الفصل 33 | من 37 فصل

رواية تمرد عاشق الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم سيلا وليد

المشاهدات
22
كلمة
7,601
وقت القراءة
39 د
التقدم في الرواية 89%
حجم الخط: 18

أخبروها إنها الأمنية التي أغمض عيني عليها في نهاية كل يوم وأتمنى أن لا تنتهي أبدًا! فأنت لست شيئًا عاديًا بحياتي، لست إحساسًا عابرًا، ولست ألمًا يمكن الشفاء منه. أنت في عمري شيء لا أستطيع الاستغناء عنه... رجع مساءً من عمله، دلف للمنزل فوجد الهدوء يعم المكان. أسرع لغرفته وفتح الباب بهدوء... جحظت عيناه مما رأى. كيف هذا الملاك التي أصبحت في حبها ملاكًا لي... وأنا كنت المتمرد بل أصبحت القاسي لقلبي وقلبها...

بل أصبحت الجلاد. نظر إليها، كانت كحورية بحر بمفاتنها التي تذهب العقل لتجعلك كالسكران... تقف في منتصف الغرفة بطلتها البهية ورائحتها الخلابة. ماذا تفعل بي طفلتي؟ هل رُميت بسهم العشق الذي لا يشبع مهما ارتوى؟ الآن أنا كالمدمن حبيبتي الذي اعتاد على جرعته من رحيقك واقترابك... وكيف يداوي المدمن إلا بمصله؟ لما لا وأنت أصبحت مصلي لشفائي... أصبحت ثنايا الروح... أصبحت الحياة لحياتي. في قانون العشق يقولون: داخل كل امرأة

طفلة بريئة لا تكبر على اللعب وعاشقة لا تكبر على الحب وأنثى لا تكبر على الحنان لهذا لا أشعر بوقتي مهما مر معك. فركت يديها وهي تتلفت في جميع الاتجاهات. كانت تضع منضدة متوسطة الحجم بجانب الشرفة... مع الموسيقى الهادئة والشموع الحمراء... حقًا كان مكانًا بمشاعر رومانسية. خطا إليها بهدوئه المعتاد... كانت نظراتهما تحتضن كلاهما... اخترق قانون العشق المسافة بينهما... وعيونه تلاحقها... أقسم بربه لم يرَ في جمال عينيها...

فهي كترانيم مقدسة لقلبه. حاوط خصرها مستنشقًا عطرها بلذة عاشق حد النخاع... أخذ شهيقًا عميقًا لتسري رائحتها وتتغلغل في ثنايا دواخله... ساد الصمت بينهما ورغم ذلك تتحدث النظرات بالكثير والكثير من الاشتياق الطاغي عليهما. وضع رأسه بين خصلاتها وأردف محاولًا كبت رغبته بها في الحال: "وحشتيني... رغم إنها بسيطة ولكن لواقعها الكثير والكثير في القلوب لتلحن معزوفاتها النابضة."

استمع لنبضاتها المرتفعة وصدرها الذي يعلو ويهبط أمامه بانتشاء. رفعها من خصرها... متوجهًا بها لداخل الغرفة... طوقت عنقه بمجرد حمله لها... رفعت نظرها لتفاحة آدم خاصته داعبتها بشفاها مما أثارت رجفة لذيذة في جسده. جلس وأجلسها على ساقيه... مرر أنامله الخشنة على وجهها الطفولي... أغمضت عيناها من لمساته. "جواد وحشتني." أردفت بنبرتها الحنونة العاشقة له. كم يعشق اسمه من شفتاها... رغم الكثيرات اللاتي كن أمامه...

ولكنها هي سواهم... امرأة أذابت جليد قلبه من عشقها. قربها منه حتى تلامست الشفاه بمزيج العشق... ححّم حتى يقوى على الحديث: "روح وقلب جواد يا حبيبي." نظر لداخل مقلتيها... "ناوية تعملي فيا إيه تاني يا جنتي؟ تلعثمت خجلًا وطافت عيناها يمينًا ويسارًا: "حبيت أعملك غدا خاص في الأوضة... رفعت يديها ولامست زر قميصه... وتحدثت بصوت رقيق: "بيقولوا أقرب حاجة لقلب الراجل معدته... وأنت عمرك ما طلبت حاجة معينة مع إني عارفة كل أكلك...

بس النهاردة خرجت عن وجبات جواد الألفي المألوفة وحبيت آكله على ذوقي." ثم رفعت أهدابها وتفحصت تقسيمات وجهه التي تعشقها حد الجنون... رافعة أناملها تتحسس وجهه: "لازم تاكل من عمايل إيدي النهاردة." اقتربت وهمست بجانب أذنه: "مراتك وقفت في المطبخ علشان تأكلك من إيديها." ظل يقاوم نيرانه الملتهبة بها... ولكن فقد عجزه واقترب متناولًا ثغرها ليتلذذ بطعم شهدها ناهيك عن كلماته التي أصهرتها تحت يديه... ما هي إلا لحظات وضعت يديها على

صدره لتوقفه عما انتواه: "حبيبي قوم خد شاور علشان نتغدى وبعد كدا أنا معاك... أنت مهمل في أكلك خالص يا جواد." وقف وما زالت بأحضانه متوجهًا لطاولة الطعام... ليتفحص ما بها. رفع بعض أغطية الأطباق ليرى ما أعدته جنيته له. "أشوف عظمة مراتي في الأكل الأول." "إيه دا يا غزل... رفع ساقيه على المقعد وأجلسها عليها. قاطب حاجبه مع ابتسامة شقت ثغره: "حمام يا غزل... قهقه عليها مما جعلها تخجل وتضع رأسها في حنايا عنقه.

"أنا سألت ماما عن الأكل المفضل... فقالت لي على الحمام... اتجهت يده للطبق الآخر ورفعه. جحظت عيناه وهو يضحك بصوته كله ويقربها لقلبه: "مستحيل تكوني أنت اللي عملتي دي." "طيب الحمام معروف يا قلبي... إنما دي عرفتيها إزاي؟ لكمته في صدره. "بس يا رخِم أنا معرفش البتاعة دي، ماما اللي عملتها وقالت لي أقدمهالك." ارتسمت ابتسامة واسعة على محياه وهو يرتوي من عشقها له: "تعرفي بحبك قد إيه؟ ضيقت عيناها وأردفت بمشاكسة

وهي تضع يديها بخصرها: "لا لسه معرفش يا حبيبي." ظل يقهقه عليها... ثنى ركبتيه وحملها متجهًا بها إلى الأريكة... قطب جبينه ونظر لها: "أنت تخنتي يا حبي ولا إيه؟! "أنت اللي ما عدتش قادر تشيل يا حبيبي." وقف مكانه جاحظًا عينيه بها: "بتغلطي يا حبي ودا هيطلع عليكي." رفعت يديها لذقنه: "ما هو أنت اللي بتحسسني إني بغلة." داعب وجهها بأنفه: "لا يا حبي أنت أجمل سيدات العالم."

بسط جسدها على الأريكة ودقات قلبه وأنفاسه بالارتفاع وحاوطها بيديه وأردف مشاكسًا حتى يخرج من حالته: "شايفة حبيبك مقصر معاكي فقولتِ أعمل له حاجة ترم عظمه... وضعت يديها على عينيها، أردف بها وعينيه تتأكل ملامحها الجميلة. احمرت وجنتاها بحمرة الخجل وهربت بأنظارها منه من مغزى كلماته. أنزل برأسه ليدفن أنفاسه بعنقها... مما أدى إلى تغلغل روحها... فرفعت يديها تلمس خصلاته الحريرية. رفع نظره وابتسم بوجهها:

"أنت عارفة لو أكلت الحاجات دي دلوقتي ممكن تباتي في المستشفى مراتي الحلوة." "جواد ما تبقاش رخِم... أنا بحثت وعرفت إن الرجالة بتحب تاكل الحاجات دي." ظل يناظرها بهدوء: "جوزك زي أي حد يا زوزو... مستني أكل علشان يقويه." تمتمت بكلمات مستاءة من رد فعله وضحكاته. قرص وجنتيها: "بموت فيكِ يا حبي وأنت بتهتمي بجوزك حبيبك... قبل يديها بحب: "تسلم إيدك يا حبيبي... ريحة الأكل تحفة بس أنا مش مسؤول عليكِ تمام." اعتدل بقامته متجهًا

