح لـ"رؤوف" وأرجعلك لك تاني..."
"اسأليه على "عيسى"؟؟ شوفيه كويس؟؟ أنا قلقانة عليه أوي.."
بعد أن أخبرتها "مودة" على طلب "رؤوف" للزواج منها وشرحت لها ما فعلته "نيرة"، تفهمت "غدير" لقاء قلوبهم المحبة، لكنها تتمنى أن تنال سكينتها مع مالك فؤادها قبل زواجهم لتعود البسمة لنفسها وقلبها، تلك البسمة التي غابت بغياب "عيسى" عنها.
نهضت "مودة" للقاء "رؤوف" الذي أصر على رؤيتها اليوم لأمر هام للغاية لتترك "غدير" بحالتها اليائسة بشقتها لحين عودتها فربما تجدان حلاً لتلك المشكلة.
من المنطقي أن نحصد زرعًا قد زرعناها، لكن أن نحصد ما لم نزرعه لأمر غاية بالألم، حين تصبح الأشواك بطريقنا دون أن نزرعها يومًا.
إنه يوم الجمعة، يوم العطلة الذي ينتظره الجميع للتلاقي أصبح أكثر يوم يتهرب منه "عيسى"، فضل البقاء بمكتبه عوضًا عن وجوده ببيت العائلة وسؤاله عن "غدير" ومعرفة ما حدث بينهم، أو ربما لقائه معها، هذا اللقاء الذي يهرب منه منذ تلك الليلة، لا يستطيع لقائها ورؤيتها، لا يمكنه نسيان ما رآه بعينه، ولا يمكن محو الظنون من رأسه.
جلس فوق الأريكة الجلدية بحال لا يختلف عن مهجة قلبه المتألمة، فألمه أبشع وأعنف، إن كانت هي متعبة لبُعده وظنونه، فهو يُقتل بخنجر وعليه ألا يصدر صوتًا متألمًا، بل عليه الموت بصمت.
نكس رأسه واضعًا إياه بين كفيه يخفي عينيه عن العالم القبيح الذي أصبح لا يمكن لقلبه تحمله، نعم كان يعلم بمدى عشقه لـ"غدير"، لكنه لم يدرك أنه يعشقها لهذا الحد الموجع، لقد ترك لقلبه العنان بحبها وتعلقه بها حتى ظن أنه لا يمتلكه بل أصبح ملكًا لها.
قرر البقاء اليوم كاملًا بالمكتب فلا طاقة له اليوم بلقاء أحدهم أو حتى لقائها ولو بالصدفة.
بيت المستشار خالد دويدار.
بنهاية كل أسبوع يأتي يوم التجمع العائلي المحبب لنفوسهم، لكن هذا الأسبوع كان مختلفًا تمامًا.
جلس "خالد" و "منار" بمفردهما بغرفة المعيشة وقد لازما الصمت لفترة طويلة قطعها "خالد" مخرجًا بعضًا من قلقه الذي يخفيه داخل قلبه المتوجس.
"إنتِ متطمنه يا "منار"؟!!!!!!"
تنهدت "منار" لتدفع بالهواء دفعة واحدة ظهر كيف كانت تحمل ضيقًا وارتجافًا بداخل نفسها.
"ربنا يستر يا "خالد"، دكتور "محمد" دكتور كبير، إن شاء الله يكون قدها..."
نكس "خالد" عيناه بتمني.
"يا رب..."
لم يملك بهذا الوقت سوى الدعاء بأن يمر الغد على خير، فهو لا يحتمل أي أذى يصيب أولاده، مدركًا قدر الله بكل الأحوال وأن الله يحاسب كل امرئ على فعله ولا يؤخذ أحد بذنب آخر فالله عادل ذو انتقام.
أنت الأجمل على الإطلاق وإن رأيت بك عيبًا سأقول العيب في عيني.
بقلب يحلق في الآفاق جلس "رؤوف" بإنتظار "مودة" بأحد الكافيهات كما اتفق معها صباح اليوم.
ارتفعت الإبتسامة بشفتيه معلنة سعادة ارتسمت بملامح وجهه الشقية برؤيتها تتقدم تجاهه.
نهض لإستقبالها على الفور فلم يعد يطيق الإنتظار.
"إتأخرتي ليه؟"
نظرت "مودة" لساعة يدها مجيبة إياه.
"دي هي دقيقة واحدة..."
"وهي الدقيقة بعيد عنك شوية؟!!!!! الدقيقة بعيد عن عنيكِ عمر بحاله، يرضيكِ أبقى لوحدي بعيد عنك..."
ضمت إبتسامتها بخجل ثم أشار "رؤوف" تجاه الطاولة بلطافة.
"إتفضلي يا قلبي..."
جلست "مودة" تناظره بريبة.
"مش حتبطل كلامك الحلو ده؟"
فهمها "رؤوف" ليقسم لها بأنه تغير تمامًا.
"إوعي تفتكري إني بقولك كلمة كدة وخلاص، لا والله، أنا فعلًا مبقتش أقول الكلام الحلو ده إلا ليكِ إنتِ وبس، هو فيه غيرك يتقاله الكلام الحلو..."
"هو إنت بتضحك عليا، بس أنا راضية..."
قالتها لتعلو ضحكتها الرقيقة والتي جعلته بدوره يتضاحك معها، لكنها سألته بجدية كان ينتظرها.
"إنت كنت عاوزني في إيه؟"
سحب شهيقًا طويلًا ثم زفره بقوة قبل أن يتحدث بأعين قلقه متخوفة للغاية.
"بكرة معاد العملية، أنا بحاول أكون قوي بس مش عارف، كنت عاوز أقولك..... أنا خايف..."
رغم تخوفها إلا أنها بثت به قوة خفية تمتلكها.
"إوعى تكون خايف، أقدار الله كلها خير، وأنا حكون معاك مش حسيبك أبدًا، بس إللي مش عايزاك تقلق منه إنك عمرك ما حتكون لوحدك، كلنا جنبك ومش حنسيبك مهما حصل، أنا حتى حبات النهاردة مع "غدير" عشان منتأخرش الصبح ونروح المستشفى على طول..."
"تعرفي إن وجودك ده أكتر حاجة مطمناني..."
إبتسمت "موده" بخجل ثم إستطردت محفزة إياه.
"الدكتور طمنكم وقال إنها عملية بسيطة فمتقلقش..."
ركز عيناه على تلك الرقيقة ليشعر بمدى الراحة بوجودها، فمنذ إدراكه لمشاعره وهو يشعر بالسلاسة والسكينة في التعامل، لا يشعر بالإجهاد معها كما كان مع "نيره".
"إحنا نشرب حاجة ونروح سوا تقعدي إنتِ مع "غدير" وأنا برضه أطمن بابا وماما، حاسس إنهم قلقانين أوي..."
"خليك قوي وبإذن الله خير، لو شافوك متقبل بهدوء هم كمان حيهدوا جدًا، خلي أملك في ربنا كبير..."
إيمانها وقوتها كانت كل ما يحتاجه للمساندة، بقيا سويًا لبعض الوقت خارج نطاق الزمن، فيبدو أن حالة عشق جديدة ولدت بالأفق ستظل تدعم جذور قوتها بوضوح وصراحة وأيضًا بمساندة وعزم.
مقر غرفة العمليات (صفر).
مع تجمع المجموعة كاملة تحت قيادة "معتصم" صباح هذا اليوم، وقف "معتصم" بملامح صامتة تمامًا لا يظهر أي إنفعال يذكر، غموض ظاهر عليه إعتاده كل فريق العمل.
كانت "عائشة" من وقت لآخر تسترق النظر نحوه فيما تخوفت من تلك المزمجرة التي كلما رفعت رأسها أجبرتها على الإنخفاض، فقد أصبحت "عهد" متحفزة للغاية بشأن تلك الفتاة التي لا تترك فرصة للتودد لـ"معتصم" ولا تحاول استغلالها بشكل يثير الريبة.
بحضور "عهد" و "عائشة" اكتملت المجموعة تمامًا ليبدأ "معتصم" أوامره بصرامة وجدية جعلت الجميع ينصاعون له دون نقاش.
"الكل يسلم الموبايلات لـ"شادي" من دلوقتِ مفيش أي تواصل بينا وبين أي حد بره المكتب ده ولحد ما ننتهي..."
تحرك الجميع بإنصياع دون تردد نحو الضابط "شادي" لتسليم هواتفهم له لكن مازال الغموض والتوجس يحيط بهم دون فهم لم يفعلون ذلك.
كان ذلك من دواعي السلامة وأمان للمهمة خاصة بعدما تعرض الضابط "عمر" للحادث في محاولة من هؤلاء المجرمين للتخلص منه، فـ"معتصم" كان متيقنًا أنها بالتأكيد محاولة اغتيال ومازال "عمر" في خطر إثر هذا الحادث.
عاد الجميع لمقاعدهم بإنتظار بقية أوامر "معتصم" الذي يبدو أنه يدرس كافة تفاصيل الأمر وقوفًا بآخر المعلومات الحديثة التي وردت إليه أولًا.
جلس بجلسته المعتادة فوق سطح المكتب وقد استند بكفه فوق ركبته ليبدأ بإيضاح تفاصيل المهمة اليوم.
"النهاردة حيتم اغتيال شخصية هامة جدًا في الدولة، إحنا عرفنا المكان إللي حتتم فيه العملية دي، القوة حتتحرك للمداهمة النهاردة لازم، وبقولها تاني أهو عشان مش حسمح بأي غلط ولو واحد في المليون، لازم نقبض النهاردة على التشكيل كامل..."
كانت تتعلق به العيون ما بين منصت ومتحفز ومعجب أيضًا، لكن كان عليه استكمال الإيضاح بجدية وعملية شديدة ليستطرد "معتصم".
"معاد المداهمة حتبلغوا بيه في الوقت المناسب، حاليًا الكل حيكون في المداهمة دي ما عدا "عهد"، و "عائشة"..."
نهضت "عهد" بملامح ممتعضة متعجبة فهي قامت بكافة أنواع البحث ولديها معرفة بكل تفاصيل تلك المداهمة لترفض تهميشها بشكل قاطع مردفة بحدة.
"وليه بقى؟!!!!!!"
لم يكن يستثنيها لمجرد رد الفعل الذكوري المعتاد بإقصاء الفتاة عن العمل الشاق بل كان يتخوف من أن يصيبها مكروه، أخفى بداخله تلك المشاعر المتخوفة ليردف بحديث أجوف.
"ده أمر يا حضرة الظابط..."
عقدت ذراعيها بإنفعال وكادت أن تتحفز لهجوم شرس ظهر على ملامحها المعقوصة حين هتفت "عائشة" بمزيج من الإنفعال والتغنج معًا لتثير انتباهه لها.
"إحنا مينفعش نتجنب بالشكل ده، إحنا ضباط مش حريم!!!!!"
قالتها لتثبت أن لها القوة والحزم بحد ذاتها وغير معتمدة على هجوم "عهد" لكن وجدتها "عهد" فرصة لأن تصبح متفرجة بإنتظار رد فعله على ما قالته تلك المستفزة للتو، رفعت حاجبها بنظرة تحدي تنتظر إجابته عليها.
زفر "معتصم" بقوة فيبدو أنه سيدخل بجدال كبير بين معركة الرجل والمرأة الآن هو في غنى عنها، أجابهم بإشاحة وجهه تجاه بقية الضباط.
"خلاص خلاص، يبقى التقسيم كالتالي..."
تطلع نحو أحد الأوراق مصطنعًا التمعن بها فما عليه الآن سوى أن يجعلها بالقرب منه ليستطيع حمايتها، فحتى وإن لم تهتم لسلامتها فذلك أمر يريده وبشدة.
"شادي حتتابع من غرفة العمليات، وأي تطور حتبلغنا بيه في اللاسلكي، المجموعة حتتقسم جزئين للمداهمة، جزء مع "عبد الرحمن" وجزء الهجوم الأول معايا..."
وبدون أن يرفع رأسه أصدر أمره الذي لن يخالف تلك المرة.
"عهد حتكون معايا، و "عائشة" مع "عبد الرحمن"..."
تقسيم أرضىَ غرورها وأراح قلبها بسكينة وسعادة خفية، برغم أنها كانت ستعترض لمجرد الاعتراض إلا أنها رضخت لطلبه بوجودها معه، فهي لا تتمنى سوى قربه الذي تريده وترفضه بذات الوقت.
لوت "عائشة" فمها وهي تستمع لبقية تفاصيل المداهمة فهي لم تربح اليوم خطوة واحدة في سبيل هدفها لتبقى مستمعة برفض لا يمكنها إيضاحه.
بحلول نهاية الأسبوع ومع كامل التحريات التي قام بها رجال الشرطة، تم القبض على "حامد" بعد التأكد من البلاغ الذي قدمه "فريد" منذ عدة أيام ليثبط أعماله الخارجة عن القانون ويحمي نفسه ووالده وأخيه "مأمون" من هذا الشرك الذي كان سيقع به.
لقد كان "حامد" قد رتب لهم مكيدة بإشتراكه مع "حنين" لوضع بعض المواد المخدرة بمتجر العطارة خاصتهم للانتقام منهم كما طلبت منه.
من خلال التحقيقات أقر "حامد" بذلك لتصبح خطوة الإبلاغ عنه والتي طلبها "فخري" من ولده هي طريقة لحماية نفسهم من خطر محقق كانوا سيقعوا به.
بيت عائلة "حنين".
لا تتعجب لترى أفعال كنت تقوم بها بنفسك، فما أسرع الدنيا بدورانها، فمهما حاولت أن تكيد يعود الكيد بأنفسكم.
تتوق "حنين" لمعرفة ماذا حل بعائلة النجار التي ودت التشفي بها والانتقام من "فريد" لطلاقه لها، أن ترى "فخري" وأولاده يلقون بالسجن لعدم تحصلها على مالهم لهو أمر سيرضي نفسها المريضة.
أغلقت باب غرفتها المتهالكة لتتحدث لـ"حامد" لتطمئن عما حدث.
بعد رنين متواصل أجاب أحدهم على هاتفه لتمتعض "حنين" لسماعها هذا الصوت الغريب.
"مين معايا، مش تليفون "حامد"؟"
أجابها الرجل بما أصابها بالذهول قبل أن يغلق الهاتف.
"حامد اتقبض عليه، شوفوا له محامي ولا حاجة، شكل الموضوع كبير..."
"إيه!!! اتقبض عليه، إزاي ده؟"
بإسلوب جاف للغاية أجابها هذا الغريب.
"إنتِ حتاخدي وتدي في الكلام، ما قلنا في القسم وخلاص..."
"طيب طيب..."
كلمة أنهت بها المكالمة التي لم تكمل الدقيقة الواحدة لتظل "حنين" شاردة الذهن فمساعيها للانتقام نثرت كحبات الرمل بالهواء.
جلست بغير تصديق تنظر لما آلت إليه الأمور، فها هي مريضة وحيدة منبوذة عن الجميع، حتى من كان يرضى بها قد تركها، أولادها بعيدًا عنها، ماذا كسبت الآن، لا حب ولا حياة ولا صحة ولا زوج.
"ده إيه الحظ ده، يعني ميتقبضش عليه إلا قبل ما ينتقم لي منهم، طب والعمل، خلاص كده، حفضل طول عمري مرمية في الفقر والمرض ده بعد كل إللي كنت فيه..."
لقد خسرت كل شيء، لم يعد هناك أمل واحد لتعيش لأجله، تهدلت ملامحها بتعاسة تلك التي لم تظن يومًا أنها ستحزن لفراق "فريد" الأحمق القبيح كما كانت تسميه بداخل نفسها.
"بقى كده يا "فريد"، هونت عليك، ده أنا كنت فاكره بيحبني وميقدرش يستغنى عني..."
حياتها التي كرهتها تتمنى الآن أن تعود لها، فلم تكن تتخيل أنها ستفتقدها إلى هذا الحد.
تتمنى لو يعود الزمن وترضى بحياتها وزوجها، ليته يسامحها وستبقى له زوجة مخلصة، لكن كيف سيتقبل "فريد" ذلك، كيف له أن يسامح وهي قد ألقت بقلبه كل السواد الذي كانت تبثه بنفسها كما في نفسها، اللين والمسامحة أمران كانا خارج كل حساباتها فكيف تطلب منه الآن الصفح والعفو.
قسم الشرطة.
تعلق "زكيه" بهذا المحامي الذي أحضرته "عهد" ومن قبله ذلك الذي جاء به "فخري" لهو الأمل بالتعلق بقشة للنجاة من مصيبتها التي لا تقدر على تخطيها بمفردها.
ها قد أتمت ما يفوق الخمسة عشر يومًا بهذا المكان المنفر بعيدة عن ابنتها الساذجة ولا تدري عن الأخرى الغاضبة التي تركتهم شيئًا، جالسة يتمزق قلبها بين كلتاهما دون الحول والقدرة على الاطمئنان عنهما.
لم ينشغل تفكيرها بمحبسها بل شغلتاه من تحملت كل هذا العناء لأجلهن فقط، خاصة وهي تتذكر بأن اليوم هو يوم زفاف صغيرتها "نغم" على "مأمون".
نظرت "زكيه" نحو جدار غرفة الاحتجاز القاتمة القابضة للنفس محدثة نفسها بتحسر.
(ياما كان نفسي أكون معاكِ يا بنتي وأزفك لعريسك!!! بس أعمل إيه، آدي الله وآدي حكمته)
تضرعت بالدعاء بنية صافية وقلب أم مثقل بهمومه.
(يا رب احفظها هي وأختها من كل سوء، يا رب ما توجع قلبي عليهم)
تنهدت بغصة ثم أكملت بملامة.
(كده برضه يا "شجن"، تهون عليكِ أمك كل ده متسأليش عليا ولا تطمنيني عنك، يا خوفي إنتِ كمان تكوني وقعتي في مصيبة، يا رب يا كريم، احفظ لي بناتي وفك حبستي يا رب...)
سمعت صوت الشرطي ينادي باسمها لتهتف بتلبية على الفور.
"أيوة يا شاويش..."
أشار لها بالسماح بالخروج.
"اطلعي يا ست "زكيه"، المحامي بتاعك عاوزك في مكتب وكيل النيابة..."
تعالت ضربات قلبها باضطراب لكن ملأها الأمل.
"يا رب يكون عرف يلاقي صرفة ويخرجني من هنا بقى..."
أسرعت "زكيه" بخطاها نحو خارج غرفة الاحتجاز لمقابلة المحامي الذي جاء لزيارتها، بقلب متلهف لسماع خبر يريح قلبها دلفت "زكيه" بتشدق.
"خير يا أستاذ، فيه جديد إن شاء الله..."
أشار لها المحامي بوجه مقتضب تجاه أحد المقاعد.
"اقعدي الأول يا ست "زكيه"..."
انصاعت له "زكيه" لتجلس أولًا بطرف المقعد بجلستها القلقة التي لا تحمل أي ذرة من الأمان والراحة، نظرت له بتشوق لسماع ما جاء لأجله وإن كانت ملامحه لا توحي بأي أمل، لكنها كانت تمني نفسها بذلك، تحدث بمهنية يحاول إيضاح الأمر لها.
"شوفي يا ست "زكيه"، أنا عملت كام محاولة كدة عشان حتى تخرجي بكفالة، بس واضح إن الحكاية صعبة شوية، والاتهام ليكِ واضح والدليل والدافع موجودين، وكيل النيابة رفض الكفالة، بس متيأسيش، أنا مش حاسكت، ححاول أقدم مذكرة إنك مريضة مثلًا وأهو تقضي كام يوم في مستشفى السجن لحد ما نلاقي حل..."
تهدلت ملامحها بإحباط بالغ فهي من سجن لآخر وما الفرق إذن، ليست الحرية بتغيير مكان المحبس، فالروح يقتلها الظلم بأي موضع مهما بلغت راحته، أردفت بنبرة متحشرجة مختنقة.
"مش حتفرق كتير، كدة كدة محبوسة، أنا كنت عايزة أطمن على بناتي بس..."
"بإذن الله خير، خلي أملك في الله وإن شاء الله حنلاقي حل..."
طأطأت "زكيه" رأسها تخفي عبرتها التي استوطنت عيونها مرددة بإيمان.
"ونعم بالله، بس هو فيه أمل يا أستاذ "محروس"؟"
"متخافيش، مش حاسكت إلا لما ألاقي طريقة أخرجك من هنا، سيبي بس اتكالك على الله..."
نكست "زكيه" رأسها بخضوع.
"ونعم بالله، أديني مستنية، الفرج من عندك يا رب..."
خائفة مترددة مختنقة، هكذا رفعت من جسدها المتيبس لتتجه مرة أخرى عائدة لغرفة الاحتجاز تأمل بأن يخرجها الله يومًا من تلك المصيبة التي لا تعلم ماذا سيحل بها بسببها.
بيت عائلة النجار "شقة زكيه".
في حياة أخرى إن كان بإمكاني الاختيار لأخترت أن أكون طيرًا يحلق بسعادة معبرًا بصوت تغريداته عن فرحته الكاملة، لكن اليوم الفرحة منقوصة، تخلو من الأحبة الذين يشاركوننا فرحتنا، فكيف يكون إحساس الفرح بدون مشاركة من نحب!!
تطلعت "نغم" لفستان زفافها المفرود فوق فراش والدتها الغائبة بتحسر، تجلس وحيدة اليوم بإنتظار مرور الساعات لتزف لبيت "مأمون".
حلم تعلق به قلبها منذ سنوات وهي ترى به فتى أحلامها وحامي قلبها وسندها بخيالها الصغير، إنه "مأمون" الذي يواجه ظلم والدته من أجلهم، نقي القلب، قوي جسور، لا يهاب ملامة من أجلهم، إنه بطلها الأسطوري.
رفعت كفها تدق لمرة تاه عددها بعقلها فربما تستجيب تلك المرة، كم اشتقت لأختها "شجن"، كم كانت تتمنى وجودها إلى جوارها اليوم، لكن بالنهاية هاتفها مغلق ككل مرة.
وضعت هاتفها بإحباط قائلة.
