ذهب النادل لينفذ ما قالته له السيدة، فقام باستبدال المقعد الموجود بآخر معطوب، حتى إذا قام أي شخص بالجلوس عليه سوف يسقط به. ثم ذهب باتجاه ليون ليرشده لتلك الطاولة. بالفعل، توجه ليون إلى المائدة وقام بمساعدة لارا بالجلوس على المقعد. وذهب ليجلس هو على المقعد المقابل، لكنه ما كاد يجلس على المقعد حتى تهشمت قدم المقعد، لكن ليون تثبت بالطاولة. ولحسن حظه، لم يسقط. نهض ليون على الفور، وهدر بالجرسون غاضباً: "أجننت؟
ألا تعلم من أنا؟ ثم رمقه بنظرات نارية، وأردف بنبرة غاضبة: "كيف سولت لك نفسك أن تقدم لي مقعداً معطوباً؟ هيا اذهب، وبدل المقعد بمقعد غيره، وأنا أقسم لك ستدفع ثمن فعلتك تلك غالياً." بينما هو يوبخه، كانت الفتاة التي أمرته بتنفيذ المهمة جالسة ترمق لارا بنظرات مشتعلة مليئة بالحقد والغضب. كانت تود لو تذهب إليها لتوسعها ضرباً، لكنها كانت تخشى ليون وأن يقوم بكشف شخصيتها.
ترك ليون لارا، وتوجه إلى حيث مكتب مدير المطعم، حيث إنه صديقه ويدعى أريان. توجه ليون إلى مكتبه بخطوات واثقة حتى أصبح أمام مكتبه. دلف ليون بوجه مكفهر من شدة غضبه. حين شاهده أريان بتلك الحالة، نهض من مقعده متوجهاً إليه ليعانقه بود. لكن ليون كان غاضباً بشدة، فاستوقفه بيده ثم هدر غاضباً، وهو يحاول كبت غضبه حتى لا ينفجر بصديقه، قائلاً بغضب جامح: "أريان، أريد أن توضح لي الآن كيف لك أن تجعل أشخاص عديمي المسؤولية يعملون لديك؟
أقسم لولا أنه يعمل لديك لأوسعته ضرباً حتى تهشمت أسنانه." تحدث أريان إلى ليون محاولاً تهدئته: "اهدأ ليون، وأخبرني عما حدث من أدى إلى إغضابك إلى هذا الحد؟ ليون، وقد اشتد غضبه: "ذلك النادل الذي يعمل لديك، كيف له أن يدعوني إلى الجلوس على مقعد معطوب؟ كدت أسقط على الأرض لولا تشبثي بالطاولة." أريان: "حسناً، اهدأ قليلاً. هيا بنا، سوف آتي معك، وصدقني سأقوم بمعاقبة المتسبب بذلك أشد عقاب. أنا أعتذر لك بالنيابة عنه ليون."
ليون، وقد لانت ملامحه قليلاً وهدأت نبرة صوته: "لا داعي للاعتذار، لكن يجب أن أعلم من المتسبب بذلك. فلنفترض أنه لم يكن أنا، وكانت لارا، ابنة عمي، وهي قدمها مصابة، أتدري ماذا كان قد حدث لها؟ توجه برفقته أريان، وهو رجل أربعيني قد خط الشيب بعض شعيرات من شعره، لكنه من أقرب أصدقاء ليون، وهو يقدره بشدة ويعتز بصداقته.
دلفوا معاً إلى الداخل حيث توجد الطاولة. قام ليون بالتوجه إلى حيث يقف الجرسون، ثم قام بجذبه من ياقة قميصه، وتوجه به إلى حيث يقف أريان. ثم دفعه أمامه بشدة حتى كاد أن يسقط على وجهه. تحدث ليون بغضب شديد بصوت كصوت الرعد قائلاً: "إليك، ها هو النادل الذي أرشدني إلى الطاولة." وقف النادل مذعوراً يرتجف من الخوف، وهو يتابع ليون بنظرات مرتعبه، وقد ابيض وجهه من شدة خوفه من ليون. أريان بصوت جاد، وهو يرمق ليون بنظرات مترجية:
"حسناً ليون، اتركه لي، وسوف أتفاهم معه وأوقع عليه العقاب اللازم، أعدك بذلك. لكن الآن تفضل بالجلوس، وإليك قائمة الطعام، وأنا سأقوم بجلب نادل آخر ليكون في خدمتك." زفر ليون بغضب، وهو يود لو يفتك بذلك النادل ويوسعه ضرباً.
