في بعض الروايات ودون علم منك تصبح أنت بطلها الشرير، لكنني اليوم أعلم أنني هذا البطل بل أتقن هذا الدور ببراعة أيضًا، فدور المحب لم يعد يليق بي. على الانعطاف بهذا الطريق وإن كان قاسيًا، فبعض المنعطفات حتمية لمواصلة الطريق، وإن لم أستطع التجاوز فيجب علي أن أفسد الأمر برمته. الكوخ...
من طبعه الغموض، فهذه سمة مميزة لشخصيته وتعبيراته التي تظهر جليًا على ملامحه، لا أحد يستطيع التنبؤ بما يفكر به ويحدد انطباعه عن الأمر، هكذا هو "معتصم". لكنه على خلاف ذلك أظهر بوضوح اندهاشه وهو ينظر تجاه شاشة حاسوبه حين وردته إحدى الرسائل الإلكترونية للتو، فور أن دلفت "كاتينا" تحمل أكواب القهوة. -غريبة... انتبهت له "كاتينا" متسائلة: -هل قلت شيئًا "ماوصي"...
رفع رأسه تجاهها وما زالت تلك النظرة المندهشة تعلو عيناه القاتمتان قائلًا: -لقد وصلت لي رسالة غريبة الآن... لقد عرض علي أحدهم عرضًا سخيًا للغاية لشراء برنامجي... إنه عرض لم أحلم به حتى. باهتمام بالغ وفضول اعتري ملامحها الباهتة، تساءلت: -وماذا عرض عليك... تقوست شفته السفلى قليلًا ببعض التعجب وهو يجيب "كاتينا": -إنهم يودون شراء برنامجي الذي قد أخبرتك عنه بمقابل خيالي. تهللت "كاتينا" بحماس وهي تهتف بسعادة بالغة:
-رائع يا "ماوصي"! إنها فرصة رائعة لا يمكنك رفضها. مال برأسه للجانب قليلًا وهو يمط شفته الممتلئة بتفكر وتردد: -أظنين ذلك... أخشى أن أخسر شيئًا لا أفهمه بعد، فعرضهم مثير للريبة بشكل غريب. حملت كوبًا من القهوة لتقدمه له وهي تحثه على قبول العرض الذي لا يرفض مطلقًا: -ولم لا... إنها فرصة لا تعوض للثراء! لقد صممته من قبل لبيعه، فلم الرفض الآن!!!
حمل "معتصم" الكوب بيده اليمنى ليدق فوق لوحة المفاتيح الخاصة بحاسوبه بكفه الأيسر ببراعة ليشير إليها تجاه شاشته: -انظري... كم هو رائع وجاهز للعمل... لم يتبق سوى خطوة واحدة للانتهاء منه. لمعت عينا "كاتينا" ببريق انبهار لمهارة "معتصم" التي لا مثيل لها: -إنك ماهر للغاية يا "ماوصي"... هيا.. اقبل هذا العرض، إنها فرصة رائعة لا يمكنك هدرها.
نظرة مطولة دون إجابة محددة، فقد عاد لغموضه مرة أخرى، ولم تستطع أن تستشف إن كان وافق على البيع أم لا. رفع كوب القهوة ببطء تجاه شفتيه، وقد لامسهما بالفعل، لكن قبل أن يرتشف رشفة منه، تفاجأ بهجوم "عهد" عليه لتضرب الكوب بكفها، ليسقط أرضًا محدثًا صوت تهشم قوي، تبعه لون القهوة المنسكب ببقعة كبيرة تزيد في الاتساع. تحفز "معتصم" بغضب وقد قضب حاجبيه بقوة، يرمق "عهد" بنظراته الجارحة القوية ليهتف بها بحدة
وانزعاج من تصرفها الأهوج: -إيه ده... إنتِ اتجننتِ... ؟!! اتسعت مقلتاها العسليتان بتلك الصورة، وقد علاهما نظرة ثابتة جافة للغاية، لكن بها قوة وحدة غريبة الشكل، هيئتها تجعلك للوهلة الأولى تتيقن بأنها ليست طبيعية وأنها بالتأكيد مريضة نفسية سوف تنقض عليهم وتفتك بهم. شراسة مخيفة ظهرت بملامحها الناعمة بتضاد مقلق، خاصة لـ"كاتينا" التي تراجعت بضع خطوات للخلف وهي تطالع "عهد" بأعين مذعورة.
مدت "عهد" يدها بكوب آخر من القهوة مردفة بنبرة غريبة لم يتيقن من مقصدها، فعل هي تلقائية بسيطة أم أنها نوع من التهديد؟ فقد عادت "عهد" لتلك الشخصية المحيرة التي أربكت عقله بالبداية، مسببة له حيرة غير منطقية للتضاد الكبير مما تظهره الآن عما كانت بالأيام السابقة.
فبعد أن كانت مشاكسة تقابل مناوشة بقلب متقبل سعيد، وربما يرى ميلها وانجذابها نحوه كما قالت من قبل، أصبحت الآن قاتمة، مخيفة، قوية إلى حد بعيد، ترفض تمامًا أن تكون تلك الشخصية الضعيفة المحبة التي تنساق خلف قلبها. فلم تبدلت؟ أم أنها هكذا من البداية وهو لم يدرك ذلك إلا الآن... أسرعت "كاتينا" إلى جوار "معتصم" وهي تنهر "عهد" بقوة: -إنكِ جننتِ على الأخير... أكُل هذا لأنني أنا من صنعت القهوة لـ"معتصم"... ؟!!!
يا لكِ من غريبة الأطوار!!! كالعادة كان رد فعل "معتصم" ثابتًا، صامتًا تمامًا كمن ينتظر من "كاتينا" المواجهة للدفاع عنه. تابع بهدوء وتحفز بذات الوقت جدال "كاتينا" مع "عهد" التي رفعت شفتها بتهكم قائلة بالعربية التي لا تفهمها "كاتينا": -مالكيش فيه يا سكر. طأطأ "معتصم" رأسه قليلًا يحدق بتلك المتطاولة التي عادت لسانها السليط مرة أخرى، ثم أردف بحدة: -أظن أن الأمر زاد عن حده... لن ننتظر تحسن الطقس أو غيره...