"كنت نفسي أقولك إن فرحي النهاردة، كنت عاوزاكِ تشوفي فستان الفرح إللي جابهولي "مأمون" عشان تعرفي قد إيه بيحبني، كنت عاوزة أقولك إنك غلطانة، "مأمون" أحسن راجل في الدنيا، بس أنا مش عارفه أفرح، وأفرح إزاي وإنتِ وماما مش جنبي!!! مكنتش أتخيل إن يوم فرحي أكون لوحدي بالشكل ده..!!!"
دق هاتفها أخيرًا برقم حديث العهد عليها بالآونة الأخيرة، عمها "فخري"، هذا العم الذي كان شبحًا بحياتها لسنوات طويلة، ها هو يصبح كل من لها الآن.
"صباح الخير يا عمي..."
"أخبارك إيه يا بنتي، ها، محتاجة حاجة؟"
تنهدت "نغم" لتجيب بتلقائية وبساطة كروحها المتلألئة.
"شكرًا يا عمي، كله تمام، كلها ساعة وتيجي الست إللي حتعمل لي المكياج بتاعي عشان الفرح، و "مأمون" جاب لي الفستان امبارح..."
"طيب الحمد لله، لو احتجتي حاجة كلميني على طول، وبإذن الله حنكون عندك بعد صلاة العشا عشان نزفك على بيتك يا "نغم"، ألف مبروك يا بنتي..."
بإيماءة حزينة عقبت بهدوء.
"الله يبارك فيك..."
أغلقت الهاتف لتنهض تلملم بقية ملابسها بحقيبتها الصغيرة استعدادًا لمغادرة شقتهم القديمة اليوم، فمنذ الليلة سيصبح لها بيت جديد وحياة جديدة وسعادة طالما حلمت بها، إنها ستزف إلى بيت "مأمون"، عليها أن تجبر نفسها على الشعور بالسعادة، أليس هذا ما كانت تحلم به.
شقة "صباح الجزار".
من أين تأتي الراحة والسكينة وقد فقدت غايتي وأملي التي سعيت إليها، بكل الطرق المستقيمة والملتوية حاولت وحاولت ومازلت سأحاول حتى أفقد الأمل.
وقفت "صباح" بالشرفة تلك المرة بدلًا من ابنتها تنتظر مرور "صاصا" بها، تآكل قلبها قلقًا وتلهفًا لمعرفة آخر الأخبار.
ما أن وقعت عينا "صباح" على جاسوسها قادمًا باندفاع نحو بيت النجار حتى التفت "صباح" نحو داخل الشقة لمقابلته.
أسرعت تتهادى بخطواتها الثقيلة وقد أصدرت أساورها المتخبطة ضوضاء لم تكترث لها وهي تدنو تجاه باب الشقة تفتحه بعجالة لمقابلة "صاصا"، سألته بتلهف.
"خير يا واد؟ حصل إيه؟"
التقط "صاصا" أنفاسه اللاهثة وهو يجيبها بخبر سينال منه المال بالتأكيد.
"مطلعتش يا ست الكل، الست "زكيه" جددوا لها الحبس، مفيش حد من المحاميين عرفوا يطلعوها..."
ابتسامة تشفي لاحث بشفتيها الغليظتين ثم أخرجت بضعًا من الأوراق المالية تمدها بيده معقبة.
"خد دول، قولي، مشوفتش الحاج "فخري" عندها؟"
"لا يا ستنا، الحاج "فخري" بيحضَّر لدُخلة سي الأستاذ "مأمون" ابنك الليلة..."
لم تكد تسعد بخبر بقاء "زكيه" بمحبسها إلا و امتعض وجهها عندما تذكرت أمر زواج ابنها من ابنة غريمتها لتزفر ببغض.
"داهية تاخدهم كلهم، يلا روح مطرح ما إنت كنت رايح، وتقولي أول بأول على كل الأخبار..."
"طبعًا يا ستنا، ودي فيها كلام..."
غادر "صاصا" لتعود "صباح" لغمغمتها بالسباب على "زكيه" وبناتها فهم السبب بما حل بها بالتأكيد.
"مش مهم، المهم إن الخدامة لسه في الحجز ومش حتطلع منه أبدًا، وموضوع جواز بنت الخدامة ده له روقة بس أخلص من أمها الأول..."
الصمت هو لغتي الأخيرة بعدما عجزت الكلمات عن إخبارهم عما يشتعل بصدري.
جلس "بحر" بشقته متحليًا بصمت مؤلم بعدما فقد رغبته بالحديث والبحث أيضًا.
اقتربت منه والدته بإشفاق على حاله الذي تغير كليًا بعد قربه من "نغم" بالآونة الأخيرة.
"روح يا "بحر" افتح المكتبة، إنت بقالك يومين قافلها وقاعد في البيت..."
مال برأسه ليضغط بكفه فوق عينيه باختناق مجيبًا إياها.
"حاسس إني خلاص بموت، روحي بتتسحب مني، مش قادر أكمل ولا أتخيل إن كلها ساعات وحتتجوز "مأمون"..."
رفع وجهه تجاه والدته موضحًا بقهر يأسه وقلة حيلته.
"أنا عملت كل حاجة، كل حاجة!!!!! مشروعة وغير مشروعة عشان أبعده عنها، حتى النصابين اتفقت معاهم يشوفولي حل، ومفيش فايدة، كلمته وكلمتها وبرضه إللي في دماغها في دماغها، هي طيبة وساذجة وأنا خايف عليها، ملقتش حل، كان بإيدي إيه أعمله ومعملتهوش!!!! أنا قلبي بيموت ومحدش حاسس بيا..."
ربتت والدته بكتفه بلطف ثم أردفت بحنو.
"سيب اتكالك على الله، مش يمكن هي مش نصيبك..."
خنجر آخر غرس ببقايا قلبه المهشم ليردد نفس الكلمة بنبرة مختنقة يملؤها اليأس.
"مش نصيبي!!!!! أنا بحبها، بحبها أوي يا ماما، عمري ما حسيت الإحساس ده تجاه أي بنت، مش عارف إزاي قدرت تخطف قلبي من أول يوم شوفتها فيه..."
"قومي اتوضي وصلي ركعتين لله يخفف عنك الهم والحزن، وكل شيء بيبدأ صغير ويكبر إلا الحزن... يبدأ كبير ويقل شويه شويه، ادعي ربنا ينسيهالك..."
تهدلت ملامحه بتعاسة فكيف يطلب من الله نسيانها وهي من دبت الحياة بقلبه المهمل، هي من جعلته يدرك أن له قلب ومشاعر ليحب ويتعلق بها، لقد ظن أنه لن يحب ويهيم ببحور العشق، لكن بعض الظن إثم.
فيلا الأيوبي "النوبارية".
"نصف المحبة ونس" مقولة صحيحة تمامًا فالصحبة والسكن هم أصل المحبة، كتلك التي ذُرعت بقلب "أيوب" و"شجن"، محبة من نوع خاص، كان يبحث عن ظل ولد يشعره بقيمة الحياة، وكانت تبحث عن خيال أب يعوضها من فقدته بالرحيل، بالسند الذي عاشت حياتها بأكملها تبحث عنه.
أحلام تبنى ولو متأخرة جعلت القلوب تتآلف، لكن حين هوى ببحور المرض شعرت "شجن" بمقدار ضآلة الحياة أمام رؤيتها لوهن هذا الرجل.
نوبة ألم أخرى اجتاحت "أيوب" هرعت إليها "شجن" مسرعة لتزيد من جرعة المسكن خاصته لتساعده على تحمل هذا الألم.
قوست شفتيها بإشفاق وهي تناظر هذا الممدد فوق الفراش، شاحب الوجه يميل للونه الأصفر، يغلب الوهن نبرة صوته المتحشرجة.
"ناوليني شوية مياه يا بنتي..."
أسرعت "شجن" بوضع الماء بأحد الأكواب لتناوله إياه متمتمة بدعائها.
"اتفضل يا عم "أيوب" وخد الدوا ده كمان، اللهم أنت الشافي المعافي شفاء لا يغادر سقما، بيدك الشفاء، لا كاشف إلا أنت يا رب العالمين..."
تناول حبة الدواء ليعود لنومته مرة أخرى، لحظات لم يعد للحديث أهمية، فقط إحساس التآزر والمساندة يكفي.
طرقات خفيفة لحقها نظرة "شجن" المتأثرة تجاه الباب لتجده "رحيم" قد وقف بالباب، ابتلعت غصتها الظاهرة لتومئ له بخفة تسمح له بالدخول مردفة.
"اتفضل يا "رحيم"..."
دلف "رحيم" بخطوات متباطئة وقد تركزت عيناه على "أيوب" دون سواه، للحظة ظنت "شجن" أنه موشك على البكاء، لكنه وقف بصمت متهدج الأنفاس، مقتضب الوجه، لكنه رغم ذلك نطق حروفه بآلية شديدة.
"سلامتك..."
أغمض "أيوب" عيناه بإيماءة خفيفة.
"الله يسلمك..." (ثم تطلع نحو "شجن" محاولًا رسم بسمة باهتة)، "روحوا إنتوا يا ولاد، أنا محتاج أنام شوية، ولما أصحى متنسيش تيجي تسقي الزرع..."
أرغمت نفسها على الإبتسام مرددة بمشاكسة لطيفة.
"كل إللي همك الزرع بس، ده وقته يا عم "أيوب"!!!"
"أيوة، إوعي يموت، الزرع ده أهم حاجة في الدنيا، خدي بالك منه..."
رفعت غطائه قليلًا بشكل عفوي للغاية أثار انتباه "رحيم" المشاهد بصمت ثم أجابت.
"متقلقش، نام إنت بس، وأنا حبقى أسقيه بعدين..."
خرجا من الغرفة بهدوء لينال هذا الكهل بعض الراحة فيما توقف "رحيم" وقد علت ملامحه علامات الاستنكار وعدم الفهم.
"إنتِ مهتميه أوي بالراجل ده ليه كده؟ بجد إنتِ محيرة أوي؟!!!!"
مال ثغرها ببسمة ساخرة.
"محيرة!!!!! عمومًا حجابك مع إني مش عارفه إيه اللي يهمك في الحكاية دي، أنا قلت لك إن عم "أيوب" بالنسبة لي كأنه زي والدي الله يرحمه بالظبط..."
نظرات زائغة بغير اقتناع فقد تملكت منه الظنون، فلابد أن لها غرض ما تخفيه خلف كل تلك الهالة اللطيفة الودودة، إنه لم يرى من يعطي المحبة بدون مقابل من قبل، رغم ذلك اصطنع التصديق وانتهى الحديث بإيماءة خفيفة.
لم تكن الظنون تلعب برأسه فقط، فقد أثار الشك والظن بنفس "شجن" بهذا التلقائي، فمن الواضح أنه يخفي أمر يظهر جليًا على تساؤله المتكرر لتردد بداخلها.
(يا خوفي منك، مش عارفه إنت كويس وطيب ولا ممثل شاطر، إيه إللي مخبيه جواك، أنا حزعل أوي لو كنت جاسوس لولاد عم - عم "أيوب"- أنا لازم أتأكد، لازم)
أشارت "شجن" تجاه غرفتها بعجالة.
"حروح أجيب حاجة من الأوضة..."
أسرعت نحو الغرفة تاركة "رحيم" بمفرده لتدلف للداخل وتغلق الباب تاركة مساحة صغيرة للغاية تكفي للنظر من خلالها بعين واحدة لتغمض الأخرى تراقب رد فعل "رحيم" لتندهش عيناها بصدمة حين وجدته أسرع بإخراج هاتفه متحدثًا بنبرة هامسة للغاية لم تستطع تمييزها على الإطلاق.
أغلقت الباب برفق حتى لا ينتبه أنها رأته وهي تهمس بصدمة.
"معقول إنت الجاسوس...!!!!!!"
بيت عائلة الأسمر "شقة محفوظ".
خشيت أن تؤذيك الحياة فتؤذى قلبي، تركت نورًا وضياء من أجل عتمة سكون، أتخبط برؤيتي وبقلبي أيضًا فرحماك ربي من خضوع روحي.
نهضت "وعد" تبحث عن ولدها الذي ابتعد عنها بقلب مثقل متوجس، تقدمت بتخبط هنا وهناك تريد أن تصل لوجهة واحدة لا غيرها - "زين" - وهو زين حياتها ونور عينيها، كيف ستصل إليه، كيف ستطمئن إلا لو أسكنته أحضانها، تعتمد على قلبها ليدلها، فهو البوصلة ونجمة شمالها التي تستعين بها.
وضعت كفيها بالحائط إلي جوارها لتسير بخطوات تكاد تتلمس الأرض من أسفل قدميها العاريتين تتحسس إن كانت تسير بشكل صحيح حتى لا تتعثر بشيء ما بطريقها.
خرجت تجاه الصالة الداخلية الواسعة تدور بأرجائها ببطء شديد تبحث عن ولدها.
غرفة "عتاب".
بنظرة مطولة لملامحها المبتسمة خلال المرآة وهي تتحسس وجنتها وشفاهها قبل أن تفلت عقدة شعرها الأسود المعقوص لتنسدل خصلات شعرها فوق رقبتها الطويلة لتشعر بزهو بجمالها الذي تراه أمام أعينها، تمامًا كتلك الساحرة الشريرة بقصص الأطفال الخيالية التي تنظر لجمالها بالمرآة ولا ترى من يضاهيها حسنًا.
ضحكت بخفة مستكملة مكالمتها الهاتفية التي مازالت تتحدث بها.
"مش وقته يا "باسم"، مش حعرف أنزل النهاردة، الدكتورة دي لسه مجتش..."
بإصرار شديد حاول "باسم" اللقاء بها.
"حاولي بس يا "توبه"، معقول كده، بقالي ثلاث أيام مشوفتكيش، ده يرضي ربنا بقى أفضل مشتاق كده!!!"
مالت بسوداوتيها تناظر المرآة وهي تجيبه بدلال لا يليق بما ينبع من قلبها الغليظ.
"وحشتك؟"
تحولت نبرته لحالمية انساق لها "عتاب" بدون تردد.
"إلا وحشتيني، ده سؤال، ما إنتِ عارفة إني بتمني اليوم اللي بشوفك فيه، وإنتِ تقلانة عليا بقالك كام يوم، ولا هو يعني لو متكلمناش في الشغل والورق منتقابلش؟"
ملامة أسرعت "عتاب" بنفيها على الفور لتظهر كم أصبحت صيدًا يسيرًا عليه فقد تملكها تمامًا الآن.
"لأ، لأ، خالص، متقولش كده، بس إنت عارف الظروف..."
"وإيه اللي اتغير؟ ولا فجأة كده بقيتي تهتمي بيهم، أنا فهمت، إنتِ بتتهربي مني ومش عايزة تشوفيني، خلاص ماشي..."
استطاع بسهولة التلاعب بها لترضخ لطلبه بدون نقاش.
"إنت زعلت ولا إيه؟!!! لأ متزعلش، أنا جيالك أهو، أغير هدومي وأجيلك..."
رغم عدم رؤيتها له إلا أنها بتلك اللحظة لو استطاعت رؤيته لعلمت كم يعبث بها كدمية يحركها بين أصابعه من تلك البسمة الماكرة التي اعتلت ثغره، لكنه أردف بمحبة.
"وأنا مستنيكِ حياتي، كمان عشان أقولك على الخطوة الجديدة اللي تخلي مرات أخوكِ تتنازل بيها عن كل حاجة مقابل الحضانة..."
خبر جديد تهللت له "عتاب" فرحًا.
"إنت بتتكلم بجد، خلاص نقدر نخلي "وعد" تتنازل عن الورث كله؟ بس مش ده بس اللي أنا عايزاه، أنا عايزة "محب" وماما كمان، أنا عايزة كل الورث يبقى ليا لوحدي من غير شريك..."
بثقة تامة ردد "باسم" بتأكيد.
"عيب عليكي يا "توبه"، ده أنا "باسم المحمدي"، أشطر محامي في مصر، اعتبري الورث كله في جيبك، بس لازم تعملي كل اللي أقولك عليه عشان محدش فيهم يقدر يثبت إللي إحنا عملناه ونخلص منهم كلهم..."
بخبث عقرب سام التف حول ضحيته أجابته "عتاب" بخيلاء.
"وهو أنا ساذجة يا "باسم"، أنا قادرة على كل ده، وأولهم الست ماما، خلاص كده، الدواء كمان اللي إنت قولتلي عليه مخليها تايهة طول الوقت ومش قادرة تتحسن وحتفضل كده لحد ما ندخلها المصحة زي ما اتفقنا بس لما حالتها تتدهور عشان محدش يشك فينا..."
بعتاب آخر استكمل "باسم".
"إحنا حنقضيها تليفون ولا إيه، يلا حياتي، مستنيكِ، متتأخريش عليا..."
"جيالك على طول..."
فور أن أنهت مكالمتها سمعت صوت خارج غرفتها، أسرعت منتفضة ترى من هذا الذي يصتنت عليها أثناء حديثها، ربما تتحلى بقلب قاسي لكنها لا تود كشف أوراقها الآن بين الجميع لتسرع بخطوات متعجلة وقلب تتعالى به الضربات من التوجس.
فتحت الباب لتجد أنها ليست إلا تلك العمياء الصماء "وعد" تدور بين الأرجاء، ابتسمت بتشفي ساخرة منها.
"وأنا اللي كنت فاكراكِ حد يتخاف منه، كويس إنك طلعتي إنتِ يا طرشة..."
نظرت حولها بأعين كرادار الوطواط تتيقن أنه ليس هناك سواها بالشقة، فوالدتها ملقاة بفراشها ومازالت الطبيبة ومساعدتها لم تأتي بعد، تقدمت نحو "وعد" التي لا تراها لتدفعها من كتفيها بقوة دفعة واحدة سقطت إثرها على الأرض باندفاع صارخة لفقدان توازنها.
"ااه، مين؟ مين ده؟"
لاح بقلب "عتاب" غليل الانتقام رغم أن لا حول لها ولا قوة إلا أنها تشعر بالبغض تجاه تلك الناعمة سارقة القلوب لتنهال على رأسها بكفها بقوة جعلت رأسها تصطدم بالأرض لتفاجئ بأحدهم يفتح باب الشقة فبالتأكيد سيرىها وهي تنقض فوق تلك المستكينة بضعف لتتسع حدقتي "عتاب" بفزع وهي تناظر من يفتح الباب الآن.
رواية ظننتك قلبي الجزء الثاني الفصل الثالث عشر 13 - بقلم قوت القلوب
« خطة مُحكمة …»
قوة يحكمها فِكر وقيادة نفس، لكن لا تدري أن خلف تلك القوة التي تراها مني تراكمات لا تعد من إنهزامات وتعافي. ليس بالضرورة أن تكون قاسيًا لا تبالي، فأحيانًا تكمن القوة داخل قلوب مهشمة لكنها مستمرة في العطاء. وحينها يجب أن تكون له الغلبة والقيادة، لا قهر للنفس، حتى تتصدر المقدمة بخططك المُحكمة.
***
بيت محفوظ الأسمر …
بوضع مثير للريبة سقطت “وعد” بسكون تام فوق الأرضية القاسية دون حراك، بينما كانت “عتاب” تدنو منها بعد ضربها دون أن تعي تلك المغيبة عما حدث.
بلحظة فارقة فُتح الباب وتعلقت أعين “عتاب” المفزوعة لإكتشاف جرمها تجاه تلك المسكينة. لكنها على الفور تداركت نفسها وهي تنظر تجاه الطبيبة المعالجة لوالدتها حين دلفت الأخيرة للشقة. فلم يكن الباب موصدًا ورأت هيئة “عتاب” المريبة تقف فوق رأس “وعد” التي غابت عن الوعي تمامًا.
أسرعت “عتاب” دون أن تترك الفرصة لها بالتفكير عما حدث.
– تعالي قوميها معايا بسرعة، وَقَعِت مرة واحدة، الظاهر إتكعبلت ولا حاجة.
تركت الطبيبة حقيبتها لتهرع لمساعدة “عتاب” برفع “وعد” عن الأرض ومحاولة إفاقتها وهي تتسائل بتخوف.
– إزاي ده حصل؟
بأعين زائغة تحمل من الكذب وجوه كثيرة تتفنن بها تلك المتلونة، إصطنعت التأثر والإشفاق عليها.
– مش عارفه، دي يا حبيبتي لقيتها وقعت، طلعت جري من الأوضة أشوفها مالها لقيتها مرمية كدة في الأرض. كويس إنك جيتي عشان تقوميها معايا.
بالكاد حملتاها نحو الغرفة، فيم أسرع الصغير “زين” بالتعلق بأمه التي وضعتاها فوق الفراش. لتسرع “عتاب” بتركها لتبديل ملابسها للمغادرة، حتى لا تشك الطبيبة أن لها يد بما حدث لـ”وعد”.
حاولت الطبيبة إفاقة “وعد” أولًا لتتمتم الأخيرة بتشتت.
– اااه، دماغي، حاجة خبطتني، اااه.
مغمضة العينين لا يمكنها سماع ولا رؤية من إلى جوارها، فإضطرت الطبيبة بأن تربت فقط على كفها كنوع من المؤازرة قبل أن تتركها بالغرفة لترتاح قليلًا لتمر بـ”قسمت” أيضًا.
مدت “وعد” ذراعها الذي تعلق له “زين” لتسحبه تجاهها وتحيطه بحنو داخل أحضانها، تحاول إلتماس السكينة بقرب هذا الصغير منها. ثم أغمضت عينيها لتغفو قليلًا وهو إلى جوار قلبها.
***
يتجلى الصدأ أمام العيون فكيف يخفى ما يظهر بوضوح. لا تحاول إقناعي بأن الذهب يصدأ، فقد فضح الصدأ من أوهمونا أنهم ذهبَ.
إتجهت “عتاب” على الفور للقاء “باسم” غير عابئة بما فعلته قبل قليل، لكنها إصطنعت اللطافة والعذوبة لما تلقاه من إهتمام من هذا الرجل الذي أظهر إعجابه الشديد بها.
دلفت لأحد الكافيهات متجهة صوبه حين أشرقت ملامحه بإبتسامة ظاهرة قبل أن ينهض للترحيب بها.
– أخيرًا جيتي.