للمرحاض: "خمس دقايق وراجع علشان أتهم الكوارع بتاعتك دي، مع إني ما بحبهاش بس هاكلها يا حضرة الدكتورة نشوف فايدتها إيه... رفع حاجبه وأكمل بانتشاء: "وما تسأليش عن نفسك بعد كدا." ألقته بالوسادة... ظل يقهقه عليها: "يا رب يصبرني عليكِ يا جنتي... شكلي هاجي آكلك بدل الكوارع والحمام." *** في الفيوم ظهرًا تجلس أمام الشلال تنظر لجمال الطبيعة بهدوء يسكن روحها... تمدد بجسده ووضع رأسها على ساقيها متمتمًا:

"إيه رأيك في المنظر اللي يخطف العقل دا... لمست شعره بأنامها مبتسمة: بقالنا أكتر من سنتين متجوزين، يعني بعد كتب كتابنا أول مرة تجيبني هنا. أنا أسمع على جمال الفيوم وطبيعتها الخلابة، بس بصراحة أول مرة أجيها بعد ما اتجوزنا. ناظرته: -جينا يوم فرح جواد بس... ومشينا على طول. تمتم حزينًا: -من يوم موت جاسر الله يرحمه وعمو ماجد... وإحنا ما جيناش غير كام مرة على السريع. اعتدل جالسًا:

-تعرفي كان كل سنة نيجي آخر أسبوع في رمضان ونعمل موائد الرحمن هنا. ابتسم بحزن لذكريات ما زالت عالقة في الروح. آخر رمضان كنا هنا كلنا... وقت ما غزل وجواد دخلوا في معركة العشق الممنوع... المهم جاسر دا كان ملاك العيلة. انسدلت دموعه عنوة عنه وأرغم عن الذكريات المؤلمة. -كنا لازم نروح نصلي العيد... وكنا نشيل غزل ونجري بيها.. وجواد يتجنن ويرفع غضبه علينا ويقول: -بس يا حمار منك له... مسحت دموعه بحنان ووضعت رأسها في أحضانه.

-ربنا يرحمه حبيبي... تعيش وتفتكره دايمًا بالخير... ناظرها بهدوء: -جنى كمان أول ما جت الفيوم قالت عليها زيك... فيكوا شبه كبير قوي يا نهى. ترقرقت عبراتها عبر وجنتيها بسرعة لا تعلم لماذا انشطر قلبها من فكرة إنه ما زال يحن لذكرياتها؟ فهدف سؤالها صميم قلبه... ليحول قلبه لشظايا الأسف على ما تفوه به. صراع عنيف اندلع بداخلها ووخز قلبها بأشواكًا عندما تذكرت حبه لها. شعرت بأنه سدد طعنة لقلبها قوية بنصل سكين بارد...

رفعت وجهها وأردفت متسائلة: -لسه بتفكر فيها بعد اللي صار دا كله؟ رد عليها بلوم واستنكار: -ليه الدموع دي حبيبتي؟ لمس جانب وجهها بأصبعه. -مش معنى إني ذكرتها يبقى لسه بفكر فيها... الكلام جاب بعضه، نهى دا مجرد كلام بس. وضعت رأسها: متزعليش مني... هرمونات الحمل... وضع يديه على أحشائها. -كنت عايزة تخبي عليا... لولا عرفت بالصدفة. ابتسمت بوجع.. مطت شفاها بحزن ونظرت للأسفل وتحدثت بنبرة حزينة:

-ما حبيتش أعلقك بيه زيي وفي لحظة مش نلاقيه... إحنا المرة اللي فاتت ما كناش نعرف وتعبت جدًا بعدها. تنهدت بحزن وأكملت: -حقيقي ما اعرفش أنا كنت تعبانة من فقدانهم قبل ما أعرف بوجودهم ولا تعبانة من اللي شوفته. قبل رأسها: "كل ما يصيبنا إلا ما كتبه الله لنا". في منزل والده بالفيوم. تجلس بأحضانه على عشب الحديقة. ابتسم حازم لذكريات الطفولة: -كنا بنلعب هنا لحد ما نتهد وننام على الأرض...

ويجي عمو ماجد الله يرحمه ينام جنبنا ويحكي لنا حواديت. أكمل استرسال ذكريات البراءة: -مرة جواد ركب العجلة وراح الدرس وأنتِ فضلتي تعيطي علشان تروحي معه على العجلة... فعمو ماجد راح جاب لك عجلة مخصوص وعلمك عليها في الحديقة كلها. استدار ورفع وجهه إليها: -جاسر أخذك من إيدك ومسح دموعك وقتها ما اعرفش اضايقت ليه لما حطيتي راسك في حضنه... مع إننا كنا لسه ولاد. أغمضت عيناها والذكرى تصفعها... حتى خيالها صوره بالكامل... ضحكاته...

همساته لمساته... حتى قبلاته... فتحت عيناها فجأة وقد غزا الحزن ملامح وجهها... حجبت الدموع عنها رؤيتها لحازم وكل ما تراه جاسر فقط... طلعها حازم مرتقبًا رد فعلها... واندلع لهيب الحزن بقلبه عندما وجد صراعها الداخلي أمامه... جذبها لأحضانِه متناولًا ثغرها ليخرجها من حالة التيه والارتياب التي غزت قلبها.

رغم نظرته التي أحس بقبضة قوية تعتصر قلبه لتخيله أنه لمسها قبله.. من قبلاته التي رآها ذات مرة أشعلت لهيب قلبه واعتصرته وجعلته كنيران متأججة ورغم ذلك أردف: -جاسر كان غالي على الكل يا قلبي... أنا مش هضايق منك صدقيني لأني عارف ومتأكد حبي في قلبك... ابتسم بوجع. كفاية إن أخته السبب في جمع شملنا.. يعني حتى بعد موته ذكراه جمعتنا. تذكر ذلك اليوم. صرخ بوجهها: -امشي من هنا يا مليكة "أمي دبحتني وأنتِ دوستي عليا بكل جبروت".

أمسكها من ذراعيها بغضب وحدجها والشرر يتطاير من مقلتيه: اللي بيحب بيثق في حبيبه بيوقف قدامه ويواجهه.. أنتِ عملتي إيه؟ قفلتِ على نفسك وما واجهتيش... وأول عريس اتقدم لك وافقتِ عليه كأنك ما حبتينيش وأنا دلوقتي بقول لك أنا كمان ما حبتكيش... ويلا روحي عايز أرتاح. اهتزت نظراتها أمام ثورته فلم تسعفها الكلمات... فهو محق ولكن كيف تخبره بأنها أحبت غيره... جاسر كان كمرهم ليطيب جراحها... أنساها حزن قلبها.

بخطى متعثرة اندفعت خارجة تركض بضع خطوات بلا هدى قبل أن تشعر بصدمتها عندما وجدت غزل تقف على باب الغرفة ودموعها تنسدل بغزارة. وزعت نظراتها بينهما ورجفة قوية اعتصرت فؤادها على ذكريات أخيها التي بدأت تتلاشى شيئًا فشيئًا: -كنتوا بتحبوا بعض... يعني سبب سفرك السنوات دي كلها خطوبة جاسر لمليكة. حاول أن يتحدث ولكنها مسحت دموعها. خطت بخطوات هزيلة: -ليه خبيت عليا... ارتجفت يديها وهي ترفعها على وجهه، وخزة أصابت قلبها:

-أنا بشوف فيك جاسر... أكتر واحد شوفته هو أنت، حتى واخد من ملامحه كتير... عصرت عيناها بدموعها الملتهبة لعيناها. أسرعت له وألقت نفسها بأحضانه وهي تبكي بنشيج... لا تعلم سبب بكائها. هل سبب محو جاسر تمامًا من حياة مليكة؟ أم إنها تبكي عندما علمت بعشق حازم لمليكة أي أنها لا تبتعد عنها وآخر غريب سيأخذها بدلًا عن جاسر. اتجهت لها مليكة وأردفت بشفتين مرتعشتين: -غزل اللي سمعتيه دا من زمان قوي من قبل حتى ما أحب جاسر.

