السماء مليئة بالغيوم، والرياح تزمجر، والقشة لن تصمد كثيرًا. لكنها إن تركت نفسها، ربما تطير لمكان أكثر خضرة، وافر الماء والغذاء، واسع الرحمة، يسكنه بشر. تمللت تقى في سريرها، كوخ من القش، لا نوافذ، تلك ليست الجنة. إبريق الشاي على كومة من الحطب المشتعل يغلي. غصن شجرة يطقطق في وهج النار. وليست النار أيضًا، تلك المرأة الملثمة ليست الشيطان. الشيطان والعفاريت لا يشرب الشاي. "أنا فين؟
سألت تقى بصوت منخفض، هرعت إليها تلك السيدة. ربتت على كتفها، جلست بجوارها. "ماتتكلميش يا بنتي، انتي لسه ضعيفة." غفت مرة أخرى. ظلمات مكثفة يخترقها ممر ضيق. "فوقي يا بنتي! " صرخت السيدة. "أنت تتألمين، جسدك تصبب بالعرق، روحك كادت أن تصعد." "أنا فين؟ "أنت هنا، في بيتنا." "اشربي شوية ميه." أجلست المرأة تقى، ناولتها إبريق الماء، شربت، تأوهت تقى من الوجع. مسكت رأسها التي تؤلمها مضمدة بشال أبيض. "رأسي تؤلمني؟
"انتي واخدة ضربة لو خدها جحش كان مات." "في عربية رمتك في النهر." "لكن ولدي كان هناك يعمل بالحقل تحت ضوء القمر، شاف كشاف العربية ومشى وراه." "قفز خلفك بعد أن انصرف ذلك الرجل، تشبث بك، كاد أن يغرق معك، سبح بك نحو البر، حملك وأحضرك وأنت ميتة." "عندما أحضرك كنتي تشبهين الدجاجة التي غليت في قدر لأسبوع كامل! "قلت ظنينة أن قعدتي حية للصبح." "خرجت من صدرك جردل ماء." "دهنت جرحك بالحنتة."
"ودعيت ربنا طيلة ليلتين أن ينقذك، ولكن مين اللي عمل فيكي كده؟ "أخي... *** في شرفته في الطابق الثالث في الفيلا الأنيقة القديمة، كان ينظر للحديقة الخلفية حيث حقول الكرم التي تتخللها أشجار الرمان والبرتقال واليوسفي، شجرة المانجو العملاقة. يجلس على كرسي من الصنوبر ويحمل فرشاته بألوانها الزيتية. رجع من باريس محمل بأحلام لا حدود لها، صدمه الواقع فانعزل في منزله. يجلس بالساعات يستمع للطبيعة ويحدثها.
طنت ذبابة جوار رأسه فأشاح بعينيه للجهة الأخرى، حيث حقول القمح والبرسيم والفول التي تلي المصرف القبيح، منازل صغيرة وحديثة زرعت بعشوائية، من خلفها النهر المتعب يسير ببطء نحو المصب. من بعيد شافها في عبايتها المزركشة، تقطع الجلة وتقطعها وترصها على تبة ترابية، جنبها سيدة عجوز يعرفها منذ كان طفل. راقبها وهي تجلس جلسة بدت غريبة عليها، كانا يتناقشان في أمر ما. أمسك فرشاته واستغرق في الرسم. "يا بنتي انتي لسه ضعيفة على العمل."
"لا أنا بقيت كويسة خلاص، مش هسيبك تشتغلي وأنا قاعدة في مطرحي." "بس انتي هتكملي دراستك زي ما اتفقنا؟ "الموضوع مش ساهل للدرجة دي يا أمي، يلزمه أوراق ومستندات جديدة وأموال." "ماتقلقيش سيسافر ابني للقاهرة ويحضر كل شيء." "عواد لن يستعصي عليه شيء." "عفريت هو يا تقى." "لو ما كانش عفريت ما كانش قدر ينقذني." مرات كثيرة وهي جالسة في ظل الحائط تستقبل الشمس، تساءلت لمن تلك الفيلا القديمة؟
لأيام عديدة لم تر أي شخص يدخل لها أو حتى يخرج. راودتها نفسها كثيرًا أن تتجول في حديقتها بأزهارها الجميلة، لكن لا أحد يطرق المنازل من أبوابها ويحتفي به، كما إنها لن تتلصص. ظل يتابعها من بعيد وهي تخرج كل يوم أمام ذلك الكوخ القشي. هي ليست ابنتها، وليست زوجة ابنها. من هي؟ تلك الملامح الرومانسية في قمة الإثارة. هل انبعثت آلهة الجمال القديمة في صعيدنا من جديد؟ تلك الرقة المشوبة بالخجل تسحرني. من أين أتيت أيتها الحورية؟
هل تنبت تلك الأرض القاسية زهرة فريدة؟ لقد أصبحت صباحاتي أكثر إشراقًا منذ رأيتك. هل انفتح ذلك القفل الملتصق بحائط كوبري الحب بباريس؟ ستأتي العجوز وستصطحب معها تلك الفتاة. أرسل في طلبها ولكنها أتت وحيدة تتخبط في عباءتها الطويلة. "أنا لا يمكن أن أرفض لك طلب يا سي آدم." لكن آدم تركها وصعد لشرفته، فهناك يجد نفسه أو ما تبقى منها. "كنت متوقع إنها تجيب البنت معاها لكن للأسف ما حصلش."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!