جلس ليون على المقعد أمام لارا، ثم أمسك بقائمة الطعام وأخذ ينتقي منها نوع طعام له وللارا أيضاً. بعد أن أخذ ليون يتفقد القائمة، استقر رأيه على القرع المحشو بالدجاج والخضروات، وبجواره لحم بقر مقدد وبعض المقبلات، ثم عصير برتقال.
نهضت الفتاة التي حاولت إيذاء لارا سابقاً وفشلت خطتها. فقررت أن تكرر ما فعلته، لكن هذه المرة أصرت أن تنفذ خطتها ببراعة. توجهت إلى حيث يتم إعداد الطعام، ووجدت النادل يضع ما طلبه منه ليون ليهم بأخذه.
بعد أن يتم وضع جميع الأطباق على حامل الطعام، استغلت انشغال النادل بجلب الطعام الباقي، ثم نظرت إلى عصير البرتقال، ثم رمقت الأكواب بنظرات شيطانية، وأخرجت من حقيبتها زجاجة مشروب الأوزو، وهو مشروب قوي مسكر، هو مشروب صيته ذائع لدى اليونيانين. ثم وضعت في إحدى الأكواب، ولم تضع بالأخرى، وتسللت عائدة إلى خارج المطعم نهائياً، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة شيطانية وهربت سريعاً حتى لا ينكشف سرها، ولو علم ليون بأنها أتت هنا خلفه لن يدع الأمر يمر مرور الكرام.
أما ليون، كان يجلس يتأمل لارا بنظرات عاشقة، وهو شارد بها، يتابع كل همسة تهمسها أو أي حركة بسيطة تقوم بها. جاء النادل بالطعام، ثم قام بوضعه أمامهما، وغادر بعد أن قام بتحيتهم وتمنى لهم قضاء وقت ممتع. أخذ ليون يلتهم الطعام، وهو يرمق لارا من حين لآخر بنظرات عاشقة. ثم حين انتهى، مد يده ليأخذ كوب العصير، وبدأ يرتشف منه رشفة، ثم تلتها رشفة أخرى، يتبعها عدة رشفات. ثم ما هي إلا دقائق إلا وقد بدأ تأثير المشروب يسري عليه.
نهض ليون واقفاً، وترنح قليلاً، لكنه تماسك حتى لا يسقط. ثم بدأ حديثه قائلاً، وعيناه مثبتة على لارا. شعر كأن الكلمات تتدفق من فمه دون إرادته، ولا يستطيع أن يوقفها. أخذ يتحدث قائلاً: "أنتِ أيتها المدعوة لارا، أتظنين ما كان شعوري حين شاهدتك للمرة الأولى؟ ثم أكمل قائلاً:
"لقد كرهتك بشدة، شعرت أنكِ جئتِ لتهددي عرش قلبي وتسرقي مني راحة بالي. لكم تمنيت لو أني أعيدكِ لحيث أتيتِ، لكنني لم أستطع لكونكِ فتاة صغيرة. لقد حملتكِ ذنبي، وأنتِ ليس لكِ ذنب. صببت عليكِ جام غضبي لشيء لم تفعليه، وليس لكِ به يد. ومع الوقت، تسللتِ إلى شريان قلبي. عشقتُ براءتكِ وروحكِ البريئة. أنا لا أعلم إن كنت أحببتكِ؟ أم غرقتُ بحور عشقكِ حتى الثمالة؟
أنا أصبحت أتنفس عشقكِ يا لارا. على قدر ما قد كرهتكِ، أحببتكِ كأني لم أحب من قبل. أعدتني لأيام الصبا حيث كنت لا أحمل للدنيا هماً، كنت سعيداً مشرقاً مرحاً، أنشر السعادة حولي، كنت محبوباً من الجميع. لا تصدقي القسوة التي أتظاهر بها، فأنا بداخلي لكِ حباً كبيراً وشغف بكِ ملأ روحي. بينما القسوة التي أتظاهر بها ما هي إلا غلاف خارجي."
