الحقيقة قد تؤلمنا لكن إدراكها لا يسمح لنا بالبقاء مغفلين طويلًا قائمة سوداء هي التي أحتل دومًا صدارتها فأنا محط كل الاتهامات والظنون أنا السيئة بكل الروايات لا يلتمس لي أحد الأعذار مهما حدث أنا التي لا يُقدر أسبابي فأنا دائمًا موضع الشك طالما تمنيت أن أكون بمقدمة قائمة أخرى أن أكون بصدارة الاهتمام وليس الاتهام لكنه القدر لا يسوق لي سوى أسوأ ما فيه هل سيحين اليوم الذي تتغير به أقداري وأحيا حياة سعيدة
سواد أعظم ومحاولة قتل وتحفز شرس هكذا كان "معتصم" يقف بمقدمة الكوخ يستمع لصرير شيء ما يلوح بالهواء من حوله ليتفادى الضربة الأولى التي جعلته متيقنًا أن هناك من يحاول قتله والترصد به التف بجسده بمرونة وقوة ليقف باستعداد للدفاع عن نفسه تجاه هذا المجهول لكن صوت الصرير الذي يلوح بالهواء جاء مسرعًا هذه المرة مستغلًا انعدام الرؤية ليهوي باتجاه رأس "معتصم" دون معرفة من أين يتلقى الضربة صوت لابد وأن يتبعه فقدان للإحساس
لكن ما حدث كان مغايرًا تمامًا فهو مازال يعي كل ما حوله بل إنه لا يشعر بالضربة أو بالألم لقد حال شيء آخر مجهول دون تلقي تلك الضربة المباغتة انعدم صوت الصرير وتعالى صوت اصطدام شيء صلب بالأرضية فيبدو أن أحدهم اعترض سلاح المترصد ليسقط من يده أرضًا هناك من ساعده وأنقذ حياته من هذا الغدر بقفزة رشيقة أسرع "معتصم" تجاه زر الإضاءة لينقشع السواد وتقطع أضواء المصابيح الظلام
لتتسع حدقتاه ذهولًا وهو يرى "كاتينا" تقف بمواجهة "عهد" تهتف بها بحدة وانفعال "ماذا تريدين منا؟ "يكفي إيذاء لنا" "إننا لم نفعل معك شيئًا" ضيق "معتصم" جبهته بقوة وهو يطالع بأعين ثاقبة انفعال "كاتينا" وحدتها مع "عهد" التي كانت تقف بثبات وشموخ دون أن يهتز لها شعرة وقع عيناه على سكين كبير ملقى أرضًا بينهما فبالتأكيد هذا السكين الذي كانت تحمله وحاولت به قتله
عيناه الصامتتان الثاقبتان كانتا تحملان الكثير من الحديث دون التفوه به برغم تلك النظرة الغامضة غير المفهومة التي تعتلي مقلتيه حين يخص "عهد" بها ترك الحديث لـ"كاتينا" التي انهارت قواها وعلى بكائها المرتجف بتخوف شديد مما حدث هوت بصورة مفاجئة بجسدها الضئيل فوق صدر "معتصم" المتيبس والذي علق عيناه بـ"عهد" فقط بنشيج مرتجف تحدثت "كاتينا" "تلك المتوحشة كادت أن تقتلك حبيبي" "لقد دفعتها بقوة لتبتعد عنك"
(رفعت وجهها تجاه "معتصم" المتيبس الذي لم يتخذ أي رد فعل تجاه كلاهما ثم استطردت) "أرجوك يا 'ماوصي' إجعلها تتركنا وترحل" ظل على وضعه مثبتًا عيناه الغامضتان تجاه تلك الشامخة بشكل لا يصدق قوية بشكل مخيف حاول أن يستشف هل حاولت حقًا قتله لكن تعبير وجهها المتحجر لم يظهر ذلك كما كانت بالأيام السابقة فبعد أن كان يستطيع النفاذ لداخلها وإدراك ما حقيقتها التي تخفيها أصبحت صعبة جدًا اليوم كما لو أنها تبدلت تمامًا
أخذت "كاتينا" تحثه على التصرف معها فهذا ليس وقت الصمت "'ماوصي' لقد فعلت ذلك بالتأكيد لأنك فضلتني عليها" "وأنك طلبت منها الرحيل" "إنها مريضة متوهمة بلا شك" "كيف تجرؤ على فعل ذلك؟ "كيف تحاول إيذائنا؟ هل ينطق الحجر؟ هكذا كانت "عهد" قوية بغرور لا متناهي لم تدافع عن نفسها ولم تقر به أيضًا بل تعاملت مع الأمر كأنه واضح ولن ترهق نفسها بعناء التوضيح حديث دفين داخل عيناها الناعستان لكنه حديث غامض غير مفهوم لـ"معتصم"
وبعض صمت طويل أجابت بكلمتين فقط "لا... لم يحدث" تفوهت بها لتزيد حيرة "معتصم" لتجول بعيناه نظرات شك لكن هذا لا ينفي أن أحدهم حاول قتله والترصد به في الظلام وقد كتب له عمر جديد انتفضت "كاتينا" تعتدل بوقفتها وهي تمسح عيناها الدامعتان وأنفها المتوهج لتواجه "عهد" بتعجب من إنكار "عهد" لما فعلته "هل أنتِ مجنونة؟ "كيف تنكرين ذلك أمام عيناي؟ "لا يوجد سوانا هنا" "كيف تكذبين؟ "إنكِ لست طبيعية بالمرة"
