يا بنتي يا تقى، أنتِ لازم تكملي تعليمك وأشوفك شخص مهم زي السيد آدم. كانت أول مرة تسمع فيها تقى اسم آدم، فهمت إنه الشخص اللي بيعيش في الفيلا المجاورة، اللي بتشوفه كل عصريه قاعد فوق سطح الفيلا شارد بيرسم. قلتلك يا أمي الموضوع كبير ومحتاج مصاريف. يا بنتي أنتِ كنتِ دكتورة، إزاي توقفي تعليمك عند النقطة دي؟ لو أنا زي أمك حقيقي طاوعيني ومتزعلينيش. عواد يعرف راجل كان شغال عنده في الغيط، قال إنه هيساعدك.
شردت تقى، كيف تستطيع أن تكمل دراستها وهي محطمة؟ كانت عارفة أن عواد مش هينجح في استخراج الأوراق عشان كده وافقت ونسيت الموضوع عشان ترضي والدتها. اتصورت زي ما اتطلب منها ٨ صور والموضوع مات. لحد ما في يوم عواد ظهر وفي إيده أوراق كتيرة، مستندات تحويل الطالبة تقى عبد الرحمن لجامعة أخرى. تقى شافت الأوراق وكانت هتبكي من الفرحة واللخبطة. عواد قالها: متفرحيش دلوقتي، استني المفاجأة الكبيرة. وطلع كارنيه الجامعة.
سامحيني سرقت صورة من صورك يا تقى. _في قاعة محاضراتها جلست منفردة في زي قديم، لم تعنها نظرات العيون المتطفلة ولا الهمهمات ولا حتى السخرية المغلفة. أخرجت مفكرتها وانتظرت قدوم الدكتور. لكن الأيام الأولى في الجامعة تكون الدراسة غير منتظمة. لم يحضر الطبيب الدكتور مع ذلك ظلت صامتة ومنتظرة. أنظري لملابسها، كيف استطاعت تلك الغبية أن تلتحق بكلية من كليات القمة، مجانية التعليم.
لاب لاب لاب لاب، كلام كثير سمعته وهي في تمام الثقة والرزانة. لم ترد على أحد، كان هدفها واضح نصب أعينها. خرجت في المحاضرة الثالثة عندما أيقنت بأن الأساتذة لن يأتوا ذلك اليوم. سارت نحو الخارج كان عواد ينتظرها. قبل باب الخروج كان هناك شابان يتراهنان عليها: أنظر لملابسها، سأجعلها تتعلق بي في ظرف أسبوع. الفقراء لا يصمدون يا صديقي، يغريهم المال والهندام. من أول نظرة ستجعلني فارس أحلامها.
تبعها الشابان للخارج ثم رجعا عندما رأيا عواد في انتظارها. كيف الحال يا تقى؟ لا جديد يا منقذي، القاعات فارغة إلا من البلهاء والنرجسيات. غدًا سيكون أفضل. ركبا السيارة تجاه منزلهم. عواد لما أنقذتني؟ تقى أخبرتك للمرة الألف بأن الأقدار أرادت ذلك، وما أنا إلا أداة. نسيت بأن تخبرني بأني كنت ثقيلة ومستسلمة غير متمسكة بالحياة، بأني جذبتك لأسفل نحو القاع هههههههه. عواد لما لا تتزوج؟
لن أتزوج يا تقى، لقد أخبرتك بذلك، أم أنك تريدين أن تتخلصي مني والسلام؟ شرد عواد بنظرة للخارج للحظات، تتبع الحقول الخضراء التي تقطعها السيارة. من تلك التي ستقبل بشخص مشوه يا تقى؟ أنظري لوجهي، جسدي المشوه. أنا ألعن الحياة كثيرًا لأنها لم تأخذني مع أسماء. لا تقل ذلك يا عواد. يوم ما ستجد نصفك الآخر. طالما لكِ أخت مثلي فقر عينًا. بعيون ضاحكة أجابها عواد: نعم.