رغم إبتسامتها التى عانت بظهورها فوق ثغرها الذي لا يَعرِف الإبتسام، لكنها جاهدت لبقائها، فـ”باسم” فرصة لن تعوض إذا خسرتها. فلن تبقى وحيدة إلى الأبد، كما أن ما تراه منه من إهتمام و ود يجعلها تنساق خلف قُربه بتلهف.
– أيوة جيت، بس خد بالك، مش عاوزة أتأخر.
تطلع بها للحظات ما بين إعجاب ظاهر ومكر يخفيه خلف قناع المحبة، ثم أردف بعملية.
– متخافيش، أنا حفهمك إللي المفروض يتعمل بالضبط عشان تقدري توصلي للتركة كلها.
– وأنا سمعاك يا “باسم”.
سحب نفسًا طويلًا إستعدادًا لشرح ما عليها فعله وتنفيذه بإسلوبها الخاص وبتخطيط منه.
– ده ورق تنازل، لازم “وعد” تمضي عليه، بس خدي بالك، من غير ما تاخد بالها.
إبتسمت “عتاب” بسخرية من وضع “وعد” الذي لا يؤهلها لغير ذلك.
– لا متخافش، هي في حالتها دي، لا بتشوف ولا بتسمع، يعني مش حتعرف أي حاجة.
– تمام، خليها تمضي عليه وهاتيه، والباقي كله حيبقى عليا أنا، عشان نظبط أوراقنا وتبقى سليمة مية في المية.
لم تُخفي نظرات إعجابها بهذا الرجل الذي يبدو لها عوضًا عما لاقته من زيجات فاشلة سابقة، لتردف بأريحية.
– وأنا معاك يا “باسم”، أنا المهم عندي آخد الفلوس، وبعد كدة أشيلهم كلهم من طريقي، كلهم.
إيمائة خفيفة حرك بها “باسم” رأسه، ثم تجاذب معها أطراف الحديث بمواضيع عدة لتبقى معه فترة طويلة تتناسى بها الوقت بصحبته ويستطيع بها السيطرة عليها بشكل كامل وإستدراجها لمستنقع التعلق به ليصل لهدفه المنشود ووضع سيطرته عليها بخطته المُحكمة.
***
فيلا الأيوبي النوبارية…
بعد أن لاحظت “شجن” أن “رحيم” يسترق الوقت لمكالماته الغير واضحة لشخص مجهول، وربما يكون هو هذا الجاسوس الذي أخبرها به “أيوب” لمراقبته وإيصال أخباره لأبناء عمومه للترقب لفرصة سانحة للإستيلاء على أمواله، قررت “شجن” أن تُقحم نفسها للحفاظ على حق هذا الرجل الذي أكرمها وفتح لها بيته، ولن تترك حقه وحق إبنه أو إبنته الغائبة بمال أبيها.
جريئة مشاكسة بنوع فريد، عليها التفكير بأمر يجعلها تتأكد أولًا من أن “رحيم” جاسوسًا عليهم قبل أن تتصرف معه.
خرجت من غرفتها لتهبط درجات السلم لاحقة بـ”رحيم” الذي خرج للتو من الباب الرئيسي لبيت “أيوب”.
إستوقفته منادية إياه.
– “رحيم”، “رحيـــــــم”.
إلتف صوبها متعجبًا منها فقد تركته للتو ودلفت لغرفتها، فمن أين أتت الآن.
– خير، فيه حاجة؟
دنت منه تحاول البحث بخيالها عن أية موضوع تخبره به، فبهذه اللحظة مُحيت تمامًا من مخيلتها كل الكلمات. لم تجد سوى أن تطلب منه أن يجلب لها غرضًا معه.
– ااا، أصل أنا شوفتك خارج، فقلت يعني لو تقدر تجيب لي معاك، اااااااا…
حرك رأسه بعدم إستيعاب لتلعثمها الواضح.
– إيه؟ أجيب لك معايا إيه؟ مالك يا “شجن”، إنتِ مش عارفه إنتِ عايزة إيه؟
تراجعت بجذعها بإستنكار ساخر.
– إزاي يعني، طبعًا عارفه، أنا عايزة ااا، أه، أنا عايزة… شبشب.
عقص “رحيم” طرف أنفه بإستغراب مرددًا.
– شبشب!
رغم أنها شعرت بغبائها وإختيارها الغريب، إلا أنا أصرت على ذلك.
– أيوة، إيه، عادي يعني، بحتاجه هنا، رجلي بتوجعني.
رفع كتفه وأهدله بتعجب ثم أردف بتشتت.
– بس أنا معرفش أجيب الحاجات دي، أعمل إيه؟
وجدتها فرصة لمصاحبته ومحاولة معرفة من الذي حَدثَهُ من قليل، أو ربما إن إستطاعت أن تسرق هاتفه للنظر به وتفتيشه للتأكد.
– خلاص، آجي معاك، مش إنت نازل البلد، خدني معاك.
تقبل “رحيم” الأمر بتلقائيته مستجيبًا لرغبتها وربما سعيدًا لقضائه معها بعض الوقت.
– تمام، يلا بينا، وممكن كمان ناخد العربية لو عايزة تشتري حاجات تانية.
أجابته بحماس كما لو كانت ذاهبة للتنزه.
– أه، يلا.
إستقلا سيارة العم “أيوب” لتحاول “شجن” حث “رحيم” على الإعتراف بأنه حقًا الجاسوس.
– تعرف، فيه ناس كتير أوي بيبقوا مش ظاهرين كدة، متفهمش هم بيخدعوك ولا هم كدة بجد.
كما لو أنها أخذت الكلمات من فوق شفتيه، فهذا ما كان يفكر به تجاهها. فهي شخصية مُحيرة للغاية ليردف بالإيجاب كما لو كان يحمل من الكلمات الكثير منها مخبأة داخل نفسه.
– ده كلام مظبوط جدًا، ناس متعرفيش هم جواهم إيه، وناويين على إيه بالضبط، ويا ترى الحنية والطيبة دي لله في لله كدة؟
ضيقت “شجن” حاجبيها بقوة، فكيف يتفوه بما تفكر به تجاهها. لتتسائل بريبة.
– قصدك إيه؟
بينما كان يود لو يسألها هو السؤال ذاته.
– حيكون قصدي إيه يعني، بندردش سوا.
تراجعت تناظرة بإرتياب غريب.
– أه، بحسب.
نظراتها المتفحصة وطريقتها المرتابة جعلته يزداد شكوكًا بنواياها تجاه “أيوب”. فيبدو أنه محق وما هي إلا مخادعة تظهر عكس ما تحيك في الخفاء من خطط مُحكمة لخداعهم جميعًا.
إلتزم الصمت طوال الطريق بينما أخذت الظنون تصفع كلًا منهما. ترى من منهما على حق ومن على باطل.
***
غرفة العمليات صفر.
تناغم وإنسجام رغم تلك المُشاكسة المستمرة بين “عهد” و “معتصم”. تفاهم دون حديث وتلك أقصى درجات التوغل بالنفس، كموجة ترتفع بأغوار المحيط تسحب الأخرى من خلفها في تناغم تام وبمثل قوتها.
جلست “عهد” تدق بأصابعها الطويلة فوق أزرار لوحة المفاتيح الخاصة بحاسوبها، تتحرك مقلتيها بدقة وتركيز شديد بين شاشة الحاسوب تحدد بدقة بعض المعلومات. بذات اللحظة التى إرتفعت بها عسليتيها تجاه “معتصم”، هذا القناص المترقب الذي يحدق بسوداوتيه تجاهها منذ بعض الوقت.
رغم إنتظاره ورؤيته لنظراتها تجاهه، إلا أنه شعر بالإضطراب فور أن رفعت عينيها نحوه، بينما أخفت “عهد” لحظة إرتباك حين وجدته يحدق نحوها بتلك الطريقة.
حوار صامت آخر دار بين عيونهما، أدرك منه “معتصم” أن لديها معلومات جديدة، لينظر تجاه الشرفة كما لو كان يدعوها بدون حديث لمقابلته هناك.
فهمته تلك الذكية من مجرد تحرك لمقلتيه تجاه الشرفة، لتهدل رأسها بخفة وهي تغلق الحاسوب أولًا من الدواعي الأمنية التى تحرص عليها بطبعها المتشكك.
تحرك “معتصم” أولًا تجاه الشرفة، لتلحق به “عهد” بخطوات بطيئة لا تلفت الأنظار. بينما تسلطت عيني “عائشة” على الحاسوب الذي قامت “عهد” بإغلاقه بحركة إستياء واضحة وهي تميل بشفتيها ممتعضة لحرص الأخيرة الدائم على إخفاء المعلومات.
بلمحة خاطفة بثاقبتيه إستطاع التأكد بأن جميع من بالداخل لم ينتبهوا لوجوده مع “عهد” بالشرفة، حين دلفت بطولها المميز وجمودها الذي يثير شغفه نحوها. ثم تحدث بنبرة منخفضة.
– فيه جديد؟
بحركة سريعة من رأسها أجابته بصوت يماثل صوته المنخفض.
– إتفقوا على الإنتشار الساعة تسعة، و طلبوا منهم إنهم يكونوا كلهم على إستعداد للتصفية.
دفع “معتصم” الهواء من رئتيه دفعة واحدة، يحدد بعقله الحاسوبي بقية الخطة برأسه أولًا مدركًا أن الأمر ليس يسيرًا بالمرة. ثم أردف بهدوء.
– طيب تمام، “عهد” إنتِ الوحيدة إللي عارفة المعاد والمكان، عشان كدة عايزك تراقبي بقية المجموعة كويس لحد معاد المداهمة، مينفعش أي معلومة تتسرب المرة دي كمان.
مسئولية ألقاها على عاتقها وثقة كبيرة وضعها بها، لتشعر بقيمة نفسها بهذا العمل الذي كانت دومًا به مهمشة. إحساس مُرضي لنفسها حين شعرت بمدى ثقته بقدراتها ومشاركته لها بأمر بغاية السرية والخطورة.
– تمام، متقلقش.
تبقى أمر وحيد طغى على عقله وقلبه المتيم معًا. دارت عيناه بتفرس بملامحها التي أصبحت ملاذًا لعينيه، يطفئ بها غُربته بوجودها معه. ثم تحدث بنبرة لينة قلقة.
– أنا عارف إن إللي بقوله ده بعيد عن المهنية في شغلنا، بس ممكن أطلب منك متجيش المداهمة دي؟
إتسعت عيناها بإندهاش، فمنذ وهلة كان يثق بها وبقدراتها، فلم يطلب منها ألا تشارك بمداهمة هامة كتلك. إحتدت نظرتها لتهتف بإستنكار شديد.
– ليه بقى إن شاء الله؟ ما إنت كنت لسه كويس أهو، بتقلب كدة ليه؟
إمتعض بإبتسامة لكلماتها التى تراشقه بها كعادتها، ليردف بهدوء يسبب إستفزازها دومًا.
– حاج “فتحي”، بلاش الدبش ده، أنا واثق إنك أجدع من أجدع ظابط هنا، بس بجد أنا خايف عليكِ من الخطر، إفرضي حصل زي ما حصل في إسكندرية!
“إنه قلق على سلامتها”. هكذا فهمت الأمر متأخرًا، لتتراجع عن ملامحها الحادة نوعًا. ثم عادت وتذكرت الإسم الذي أطلقه عليها مرة أخرى للتو لتردف بإستنكار مرة أخرى.
– حاج “فتحي”! تاني؟
لولا تلك الإبتسامة التي تعلقت بشفتيه الممتلئتين ونظرته العابثة الشقية التي تطلع بها نحوها، لكانت تركت العنان لإبتسامتها لتخرج من بين ثنايا قلبها المرتجف بقُربه، لكنها تصنعت الغضب الذي أثار هذا القوي. فكم يعشق تلك الصورة الغاضبة المتمردة منها. أجابها بهمس تكاد بصعوبة تمييزه إلي جوار أذنها.
– أحلى حاج “فتحي” شوفته في حياتي.
هل يمكن للعيون أن تغيم عن البصر وتعمى تمامًا عن الرؤية لمجرد كلمة غزل من نوع فريد. غابت الصورة تمامًا من أمام عينيها وتعالت ضربات قلبها بقوة، فلم تعد تحكم سيطرتها عليه بحضوره وهمسه من وقت لآخر. تهدج صدرها لعدة مرات تحاول بها إنتظام تنفسها المضطرب، ثم أعلت من شموخ رأسها قائله.
– أنا جاية المداهمة يعني جاية.
إستقام “معتصم” متحليًا بالجدية.
– يبقى تكوني معايا خطوة بخطوة، فاهمة!
أومأت بالإيجاب، فهذا شيء تريده بالفعل.
– فاهمة.
أكمل بعملية وتخطيط تشيد به بالفعل لسرعة إنتقاله من حالة لأخرى بذات الدقة والتركيز.
– الساعة ثمانية حنتحرك من هنا، ونبدأ ساعة الصفر، حتكوني معايا مهما حصل، بقية المجموعة حتتوزع زي ما حددت الصبح، محدش نهائي يعرف بأي تفاصيل، أنا مش عاوز مخاطرة أكتر من كدة، حتدخلي دلوقتِ وتكملي شغلك عادي جدًا ولا كأننا إتكلمنا في حاجة.
– تمام.
قالتها بإنصياع له، ثم عادت لموضعها حين مالت “عائشة” بسماجة تريد معرفة عما كانا يتحدثان.
– كنتوا بتقولوا إيه؟
سؤال مستفز كانت إجابته رمقة قوية من عيني “عهد” المقاضبتان، جعلتها تبتلع كلماتها متراجعه بمقعدها بعيدًا عنها، لكنها أخذت تفكر بكيفية معرفة عما كانا يتحدثان بعيدًا عن بقية المجموعة.
***
النوبارية.
تجول وتودد ظاهر، لكن هناك توجس وإرتياب ظل ينهش بالعقول والقلوب. وصل “رحيم” و “شجن” إلى البلدة يتجولون ويتبضعون، لكن كل منهم ينتظر فرصة لمعرفة ما الحقيقة خلف هذا القناع المزيف. لكن من المؤكد أن كلًا منهما لا يظهر إلا جزء ضئيل من نواياه تجاه الآخر.
وقفت “شجن” تطالع الهاتف الذي وضعه “رحيم” للتو بداخل جيبه، بينما توقف “رحيم” عن السير مناظرًا “شجن” التى رفعت رأسها للأعلى حتى لا ينتبه لها “رحيم” تنظر بدون تركيز بإتجاه مغاير حتى لا يشك بها.
نظر بالإتجاه الذي تناظره “شجن” ليفاجئ بوجود هذا المهندس الزراعي الغثيث الذي زارهم بالبيت منذ عدة أيام. لحظات من الغضب والغيرة التى تملكت منه للمرة الثانية.
تطلع نحو “شجن” بإقتضاب ثم عقد ذراعيه بضيق متسائلًا ببعض الحنق من مطالعة هذا الرجل.
– طب ما تقولي كدة من الأول، مكنش له لزوم موضوع الشبشب ومش الشبشب!
ظنت أنه علم بإهتمامها بهاتفه لتبتلع ريقها بتوتر ثم أجابته بتلعثم.
– مفيش حاجة يعني، مالك عامل مشكلة ليه؟
رفع رأسه متمالكًا غضبه من إختيارها لهذا السخيف وجعله أضحوكة لأن يوصلها إليه.
– لو كنتِ قولتيلي مش كان حيبقى أحسن ما تحطيني في الموقف السخيف ده، أنا محبش أكون طرطور كدة.
فاهت “شجن” به ليتدخل صوت غريب بينهم يلقى التحية جعلها تنتبه له.
– صباح الخير، ده إيه الصدفة إللي زي القمر دي.
إلتفت “شجن” برأسها تجاه هذا السخيف متعجبة من وجوده هنا لتضيق جبينها بإمتعاض لرؤيته.
– مش إنت.. اااااا، المهندس ده، إسمك اااااا.
– أيوه أنا الباشمهندس “عادل”، معقول نسيتي إسمي.
دار “رحيم” بعينيه بينهما لتظهر علامات الإستخفاف بتلك الصدفة المفتعلة، فهو لا يصدق تظاهرهما بالمفاجأة لرؤية بعضهما البعض.
– لا والله، وأنا مصدق إنها صدفة.
تطلعت به “شجن” بذهول، فكيف يظن أنها كاذبة تتظاهر بذلك. ليكمل “رحيم”.
– مفيش داعي يا أستاذة، كنتِ قولي إنك جايه تقابليه وخلاص، مش تقوليلي شبشب!
إستطاعت فهم مقصده الآن وأنه يظن بها أنها قد دبرت موعدًا مع هذا السخيف وليس لإهتمامها بهاتفه، لترتاح نوعًا وتغضب لكونه يظن بها ذلك لتردف بإنفعال.
– بقولك إيه! إوعى تكون مفكر إني متفقة مع البتاع ده (ثم نظرت لـ”عادل”) سوري يا باشمهندس (عادت لتكمل حديثها مع “رحيم”)، أنا مش حخاف منك ولو جايه أشوفه حقول، أنا نازلة عشان أجيب حاجتي وبس.
شعر المهندس بالإهانة للإستخفاف به ليعتذر منسحبًا.
– طب بعد إذنكم أنا، عشان ورايا مشوار مهم.
لم يهتم كلاهما لإبتعاد “عادل” بل ظلا يستكملان حوارهما دون الإهتمام له. برغم أن إبتعاد “عادل” عنهم أشعر “رحيم” ببعض الرضا برغم تضايق “شجن” الظاهر على ملامحها التي تشيح بوجهها عنه.
تقدم “رحيم” تجاه أحد الباعة ليسحب خُف لطيف الشكل قائلًا بلطافة وتلقائية.
– حلو الشبشب ده؟
نظرت “شجن” نحوه بإندهاش لتحوله المفاجئ من الإنفعال لهذا الهدوء والليونة. أهكذا يراضيها! كم له من إسلوب غريب ولطيف بذات الوقت. تقدمت نحوه ومازالت تتظاهر بالضيق لتسحبه من يده وتسأل البائع عن ثمنه والمقاس المناسب تحت أنظار “رحيم” المتوق لرضاها القريب.
ثم أردفت مُحدثة البائع مصطنعة الضيق من “رحيم”.
– بكام ده لو سمحت؟
ظل “رحيم” يراقبها بأعين معتذرة وهي تتدلل بغضبها اللطيف، لكنه ظل متتوق لأن تمرر الأمر وتتغاضى عن ظنه المخطئ بغير محله.
***
بيت محفوظ الأسمر.
لم أعد أريد أن أعني لأحدهم شيئًا، فقط كل ما أريده الآن هو أن أشعر بالأمان والطمأنينة. أسقطت كل دفاعاتي وكل ما أردته هو السلام.
إستلقت “وعد” بفراشها لفترة من الزمن دون أن تعى أين هي، لكنها كانت تتشبث بولدها بأحضانها ترفض تركه مهما حدث.
فحصتها الطبيبة إثر سقوطها المزعوم الذي أخبرتها به “عتاب” قبل مغادرتها، لتتركها تغفو لبعض الوقت لتتابع حالة مريضتها الأصلية “قسمت”.
فُتح باب الغرفة ليطل منها هذا المحب الذي أصبحت محبته نوعًا من الحيرة وتغلفها الكثير من التساؤلات. نظر نحو تلك النائمة بأعين غامضة يملؤها مشاعر غير مفهومة. دنا بقُربها يناديها رغم تيقنه إنها لا يمكنها سماعه.
– “وعد”، “وعد”.
مد يده برفق نحو وجهها الساكن لتنتفض بنومتها لتلك اللمسة كما لو أن عقرب قد لدغها للتو. إنتفاضة جعلت وجهه يقتضب بقوة وهو يقضم شفتيه ببعض الغيظ المكتوم.
غمغمت بنعاس أثناء إنتفاضها.
– “زين”، “زين” خليك معايا.
كما لو أن كل إهتمامها هو هذا الطفل فقط. إحساس غريب جعله يخرج من الغرفة مباشرة قبل إستيقاظها. دار بأرجاء الشقة بإنفعال لم يُفهم سببه، خاصة عندما دلف غرفة والدته وأخرج الطبيبة عنوة مغلقًا الباب من خلفها، فأمر “وعد” أصبح يشكل عائقًا أمامه. فهي لا تري ولا تسمع وبالكاد تشعر به.
***
غرفة العمليات (صفر).
بعد مرور بعض الوقت إنشغل به الجميع بالمراقبة الصامتة إلا تلك المتحفزة منذ بداية اليوم تنتظر فرصة مميزة للإنقضاض لتحقيق غايتها دون أن ينتبه الآخرون.
إتجه “معتصم” لداخل أحد الغرف المغلقة، لتستقيم “عائشة” واقفه تتحرك بخطوات بطيئة حتى لا تلفت الأنظار إليها، لكنها عقدت العزم للتحدث مع هذا الأسطوري منفردًا.
دلفت لذات الغرفة ليلتفت “معتصم” بهدوء كما لو كان لا يكترث بمن لحقه حتى بعد رؤيتها بالداخل لم يهتم بالصورة التى تُصورتها “عائشة” بخيالها.
أكمل إطلاعه على الورق الذي بحوزته وهو يتسائل برزانة.
– خير يا “عائشة”، سايبه مكانك وجاية هنا ليه؟ فيه معلومات جديدة؟
سحبت “عائشة” نفسًا متهدجًا وهي تُحفز نفسها على الحديث، فلهذا الرجل طبيعة مُربكة للغاية تسبب لها الإضطراب. أجابته محاولة التحلي بالهدوء.
– كنت عايزة أقولك يا قائد إنك مش لازم تثق في “عهد”.
مجرد سماعه لإسمها جعله يستدير بكامل جسده لمقابلة “عائشة” وقد إقتضب حاجباه بطريقة غريبة جعلت سوداوتيه تضيئان ببريق عجيب لكنه مخيف للغاية.
– “عهد”!!!!! ليه؟
لملمت شفتيها وهي تحاول إخراج الكلمات بحشرجة لكنها تحدثت بالنهاية.
– “عهد” بلغتني بمعاد المداهمة، ومكانها كمان، وعشان أنا عارفة إنك مخلي المعلومات دي سرية ومحدش فينا يعرفها قلت أبلغك إنها مش أمينة وإنك مينفعش تثق فيها، دي ممكن تكون هي الخاينة إللي بتبلغ أخبارنا لهم.