"كل الأدلة تشير لأمر واحد منطقي وحقيقي" "أنها حاولت قتله" ليخرج وقتها "معتصم" عن صمته بعد تفكر بالأمر "من الواضح إنكِ تنكرين الأمر لكن ليس هناك غيرنا لتكذبي عليه" "لابد أن عقلك مريض" "لقد حاولتِ قتلي" "لهذا أطلب منكِ رجاءً إرحلي من هنا" علت ضحكة تهكمية غريبة صدرت من "عهد" لتقلب شفتيها باستهزاء منهما قائلة بسخرية "أنا عقلي يوزن بلد" "ده إنتوا في الكنافة" "شوفوا نفسكوا الأول"
تطلع بخفة نحو "كاتينا" ليعيد بصره تجاه "عهد" محاولًا إظهار ضيقه وعدم تحمله لتصرفاتها أظهر "معتصم" امتعاضًا لرد "عهد" المتعجرف قائلًا "لا داعي لهذا الجنون" "وجودك أصبح غير مرغوب به" "رجاءً إرحلي" "والآن" أومأت "كاتينا" بحماس تشير نحو الخارج "نعم... غادري المكان" "اخرجي من حياتنا" تطلعت نحوهم "عهد" باستنكار شديد وعدم تقبل لطلبهما لتتراجع بخطوات واثقة نحو الأريكة ثم جلست بأريحية تثير حنق متابعيها بدون اكتراث لهم
لتضع ساقها الطويل فوق الآخر بغرور مردفة "أنا قاعدة هنا... ومش حروح في حتة" صدح صوت الرعد ينهي تلك الحالة الغريبة فرغمًا عنهم عليهم تقبل بقائها حتى انتهاء العاصفة ليهتف "معتصم" من بين أسنانه "معاكِ لحد الصبح وتكوني مشيتِ من هنا" "ساعتها الجو يكون اتحسن" "فهمتِ" تطلعت به "عهد" بنظرة تحدي بجولة جديدة ترى من سيكون بها فائز اضطرت "كاتينا" لتقبل وجود "عهد" على مضض حتى الصباح كما أخبرها "معتصم"
مازال المساء طويلًا ولم تنتهي الليلة بعد بوسط المدينة حيث تزدحم بسكانها وصل "رؤوف" للتو لإصطحاب "نيره" من أمام متجرها الخاص ببيع مستحضرات التجميل حيث انتظره ليهتف بحديثه المنمق "مساء الجمال على أحلى بنت في مصر" رفعت "نيره" حاجبيها باستياء وهي تشيح بوجهها الممتعض عن "رؤوف" قائلة "في مصر بس؟ دلاله لها هو غاية بحد ذاته بالنسبة لها
شعورها بأنها محط الاهتمام والدلال والإغداق بكل ما هو غالي ونفيس لأجل إرضائها شعور لذيذ تتوق دائمًا للإحساس به كلما قل اهتمام "رؤوف" بها بأي حال افتعلت "نيره" أمرًا ليعود ليسترضيها ويحاول تملقها وإكسابها شعورًا بالأهمية بحياته تصنعها الضيق من مجاملته لها جعلته على الفور يحاول كسب ودها ورسم السعادة على محياها ليهتف بنعومة أرادت بالفعل الوصول إليها "هو حبيبي زعلان ولا إيه؟ "ده أنا مع أجمل بنت في الكون كله"
"بس الكون بيضلم لما بيزعل" ابتسمت "نيره" بغرور بعد أن سعدت بتملقه لها ليعاود "رؤوف" قائلًا "أيوه كده خلى الدنيا تنور" "يلا بينا" حركت رأسها بخفة مجيبة إياه "يلا" "وخلي عربيتي هنا جنب الستور (المحل) ونرجع ناخدها لما نخلص لفتنا" "اللي يشوفه القمر" التف "رؤوف" تجاه مقعد السائق ليحرك السيارة بعدما اتخذت "نيره" المقعد المجاور له ليتجها نحو بعض معارض الأثاث لاختيار المناسب منها بيت محفوظ الأسمر "أنت كل أشيائي التي أحبها"
"وأنت أيضًا نقطة ضعفي وسبب انهزامي" هكذا نظرت "وعد" لطفلها "زين" وهو يشب بأطراف أصابع قدميه يحاول الوصول لقنينة العصير التي وضعت فوق طاولة المطبخ كم كان مزيجًا ساحرًا بين ملامحها اللطيفة وبين هيئة والده "عاطف" حتى أنه يحمل لون عيناه العسليتان حاول بكل جهده الوصول لمبتغاه لكنه فشل بالنهاية ليتحول ببصره نحو والدته لمساعدته بالحصول على بعض من العصير الذي يحبه "عاوز عصير من ده يا ماما"