اخرجي حالًا من هنا... اذهبي إلى شخص آخر يتحمل جنانك هذا. أغمضت عيناها لوهلة تسحب بها نفسًا طويلًا لتبقى على ثباتها النفسي قبل أن تردف ببسمة ساخرة فوق ثغرها المنمق تجيبه بإصرار: -ده بُعدَك. (ثم أردفت بالإنجليزية لتفهمها "كاتينا") لن أُبرِح مكاني هنا مطلقًا... فلترتاحا... إن هنا مكاني ويناسبني للغاية.
ضرب "معتصم" كفيه بعضهما ببعض يناظر "كاتينا" التي لملمت شفتيها الباهتتان بغيظ واشتعل وجهها الأبيض بحمرة انفعال، بينما كانت "عهد" باردة الأعصاب تمامًا مستكملة بإصرار على بقائها معهم بطريقتها المريبة المثيرة للقلق. أطلقت "كاتينا" غضبها بوجه "عهد" متحدثة بهياج شديد: -اخرجي من هنا.... ما هذه المصيبة... ؟؟! ببرود تام كان لقاء تلك الكتلة من الجليد بنيران انفعال "كاتينا" المتوهج: -أنتِ المصيبة.
توهجت عينا "عهد" ببريق وهي تدفع بكوب القهوة التي أحضرته تجاه "معتصم" بنبرة قوية: -إشرب. دفع "معتصم" بالكوب بعيدًا عنه ثم أردف بقوة تماثلها: -لأ. زمجرت بقوة تظهر شراستها، فها هي تعود لـ"عهد" التي اشتاقت إليها، تتحداه بنظراتها القوية والتي لاقت ذات الحدة والقوة وهو يدني وجهه قبالها ليظن البعض أن لقائهما سيشعل وهجًا قويًا بتنافرهما كقضبي المغناطيس.
انتهى هذا اللقاء بجلوس "عهد" على أحد المقاعد متشدقة بعنقها للأعلى تناظرهما بنظرة انتصار، فلم يُخلَق بعد من يجبرها على القيام بأمر ترفضه. مال "معتصم" بأذن "كاتينا" قائلًا بهمس خفيض للغاية: -إنني لن أتحمل تلك الفتاة لأكثر من ذلك... إنها مخيفة للغاية ولن تتركنا بهذه السهولة... أخشى أن تقتلنا حقًا... إن علينا الرحيل بالفعل... إن حياتنا هنا بخطر. تفكرت "كاتينا" قليلًا قبل أن تجيبه بذات النبرة الهامسة:
-أعرف مكانًا جيدًا... قريبًا من هنا أيضًا.... مكان لن تستطيع هي الوصول إليه. -إذن علينا خداعها حتى لا تكتشف الأمر وتتبعنا. رفع "معتصم" رأسه بزهو للأعلى ليوجه حديثه بنبرته الشجية المميزة تجاه "عهد" والتي كانت تراقب حديثهم وهمهمتهم غير المسموعة: -حسنًا يا "عهد"... لقد اتفقت مع "كاتينا" أن نعطيكِ فرصة أخيرة... أليس كذلك يا "كاتي"... أومأت "كاتينا" رأسها عدة مرات ثم رسمت ابتسامة عريضة على وجهها الضئيل مؤكدة حديث "معتصم":
-بالطبع... لقد اتفقنا ليبقى ثلاثتنا هنا. استطرد "معتصم" بالعربية: -مبسوطة؟ بحركة فكها المنتصرة هزت "عهد" رأسها بخفة ثم أردفت بإعجاب: -تعجبني سيطرتك. وقفت بخفة لتدنو نحو الصينية الموضوعة فوق المنضدة والتي قد أحضرتها "كاتينا" منذ قليل لتحملها بين يديها: -دي بقى ملهاش لازمة عشان ننام بدري.
خرجت من غرفة المكتب نحو المغسلة لتسكب القهوة كلها، ثم اتجهت بنفس هادئة نحو غرفتها لتغفو قليلًا، فلم تعد تتحمل البقاء كل هذا الوقت مستيقظة. انتهز "معتصم" تلك الفرصة بغياب "عهد" ليهمس تجاه "كاتينا" قائلًا: -ستخلد إلى النوم... هيا لنحضر أهم أغراضنا لنهرب من هنا... سأحضر بعض الملابس والحاسوب الشخصي الخاص بي فقط. -حسنًا "ماوصي".
صعدت "كاتينا" لإحضار بعض الأغراض بحقيبة ظهرها كما فعل "معتصم"، ليحمل كل منهما حقيبته بعد ارتدائهم لمعاطفهم الثقيلة. خرجا من باب الكوخ بتسلل وهدوء شديد لتسحب "كاتينا" الباب من خلفها بدقة متناهية حتى لا تشعر بها "عهد". فها هي الآية تنقلب ويصبح المعتدي هو من يخشاه صاحب البيت، فقد أصبحت "عهد" هي المسيطرة على الكوخ بمن فيه وليس العكس. صباح جديد يهل على من يقترن اسمه بالبدايات، لكنه لا يمت للإشراقة بصلة.
"صباح" اسم للبداية والتفاؤل، لكنه يتنافى مع صاحبته ذات القلب الصلب والنهايات التعيسة. لم يمر خروج بنات "زكية" مرور الكرام اليوم أيضًا، فلم تلحق "صباح" بهم كالأمس تمامًا، قصة محفوظة وردود أفعال تكاد توثق من تكرارها، فخروجهن متسللات وتصيد "صباح" لهن أصبح من الروتين اليومي لحياتهن. لكن اليوم يقع تربصها سدى، لتهيج وتجور على منفستها الوحيدة ابنتها "راوية"، تارة تؤنب بها ومرة توبخها ومرة تزيد من حنقها على بنات عمها.
وكعادة كل يوم تلاقيها "راوية" بعدم اكتراث مستكملة نومها. زكية... بعد أن اطمأن قلبها المتوجس على خروج ابنتيها لعملهما كالعادة، خرجت "زكية" بآخر ما تملكه لشراء بعض المستلزمات من البقالة. تسللت كما يتسلل اللصوص كما فعلت ابنتيها من قبلها، تسلل بمهارة فقد اعتادت على ذلك لسنوات طويلة كما لو أنها ليست من أصحاب هذا البيت.
