كانت ملقاة على رصيف الشارع بين أكوام القمامة، في بقعة نائية عن العمران، مقيدة من يديها وقدميها. دماؤها أعز ملابسها، ملطخة بالدماء. الدماء التي لطخت الأوراق القذرة المنتشرة حولها، حتى التراب تلطخ بالدم. فاقدة للوعي، جفت دموعها على خدها عندما وجدوها في صبيحة يوم غابر. لملموها وألقوا بها في مؤخرة السيارة كأنها حقيبة قديمة باتت غير صالحة لحمل الملابس. لم يحضروا الطبيب، الكل التزم الصمت رغم إعيائها وصراخها. قالت والدتها:
"دكتور إيه اللي هنجيبه؟ كفاية فضايح، كفاية اللي حصل." احتجزوها في غرفتها، رقدت على سريرها ليالٍ طويلة لا يسمع أحد من قاطني المنزل إلا نياحها! مهملة في المنزل كأنها مقعد قديم، ممتهنة مرغمة على تحمل كل شيء. تحية الصباح رحلت من قاموسها، لا أحد يتحدث إليها، كائن مقرف يتحاشى الجميع أن تلتقي بها نظراته.
تحولت لخادمة صامتة تعيسة، لا يحق لها النوم بعد الخامسة، تصلي الفجر وتدعو الله أن ينهي حياتها، تحضر الإفطار ولا تأكل معهم، إنها لا تشرفهم. تكوي الملابس، تغسل، تمسح، تطبخ، مع ذلك لا يسمح لها بالجلوس معهم. الشارع ممنوع، الهاتف ممنوع، التلفاز ممنوع، حتى الكلام ممنوع. أن تشعر بالتعب ممنوع، أن تضحك ممنوع، حتى البسمة ممنوعة على الفتاة التي فقدت شرفها.
"ماتت" هكذا قال والدها، وهكذا كانوا يردون على أسئلة صديقاتها، جيرانها، أقربائها. ربما من الممكن أن نتحمل الألم، لكن عندما يكون من الأقربين يكون أشد وأمضى. إنه خنجر مغروس في جرح مفتوح يتحرك مع كل نظرة وكلمة مع من كنا نظنهم أهلنا. الدموع لا تطبب جرح ولا تخفف ألم، لكن ما الحيلة إذا لم يكن لدينا غيرها؟
_بعد أن نسيتها حتى الأحجار القديمة التي كانت تتعثر بها وهي طفلة في الشارع، نزلت مضطرة. مرضت والدتها، احتاجت للدواء وكان لا يمكن تأخيره. هبطت الدرجات لأسفل ببطء وكأنها طفلة تتعلم المشي، وكأن ساقيها عيدان خيزران دقيقة ورقيقة. الشمس بدت غريبة لها فقد اعتادت مشاهدتها مثل السجين كل صباح من خلف الشراعة، بدت أكبر وأكثر جمالًا. نحن لا نشعر بالأشياء البسيطة إلا حين نفقدها. كم تمنت في محنتها أن تسير في الشارع مرة أخرى، تتابع
المارة، أن تلتهم شطيرة محشوة بالسجق مثل الماضي وهي مسرعة نحو دراستها، لكن تلك الرفاهية منعت عنها. غريبة بين أفواج المارة سارت، عيناها بين رأسها، متوجسة من أي حركة، لا زالت الذكرى تطوف بعقلها، تلك الليلة السوداء التي عادت فيها متأخرة من درسها، تبعها شابان أحمقين، حدت في مشيتها كادت أن تجري، سارت وهي تتلفت للخلف، لكن الخطر يأتي دائمًا من المكان الذي لا تتوقعه، كان في انتظارها في زقاق مظلم لئيمين من فصيلة البشر، وضع
أحدهم كمامة على أنفها وفمها، قيدها الآخر، جذبوها نحو سيارة قديمة، أغمي عليها، أفاقت في بقعة موحشة، مقيدة وملقاة على الأرض، بجوارها أربعة حيوانات بشرية يدخنون الحشيش، صرخت، رفصت، ركلت ودفعت، لكن لم يسمع أحد بكائها.
"اتركوني رجاء، ماذا فعلت لكم؟ "أليس لكم أخوات بنات، أمهات، قريبات؟! "لا تخافي لن نضربك." ولكن الضرب كان آخر ما فكرت به، جذبها أحدهم بكل قسوة، قاومت، خدشت وجهه بأظافرها، سبت وشتمت، ركلته في بطنه، صفعها على وجهها. "اصمتي يا عاهرة." لم تكن عاهرة أبدًا، لذلك لم تفهم ولن تفهم طوال عمرها وهي الفتاة التي كانت تمشي في الطريق لا ترفع عينها لما تم نعتها بذلك اللقب في تلك اللحظة. وضع أحدهم الخنجر على رقبتها.
"ربما عليك أن تفكري في الصمت يا فتاة." حذرها واحد منهم وهو يضربها. "حرام حرام." "أدعوكم بكل الرحمة التي وضعت في قلوب الأمهات أن تقتلوني." قالت لهم ذلك، قوبل كلامها بعاصفة من الضحك. "من الأفضل لك أن لا تذكري والدتك الآن." "أنا مثل أختكم." قالت: "هل ترضون ذلك لأختكم؟ "لسنا في درس تربية دينية يا فتاة، اصمتي وإلا قطعت لسانك."
تركوها مدمية تنزف من كل مكان، من وجهها، صدرها، ظهرها، بطنها، ذراعيها وأقدامها، قطعوها إربًا، كان جرح قلبها الذي لم يمسه خنجر الأكثر ألمًا. في كل ذلك كانت تصرخ: أبي وإخوتي سوف يقتلوني.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!