طلب بمنتهى اللطافة والأدب جعلها تلتف نحو الخلف تناظر أولًا قنينة العصير الأحمر لتدنو ببسمة ضعيفة لتحملها بين يديها تضع بعضًا منها بالكوب البلاستيكي المغطى الخاص بـ "زين" تناول الكوب من بين يديها ليستمتع بارتشافه فهو يعشق عصير الفراولة بينما ظلت "وعد" تحدق بلون العصير الأحمر عصير الفراولة المحبب لنفسها ولابنها لتتذكر عصيرًا آخر مختلفًا تمامًا فلاش باك
﴿ كعائلة ثرية لا يهمها فيما تنفق أموالهم فقط يهتموا بأن ما يطلبونه يجدونه خاصة هذا الأناني الذي اعتاد على الحصول على مبتغاه بأي شكل وصورة لا يهمه كيف يحصل عليه بل كان من النرجسية ليطغى بغرور للحصول على ما يريد بأي وقت وبأي شكل كان نهارًا عاديًا للغاية حين استفاق "عاطف" من نومه بنعاس وتكاسل ليعبث بخصلات شعره الثائرة يشعر بالراحة والاستمتاع لاسترخائه لفترة من الزمن بعد نوم طويل مستغرق بالأحلام
راحة ونشوة لابد وأن يتبعها ما يكمل به تلك الحالة من السعادة الخيالية التي رسمها لنفسه طلب مناديًا "وعد" ليستكمل حالته النفسية المنعشة "'وعد'... يا 'وعد'" "هاتيلي عصير الكيوي بتاعي" تقدمت "وعد" تجاه باب الغرفة تناظر هذا المتكاسل وهو يتمطى بسعادة وقد علت بسمة بلهاء فوق ثغره حالة لم تمر أمامها من شهور عديدة فـ"عاطف" هادئ البال ومبتسم
أقبلت ببسمة منها لعلها تجد سبيلًا للتفاهم وكم تتمناه وتتوق لأن تعود حياتها للاستقرار والهناء "شكلك رايق النهارده" تلكأ "عاطف" وهو يتملل بفراشه لا يود النهوض من نومته ليجيبها من موضعه "الصراحة آه... وماليش مزاج أتعكنن" "أنا بقولك أهو" جلست إلى جواره تحدثه بنبرتها الهادئة الناعمة التي تميزها "أنا ولا أحب العكننة ولا عايزة أشوفها" "وإنت متأكد إني مش نكدية أبدًا"
رفع رأسه ناظرًا نحو وجهها المستدير بتتمعن كمن غاب عنها لزمن طويل فملامحها تغيرت قليلًا وأصبح وجهها أكثر استدارة زاده جمال وظهر لون عيناها الخضراوتان بسحر فاتن ليحدثها بمحبة اشتاقت لها منذ زمن بعيد "إنتِ إحلويني كده ليه؟ "فيكِ حاجة متغيرة" نظرت لنفسها بتعجب قبل أن تجيبه مستنكرة تلك الملاحظة الغريبة "متغيرة... متغيرة إزاي؟ "أنا زي ما أنا" ثم حاولت أن تبدأ بمعاتبته فكم حياة تبدأ بعتاب قلوب محبة
أمل جديد يشرق بحياتها الرمادية لا تصل للسواد أو للبياض فيها تلك المنطقة العالقة بالمنتصف تمامًا كاللون الرمادي "مش يمكن إنت اللي مش واخد بالك مني؟ "بقالنا فترة يا 'عاطف' بعيد عن بعض أوي" زم شفتيه العريضتين بحنق وهو يعتدل مردفًا باختناق "بدأنا النكد" "ما قلت لك بلاش نكد أنا مزاجي رايق النهارده وماليش نفس أتعكنن" بعيون محبة ونظرة عتاب دنت إلى جواره مستطردة بهدوء صوتها الحنون
"هو عشان بقولك إننا بقالنا فترة بعيد عن بعض يبقى بنكد عليك؟ "يا 'عاطف' أنا نفسي نرجع زي زمان" "فاكر؟ "فاكر كنت بتحبني إزاي؟ "ولا خلاص... دلوقتي الحب ده راح" رفع كفيه يدفع بهما خصلات شعره العشوائية بامتعاض من توالي عتاب "وعد" وإظهاره بأنه مقصر تجاهها ألا عليها أن ترضى بقبوله بها ذلك الإحساس بأنه أكثر مما تستحق "يووه... أيوه... راح" "معدش فيه حب ولا بطيخ" "احمدي ربنا إني اتجوزتك"
"وبقيتي حرم 'عاطف الأسمر' أغنى شاب في المنطقة كلها" "'عاطف' اللي أول ما يتسمع اسمه الحتة كلها تقف على رجل وبنات أحلى وأجمل منك بكتير يتمنوا لي الرضا أرضى" لو كان فقط احتواها بكلمة حنونة لكانت ألقت الدنيا تحت قدميه ولم تهتم لأي مشاكل سببها أهله لما شعرت بأنها كزهرة وسط الرمال الجافة ربما لو كان أقل أنانية مما هو فيه لكانت أحبته وفضلته حتى على نفسها غصة علقت بقلبها مرة أخرى من نرجسيته وتعاليه وحبه لذاته الذي لا ينتهي
