حين قرأ ليون الخطاب حزن بشدة حتى أن الدموع طفرت بعينيه، لكنه تماسك حتى لا يشاهد أحد دموعه. قرر قبل أن يأخذ أي قرار، لابد وأن يتأكد أولاً من صحة ما ورد بالخطاب. أخفى الخطاب بدرج داخل مكتبه، ورسم على وجهه قناع السعادة، وأخفى بداخله حزنه العميق ريثما تنتهي الحفل، ثم بعد ذلك يذهب لطبيبه الخاص ليتأكد إن كانت النتيجة مطابقة أم لا.
توجه إلى لارا، أخذها، وجلسوا معاً على طاولة قريبة من المسبح. لاحظت لارا شُروده الدائم، والحزن الذي يخيم على وجهه، ونظرات الحزن التي تقطر من عينيه رغم أنه حاول كثيراً مداراتها بابتسامة باهتة. أخذت لارا تتأمله، وهي تضيق عينيها، وتتأمله بصمت متسائلة عن سر عبوسه رغم محاولاته ألا يبين أنه حزين، لكنها تفهمه بقلبها قبل عقلها.
اقتربت منه لتلتصق به أكثر، ووضعت رأسها على صدره، فأنتبه من شروده ليضمها إليه بحب. ويربت على خديها بحنان. أمسكت بكفيه تعلمهم بحب جارف. ثم ابتعدت عنه لتتوجه إليه بالسؤال قائلة: "مابك حبيبي؟ ما الذي يؤرق فكرك لتلك الدرجة؟ هل حدث شيء جعلك تحزن هكذا؟ كأنها مست شغاف قلبه بحديثها الرقيق هذا حتى فاضت عيناه بحزن شديد، وأدار وجهه عنها حتى لا تلاحظ مدى الصراع الذي يعانيه.
أخذت لارا تنظر إليه بتمعن شديد محاولة سبر أغواره أو معرفة سبب حزنه. لكنه نجح مؤقتاً في رسم قناع السعادة على وجهه، وأخفى الحزن بداخله. ثم همس لها بحب محاولاً أن يضع حزنه طي الكتمان وصغيرته ما ذنبها تشاركه حزنه. ليون: "لاشئ صغيرتي، فقط أشعر بالإرهاق ليس إلا. سأذهب لينال قسطاً من الراحة ثم سأشعر بتحسن حينها، وأنتِ أيضاً هيا إلى غرفتك. سآخذك إليها. أتمنى لكِ ليلة سعيدة."
غمرها ليون بين يديه، وتعلقت هي برقته، ووضعت رأسها على كتفه، ثم توجه بها ليون إلى الدرج متجهة لغرفتها. أسندها بيد، وبالأخرى فتح الباب، ثم دلف بها إلى الداخل، وقام بوضعها على الفراش، وأثرها بحب، وطبع قبلة على جبينها. ثم همس بأذنيها قائلاً: "مشاكستي الصغيرة، تصبحين على خير وسعادة. أحلام سعيدة يا مدللتي." لارا بعشق كبير: "حبيبي، وأنت من أهل الخير."
تركها ليون بعد أن دثرها بالغطاء، وذهب لغرفته بدل ملابسه، واندس أسفل الغطاء محاولاً أن ينال قسطاً من الراحة، لكن النوم أبى أن يأتيه. إنه تحالف ضده هو الآخر، ألا يكفيه ما هو فيه؟ أخذ يتقلب يميناً ويساراً محاولة منه لأن يأتيه النوم، لكن النوم جفاه. نهض ثم ارتدى الروب فوق ملابس النوم، وذهب للحديقة، واستلقى على المقعد الموضوع أمام المسبح.
أخذ يفكر فيما مكتوب بالخطاب، وتعب بشدة من كثرة التفكير. لا يدري ماذا يفعل لو كان ذلك صحيحاً، لمن يترك فتاته الصغيرة؟ التي ليس لها غيره. لم يكن يتوقع أبداً أنه حين شعر ببعض الدوار أثناء مرافقته للارا بالمشفى، قام بإجراء بضعة تحليلات ليطمئن على صحته، مجرد تحاليل روتينية. لكن لم يكن أبداً يخطر بباله أن يكون مصاباً بمرض خطير كهذا.