قلق يثقل قلبها وحيرة تتخبط برأسها، فمن أين ستأتي بالمال لبقية أيام الشهر الباقية، فما تملكه لن يكفي ليوم آخر. وقفت مثقلة بالهموم تطلب من هذا الشاب الذي وقف بمحل البقالة ليحضر لها طلباتها القليلة بهدوء شديد وبشاشة وجه رغم همومها. -صباح الخير يا "علي"... هات لي جبنة وملح وصلصة. قابلها الشاب بحفاوة يسرها بالتعامل معه على الدوام، فهي مختلفة عن بقية عائلة النجار. -صباح الخير يا ست "أم شجن"... من عنيا حاضر.
وقفت تنتظر حين باغتتها إحداهن من خلفها قائلة: -"أم شجن"... والله كنت عاوزة أجي لك النهاردة. انتبهت "زكية" لمحدثتها لتلتفت نحوها مرحبة بها بمجاملة: -"أم يوسف"... أهلًا يا حبيبتي... وحشاني والله. زمت المرأة فمها ببعض الملامة قائلة: -لو كنت وحشاكِ بجد كنتِ جيتي طليتي عليا. أجابتها "زكية" بضيق، فهي تخشى الخروج من البيت حتى لا تلاقي "صباح" لتتهرب معللة: -الدنيا مشاغل والله...
ده حتى البنات بتشتغل دلوقتي ومفيش غيري بيساعدني في شغل البيت. استكملت "أم يوسف" كما لو أنها لم تنصت لحديث "زكية" وقد لمعت بعينيها بريق حماس لإخبارها بشيء ما لا يمكنها كتمانه لتستطرد بابتسامة: -على سيرة البنات... فيه واحد قاصدني أكلمك ضروري... عايز يخطب اسم الله عليها بنتك "شجن"... ربنا يجعله من حظها ونصيبها. (اتسعت حدقتاها بفخر وهي تلفظ بها قائلة) ده دكتور.
كلمات مبهمجة وحديث يبث بها الروح ليدق قلب "زكية" فرحًا، فقد أصبح زواج ابنتيها أملًا تتمنى الوصول إليه بعدما أنهوا دراستهن لتردف بسعادة ظهرت بنبرة صوتها الذي عاد له الحياة: -بجد... دكتور. أجابتها "أم يوسف" بزهو لما تخبرها به وتوسطها لتلك الزيجة لتؤكد لها: -أيوه... الدكتور "سليم" ابن "السيد سليمان"... ما انتِ عارفاه.
قالتها "أم يوسف" وهي تتباهى بعرضها المبهر لهذا الطبيب ميسور الحال لطلبه الزواج من ابنتها وتوسطها لمعرفة قبولها به، لتلتهم "زكية" سعادتها المفرطة بمعرفتها بهوية العريس لتظهر ثقلها ولا تقلل من قيمة بناتها لتردف ببعض الاتزان رغم موافقتها الشديدة لإتمام الأمر: -عمومًا برضه يا "أم يوسف"، مهما كان لازم نشور البنت ونشوف رأيها واللي فيه الخير يقدمه ربنا... دول ونعم الناس يعني. بإيماءة خفيفة عقبت رفيقتها: -على خيرة الله...
شوفي رأيها إيه وبلغيني... عشان أقول للدكتور يروح يتقدم لعمها "فخري". -بإذن الله. انتظر الشاب انتهاء حديثهم ليتدخل بهدوء: -اتفضلي يا ست "أم شجن"... أي طلبات تانية... أخرجت "زكية" بضع ورقات من محفظتها لتمد بها إليه وما زالت إشراقة وجهها تعبر عما تشعر به قائلة: -تشكر يا "علي"... خد حسابك. حملت أغراضها عائدة إلى البيت بمقابل البقالة وهي تلملم ابتسامتها السعيدة، فأخيرًا ستسعد بزواج إحدى ابنتيها، حملها الثمين لسنوات قاسية.
لم تكن تدري وهي تتعلق بسعادتها التي زارتها بعد عقود مرهقة مرت بها بأن هناك أعين تتقد حقدًا وكراهية تتابعها سيرها وابتسامتها دون أن تدري. غمغمت "صباح" وهي تحدق بـ"زكية" التي رأتها من شرفتها تقف بمحل البقالة بالمقابل: -مالها فرحانة كده ليه دي... رفعت رأسها تجاه محل البقالة لتلتقط أول الخيط محدثة نفسها: -هي أكيد الولية دي قالت لها حاجة، ولازم أعرفها.
دلت "صباح" نحو الداخل تلف حول نفسها كفرخ دجاج متحير، لا تدري كيف تكتشف سر سعادة "زكية". وقت طويل لم تجد به فكرة سوى هذا الشاب الذي يعمل بمحل البقالة ليخبرها بما يعرفه، سحبت هاتفها لتتصل به لتطلب طلبات عديدة كالمعتاد قبل أن تجلس بتلهف بانتظار مجيئه بعد قليل.
عبأ الشاب طلبات السيدة "صباح" فهي تنهره بقوة عندما يتأخر عنها، بدقائق قليلة كان "علي" يدق باب "فخري النجار" لتقابله "صباح" التي أكل الفضول والتلهف صبره لمعرفة الأمر. أسرعت "صباح" تقابل الشاب لتحمل الطلبات من يديه وهي تمد يدها بنقود تفوق ثمن مشترياتها بكثير. -خد يا "علي". -خلي علينا يا ست "أم فريد". نظر الشاب لهذا المبلغ المالي الكبير ليتهف بتوضيح: -ده كده كتير يا ست "أم فريد"... انتِ كده ليكِ باقي كتير.
رفعت كفها السميك ليهوي مصدرًا ضجيجًا لتخبط أساورها الذهبية بعضها ببعض تمنعه من إعادة النقود وهي تهمس كالأفعى بأعين لامعة: -لأ... خليهم عشانك... بس قولي... الولية اللي اسمها "أم يوسف" دي كانت بتقول لـ"زكية" إيه... لم يكن الأمر يحتاج لذكاء فائق لإدراكه، لم أعطته المال ليجيبها على الفور بما سمعه، فالأمر لا يعد سرًا ولا به شيء مخجل وإلا كانوا أخفوه عنه، فقد كانت أصواتهن واضحة للغاية. -أبدًا يا ست "أم فريد"...