صاعقة هزت جسده بالكامل من كلماتها. ما زالت تؤلمه بدون رحمة... الآن تنسب حبها لشخص آخر أمامه. أغمض عينيه يدعي ربه بالثبات أمام غزل حتى لا يؤلم روحها. خرجت من أحضان حازم ونظرت له فهي تشعر بوجع قلبه لأنها عاشت أوجاعه. كنت بتحب مليكة يا زومي... ابتسمت بوجع: لا أنت ما كنتش بتحبها أنت ما زلت بتحبها والدليل الحزن اللي دايمًا بشوفه في عيونك... أمسكت وجهه بين راحتيها. -قدرت تستحمل دا كله إزاي يا حبيبي.. انسدلت دموعها بغزارة:

أنا أكثر واحدة أحس بيك يا حبيبي.. بس الفرق بينا إن ربنا عوضك بحبك ورجعهولك... حافظ عليه يا حازم... مليكة طيبة ومعذورة والله. استدارت لها: -هي كمان بتحبك صدقيني.. مش كدا يا مليكة... اقتربت منها وهمست لها: "عيشي حياتك حبيبتي الحي أبقى من الميت وحازم زيه زي جاسر". أمسكت يديها ووضعتها بأيدي حازم: -عيشوا حياتكم الحياة قصيرة.. واللحظات السعيدة بقت قليلة جدًا.. رفعت نظرها لحازم.

الفرصة جت لحد عندك اغتنمها صح وما تخليش الماضي عدو لك.. احتوت كفه بين راحتيها وتحدثت بهدوء منافي للموقف وآلام قلبها ورغم ذلك اختارت كلمات منتقاة أصابت كليهما: -الحب بيجي مرة واحدة حقيقي قدامنا.. يا نغتنم الفرصة دي ونحاول نحافظ على حبنا يا إما نيأس ونسيب اليأس عدو كالشيطان.. قدامكم أمل ترجعوا حبكم ربنا بعتهولكم... يا ريت تجي لي نص فرصتكم دي.

اتجهت خارجة ولكنها تسمرت بمكانها عندما وجدت جواد يقف يستند على الحائط ويضع يديه بجيب بنطاله. خرج من شروده وذكرياته. جذبها لأحضانه مقبلًا جبهتها: جاسر هيفضل عايش في قلوبنا يا حبيبتي. عند سيف وميرنا. يجلس فوق الشجرة ويلقي لها بعض حبات التوت التي عالقة بالشجرة: -والله هنزل بقول لك أهو بطلي ضحك. قهقهت عليه بصوتها الرقيق وهي تنعته بالحرامي متسلق الأشجار: -الله وأنا مالي...

مش حضرتك اللي عاملي سبع الليل، وقلت لازم أجيبهولك من الشجرة؟ جلس على غصن الشجرة وهو يناظرها بحب. عارفة والله لأفكر بولادنا وأحكي لهم عن يوم كتب كتابنا إني سرقت توت لأمكم. ظلت تقهقه عليه. سحرته بضحكاتها التي أنارت حياته. -خلاص اتجوزنا وجبنا ولاد، وكمان بتحكي عن إنجازاتك في السرقة! -أنت هبلة يا بت؟ كلها عشر ساعات وتكوني مراتي. وضعت يديها على شفتيها.

-أيوه يا حبيبي، عارفة إن شاء الله هكون مرات حضرة البشمهندس العظيم سيف الألفي. ظل يطالعها بحب حتى لم يلاحظ انكسار الغصن إلا عندما ارتطم جسده بالأرض. ارتجف قلبها عندما وجدته يتألم من ركبته. أسرعت وجلست أمامه. -إيه اللي حصل وإزاي وقعت كده؟ أصابها الهلع عندما أغمض عيناه من الألم. ابتلع آلامه ونظر لها. -أنا كويس متقلقيش. صمد عن آلامه وحاول الوقوف. أمسكت يديه واستند على ذراعيها ووقف، ولكن وجد جرحًا بركبته.

أشفقت عليه كثيرًا: -أنا آسفة والله يا سيف ما كانش قصدي أبدًا! ابتسم لها. ولا يهمك يا قلبي. أنا كويس. الجرح سطحي بس البنطلون اتقطع، قالها بضحكات صاخبة. قطبت جبينها. -صعبان عليك البنطلون يا سيف؟ ثنى ركبتيه مستندًا عليها. -مش موضوع بنطلون الموضوع. الموضوع إنك لما تسمعي كلام صهيب عن البرندات بتاعته تقولي الحاجات دي هتعيش العمر كله. ثم أشار لها على البنطال.

-وشوفي من وقعة حصل له إيه. جذبت يديه وهي تضحك على كلماته وعلى مظهره. وصلا حيث جلوس مليكة وحازم. اتجهوا وجلسوا بجانبهما. نظر حازم لبنطال سيف. -إيه اللي قطع بنطلونك كده يا سيف؟ قهقه فجأة. -دي جزاءة الحرامي. قطبت مليكة جبينها. -سرقت إيه يا سيف المرادي؟ هو يا حبيبي كل ما نيجي الفيوم لازم تعمل لك مصيبة وأنا اللي بقول عليك عقلت. ضيقت ميرنا عيناها. -سيف كان بيعمل مصايب هنا؟ قالتها وهي تناظره بغضب. ابتسمت مليكة لها.

الصراحة مش هو بس يا ميرو، هو والبت غزل. بس غزل عقلت وهو زي ما أنتِ شايفة. نظر لميرنا ورفع حاجبه بمعنى. متسمعيش كلامها، بتضحك عليكِ. ابتسمت بسخرية. -أيوه فعلًا هي بتضحك عليا؟ أسبلت أهدابها متحاشية النظر إليه، وكلمات مليكة تصم أذنيها: هو وغزل. ناظرته بغضب. -ويا ترى كنت بتعمل إيه يا سيفو؟ قاطع حديثهما اتجاه ليلى لهما. -صباح الخير على الحلوين. قاعدين في الشمس ولا إيه؟

-الجو فعلًا جميل. حبيت أشمس ابني ومامته. جلست بجواره مربتة على ظهره بحنان. ربنا يكملها على خير يا حبيبي. نظرت لبطن مليكة التي بدأت في الظهور وأردفت متسائلة. -لسه قدامك قد إيه يا حبيبتي؟ ملست على بطنها وابتسمت. -باقي أقل من شهرين إن شاء الله ويشرف ولي عهد حازم الألفي. أردفت بها وهي تضع رأسها على كتفه. نظرت ليلى حولهما. -هي غزل لسه ما جتش من القاهرة؟ وصل صهيب ونهى وهما يتمازحان. السلام عليكم يا أهل الكهف. أخيرًا صحيتم.

وزعت نظرها بينهما. -انتوا كنتوا فين كده؟ جلست نهى بجوارها وهي تخطف حبات التوت من ميرنا. روحنا الشلال شوية لما لقينا الكل نايم. -هو إيه التوت الأخضر ده يا ميرنا؟ هو التوت بيظهر في الشتا؟ ضحك سيف مردفًا. -آه التوت الحرامي. ده توت جبلي بس معرفش الراجل ده جايبها وزرعها هنا ليه. -هو فيه توت جبلي؟ تساءلت بها نهى. ضحك عليها سيف: بيقولوا لما أدخل زراعة هاعرف. هو جواد لسه ما وصلش؟ أردف بها صهيب بحيرة. أجابه حازم:

-"لا" كلمته من شوية قالي لسه خارجين من القاهرة راحت عليهم نومة. أومأ برأسه بمعنى تمام. تحرك متجهًا لمنزله. قابله والده. -صهيب أنا كلمت المأذون وهيجي بعد صلاة العشا. والعمال بدأوا يجهزوا للحفلة. دقق النظر إليه: -مالك يا صهيب؟ ابتسم لوالده ابتسامة لم تظهر لعينيه. -سلامتك يا حبيبي أنا كويس. هدخل آخد شاور العصر هيدن أهو. ربت على كتفيه. -متأكد إنك كويس يا حبيبي؟ رفع وجهه لوالده ووضع يديه أنا كويس حبيبي. بعد إذنك.

وصل لغرفته. جلس فوق فراشه بظهر منحني وكتفين متهدلين أثقلهما الوجع لذكريات أليمة اليوم. لا يعلم عن أي ذكرى يحزن. مسح وجهه براحتيه وهو يتمتم. اللهم ألهمنا الصبر يا أرحم الراحمين. رجع بجسده للخلف مستندًا على فراشه متذكرًا مقابلته ببثينة. كان يجلس بالشركة يعمل على جهازه المحمول. يرتدي نظارته الطبية التي أعطته وقارًا. دلفت السكرتارية الخاصة به. -حضرة الضابط جه يا فندم وبيقول لحضرتك منتظرك في مكتبه ضروري.