غفا ليون بعد قضائه وقت كبير بالتفكير في حل لتلك المعضلة التي وقع بها. كأن النوم جاءه يرفق بحاله، ينتزعه من دوامة التفكير التي أرهقته. في الصباح نهضت لارا ثم توجهت إلى المرحاض، اغتسلت، وبدلت ملابسها، ثم توجهت لغرفة ليون لتشاركها طعام الإفطار. توجهت إلى غرفة ليون لتتفاجأ بأن فراشه خالٍ. تذهب إلى المرحاض لتتفقد تجده خالياً مما يثير قلقها، وتذهب لتبحث عنه.
أخذت تفكر مع نفسها، وقد احتل القلق ملامح وجهها، وبدت نظرات الحيرة تطل من عينيها، وتساءلت قائلة: "ترى أين ذهب هذا البهلوان؟ توجهت إلى الحديقة فربما يكون قد نهض مبكراً، وتوجه إليها. توجهت إلى الحديقة بخطى سريعة، كادت أن تركض من شدة قلقها عليه. كانت تسير وعقلها شارد، وقلبها يخفق بقوة خوفاً عليه من أن يكون قد أصابه مكروه.
أخذت تسرع في خطواتها إلى أن تراءى لها من بعيد طيف شخص نائم على أحد المقاعد بجوار المسبح. ركضت مسرعة إليه، وحين اقتربت منه تيقنت أنه هو ليون، ينام منكمشاً على نفسه بوضع غير مريح. جزعت بشدة لرؤيته هكذا، ألم قلبها بشدة لتلك الهيئة التي يبدو عليها.
توجهت إليه، وقامت بدفعه برفق حتى ينهض من نومه. نهض ليون، وأخذ ينظر حوله بريبة محاولاً أن يتذكر أين هو، إلى أن تيقن أنه قد غفى بالحديقة. حاول النهوض لكنه شعر بالدوار، وكاد أن يسقط، إلا أن لارا أسرعت إليه لتقوم بإسناده. ساعدته لارا على النهوض، وأسندته إلى أن ذهبت به إلى غرفته، وحزنت بشدة للوضع المزرى الذي وصل إليه. فقد كانت درجة حرارته عالية بشدة، وأخذ يسعل بقوة.
كانت تود أن تعرفه على نومه بالحديقة هكذا، لكنها تريثت قليلاً إلى أن تطمئن عليه. فرت دمعة هاربة من عينيها، وهي تقوم بإسناده لتذهب به إلى غرفته. صعدت الدرج، وهي تقوم بإسناده إلى أن أصبحت أمام غرفته. دلفت إليها، ووضعته بالفراش، ودثرته بالغطاء، وجلست إلى جواره تتأمله بحزن شديد، وهي تنتحب بشدة على تلك الحالة المزرية التي أصبح عليها ليون.
كان جبينه يتصبب بالعرق، ووجهه مشتعلاً من شدة حرارته. أخذ ليون يتمتم بحديث متقطع من أثر الحمى قائلاً: "أحبك طفلتي الصغيرة، سامحيني لارا ابتعادي عنك ليس بيدي." ظنت لارا أنه من تأثير الحمى، فذهبت لتطلب الطبيب ليأتي سريعاً، وجلست إلى جواره تضع له كمادات لتخفيف الحرارة إلى أن يأتي الطبيب. بقيت تجلس إلى جواره حتى جاء الطبيب، وأجرى الكشف عليه، وقام بوصف العلاج له. فشكرته لارا، وأرسلت أحد الخدم لجلب الدواء.