دي كانت جايبة لبنتها عريس. شهقت "صباح" بقوة ليعلو صوتها الغليظ الذي انتبهت له "راوية" التي خرجت من غرفتها للتو. ضربت "صباح" صدرها بكفها لتزيد الأمر اندهاشًا تخوف له الشاب. -عريس... !!! نكست "راوية" عيناها بتحسر، بينما أكمل الشاب بالمزيد من المعلومات ليكسب رضاها: -أيوة يا ست "أم فريد" عريس... دي حتى بتقول إنه دكتور.
ظن أنه بهذا الأمر سيخبرها بأمر مفرح يستحق عليه المكافأة، لكن "صباح" مدت كفها لتقبض مرفقه بينه بقوة تحدثه بنبرة حادة اهتز لها الشاب للغاية: -دكتور... دكتور مين ده... انطق... قول أوام مين هو...
إحساس بالارتباك جعل نبرته تهتز تخوفًا من "صباح" حين اتسعت عيناها المخططتان بالكحل الأسود ببريق مخيف زاد من وهج بشرتها السمراء لتزداد قتامة، أجابها بنبرة متلعثمة محاولًا التحرر من قبضتها المتمسكة بمرفقه فيبدو أنه أخطأ بإخبارها بالأمر. -الدكتور ااا... "سليم سليمان"... ابن الحاج "سيد سليمان". بمجرد نطقه بالاسم وانتهاء حاجتها له حررت "صباح" ذراعه من بين كفها ليسرع بخطوات متعثرة مبتعدًا حتى لا تسأله عن أي
شيء آخر فيما أردف باضطراب: -لا مؤاخذة يا ست "أم فريد"... أصل ااا... سايب المحل لوحده. اختفى طيفه بلحظات، فيما استدارت "صباح" نحو الداخل لتبدأ تنفيس غضبها بأول وجه تقابله، "راوية" بالطبع. -بقى بت "زكية" يجي لها عريس دكتور... وإنتِ زي الكُبة خيبة قاعدة لي كده..!!!! تهدج صدر "راوية" بحنق، فما ذنبها هي بزواج بنت عمها من طبيب، وما ذنبها أن الخطاب لا يخطون بابهم كبنات عمها. -وأنا مالي..!!!!!!!
بدأت "صباح" سلسلة من التوبيخ المعتاد والسباب بدون داعي، أمر يجعلها تزداد حنقًا وكرهًا لبنات عمها. -مالك... !!! مالك يا بايرة يا *****... يا ******... شوفي بيعملوا إيه عشان يجيبوا رِجلين الرجالة دول... لكن انتِ حتفضلي قاعدة لي كده... ولا حتتجوزي ولا حتغوري من وشي... بس على مين... مبقاش "صباح" لو خليت الجوازة دي تتم... طول ما انتِ قاعدة لي كده... هم كمان لازم يفضلوا قاعدين لأمهم... ولا واحدة فيهم حتخطي عتبة جديدة.
توعد وترصد، تقدر عليه بالفعل كان رد فعلها عن هذا الأمر الذي لن تتركه يمر مرور الكرام، فلن تتزوج إحداهن قبل أن تتزوج "راوية"، والتي لا يُقدم أحدهم على طلبها مطلقًا، ليكتب عليهن نفس مصيرها بالإكراه. شقة فريد النجار... التذمر الدائم هو ما يوصف به تلك المرأة النحيلة التي تعد نفسها أذكى وأرقى من تلك العائلة حتى مع امتلاكهم المال الذي لا تمتلكه عائلتها.
نفخت "حنين" بتذمر وضيق من زوجها محدود الذكاء والذي لا يساعدها مطلقًا للوصول لمبتغاها وما تحلم به، ثم رمقته بسوداويتها بتقزز. -يعني وأخرتها معاك... لحد إمتى هفضل أفهم فيك وانت البعيد مبتفهمش... !!! طأطأ "فريد" رأسه بخنوع وقلة حيلة: -ما هو يا "نونه" أبويا كل ما آجي أقرب منه يصدني ومعرفش آخد معاه لا حق ولا باطل زي ما يكون مش طايقني، خصوصًا ومأمون موجود معاه.
لوت فمها الممتعض طيلة الوقت وهي تقضم شفتها السفلية بحركة عصبية قائلة ساخرة من "فريد": -إذا كنت أنا مراتك أهو ومش طايقاك... المهم... المشكلة في أخوك اللي اسمه "مأمون" ده... بني آدم مش سهل. بقلق بالغ أوضح "فريد" تخوفه من معرفة "مأمون" بما يقوم به في الخفاء: -ده أنا قلبي وقع في رجليا لما كان بيتكلم معايا امبارح... كنت فاكر إنه عارف بعمل إيه. ضربت "حنين" كفيها بعضهما ببعض، أهو ساذج أم غبي؟
لأنه لا يمكن أن يكون صادق صافي القلب لتردف بانفعال من غبائه الذي لا تتحمله لأكثر من ذلك: -فاكر... إنت متخيل إن "مأمون" ميعرفش إنت بتعمل إيه... إنت غبي أوي كده... ثم اعتدلت لتتوهج عيناها الماكرة وهي تبث به سمومها: -ده أخوك ده مصيبة من مصايب الزمن... ده مفيش حاجة ميعرفهاش... ومش بعيد يكون وقعك في الكلام بجد عشان يثبتها عليك وتفضل مرمي في مكانك في المخازن.