قطب ما بين حاجبيه وأردف متسائلًا. -غريبة أوي جواد يجي النهاردة. المفروض يكون في إسكندرية النهاردة. رفع نظره إليها. -تمام روحي أنتِ على شغلك. أغلق حاسوبه واتجه لمكتبه. دخل كعادته بمزاحاته. -معقول العريس ساب إجازته وجايلي هنا، ولكنه فجأة قطع حديثه. عندما شعر كأن شل لسانه ولم يقو على خروج الحروف عندما وجدها تجلس أمام جواد. سكن لثواني. شعر بصفعة قوية على وجهه وكأنه يجد جنى التي تجلس بمقابلته.

وقف جواد واتجه له عندما وجد حالته. شعر باختناق صدره كأن الأكسجين انسحب من حوله. رفع نظره وطالع جواد. نظراته تائهة، حائرة. أشار بيديه ولسانه ما زال لم يقو على الحديث. سكن لثواني. ضمه جواد وهمس له. -صهيب الماضي انتهى ومش هيرجع تاني. لازم تفوق من الماضي. لازم تدفنه ولازم تواجه مش هتفضل طول عمرك بتهرب منه. رفع وجهه بين راحتيه. -زمان طلبت مني إني أنسى وأسامح وأعفو، فاكر قولت إيه؟

-إحنا عبيد والحكم والرحمة لرب العبيد. ليه هتفضل تهرب؟ ليه هتفضل تدفن نفسك بالماضي؟ أنت لازم تفوق. أشار بيديه. -جاية هنا ليه؟ عايزة إيه مني تاني؟ اتجه بنظره لجواد. -دي بعتتلي رسالة يوم فرحي يا جواد. عارفة بعتت إيه؟ عارف عملت فيَّ إيه؟ نظر لها جواد بحزن. وضعت رأسها في الأرض ندمًا على ما فعلته. ربت على كتفه. -انسى يا صهيب هو أنا اللي هقولك. فين صهيب الدكتور النفسي اللي كان مجنن العيلة؟ لكمه لكمة خفيفة بصدره.

-ارجع اتشقى واعمل دكتور عليا يالا. علشان أحس إنك بجد دكتور. اتجه بنظره لبثينة. -أنا هسيبكم شوية مع بعض. اتجه لأخيه. عايز أقولك الضغينة عندك مش أقل من اللي كانت عندي. أردف بها مغادرًا. جلس بمقابلتها. -عايزة إيه يا بثينة؟ -موتي فرحتنا، وجاية دلوقتي وبتخططي لإيه؟ اقتربت منه. -عايزك تسامحني. والله أنا ما كنت أقصد ولا أعرف إن ده هيحصل. أنا كنت مفكرة إنه هيكون كلام بس. وقف وصرخ بوجهها.

-الكلام ما عادش منه فايدة. النتيجة واحدة إن جنى اندفنت في التراب. لبست الأبيض بدري بس للأسف كان كفنها مش فستان فرحها. زفر بغضب واتجه لها. -أوعي تفكري إني سيبتك علشان صعبتي عليا أبدًا. أنا سيبتك علشانها. علشان دي اللي كانت بتربطنا ببعض. علشان لما نتقابل ما تقوليش ليه عملت في أمي كدا. ابتسم بسخرية واسترسل: -ما هي أصلها طيبة كانت مفكراكي كل حياتها... اقترب وتحدث بصوت كفحيح الثعبان:

-ما تعرفش إن أختها باعت حياتها علشان شوية فلوس... ركل الكرسي وتحول لإنسان أول مرة تراه واستطرد: -ما تعرفش إن أختها هي السبب في موتها، ما تعرفش إن أختها كانت بلا شرف ورمت نفسها للشيطان... وبدل ما تيجي ونداوي جروحنا، لا راحت أشعلت البنزين في الجروح... رفع نظره وناظرها بغضب: -ما تعرفش إن الشيطان يرفع لها القبعة والله وهي بترسم وتخطط إزاي تقتل روح بريئة... لا وكمان عايزة بنت في ربيع ظهورها، كانت عايزة حد يغتصبها.

جلس وهو يضع رأسه بين راحتيه، مع انسدال دموعه: -ما تعرفش إنها حولت شخص من شخص مليء بالحيوية والنشاط لشخص ميت جسد بس ما فيهوش روح... شخص كان بيدعي كل ليلة إن ربنا يختاره علشان يوصلها... رفع نظره مرة أخرى وأكمل مفسرًا: -للأسف يا بثينة هانم، إنتِ موَّتي حاجات كتير حتى لو من غير دم.. وأول اللي موتيه، موَّتي أخلاقك ودينك... موَّتي تربية أبوكي وأمك فيكي... موَّتي أختك.. موَّتي جواد لما كان بيتحاسب على قضية اغتصاب...

ضحك بسخرية: -بقى أخويا اللي بيتعامل بكل احترام من الكل تيجي واحدة زبالة عايزة تنسف تاريخه وشرفه بقضية عار... جاية وعايزة أسامحك على إيه... أنا لو هسامحك، هسامحك علشان حاجة واحدة بس "إنك بعدتي عني وارتحت منك". تحرك مغادرًا ولكنه وقف على باب الغرفة وتحدث وهو مواليها ظهره: -أنا بدأت حياة جديدة... ياريت تبعدي عن حياتي زي ما كنتي بعيدة... وشكرًا لدعوتك عليا... قالها وغادر متحسرًا على نفسه من ماضٍ ما زال يصفعه بقوة. قابلته

نهى وهي تبتسم وحضنته: -عندي مفاجأة حلوة... بس مش هنا ولا دلوقتي.. أنا هسبقك على البيت ما تتأخرش. قالتها مُقبِّلة خديه ثم خرجت سريعًا... حمد الله كثيرًا إنها ذهبت ولم تراه بهذه الحالة.. من غضبه ووجع قلبه. *** خرج من شروده عندما دخلت الغرفة: -صهيب قاعد كدا ليه... قولت هتطلع تاخد شاور وتنزل، إيه اللي حصل؟ جذبها بقوة حتى سقطت بأحضانه. اقترب من شفتيها والتقطها لينسى بها همومه وأحزان قلبه التي تكويه. قطع قُبلته وهو ينهج:

-مستني مراتي الحلوة ناخد شاورنا سوا... حتى ابننا يعوم معنا. ملست على أحشائها بحب: -أنا فرحانة قوي يا حبيبي.. ربنا يباركلنا فيه ويجي على الدنيا بكل خير وسلامة. جذبها لأحضانه: -ربنا يخليكي ليا يا حبيبة قلبي... قرب وجهها منه: -بحبك قوي يا نهى إوعي تزعلي مني يا حبيبي... عايز أقولك الماضي اتمسح من قلبي ما فيهوش غير ذكريات بس... مجرد ذكريات بس اللي هنا إنتِ وبس. قالها مشيرًا لقلبه. جلست على ساقيه وحاوطت عنقه:

-لو عندي شك في كدا صدقني كنت خرجت من حياتك حتى لو بموت فيك. لمست جانب وجهه وقبَّلته بعشق: -عارفة إن دي ذكريات واللي ما لوش ماضي ما لوش حاضر يا حبيبي... استرسلت مفسرة: -أنا ما ليش أحاسبك على الماضي يا صهيب.. أنا أحاسبك بعد ما عرفتني وارتبطنا... نظر لها بأعين عاشقة: -وحشتيني وما تقوليش علشان الولد.. وحشتيني يعني وحشتيني... اقترب متناولًا ثغرها ليذهب بها لجنة خلودهما. في القاهرة استيقظ جواد قبيل الفجر.

فتح عيناه ببطء كان شعرها يغطي وجهه بالكامل... أزاحه بهدوء رافعًا رأسها من على صدره جاذبًا إياها لذراعيه... ابتسم عندما تذكر ليلته المجنونة مع عاشقة روحه. اقترب من أنفاسها التي تمثل له نعيم الحياة.. ظل يملأ عينه من جمالها الخارق لقلبه... تسحره بكل ذرة بكيانه... نعم لقد فُزت بجنة الدنيا أيها الرجل... هذا ما أردف به لنفسه.