أمرت لارا الخدم بجلب فراش لها لتبقى قريبة من ليون. قام الخدم بالفعل بتنفيذ أوامر لارا، ثم بقيت لارا بجواره طوال اليوم تعتني به، وتطعمه، ثم أعطته الدواء. وحين تيقنت أنه أصبح بخير، ودرجة الحرارة أصبحت طبيعية، ذهبت إلى الفراش، واندست أسفل الأغطية لتنال قسطاً من الراحة. بالمساء نهضت لارا لتطمئن عليه. فجلست إلى جواره قليلاً، وأخذت تتأمله بعشق جارف، وأخذت تتساءل قائلة: "ترى ماذا بدل حالك هكذا ليون؟
لقد كنت من عدة ساعات تكاد تطير فرحاً. ترى ماذا يحزنك حبيبي لتلك الدرجة؟ قلبي يؤلمني من أجلك بشدة. شفاك الله حبيبي. فداك روحي، وعمري، فداك قلبي، ودقاته." تململ ليون في نومه، وأخذ يردد اسمها بنومه. قربت منه، ولثمت خديه، وبينهم قبلت جبهته، وتخللت شعرها بأصابعها النحيلة برقة، ثم جففت قطرات العرق التي لمعت على جبينه. ودثرته جيداً بالغطاء، ثم جلست تتأمله بشوق وشغف كبير.
هبطت إلى الطابق الأرضي لتعد له حساء الدجاج المسلوق، وبعض الخضروات المسلوقة أيضاً. بقيت بضع وقت تعد له الطعام، وحين انتهت، ذهبت متجهة إلى غرفته، وهي تحمل الطعام، وكوب عصير برتقال أيضاً لأجله.
صعدت الدرج متوجهة إلى غرفته، دلفت إلى الغرفة، ثم وضعت الطعام على المنضدة، وقربتها إليه، وقامت بإسناده ليستقيم بجلسته. قربت الطعام منه، ثم جلست على حافة الفراش، وبدأت تطعمه بتأنٍ، حتى أنهى الطعام. جففت فمه بالمنشفة، ثم ضغطت على الزر المجاور لليون لتأتي إحدى الخادمات لتأخذ الطعام. ثم أعطته الدواء، وجلست بجواره تداعب خصلات شعره بحب.
أما هو فقد بدا حزيناً، وكأن هناك هماً كبيراً يجثم على صدره، ولا يستطيع إزاحته. أشاح بوجهه عنها إلى الناحية، وهو يحاول أن يخفي عنها مدى المعاناة التي يشعر بها. أدارت وجهه مرة أخرى لتتأمل ملامحه الحزينة، وعينيه المليئة بقطرات الدموع التي يحاول السيطرة عليها بصعوبة شديدة حتى لا تهبط بغزارة من عينيه. تحدثت إليه لارا بحب، وعشق جارف قائلة، وهي ترمقه بنظرات قلقة: "ما بك حبيبي؟
أنا متيقنة أن هناك شيء كبير يقلقك، وتخفيه عني. أخبرني حبيبي، شاركني أحزانك، لعلى أستطيع أن أخفف عنك." تحدث ليون بصوت واهن يكاد يكون مسموعاً، وهو يسعل بين الحين والآخر قائلاً: "لاشئ لارا، بضعة أمور بالعمل فقط تقلقني، لكن سأجد لها حلاً. لا تشغلي بالك مشاكستي الصغيرة." صمتت لارا على مضض، وهي غير راضية عن ما قال، ولكنها فضلت الصمت مؤقتاً، لا تريد أن تضغط عليه فيكفي المرض الذي ألم به. تحدثت إليه مرة أخرى قائلة:
"ما رأيك أن نذهب للجلوس بالحديقة قليلاً؟ أعلم أنك سئمت من الجلوس بالفراش." وافقها ليون، وهو يومئ لها برأسه علامة الموافقة. قامت بمساعدته على ارتداء الروب الخاص به، ثم أسندته إلى أن ذهبوا إلى الحديقة. أجلسته على الأرجوحة، وجلست إلى جواره. وضع ليون رأسها على قدميها، وهو يزفر بقوة، لعله يستطيع الخلاص من بعض الحزن الجاثم فوق صدره.
تمر الأيام، ويتمثل ليون للشفاء، ويقرر أن يقوم بجولة علاجية، لعله يجد علاجاً لذلك المرض النادر الذي أصابه. قبل أن يغادر احتضن لارا، وقبلها، وأخبرها أنه ذاهب لإنهاء بعض الأعمال العالقة، ولن يتأخر، وأوصاها أن تعتني بنفسها، ثم غادر متوجهاً إلى طبيبه الخاص.