لم يبالي بطريقتها التي تدني منه وتقلل من شأنه ولا من تطاولها عليه، بل كان اهتمامه منصب فقط على كيفية التصرف بهذا الأمر. -طب والعمل يا "حنين"... طرفَت بعينيها لوهلة بغرور وهي تجيبه بدهاء: -مش عارفه من غيري كنت حتعمل إيه... اللي المفروض تعمله دلوقتي هو إنك تخلي أبوك يشك في "مأمون" عشان يبعده عن الوكالة ويخاف يملكه على الفلوس. اتسعت عينا "فريد" بانبهار قائلًا بترقب: -إزاي... ضحكت "حنين" بتهكم، ضحكتها القصيرة
قبل أن تستكمل حديثها: -المفروض تعرف "مأمون" مسافر إمتى يستلم بضاعة، ووقتها تفهم أبوك إنك الكميات اللي وصلت أقل من الحقيقة... ساعتها أبوك حيشك إن "مأمون" بيلعب في الكميات وبياخد فلوس لحسابه... ووقتها بقى واحدة واحدة تدخل لأبوك وتاخد مكانه. -فهمت. قالها "فريد" بحماس وعليه التنفيذ في الحال لمعرفة متى سيسافر "مأمون" لبدء خطته. غمغمت "حنين" بنبرة خفيضة للغاية بسخط: -يا ريت تكون فهمت... هو إنت بتفهم أصلا...
ده ناقص آجي أتكلم بدالك... مش كفاية عليا أمك وأختك... عيلة ما يعلم بها إلا ربنا. سويسرا... لم يعد شعور الاستغراب يهيم بالنفوس، فقد أصبح كل شيء متوقع، لمحة عين اختلفت بها الأوضاع، فصاحب البيت أصبح هاربًا والمعتدي أصبح مالكًا. وسط تلك الأجواء التي تبعت هذا الطقس العاصف برودة قارسة وسحب كثيفة تغطي السماء، أمطار ما زالت تتفاوت شدتها، رياح تتنقل بين الأشجار التي ابتلت من الأمطار.
أجواء تبعث بالضيق والكآبة، خاصة وهما وسطها دون ملجأ أو حامي منها. كانت "كاتينا" هي المرشدة الآن بعد خروجهم المتسلل من الكوخ للهروب من تلك المتوحشة المجنونة، سارت "كاتينا" متقدمة "معتصم" لإرشاده نحو بيت قديم يملكه والديها لا يبعد كثيرًا عن طريق الكوخ.
وسط طريق يخترق الغابة والأشجار الكثيفة التي تحجب الرؤية بشكل واضح، اتخذا طريقهما للشمال، بعد سير لوقت لا بأس به بهذه الطرقات غير الممهدة بفعل العاصفة، وقفت "كاتينا" تشير إلى أحد الاتجاهات لتخبر "معتصم" بإرهاق: -ها هو "ماوصي"... إنه الكوخ خاصتنا. وقف "معتصم" يستقيم بهامته حاملًا حقيبته فوق ظهره ليضغط جبهته متطلعًا بتمعن بذات الاتجاه الذي تشير إليه "كاتينا".
من بين فروع الأشجار الكثيفة ترائى له كوخ قديم لا يمكن رؤيته بشكل واضح لتنبسط ملامح وجهه المتجهمة ببسمة ضعيفة للغاية ليردف معقبًا: -إنه كوخ بالفعل. تطلعت "كاتينا" بوجهه المستريح حينما استطرد قائلًا: -أظن أنه من المستحيل أن تصل "عهد" إلينا هنا... لقد وصلنا نحن بأعجوبة. اتسعت بسمتها التي تدل على انتصارها على تلك المتطفلة: -بالطبع "ماوصي"... لن تستطيع الوصول إلينا مهما حاولت...
مكان الكوخ هنا مختبئ لدرجة كبيرة لا يمكن أن يأتي إليه أحد إلا من يعرف مكانه بالتحديد مسبقًا. أومأ "معتصم" بخفة وهو يتقدم بخطواته تجاه الكوخ لتتبعه "كاتينا". كان كوخًا عاديًا للغاية لا يشبه الكوخ الذي كانا يقيمان به، فيبدو أنه قديم للغاية. مدت "كاتينا" ذراعها القصير لتصل بصعوبة لأحد المصابيح تسحب المفتاح من فوقه لتشعر بالزهو لتحصلها عليه. اتجهت نحو الباب الموصد لتفتحه بالمفتاح قبل أن يدلفا نحو الداخل.
إجتاح جسديهما شعور بالبرودة فالكوخ صامت، هادئ بشكل كبير بعكس كوخهما الدافئ، حتى المدفأة المطفأة هي من النوع القديم الذي يحتاج للأخشاب لإشعالها للشعور بالدفء. لم تكن الأجواء بالخارج أقل برودة، لكن يأمل المرء عندما يخطو داخل البيت بالشعور بالدفء والأمان، فهو مفهوم يغرس بالنفس قبل الشعور به. وضع "معتصم" حقيبته أرضًا ليتحرك بأرجاء الكوخ بحثًا عن الأخشاب لإشعالها بالمدفأة التقليدية ليشعرا بالدفء.
وجد المدفأة بأقصى اليسار وإلى جوارها بعض الأخشاب ليسحب بعضها ويلقي بهم بداخل المدفأة مشعلًا النيران ليستمتعا ببعض الراحة وربما الخلود للنوم بعد قضائهم لليلة طويلة لم ينالا بها راحة ونوم هادئ. وسط الملامح الهادئة أشياء محطمة، تلك مقولة لا يدركها الكثيرون، كم من طائر يملك جناحين دون أن يعطى لهم قيمتهما، تلك الأجنحة خلقت لتطير، فربما كان بالاستغناء إذن بالحرية لتحلق الأجنحة من جديد. بيت عائلة الأسمر...
ضغطت "وعد" بكفها فوق شفتيها لبعض الوقت تمنع قلبها المتهدج من الصراخ لما يتصارع بداخلها، رفعت أصابعها الطويلة لتسحب هاتفها تدق برقم خالتها "زكية" باشتياق لسماع كلمة حانية لينة ولم ولن تلقاها إلا منها فقط. -صباح الخير يا خالتي. قالتها "وعد" بصوتها الناعم ونبرتها الهادئة لتجيبها "زكية" بلهفة أم حنون على ابنتها التي لم ترها منذ فترة طويلة: -صباح الخير يا حبيبتي... وحشتيني أوي. -وانتِ كمان يا خالتي... وحشاني أوي.