ابتسامة غزت محياه مما أشعرته بتضخم دقات قلبه داخل صدره لامتلاكه لها. التقط ثغرها المكتظ حتى يشعر بجمال صباحه.. فتحت عيناها ولكنها أطبقتهما مرة أخرى عندما شعرت بإرهاق جسدها... ذهبت لنومها مرة أخرى وهي تهمهم باسمه بين شفتيها. مست كيانه وتغلغلت روحه بابتسامة مشرقة مجرد سماعه لاسمه من بين شفتيها. دفن أنفاسه في عنقها وتحدث بصوت مبحوح، مفعم بالمشاعر: -حبيب قلبي قومي وحشتيني... رفع رأسه ليرى تفاصيل وجهها عندما تستيقظ.

صوَّرها بقلبه كلوحة فنان مبدع... رمشت بأهدابها تحاول فتح عينيها: -جود الساعة كام؟ رجع لوضعيته مرة أخرى وأردف حتى لفحت أنفاسه الحارة عنقها، ويديه تتحرك بحرية على جسدها اللين تحت الغطاء الناعم: -الساعة أربعة... لسه ساعة وشوية على الفجر... "صوته... لمساته.. أنفاسه الحارة زلزلت كيانها مما جعلها تشعر بكهرباء تسري بعمودها الفقري... شعرت بلذة خفيفة بجسدها... جعلتها تفتح رماديتها بالكامل... رافعة أناملها بشعره الناعم الغزير.

-إيه دا إحنا ما نمناش غير ساعتين بس. اعتدل برأسه حتى اختلطت أنفاسهما.. اقترب أكثر ملتقطًا شفتيها... وكانت أكثر من مرحبة بقبلته التي لم يفصلها سوى احتياجهما للهواء. داعب وجهها بأنفه: -شوفتي عملتي في جوزك إيه... قولتلك بلاش الأكل دا. رفعت يديها على وجهه تتحسسه.. ثم أردفت بصوت هامس جعله متيمًا لعشقها الأبدي: -جوزي مش محتاج أكلة ولا غيره... لامست شفتيه وأكملت: -حبيبي حبه اللي بيحركه... ناظرته برماديتها:

-مش حبك ليا اللي بيحرك مشاعرنا... قالتها وهي ما زالت تتلمس وجهه. أغمض عينيه تحت يديها وهو يذوب كجليد في فصل الصيف... وتحدث وهو ما زال مغلق عينيه: -حبيبك بيندم على كل لحظة بعد عنك فيها... حبيبك لأول مرة يتمنى يرجع للعشرينات عشان يقدر يستمتع بحبه أكتر وقت. جذب خصرها مما اخترق قانون عشق المسافات بينهما. فتح عينيه وناظرها: -بحبك حب مش طبيعي...

حب مخليني عايش في الجنة ولو وزعت فلوسي كلها علشان أحمده على النعمة دي مش هتكفي. ألقت بنفسها عليه: -وأنا بعشقك وبعشق كل لحظة قرَّبنا فيها من بعض وبكره كل لحظة بعدنا فيها عن بعض... دفنت رأسها في عنقه... مما أشعلت جسديهما بالكامل ليشعر بأن جسديهما لم يتقابلا منذ أيام بل شهور وما هي إلا منذ ساعتين فقط... جذبها بقوة حتى أصبحت فوقه بالكامل... ليغوص بفن عشقهما للمرة التي لا يعلمون عددها كطائر النورس فوق البحار.

بعد فترة اتجه بها إلى حمام الغرفة وأنزلها بهدوء لبانيو الاستحمام عندما وجد علامات الإرهاق على جسدها بالكامل... دلف هو الآخر لداخل البانيو... جلس خلفها. حتى ألقت ثقل جسدها بالكامل عليه لعدم قدرتها على الحركة. بعد فترة كانت تجلس بجواره بعد انتهائهما من صلاتهما. جلس يرتل بعض آيات الذكر الحكيم.. بينما هي كانت تقوم بالتسبيح على أنامله. ثم اتجهت لقراءة أذكار الصباح مع بعض الدعوات... انتهت من أذكارها...

ألقت برأسها على ساقيه. تستمع لصوته العذب في تلاوته للقرآن لسورة البقرة... انتهى بعد قليل من تلاوته. ولكنه رجع لسورة الفاتحة.. قرأها بتمهل. قطبت ما بين جبينها واعتدلت جالسة بعد انتهائه: -ليه قرأت الفاتحة مرتين؟ ابتسم لها ثم جذب رأسها لأحضانه: -مش عيب تبقى كبيرة كدا وتسألي وما تعرفيش أهمية المثاني السبع. ضيقت عيناها وتساءلت: -المثاني السبع؟ أرجع بجسده للحائط جاذبًا جسدها معه:

-كان عندي اتناشر سنة وقت ما عرفت وتيقنت من أهميتها... ناظرها وأردف متسائلًا: -ليه قراءة الفاتحة شرط أساسي في الصلاة.. دا مش أساسي لا بدونها الصلاة باطلة. وضعت رأسها على كتفه: -مراتك زيرو في المعلومات الدينية آخرها تصلي، تصوم، تقول أذكار، دعوة حلوة وقت المطر. ابتسم بوجهها. -مراتِ أحسن واحدة في الدنيا، بس عايزة تقتحم عالمها الديني. بصي يا ستي، الفاتحة سميت بالمثاني لأنها تُثنى في الصلاة...

يعني لازم نقرأها في كل ركعة... حيث قال رسولنا الحبيب: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها أم الكتاب فصلاته ناقصة." وخلي بالك دا حديث موثوق من أبو هريرة. ثم اكتمل حديثه: وسميت بالفاتحة وأم الكتاب لأنها تبدأ في بداية المصاحف... ومن شرفها وعظمتها للمؤمن والمسلم إنها بين ربنا وبين عبده. رفعت رأسها وتساءلت: -بمعنى؟ أجابها: -لأنها قسمت بين العبد وبين ربه... اتجه بجسده وأعدل جلستها... بصي يا زوزو:

-إيه اللي بين الإسلام وبين الأديان التانية؟ -الصلاة حبيبي... هم ممكن يكون لهم صلواتهم بس غيرنا طبعًا، يعني إحنا ربنا ميّزنا بالفاتحة أو السبع المثاني أو أم الكتاب، أي اسم يعجبك، إزاي بقى؟ -يعني وإحنا بنقرأ الفاتحة "الحمد لله رب العالمين" ربنا بيرد عليه ويقول: "حمدني عبدي... -نكمل "بالرحمن الرحيم" قال الله عز وجل: "أثنى عليَّ عبدي" إذا أكمل وقال: -"مالك يوم الدين... قال الله عز وجل: "مجدَّني عبدي"

وإذا قال: "إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم" يقول الله عز وجل: "هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل" استطرد مفسرًا: -يعني مُجمله إن ربنا يهدينا الصراط اللي هننجو من نار جهنم وبئس المصير... ربنا يعفو عنا وينجينا من نار جهنم يا رب العالمين. وما تنسيش كمان إن الفاتحة دي فيها شفاءين "شفاء القلوب، وشفاء الأبدان"

يعني لما بنقولها بيقين، لو عندك هم ربنا يزيحه ويشفي قلبك من الحزن، وكمان بتقرئيها للأموات بتكون دعاء لهم. أما شفاء الأبدان -زي الرقية الشرعية اللي بتنجينا من السحر والحسد... ربنا يبعد عن كل حاسد ومنافق يا قلبي. ابتسمت بوجه تحمد ربها على نعمه وفضله عليها. ناظرته بعيونها الجميلة وابتسامتها: -تعرف من كتر ما حصل لي، كنت مفكرة أنا أتعس بنت في الدنيا... بس ربنا فعلًا رحمته واسعة أوي... إحنا ما نعرفش إن كل ابتلاء فيه خير...

بس نقول إيه، ما عندناش صبر على الابتلاء. قبَّل جبينها ودعا: -ربنا يرزقنا الصبر على ابتلائه دائمًا... عايز إيمانك بربنا قوي... ما فيش حاجة تهز دينك. حتى لو ابتلاكي بأكبر وأعظم حاجة بتحبيها. ألقت نفسها بأحضانِه: -ربنا رحيم بيا، وإن شاء الله ما فيش وجع لقلبي بعد كدا... إنت أكبر نعمة عندي بدعي ربنا ليل نهار يبارك لي فيك ويديمك طول العمر... جواد أنا قوية علشان إنت جنبي حبيبي. بتمنى من ربنا تفضل السعادة لقلوبنا.