ثم قام بإجراء التحاليل، والأشعات التي طلبها منه الطبيب، وجلس بانتظار النتيجة، والقلق تأكله، وظل يتمشى بالطريق الذي أمام غرفة الطبيب، ونظرات القلق تطل من عينيه، وهو يفرك يديه بتوتر شديد. بعد قليل جاءه المريض ليخبره أن الطبيب ينتظره. دلف ليون إلى غرفة الطبيب، وهو قلق للغاية بانتظار نتيجة التحليل. حين أصبح ليون داخل الغرفة، قام الطبيب بالحديث إليه قائلاً: "تفضل بالجلوس سيد ليون، لتستمع جيداً."
جلس ليون وقد توترت أعصابه، وبدأ القلق يتسرب إليه. تحدث الطبيب بنبرة جادة، وقد عدل من وضع نظارته على عينيه، ثم نظر بالأوراق التي أمامه، وأعاد الحديث إلى ليون قائلاً: "بكل أسف أود أن أخبرك أن التحاليل نتيجتها مطابقة لما ورد من المشفى بتركيا، وأنك بالفعل مصاب بفيروس نادر لا يوجد له علاج حتى الآن."
صعق ليون بشدة من استماعه إلى هذا النبأ المحزن، وتمزق قلبه من الحزن، وشعر بأنه يكاد يختنق. فأخذ التحاليل، وفر هارباً من العيادة، وهو لا يدري إلى أين يذهب. ظل يجول بالشوارع بغير هدى، إلى أن نال منه التعب، فقرر أن يذهب إلى أي ملهى ليلي ليطفئ النار التي تشتعل بقلبه. أخذ يتجرع الخمر كأساً تلو الآخر، ثم نهض منصرفاً ليقود سيارته عائداً إلى المنزل.
حين شاهدته إحدى الفتيات ممن يعملن بالملهى، عرضت عليه أن تقوم بمرافقته لتتأكد من وصوله سالماً إلى منزله. وافق ليون لأنه كان بائساً بشدة، والحزن يعتصر قلبه. ساعدت الفتاة ليون على أن يستقل سيارته، ثم جلست الفتاة خلف عجلة القيادة، وقادت السيارة بعد أن علمت منه بصعوبة شديدة أين يقطن. حين أصبحت أمام منزله، ترجلت من السيارة، وقامت بمساعدته على الترجل من السيارة. أسندته حتى باب القصر، ثم همت بالرحيل، لكنه أصر على أن تبقى.
تحدث إليها، والخمر يؤثر عليه قائلاً: "أنتِ يا فتاة، لن تغادري. ستبقين برفقني الليلة، ولن تغادري." أخذت منه مفتاح الباب، ثم أدارته بالباب، ودلفت برفقته للداخل. أرشدها ليون عن مكان غرفته، فصعدت معه متجهة إلى حيث توجد غرفته.
كانت لارا ما تزال جالسة بغرفتها تنتظر ليون بقلق شديد. فقد كانت قلقة عليه بشدة لأن تلك المرة الأولى التي يتأخر بها إلى هذا الوقت بالخارج. وما أن استمعت لصوت مقبض غرفته يفتح، ركضت باتجاه غرفته. وما أن همت بالتقدم داخل الغرفة، توقفت وهي تنظر إلى ليون بصدمة، وقد جحظت عيناها بشدة مما شاهدته. هتفت به غاضبة: "ليون ماذا تظن نفسك فاعلاً؟ لقد كذبت عيناي حين شاهدتك. من تلك الفتاة؟ يجب أن تخرج من المنزل حالاً."
كادت الفتاة أن تنصرف، لكن ليون تمسك بها، وهتف بلا غضب، وهو يترنح من أثر الشراب: "ما شأنك أنت؟ أنتِ لازلتِ طفلة، عودي لغرفتك." هتفت به لارا بغضب قائلة: "أنت تحبني، ولن أسمح لك بتدمير حبنا." ليون: "كاذبة، أنا لم أحبك. لقد كنت أضيع وقتي معك. هيا اغربي من وجهي، لا شأن لك بما أفعل." وقفت لارا ترمقه بغضب، والصدمة تسيطر عليها، غير قادرة على أن تصدق ما قاله ليون الآن.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!