أنهت عبارتها لتتنهد بضيق شعرت به "زكية" لتتسائل بقلق: -مالك يا "وعد"... فيكِ إيه... لملمت شفتيها بتأثر وقد تقوست شفتيها اللامعتان للأسفل بضيق وانقباض بقلبها ثم اجابتها بنبرة مستسلمة: -متلخبطة ومش عارفه أعمل إيه يا خالتي... حتى "عهد" زعلانة مني ودايمًا تليفونها مقفول... وانتِ بعيدة عني ومشغولة طول الوقت... أنا حاسة إني لوحدي.. مش عارفه إللي بعمله ده صح ولا غلط... !!!!!
كانت إجابة "زكية" مختلفة عما يظنونه من يحيطون بها بمفهومهم عن الصواب والخطأ، بل كان بكلمات تريح قلب تلك المسكينة المتعبة: -كفاية يا "وعد" تأنبي نفسك... شوفي بيتك وحياتك وابنك... و "عهد" مسيرها تقتنع في يوم من الأيام بأن اللي عملتيه ده كان لمصلحتك ومصلحة ابنك... كفاية تلومي نفسك وتتعبي أعصابك أكتر من كده... ده انتِ ممكن يجرى لك حاجة.
صمت "وعد" المنصتة لحديث "زكية" الذي يهدئ من ضغط قلبها المتعب كان ردًا بليغًا على حديثها العقلاني الذي يحثها على تقبل حياتها. استطردت "زكية" مستكملة: -والله يا بنتي أمك "عايدة" لو كانت عايشة مكنتش حترضى أبدًا تشوفك تعبانه كده. أغمضت "وعد" عيناها للحظات، فربما تلك الكلمات هي ما تحتاجها لتعطيها الروح والقوة لإكمال حياتها التي أصبحت كالماء لا لون ولا طعم، لكنها على قيد الحياة.
عبارات حانية من خالتها ذات القلب الطيب، لكنها كانت بالفعل تحتاج النصيحة من قلب قوي كقلب "عهد"، تتمنى أن تستمع إليها وتبثها بعضًا من قوتها، لكن الأمر الآن غاية بالصعوبة، فـ"عهد" لا تلين بسهولة ولن ترضى بأنصاف الحلول، قراراتها تتخذها بما يقنع عقلها فقط وتقصي حسابات القلوب جانبًا تلقيها ببئر لا نهاية له. بعد فترة من الإنصات أردفت "وعد": -ماشي يا خالتي... معلش شغلتك معايا.. بس انتِ عارفه إني لوحدي ومش بعرف أتصرف.
-عيب يا "وعد" تقولي كده وإنك إنتِ و"عهد" تعتبروني غريبة كده... هو انتوا مش زي "شجن" و"نغم" ولا إيه..؟ ببور شديد عقبت "وعد": -غريبة إيه بس يا خالتي هو إحنا لينا غيرك في الدنيا. -طب ابقي هاتي "زين" وتعالي... وحشتوني أوي. رغم أنها تخشى الوعود خاصة تلك الوعود التي لا تستطيع الوفاء بها، إلا أنها وعدتها بذلك: -إن شاء الله يا خالتي... حاجيلك قريب.
انتهت تلك المكالمة بخيال "وعد" الذي قفز لذكرى جديدة، ذكرى قاسية من "عاطف" مرة أخرى. *** ﴿اعتد "عاطف" حياة القسوة واللا مبالاة معها، إنصاته لأخته "عتاب" وأمه بأنه لابد أن يُظهر القوة وسيطرته على زوجته ليكون رجلًا كما يظنون، لكن هؤلاء هم أشباه الرجال، لا يملكون من الوصف سوى كلمة ذكر ببطاقة هويتهم. أيام تمر لا تجد بها "وعد" سوى الضيق واقتضاب الوجه، حديث مقتصر واستهزاء وتحقير منه لها.
نفسها الحساسة كانت هشة للغاية، لم يمر ذلك عليها بروية بل كان إحساس عاصف جعلها فريسة لحياة حزينة وانزواء واضح. بالبداية كانت "وعد" تحاول التماس بعض الأعذار حتى لو لم تكن مقنعة بذلك، لكنها كانت تجد بها سببًا يدفعها للتحمل والاستمرار، أخذت تمني نفسها أن كل ما يمر بعلاقتهم يمكن تداركه، فهو من داخله يحبها، ولأجل ذلك ستتحمل أملًا بأن يتغير ذات يوم.
حتى جاء هذا اليوم، اليوم الذي أعلن به نهاية اختلاقها لأعذار له لمعاملته السيئة معها، اليوم الذي توقفت به نفسها عن البحث عن سبب لما يفعله معها، لتقف بنقطة الصفر حين تجبرها تصرفاته قتل شعور المحبة بداخلها لتصبح كإناء أجوف فقد انعدم رصيده من التماس الأعذار وأصبح ببداية إحساس آخر هو من أجبرها عليه. عاد "عاطف" من متجره ليلًا بنفس ضائقة، لم تدر "وعد" سبب ذلك، أهو العمل بحد ذاته أم لخلاف ما بين أبيه أو أخيه "محب" كالعادة.
كان كالثور الهائج يبحث عن متنفس لإسقاط غضبه عليه لتتجلى أمامه تلك الضعيفة اللينة كمثال مناسب لهذا، بدأ حديثه الصارخ بالسباب المهين لها والغير معتاد بينهم. -قومي يا *** ***** إعمليلي شاي. اتسعت خضراويتها بصدمة من إلقائه عليها بتلك الألفاظ النابية لتفغر فاها بقوة لكن ملامتها له كانت بمثل نعومتها تمامًا. -"عاطف"!!! ليه كده... عقد حاجبيه بقوة وهو يرفع أنفه باشمئزاز منها قائلًا بتجبر: -كيفي كده... حد شريكي...
ومن هنا ورايح مش هتكلم غير كده يا *** *****. تعالى تنفسها بقوة فقد شعرت بأن الهواء انعدم تمامًا بداخل رئتيها لتحرك رأسها برفض لهذا الأسلوب الجديد المهين بالتعامل معها، خاصة وأن غضبه وسبابه بدون سبب من الأساس. -لأ يا "عاطف"... متكلمنيش كده... عيب كمان الولد ممكن يسمع ويقلد الكلام ده. وقف بقامته الطويلة ليضرب بكفه جانب رأسه بقوة بصورة أخافتها للغاية مع انفعاله وصراخه المتكرر حتى أنها تراجعت لبضع خطوات للخلف بارتجاف.