حملها بين يديه حتى وصل لفراشهما... ثم قام بخلع إسدالها: -تعالي نكمل نومنا عندنا سفر... وكل "ما يصيبنا إلا ما كتبه الله لنا". يعني ربك هو الحافظ وهو المدبر لأمره. ألقت بنفسها في حضنه كأنها ستفتقده... همس لها وهي ما زالت بأحضانه: -على فكرة، حضن كمان وهشيلك على البانيو وإنت عارفة إيه اللي هيحصل بعدها... إحنا لسه في الشتا يا قلبي وكتر الحُموم بيكسر العضم... رغم أنه أردف بها كي يخرجها من حالتها، ولكنها تعلقت به أكثر...

بسط جسدها بهدوء على الفراش وتمدد بجانبها... مطوقًا خصرها وهو يهمس لها بكلمات الاطمئنان. *** هي كنزه الثمين الذي لا يرى شيئًا في الكون أثمن منه... رفع شعرها على جنب وجذبها. مُقبلًا شفتيها قُبلات سطحية حتى ذهب في سُبات عميق. *** بعد عدة ساعات بالسيارة، تجلس تستند على كتفه تطوقه: -ليه بابا أصر يكتب كتاب سيف في الفيوم؟ رفع حاجبه متزامنًا مع شفته العلوية: -حسين دا عليه أفكار جهنمية... حاولت أفهم منه، كل اللي قاله:

"البلد وحشتني والأهل واحد ليه لأ؟ حاولت ادعاء الثبات أمامه. -فعلًا البلد وحشتنا كلنا... كان نفسي أقول لك يا ريت نرجع زي زمان. بس دا مستحيل... جذب رأسها لأحضانه... وأردف مبتسمًا كي يخرجها من حالتها: وحشتيني على فكرة... كل ما أفتكر الحمام والكوارع وأنا بحس إنها ما أخذتش حقها. رفع ذقنها ووزع نظره بينها وبين الطريق أمامه... كنتِ مجنونة يا قلبي. تورّدت وجنتيها بدماء الخجل وهي تطرق أنظارها أرضًا هاربة من مغزى كلماته...

فقدت قدرتها على الكلام وارتبكت في جلستها وبدأت تنظر من النافذة... جذبها مرة أخرى عندما ابتعدت بعض الشيء. ابتسم بهدوء وهو يرميها بعيونه الصقرية ليتفحص جمال وجهها وخجلها... قهقه عليها عندما تقابلت بنظراته... وضعت يديها على وجهها: -بس بقى يا جواد بص قدامك بدل ما نعمل حادثة. قبَّل رأسها: -دا مكانك إياكي تبعدي مرة تانية... وضعت رأسها على كتفه مرة أخرى وقامت بتشغيل الكاسيت: "أنا بعشقك أنا... أنا كلي لك".

ظلت تدندن مع الأغنية. دنا من أذنها: -"أنا بعشقك أنا، أنا كلي لك". رجفة لذيذة أصابت جسدها من أنفاسه التي ضربتها، أغمضت عيناها تستمتع بصوته وهو يغني لها. اعتدلت تنظر له: -وعدتني تغني لي قبل كدا فاكر؟ ابتسم ونظر لوجهها ذو اللوحة الفنية الخلابة التي تثير قلبه بل جسده بالكامل. -أوعدك الليلة كلها هتكون بتاعتك... تحت أمرك... مش هغنيلك بس، هنسهر ونحاكي ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا مع بعض... وعامل لك مفاجأة هتعجبك أوي...

قبل ما تبدأي في الماجستير. تغلغلت روحها بابتسامة مغرمة به مجرد ما استمعت كلماته فأصبحت كفراشة جذابة الألوان تتحرك بخفة فوق الأزهار. لمست جانب وجهه: -ووعد مني هعمل لك مفاجأة هتطير عقلك... أنا كمان هشوف مين مفاجأته أحسن. ضرب على المقود وهو يضحك بصوته الرجولي: -وحياة ربنا موتي هيكون على إيدك يا جنتي. نامت على كتفه: -مش مهم، المهم هنموت مع بعض... لا إنت تعاني من بعدي... ولا أنا أعاني من بعد... اعتدلت سريعًا:

-لا مش هتكون معاناة أد ما هيكون موت حقيقي بس بالروح. مسح دموعها التي تساقطت فجأة: -حبيبتي إحنا بنهزر... ليه قلبتيها حزن كدا؟ هزت رأسها وعادت لموضعها: -أنا مش عايزة أتخيل يا جواد... بلاش وحياتي عندك، تهزر في الموت... كفاية وجع لحد كدا... ضمت نفسها بالكامل لداخل أحضانه مما جعله فقد السيطرة على القيادة. هدأ من سرعة السيارة ووقف بجانب الطريق. استدار بجسده لها... تشبثت بقميصه ودموعها تسبق كلماتها...

بكت بقهر يتيمة عندما تخيلت فكرة فقدانه. بدأ الخوف يلتهم قلبه عليها كما تلتهم النار سنابل القمح المحترقة... شعر باحتراق صدره عندما وجد حالتها هكذا. دموعها تكوي قلبه... نعم هو يخاف أكثر منها. نزل من السيارة وطلب من زاهر قيادة سيارته عندما فقد السيطرة على نفسه من حالتها: -سوق بينا يا زاهر وخلي حد من الأمن يركب عربيتك. استدار وجذبها للخلف... جلس وأجلسها بأحضانه... شعور طفلة ضائعة مشتتة عندما فقدت والديها...

هذا كل ما شعرت به عندما تحدث بكلماته المازحة. نامت بأحضانه على موضع نبض قلبه وهو يتمتم لها ببعض الكلمات الهادئة: -أوعدك عمري ما أسيبك يا قلبي... دعب وجهها بأنفه: -إنتِ ما تعرفيش إنتِ بالنسبالي إيه... إحنا بنهزر... وبعدين فين إيمانك بربنا يا زوزو... دا إيمانك بربنا... أخيرًا هدأت وذهبت في سبات. *** وصلا بعد قليل إلى الفيوم. نصب عوده وهو يمد يده لها ليساعدها على النهوض من السيارة. وضعت يديها بيديه ونزلت من السيارة.

اتجه سيف إليهما وهو يقوم بالتصفير: "والله خايف على نفسي ليفكروكم العرسان... رفع حاجبه متحدثًا بسخرية: "احنا أحسن من العرسان نفسهم يالا.." وقفت بجانب سيف: "ألف مبروك يا سيفو وعقبال الليلة الكبيرة." جذبها من يديها: "هتفضلي ترغي؟ تعالي ندخل نشوف بيعملوا إيه من غيرنا." اتجه بنظره إلى سيف: "كله تمام." أومأ له برأسه بنعم. قبل يديها. "حبيبتي ادخلي لماما وطنط حسناء عندي مشوار مهم لازم أعمله." قطبت جبينها:

"مشوار إيه ده يا جواد؟ ربت على كتفها مردفًا: "لما أرجع هقولك." قاطعهم دخول أمل ووالدتها اللذين وصلوا للتو. "إزيك يا جواد." قالتها أمل وهي تنظر له باشتاق. ارتدي نظارته الشمسية وحياها بهدوء. "إزيك يا أمل. أنا كويس." أعاد نظراته لغزل: "ادخلي يالا عايز أمشي." أومأت برأسها ودخلت. وقفت أشجان أمامه. "فيه موضوع مهم يا جواد عايزين نتكلم فيه." تحرك مغادرًا للسيارة. "إن شاء الله." وصل بعد قليل لمقبرة جاسر وأمجد.

وقف أمام المقبرة ينظر بشرود وأحداث الماضي كلها أمامه كشريط سينمائي. أغمض عينيه بحزن وتحدث: "عامل إيه يا صاحبي وحشتني." تنهد بألم كاد أن يذبح صدره. كان يقف يبكي على مأساة الفراق من أعز الأصدقاء بل كان كالأخ. شعر بألم بقلب مفطور ملئ بالثقوب الحزينة كلما تذكره. اتجه وجلس أمام المقبرة وبدأ يحدث نفسه. كيف نخبر الجميع أننا بخير وقلوبنا تشتهي ضم أشخاص فارقت الحياة.

