ارتدى ليون ملابسه، وغادر متجهاً إلى غرفة الاستقبال، وهو غاضب بشدة، ويتمنى لو يستطيع أن يلغي تلك المقابلة، ويعود لمشاغبته سريعاً. لكن ما باليد حيلة، توجه إلى غرفة الاستقبال ليرى من تلك التي جاءت لتفسد يومه. دلف بوجه عابس، ونظرات مترقبة. حين أصبح بداخل الغرفة تحدث قائلاً: -مرحباً، هل أستطيع أن أخدمك بشيء؟ استدارت هلين لتواجهه، وحين شاهدها ليون تصاعد الغضب بداخله. صاح بها غاضباً: -هلين، ماذا أتى بك إلى هنا؟
هلين، وهي تقترب منه بغنج ودلال، قالت: -أوه ليون، ما هذه المقابلة؟ لقد جئت لحضور الكرنفال، وأردت رؤيتك، لذلك جئت كي أراك. ليون: -هلين، أنا ليس لدي وقت، وما زلت لم أنل قسطاً من الراحة، وليس لدي عقل فارغ لأستمع لثرثرتك. هلين بنزق: -لكن أنا اشتقت إليك. وحاولت الاقتراب منه، ووضع يدها على وجهه، فأرتد ليون إلى الخلف كمن أصابته لعنة. وهتف بها قائلاً بنبرة غاضبة:
-هلين، أنا آسف، أنا لم يغمض لي جفن منذ البارحة، لذلك أرجوك غادري الآن. هلين بغضب، وهي تنفث دخان سيجارتها في الهواء، وترمقه بنظرات ماكرة، قالت: -تطردني ليون كما تشاء، لكن تذكر جيداً أني قد جئت أطلب ودك، وأنت صدتني. إلى اللقاء ليون. وقبل أن تغادر، ألقت على مسامعه بضع كلمات قائلة: -ستأتيني قريباً جداً بمحض إرادتك. بصق ليون خلفها أثناء مغادرتها، ثم دمدم قائلاً: -يا إلهي، فتاة سمجة!
بمجرد أن أراها أشعر بالاختناق، نزعت يومي تلك اللعينة. ثم ما لبث أن ابتسم بسعادة حين مر بخياله طيف حبيبته، وقرر أنه لن يستطيع أن يصمد أكثر من ذلك أمام سحرها، وسوف يجهز لها مفاجأة تفقدها صوابها من شدة فرحتها بعيد ميلادها القادم. ركض ليون بسرعة شديدة على الدرج ليعود لمشاغبته الصغيرة، وهو يردد وهو هائم بحبها: تلك الصغيرة التي أفقدته صوابه، وزلزلت كيانه، وبعثرت نبضاته. فأخذ يردد قائلاً: عندما أشتاق لطيفك
لا أبحث عنك عبر المسافات أكتفي بسماع دقات قلبي ساعتي تشير إلى تمام الشوق حسب توقيت الحنين ما بين أشواقي، وأشواقي مسيرة لهفة، ومسافات تمتد من الحنين إلى الحنين. ركض ليون بأقصى سرعته ليعود لمشاغبته، وحين أصبح أمام غرفتها، دلف الغرفة بهدوء دون أن يصدر صوتاً، وتسلل خلفها بهدوء، وقبل وجنتها بنهم، وأدارها إليه. وأخذ يتأملها بنظرات تقطر عشقا، وأزاح بيده خصلة متطايرة من شعرها الناعم ذو الخصلات الذهبية يتطاير على وجهها.
حاولت لارا أن تتخلص من يديه، لكنه عانقها بشدة، وأطبق ذراعيه حولها كأنه يود أن يزرعها داخل قلبه. رفع وجهها إليه، ولثم شفتيها برقة بالغة، ثم تعمق بقبلته أكثر. حاولت لارا أن تدفعه عنها، لكنه تمسك بها بشدة حتى استسلمت لمشاعرها المتدفقة نحوه بشدة، والتفت يداها حول عنقه، وغابت معه بقبلة زلزلت كيانها، وجعلت ضربات قلبها تدق بعنف، وتنفسها يعلو ويهبط كأنها تركض بسباق. ابتعدت لارا عنه، وقد غزا خديها اللون الأحمر من شدة الخجل.