تشدق “معتصم” بجذعه للأعلى وهو يعقد ذراعيه أمام صدره بثبات مريب ودون أن يهتز له شعره حتى لو كان مجرد فضول.
– بقى كدة، “عهد” سربت معلومات المداهمة، معقول ده، طب قالت لك فين وإمتى؟
إنها ليست سطحية محدودة الذكاء، فهي بالنهاية ضابط مثلهم بهذا المجال. حاولت الربط بين المعلومات التى تحصلت عليها وبعض من تلك التى جاهدت لإستراق النظر بحاسوب “عهد” لتنطق بالنهاية بموعد ومكان كادا أن يكونا قريبان للغاية من الموعد الحقيقي، لكنها أخطأت حين نطقت بإسم مصدر التعقب بصورة خاطئة.
– قالت لي إن المداهمة زي ما عرفت من تعقب “سالم” و “مجاهد” وإننا كلنا حنكون معاك يا قائد.
بحنكة شديدة لم يظهر أى تعبير عن إدراكه لكذبها وأنها ربما تكون هي الجاسوس تلك المرة، أومأ مصطنعًا التصديق لذلك.
– كويس أوي إنك قولتي لي، أنا حتصرف، إتفضلي إنتِ يا حضرة الظابط.
غادرت “عائشة” كما دخلت لتشعر ببصيص من السعادة، فإن لم تفسد المهمة ستقترب من هذا المثير، وبكلا الحالتين هي الرابحة.
تقابلت بعودتها مع “عبد الرحمن” الذي دلف لـ”معتصم” فقد أرسل الأخير بطلبه.
– إقفل الباب يا “عبد الرحمن”.
أغلق “عبد الرحمن” الباب من خلفه ليقف أمامه بإبانة وإنصياع لأوامره.
– مداهمة النهاردة إنت مسئول عن مراقبة “عائشة” لأني شاكك إنها جاسوس للتشكيل، عينك متنزلش من عليها ولو حكم الأمر، إضرب في المليان.
بقوة صدق “عبد الرحمن” أمر قائده بدون مراجعة أو مناقشة.
– علم يا قائد.
– إتفضل دلوقتِ نكمل آخر مراقباتنا قبل ما نتحرك.
لم يتبقى سوى بعض الساعات التى ستمر وعليه أن يكون بكامل تحفزه وتركيزه لنجاح المهمة اليوم وألا يحقق خطأ كما في المهمة السابقة بالأسكندرية.
***
مكتب عيسى للمحاماة.
ليس من اليسير أن يتحول من النقيض للنقيض، كيف سيجبر قلبًا عشق الهوى حتى النخاع بأن عليه أن يكره وينفر. كيف سيستطيع أن يبتعد ومازالت دقات القلب المتمردة تعلن عشقها الصريح لنبع حياته. كيف إستطاع أن يغفل عن خيانتها و سوئها.
أجبر “عيسى” نفسه لليوم أيضًا بالبقاء بمكتبه مختفيًا ومنزويًا عن الجميع، فلا طاقة له بأعينهم المتسائلة، ولا قدرة له على لقائها الذي يتهرب منه.
يوم عطلة ولن ينتبه له أحد ليقضي اليوم بالمكتب، ترك ملفاته وقضاياه ليلقى بنفسه فوق الأريكة بالزاوية وقد رفع ساقيه الطويلتان فوقها مغطيًا أعينه بذراعه ليعيش بتلك الحالة من الظلام، فربما يجد نفسه مستيقظًا بعد قليل من هذا الكابوس ليعود كل شيء كما كان ويكون هو المتوهم بهذا الأمر كافة.
لكن تلك الغدير لم تتركه يهنأ بظنه أنه نائم يحلم، فقد قفزت بذكراها لتمر بعينيه المغمضتين بضحكتها المرحة وحديثها الذي يختلج له قلبه المهشم.
ذكرى تمنى لو يقدر محوها، فبعد أن كانت هي كل ما يتمنى أصبحت هي مصدر الألم وضيق النفس.
***
بيت المستشار خالد دويدار.
تنهدت “منار” بنفس ضائقة وهي تحاول جمع شتات نفسها، فقد تبدلت حالتهم بشكل جذري من حال لآخر بليلة واحدة. خبر مشؤوم جعلها لا تفكر بسواه، كما لو كان مرض “رؤوف” شاغلها الوحيد حتى عن أخوته.
حزنها على ما حل بـ”رؤوف” جعلها لم تنتبه بالشكل الكافي لما حدث بين “عيسى” و “غدير”. لم تنتبه كون بقاء كل منهما بمفرده ومبيت “عيسى” بغرفته القديمة وتهربه من زوجته المحبة.
رفعت “منار” مقلتيها البائستان تجاه تلك الصامتة على غير المعتاد ثم تساءلت بنبرة مختنقة.
– أمال فين “عيسى”؟
تشدق “غدير” تتوق لمعرفة تلك الإجابة، فأين هو “عيسى”؟ أين الذي غاب حاضرًا عن عينيها قبل قلبها، أين روحها الساكنة. لقد أتت إلى هنا خصيصًا لرؤيته، فكم إشتاقت له، وتخيلت أنها ستجده اليوم بعطلته مع والديه.
إبتلعت “غدير” ريقها و غِصتها العالقة بحلقها وهي تجيبها بأنفاس متألمة، فيبدو أن تلك الأزمة لن تتركها بعد اليوم.
– مش عارفه.
كانت تود لو كانت تعلم أين هو، لما تركته إذا كانت لديها معرفة عن مكان تواجده الآن. أومأت “منار” برأسها بخفة ثم دفعت بهاتفها نحو أذنها بعد أن ضغطت على الإتصال به.
– ألو، أيوة يا “عيسى”.
محادثة أنهت بشكل مؤقت ثرثرة عقله ليجيب والدته بإهتمام.
– خير يا ماما، فيه حاجة؟
مجرد نطق “منار” بإسم حبيبها مالك فؤادها المشتاق شعرت “غدير” بأن دقات قلبها عادت للحياة. فهل يتعافى المرء بصوت من يحب، بل وبسماع إسمه فقط. إنتبهت “غدير” بتحفز لتلك المكالمة التى تعلقت بها روحها، بينما أكملت “منار”.
– أصلك مش باين، عايزة أأكد عليك إن بكره معاد العملية بتاعة “رؤوف”، إوعى متكونش موجود.
زم “عيسى” شفتيه بضيق، فها هو أمر آخر يزيد من إختناقه لمرض أخيه.
– متقلقيش يا ماما، أنا فاكر كويس، وحكون معاكم في المستشفى الصبح في المعاد بالضبط.
– ماشي يا حبيبي، حنستناك هناك.
أنهت مكالمتها القصيرة لتعود لصمتها الحزين، بينما تتوق قلب “غدير” لرؤية “عيسى” غدًا ولو كان بالمستشفى، فهي تود رؤيته وكفى.
تسائل “خالد” بإقتضاب معلقًا على مكالمتها مع “عيسى”.
– “عيسى” أكيد حيكون موجود إن شاء الله، عمره ما حيتأخر عن أخوه. “معتصم” هو إللي مش عارف ظروفه إيه!! شغله مش مضمون، بس أكيد لو عنده فرصة حيكون موجود، هو فاهم كويس إن العيلة أهم من أي حاجة تانية.
تطلعت “منار” تجاه غرف النوم مشيرة بعينيها رغم تساؤلها.
– مش حتتكلم شوية مع “رؤوف”؟ أنا عارفة زمانه قلقان أوي.
أمر محير، لكنه فضل أن يكون هذا الحديث اللين من جانب “منار” كعادتها معه ليجيبها بتفهم.
– إنتِ تقدري تطمنيه أحسن مني، تعالي ندخل له وكلميه إنتِ عشان يهدا شوية وميقلقش (ثم نظر بتحذير لزوجته قائلًا بجدية). وبقولك إيه بلاش تحسسيه بقلقك ده، المفروض نديه القوة مش العكس.
حركت “منار” رأسها بتفاهم لتتحرك برفقة زوجها متجهان لغرفة “رؤوف” لبث به بعض القوة لمواجهة جراحة الغد بنفس هادئة.
لكن نفس تلك مقوسة الشفتين لم تكن هادئة مطلقًا، فـ بالكاد تتمالك دموعها من الإنهمار، تتمنى ساعات اليوم تنقضي بسرعة فربما يكون لها لقاء مع “عيسى” بالغد.
تقدمت نحوها السيدة “أم مجدي” متسائلة.
– نحضر العشا يا ست “غدير”؟
نظرت لها “غدير” بتشتت قبل أن تبتلع كلماتها المعلقة بجوفها، فمن أين تأتي الشهية للطعام لتردف بعدم إكتراث.
– مش عارفه، إسالي طنط، أنا طالعة شقتي.
خرجت “غدير” لتصعد نحو شقتها لتمضي بقية الليلة برفقة أختها “موده” التي ستبيت معها اليوم لمؤازرة “رؤوف”. لكنها على أمل أن تتصالح مع “عيسى” حين تراه بالغد بالمستشفى.
***
حي النعماني.
لكل مساء غاية ونهاية، ولعل بنهايته بداية جديدة، بداية لحياة مختلفة كصفحة جديدة سيسطر بها قصة من نوع مختلف.
بعد إستعداد وتجهيز لتلك العروس التي ظلت طوال ساعات اليوم الطويلة تنتظر وتترقب حلول المساء، إرتدت “نغم” فستانها الأبيض البسيط الذي أحضره لها “مأمون” وتحضرت لزفافها المنتظر. هبطت درجات السلم فها هو عريسها وزوجها المستقبلي ينتظرها أمام البيت. ستخرج أخيرًا من بيت النجار، سيصبح لها بيت جديد، بيت جميل تبدأ به حلمها مع فارسها المغوار.
لم تكن تحتاج لكل تلك اللمسات التجميلة، فهي لها طلة بهية كالقمر، لكن شأنها مثل أي عروس تتجمل وتتزين لتصبح كالأميرات بيوم زفافها.
نحت حزنها ووحدتها جانبًا حتى لا تضيع فرحتها اليوم، لكن ياليت كانت معها أمها وأختها لكانت سعادتها ستتضاعف بالتأكيد. تحركت بخطوات قلقة وإحساس بالرهبة والحرج والخجل أيضًا من هذا المتأنق الذي يقف قبالها في إنتظارها. لكن فجأة إجتاحها شعور السعادة، فقط السعادة، فها هو اليوم، يوم زفافها على من أحبه قلبها.
حملت طرف فستانها لتخطو أولى خطواتها خارج بيت النجار. لم تلتفت لتودعه، فقد قاست أيامها بداخله، بل تتوقت للتقدم نحو الأمام هروبًا منه.
كما لو كانت تمر من خلال ممر يقف على جانبيه نقيضان، فعلى يمينها وقفت “راويه” بعيدًا عنها تناظرها وهي ترتدي فستان زفافها وملامحها مقتضبة للغاية، تناظرها بنظرات مستاءة للغاية لكنها إلتزمت الضيق والصمت من بعيد. بينما على يسارها لمحت “بحر” الذي تطلع نحوها بنظرات يائسة مهزومة، فاليوم يُعلن إسدال الستار عن قصة عشقة التي إنتهت قبل بدايتها، لقد إختارت “نغم” وأصرت على الإختيار.
وقف ليثبت لنفسه أنه عليه منذ هذه اللحظة إعلان إستسلامه وإنهاء الأمر كافة، فاليوم هي زوجة آخر بمحض إرادتها بل وبسعادة أيضًا. لم يستطع البقاء لأكثر من ذلك ليتحرك بخطوات متخاذلة عائدًا للبيت ليغلق هذا الباب بشكل نهائي ويقبع بمحرابه يحاول تقبل هزيمة قلبه المجروح.
دنا “مأمون” من “نغم” بإبتسامة ثابتة ليعلق كفها بذراعه رافعًا من رأسه بشموخ يتجاوب بإبتسامات مجاملة لهؤلاء المحيطين به، لتبدأ دقات بعض الطبول وتراقص أصدقائهم وجيرانهم إحتفالًا بزفاف “مأمون”. شاركه الإحتفال والده “فخري” وأخيه “فريد” بينما إنسحبت “راويه” لداخل البيت فلم تعد تطيق التطلع إليهم بهذا الشكل.
وكعادة “صباح” أطلقت نفير غيظها لهذا الزفاف الكريه بإبنتها “راويه” تعنفها بقساوة وصوتها الغليظ من بقائها بالأسفل كل هذا الوقت بما يسمى بحفل الزفاف، لكن “راويه” تلقت الأمر بالصمت التام، فهي حانقة صامتة على تلك المهزلة كاملة من أولها لآخرها.
***
فريق المداهمة.
ليس كل مرة سيقع بنفس الأخطاء، خاصة لهذا المتمرس الذكي. قسم “معتصم” فريقه لمجموعات ومنع عنهم إستخدام أي نوع من وسائل الإتصال الخارجية، بل إستخدموا تلك الموجات اللاسلكية الخاصة بهم للتواصل.
رفع سلاحه وإرتدي السترة الواقية من الرصاص لتبدأ خطواتهم المحسوبة تجاه موقع المداهمة، كقدوة يحتذى بها فعل بقية المجموعة ما يفعله تمامًا ممتثلين لأوامره التى ألقاها عليهم اليوم.
رافقه بالطبع “عهد” وأحد الضباط بينما توزع البقية على جميع الجوانب حتى يتم القبض على هذا التشكيل اليوم كما خطط.
رغم تركيزه الشديد ونظراته الموزعة كالصقر يحدد بها أهدافه، إلا أنه كان أولها تلك التى تصاحبه. لم يشعر قط بأية مهمة بهذا القلق على أحدهم كما يشعر بالخوف عليها. سلامتها وأمانها كانا يشغلان فكره دون إكتراث لسلامته هو. نظر أولًا بجانب عينه اللامعة يلاحظ تمركزها بموضعها الذى حدده لها لضمان سلامتها، ثم عاد ببصره تجاه تلك البناية ينتظر بترقب ومراقبة لظهور أفراد التشكيل.
كانت “عهد” بدورها في قمة تركيزها وجديتها تنتظر هؤلاء المجرمين جنبًا إلى جنب معه، كما لو أن وجوده درع حامي لها. وبرغم ذلك حاولت أن تنهر نفسها عن تلك الفكرة، فهي قوية بذاتها لا تحتاج إليه ولا لحمايته، فهي قادرة على إنجاز المهمة بمفردها كما كانت دومًا.
تخاذل “عائشة” ومحاولتها لأكثر من مرة التراجع بتخوف كان واضحًا لـ”عبد الرحمن” المكلف بمراقبتها بل وللسيطرة عليها ومنعها بالقوة إذا لزم الأمر كما طلب منه “معتصم”. لهذا شعرت بالتقيد لوجودها برفقة “عبد الرحمن”.
وسط كل هذا التأهب بدأ أفراد التشكيل بالولوج لداخل البناية التى يقطن بها الوزير الذي حُدد كهدف لإغتياله اليوم. وبمجرد رؤيتهم أطلق “معتصم” إشارة البدء للتحرك تجاههم للقبض عليهم و إنهاء المهمة.
لكن يبدو أن الأمر لم يكن بالسهولة التي يتخيلها البعض، فمع تحركهم الخفي أظهرت “عائشة” نفسها بصورة خاطئة يبدو أنها متعمدة لتحذيرهم وإثبات أنها مجرد عنصر مندس بينهم. كان “عبد الرحمن” لها بالمرصاد لتكون أول المقبوض عليهم وهو يحاوطها بكفيه القويتين ويزج بها بداخل إحدي سيارات الشرطة، فلن يترك الأمر للظن، فإن كانت كذلك فعليه منعها وإن لم تكن فقد أخطأت بإظهار نفسها بهذه الصورة وستسبب فشل المهمة مرة أخرى.
ملاحظة أفراد التشكيل لـ”عائشة” كان بوق خطر لتبدأ طلقات النار العشوائية مرة أخرى كوسيلة للهرب، لكن ترى من سيتأذى هذه المرة وهل سيكتب لهم الفشل أم النجاح بمهمتهم الغير يسيرة.
***
بيت محفوظ الأسمر.
خرج “محب” من غرفة والدته، بينما دلفت الطبيبة وبرفقتها الممرضة الخاصة بها مرة أخرى للمرور بـ”قسمت” قبل مغادرة البيت فقد حل المساء. ومع رحيلهم كان موعد عودة “عتاب” من لقائها بـ”باسم” لا تعبأ ببناتها اللاتي تركتهم طيلة اليوم دون الإهتمام بهن. هذا الحمل الثقيل الذي لا تستطيع حمله بعد الآن. تريد الشعور بالسعادة و الإنطلاق، وها هي قد واتتها الفرصة مع “باسم”.
إستوقفها “محب” وهو يطالعها بملامح صامتة لا تعبر عن شيء سواء إستياء أو تقبل لأفعالها، ليسألها.
– كنتِ فين لحد دلوقتِ؟
رفعت حاجباها بإندهاش لتجيبه بإستهزاء.
– جرى إيه؟ إنت حتفتح لي تحقيق ولا إيه؟ كنت مطرح ما كنت، حاجة غريبة والله!
نهرها “محب” متحدثًا من بين أسنانه وهو يخفض من نبرة صوته.
– هو إيه أصله ده، ما أنا لازم أعرف كنتِ فين ومع مين؟
رفعت “عتاب” صوتها صارخة بأخيها فهي لا تريد تقييد لحريتها بعد اليوم.
– وده إيه أصله ده! لااااااا… بقولك إيه متعملش عليا أنا راجل حمش، أنا مش مستنيه حد يعد عليا خطواتي، أنا حره، ما لكش فيه، وبعدين أنا أصلًا عايزاك في موضوع تاني، مادخلنيش في حوارات تلخبط لي دماغي.
زفر “محب” بقوة من طريقتها التى أصبحت تضيق نفسه.
– عايزة إيه يا “عتاب”.
لوت فمها بإمتعاض لتبدأ بإلقاء أوامرها عليه والتي تلقتها من “باسم” من قبله كما لو أنها تتحرك من تلقاء ذاتها وليست كالدمية بين أصابع هذا المحامي.
– عايزين نمضي “وعد” على ورق التنازل ده، ضروري، وعليك إنت تعمل كدة، ومتقوليش إزاي، إتصرف.
فتح “محب” عيناه بإندهاش مردفًا بنبرة صادمة.
– تنازل!!!!! طب إزاي؟ حتمضيه إزاي، إنتِ مش شايفه إنها لا سامعة حاجة ولا شايفة حاجة!
زاغت عيناها بما ينم عن غبائها، فكيف تناست عرقلة هذا الأمر لتوقيعها على الورق. أردفت بعنجهية دون الإعتراف بخطئها هذا.
– ما هي لازم تمضي يعني لازم تمضي، مفيش غير كدة، وإلا كل حاجة عملناها حتروح في الأرض، ده كان خلاص مش باقي غير تكه وكل حاجة ترجع لنا.
طالت نظرة “محب” المتجهمة بأخته التى يحركها شيطانها، صمت غاضب حانق لتضربه “عتاب” بخفة فوق كتفه مذكرة إياه وهي تلوح بالأوراق أمام مرآه.
– ميبقاش قلبك خفيف، متنساش إن كـــــــل ده بقى بتاع المحروس إبنها، ولو سكتنا مش حنوصل لفلوسنا أبدًا، “وعد” لازم تمضي.
طأطأ “محب” عيناه للحظة، لكن فوجئ كلاهما بصوت “وعد” يهتف بهم.
– “محب”!!!!!
إتسعت عيونهما بهلع لرؤيتها، ليتردد إسمها بنبرة خفيضة نابعة من صدمتهم بوجودها، فهل عادت لطبيعتها وإستطاعت سماعهم.
– “وعد”……!!!!!!!!!!
***
ليست السعادة شعور مجرد، بل هو أن يعي من تحب لما يُحزنك ويجنبك إياه، لكن وإن كان لا يدرك أسباب حزنك فمن المحقق أنه ليس مصدر سعادتك. فالحب تضحية وبذل وعطاء وليس أنانية وإمتلاك، فهنيئًا لمن حصل على شخص يبذل جهده ليرسم فقط بعيونك إبتسامة.
كان حفل الزفاف مقتصرًا على تلك الأجواء الإحتفالية البسيطة والتي شارك بها أهل الحي للعروسين “مأمون” و “نغم” قبل أن يتفرق هذا الجمع مودعين العروسين ليستقلا السيارة نحو بيت “مأمون”، بيت زوجيتهم السعيد.
عاد “فخري” لشقته المستأجرة بعيدًا عن “صباح” وإتجه “فريد” لشقته ببيت النجار لقضاء الليلة مع أبنائه بعد أن أصبح وحيدًا منذ طلاقه لـ”حنين”.
إمتزجت مشاعر مختلطة بنفس “نغم” فهي مُقبلة على حياة جديدة برفقة من تحب، لكن رهبة وخوف علقا بقلبها من تلك الحياة. نظرت نحو “مأمون” الجالس إلى جوارها بالسيارة تطالع وسامته الرجولية التي سرقت قلبها، ممنية نفسها بأن عليها ألا تقلق، فما الداعي لذلك وهو بذاته إلي جوارها.
تطلع “مأمون” من نافذة السيارة دون الإنتباه لعيون المها التي تطالعه بتلك المحبة حتى كادت تتطاير منها الفراشات. لكن تركيزه كان منصبًا بالطريق حتى هتف بسائق السيارة.
– إدخل شمال إللي جاي يا أسطى “جابر”.
نظرت “نغم” نحو الحي الذي ولج إليه السائق للتو، ثم دارت بعينيها بهذا المكان الغريب عنها متسائلة بلطف.
– هو إحنا رايحين فين يا “مأمون”؟
تطلع نحوها بوجه مبتسم مردفًا بأريحية طمأنتها.
– مروحين بيتنا يا “نغم”.
عادت لتناظر هذا الطريق وهذه الشوارع والمنازل التي لم ترها من قبل لتعيد تساؤلها بروح طفولية تمتاز بها.
– بس إحنا في حتة معرفهاش، شقتك مكانتش هنا؟
أومأ “مأمون” بالإيجاب ليجيبها بكلماته التي أسرتها تمامًا حتى أنها غابت عن المنطق والفكر، فيكفيها أنها معه.