لا يعلموا أن البقاء على قيد الحياة أشد ألمًا من الموت نفسه. يا له من فراق دائم يبعث للقلب الآلام وآهات صارخة. حتى لو أشعرنا بما حولنا أننا بخير. تنهد بحزن من أعماق صدره: "وحشتني أوي. الفراق آه لو تعرف فراقك عمل إيه؟ أمسك حفنة من الأتربة بجوار المقبرة: "شفت يا جاسر اتخلقنا منه وهنرجع له." انسدلت دمعة شريدة من عينيه. رغم السعادة اللي عايش فيها بس ناقصني أنت. أيوه يا صاحبي.

"فيها حاجة ناقصة رغم وجود صهيب وحازم بس أنت غيرهم." آهة صارخة خرجت من جوفه: "كان نفسي تشوف السعادة اللي أنا وغزل عايشينها." استكمل حديثه المؤلم: "كان عندك حق يا حبيبي. مفيش أجمل من أنك تنام مرتاح وحبيبك في حضنك." تنهد وحاول أخذ نفس يملأ رئتيه بهدوء ثم طرده:

"خايف، تخيل. جواد خايف من بكرة. خايف السعادة دي تتسرق مني. خايف على غزل أوي. خايف على أخواتي. أول مرة أحس إني خايف أوي كدا. بقيت أنام زي الأسد مفتح عين ومغمض عين. بقينا نمشي أمن جوه وأمن بره." زفر وأكمل مستطردًا: "أنا مش خايف على نفسي قد ما أنا خايف على غزل لو حصلي حاجة. تعرف إننا مبنعرفش نتنفس بعيد عن بعض." ابتسم بوجع:

"أختك بقت مجنونة أوي. ضحك، هي طول عمرها مجنونة الصراحة. بس بعشق جنانها كبرت أوي مش بالسن بس. كبرت بمواقفها بقت بتعرف تمتص غضبي. وكمان بقت بتعرف إزاي تكون حنينة وفي نفس الوقت قطة شرسة. تقول إيه بقى جنيتي تربيتي." تذكر شهيناز. وقف ولمس المقبرة:

"أخدت لك حقك وحق عمو ماجد يا حبيبي. عايزك تنام وترتاح مع إنها جت متأخر بس جت. لسه حق دمك مكملش. وقعتهم لسه واحد بس وحياتك عندي لأجيبه. بدل عرفت هو مين متخافش حتى لو فيها موتي خلال شهر هعلقه على حبل المشنقة زيه زي غيره." "دفنت لك شهيناز بإيدي دي تحت الأرض." "هخلص منها القديم كله." هنا ذهب بذاكرته لذلك اليوم. بعد رجوع غزل، باليوم التالي ذهب إليها حيث المكان الذي وضعها به عثمان. وقف عثمان عندما وجده:

"زي ما طلبت حضرتك يا باشا. بس حضرة الضابط باسم رافض كل اللي بنعمله." "ملكش دعوة بباسم أنا هتصرف معه. هي صاحية؟ أومأ عثمان برأسه: "كانت بتصرخ من شوية." فتح جواد الباب ودخل إلى غرفة تحت الأرض. دلف للداخل وجدها تجلس على الأرض وهي تبكي ومظهرها مزري للغاية. جلس أمامها على المقعد: "شاهي، شاهي. قولي يا ست الحسن والدلال أعمل فيكي إيه. اختاري موتة تليق." وقفت واتجهت له: "تعرف أكتر واحد كرهته في حياتي أنت." قهقه بصوت مرتفع:

"القلوب عند بعضها يا مدام شاهي." أخفض رأسه وتحدث: "تعرفي لو ينفع أغنيها وأنزلها ألبوم ما أتأخرش." فجأة جذبها من خصلاتها: "الحق عليا. أنا اللي غلطت لما عرفت إنك قذرة ورغم كدا سبتك. كان المفروض أرميكي رمي الكلاب يوم ما سقطتي ابن ماجد. كان المفروض أحبسك يوم ما عرفت إنك بتغتلسي من الشركة. كان المفروض أموتك أو أدفنك بالحياة يوم ما عرفت إنك قذرة وبتجري ورا جاسر وبتحاولي تفرقي بينه وبين مليكة."

شهقت شهقة فارغة الوجع تحاول الثبات أمامه قدر المستطاع ولكنه. رطم رأسها بالحائط وبدأ يتحدث بغضب وخرج عن السيطرة: "كان المفروض ما أسيبكيش عايشة يوم واحد بعد ما رحتي واتفقتي مع بثينة بقتل أختي واغتصاب غزل." دفعها بكل قوته. انسال الدماء من أنفها وهي تبكي وتهز رأسها بلا. همت أن ترد عليه لكنه استوقفها بسباته محذرًا: "إياكي أسمع صوتك سمعتي." اقترب بخطى سلحفية وأثنى بجسده. "وياريت تتهدي بعد ده كله؟

لا رايحة تخطفي مرات جواد الألفي." دار حولها حتى بث الرعب بها. وجف حلقها وارتعدت مفاصلها. نظر لها بنظرات قاتمة ووجهه يغمره الغضب تمنى أن يخنقها ولكنه اتجه وجلس مرة أخرى على المقعد ووضع ساقًا فوق الأخرى. "سمعيني كدا كنت عايزة تعملي إيه." "أيوه أيوه افتكرت." "عايزة تجيبي أخويا وتصوريه مع مراتي." هنا وقف كالوحش المفترس وانقض عليها لم يرى أمامه سوى زوجته وهي تصرخ باسمه ورعبها مما خطط لهما. دخل عثمان سريعًا

عندما استمع لصرخاتها: "جواد أنت بتعمل إيه؟ هتموت في إيدك." ظل يركلها بكل جسدها لم يرى، لم يسمع شيئًا. دفعه عثمان بكل قوته: "لو سمحت يا فندم فوق دي ما ماتت." بصق عليها: "الموت رحمة للي زيها. عايزها تشوف العذاب ألوان. افصلي كل الكهربا دي." "أنا عايز الأوضة دي مقبرتها سمعتني ولا لا." نزل بجسده جالسًا على عقبيه أمامها: "احمدي ربنا إنك واحدة ست. أقسم بالله لأخليكي تتمني الموت ما تطولهوش." وقفت تستند

على الحائط من شدة آلامها: "جواد وحياة رحمة جاسر تسامحني." أمسكت بيديه: "وحياة غزل عندك تسامحني وتسجني وديني السجن بلاش تسيبيني هنا." دفعها بقوة حتى سقطت على الأرض. "اسمي حضرة الظابط يا بنت متنسيش نفسك." نظر لها باحتقار ثم تحرك مغادرًا وهو يصرخ بعثمان: "البنت دي ممنوع تشوف نور ربنا لحد ما تموت." استدار لها وتحدث: "البقاء لله يا شهيناز. نسيت أقولك عاصم مات من يومين عقبالك." ********

خرج من شروده عندما شعر بأحدهما يضع يديه على كتفه. "لما أنت جاي هنا ما قولتليش ليه." جذبها وأجلسها بجواره مطوقًا خصرها: "زاهر معاكي بره." أومأت برأسها. اتجهت للمقبرة: "وحشتوني أوي." ناظرت زوجها الذي يجلس بجانبها: "شوف يا جسورة مين عندك." "غزالتك وحبيبها. بس المرادي مش حبيبها بس لا جوزها وكل حياتها. ومش جاية تشتكي منه، أبدًا." ابتسمت وهي تناظره بعشقها: "جاية أفرحك حبيبي زي ما فرحتني."

جاية أقولك إنك أجمل وأحن أخ في الدنيا. اتجهت بنظرها للمقبرة: جاية أقولك لو فضلت أدعي ربنا ليل نهار على رحمته بيا... مش هتكفي... جاية أقولك حبيبي ضحيت بنفسك علشان أختك تعيش. استكملت مسترسلة: حبيت تدفن نفسك علشان تبسطني... حتى وإنت تحت التراب فكرت بأختك... أنا أسعد واحدة في العالم ده يا حبيبي... عايزك تطمن على أختك. استدارت له مرة أخرى: وكمان اطّمن على صاحبك وقدوتك في إيد أمينة. ضحكت بصوت هادي:

أنا أخيرًا عرفت ليه جواد قدوتك... بجد أنتوا الاتنين أغلى ما أملك... إنت بذكرياتك وهديتك اللي مهما أعمل علشان أجازيك عليها مقدرش... وهو بحبه وسعادته ليا. وضعت رأسها في حضنه: وحشني أوي يا جواد نفسي أضمه وأشم ريحته... فعلًا الأخ ميتعوضش أبدًا... ومش أي أخ... ده جاسر. قبّل جبهتها: ربنا يرحمه حبيبتي. ضيّق عيناه ليخرجها من حالتها: إزاي صاحبه في إيد أمينة يا بت... ده أنا ضعت... فعلًا أنا كنت بقوله إني في إيد...