ضمت شفتيها بحنق تبتلع بقية كلماتها المعاتبة فحتى العتاب هو لا أهل له طالعته بنظرة يملؤها اللوم والاتهام بالأنانية لكن ماذا تفعل التلميحات مع قلب ثقيل الفهم والإحساس صمتها المتألم كان راحة وصفاء له ليعود مستمتعًا بالصمت والهدوء لكن غلفه بطلباته المستفزة "هاتي لي عصير الكيوي بتاعي" "وإنزلي عند ماما هاتيلي الفطار بتاعي هنا" "ماليش مزاج أفطر معاهم تحت" "أنا مش رايح المعرض النهارده" شهقت "وعد" بتخوف قائلة
"فطار إيه اللي حنزل أجيبه؟ "مامتك مش حترضى تديني الأكل أبدًا" "دي حتفتكر إني حاكله أنا لوحدي هنا" "أو يمكن تفتكر إننا حنعزل عنهم" "لا يا 'عاطف'... بلاش" نهض بعصبية وهو يزيح الغطاء عن جسده متمتمًا بغيظ فقد حاولت حتى نجحت في إفساد لحظته السعيدة الهانئة بتذمرها وطريقتها التي تخرجه دومًا عن شعوره "ارتحتي يا 'وعد'؟ "أنا خلاص قمت أهو ومزاجي اتعكر" "يا رب تكوني مبسوطة" "دي العيشة معاكِ بقت تقصف العمر"
"أنا عارف إنك في يوم حتجيبي أجلي بهمومك اللي مبتخلصش دي" باندهاش لما قلبه من حقيقة للتو فبدلًا من أن يشعر بمدى الذل الذي تشعر به بأقل طلب لحق صغير من حقوقها وهو تناول الطعام برفقة زوجها بحرية أو حتى تناول الطعام بشقتها بوجه عام لتحكم والدته ووالده بأن كل شيء هم يسمحون به أو يرفضونه كل ما يخص حياتها لابد وأن يخضع لأهل زوجها وعليها السمع والطاعة فتلك الحياة ببيت العائلة
بلحظة أصبحت هي المخطئة والتي تثقله بهمومها وحزنها وطبعها النكد كما يرى كيف استطاع قلب الحقيقة بهذه الطريقة لم تجد سوى كلماتها الضعيفة تدفع به ظلمه لها قائلة "أنا يا 'عاطف'... أنا همومي مبتخلصش" دفعها من كتفها بقوة فلم يعد يود رؤيتها أمامه قائلًا بجفاء "غوري هاتي لي العصير" "وعلى الله تجيبي لي الفراولة دي" "مبحبهاش" "أقولك... أنا مش حجيبها تاني في البيت ومن هنا ورايح هو عصير الكيوي وبس" ضحكت بتهكم ثم أردفت بضيق
"حتى الحاجة الوحيدة اللي بيحبها 'زين' وبتجيبهاله مخصوص مش حتجيبها تاني؟ "اه... هو كده واللي عندك إعمليه" "مش عاجبه عصير الكيوي ميشربش خالص" أنهى عبارته ليصفق باب المرحاض من خلفه تاركًا إياها تتابعه بعينان متسعتان من الاندهاش من جموده الذي يزداد يومًا بعد يوم ليمُّر وقت طويل حينها فقط أتى الرد برأسها بعد انتهاء الأمر تمامًا فياليت الردود المتأخرة تدرك بأي وقت تتجلى فقد أهدرت حقوق لتأخرها
لم تجد سوى نفسها بعد وقت طويل لتردف "ابنك يا 'عاطف' مش شبهك" "ابنك عمره ما حب اللي إنت بتحبه" "ولا يمكن أجبره يكون نسخة منك" "'زين' لازم يكون حد تاني لكن مش 'عاطف'" ﴾ عادت لواقعها وهي تضع قنينة العصير بالبراد الذي امتلأ بعصير الفراولة فقط ولم يتواجد به زجاجة واحدة من هذا الكيوي بعد الآن يوم عمل طويل يكفي إرهاقه المتكرر يتوق المرء لنهاية دوامه ليتخذ طريق عودته حيث الراحة والاسترخاء
بعكس "رؤوف" الذي بدأ إرهاقًا من نوع آخر بعد مقابلته لـ"نيره" لبحثهما عن أثاث مناسب لشقتهم بنفس طيبة كان ليتحمل هذا الإرهاق لكن "نيره" كانت تتمتع بذوق مختلف صعبة الإرضاء فقد باءت جولتهم منذ ساعات بالفشل فلم يتحصلا على غرفة واحدة ترضي ذوق "نيره" الصعب بأعين زائغة مرهقة وقف "رؤوف" بأحد زوايا معرض الأثاث يدفع بعيناه الناعسة للبقاء متيقظًا فهو يبدأ يومه منذ الصباح الباكر ويغلبه النعاس مبكرًا أيضًا
استدارت نحوه "نيره" وهي تحدجه بنظرة حادة أثناء حديثها مع أحد الموظفين بهذا المعرض لتهتف به بإنفعال "إنت واقف هناك وسايبني أختار لوحدي" "أوووف" تحرك "رؤوف" يجر ساقيه المتعبتان ينقل بصره بين الموظف تارة وبين "نيره" المنفعلة تارة أخرى حاول رسم بسمة على شفتيه لكنها خرجت مرهقة متكلفة للغاية إحساس متعاظم بالتعب لم تقدره "نيره" بينما شعر به الموظف لما وجده من شخصية "نيره" المتطلبة فهي بالتأكيد شخصية مرهقة بالتعامل معها