الصدمة كانت شديدة على لارا. كنت أظن أني واقع بحبه، لم أكن أعلم أن هذا مهو إلا وهم، مجرد انبهار بجمالها ليس إلا. أما أنتِ، فجئتِ اقتحمتِ قلبي دون مقدمات. خشيت عليكِ من الظلام الذي كنت غارق به، لكنكِ قابلتِ ظلام قلبي بالنور المنبعث من روحكِ النقية. حاربتُ كثيراً بكل ما أوتيتُ من قوة. أرسلتكِ بعيداً عني، لكن بمجرد أن علمت أنه أصابكِ مكروه، جننتُ، فقدتُ عقلي، حتى أنني كدتُ أنقلب بالسيارة أكثر من مرة. حين رأيتكِ أمامي يومها، لم يصيبكِ شيء سوى التواء بسيط بقدمكِ، تنفستُ الصعداء، شعرتُ كأن روحي عادت لي من جديد."
ثم انحنى إليها، ورفعها بين يديه، وقبلها برقة متناهية بكل مشاعره المكبوته التي حاول منعها من التعمق داخله. أما لارا، ارتجفت بين يديه كورقة بين مهب الريح، وقد زادت ضربات قلبها لتصبح كقرع الطبول، وتشبت بعنقه بشدة. أبعدها عنه لينظر بعينيها بنظرات مليئة بالعشق والشغف. أما هي، فكانت تنظر إليه بصدمة، وبداخلها مشاعر عميقة تجاهه، ما بين خوف منه، وحب كبير قد مس شغاف قلبها. لا تدري أتكرهه لأنه كان يكرهها؟
أم تذوب بعشقه كما يذوب بها هو؟
حملها ليون بعد أن قام بمحاسبة النادل، وأعطاه بقشيشاً كبيراً، وخرج بها إلى الخارج. وما كاد يضع قدمه خارج المطعم، فوجئ بسيل من الأمطار، مما جعله يركض بها تحت الأمطار ويدور بها، وهو سعيد للغاية، وكأنه كان مقيداً بأغلال من حديد تقيد روحه. وحين باح لها بكل شيء، شعر كأنه أصبح حراً أخيراً، وقد انزاح عن كاهله ثقل كان يجثم فوق صدره، وأخيراً قد تحرر منه. تمنى لو كانت قدمها ليست مصابة، لكانت شاركته الركض بالمطر.
بعد أن تسلع ليون برفقتها بالجزيرة، وزاروا معاً أغلب الأماكن السياحية الموجودة بها، عاد بها إلى المنزل، وذهب بها إلى غرفتها، ثم وضعها بالفراش، وتمنى لها ليلة سعيدة. لكنه قبل أن يغادر، وقف يرمقها بنظرات عاشقة، ثم تحدث إليها بصوت دافئ يغمره الحب قائلاً: "أرجو أن تكوني استمتعتِ برفقتي صغيرتي المشاكسة." ثم غمز لها، وغادر الغرفة دون أن يعطيها الفرصة لتجاوب. تمنت لارا بتلك اللحظة أن تنهض لتركض بكل ما أوتيت من قوة،
وأن تصرخ قائلة: "أحبك أيها الشيطان! هذا إن كنت أنت شيطان، أنت لست شيطان يا ليون، أنت ملاك أرسله الله لي. أعشقك أيها الليون." ذهب ليون إلى غرفته، وبدل ملابسه، ودلف إلى الفراش، ثم غفى بمجرد أن وضع رأسه على الوسادة. نهض بالصباح، ورأسه تكاد تنفجر من شدة الألم الذي فتك به. ضغط على زر استدعاء الخادمة، ثم نهض متكاسلاً، وهو يستند إلى الطاولة المجاورة ليذهب ليأخذ ملابسه ويغتسل، لعل الألم الذي فتك برأسه يذهب قليلاً.
جاءت الخادمة مسرعة إليه، ثم دلفت إلى الحجرة بعد أن طرقت باب الغرفة. تحدث إليها ليون، وهو يضغط على جبهته بشدة متمنياً زوال الألم الذي فتك برأسه بقوة شديدة: "من فضلكِ يا ماري، اجلبي لي قرص دواء لآلام الرأس، وفنجان قهوة، ثم أعدي لي الإفطار بغرفة لارا." ثم دلف إلى المرحاض، اغتسل، وبدل ملابسه، وقام بتمشيط شعره، ثم توجه إلى غرفة لارا، وجلس بجوارها. وجدها مستيقظة وجالسة بالفراش. ألقى عليها تحية الصباح قائلاً:
"مرحباً لارا، صباح الخير صغيرتي. كيف حال قدمك اليوم؟ لارا، وهي ترمقه بابتسامة مشرقة ارتسمت على شفتيها. جلب مقعداً إلى جوار الفراش، ثم جلس، وأخذ يتأملها بنظرات غامضة، وهو يضيق عينيه. تحدثت لارا إليه قائلة: "ليون، هل يمكن أن أطرح عليك سؤالاً؟ ليون: "بالطبع صغيرتي الجميلة، تفضلي، كلي أذن صاغية." ما أن نعتها ليون بالصغيرة حتى تبدلت ملامحها، وعبست بشدة، وهتفت به غاضبة: "ليون، لا تقل صغيرتي مرة أخرى، أنا لست صغيرة."