– إحنا كفاية مع بعض، ودي شقتي الجديدة بعيد عن أي حد ممكن يضايقنا، ده أنا إخترتها مخصوص عشان نحس فيها أنا وإنتِ بالراحة بعيد عن الدوشة والناس هنا وهناك، إيه مش عايزة تبقى معايا لوحدنا ولا إيه؟
توردت وجنتيها بحُمرة خجل لتكتفي بإبتسامة وإيمائة إيجاب خفيفة لتعود لتطالع المكان من حولها. وبعد السير لفترة إنتبهت لصوت “مأمون” محدثًا السائق.
– بس يا أسطى “جابر”، وقف العربية هنا (ثم نظر نحو “نغم” بحالمية). يلا بينا يا عروسة.
ترجل “مأمون” من السيارة ليلتف نحو الباب الذي تجلس “نغم” قربه منتظرًا إياها ليرافقها لداخل بيتهم الجديد.
ترجلت “نغم” ببطء وهي تعدل من طرف فستان زفافها الأبيض منشغلة به تناظر طرفه حتى لا يلوث ببقع الوحل والمياه أسفل قدمها والتي تناثرت فوق تلك الأرضية الترابية. خشيتها على تلوث فستانها لم يجعلها تنتبه أين البيت تحديدًا.
إعتدلت أخيرًا بوقفتها لتغادر السيارة وسائقها لترفع بهذا الوقت رأسها للأعلى تنظر لبيت زوجيتها الجديد. تلاشت إبتسامتها ببطء وهي تناظر أمامها بقلب منقبض ووجه لا يختلف عما شعرت به. زمت شفتيها لينطلق بعبارة منصدمة ونفس باهتة.
– إيه ده؟!!!!!!!!
رواية ظننتك قلبي الجزء الثاني الفصل الرابع عشر 14 - بقلم قوت القلوب
رواية ظننتك قلبي الجزء الثاني الفصل الخامس عشر 15 - بقلم قوت القلوب
يا له من صباح تطول ساعاته فلا تنتهي.
وقفت "نغم" تناظر باب شقتها الجديدة بنظرات حادة لا تناسب لطافتها وبراءة قلبها، لكن ما رأته من زائرة الصباح جعلها تشعر بالضيق والإنفعال.
إنها هادمة فرحتها وسعادتها – "ريهام" – زوجة "مأمون" السابقة، تلك التى حالت بين سعادتها من قبل.
تُرى ما الذي أتى بها الآن وبهذا التوقيت؟
نظرت "نغم" تجاه "مأمون" بنظرات معاتبة للسماح لتلك الزوجة بالقدوم لبيتها وعشها الجديد.
لم تكتفي "نغم" ببعض النظرات، بل امتدت لعتاب ضعيف بكلمات محتقنة.
– هي جايه ليه دي؟
دَلفت "ريهام" بغرورها وتعاليها نحو الداخل، بينما تبع ولوجها إغلاق "مأمون" للباب ليترك الأمر لـ"ريهام" لإيضاح سبب مجيئها الآن.
لم تتوانى ريهام عن ذلك، لكن بإسلوبها المتعجرف.
– حكون جايه ليه! جايه بيتي يا حبيبتي، هو مش بيت جوزي يبقى بيتي؟
قالتها بنبرة ساخرة وتبعتها بضحكة متهكمة وهي تطالع جدران الشقة وتأثيثها الزهيد لتتابع بتقزز.
– أينعم أنا مش من مستوايا بيت حقير زي ده، بس طالما مع جوزي، حبيبي، أقعد فيه وأتدلع وأأمر كمان.
فاهت "نغم" فقد رفض عقلها تمامًا ما تفوهت به "ريهام"، لتنظر نحو "مأمون" مستفهمة عن حديثها.
– بتقول إيه دي؟ بيت إيه وجوز إيه؟ ما ترد يا "مأمون"؟
جلس "مأمون" بأريحية، بل بخيلاء فوق المقعد، ثم رفع ساقه الطويلة فوق الأخرى بعنجهية غير مكترث لإنفعال تلك الصغيرة التى توهج وجهها بقوة.
ثم أخرج لفافة التبغ خاصته ليضعها بين شفتيه وهو يشعل مقدمتها كما يشتعل قلب "نغم" الثائر.
نفث دخان سيجارته نحو الأعلى ليزيد بهدوئه من ثورة "نغم".
ثم عقب ببرود.
– عايزة تعرفي إيه؟ ما إنتِ عارفة إن "ريهام" مراتي وإننا لسه متطلقناش، إيه الجديد وإنتِ متعرفيهوش؟
تهدج صدر "نغم" بقوة لتهتف بإنفعال.
– أيوة بس إنتوا بينكم قضايا ومحاكم، وخلاص واقفين على الطلاق.
ضحكت "ريهام" من تفكير "نغم" المحدود قائلة تزيد من كيدها لها.
– ده كان زمان، دلوقتِ عرفت إني مقدرش أعيش من غير "مأموني"، ولازم نرجع لبعض، إحنا منقدرش نبعد عن بعض إحنا بينا ولاد ولا إيه يا حبي؟
أجابها "مأمون" بعد أن طال صمته لبعض الوقت.
– أه طبعًا، يعني أسيب ولادي ومراتي أم ولادي يعيشوا من غيري؟
نقلت "نغم" نظراتها الحائرة بين كلاهما كما لو كانوا يقذفونها لبعضهم البعض كالكرة.
كيف له أن يقبل بالعودة لـ"ريهام" وهي أيضًا تود ذلك رغم كل المشكلات التي تفاقمت بينهم؟
أخرجت كلماتها المختنقة بغصة علقت بحلقها بصعوبة.
– أنا مش فاهمة حاجة؟
نهض "مأمون" ينظر نحوها بسوداوتيه الأجوفين كمن فقد الإحساس، نظرة جعلت "نغم" تراه بزاوية مختلفة تمامًا كما لو كانت تراه للمرة الأولى.
– ولادي حيعيشوا في حضني ولا عايزاني أرميهم في الشارع؟
لحقته "ريهام" بفرض الأمر الواقع.
– إحنا عيلة ومينفعش نتفرق عن بعض، إنتِ إللي دخلتي بيننا، يبقى تستحملي بقى.
مالت "ريهام" بذراعيها تستند بكتف "مأمون" وهي تلتصق به بجسدها بصورة أشعلت نار أخرى بداخل "نغم"، إنها نار الغيرة.
ثم إستكملت "ريهام" بتغنج.
– طبعًا لازم نرجع لبعض، إحنا زي المياه والهوا مينفعش حد فينا يبعد عن التاني، ولا إيه يا حبي؟
تطلع بها "مأمون" لوهلة ثم أردف بالإيجاب دون إظهار إن كان يود ذلك حقًا من داخله أم أنه مجبر على ذلك.
– أكيد طبعًا، حد يقدر يرفض إن عيلته يتلم شملها من تاني؟
إتسعت مقلتي "نغم" بذهول وعدم تصديق لما تسمعه بأذنيها.
إن حياتها وسعادتها تنهار أمام عينيها وهي مكبلة الأيدي.
همست بصعوبة فبالتأكيد هي تحلم، هذا ليس حقيقة واقعة.
– إنت بتقول إيه يا "مأمون"، يعني إيه؟ يعني حتطلقني ولا حتتجوزنا إحنا الأتنين؟
رفعت "ريهام" أهدابها السوداء بإحتقار من وجود "نغم" من الأساس.
– إحنا الإتنين؟ مش شايفة إن غريب أوي وضعك هنا، إنتِ حتساوي نفسك بيا ولا إيه؟ ده بيتي أنا وجوزي حبيبي وولادنا، عاجبك ولا مش عاجبك؟
توسطت خصرها بكفها الأيمن تحقر من "نغم" لكنها لم تلبث الكثير لتستمع ردها بل إتجهت نحو غرفة النوم قائلة بطريقها.
– أنا صاحيه بدري وعاوزة أرتاح، أه صحيح، الولاد واقفين على الباب يا "مأموني" دخلهم هم والشنطة، أنا حرتاح شوية.
ولجت لغرفة النوم لتصفق الباب بقوة من خلفها تنهى حوارها وأمرها مع "نغم" و"مأمون".
بمجرد أن تركتهم إستدارت "نغم" تلوم "مأمون" بشدة.
– إنت موافق على إللي بيحصل ده؟
كان رده أشبه بطعنة خنجر قوية بقلبها اليانع.
– وأنا كنت أعرف منين إنها في نيتها ترجع، كمان ولادي مبقتش أشوفهم، بتمنعهم عني وتلوي دراعي بيهم، دلوقتِ جت لي فرصة يكونوا معايا، أسيبهم؟ ده وضع كلنا مُجبرين عليه، وفكري كويس في الموضوع، لأن أنا معنديش حل غير إني أقبل.
ألقى كلماته ليفتح الباب ويدخل طفليه "ميرال" و "سيف" للداخل ثم حمل حقيبة الملابس التى كانت تضعها "ريهام" بالخارج ليوصد الباب جيدًا بعد ذلك.
دارت "نغم" حول نفسها بتيهة وفكر مشتت، كما لو كانت ترى صورًا من حولها، كما لو كانت لا تعيش هذا الواقع.
هل هذا حلم أم مشهد تمثيلي بأحد الأفلام؟
هل حدث ذلك بالفعل؟
هل وافق "مأمون" على أن يعيد "ريهام" كزوجة له ومعها هنا بنفس البيت، هل أُجبر على ذلك حقًا أم أنه أراد ذلك بقرارة نفسه؟
أطاحت بها الظنون بين مُجبر وماكر دفع بزواجها غيرة زوجته الأولى لتعود إليه راضخة بعد أن تفاقمت الأزمات بينهم.
من هو بين الإثنين؟
ليتها تعلم بذلك بدلًا من تلك الظنون فإن بعض الظن إثم.
فيلا الأيوبي بالنوبارية.
مرور إعتيادي قبل بدء يومها قامت به "شجن" بزيارتها بغرفة "أيوب".
طرقت الباب بخفة لكنها طلت بإبتسامتها العذبة المرحة.
– يا صباح الخيرات، إنت لسه نايم ولا إيه يا عم "أيوب"؟
بالكاد خرجت كلماته بصعوبة من شدة إعيائه.
– تعالي يا "شجن".
وهن صوته جعل إبتسامتها تتلاشى وهي تدنو بضع خطوات منه.
– إيه يا عم "أيوب"، صوتك مش مريحني.
تهدجت أنفاسه بألم ليردف بإنهاك.
– حاسس إني تعبان أوي النهاردة، جسمي مهدود وبيوجعني أوي.
تفحصت وجهه المتألم بشكل يفوق الأيام السابقة لتردف بتخوف.
– أنا حطلب الدكتور يجي تاني، أنا خايفة تتعب أكتر، مش حينفع كدة.
إستدارت نحو الكومود المجاور له تسحب هاتفه لتبحث عن رقم الطبيب، لكن قبل أن تحدثه أمسك "أيوب" بكفها يتشبث به بقوة لتتطلع نحوه "شجن" بإهتمام، وبنوع من الترجي.
– حق إبني أمانة في رقبتك يا بنتي، إوعي تفرطي فيه.
ضيقت حاجبيها بتأثر لوثوق هذا الكهل بها لتردف بوعد قاطع على نفسها.
– متخافش يا عم "أيوب"، حقه عمري ما حفرط فيه، بس إنت إن شاء الله حتقوم بالسلامة وتلاقي إبنك أو بنتك وتفرح بيه.
تهدلت عيناه بإنهزام مرددًا بيأس.
– مش باين يا بنتي، شكلها آخر أيامي، أنا قلبي حاسس.
– متقولش كدة، أنا حالًا حكلم الدكتور وحتقوم لنا بالسلامة، ونسافر أنا وإنت نرجع مراتك وإبنك هنا.
ترك "أيوب" كفها فلم تعد قوته تتحمل هذا التشبث لتستكمل "شجن" مكالمتها للطبيب تطلب منه الحضور على الفور.
مكالمة لم تستغرق الدقيقة والنصف، لكن رد فعلها كان لأكثر من ذلك.
فبعد مرور القليل من الوقت كان الطبيب حاضرًا ملبيًا لطلب "شجن" لمساعدة "أيوب" والتخفيف عن آلمه ولو ببعض الحقن المسكنة لبعض الوقت.
إنتهت زيارة الطبيب السريعة وسرعان ما شعر "أيوب" ببعض الراحة لينغمس بغفوة إحتاجها منذ فترة طويلة لم يستطع بها النوم بهذه الاستكانة لشدة آوجاعه.
تسللت "شجن" إلي خارج الغرفة لتترك له مجالًا من السكون لينعم بالراحة والنوم.
تسللها كان خطوة منطقية حتى لا ينزعج منها "أيوب"، لكنها فوجئت بمشهد طالما تكرر بالآونة الأخيرة ولم تعرف فحواه بعد.
إنه تحدث "رحيم" الهامس بالهاتف مرة أخرى.
فقلبها هو دليلها أن محادثة "رحيم" لها علاقة وطيدة بمرض "أيوب" وزيارة الطبيب له الآن كما لو أنه يبلغ أخباره لأحدهم، لتبدأ سلسال من الظنون مرة أخرى.
قسم الشرطة.
بالكاد تستطيع "زكيه" النوم بهذا المكان الخانق، لكن لا باليد حيلة.
لقد أصبحت تنتهز فرصة إستجواب جديد أو ربما زيارة من أحد المحامين لتخرج من هذا المكان الموبوء القابض للنفس فحتى بمحبسها مستسلمة لقدرها.
تمنت لو إستطاعت حضور زفاف إبنتها بالأمس.
كم تمنت رؤيتها ترتدي فستان زفافها الأبيض تتوج لعريسها بسعادة وهناء.
تمنت لو يطمئن قلبها على "شجن" التى رحلت وغابت أخبارها.
سماع صوت الشرطي يقترب من غرفة الإحتجاز جعلها تنتبه بهذا الوقت المبكر من اليوم تتوق لسماع اسمها لتخرج ولو لدقائق من هنا.
لم يخب ظنها بالفعل فقد سمعت ندائه باسمها للتو لتنهض مسرعة نحو الباب ملبية النداء.
– أيوة يا شاويش، أنا أهو.
– تعالي معايا معاون النيابة عاوزك.
خرجت "زكيه" برفقة الشرطي تجاه غرفة وكيل النائب العام ليجلسها بهذه الأريكة الخشبية خارج الغرفة لتنتظر.
– إستني هنا لحد ما البيه يطلبك.
جلست "زكيه" تجهل تمامًا ما الجديد بقضيتها وهل سينتهي لهذا الحد التحقيق معها وتلجأ للمحاكمة.
لتترتفع ضربات قلبها بتخوف محدثة نفسها.
( محكمة!!! يبقى خلاص، رحت بلاش، أكيد حيعدموني ويتهموني إن أنا إللي قتلتها، أنا خلاص ماليش غيرك يا رب )
ثم تهللت بالدعاء تتمتم به بصوتها الخافت فهو الملجأ والمنجي من الكروب.
( يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا فعالاً لما تريد أسألك بعزك الذي لا يرام، والملك الذي لا يضام، وبنورك الذي ملأ أركان عرشك أن تكفيني شر هذا اللص، يا مغيث أغثني )
ظلت تكرر دعائها بقلب مضطرب وخوف من مصير محتوم لم يعد له مخرج آخر.
مستشفى السلامة.
الكلمات قد تكذب لكن التصرفات دائمًا تقول الحقيقة.
مهما حاولت الأقنعة خداعنا إلا أنها وقت السقوط تظهر نوايا مرتديها.
جمعٌ يلتف بقلب منتفض متخوف على سلامته.
إستطاع "رؤوف" رؤية خوف حقيقي بأعين والديه، حتى مع تلك الإبتسامة الحزينة التي تزين وجوههم إلا أن قلقهم مفضوح تمامًا.
ربت "رؤوف" بهدوء فوق كف والدته الذي وضعته فوق كتفه ممازحًا.
– متخافيش بقى، وبعدين هو مين إللي جاي يطمن مين، إنتِ متلخبطة ولا إيه يا ماما ده أنا إللي تعبان مش إنتِ.
ضحكت "منار" رغمًا عنها لخفة ظل ولدها ليهتف بها "خالد" برزانته المعهودة برغم قلقه الذي يجعله يضطرب بإنفعال.
– مش وقته يا "منار"، متقلقيهوش أمال.
لكن قلب الأم دومًا متوجس، تتمنى السلامة لكنها متخوفه على ولدها الصغير.
– خلاص أهو، إجمد إنت بس يا "رؤوف".
برغم برودة جسده وتخوفه من هذا المكان إلا أنه إبتسم بسمته المميزة لتظهر أسنانه الأمامية اللطيفة ليبث بداخل نفس والديه الطمأنينة التي لا يشعر بها حقيقة.
– أنا جامد، تمام متخافوش، ده أنا من عيلة دويدار برضه.
نظر حوله باحثًا عن وجهها الذي يعطيه القوة ويدفعه لتجاوز هذه المحنة لكن لم يجدها.
تُرى هل كانت مجرد كلمات مواساة ووقت المحن تندثر وتختفي، أم أن هناك سبب يعيقها عن وجودها معه كما وعدته؟
إلا أنت يا أليف الروح وسكناه، فإن تخليت عني فلا أتخلى أنا، فإن كنت أنا ساكن القلب فأنت كل القلب و كفايته.
أسرعت "موده" تسحب ذراع أختها المتشبثة بموضعها بمدخل المستشفى لتهتف بها بقلة صبر.
– وبعدين بقى يا "دورا"، إتأخرنا أوي على "رؤوف"، مش معقول كدة.
زمت "غدير" شفتيها ومازالت عيناها زائغتان نحو الخارج رغم إرغام أختها لها على الولوج لداخل المستشفى.
– إصبري بس يمكن "عيسى" ييجي، مش عارفه مجاش ليه لحد دلوقتِ.
فلتت "موده" ذراع أختها متذمرة من تأخيرها لها.
– يعني هو لما ييجي مش حيطلع عند "رؤوف" برضه؟ يلا يا "غدير" وهو لما ييجي حتشوفيه.
تنهدت "غدير" بإحباط لترضخ لأختها وتتحرك معها بأقدام متثاقلة فربما تلتقي مع حبيب الفؤاد وترتوي برؤياه.
– طيب يا "موده"، يلا نطلع لـ"رؤوف".
تحركتا نحو الغرفة التى ينتظر بها "رؤوف" ووالديه قبل إجراء العملية الجراحية بعد قليل، بينما تتوق قلب "غدير" لرؤية "عيسى" فقلبها يدلها بأنه قد إقترب للغاية.
ترى هل ملت أو تراخت أو أن ما أخبرته به مجرد شعارات واهية.
تعلق بصر "رؤوف" بباب غرفته المفتوح مناظرًا الفراغ دون وجود "موده".
باقي من الوقت القليل ليتجهز لموعد الجراحة، كم كان يتمنى أن تبث به بعضًا من قوتها التى تنبع من صدق روحها، لكن يبدو أنه تأملًا فارغًا وما هي إلا وجه آخر للخذلان يجب أن يعتاد عليه.
لكن إثم الظنون لحق به عندما طلت ببسمتها الهادئة بمقدمة الغرفة تطيح بأفكاره وظنه عرض الحائط فليس كل أصابعك متشابهة، وليست كل القلوب كقلبها.
وقع رؤيتها رسم إبتسامة حقيقية فوق ثغره وليست تلك التى أخذ يتصنع بها منذ الصباح.
سعادة طرأت بقلبه الصغير ليحلق بدقاته لحظة رؤيتها فقط، كما لو أن الأمل زاد ضيائه بوجودها.
دَلفت نحو الداخل تلقى التحية بخجل لوجود والديه.
– صباح الخير.
إعتدل "رؤوف" متحمسًا لرؤيتها حتى أن نبرته المبتهجة لإجابتها أثارت انتباه والديه.
– يا صباح الورد.
– صباح الخير يا حبيبتي، أمال فين "دورا"؟
تساؤل أطلقته "منار" لتجيبها "موده" وهي تردد نظراتها بينها وبين "رؤوف".
– جايه ورايا أهي على طول.
تسرع "رؤوف" بسؤالها فهو لم يكن لديه علم بأن أمر خلافها مع "عيسى" لم يعرف به أحد بعد.
– أكيد مستنيه "عيسى"، هم لسه زعلانين مع بعض؟
حتى وإن كان بداخلها شعور بذلك إلا أن تصريح "رؤوف" أثار تساؤل "منار".
– زعلانين!!! ليه كفى الله الشر.
لملمت "مودة" شفتيها بإرتباك شعر به "رؤوف" وأنه قد أخطأ حين تفوه بذلك، لتردف "موده" بدون توضيح.
– يعني يا طنط، شوية كدة، ما إنتِ عارفاهم ميستغنوش عن بعض.
أومأت "منار" بتفهم لكن بداخلها عقدت أمرها بالإطمئنان عليهما فربما يحتاجان من يقرب وجهة النظر بينهما فـ"غدير" كإبنتها تمامًا كـ"عيسى".
تلك الهالة من التناغم بين هذان القلبان أبدل شعور القلق بنفس "رؤوف" لما يهيئ نفسه له بعد قليل، فبداخله الأمل الذي يدفعه للمحاربة والبقاء، إنها السعادة التي تنتظره.
إنتظرت "غدير" خارج الغرفة فقلبها المشتاق ينتظر سلامة روحها برؤيته، ربما جائت لمساندة "رؤوف" لكنها كانت تنتهز تلك الفرصة لرؤيته وتقليل تلك الفجوة التي خلقت بينهم بدون داعي.
ذلك الجزء المحذوف من كلماتنا، تلك النظرات التي نخفيها بداخلنا، تلك الصرخات التي تدفن بأعماق صدورنا وأحلامنا التي لا نخبر عنها أحدًا، هي نحن في الحقيقة.
بعد إنتهاء المداهمة ليلة الأمس وتركه لها بساحة القبض على هؤلاء المجرمين، وقفت "عهد" بذهول حين تركها "معتصم" مغادرًا على الفور.
إبتلعت ضيقها من نفسها قبل ضيقها منه، فقد ظنت أنه لن يتركها ويمل منها.