حاول "رؤوف" السيطرة على انفعالها بحنانه المعتاد "يا روح قلبي أنا سايبك تختاري اللي تحبيه" "دي مملكتك إنتِ" "وإنتِ لازم تكوني مبسوطة وسعيدة فيها" عقدت ذراعيها أمام صدرها وهي تجيبه ببعض التحكم وفرض الرأي "ولو... لازم تكون معايا" "أنا مش حقعد فيها لوحدي" "أينعم أنا ذوقي حلو... بس لازم تكون معايا" حرك رأسه بخفة منصاعًا لها فهي معها بعض الحق بذلك لينصت لما سيعرضه عليهم الموظف حين استكمل موضحًا
"وعندنا كمان أوض النوم المودرن دي زي ما حضرتك شايفه كده" ألقت "نيره" نظرة سريعة بنوع من التقزز نحو الجانب الذي أشار إليه لترفع كتفها وتهدله بعدم تقبل وقد امتعض وجهها بنفور قائلة "لأ... مش قد كده" "شوف... أنا عايزة شكل معين" "حاجة كده واو... مش أي حاجة والسلام" "لو عندكم كتالوجات أحب أشوفها وممكن أقولكم على تصميم معين تصمموهولي وبالألوان اللي أطلبها" "تحت أمرك يا فندم" "أجيب لحضرتك كتالوجات بالتصميمات المتاحة"
تركهم الموظف ليعود بعد قليل حاملًا بعض الكتيبات التي تحمل تصميمات لغرف عديدة أخذت "نيره" تقلب بين صفحاتهم بتملل وهي تطالع الصور لتلك التصميمات لتمتعض برفض لما تراه قائلة "لأ لأ... مفيش فيهم حاجة عجباني" "كلهم ذوقهم وحش أوي" (ثم التفتت نحو "رؤوف" الذي أصابه الملل والإرهاق يحلم باللحظة التي يعود بها لفراشه ليغط بنوم يتوق إليه بالفعل حين وجهت له "نيره" حديثها) "يلا يا 'رؤوف' نشوف مكان تاني" "مش عاجبني حاجة هنا"
حلقت مقلتيه بتشتت وهو يردف بهمس منهك القوى "مش قادر يا 'نيرو'... كفاية كده النهارده" "إحنا لسه حنروح مكان تاني؟ نفخت "نيره" بضجر من تصرفات "رؤوف" التي تسبب لها الضيق لتهتف به بإنفعال دون اكتراث لوجود الموظفين من حولهم "مش معقول كده... "كل يوم تأجيل تأجيل" "هو إنت مينفعش تكمل حاجة كويس لحد الآخر؟ "كل حاجة لازم تبوظها وتخليها دمها تقيل؟ وضعه كفه بدهشة فوق صدره متسائلًا بتعجب وانزعاج "أنا يا 'نيرو'... أنا؟
حملقت بقوة تجاهه وهي تستكمل بذات الحدة كما لو تعنف طفلها الصغير "أيوه إنت... إنت كده على طول... مفيش وقت إلا ولازم تزعلني فيه" سحب "رؤوف" نفسًا عميقًا مطولًا قبل أن يزفره دفعة واحدة محاولًا التروي قبل أن يجيبها ليتغاضى عن حدتها ويحاول إرضائها حتى إن كان ذلك على حساب راحته وإرهاقه الذي تمكن منه "خلاص حبيبي... زي ما تحبي... يلا نكمل... ولا تزعلي"
هو ليس عديم الشخصية بل هو يؤثر ألا يسبب لها الضيق بمواقف يمكنه أن يتغاضى عنها أو يتحمل لأجلها ولأجل إسعادها فهي عروس ومن حقها بعض الدلال باختيار ما تحب حتى لو على حساب نفسه ليتخذا طريقهما مستكملان مرورهم بالمعارض بحثًا عما تحبه "نيره" ويرضيها مكتب عيسى للمحاماة تفاجأ "عيسى" بحضور والده لمكتبه ليرحب به بحفاوة شديدة وقد اتسعت بسمته حين نهض من مقعده لتحيته
رسخ "خالد" بأبنائه جميعًا أخلاقًا عالية ومحبة برغم شخصيتهم القوية كنز تأصل بنفوسهم هو محصلة عمر طويل من العمل والأخلاق والالتزام ربما لم يورثهم المال لكنه على الأقل يشعر بالرضا لما بثه بنفوسهم من تربية صالحة وأخلاق عالية رغم تبدل خصلات شعر "خالد" للونها الأبيض المخلوط ببعض الشعيرات السمراء التي مازالت تحتفظ برونقها بعد إلا أن له مهابة مرجفة خاصة بنفوس أبنائه لم يكنون له احترامًا وهيبة وقوة