وصلا لمنزلهم قرب العصر، كانت والدة عواد في انتظارهم، رائحة البخور ملأت المكان، وزغرودة مجلجلة اخترقت حاجز الصمت. من شرفته في الطابق الثالث وقف على قدميه متخبط، سمع الزغرودة وأصابه الهم. قررنا نحن وكيل النيابة أحمد عثمان دائرة حدائق القبة. سجل عندك التاريخ والوقت يا محمود، إغلاق القضية رقم 777. والسماح لرافع الدعوى باستخراج شهادة الوفاة للمدعوة تقى عبد الرحمن، أقفل في وقته وتاريخه.
يا سعادة الباشا أنا لن أقبل أقل من خمسين ألف جنيه. تكاليف نقل الجثة للمنزل المهجور، ورشوة دكتور الطب الشرعي، وتزوير البصمات، والله وبالله أنا لن يصيبني من ذلك الأمر إلا جنيهات معدودة. دفع له أخيها الأكبر المبلغ. في يده شهادة وفاتها ذهب مسرعًا للمشفى الذي يرقد به والده. الآن يا والدي يمكنك أن تستريح، انظر هنا تلك شهادة وفاتها. والده الغير قادر على الكلام ولا الحركة ابتسم. لقد دبرت الأمر جيدًا! قال الأخ الأصغر.
نعم أحضرنا جثة لفتاة وألقينا بها في منزلنا المهجور، أشعلنا النيران حتى احترقت تمامًا! وتكفل عمل المشرحة بالباقي. كيف لي ألا أراها إلا مرة واحدة؟ سأل الصيدلي نفسه، حتى عندما سأل عنها في البناية التي دخلت من بابها أخبره صاحب البقالة بأن لا أحد يعيش هنا، لكنها أخبرته عن اسم والدتها، وهي تقيم هنا فعلًا. لا شيء يرغمها على الكذب.
بعد بحث وتقصي علم بقصتها، ما حدث لها، وعن اختفائها بعد الحادث في منزلهم، وفي الأخير احتراقها في منزل مهجور. لم يقتنع بالقصة، لكنه استسلم للدلائل بأنها ميتة. هل تراها تزوجت عواد؟ ستكون تلك ضربة قاسية يا آدم. كان آدم ينضح عرقًا وهو يفكر. نزل من شرفته دون تفكير، قصد منزلهم القشي. كانت أم عواد تحضر العشاء في الباحة، الحطب مشتعل من فوقه قدر وضعت به دجاجة. كيف الحال يا أم عواد؟ الحمد لله يا سي البيه نحمده ونشكر فضله.
أيتها العجوز لما لم تخبريني بأن هناك عرس سيقام؟ لقد سمعت زغردتك المجلجلة، ماذا هناك؟ لا شيء يا سي آدم، إنه اليوم الأول للدكتورة تقى في الجامعة. وكأنه استرد نفسه، سكنت أنفاسه المتسارعة، ألقى بجسده على كومة من القش واتكأ على الجدار الخشبي. ستتسخ ملابسك، قالت أم عواد. لكن آدم كان شاردًا تمامًا، لم يسمع أي كلمة من حديثها. لم يعد بحاجة لذلك. ستأكل معنا، أليس كذلك؟ آدم! آدم! لكزته في كتفه.
عاد من أفكاره، أبصرها أمامه واقفة. الدكتورة تقى يا آدم. هب واقفًا في مكانه، ترنح، اتكأ بيده على الحائط، تلعثم، نطق بالفرنسية: ما أجملها. رددت تقى بالفرنسية. أصابه الخجل، أحنى وجهه للأرض. سأنصرف الآن، اعذروني. تسارعت خطواته نحو منزله، لام نفسه على تلعثمه، قلت لياقته. لكنه كان مسرورًا، منشرحًا، رأى في تلك اللحظة كل شيء جميل. لم يتناول طعامه، صعد لشرفته، أمسك بلوحتها: الآن فقط يمكنني أن أكملك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!