ظنت أنه سيظل يسعى لكسب ودها وحبها المنشود، أو ربما شعرت بالثقة لعدم خسارتها له، ظنت أنه تجارة رابحة دون مجهود.
لكنه حين غادر شعرت بأنها ستخسره للأبد.
شعرت بحاجتها لوجوده، تتوق لسماعها لكلمة أحبك، تشتاق لتلك النظرات التي تخصها وحدها وتميزها عن البقية.
مرت ساعات الليل وهي تمنى نفسها أنه بالتأكيد غضب لحظي وسيعود لطبيعته بالصباح عند استكمالهم عملهم بالجهاز.
تحضرت بموعدها الثابت لكن شيء ما بداخلها جعلها تبحث عن لون جديد، لون يغير حياتها ولو بكنزة مختلفة عن اللون الأسود.
بالكاد تحصلت على كنزة كانت تخص أختها "وعد" تركتها عندها بخزانتها، إنها كنزة بلون العسل، تمامًا كعينيها، لون جعلها تبدو كأميرة ساحرة لانعكاس هذا اللون على بشرتها الرقيقة وعينيها الناعستسن.
لم تجذب شعرها بقوة كالمعتاد بل لملمته بعشوائية أعطاها مظهر كلاسيكي إغريقي لا يقاوم.
وبرضا تام رغم اختلاف طلتها إلا أنها كانت راضية بل وسعيدة أيضًا لذلك.
تحركت نحو الجهاز لبدأ يوم عملها، لكن رغبة أخرى بداخلها جعلها تبحث عنه، تريد أن يلقاها ويرى كم تغيرت، تريد أن ترى تلك النظرة بعينيه، فلها أثر عظيم بداخل نفسها، إنها تدرك ذلك الآن.
خطوات ثابتة وشموخ نفس جعلها تدلف لداخل الممر لا تكترث بأي من العيون التي تطالعها بغرابة فمظهرها اليوم مختلف تمامًا.
كانت تبحث بعسليتيها عن سوداوتيه فقط.
دَلفت لقاعة الإجتماعات بعد طرقها بخفة فوق الباب المفتوح لتجد بعض أفراد المجموعة متواجدون لكنه لم يكن بينهم.
إضطرت للجلوس بأحد المقاعد لكن مقلتيها لم تسكنا مطلقًا بل ظلت تطلع بين الحين والآخر تجاه الباب بإنتظار قدومه.
كما كانت دقيقة بحياتها ومواعيدها كان هو أيضًا كالناقوس لا يخطئ ولا يتأخر، ما لبث سوى دقائق حتى ظهر فارسها المغوار يتقدم بإتجاههم جسور لا يهاب يرفع عنقه بشموخ وهو يتقدم نحو الداخل.
هل تراه كما لم تره من قبل؟
هل زادت مهابته عما كانت تعرفها من قبل، أم أن للقلب أعين أخرى؟
ضربات متتالية وقعت بقلبها الحبيس لحظة رؤيته جعلتها تزيغ عينيها عنه حتى لا يرى إضطرابها.
لحظة تهربت بها عن رؤيته كانت بمثابة فرصته العظيمة التى إقتنصها ليمتع عيناه برؤية تلك المتألقة اليوم.
جميلة، راقية، خلابة، قاتلة قلبه بحُسنها ليردد بداخله.
-( أه يا مُتعبة، لازم يعني تكوني جميلة أوي كدة النهاردة، والنهاردة بالذات؟)
قبل أن ترفع وجهها كان قد أشاح وجهه عنها ناظرًا نحو البقية ملقيًا تحيته.
– صباح الخير.
– صباح الخير يا قائد.
دلف "نظمي" يلحق بـ "معتصم" متسائلًا.
– إنت لسه مروحتش يا "معتصم"؟
إستدار "معتصم" نحو "نظمي" ليجيبه بكلماته الشحيحة.
– لأ يا فندم، بعد الإجتماع.
وضع "نظمي" كفه فوق كتفه الأيسر مثنيًا على تفانيه بالعمل.
– ربنا يقويك، أنا عارف إني إخترت صح للمهمة دي، بس لازم تروّح عشان عملية أخوك.
أومأ "معتصم" بخفة ينهي به تدخل حياته الخاصة بالعمل.
– تمام يا فندم.
تفهم "نظمي" رغبة "معتصم" ليتجه نحو مقدمة الطاولة مستمعًا لإجتماعه بضباطه بعد إتمام المهمة ليلة الأمس.
– كمل يا "معتصم".
إستطرد "معتصم" بعض النقاط الهامة بعد مداهمة ليلة الأمس.
– بفضل الله قبضنا على كل أفراد التشكيل، وطبعًا بمجهودكم جميعًا، التحقيقات إللي جايه معاهم هي إللي حتأكد لنا إن كان فيه توابع لهم ولا لأ، كمان تجاوز حضرة الظابط "عائشة" ومخالفتها للأوامر حيكون محط الإعتبار وحتتحول للتحقيق، أنا بوضح ده عشان أي تجاوز من أي فرد منكم عارفين طبعًا نهايته إيه وممكن يؤدي لإيه ويعرضنا كلنا للخطر، المهمة مازالت مستمرة لحين إنتهاء التحقيقات ووقتها نقول إن المهمة إنتهت بنجاح، أحب أثني على شغلكم جميعًا خاصة الضابط "عهد" وإختراقها لأجهزة أعضاء التشكيل بشكل محترف سهل لنا شغلنا كلنا.
هل يثني على أدائها ويرفع من قدرها أمام بقية المجموعة؟
هل يشيد بمجهودها علانية دون تحقير أو خجل من أن تكون الفتاة الوحيدة بينهم هي من أظهرت المعلومات بدقة؟
سعادة كان لابد وأن يكون لها وقع خاص، لكن تجنبه للنظر تجاهها وجموده الشديد حين أشاد بها جعلها لا تشعر بهذه اللحظة الرائعة التي انتظرتها كثيرًا.
لم تسعد لثنائه وجموده معًا.
أي تضارب وصلت به نفسي، تكريم ليس له مذاق، باهت لا لون له، ليته خصها بنظرة لكانت ستشعر بأنها ملكت الدنيا وما عليها.
لم تظهر ضيقها وإحساس الإختناق الذي حل بها، بل تعاملت مع الأمر بجمود يشابه ما فعله للتو، لكن ثباته كان أقوى، فقد عقد العزم تلك المرة على أن يجعلها تثور ولو بالقوة لتخرج ما بداخلها بسلاح البرود واللامبالاة.
إنتهى الإجتماع بعد العديد من المناقشات وتحديد خطوات العمل القادمة وعليه التوجه الآن للمستشفى للحاق بـ"رؤوف" قبل إجراء جراحته فهو بالجهاز منذ المداهمة ولم يتسنى له العودة للبيت.
إنصرف الجميع لتبقى "عهد" متأخرة لبضع خطوات في إنتظار مغادرة الجميع.
وضع "معتصم" أوراقه بأحد الملفات وهو يسألها دون أن يرفع بصره تجاهها كما لو كان يرى لهفتها وإنتظارها.
– محتاجة حاجة يا حضرة الظابط؟
رسمية غير معتادة منه جعلها تتلجم بسؤال يقف بأعتاب شفتيها تتمنى لو تتفوه به.
-( متغير ليه..؟!)
لكنها أجابت بعناد.
– إنت وزعت أدوار الكل، وموزعتش دور ليا، إيه خلاص معادش ليا لازمة؟
أرادت لو تنطقها ( هل مللت مني!!، هل ستبتعد عني حقًا؟؟! )
لكنها إكتفت بما تفوهت به، لكن "معتصم" كان أكثر عنادًا ليردف بهدوء كاد يشعل ثورتها.
– بالعكس، حضرتك شغلك ممتاز، وإنتِ عارفة كويس إيه إللي مطلوب منك، مش محتاجة حد يوزع لك دور أو يأمرك.
تجاهله وبروده أثارا غضبها لتنفعل بقوة تحثه على مواجهتها.
– ما تبص لي كدة وإنت بتتكلم، ده إيه البرود ده؟
ضرب "معتصم" بكفه فوق الأوراق بخفة ليلتفت نحوها بجمود مخترقًا بسوداوتيه أعماق نفسها، تلك النظرة الحادة التي يتميز بها، وقفته الصامدة ونظراته الحادة جعلتها تشعر بالإضطراب وظهر ذلك جليًا على ملامحها تلك المرة.
أدنى وجهه من وجهها المرتبك قائلًا بصوت حازم.
– إيه البرود ده!!!!!!! فيه ظابط يقول للقائد بتاعه… إيه البرود ده!!!!!
لملمت شفتيها متحلية ببعض القوة التى تلتمسها ببقايا نفسها المهترئة أمامه.
– مش بحب أتكلم مع حد مش بيهتم يسمع كلامي.
لم يثني عيناه عنها بل زاد حِدة نظراته نحوها.
– أنا سامعك كويس، إنتِ إللي مبتسمعيش حد، ومن دلوقتِ حنحط الحدود طالما إنتِ عايزة كدة، إللي يبدأ مشوار لازم يكون قده لحد النهاية، وأظن ده إختيارك مش إختياري، أنا بنفذ إللي إنتِ كنتِ عاوزاه ولااااا…. إنتِ عايزة حاجة تانية؟
فهمت قصده بسهولة، لكنها أبدًا لن ترضخ لإسلوبه الملتوي لجعلها تعترف بحبها له.
ضمت شفتيها بإنفعال وهي تعقد أنفها وعينيها بقوة.
– حاجة تانية زي إيه!!! لأ طبعًا، لا تانية ولا تالتة، إنت بتحلم.
– بحلم بإيه، إنتِ فهمتِ إيه؟
إشرأبت بعنقها بعناد أراد لو يهشم لها رأسها العنيد لتمسكها به.
– مفهمتش حاجة، ماشي يا قائد، طالما أنا عاوزة كدة، وإنت عاوز كدة، تمام، إللي بينا رسمي وبس.
رغم جموده الذي أصر عليه معها إلا أنه قد أعجبته كلمتها ليغمز بعينه بجاذبية مشاكسًا إياها.
– حلوة إللي بينا دي، عجبتني، ماشي يا "فتحي"، نمشيها رسمي، ونشوف مين فينا حيقدر على التاني.
نظر بعقارب ساعته ليتوجب عليه المغادرة على الفور.
– أنا مستعجل، سلام.
خرج من قاعة الإجتماعات على عجالة متجهًا نحو مستشفى السلامة ليتواجد مع العائلة والإطمئنان على "رؤوف" فهو بالجهاز منذ المداهمة ولم يتسنى له العودة للبيت.
مستشفى السلامة.
في يوم قديم مثل اليوم كنا نتحدث، لكن اليوم أخوض معركة كي أصمت، لا أريد البوح وإلا سأتنازل، إن عقلي أمتلكه لكن قلبي أعلن العصيان فهو ليس لي بعد الآن.
وقف "عيسى" تمتلكه رجفة إشتياق لتلك الواقفة بآخر الممر.
لقد حاول أن يقنع نفسه أن مجرد لقاء عابر لن يؤثر به، لكن كيف وهو يتمنى لو يركض تجاهها يملأ قلبه المتلهف برؤيتها ويشتم عطرها داخل أحضانه.
إنها كانت حبيبته، أليفة روحه، كيف سيستطيع التغاضي عن ذلك.
توقف للحظات بأنفاس مضطربة لحظة أن وقعت عيناه عليها.
ظل يطالعها للحظات يريد أن يصرخ بها ( إشتقت إليكِ )، لكن كبرياءه منعه فعقله كررها ليذكره بها ( لا تنسى إنها خائنة).
إزدرد ريقه بصعوبة محدثًا نفسه.
– [أعمل إيه دلوقتِ، لا عارف أقرب ولا عارف أبعد، بس وحشتيني].
وقفت تطالع الممر من هنا وهناك دون أن تلاحظ قدومه، كطفلة تائهة تبحث عن أبيها.
وقفت "غدير" تميل وتتشدق تبحث عن وجه واحد مألوف لها، حتى إستدارت لتجده واقفًا بنهاية الممر من الجهة اليسرى.
خفقات قلبها المضغوط صرخ براحة لرؤيته، كما لو أن الهواء أنعش رئتيها المختنقتان لحظة رؤياه.
هتفت بلوعة وإشتياق وهي تركض بإتجاهه.
– "عيســــــــــــــــى".
ذهوله جعله يتيبس وهو يرى لهفتها وركضها تجاهه.
لو كان بفكر آخر ووقت آخر لكان حملها ليدور بها بسعادة، لكنه وقف بجمود فكيف تجرؤ على تلك اللهفة برغم ما علمه عن خيانتها، أستخدعه مرة أخرى؟
تجهم بقوة إستعدادًا لصد تلك المندفعة تجاهه حتى أنه أشاح بعينيه عن طريق خاصتيها حتى لا تنهار قوته أمامها.
تغاضت "غدير" عن تجاهله المتعمد لتستكمل إندفاعها نحوه.
– إتأخرت أوي يا "إيسوو"، كدة برضه، كدة تتأخر عليا كل ده.
رفع كفه يتصدى لقربها الذي كادت أن تلقى بنفسها عليه لتتحجم حركتها متوقفة بصدمة وحزن، لكنها وقفت قباله وتقابلا أخيرًا لتهتف به بدلالها الحزين.
– وأهون عليك برضه يا "إيسووو" تبعد عني كدة، ده أنا "دورا"، حبيبتك، أنا الشيكولاته بتاعتك، كدة برضه تزعل مني وتصدق عني إن أنا اا…..
قاطعها "عيسى" بجمود لم تعتاده منه.
– بس، مش عاوز أسمع كلمة، أنا جاي عشان "رؤوف"، وهنا لا مكان ولا وقت ينفع نتكلم فيه، بعد إذنك.
تركها وقد شعر بقلبه يتمزق نياطه وهو يبتعد عنها متجهًا نحو غرفة "رؤوف".
لم يكن يظن أنه سيقابل "غدير" يومًا بهذا الوجه المتحجر، لكنه لن يمرر الأمر بهذه السهولة فهي خائنة.
رغم تيبس رد فعلها لصدوده لها إلا أنها عادت مسرعة لتعترض طريقة قبل أن يدلف إلي الغرفة، لتضغط عليه بسلاحها المزيف الوحيد.
– أنا عايزاك تسمعني، طب لو مش عشاني، يبقى عشان إبننا.
توقف لبرهة ومازال موليها ظهره ليغمض عيناه بألم وتحسر، فلو كانت تدرك أن خاطرها أعلى وأغلى من طفل لم يره بعد، لكن لا، لن يسمح لها بأن تخدعه، حتى هذا الطفل من أين يتيقن أنه ولده.
كان سيهتف بها مخرجًا كل ما يشعر به، يواجهها بأفعالها وخيانتها، يسألها عن هذا الطفل الذي ترقق به قلبه لأجلها، لكنه لزم الصمت حين وجد والدته أمامه قد خرجت من الغرفة.
– إنت جيت يا "عيسى"؟
نظرت لوجهه المحتقن وتلك العابسة من خلفه لتتفهم أن الأمر بينهما مازال مشحونًا.
– إنتوا زعلانين يا ولاد؟ ده ينفع برضه، إنتوا أكيد إتحسدتوا.
نظرت نحو "غدير" لتشعر بالإشفاق عليها لتردف بحنو أم.
– تعالي يا "دورا" إدخلي جوه مع "موده" و"رؤوف" وعمك "خالد"، أنا أصلي عايزة "عيسى" في كلمتين.
ضمت "غدير" شفتيها بتحسر لتجفل بعينيها عدة مرات ثم دلفت مرغمة لداخل الغرفة بينما دفعت "منار" ولدها بخفة ليتحرك لبضع خطوات بعيدًا عن الغرفة.
بدأت "منار" حديثها كما لو أنها ليست أمه هو بل أمًا لـ"غدير".
– مزعل "غدير" ليه يا "عيسى"؟ دي برضه الأمانة؟
قبل أن يدافع عن نفسه فقط نطق كلمة واحدة.
– يا ماما ااا…
قاطعته "منار" مستكملة.
– قبل ما تقول وتحكم في أي حاجة لازم تكون متأكد، إوعى تظلمها لمجرد كلمة ولا فكرة ولا ظن، "غدير" دي بنت جميلة مفيش منها، إنت متتصورش سعادتي إن "رؤوف" عاوز يتجوز أختها، وبرضه خليك فاكر إنها بنت يتيمة، ملهاش حد يقف لك ويجيب منك حقها لو لها حق، عشان كدة بقولك أنا وأبوك زي باباها ومامتها، إوعى تفتكر إنها مقطوعة من شجرة وملهاش حد يقف لها، زي ما إنت إبني، هي كمان بنتي.
تهدلت ملامحه متفكرًا بحديث والدته، فهو بالفعل عليه التيقن قبل أن يظلمها، عليه الوصول للحقيقة أولًا، فإن بعض الظن إثم.
أومأ "عيسى" بخفة متفهمًا.
– معاكِ حق يا ماما، مينفعش أبني زعلي منها على الظن، لازم أكون متأكد.
بضربة خفيفة فوق كتفه إنتبه كلاهما لصاحبها ذو الصوت الشجي.
– تتأكد من إيه يا متر؟
– "معتصم".
– كويس إنك جيت يا حبيبي، تعالوا لأخوكوا جوه عشان يلاقينا كلنا حواليه، يلا وإرموا كل حاجة دلوقتِ ورا ظهركم.
تحرك ثلاثتهم لغرفة "رؤوف" يساندوا أخيهم المُقبل على تلك الجراحة الدقيقة بعد قليل.
وجود "عيسى" المتهرب بنظراته من "غدير" التى تعلقت عيناها به وحده لكن وجودهم إلى جوار العائلة منعها من الإيضاح ومنعه من الفهم لكن كلاهما إلتزم الصمت رغم نفوسهم المشحونة بالحديث لكن ليس هذا بالوقت المناسب لذلك.
قسم الشرطة.
بعد إنتظار طال لعدة ساعات حتى طلب وكيل النائب العام حضور "زكيه" التي كانت منتظرة بالفعل خارج مكتبه منذ ساعات الصباح.
دَلفت "زكيه" بجسد مرهق وأعين محلقة من شدة وهنها لبقائها بهذا المكان الخانق، وقفت بإستسلام وصمت بإنتظار أن يسمح لها وكيل النيابة بالتحدث.
نظر هذا الشاب الثلاثيني بهيئة "زكيه" ثم بدأ حديثه الموجه لها.
– إنتِ قولتي يا ست "زكيه" إنك روحتي تدفعي الفلوس إللي عليكِ للمجني عليها، صح؟
– أيوه يا بيه.
تطلع نحو أحد الأوراق ثم طالب هذا المحامي الذي جلس بالمقعد المقابل له بالتدخل.
– وإنت يا متر بعد الورق ده، عايز تقول حاجة؟
نظر "محروس" تجاه "زكيه" بنظرة مطمئنة ثم أومأ بالإيجاب.
– أيوة يا فندم، دلوقتِ ثبت بالدليل إن فيه حد دخل وخرج قبل ما الست "زكيه" تروح للست "خيرية"، والدليل صورة الفيديو إللي أنا جبتها لحضرتك، و إللي واضح فيها إن محل البقال كان مفتوح وقت الست "زكيه" ما دخلت من باب العمارة، لكن خيال حد خرج قبلها وده كان المحل لسه مقفول، وبالدليل ده، يبقى موكلتي ليست أول من دخل وخرج، يعني هي مش المتهمة الوحيدة في القضية، لأنها بريئة تمامًا منها، وبناء عليه أطالب بالإفراج عن موكلتي بكفالة الوثوق بشخصها ومحل إقامتها.
دارت "زكيه" بعينيها بين كلاهما بغير تصديق وأيضًا بدون فهم لكافة التفاصيل، لكنها سعيدة لطلب المحامي لها بالخروج ولو بكفالة مالية.
تطلع وكيل النيابة بالصور المطبوعة أمامه بالملف ليوجه حديثه تلك المرة للشرطي المجاور له.
– إكتب عندك، قررنا نحن "محمد بشر" وكيل النائب العام بإخلاء سبيل "زكيه عبد العزيز" بكفالة مالية قدرها خمسة آلاف جنية إن لم تكن مطلوبة على ذمة قضايا أخرى، وإلزامها بعدم ترك محل الإقامة المذكور حتى إنتهاء التحقيقات.
ثم رفع بصره تجاه "زكيه" قائلًا.
– إمضي يا "زكيه".
تحركت "زكيه" بآلية لتوقع على محضر التحقيقات ثم تراجعت خطوة مرة أخرى نحو الخلف تنتظر أي توضيح لما حدث.
أشار وكيل النيابة نحو الشرطي لإصطحابها إلى خارج المكتب ليلحق بها المحامي ليوضح لها ما حدث.
وقفت "زكيه" برفقة الشرطي والمحامي الذي بدأ بإيضاح الأمر لها.
– شوفي يا ست "زكيه"، كدة إنتِ إن شاء الله حتطلعي بكفالة وتروحي بيتك بس مش النهاردة، لازم يتحروا عن إنك مش مطلوبة في أي قضية تانية الأول قبل إخلاء سبيلك.
تهدلت ملامحها بإحباط مردفة.
– طب حتى لو قعدت يوم ولا يومين كمان، حجيب منين فلوس الكفالة يا أستاذ "محروس".
إبتسم "محروس" بدبلوماسية.
– متقلقيش، "عهد" موصياني ومدياني فلوس وكله تمام، دي فضلت تدور هنا وهناك لحد ما قدرت توصل لكاميرا المراقبة بتاعة شركة الكمبيوتر إللي في شارعكم وطلعت الفيديو ده وإن فيه حد دخل قبلك وخرج من عند "خيرية" بس طبعًا ده مش دليل براءة، مش عارفين إن كان إللي دخل ده هو الجاني ولا لأ.
إبتسمت براحة ثم عقبت.
– يا حبيبتي يا "عهد"، أنا عارفه إن البنت دي جدعة والله، بس حظها في الدنيا قليل هي كمان.
ثم إنتبهت "زكيه" لأمر ما.
– طب معرفوش مين ده إللي دخل وخرج يا أستاذ؟
– للأسف الصورة مش واضحة، أصلها من بعيد أوي، بس مسيرنا نوصل.