تلك الرجفة التي أصابت "عيسى" بحضور والده ليهتف "بابا... أهلًا يا بابا... اتفضل" دلف "خالد" بخطواته الرزينة لداخل المكتب قائلًا "أنا قلت أعدي عليك نروّح سوا... مش خلصت شغلك ولا لسه؟ أشار "عيسى" نحو أحد المقاعد الجلدية بتأدب وتوقير لوالده أولًا "اتفضل أقعد الأول... أنا باقي لي حاجة بسيطة أوي ونروح على طول" أومأ "خالد" بتفهم ليجلس متفحصًا أرجاء المكتب بعيناه المتجولتان
متطلعًا نحو المكتب وترتيبه المنظم للغاية يشبه "عيسى" تمامًا "حلو ترتيبك الجديد للمكتب" إثناء والده عليه لهو بمثابة شهادة تقدير ذات قيمة عالية ليسعد "عيسى" بذلك مردفًا "حسيت إن كده أفضل والملفات أوضح بالنسبة لي" ثم تطرق لسؤاله عمن تشغل قلبه وعقله ينبوع حياته "'غدير' نزلت لكم يا بابا... أحسن أنا قلقان عليها أوي؟ "لأ متقلقش... والدتك طلعت لها قبل ما أنزل... وكمان عملت لها الحجازية اللي بتحبها"
اطمئن بالًا ليهتف بنوع من المزاح "طالما فيها حجازية يبقى كده 'غدير' حتبقى تمام التمام" دلت "سندس" تقطع حديثهم بابتسامة أظهرت شفتيها العريضتان متحدثة بنبرة ودودة للغاية وهي تميل بصينية وقد وضع عليها فنجانين من القهوة "اتفضل قهوتك يا سيادة المستشار" لم تلق "سندس" الترحيب المرجو من طريقتها الودودة وتقديمها للقهوة بنفسها بل لاقت ضيق واقتضاب بوجه هذا المسبب للاضطراب بنفسها "قهوة؟! "أنا مطلبتش قهوة يا... أستاذتنا"
رمقها "عيسى" بضيق ثم سألها بنبرة حادة "إنتِ جايبه القهوة بنفسك يا أستاذة؟ وأصر "عيسى" على نطق كلمة (أستاذة) بتلك الحدة للالتزام بحدود عملها بالمكتب ثم استكمل متسائلًا "لو كنا عاوزين قهوة كنا طلبناها من عم 'شاكر'" ابتلعت ريقها باضطراب وهي تملس على شفتيها الجافتين بطرف لسانها ترطبه قليلًا قبل أن تردف بتوتر "وهو يعني سيادة المستشار أي حد؟ أمسك "خالد" بالفنجان الذي تقدمه نحوه لينهي هذا الوضع غير المستساغ بالنسبة إليه
فيما تقدمت بخطوات قليلة لتناول "عيسى" فنجانه حين استمر بالتطلع نحوها بذات النظرة الغاضبة ثم هتف بحدة "شكرًا... مش عاوز" استقامت "سندس" وهي تلملم نفسها المهتزة بفعل كلاهما والذي كادت أن تظهر تملقها الزائد لوالد "عيسى" لتتراجع نحو مكتبها بالخارج بنفس مضطربة كمن يحاول سرقة ما ليس له وأمسك بالجرم المشهود وضع "خالد" فنجانه جانبيًا محدثًا "عيسى" بذات الغموض "شاطرة أستاذة 'سندس'... مش كده؟
تساؤل يحمل عدة معانٍ أراد بها "خالد" معرفة سبب عملها بمكتب "عيسى" منذ فترة طويلة ولم هي بالخصوص وليس غيرها خشية أن يكون الأمر يتعدى مساعدة له بالمكتب ويكون هناك علاقة لا يعلمها بين كلاهما رفع "عيسى" رأسه تجاه والده ليجيبه بنفس الذكاء الذي ورثه منه بصورة تلقائية ألقت الاطمئنان بقلب "خالد" حين أجابه بهدوء وحزم "'سندس' محامية شاطرة... وذكية جدًا... وده رغم عيوبها... إلا إن ده اللي مخليها مستمرة معايا"
لم يكتف بذلك السبب للإيضاح فطبيعته المتسائلة كقاضي جعلته يبحث دومًا عن اليقين كما أن اعتبارهما "غدير" ابنة لهم جعله يتحرى الأمر كما لو كان بهذه اللحظة والدها هي وليس "عيسى" "يعني شغلها ده مفيش غيرها يقدر يعمله؟ (ثم استكمل بذكاء) "أصل إنت عارف البنات مش لازم تتأخر بالليل كده!! تلقائية "عيسى" وثبات نبرته بالإجابة كانت بمثابة دليل على صدقه كما يرى والده "هي مشتكتش قبل كده"
"ويمكن يكون طبعًا حد شاطر زيها لكن للأسف أنا لحد دلوقتي مقابلهوش عشان يساعدني هنا في المكتب" لثقته بوضوح واستقامة ولده بدل "خالد" سياق الحديث لآخر فيكفي أسئلة بهذا الأمر حتى لا يأخذ أكثر من حده "أنا لسه جاي من شركة عسرانكو للاستيراد والتصدير" "عرضوا عليا شغل معاهم كمستشار قانوني" "والصراحة لقيتهم شركة كويسة والفرصة مناسبة جدًا ليا" بإنبهار متفاجئ بما يخبره به والده استطرد "عيسى" "بجد... دي فرصة كويسة جدا يا بابا...