ابتعدت عنه لارا، وجلست تأكل بصمت، ثم تذكرت أمر الفتاة، فهتفت به، وعبثها تشتعل غيرة قائلة: -ليون، من تلك الفتاة التي جاءت لرؤيتك؟ يشعر ليون بالمرح لشعوره بنبراتها التي تقطر غيرة، ونظرات عينيها التي تشتعل غيرة. رمقها بنظرات مسلية، ثم تحدث إليها قائلاً: -مجرد صديقة قديمة كانت تمر من هنا، فجاءت لرؤيتي. لارا بغضب طفولي، وهي تدمدم بقدمها بالأرض: -ولماذا جاءت إلى زيارتك هذه الدرجة؟ لم تتحمل عدم رؤيتك؟
تهلل وجه ليون لشعوره بأن مشاكسته تغار عليه، وشعور بالارتياح تسلل إلى قلبه بأنها حقا تحبه، وليس مجرد انبهار به. ذهب إليه بخطى سريعة، وجلس إلى جوارها، ثم غمرها بين يديه ليقربها من صدره، ثم وضع إصبعه فوق أرنبة أنفها، وهمس لها وهو يجعد وجهه قائلاً بنبرة مرحة: -ما بك مشاكستي الصغيرة؟ لما أنت عابثة هكذا؟ هل وجود تلك الفتاة أغضبك إلى هذا الحد؟ لارا بغضب طفولي، وعيناها تشتعل غيرة، أشارت له بإصبعها، وقالت:
-ليون، لا تغضبني تلك الفتاة، أنا حين شاهدتها وددت لو أذهب إليها لأقتلع رأسها، وألقيه بالقمامة، فكيف لها أن تضع يدها على شيء ليس لها؟ ولماذا سمحت لها بذلك؟ أخذ ليون يقهقه على حديث مشاكسته الصغيرة، ثم تحدث إليها قائلاً، وهو يحاول أن يبدي على حديثه بعض الجدية، ويرمقها بنظرات ماكرة قائلاً: -أحقا مشاكستي؟ إذا ما هو الشيء الذي ليس لها؟ هيا أخبريني؟ لارا وقد غزت حمرة الخجل خديها، وأدارت وجهها للناحية الأخرى.
صمتت، ولم تجد كلمات تعبر بها عن ما تشعر به تجاهه، وهي خجولة بشدة، وهو لا يود البوح بمشاعره رغم أنه كل ما يفعله يدل على أنه يحبها. اقترب منها ليون ثم أدارها إليه ليخرجها من شرودها قائلاً، وهو يتأمل ملامحها الندية، وعينيها الفيروزيتين، وشفتيها الوردتين: -هيا تحدثي مشاكستي الصغيرة، لماذا أنت صامتة؟ هل أكلت القطة لسانك؟ لارا وقد أخفضت عينيها هرباً من عينيه، قالت:
-لأنك أنت أيها الليون المغرور القاسي، أنت أثمن أشيائي، وأقربها لقلبي. أغمض ليون عينيه ليخفي تأثير كلماتها على قلبه، فهو يعشقها حتى الثمالة، بل إنه يذوب شوقاً للمسها، لكنه دائماً ما يحاول أن يتحكم بنفسه كي لا يتعجل الأمور، فما زال الوقت باكراً لأن يعترف لها بما بقلبه، لكن قريباً جداً سيأتي الوقت الذي سيعلن للعالم أجمع أنها محبوبته، وضوء انبثق لينير دربه المظلم.
تستحق أن يفعل من أجلها المستحيل، لكن الوقت لا يزال باكراً. تحدث إليها قائلاً بحب شديد: -شكراً لكِ لارا على كونك تعتبرينني شيئاً هاماً بحياتك. والآن يا مدللتي الصغيرة، هيا إلى غرفتك لتنالي قسطاً من الراحة حتى نستمتع معاً في المساء بالكرنفال. شعرت لارا بخيبة أمل، وغزا الحزن ملامح وجهها، واعتصر الحزن قلبها، وكادت أن تبكي لأنه لم يقل كلمة واحدة تريح قلبها، وتعبر عن حبه.
غادرت الغرفة دون أن تنظر إليه حتى لا يرى قطرات الدموع التي تهدد بالنزول بأي وقت. غادرت متجهة إلى غرفتها، وهي تحاول السيطرة على دموعها التي تهدد بالهطول بأي وقت. دَلفت إلى غرفتها، وأوصدت الباب خلفها، وجلست على فراشها تنتحب بشدة، وهي حزينة، قلبها يتألم منه. تمنت لو كان قد حاول فقط أن يروي ظمأها، ولو بكلمة واحدة. اندست بالفراش، وتدثرت بالغطاء، وراحت بثبات عميق من شدة إرهاقها.