ليون يرمقها بنظرات ماكرة، وقد اتسعت ابتسامته: "لماذا يا صغيرتي؟ ألستِ صغيرة؟ عمركِ لم يتعدَّ السادسة عشر، إن لم تكوني أنتِ الصغيرة، فمن إذن؟ أنا الرجل الكهل الذي خط الشيب رأسي." ليون: "لا تغضبني، قلت لكِ لستُ صغيرة. دعكِ من كلمة صغيرتي تلك، وأخبريني شيئاً واحداً، هل ما تفوهتُ به بالأمس كان صحيحاً؟ هل كنت تقصده، أم أنك كنت تهذي أو واقع تحت تأثير شيء لا أعلم ما هو؟ ليون بتعجب، وهو يرمقها بنظرات مستفسرة قائلاً:
"أنا لا أذكر أي شيء، ماذا قلت لكِ أمس؟ لارا: "أنت تمزح يا ليون. ألا تذكر ماذا قلت لي بالأمس؟ أخبرني أنك تمزح معي." هو كان يذكر كل شيء حدث بالأمس، لكنه كان غير مستعد للاعتراف بمشاعره بتلك السهولة. لقد جعله المشروب الذي احتساه يقول أشياء كثيرة لطالما رغب بقولها. لكنه غير مستعد الآن لكل تلك المشاعر المتدفقة بشدة نحوها. تظاهر بأنه لم يتذكر شيئاً، فقال لها: "بالطبع لا أمزح لارا، أنا لا أتذكر أي حديث دار بيننا بالأمس."
نظرت إليه لارا بحزن شديد، وشعرت بجرح غائر أصاب قلبها، وتلألأت الدموع بعينيها، مما أغضبه، وتمنى لو يفصح لها عن الحقيقة. اقترب منها، وقام بإزالة الدموع من على خديها، وانحنى ليقبل وجنتها برقة متناهية، حتى لفحت أنفاسه وجهها. شعرت لارا بالخجل الشديد لقربه منها إلى هذا النحو، وتسارعت دقات قلبها بشدة.
أخذ ليون يحدق بشفتيها بشرود وتيه. هنا، دلف الخادمة إلى الحجرة، وهي تحمل طعام الإفطار والقهوة لليون، مما جعل ليون يبتعد سريعاً عنها للجلوس على المقعد. أخذ فنجان القهوة، ارتشق منه رشفين، ثم جلس يتناول الإفطار برفقة لارا، وأخذ قرص الدواء. بعد أن تناول الإفطار، ثم تحدث إلى لارا قائلاً بندم:
"لارا، أنا آسف حقاً، لم أقصد أن أسبب لكِ أي حزن، لكنني مشتت حالياً. أريدكِ أن تعطينني وقتاً حتى أتخلص نهائياً من الماضي وأغلقه للأبد." لارا بصوت باكي: "حسناً يا ليون، أنا لست غاضبة منكِ، ومقدرة تمام ما مررتِ به، وأعلم أنه ليس من السهل عليكِ أن تتخطاه بسهولة." ليون بنبرات تقطر عشقا:
"فتاني الجميلة، أحسنتِ يا صغيرتي. باقي أيام قليلة على الكرنفال، وأعدكِ سوف تستمعين به، ونقضي وقتاً رائعاً به. أترككِ الآن لأذهب إلى مكتبي، لدي بضعة أوراق سأرجعها، ثم سآتي لأصطحبكِ بنزهة بحرية مميزة." انصرف بعد أن قذف لها قبلة بالهواء. دلف إلى مكتبه، وأخذ يراجع الأوراق، وانهمك بالعمل، إلى أن قاطعه صوت طرقات على غرفته. عاد إلى الخلف ليستند على مقعده، ثم هتف قائلاً: "تفضل بالدخول." دلت الخادمة إلى الغرفة، وتحدثت قائلة:
"سيد ليون، هناك شاب يريد مقابلتك، ويقول إنه يريدك بأمر هام."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!