مبروك" بإيماءة خفيفة استقبل "خالد" تهنئة "عيسى" له ليردف بنبرة حازمة "طب مش يلا بينا ولا إيه؟ "كده الوقت اتأخر" "أكيد... أنا خلاص كفاية كده النهارده" أغلق "عيسى" الملفات ليضعها بدرج مكتبه أولًا قبل أن ينهض مغادرًا برفقة والده ليعودا إلى البيت لتناول وجبة عشاء لطيفة برفقة "منار" و"غدير" التي شعرت بالامتنان لوجودهم حولها وتعويض ما فقدته من دفء أسري فكم هي محظوظة إلى جوارهم الكوخ
بين أمواج من الأفكار وصمت لاح في الأفق تشتت دون يقين هل ما أحسست به هو شعور بالسعادة أم هروب من عقلي لتجنب الوحدة والحزن تنهدت "عهد" وهي ترى ما آلت إليه الأمور وبقيت جالسة بالبهو وحيدة فوق تلك الأريكة التي تتوسط الأرجاء جلست محاولة البقاء واعية فلن تترك نفسها تسقط في راحة النوم عليها أن تبقى سواء مخيرة أم مسيرة عبثت بهاتفها لبعض الوقت وهي تسترق النظر بين الحين والآخر تجاه غرفة المكتب الخاصة بـ"معتصم"
حيث جلس هو و "كاتينا" يتجنبونها حتى يحل الصباح كانت أشبه بالرقيب عليهما وجودها خارج غرفة المكتب جعلهما حبيسين الداخل حتى الحديث قد قطع تمامًا فهي لم تسمع أصواتهم منذ مشادتهم وطلب "معتصم" منها الرحيل وجلوسها بعناد ترفض ذلك وجبة عشاء أخرى منهكة القوى قام بها "رؤوف" برفقة "نيره" بعد تجول دام لساعات للبحث عن واقع ملائم لخيال "نيره" بأثاث بيتهم الجديد انتهى بهم المطاف بأحد المطاعم لتناول الطعام كما أصرت "نيره"
فـ"رؤوف" من النوع المتخوف من تناول أي طعام خارج البيت لشعوره بعدم نظافته وأنه لابد أن يكون ملوث وسوسة تشعره بعدم الارتياح لكنه مجبر الآن حتى لا تظن "نيره" أنه بخيل كما تنعته دائمًا فهو موضع خلاف آخر بينهما قلبت "نيره" نظرها بإنزعاج من تأفف "رؤوف" من طعامه لتنهره بحدة "ما تاكل كويس يا 'رؤوف'... ولا الأكل مش عاجبك برضه؟ "هاه... لآ أبدًا باكل أهو يا 'نيرو'... إنتِ عارفه مش بحب الأكل بره البيت أوي"
تذكرت "نيره" عزيمة والديه لتكز بأسنانها بغيظ مردفة بسخط "آآآه... قول كده بقى... بتحب أكل البيت... ومياصة الناس اللي في البيت؟! هز رأسه بدون فهم لمقصدها مردفًا بتساؤل " قصدك إيه؟ رفعت حاجبيها وهي توضح باستياء "قصدي الست 'غدير' وأختها دي اللي اسمها 'مودة'" لم يدرك ما الرابط بين تناولهم العشاء وبين زوجة أخيه وأختها لتسائل بعدم فهم "مالهم بس... دخلتيهم في العشا ويومنا ليه؟
هتفت وهى تدنو برقبتها للأمام وقد ظهرت أسنانها بإنفعال من بين شفتيها لتخرج كلماتها نبرة غاضبة مشحونة النفس بغيظ شديد منه ومنهن "ليه؟ ... أقولك ليه... لأنك واحد عينك زايغة... وهم كمان... بيحشروا نفسهم كأنهم بيفهموا اللي محدش بيفهمه" تذكر هجوم "نيره" على "غدير" ومن قبلها "مودة" بالأمس ليضطر بإسلوبه اللطيف امتصاص غضب "نيره" وغرورها لشعورها بأنها لابد وأن تكون الأفضل فهو لن يتحمل مشكلة جديدة منها ليردف بلطافة
"سيبك منهم يا قلبي... هو فيه زيك إنتِ ما شاء الله عليكِ... عبقرية" "عارفه كل حاجة... مش شايفه ذوقك في العفش عامل إزاي؟ (ثم أكمل مغيرًا مجرى الحديث بذكاء) "دي الشقة حتبقى تحفة فنية... حاجة كده مجاش ولا قبلها ولا بعدها" تملق ذوقها الراقي جعلها تتراجع عن حدتها لتشعر بالزهو من نفسها وذوقها مردفة بغباء حيث انساق خلف ما أرادها التوجه إليه "بجد عجبك ذوقي؟ "تحفة"
قالها وهو يعيد جذعه للخلف فقد وصل لما يوده وانتهت مشكلة كانت على وشك البدء أردفت "نيره" بغرور وتباهي "عشان تعرف إن 'نيرو' مش أي حد ولسه لما تشوف الفرش كمان حتبقى الشقة واو" "مش زي شقة أخوك 'عيسى'" بهت من انتباهه بأنه مازال أمامه شوط طويل للغاية باختيار ما تتحدث عنه لتأثيث الشقة ليكتفي بإيماءة مشتتة وبسمة مصطنعة تخفي هذا العناء الذي ينتظره مع "نيره" صعبة المراس ليل طويل يسير بطريقه ليتبعه بداية يوم جديد
يوم روتيني على البعض يترقبه آخر كمن ينتظر حلول الصباح بنفس متشوقة مكتب طه قدرى بوجه قلق وملامح مكفهرة أخذ "طه" يتحرك بعشوائية وهو يستدير بجسده النحيل نحو أحدهم يخرج ما به من ضيق بوجهه دفعة واحدة "يعني إيه يا 'سامح'... يعني إيه مش عارف" "أنا لازم أعرف كل التفاصيل" أجابه رفيقه بتملل من تكرار طلبه الصعب للغاية "آخر المعلومات اللي عرفتها إنها وقت العاصفة انفصلت عن المجموعة والإتصالات صعبة من وقتها"