– يا رب يا أستاذ "محروس"، يا رب.
بطمئنة لما هو قادم هتف بها "محروس".
– إطمني خالص، أنا حروح أدفع الكفالة، وهو يوم ولا يومين وشوية إجراءات ويخلو سبيلك وتروحي بيتك إن شاء الله.
درس قاسي تعلمت منه "زكيه" بالطبع، فعليها الإنتباه بشكل أكبر وأن تحرص على نفسها وبناتها من الغدر مهما كان الوضع يبدو عليه سليمًا، لكن ما عليها سوى قضاء ليلة أخرى أو ليلتين بحد أقصى ثم تعود لحياتها وبيتها وبناتها مرة أخرى.
مستشفى السلامة.
وهج الروح تحتاج السلامة، وها هو الوقت يمضي بترقب صامت وقلق من الجميع بإنتظار خروج "رؤوف" من غرفة العمليات.
وقوف قلق من "منار" و "خالد"، كما لو كانت روحهم سحبت منهم وفي إنتظار استردادها من جديد.
بأحد الزوايا وقفت "موده" متأملة خروج "رؤوف" من غرفة العمليات بقلب مضطرب حتى أنها لم تستطع مؤازرة "غدير" المستاءة من تقييد حريتها لمحاولة شرح الأمر لـ"عيسى" لتواجد الجميع حولها.
تعلقت عيناها الواسعتان بـ"عيسى" الذي حاول التهرب من نظراتها المعاتبة كلما تلاقت عيناهما معًا، ليبقى بآخر الممر برفقة "معتصم" في إنتظار متوجس لانتهاء العملية الجراحية.
لحظات حتى خرج الطبيب بعد مرور عدة ساعات وهو يخبرهم بأريحية شديدة.
– حمد الله على سلامته، الدكتور "رؤوف" بخير والعملية ناجحة جدًا الحمد لله، عاوزكم تطمنوا خالص، هو دلوقتي في الإفاقة، من حسن حظه إن المرض كان في مراحله الأولى والعملية تم فيها الإستئصال الكامل للورم.
أسرعت "منار" بإسلوب خبير تستكمل الإستيضاح من الطبيب.
– هو "رؤوف" حيخرج على طول من المستشفى ولا لسه فيه علاج إحترازي؟
أجابها الطبيب بتمكن وحرفية.
– بعد ما نطمن على الجرح مفيش مشكلة طبعًا إنه يروح البيت، لكن فيه فترة علاج تحسبًا إن يحصل أي مضاعفات وده حيكون فترة قليلة أوي ويرجع لطبيعته تمامًا، هو دلوقتِ حيتنقل غرفة الملاحظة وبكرة بإذن الله يقدر يروح معاكم.
تنهد الجميع براحة ليهنئ بعضهم البعض يحمدون الله على فضله وتماثله للشفاء.
– الحمد لله رب العالمين.
تتوق الجميع لإلقاء نظرة على "رؤوف" لتطمئن قلوبهم، بينما إنسل "عيسى" إلى خارج المستشفى لينهى فترة صراع نفسه بوجودها متحججًا بذهابه للمحكمة لكن مازالت تعصف به الظنون، فعليه التيقن كما قالت والدته قبل أن يتهم "غدير" حتى لو بداخل نفسه.
فيلا الأيوبي بالنوبارية.
الإخلاص سلعة غالية لا تطلبها من الرخيص، فالإخلاص فعل خفي لا رقيب له سوى الضمير.
تحركت "شجن" بخفة حتى كادت تسير على أطراف أصابعها تتسلل حتى لا يشعر بها "رحيم" فعليها تلك المرة أن تنصت لتلك المكالمة لتستوضح خيانته لـ"أيوب" وإخبار أقاربه بأحواله والتجسس عليه، وها هي قد واتتها الفرصة لإثبات تواطئه فقلبها دليلها اليوم.
إختبئت بتلك البقعة المظلمة خلف باب البيت لتستمع بوضوح لحديث "رحيم".
كلمات نفذت لأذنيها لتستقيم قامتها بصدمة غير متوقعة مما سمعته للتو.
كادت أن تخرج شهقتها لصدمتها لما سمعته بوضوح لتتدارك نفسها واضعه كلا كفيها فوق فمها تمنع خروج تعبير صدمتها حتى لا تكشف نفسها وإستماعها لتلك العبارة التي إخترقت سمعها.
-( بيموت ولازم تكونوا هنا في أسرع وقت).
يتبع.
رواية ظننتك قلبي الجزء الثاني الفصل السادس عشر 16 - بقلم قوت القلوب
فيلا الأيوبي بالنوبارية…
هناك صفعات يُسمع صداها، لكن بعض الصفعات تظل صامتة تضرب القلوب بصمت، خاصة تلك التى تُعلن بها خيانة الأمانة، فقد إئتمنهم “أيوب” على حياته وماله وما يخصه بهذا البيت …
هرعت “شجن” بعد صدمتها بما سمعته نحو غرفتها لكنها كانت من الذكاء بأن تعود بنفس التسلل دون أن ينتبه أحدهم لوجودها وإستراقها السمع …
دَلفت لغرفتها بِحيرة شديدة وصدمة ممن تظن أهل للأمانة، أشفقت على حال هذا الرجل الوحيد لتهمس بذهول …
– معقول كدة، عم “أيوب” ميستاهلش كدة خالص، ده فتح لنا بيته، آمنا على حياته وفلوسه، يبقى ده المقابل !!!!!
دارت حول نفسها تفكر بحل تعصم به هذا الرجل من تلك الخيانة، لكن ترى ماذا يمكنها أن تفعل وحدها ؟!!!
– لازم ألاقي حل، ضروري، وبرضه مش لازم أبين إني عرفت حاجة، عشان محدش ياخد باله …
بقيت “شجن” ملازمة لغرفتها طيلة اليوم تبحث عن حل مناسب لإنقاذ “أيوب” ممن يريدون نهب حقه وماله بدون وجه حق …
***
دق الهاتف بنغمة رنينه المميزة ليسحبه متجهًا لخارج المطعم ليجيب عن هذا الإتصال بعيدًا عن تلك الضجة داخله …
وقف “رشيد” بأحد الزوايا قائلًا …
– ألو، كويس إنك إتصلتِ، ها، مفيش جديد ؟!!
أجابته من الطرف الآخر بدون إيضاح وبكلمات مبهمة …
– الجديد عندك إنت، موصلتش لأي حاجة ؟؟
سحب “رشيد” نفسًا مطولًا رغم أنه ليس من متحملي الوقت، فهو بطبعه قليل الصبر …
– والله أنا عملت إللي إتفقنا عليه بالضبط، رحت للجارة “أم تحسين” وقلت لها ترمي المياه على “غدير” وهي ماشيه عشان تضطر تطلع بسرعة تغير هدومها في بيت أختها، بس ملحقتش وإتصرفت، المهم لما جوزها جه شافني نازل على السلم وإفتكر إني خرجت من الشقة ..
رغم سخريتها من إيضاح هذا المتواطئ إلا أنها تساءلت بإمتعاض …
– ما أنا عارفه كل ده، ما إنت قلت لي يا “رشيد”، أنا بسأل عن أي تطور، حصل جديد ؟! عرفت حاجة ؟!!
– لأ معرفتش حاجة، أنا نفذت كل إللي إتفقنا عليه بالضبط، حتى رسالة الخاتم وكل حاجة، ومستني إنها تطلق بقى …
بتحصلها على معرفة آخر التطورات كان هذا هو شاغلها لتنهي مكالمتها معه فيكفي إلى هذا الحد ..
– طيب، لو عرفت حاجة كلمني يا “رشيد”، سلام …
أغلق زر الإنهاء لتتوق نفسه لحُلم رسمه بخياله حين تتحرر “غدير” من زواجها من “عيسى” وتصبح له وحده من جديد، أمل ظل يحلم به وها هو أوشك على تحقيقه في القريب …
***
بيت المستشار خالد دويدار…
وصل “عيسى” لشقة والديه هاربًا من لقائها الذي آلمه بدلًا من أن يُسكن أوجاعه، دلف منهك القوى فقد تحمل عذاب ساعات من الإنتظار متواجدًا معها بنفس المكان، يجاهد نفسه ألا يهتز ويستسلم لعينيها التعيستين …
صراع داخل عقله الذي يجبره على الإبتعاد وقلبه الذي يشفق على حاله وحالها يتمنى لحظة بقربها ليزيح عنها حزنها ويطفئ نيران لوعته …
جلس على الأريكة ملقيًا سلسال مفاتيحه فوق المنضدة ليعيد رأسه للخلف مغمضًا العينين يحاول تهدئة نفسه بهذا الهدوء فالجميع مازالوا بالمستشفى …
لكن كيف سيهرب منها فحتى وإن أغمض عيناه يرى طيفها يمر بخياله فلن تتركه، لكن بدأت إنزلاقات أخرى للظنون تجتاح رأسه …
ترددت كلمات والدته بعقله مرة أخرى …
-( قبل ما تقول وتحكم في أي حاجة لازم تكون متأكد، إوعى تظلمها لمجرد كلمة ولا فكرة ولا ظن )
إعتدل “عيسى” بجلسته محدثًا نفسه …
– صح، لازم أتأكد، بس من إيه بالضبط ، من إنها فعلًا كانت بتخونني ؟! ، لأ ، أنا شايفُه خارج من الشقة بعيني، وهي كمان شكلها وحتى مدافعتش عن نفسها، يبقى لازم أتأكد إن الولد إبني، طب إزاي ؟!!! إزاي ؟؟!!
دفع الهواء بقوة ليعيد رأسه للخلف ليغمض عيناه مرة أخرى محاولًا إيجاد حل دون أن يظهر شكه و ظنه لأحد …
وقت لا بأس به ثم عاد ليطالع الأرجاء من حوله باحثًا عن شيء يدله على حل دون المساس بكرامته وكرامتها أيضًا، وقعت عيناه على بعض الأوراق والبطاقات الموضوعة فوق الطاولة ليضيق من عينيه متمعنًا بإحداهم ليدب بنفسه أمل لإيجاده الحل لتلك المشكلة …
سحب البطاقة ينظر للإسم المدون بها …
– الدكتور “أمين عبد الناصر” ..
تذكر “عيسى” بأن والدته كان تقص عليهم ما حدث بالقريب من ترشيح هذا الطبيب لإحدى أقربائهم لمساعدة إبنها وزوجته بتأخر الحمل، فلابد أن هذا الطبيب يستطيع مساعدته بالتأكد من هذا الطفل هو طفله حقًا …
سحب سلسال مفاتيحه متجهًا نحو عيادة والدته القديمة والتى قام هذا الطبيب بإستئجارها منها منذ بضعة أشهر، فعليه الذهاب إلى هناك ليقطع الظن باليقين ومعرفة أين الحقيقة …
***
مستشفى السلامة …
نظرات زائغة يتبعها غفوة من جديد لكن تلك العيون التى تتوقت لرؤيته شعرت بالسعادة لمجرد إفاقته بعد تلك العملية الجراحية …
فتح عيناه مرة أخرى لكن تلك المرة بتركيز أكبر باحثًا بقلب متلهف على رؤية وجوههم المحببة، خاصة تلك التى تكاد تقفز من موضعها بإبتسامتها الملائكية كما لو كانت تشع ضياءً و رقة …
إبتسم “رؤوف” بوهن فالآن يشعر بالقوة لتواجدهم معه، تحدثت والدته أولًا …
– حمد الله على السلامة يا حبيبي …
بالكاد إستطاع تحريك شفتيه لكن صوته كان خافتًا للغاية ..
– الله يسلمك …
بتآزر قوي ظل والديه و”غدير” و “موده” بالطبع مرافقين له بينما إضطر “معتصم” للمغادرة بعد أن إطمئن عليه وعلى نجاح جراحته فلديه موعد هام طرأ بشكل مفاجئ حين تلقي مكالمة غامضة منذ قليل …
مر الطبيب ليتابع حالة “رؤوف” مطمئنًا إياهم …
– الحمد لله العملية ناجحة جدًا وتم إستئصال الورم بالكامل، أستأذنكم بس المريض بتاعنا يرتاح ونبقى نيجي له في موعد الزيارة، أنا سبتكم تطمنوا عليه كفاية ..
تفهم الجميع الأمر ليضطروا للمغادرة أيضًا لكن لقسم الإنتظار لحين السماح لهم بزيارته مرة أخرى …
***
التنقل من مستشفى لأخرى أمر لم يكن واردًا بمخطط “معتصم” بالمرة، لكن تلك المكالمة جعلته يبدل تخطيطه اليومي بالكامل …
فمنذ قليل وردته مكالمة من أحد العاملين بالمستشفى التي يتواجد بها “عمر” بعد الحادث المزعوم يخبره بأن “عمر” أفاق من غيبوبته ويريد لقاءه على الفور …
دلف “معتصم” بخطوات جادة نحو قسم العناية المركزة حيث يرقد “عمر” منذ هذا الحادث غائبًا عن الوعي …
فور وصوله أخبر أحد أفراد طاقم التمريض بطلب رؤيته لـ”عمر” …
– عاوز أزور حضرة الظابط “عمر” …
تفحص هذا الشاب هيئة “معتصم” وملامحة الجادة وقوته الظاهرة ليتسائل بسخافة …
– هو حضرتك ضابط برضه ؟!!
مال “معتصم” قليلًا برأسه ليرمقه بنظرته الحادة جعله يبتلع ريقه بتخوف …
– إتفضل يا باشا، من هنا …
تقدم الشاب نحو غرفة “عمر” ليشير نحو “معتصم” للتقدم …
– “عمر” باشا أهو في الأوضة دي، بس خد بالك عشان لسه يا دوب فايق ومش حيقدر يتكلم كتير …
لم يجبه “معتصم” بل ولج لغرفة “عمر” مباشرة، فقد أقلقه للغاية طلبه وهو بهذه الحالة الصحية المتعثرة، طل برأسه من خلف تلك الستائر الطبية ناظرًا نحو صديقه “عمر” وقد رسم إبتسامة لهذا اللقاء، لكن سرعان ما تلاشت تلك الإبتسامة فهو غير واعي إطلاقًا بل تحيطه الضمادات بأماكن متفرقة من جسده وتلك الأنابيب الموصلة بعروقه وتنفسه لأمر يدعو للرثاء على حاله …
ضيق “معتصم” جبينه متعجبًا من طلب رؤيته وهو يعاني بهذا الشكل، فلابد أن الأمر بالغ الأهمية ليتكبد عناء الحديث معه أثناء آلامه ..
تقدم ببطء نحو “عمر” هامسًا بإسمه بهدوء…
– “عمر” ، “عمر” ….
إنتبه “عمر” لحضور “معتصم” ليفتح عيناه بإعياء قائلًا …
– “معتصم” …
سحب “معتصم” المقعد ليدنو من صديقه متخذًا جلسته بقربه …
– أيوة “معتصم”، إنت عامل إيه دلوقتِ ؟!!
بأنفاس متألمة أجابه “عمر” …
– سيبك مني دلوقتِ، أنا كنت عاوزك في موضوع مهم أوي …
توجس “معتصم” متفكرًا يحاول فهم السبب بدون إجهاد لصديقه …
– حاجة تخص “أحمد علام” صح ؟!!!
– أيوه …
حاول “عمر” إيضاح الأمر لـ”معتصم” لكنه كان يشعر بالإجهاد الشديد أثناء حديثه، برغم ذلك أخذ يوضح الأمر لـ”معتصم” قبل أن يقاطعه أحدهم يطلب منه المغادرة …
– أنا وصلت لتسجيلات وورق يدين “أحمد علام”، وإنه هو إللي ورا التشكيل الإرهابي ده، وحفظت التسجيلات إللي بصوته شخصيًا في فلاشة، حتلاقيها في درج سحري في دولاب أوضة النوم عندي، خدها يا “معتصم” قبل ما حد ياخد باله ويلاقيها، إنت الوحيد إللي تقدر تتصرف …
ربت “معتصم” بكتف “عمر” يحثه على الهدوء وعدم إجهاد نفسه لأكثر من ذلك …
– طيب، طيب، متقلقش، أنا حروح البيت عندك وأخدها، حاول ترتاح إنت بس، متتعبش نفسك أكتر من كدة …
بأنفاس ضائقة حاول “عمر” تحذير “معتصم” حتى لا يتهور، ويصيبه ما أصابه …
– حرص على نفسك، أهو إنت شايف إللي جرى لي …
أومأ “معتصم” بتفهم مدركًا حجم الخطر الذي يمكن أن يتعرض له …
– ربنا يستر …
قاطع زيارته هذا الشاب مرة أخرى …
– لا موأخذة يا حضرة الظابط، نسيبه يرتاح بقى، عشان الدكتور محرج عليه الزيارة أساسًا ..
إستقام “معتصم” وهو يومئ تجاه “عمر” بنظرة يفهمها كلاهما بأنه [ لاتقلق، فإن كل شيء سيصبح تحت السيطرة ] …
بعد تلك الزيارة القصيرة غادر “معتصم” المستشفى ليتجه صوب محل إقامة “عمر” للبحث عن تلك (الفلاشة) أولًا قبل أن تقع بأيدي خاطئة ويفقد دليلًا هامًا لنجاح مهمته وإظهار الحقيقة …
***
عطارة النجار …
توسط اليوم بإقامة صلاة العصر والتي لم يغب عنها “فخري” مطلقًا، فرض جعله ضياءًا له بطريقه ليؤدي صلاته بالمسجد …
لم تكن سوي دقائق حتى عاد لمتجره ليجد هذا المحامي الذي أوكله لـ”زكيه” ينتظره ويبدو على ملامحه الحماس والسعادة …
دنا منه “فخري” متسائلًا عن سبب تلك الزيارة الغير متوقعة …
– أهلًا يا أستاذ، خير، مش بعادة تيجي من غير ما تقولي ؟!!
تهلل وجه المحامي بغبطة …
– جيت أبشرك يا حاج، الأستاذ “محروس” المحامي قدر يلاقي طريقة عشان الست “زكيه” تخرج بكفالة …
أشرق وجه “فخري” بإبتهاج لم يكن يظن أنه سيدق باب قلبه يومًا ما …
– بجد، والله خبر يفرح تستاهل عليه الحلاوة إنت وهو …
رغم أنه لم يقم بمجهود يذكر بتلك القضية لكنه سعد بزف الخبر لـ”فخري” ليردد بتصنع التأثر …
– خيرك سابق يا حاج، والله إحنا ما عاوزين إلا رضاك بس …
وضع “فخري” كفه فوق كتفه بإصرار …
– لأ طبعًا، وده يصح، لازم تاخدوا أتعابكم وزيادة، ده كفاية تعبكم مع الست “زكيه” …
أخرج “فخري” من درج مكتبه لفافة من الأوراق المالية التي زاغت لها عين المحامي ليردف بإمتنان …
– إتفضل، خد دول، وأكيد الكفالة حندفعها فورًا …
– لا متشغلش بالك، الأستاذة إللي وكلت الأستاذ “محروس” دفعت فلوس الكفالة، بس فيه شوية إجراءات في النيابة وبعدها الست “زكيه” تخرج معززة مكرمة …
تنهد “فخري” براحة …
– ألف حمد وشكر لك يا رب …
ثم نادى بصوت مسموع بأحد العاملين بالوكالة …
– يا “سيد”، هات حاجة ساقعة حلاوة خروج الست “زكيه” لكل العمال …
ترددت المباركات لزوال الغمة وخروج أرملة أخيه من تلك التهمة الزور التي زجت بها …
– مبارك يا حاج … ألف مبروك يا حاج …
عاد “فخري” لمقعده مطمئن البال مرتاح النفس ، لكنه لم يظن أنه بهذا العطاء البسيط لعمال الوكالة لسعادته بخروج “زكيه” من محبسها هو إنذار لسئ النفس بالتوصل لخبر جديد سيتلقى عليه مقابل جيد بالتأكيد …
***
بيت النجار (شقة صباح) …
دقات صدحت بباب الشقة معلنة وصول زائر، أمر أصبح نادرًا بالأيام الأخيرة، تحركت “صباح” بثقلها المعتاد نحو باب الشقة لكن كانت “راويه” أسرع لتلبية الطارق، فتحت الباب لتجد “صاصا” يقف قبالتها بوجه مبتسم سخيف للغاية …
مالت “راويه” بنفور لإبتسامته السمجة مستنكرة سبب سعادته الغير مبررة …
– خير يا “صاصا”، إيه السعادة إللي على وشك دي ؟!!
تقدمت “صباح” بخطوات متعجلة حين سمعت إسمه لتتولى الحديث من تلك اللحظة …
– إيه يا واد يا “صاصا”، فيه جديد ولا إيه ؟!!!
أجابها بخيلاء لما يملكه من معلومات …
– فيه يا ستنا، فيه …
أشارت له نحو الداخل حتى لا يستمع أحد لهم …
– طب إدخل قوام …
دلف “صاصا” وهو يحملق بالأرجاء من حوله يتفرس بأركان الشقة التي لم يدلف إليها من قبل حين سألته “صباح” بفضول ينهش قلبها …
– ما تتكلم ، خرست ليه يا واد ؟؟!
أجابها “صاصا” …
– المحامي جه المحل وقال للحاج “فخري” إنهم حيفرجوا عن الست “زكيه” بكفالة …
ضربت صدرها بكفها الثمين لتصدر أساورها الذهبية ضجيج ملحوظ وقد علت ملامحها الصدمة …
– يا خرابي، إنت بتقول إيه يا واد ؟؟!!!!! يفرجوا عنها !!!! إزاي ده ؟!!!!
– ده إللي سمعته يا ست “أم فريد”، وجيت لك هوا أبلغك …
زاغت عينا “صباح” بغير تصديق، فبعد كل ما فعلته ها هي غريمتها سيُطلق سراحها وتعيش بحرية مع زوجها، هتفت بغضب تفاجئ له “صاصا” …
– غور من وشي يا جلاب المصايب، غور …
شعر بالغدر من طردها له دون أن تدفع له مقابل معلوماته الثمينة …
– الله، طب وأنا مالي يا ستنا، يعني الحق عليا إني أول ما عرفت جيت أقولك …!!!!