كنت لسه بقوله يا روحي... لكمته بجنبه: وسع كده أنا مخصماك علشان مقولتليش إنك جاي هنا... على فكرة أنا جاية صدفة مع خالتو حسناء جت تزور عمو حسن فقولت هروح معاكي... هي هناك عند المقبرة. وضع جبينه فوق جبينها: بتهربي يا زوزو علشان معاقبكيش إنك خرجتي من غير ما أعرف. وقف وجذبها معه: بس هتتعاقبي يا قلبي... وقدام أخوكي وأبوكي أهو لازم جوزك يعاقبك. ألقت نفسها بأحضانه وبكت لقد خلعت قناع الصمود: ياريتهم يردوا عليك يا جواد...

أنا موافقة إني أتعاقب منك... بس أسمع حد فيهم وهو بيقولك اكسرلها عضمها حتى... أنا موافقة تعملوا فيا اللي أنتوا عايزينه. ضمها بكل قوة لديه: عرفتي ليه ماردتش أقولك إني جاي هنا... علشان دموعك دي بتموتني... يرضيكي تموتيني يا زوزو. مسحت دموعه مقبّلة خديه: بعد الشر عليك يا روح غزل. مساءً. كان يجلس الجميع بالحديقة المزينة بالأنوار. توضع منضدة متزينة بوسط الحديقة يجلس عليها كل من... هاشم والد العروس... بجانبه حازم...

وعلى الجانب الآخر يجلس حسين بجانبه سيف وجواد... ويوجد المأذون في المنتصف. بعد فترة انتهى مراسم عقد القران. اتجه حازم لأخته التي تجلس بجوار حسناء ونجاة: ألف مبروك يا قلبي... يا رب دايمًا السعادة لقلبك وحياتك. ثم قبّل جبهتها. ثم اتجه بها حيث والده وسيف. ضمها هاشم لحضنه: ألف مبروك بنتي الحلوة... ربنا يسعدك حبيبتي. قبّلها فوق جبينها. اتجهت لحسين. قبّل حسين رأسها: ألف مبروك يا بنتي ربنا يسعدكم يا رب.

اتجه صهيب وجواد لسيف مهنئين بعقد قرانه... وقف سيف أمام والده الذي تظهر سعادته اليوم لا توصف فاليوم مسك الختام لأولاده فلذة كبده آخر العنقود والحبيب والأقرب إلى قلوبهم. قبّل يد والده الذي قام بتقبيل جبهته: ألف مبروك يا حبيبي ربنا يسعدك ودايمًا السعادة لحياتك. تحرك أخيرًا لعروسه المنتظرة مباركتها. وضع وجهها بين راحتيه مقبّلًا جبهتها: مبروك يا أميرة قلبي. وفجأة طوّق خصرها وظل يدور بها.

مع التصفيق والتصفير من الجميع الذين يحضرون. بدأت الحفل بالموسيقى الهادئة ورقص العروسين. وقف صهيب وبسط يديه لزوجته: تسمحيلي بالرقصة دي يا أم عتريس. وقفت وتشابكت الأيدي. ظل يتراقص بها وسط جموع الحضور وبجانبهما أمل وصديق سيف وهي تنظر لجواد الذي يجلس بجانب غزل متشابكين الأيادي وينظرون لبعضهما بعشق ويتحدثون كأنهم يعيشون أيام المراهقة. خرجت نهى من أحضان صهيب: تعالى نقعد أنا تعبت. جذبها: تمام تعالي اقعدي هروح أجيبلك فواكه.

أومأت برأسها. بعد قليل انتهت الرقصة مع دوران سيف بعروسه. ضحك صهيب عليه: وادي سيف اللي عامل لي عاقل أهو لسه مدخلش عش الزوجية واتجنن. لكمته نهى التي جلست تأكل حبات من الفراولة: زي ما إنت اتجننت كده يا حبيبي. استند على المنضدة متشابك اليدين... مسلط عيناه على شفتيها وفمها الذي يلوك الفراولة باستمتاع... دنا منها: بطلي تاكلي قدامي فراولة... أنا بنبه مرة واحدة. رفعت حاجبها وتحدثت بسخرية: ولو منبهتش يا روحي هتعمل إيه.

"هكتب كتابي" أردف بها بهدوء وهو يمازحها كالأطفال. يا عيني عليك يا صهيب اتجننت يا حبيبي بدري بدري. وقف فجأة: معلش يا ماما نهى بطنها بتوجعها هتطلع ترتاح شوية وأنا هوصلها. نظر له جواد نظرة أرعبته: اقعد يالا هتسيب أخوك وتروح فين. نظر لنهى وهي ترفع حاجبها بشقاوة. ربتت على كتفه بسخرية: اقعد يا حبيبي... أنا كويسة قال إيه بطني بتوجعني... جتك ضربة في بطنك يا صهيب... بتنق عليا. ضحكت غزل عليهما ومصمّصت شفتاها

وهي تنظر لصهيب بسخرية: ألف سلامة يا صهيبوتي تعيش وتاخد غيرها. لكزها جواد هامسًا: احترمي نفسك حرمي المصون... بطلي ضحك، كفاية فستانك ده اللي مش طايقه عليكي. رفعت أناملها وأغلقت زر قميصه: وإنت لم نفسك يا حبي مش هفضل أقفل زراير قميصك كل شوية... إيه حد قال عضلاتك حلوة. كان يتابعهما بجلسته وهو ينفث دخانًا من أذنيه ولكنه ابتسم: جدعة يا بت يا زوزو بتعرفي تاخدي حقك... قوليله ليه فاتح زراير قميصه والجو برد يعني مش حر...

يا ترى ليه. استرسل استكمالًا لحديثه وجواد يناظره بغضب. أمسك عنباية ووضعها بفمه وهو ينظر لجواد بشقاوة: علشان الحفلة مليانة مزز شوفتي صحبات ميرنا بيرقصوا إزاي على واحدة ونص وعينهم على حضرة الضابط تقول إيش، مفيش غيره بالحفلة... أنا نفسي أقوم أطبلهم... أهو يمكن يحسوا بوجود حد تاني. ضغط على شفتيه السفلية: قوم يا حضرة الطبّال الهمام... وريني مواهبك... والله هبقشش عليك. لم ترَ نظراتهم المتحدية.

توجهت بنظراتها إلى البنات اللاتي يتراقصن على الموسيقى الشعبية وأخيرًا جلسن ووقفت أمل بمنتصفهن. وبدأت تتمايل بجسدها الأنثوي التي كانت تظهر معالمه بسخاء من فستانها الأخضر الذي يصل لركبتيها. كانت أمل نظراتها تحاصره... استدارت غزل إليه وبدأت نيران الغيرة تتأكل دواخلها ولكن اطمأنت عندما وجدته يتحدث مع صهيب... فجأة جذب سيف... جواد وصهيب وحازم للاستيدج واشتعل الاستيدج بالأغاني الشعبية... مع رقصات البنات.

وقفت وهي تنظر له بغضب عندما وقفت أمل تتمايل بجسدها عليه... وهو ينظر لها بغموض هادئ... مطت شفتاها كالأطفال فجأة ابتسمت واتخذت قرارها. خطت بكعبها العالي وفستانها السماوي الجذاب الذي يرسم جسدها رغم وسعه بعض الشيء إلى حيث وقوفهم جذبتها مليكة التي كانت تجلس بجوار نجاة تتابعهم... وقفت أمام غزل عندما وجدت نظراتها إليهما: بت يا غزل ناوية على إيه... جواد بعيد عنها هي اللي بترمي نفسها...

زوزو أنتِ دكتورة دلوقتي، حافظي على مركزك ومركز جوزك... إياكي تعملي اللي بتفكري فيه. ضحكت بصوت وهمست لها: دلوقتي هتشوفي وكمان حضرة الضابط الأمور...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...