"ومش عارف حاجة غير كده" مال "طه" قليلًا وهو يشير بذراعه كاملًا باتجاه الباب قبل أن يكز بأسنانه بحنق "ما هو اللي أصر إنها تطلع... شغلانة زي دي أنا قلت إنها متنفعهاش" "أعمل إيه دلوقتي؟ مسح وجهه المنفعل محاولًا التحلي ببعض الهدوء والروية بالتفكير ليستطرد بعد أن زفر بعض الهواء الذي أثقل رئتيه "تقب وتغطس تجيب لي كل التفاصيل عنها" "أنا مش حفضل قاعد هنا ومش عارف حاجة" "فاهم؟ "كل حاجة لازم أعرفها"
أومأ "سامح" بتفهم ليجيبه بعملية "أنا حعمل اللي أقدر عليه... بس أنا رأيي تريح نفسك في الحكاية دي" برفض قاطع أجابه "طه" "لأ... لا يمكن أبدًا... مش هو اختارها تسافر... ومسمعش كلام حد فينا" "يبقى لازم أكون عارف باللي بيحصل خطوة بخطوة" زم "سامح" شفتيه بامتعاض من إصرار "طه" على تعقب "عهد" بتلك الصورة دون علم رئيسهم "نظمي" ليردف بتملل "ماشي... حاضر" الكوخ نعاس يغلب عيناه القاتمتين دون السماح له بالتملك منه
هكذا قضى "معتصم" ليلة طويلة للغاية بغرفة مكتبه خاصة وقد شاركته بها "كاتينا" لمَ أظهرته من تخوف من "عهد" لتبقى نائمة فوق أحد المقاعد بينما بقى هو ساهرًا متعبًا لم يغمض له جفن بأعين مرهقة انتظر استيقاظ "كاتينا" لتحضر له بعضًا من مشروب القهوة لتساعده على البقاء صحوًا وتزيل من بعض ألم رأسه الذي حل به فتحت "كاتينا" عيناها الناعستان لتقع زرقاوتيها على "معتصم" الذي مازال يعبث بحاسوبه
تمللت بنومتها لتستند محاولة الاعتدال من تلك النومة السيئة فوق المقعد لتردف بنبرة ناعسة ناعمة للغاية لولا قدرته على التحكم بنفسه القوية وأخلاقه التي لا تسمح له بالانحراف أو التدني عن طريق الاستقامة لكان فاه بنعومتها التي لا تقاوم "صباح الخير 'ماوصي'... هل مازالت متيقظًا منذ الأمس؟ أجفل جفناه لوهلة بإرهاق وهو يجيبها بإيماءة خفيفة من رأسه "نعم... هل يمكنك صنع لي بعضًا من القهوة فرأسي يؤلمني للغاية"
وقفت ببطء وهي تمطئ جسدها النحيل قائلة "بالطبع 'ماوصي'... لا عليك إنه أمر بسيط للغاية" أوقفها "معتصم" بسؤال قلق "'كاتي'... هل تظنين أن بقاءنا هنا مع 'عهد' أصبح آمن؟ التفتت إليه "كاتينا" بوجه قلق لتتفكر قليلًا قبل أن تجيبه وهي تقلب شفتيها بعدم إدراك "لا أدري... لكنها ليست إنسانة متزنة بالتأكيد وعلينا الحرص منها قدر الإمكان" "لقد كادت تقتلك بالأمس" زم "معتصم" شفاهه بخفة وهو يوضح لها المأزق الذي يحيط بهما "أعلم ذلك...
لكن إلى أين يمكننا الذهاب؟ "إن الطرق مقطوعة والجبال تحيط بنا من كل الاتجاهات" "إن الأمر متأزم للغاية... حتى أنني لا أجد حلًا للأمر" تنهدت "كاتينا" بتشتت ولاذت بالصمت لبرهة قبل أن تجيب حيرته "حقيقة لا أعلم... لكن بالتأكيد سنجد مخرجًا" "سأصنع القهوة أولًا ثم أعود إليك" خرجت "كاتينا" من غرفة المكتب متجهة نحو ركن المطبخ لتحضير القهوة لكنها مرت أولًا من أمام "عهد" التي مازالت مستيقظة هي أيضًا منذ الأمس
فيبدو أن النوم زائر بعيد لم يصاحبهم بالأمس نظرات نارية حاقدة بين كلتاهما لترمق "كاتينا" بحدة تخص "عهد" بنظراتها المتقززة بينما أعلت "عهد" من هامتها تنظر باحتقار لتلك الضئيلة قطة شرسة تماسكت رغمًا عنها عن الانفلات والانقضاض على تلك الشقراء لكنها لن تكون بهذا الضعف ويجب عليها التحلي بالحكمة والتصرف بعقلانية حتى لا تفسد الأمر كافة لكن الأمر لم يخلو من تلك النظرات التهديدية من عيناها القويتين
مع حركة "كاتينا" لإعداد القهوة شعرت "عهد" بثقل يجذب جفناها بقوة لتغمض عيناها بدون إرادتها بين غفوة واستيقاظ نوم متقطع وأعين زائغة ذلك ما حصلت عليه ببقائها هنا بالبهو أفاقت "عهد" بعد مرور بعض الوقت لتشعر بألم قوي يجتاح رأسها إثر غفوتها الغير مريحة ضغطت جفناها بقوة تجبرهما على الاتساع ومحاولة التركيز لكنها كانت مرهقة مشتتة للغاية
نهضت متجهة نحو ركن المطبخ لتتخطى تلك الحالة باحتسائها لفنجان من القهوة التي حضرتها "كاتينا" منذ قليل فيبدو أنها غفت حين أنهت تحضيرها وقفت بذهن مضطرب وبدون تركيز تتجول بعيناها الزائغتان بتشتت ثم اتجهت نحو أحد الأركان تناظر أحد الأرفف والذي وضعت عليه قارورات الأدوية وبعض العلب المختلفة لتحاول التقليب بينهم لاختيار أحدهم فلابد أن بهم علاج لهذا الصداع سحبت قارورة صغيرة وقد دون عليها (منوم قوي للغاية)
(قرص واحد منه كفيل للتسبب بالنوم العميق لكن إن زادت الجرعة فهو مميت بالتأكيد) أخرجت محتوى العلبة وهي تناظر ما براحتها من أقراص بأعين متسعة وبريق مندهش فقد أدركت للتو ما عليها فعله ويبقى للأحداث بقية
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!