رغم إنفعالها وغضبها إلا أنها مازالت تحتاج هذا الحقير لتخرج بعض الأوراق المالية على مضض …
– خد، وغور من هنا، إبقى تعالى لما تقفلوا المحل عشان تقولي إللي حصل بالتفصيل …
مد “صاصا” يده يتلقف المال مردفًا أثناء مغادرته بعد حصوله على مبتغاه …
– تحت أمرك يا ست الكل، بالإذن ..
خرج “صاصا” تاركًا تلك الأعين المنصدمة والنيران المتأججة فقد تناست كل أفعالها الشنيعة متذكرة فقط أن “زكيه” تحيك شباكها حول “فخري” الذي سيتزوجها بالتأكيد …
جلست تحدث نفسها وهي توجه كلماتها لـ”راويه” المندهشة …
– حتخرج يعني حيتجوزها !!!! يتجوزها ويسيبني أنا، بقى كدة يا سي “فخري”، تروح في الآخر للخدامة، طب وربنا ما أنا سيباكم تتهنوا أبدًا، ومبقاش “صباح الجزار” لو مندمتكش على جوازتك السوداء دي يا “فخري”، إنت وهي …
إبتلعت “راويه” ريقها بتخوف فوالدتها يبدو أنها عزمت أمرها على الإنتقام لترك والدها لها …
***
عيادة الدكتورة (منار الهواري) …
تعلقت عينا “عيسى” باللافتة المعلق عليها إسم والدته فقد وصل للعيادة لمقابلة هذا الطبيب الذي ربما يكون التحقق بين يديه، رجفة إجتاحته ما بين تتوق لليقين و خشية من معرفتها بذات الوقت …
هل يمكن أن يحمل كل تلك المشاعر المتناقضة لأمر واحد؟!! ، يريد أن يدرك الحقيقة ولا يدركها بالوقت عينه، فكلاهما مُر …
يعز عليه أن من كانت كل ثقته أن تهتز صورتها بهذا الظن والشك الذي ينال من قلبه المختنق …
دلف لداخل العيادة متطلعًا لهؤلاء المرضى بساحة الإنتظار، فعليه إنتظار دورًا لتتحطم أعصابه من جديد فقد نفذ الصبر …
بعد إنتظار لبعض الوقت حان موعد لقاءه بالطبيب، تلك المقابلة التي توجس منها للغاية، لكنه إستقام دالفًا نحو الداخل وبداخله كل الأسئلة تتضارب مع بعضها البعض …
رحب به الطبيب بدبلوماسية …
– أهلًا يا فندم، إتفضل أقعد …
جلس “عيسى” وقد تبخرت أساليبه الإلقائية وحديثه المسترسل وتلاشت كل الكلمات، لم يعرف كيف يطلب من الطبيب أن يتأكد من أن ما تحمله “غدير” هو ولده، إنه لسؤال قاسي على كليهما معًا …
قطع تخبط “عيسى” سؤال الطبيب المباشر …
– إسم حضرتك ؟!
أجابه “عيسى” بدون إخفاء لهويته …
– “عيسى دويدار ” …
إنتبه “أمين” لإسم العائلة ليتسائل بفضول …
– “دويدار” !!! حضرتك تقرب للمستشار “خالد دويدار” ؟!!!
سحب “عيسى” نفسًا مطولًا ثم أجابه …
– أيوه ، والدي …
بترحاب شديد عقب “أمين” …
– معقول ده، أهلًا يا أستاذ “عيسى” ، طب مش تقول إن حضرتك إبن الدكتورة “منار” ، مكنتش خليتك تستني كل الناس دي، تحت أمرك ، إتفضل …
قابله “عيسى” بإيمائة خفيفة لتقبل ترحابه، حاول إستجماع ولو سؤال واحد ليطرحه عليه، لكن يبدو أن الأمر غاية بالصعوبة، فمرافعة قوية بهيئة المحكمة لأيسر من هذا السؤال، لم يتواني “أمين” على حثه على عرض حالته …
– حضرتك متجوز يا أستاذ “عيسى” ؟!!
– أيوة …
بنظرة إستكشافية أكمل “أمين” يخفف الحرج عن “عيسى” …
– وطبعًا مسألة الحمل شاغلة حضرتك، عمومًا متقلقش خالص، الأمر بإذن الله بسيط وكل شيء له حل، بس نكشف على حضرتك الأول، وبعد كدة المدام …
بصعوبة بالغة حاول “عيسى” سؤاله عما جاء لأجله من الأساس …
– هو، اااا ، ممكن أعرف من حضرتك هل إنت بتعمل تحليلات وكدة ؟!! ، يعنى سهل معرفة مطابقة الحمض النووي، و اااااا …
قاطعه “أمين” ظنًا منه أن “عيسى” ليس لديه خلفية طبية عن نوع التحاليل المطلوبة ليقف يدعوه للفحص أولًا …
– أنا هنا بعمل كل حاجة، إتفضل بس معايا الأول نكشف …
عارضه “عيسى” ، فليس هذا ما قد جاء لأجله …
– لا، حضرتك مش فاهمني، أنا قصدي ااا…..
قاطعه “أمين” للمرة الثانية بإصرار …
– يا أستاذ “عيسى”، دي شغلتي وأنا فاهمها كويس، إتفضل بس نكشف الأول وبعد كدة نعمل كل إللي إنت عاوزه …
إضطر “عيسى” مجبرًا على الإنصياع لطلبه فلن يخسر شيئًا وسيصل بالتأكيد لما يوده دون شك …
بعد الكشف المبدئي على “عيسى”، عاد “أمين” لمقعده وهو يدون بعض الكلمات بدفتر ملاحظاته، إتخذ “عيسى” مجلسه مرة أخرى ثم مد “أمين” يده بورقة تجاه “عيسى” …
– دي التحليلات إللي المفروض إن حضرتك تعملها، هنا في العيادة في جزء متخصص للتحاليل دي، يعني مش حنتعبك ولا حاجة …
أراد “عيسى” شرح الأمر هذه المرة ..
– الموضوع مش محتاج التحاليل دي، أنا كل إللي عاوزه تحليل الحمض النووي …
بتوضيح مختصر أجابه “أمين” …
– أه طبعًا، بس قبل التحليل ده لازم نعمل التحليل ده الأول، وبمجرد ما تطلع نتيجته نشوف المطلوب …
قوس “عيسى” شفتيه بعدم تيقن فبالتأكيد هذا الطبيب لديه الدراية الكافية عما يريده تمامًا، خرج من الغرفة بعد أن شكره ليقوم بعمل التحاليل الطبية قبل مغادرته فما عليه سوى إنتظار يوم آخر لتظهر النتيجة ويمكنه وقتها عمل هذا التحليل الذي سيؤكد له كذب “غدير” أو صدقها …
***
بيت محفوظ الأسمر …
يوم متغير بعادته فـ”محب” لم يخرج للمعرض اليوم بل بقي طيلة الوقت برفقة “وعد” و “زين” بالبيت .
بعض الأوقات يداعب “زين”، لكنها ترى عيناه المعلقتان بها دون حديث، حتى أنه أخذ يتقرب منها بشكل ملفت، يضحك بوجهها بشكل متكرر، كما لو كان يخفي حديث ما بداخله يود لو يبوح به لكنه هناك حاجز ما يمنعه …
نظر “محب” نحو “وعد” مطولًا قبل أن يترك “زين” يلعب ببعض ألعابه ليجلس إلى جوارها ومازالت تلك النظرة معلقة بعينيه ..
تمنت بتلك اللحظة أن تفهم مغزاها لكنها كانت مُحيرة للغاية، نظرات يملؤها العِتاب كما لو كانت أذنبت تجاهه دون أن تدري …
بعد فترة من التحديق نطق “محب” مدركًا أنها لا تستطيع سماعه لكنها ربما تقرأ شفتيه وتفهم كلماته …
– وأخرتها يا “وعد” حتفضلي كدة ؟؟! لازم تحاولي تساعدي نفسك وتساعديني، حبيبي أنا مش قادر أشوفك تعبانه كدة ومفيش في إيدي حاجة أعملها …
طالت نظراتها حتى تعمقت خضراوتيها بملامحه تحاول إستنباط ما لا يمكنها إدراكه، أكمل “محب” بنبرة حانية للغاية ..
– قوليلي أعمل إيه وأنا أعمله، قوليلي إيه يريحك وحتلاقيني بنفذه ولو على رقبتي …
زاغت بعينيها بعيدًا عنه تطالع “زين” أولًا ثم تحدثت بكلمات فقيرة للغاية …
– عارفه إنك متضايق، بس أعمل إيه ، غصب عني، أنا حتى مش عارفه بتقول إيه !!!
تلمس ذقنه النابتة محاولًا إستجماع كلماته فكل شيء لابد وأن ينتهي مهما كانت العواقب …
– حبيبي، إسمعيني، حاولي تسمعيني، إنتِ مش مريضة، لازم تحاولي …
نكست “وعد” رأسها لعدم قدرتها على مجاراته بحديثه، تنهد “محب” بضيق لينهض متجهًا نحو الكومود ليتطلع لمرة أخيرة تجاه ورق التنازل الذي جلبته “عتاب” متفكرًا في كيفية وضع إمضاء “وعد” عليه …
إشرأبت “وعد” بعنقها تحاول رؤية بم إنشغل “محب” عنها، فيبدو أنه أمر هام للغاية …
مسح “محب” وجهه بكفه متحفزًا لإنهاء هذا الأمر بأي شكل كان …
***
مهمة جديدة تَلقى الأوامر لها، إتجه “معتصم” لمنزل “عمر” للحصول على (الفلاشة) قبل أن يسبقه غيره، لحسن حظه أنه صديق لـ”عمر” لهذا حين طرق باب شقته لم يكن بالغريب عن أهل البيت …
بترحاب شديد قامت والدة “عمر” بدعوة “معتصم” للدخول …
– تعالي يا إبني، إتفضل، إتفضل هو إنت غريب …
بإيمائة خفيفة قبل تلك الدعوة فعليه الوصول لخزانة ملابسه للبحث عن تلك (الفلاشة)، بشرح بسيط حاول “معتصم” أن يصل لغايته دون إثارة قلق لوالدته …
– كان فيه فلاشة “عمر” شايلها في الدولاب عنده، معلش يا طنط أصلها عليها شغل مهم أوي …
– عيني، أدور لك عليها …
أوقفها “معتصم” فعليه الوصول إليها بنفسه …
– “عمر” قالي هي فين، لو ممكن أدخل أوضته أجيبها عشان متعبش حضرتك …
– وماله يا إبني إتفضل …
بخطواته الواثقة لم يطيل البحث عنها فقد إستطاع إيجاد ذلك الدرج الخفي بالخزانة وبها (الفلاشة)، كان عليه التحرك مباشرة نحو الجهاز لمتابعة التحقيق مع “عائشة” وأيضًا حتى لا يثير الشكوك بوجوده ببيت “عمر” فعليه التحرك بهدوء وحذر تام حتى يتمكن من القبض على “أحمد علام” …
***
بمكتب يهيب بفخامة و رقي شديدين مؤثث بأثمن التجهيزات وأبهاها، جلس رجل بعقده الخامس ذو وجه مستدير ولحية منمقة سوداء اللون دارت حول وجنتيه الممتلئتان لتظهر مهابة وقوة لصاحبها …
رغم إنفعاله لخروج الأمور عن السيطرة إلا أنه كان يتحدث بقوة وعقلانية بذات الوقت، ذكي لحد بعيد حتى يصل لتلك المكانة والنفوذ الذي بحوزته…
رفع حاجبه الأسود بصرامة ناظرًا نحو مُحدثه …
– الوضع كدة ميطمنش يا “فكري”، الولاد إللي إتقبض عليهم دول مش لازم أبدًا يتكلموا، كمان الضابط ده أنا مش مرتاح له، ده غير كل إللي فاتوا، هو الوحيد إللي قدر يوصل لنا ويقبض على المجموعة بتاعتنا …
تقدم “فكري” موضحًا لرب عمله …
– ما هو لازم يا “أحمد” بيه نعمل خطوة نأمن بيها نفسنا ونبعد الضابط ده عن طريقنا …
أومأ “أحمد” بالإيجاب وهو يشير بسبابته لعدة مرات …
– ده كلام سليم، مش “أحمد علام” إللي يتهدد بالشكل ده، لازم يكون عندنا وسيلة ضغط على الضابط ده، مش لازم نسيب أي حاجة للصُدفة …
بإبتسامة ماكرة عقب “فكري” …
– أنا حاولت أعرف شوية عن الضابط ده، وهو تحت عنينا متقلقش، بس عرفت معلومة جايز تفيدنا …
– معلومة، معلومة إيه ؟؟؟
بحركة خفيفة من رأسه أجابه “فكري” بثقة …
– في حد بيدور ورا الضابط ده وحد نعرفه كويس أوي، ممكن عن طريقه نعرف إللي نلوي دراعه بيه …
إتسعت عينا “أحمد” بومضة ماكرة …
– مين ده ؟!!!
– “جابر السويسي” …
إقتضبت ملامح “أحمد علام” بإندهاش تام ليردف بتساؤل مستنكر …
– “جابر السويسي” !!!!!! طب إزاي، “جابر” في السجن !!!
أغمض “فكري” عيناه لوهلة بثقة مجيبًا بإطمئنان …
– أنا عارف، سيب الموضوع ده عليا أنا، وأنا حجيب لك قراره …
– لما نشوف ، مش عاوز تأخير ، خصوصًا إن “عمر” بدأ يفوق وده مش في مصلحتنا خالص …
– عُلم يا باشا …
***
بيت محفوظ الأسمر …
إنشغلت “وعد” بتبديل ملابس ولدها الصغير الذي يرهقها كالعادة بإستحمامه فهو محب للحركة رغم ما يظهره من هدوء …
وجدها “محب” فرصة جيدة ليخرج ورق التنازل من درج الكومود ليلقى عليه نظرة أخيرة قبل أن يخرج من الغرفة متجهًا نحو غرفة المعيشة …
دلف بوجه بارد لا يغلفه أي مشاعر إيجابية أو سلبية ليتقابل مع “عتاب” التي كانت تقلب بين شاشة هاتفها بتملل ، رفعت رأسها تناظره بإستفهام …
– خير يا عريس ؟!!!! إفتكرتنا خلاص !!!! بقالك ثلاث أيام واخد الدنيا أجازة جنب المحروسة، أنا مش فاهمة بصراحة !!!!!
زفر “محب” يتمالك غضبه الذي تستفزه أخته كلما تقابل معها …
– جرى إيه يا “عتاب”، مش حنخلص من الموال ده كل ما تشوفي وشي، وبعدين مش كان لازم أخليها تمضي من غير ما تشك في حاجة …
إعتدلت “عتاب” بإهتمام لتتغير ملامحها بشبح إبتسامة وبريق طغى بعينيها السوداوتين ….
– إيه ده، إنت مضيتها عليه ؟؟
زج “محب” بالأوراق أمام مرآها وهو يزم فمه بنفور …
– أهو، إتفضلي، لما نشوف آخرتها ….
لم تكن ضليعة بتلك البنود والحديث القانوني الذي لا تفهمه لكنها ترى توقيع أسفل الورق بإسم “وعد”، أمر جعلها تشرق بإبتسامة إنتصار وهي تقلب بين صفحات الورق …
– الله ينور ( ثم إنتبهت لترفع وجهها تسأله بفضول ) ، قلت لها إيه عشان توافق تمضي على الورق .؟؟
رفع عيناه للأعلى ثم أجابها بنبرة هادئة كما لو أنه لم يفعل شيء يذكر …
– قلت لها ده ورق تبع ميراث “عاطف” ولازم تمضيه، بس كدة …
ضحكت “عتاب” بصوت عال معقبة على دهاء أخيها …
– لأ، دماغك حلوة بصراحة …
أشار نحو الورق بتملل قبل أن يغادر الغرفة …
– الورق عندك أهو، أنا خلصت إللي عندي، سلام …
عادت لتطالع الورق وهي تردد بنفسها …
– (سلام يا أخويا، هو ده الكلام، أكلم أنا بقى “باسم” عشان أقوله إن الورق معايا ) …
وقت مناسب تمامًا لإتمام مكالمتها بعد إبتعاد “محب” عنها دالفًا لغرفة والدتهم، وإطمئنانها بأن “وعد” لن تستمع إليها، دقت برقمه ليسارع “باسم” بالرد بترحيب وسعادة …
– إيه ده معقول “توبه” بنفسها بترن عليا، صباح الشهد يا “عتاب” …
توردت وجنتيها بخجل لتجيبه بصوت جاهدت لترقيقه …
– صباح الخير، أنا لقيتك مبتسألش قلت أسأل أنا …
– وهو أنا أقدر، أنا بس كنت سايبك براحتك …
حاولت أن تظهر مبررها للإتصال حتى لا يظن أنها متلهفة لحديثها معه ويقلل ذلك من قدرها عنده …
– أنا بكلمك عشان الورق، خلاص “وعد” مضت أهي …
تصنع “باسم” الضيق والإستياء …
– يعني بتكلميني عشان الشغل وبس برضه، ماشي …
شعرت “عتاب” بأنها قد أخطأت وقد سببت له هذا الضيق، فربما يظن أنها ترفض تودده ووجوده لتسارع بتوضيح الأمر …
– لأ طبعًا، بس كنت بدور على حجة أكلمك بيها، مقصدش خالص …
ها هي قد وقعت بشباك العنكبوت التي حاكها حولها، شبكة ناعمة تبدو لطيفة تتصيد القريب منها، لا تحتاج سوى لمسة فقط وتعلن إصطيادها لفريستها التي لن تهرب منها، مال ثغره بإبتسامة ماكرة ثم أكمل حديثه معها …
– مصدقك يا قلبي، طيب مش حشوفك بقى عشان أقولك حنعمل إيه بعد كدة …
نظرت حولها للتيقن بأن “محب” لم يخرج بعد من غرفة والدتهم ثم أكملت …
– مفيش مشكلة، ساعة كدة ونتقابل زي كل مرة ونشوف حنعمل إيه الخطوة الجاية …
ليتها تستطيع رؤيته لكن لقدرها أنها لا تراه ولا تعرف نواياه لها ، أجابها بوله كاذب …
– يااه، لسه كمان ساعة، حتوحشيني أوي يا “توبه” …
– ده ساعة واحدة بس …
– كتير عليا بعيد عنك …
لم تنتهي لهذا الحد تلك المكالمة بل طالت وطالت لحديث بينهم تصنع به “باسم” المحبة وظهر بصورة العاشق الذي لا يتحمل الصبر على غياب حبيبته، بينما إنساقت “عتاب” بهذا الجرف لتزيد من تمكن شباكه حولها، فقط سقطت ولن تستطيع النجاة بعد الآن …
***
فيلا الأيوبي..
هذا ما قامت به “شجن”، أن تهرب من لقائها بساكني البيت إلا من “أيوب”، صدمتها لم تجعلها تتعامل بتلقائية كما كانت من قبل، فهي تخشى أن تمر بنفس التجربة مرة أخرى، فلا أبشع من الخيانة وقساوة القلوب …
فبعد مرور يومين كاملين منذ سماعها لخيانة من كان تظنه أهل الثقة، وتجنبها للقاء من بالبيت، خرجت “شجن” من غرفتها بالصباح لتمر بغرفة “أيوب” لتساعده بتناول دوائه والإطمئنان على حاله ومرضه ..
سروال فضفاض وكنزة مموجة بين الوردي والبرتقالي كانت ملابسها لهذا اليوم، دلفت لغرفة “أيوب” تعاتبه ببشاشة ….
– كل يوم تفطر وتسيبني كدة ؟؟؟
بإبتسامة منهكة أشار “أيوب” نحو الشرفة قائلًا بصوت مهتز ..
– ده أنا ماليش نفس خالص، المهم الزرع، بقالك يومين مسقيتهوش، محتاج مياه يا بنتي ….
سحبت الهاتف الخاص به من فوق الكومود ثم أجابته …
– حاضر، بس كدة، ناخد الدوا ونكلم الدكتور وأسقي الزرع على طول …
وضعت الهاتف بجيب كنزتها وهي تساعد “أيوب” لتناول العلاج …
– أيوه، تمام كدة أوي، حطلع أسقي الزرع في البلكونة وأنا بكلم الدكتور عشان أسأله على تغيير الجرعة بتاعة العلاج …
أومأ “أيوب” بإنصياع ليتابع “شجن” وهي تخرج للشرفة حتى غابت عن عينيه تمامًا، فتلك الستائر حجبت رؤيته لها تمامًا …
إصيص بعد الآخر وهي تدفع بقطرات المياه نحو تلك المزروعات لتنتعش بلقائها مع سبيل حياتها، مشهد بديع يهدئ من النفوس الطيبة، وضعت الهاتف فوق كتفها وهي تميل برأسها حتى تستمع إليه لكن كانت دقات بدون رد ….
كاد الهاتف أن يسقط من فوق كتفها أرضًا لتنحني لإلتقاطه على الفور لكن مشهد جذب إنتباهها حين وقعت عيناها على هؤلاء الزائرين القادمين بهذا الصباح الباكر …
همست تسأل نفسها بتوجس …
– مين دول ؟!! وجايين ليه كدة على الصبح ؟!!!
الغريب بالأمر أنهم ولجوا لداخل البيت مباشرة، لم يستوقفهم أحد، كما لو أن أحدهم سهل لهم الدخول، إتسعت عيناها بصدمة لتغطي فمها وهي تهمس بإدراك …
– دول شكلهم قرايب عم “أيوب” ….!!!!!!!
لم يطيل الوقت لتندهش فسرعان ما سمعت صوت باب الغرفة فُتح للتو، توارت “شجن” بجدار الشرفة حتى لا ينتبه لها أحدهم بينما أطرقت أذنيها لسماع حديثهم بإنصات تام …
رواية ظننتك قلبي الجزء الثاني الفصل السابع عشر 17 - بقلم قوت القلوب
لم يطيل الوقت لتندهش فسرعان ما سمعت صوت باب الغرفة فُتح للتو، توارت “شجن” بجدار الشرفة حتى لا ينتبه لها أحدهم بينما أطرقت أذنيها لسماع حديثهم بإنصات تام …
يتبع….