أما ليون، فقد غضب بشدة من تصرفه اللامبالي معها. تمنى لو يتحدى العادات والتقاليد، وسنها الذي ما زال صغير، ويعترف لها بحبه. لعن نفسه قائلاً: -أيها الغبي، لما لم تضرب بكل شيء عرض الحائط؟ وتصرح لها بمكنون قلبك؟ لما لا تعبر لها عن مشاعرك الجياشة تجاهها؟ لكن لكل مقام مقال. قريباً جداً سيكون من حقي أن أعبر لها عن كل ما بداخلي تجاهها من مشاعر دون أن أخشى شيئاً. لقد فاض الكيل، ولن أستطيع الصبر أكثر من ذلك.
نهض متوجهاً إلى الفراش، وقرر أن يخلد للنوم حتى يستطيع أن ينهض بوقت بدء الكرنفال. غفا ليون بمجرد أن وضع رأسه على الوسادة، وبعد مرور عدة ساعات وكان الوقت أصبح ليلاً، وقد غابت الشمس، وأنار القمر الجزيرة ليضفي عليها جواً من السحر.
نهضت لارا من نومها لتنظر حولها بدهشة كبيرة، ثم تتوجه للنافذة، وتنظر منها، ثم تشهق بانبهار، وهي تضع يدها على فمها وهي تنظر للسماء المزينة بالبالونات المضيئة، والألعاب النارية التي تحلق عالياً بسماء الجزيرة. قررت أن تذهب لتغتسل، ثم تذهب لتوقظ ليون ليذهبوا لمشاهدة الكرنفال. دَلفت إلى المرحاض لتغتسل، وتبدل ملابسها. ملئت المغطس بالماء الدافئ، وجلست به تسترخي بعض الوقت، وتصفي ذهنها من التوتر الذي تشعر به.
ثم بعد وقت ليس بقليل، نهضت وجففت جسدها بالمنشفة، وعادت لغرفتها. جلست أمام المرآة، ثم أخذت تجفف شعرها الطويل الذي يبدو في روعته كسلاسل من الذهب الخالص. انتهت من تصفيف شعرها، وبدلت ملابسها، وذهبت مسرعة لغرفة ليون. فتحت الباب بهدوء، وتسللت بهدوء إلى داخل الغرفة على أطراف أصابعها حتى لا تصدر صوتاً، إلى أن أصبحت أمام فراشه.
جلست على حافة الفراش، وأخذت تتأمله بحب، وتخللت شعرها الحالك السواد بأصابعها، ومررت يدها على وجهه بحب، وانحنت لتلثم خده بقبلة رقيقة، فتفاجئت بيده تجذبها لتستلقي إلى جواره. شهقت لارا بفزع، وقد أخذت ضربات قلبها تعلو من هول المفاجأة. ثم أخذت تعنفه، وهي ما زالت تحاول التقاط أنفاسها: -ليون، لقد أفزعتني، ما هذا الذي تفعله؟ أمسك ليون يدها، وقربها من فمه، ولثمها بحب، ثم همس لها أمام شفتيها، وهو يرمقها بحب:
-أنتِ من بدأ يا مشاكستي في إزعاجي، وأنا كنت نائم. صاحت به لارا، غاضبة: -ليون، كفاك، اتركني. لكنه وضع يده على أرنبة أنفها، وهمس: -ليس بتلك السهولة، حلوتي المشاكسة، أعطيني قبلة ثم سأتركك. دفعته لارا بصدرها ليبتعد عنها، ثم نهضت من بين يديه لتجلس بعيداً عنه، ثم تحدثت إليه قائلة: -هيا أيها الكسول، انهض لتغتسل، وتبدل ملابسك، لنذهب للكرنفال. ليون بمشاكسة:
-كلا، إن لم آخذ مكافأتي لأنهض. اقتربي إلى هنا وأعطني مكافأتي، هيا لارا تقدمي، أو أتقدم أنا إليك. نهضت لارا لتركض حتى تفر منه، لكنه كان قد نهض من الفراش بسرعة البرق، وأمسك بها وهي تحاول الفرار من الغرفة. حاولت لارا أن تخلص نفسها من بين يديه، باءت كل محاولاتها بالفشل.