-هو كده... بمزاااااجي... أقول اللي عايز أقوله... وإنتِ تتكتمي خالص... فاهمه ولا مش فاهمه يا روح ***. تهدج صدرها بقوة لتهتز شفتيها بقوة تبعها تساقط لدموعها صعبة التحكم مردفة بنبرة محتقنة خرجت بقوة لإهانته المتوالية: -لو.. سمحت يا "عاطف"... بلاش الطريقة دي. باغتها بقبضة لمرفقها بقوة يسحبها تجاهه وهو يصرخ بها بغضب جعل عيناه تشع بريق مفزع بأعين "وعد" التي بهتت تمامًا من شدة الارتعاب.
-إنتِ هتعلميني أقول إيه وما أقولش إيه... اعرفي حجمك كويس... ده أنا "عاطف الأسمر"... أقول زي ما أقول... ولا حد يحاسبني. رغم رجفتها وبرودة أطرافها حاولت بقوة واهية الدفاع عن نفسها، فعليها أن تكون قوية كـ "عهد". -لأ... طبعًا... فيه حد هيحاسبك... ولا نسيت ربنا ومبقتش عامل له حساب.... بلاش كده يا "عاطف"... أنا مش قليلة... عشان تعاملني بالشكل ده... طريقتك وأسلوبك ده ربنا هيحاسبك عليه.
لم يتقبل ردها وانتقادها له، بل عليها الرضوخ والسماع والطاعة، عليه أن يظهر كالرجل القوي الذي لا تجرؤ زوجته على معارضته، ترضخ له بإشارة من إصبعه الصغير. عليه استخدام القوة، تلك الطريقة الهمجية الذكورية التي يظنها البعض سيطرة وقوة وهي أبعد عن الرجولة الحقيقية بالنقيض. رفع كفه بقوة ليهوي فوق وجنتها الممتلئة بصفعة شعرت بصداها بداخل قلبها أولًا، فعليه إخراسها وإجبارها على قوته الجديدة بالسيطرة عليها.
صفعة أطلقت سيل من الدموع الموجعة المتلاحقة، ربما ما شعرت به من ألم لم يوازِ تهشم ما حدث بداخلها، جدار صلب استطاع هدمه بصفعة واحدة، ذلك الخيط الرفيع الذي حال بين نقيضين من قلب عطوف محب لقلب جامد صلب. كيف استطاع نزع محبتها له برد فعل عنيف منه؟ كيف استطاع خلق إحساس مغاير بداخلها بهذه الصورة؟ بل كيف توقف قلبها عن الشعور؟
أصبحت تقف على حافة جسر بين أحاسيس مختلفة لتبقى لا تنتمي لأي منهما، لقد أعادها للحياد ونقطة الانطلاق، لقد أوصلها لدرجة الغرباء الذين لا يعرفون بعضهم البعض. رفعت وجهها المحتقن بنظرة عميقة كمن تبصر ما كُشف منه للمرة الأولى وقد أزيلت غشاوة عينيها لترى سوء خلقه وأنانيه، شخص بغيض غريب.
أزاحت خصلات شعرها الأسود التي التصقت بوجنتها إثر دموعها التي غطتها ليظهر أثر كف "عاطف" تاركًا رسم لأصابعه فوقها، رفعت أصابعها تملس فوق وجنتها المتوهجة متسائلة بأعين مستنكرة فعلته. -إنت بتضربني يا "عاطف"... كبرت نفسه متجاهلًا عتاب قلبه عما فعله بها ليظهر وجه لا يبالي رافعًا من هامته بثبات مغلفًا صوته بقسوة أنهت هدم جدار المحبة بينهما. -وأكسر رقبتك كمان...
ومن هنا ورايح ده ردي عليكِ يا "وعد" لو في يوم وقفتي قصادي كلمة بكلمة معايا زي النهارده. هزت رأسها برفض لهذا الوضع المهين وهي تقلب شفتها السفلى بحزن رجف له قلبه المتعالي الذي وضعه تحت قدميه كما لو أنه لا يكترث لها ولا لآلامها لتردف بغصة. -ليه يا "عاطف".... ليه.... !!!!! ثم أردفت بآخر أمل لها تعاتبه وتترجى أن يفيق من غفلته قبل خسارتها بشكل نهائي. -إنت كنت بتحبني... ليه تقسى عليا... أنا عملت لك إيه...
تنهدت بأنفاس متقطعة لتستكمل ببعض الاستجداء. -بلاش تسمع كلام "عتاب"... بلاش تقسيك وتقويك عليا... بلاش. رغم وجودهم بشقتهم إلا أن خيال "عتاب" ترائى لناظري "عاطف" يراها تسخر من ضعفه وانقياده خلف لين "وعد" وطيبة قلبها ليتجلى شيطان نفسه رافضًا حديث "وعد" ضاربًا بحديثها عرض الحائط ليهتف بنبرته الغاضبة. -اخرسي.... !!! (زادها بإتمام شهادة رجولته حين هوى بكفه بصفعة ثانية كانت هي من ألقت كلمة النهاية على حطام قلبها ومحبتها له)
إوعى تجيبي سيرة أختي على لسانك بالصورة دي... دي ستك وتاج راسك... دي بنت "محفوظ الأسمر"... إنتِ تطلعي إيه عشان تتكلمي عنها بالصورة دي. ألم يكتف بصفعاته القاسية ليكمل قبحه بإهانة وتجريح ودونية أيضًا، لِمَ يحطم كل ما كان جميل بينهم؟ لِمَ يحطم قلبها الذي ظن أنه يومًا يحبه؟ كانت تود بعتابها أن يعيد بناء ما اهتز بينهم لكنه أصر على تحطيمه حتى لم يعد للعتاب سبيل فقد قطع الوصل.