غمرها ليون بين يديه، وقربها من صدره ليعانقها بحب شديد، ورفع وجهها إليه ليلثم شفتيه برقة بالغة، مما جعل ضربات قلبها تتزايد حتى كادت تكون مسموعة، وتنفسها يزداد بشدة. ثم همس بأذنها: -شكراً لكِ مدللتي الصغيرة، لقد حصلت على مكافأتي. جذبها من يدها متوجهاً إلى الخزانة، أخرج منها رداء باللون الأحمر والأبيض مزركش، ثم مد يده به إليها، وقال:
-إليكِ طفلتي، هذا زي الكرنفال، هيا اذهبي ارتديه إلى أن أغتسل، وأرتدي أنا أيضاً الزي الخاص بي. تهلل وجه لارا من شدة سعادتها، ثم أخذت منه الرداء، وذهبت لغرفتها لترتديه، وتضع اللمسات الأخيرة على زينتها. ارتدت لارا الرداء الخاص بالكرنفال، ثم أعادت تصفيف شعرها، ووضعت اللمسات الأخيرة لزينتها، ثم توجهت لغرفة ليون، ووجدته قد انتهى هو الآخر من ارتداء ملابسه، وكان يصفف شعره. وقفت تتأمله بصمت، وبريق الإعجاب يشع من عينيها،
وهتفت به قائلة: -واو، الرداء رائع عليك ليون، أخشى لو ذهبنا معه هكذا، سوف يقوم الفتيات بمغازلتك. نظر إليها ليون بنظرات تقطر عشقا قائلاً بتهكم: -بل أنتِ يا فاتنتي المشاكسة من سيقومون بخطافكِ مني، وأنتِ بهذا الرداء الذي أضفى عليكِ أنوثة طاغية. أمسك بالسيف الذي كان مع الرداء، ثم هتف بها، وعيناه تشتعل غضباً: -أقسم لارا لو اقترب منكِ أحدهم، سأقوم بقتله. ثم أمسك بيدها، وغادروا معاً.
بعد أن انتهى ليون من الاستعداد، وجدوا الشوارع قد ازدحمت بالعديد من الرجال والنساء، والجميع يرقصون السامبا معاً، وبعض المهرجين يتجولون بزييهم في الشارع، والألعاب النارية تنطلق محلقة عالياً في السماء. وأخذوا ينثرون على بعضهم البعض البودرة الملونة بكل الألوان، ويرتدون عقوداً من الأزهار. اندمج ليون ولارا بأجواء الكرنفال، وأخذا يمرحان سوياً، ويرقصان.
وأخذ ليون يحتسي الشراب بكثرة، مما أزعج لارا، وطلبت منه التوقف عن احتساء الشراب بكثرة كي لا يفقد الوعي، لكنه لم يستمع إليها، وأخذ يحتسي المزيد من الشراب، ويضمها لصدره، ثم يقبلها برقّة متناهية، ويهمس لها قائلاً: -تبدين فاتنة لارا، مذاق شفتيكِ يثملني أكثر من الشراب، أحب رفقتكِ كثيراً، وأشعر بالراحة بقربك. بعد أن انتهى الاحتفال، أسندت لارا ليون، وعادوا معاً للمنزل، وهم غافلين عن الأعين التي تراقبهم من بداية الاحتفال.
عادوا أخيراً إلى المنزل، بعد مشقة كبيرة. نظر لثقل ليون باستنادها عليه، وذهبت به لغرفته، وساعدته بالاستلقاء بالفراش، ودثرته بالغطاء، وانصرفت لغرفتها لتبدل ملابسها، وتنال قسطاً من الراحة. نهض ليون من النوم، وهو يشعر بألم غير عادي برأسه، وحين مد يده ليضيء ضوء الغرفة إلى جواره، تعثرت يده بجسد مسجى إلى جواره. فيضيء الضوء، ويدفع من وجدها تستلقي إلى جواره، وشعرها يخفي وجهها، فيقوم بدفعها، وهو يصيح غاضباً: -أنتِ!
هيا استيقظي! من أتى بكِ إلى هنا؟ وما الذي جعلكِ تنامين بفراشي، وبغرفتي؟ لتنهض الفتاة، وهي تتثاءب، وترتدي لباس نوم شفاف يبرز مفاتنها بدقة. ثم تقترب منه بدلال قائلة: -ليون، ما بك عزيزي؟ لقد قضينا ليلة لا تُنسى، وأنت أيها الشقي من طلب مني أن أبقى برفقته. أنا أعشقك أيها ليون. لينظر إليها ليون جيداً، وهو في حالة صدمة، محاولاً أن يتبين ملامحها، ليهتف ليون بها غاضباً بعد أن علم من تكون. صاح بها غاضباً:
-هلين، ماذا جاء بكِ إلى هنا؟ وماذا حدث بيننا؟ أمسك بها، وأخذ يضغط عليها حتى صاحت به بألم: -ليون، ابتعد، أنت تؤلمني، أنت من ثملت بالأمس، وأصررت أن أرافقك إلى هنا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!