حتى العتاب فقدت الرغبة به، حينها فقط تأكدت بأنها شيعت محبته لمثواها الأخير، لم يقدر قيمة الأحجار النفيسة التي يمتلكها فغدًا سيجد أنه لا يملك سوى الحصى. إن العتاب هو الوصل بين الأحبة، لكنها الآن لم تعد تقوى على عتابه، لم تعد تريد هذا الوصل فقد كسر ما لا يمكن إصلاحه. عادت "وعد" لواقعها لتحمل ابنها لداخل غرفته تبدل ثيابه بصمت تحاول الاعتياد على حياة لا حياة فيها.
بذات المكان والتوقيت بشقة محفوظ الأسمر، انتهت "عتاب" فرصة غياب والدتها "قسمت" عن البيت ووجودها بمفردها لتدلف لغرفة نوم والديها. تركت بناتها لتتسلل نحو غرفة والديها مستغلة هذا الوقت بالخصوص، فلن يزعجها أحد، حتى "وعد" التي أصبحت لا تختلط بهم متيقنة بأنها لن تأتي وتكتشف الأمر.
فتحت "عتاب" الخزانة الخاصة بوالديها لتخرج حقيبة الأوراق الكبيرة الخاصة بهم، تلك الحقيبة التي تمتلئ بكل ما يخص العائلة بأكملها من أوراق ومستندات تخص والدها "محفوظ" الذي لا يجرؤ أحدهم على امتلاك ورقة واحدة منهم بل كان له كل السيطرة للاستحواذ حتى على الأوراق. طلت بوجهها الطويل وشفتيها المضمومتان تنظر نحو باب الغرفة بتشدق الاطمئنان بأن الوضع هادئ تمامًا لتضع الحقيبة فوق الفراش لتفتحها وهي تعبث بمحتوياتها بتركيز شديد.
لم تنتبه لهذا الذي وقف بباب الغرفة يحدق بها وهي منشغلة بالتقليب بين الأوراق لتنتفض بفزع حين نطق مفاجئًا إياها: -بتعملي إيه يا "عتاب"... اضطربت للغاية حتى كادت تشق الورقة التي تحملها بين يديها لنصفين من مفاجأتها لتبتلع ريقها الذي تحجر بحنجرتها وهي تطالعه ببعض الاضطراب قبل أن تهدأ نفسها قليلًا مجيبة إياه: -محب... !!! خضتني. عقد ذراعيه أمام صدره وما زالت نظراته مثبتة عليها ليعيد سؤاله مرة أخرى: -أيوه مقولتيش برضه...
بتعملي إيه عندك؟ وضعت الأوراق عن يدها وهي تزم شفتيها بقوة ثم نهضت من جلستها لتدنو منه قائلة: -تعالى هقولك... عشان إنت لازم تفهم بدل ما يتأكل حقنا... أنا وانت أكتر اتنين مهمشين في البيت ده... وجه الوقت عشان ناخد حقنا بإيدينا. عقد حاجباه بدون فهم محاولًا استنباط عما تتحدث: -قصدك إيه... لمعت عيناها بخبث وهي تستكمل بث سمومها بأفكار "محب" أيضًا، فعليه التعاون معها لاسترداد حقهم الذي على وشك الضياع.
-قصدي إن الفرصة جت لنا نرجع حقنا يا "محب"... ولازم تحط إيدك في إيدي عشان نرجع اللي راح. رغم عدم إدراكه لما تنوي فعله إلا أنها أثارت فضوله ليسألها بتعمق في حديثها المبهم: -إنتِ عايزة تعملي إيه بالضبط..؟ -عايزة... ااا.... قطعت حديثها حينما سمعت صوت والدتها تتحدث مع بناتها بالخارج لتسرع نحو الحقيبة تلملم ما بعثرته بعجالة: -مش وقته مش وقته... هبقى آجي لك أوضتك أفهمك إيه الحكاية وحنعمل إيه...
روح دلوقتي عطل ماما لحد ما أشيل الأوراق دي مكانها. رفع كتفيه وأهدلهما بدون فهم ليخرج لوالدته التي عادت للتو من الخارج، بينما أعادت "عتاب" كل شيء كما كان كما لو أنها لم تفعل شيئًا. بيت النجار... نيران حامية تصارعت بنفس "صباح" منذ علمت بأمر خطبة هذا الطبيب لابنة "زكية"، نيران التهمت أعصابها وقلبها المفعم بالسواد.
ارتدت عبائتها السوداء المزينة بالنقوش الذهبية والتي أظهرت جسدها الممتلئ، تلك العباءة التي طغت بسوادها على قلبها، زينت ذراعيها السميكان بالمزيد من الحلي الذهبي، فهي لابد وأن تكون بكامل بهائها وتأنقها. تعجبت "راوية" من رؤية والدتها تستعد للخروج لتتسائل باندهاش: -رايحة فين يامه... ده إحنا لسه بدري. مصمصت "صباح" شفتيها بازدراء وهي تطالعها بجانب عينيها قائلة باستهزاء: -يا برودك يا بنت "فخري"...
يعني مش عارفه أنا رايحة فين... !!!! طبعًا وانتِ بيهمك إيه... قاعدة زي البقرة تاكلي وتنامي ولا حاطه في دماغك حاجة وسايباني أنا أولع في نفسي... قال على رأي المثل (إيش على بال القرد من سواد وشه) زفرت "راوية" بضيق من استهزاء والدتها بها ثم أردفت: -ما كفاية بقى تحرقي في دمي ليل ونهار... أنا ذنبي إيه... !!!! -ذنبك... !!! ذنبك إنك بايرة... مش عارفة تجيبي لك عريس زي بنات الخدامة.
أزاحت "راوية" وجهها بامتعاض عن والدتها فقد اعتادت طريقتها القاسية معها، لم تعد تهتم أو تتأثر بما تقوله لها، متبلدة المشاعر حتى الحزن ودموعه فارقا حياتها لتفضل اللامبالاة عن التأثر بحديثها المتهكم منها طوال الوقت. استدارت عائدة نحو الشرفة عوضًا عن بقائها مع والدتها التي تضغط عليها طوال الوقت. رفعت "صباح" طرف عباءتها بغيظ لتخرج مغمغمة: -عَيلة باردة... أبرد من ماية طوبة.
خرجت من شقتها عاقدة العزم لإفساد أمر خطبة "شجن" مهما كلفها الأمر لتتخذ طريقها لتنفيذ ذلك. ويبقى للأحداث بقية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!